Полный текст (2 122 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
عبودية القلم والعرش
وبقي أمران فقط من عبودية الجمادات الغيبية وهما: القلم والعرش، أما القلم فجاء في الحديث عن النبي ﷺ : (إن أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب، قال: رب وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة) أي: تكلم القلم، وهذا يدل على أن عنده إدراكاً، وفي قوله: (رب) إقرار بالربوبية، يعني: يارب! والحديث رواه أبو داود.
أما العرش فيكفي قول رسول الله ﵌: (اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ)، رضي الله تعالى عنه، وهذا الحديث متفق عليه، فإما أن العرش يوالي هذا العبد الصالح، وبسبب موالاته له اهتز سروراً واستبشاراً وفرحاً بقدوم روحه إلى الملأ الأعلى، أو اهتز من حزنه على موته، والله تعالى أعلم.
فهذه الجملة من النصوص تعكس هذا التوافق والانسجام بين عناصر هذا الوجود كله، وهذه الكائنات ليست عدوة لنا، وليس هناك شيء اسمه صراع مع الطبيعة، بل كلها جنود لله مطيعة منقادة، ونحن مطالبون أن ننقاد لله مع هذه الكائنات طوعاً واختياراً، وألا ندعها تسبقنا إلى هذه القضية، وهي قضية التوحيد، وعبادة الله ، والخضوع له ، وتسبيحه، وتقديسه، وتنزيهه.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
وسبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 1192
ما هي البدعة ؟
إن خير الهدي هو هدي محمد ﷺ ، وهذا الشعار نسمعه دائماً، ويطرق آذاننا كثيراً، ولكن لا يكفي سماعه، بل يجب جعله واقعاً عملياً؛ وذلك بأن نقتفي أثره ﷺ ، ونمتثل أوامره، وننتهي عما نهى عنه.
ومما يجب علينا هنا ألا ننكر على من خالفنا، أو نحكم عليه بالبدعة والفسق إلا ببينة وعلم، فلابد من الترو والمعرفة بمنهج السلف الصالح في ذلك.
стр. 1193
خير الهدي هدي محمد ﷺ
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم! صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم! بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أيها الأخ الكريم! إن العبارة التي نرددها دائماً في خطبة الحاجة: وهي قولنا: (أصدق الحديث -أو أحسن الكلام- كلام الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ؛ هي عبارة مقصودة، وليس عبثاً أن يجعلها النبي ﷺ في خطب الأمور والحاجات المهمة.
فخير الهدي هدي محمد ﷺ ، ويجب أن يكون هذا شعار كل مسلم، وعليه أن يرفع هذا الشعار: (خير الهدي هدي محمد ﷺ وينبغي أن يشاع الاستدلال بهذا الشعار، ويدرأ به في نحر كل من يتجاسر على مخالفة هديه أو استحسان البدع التي تخالف هديه ﷺ .
стр. 1194
طريق النجاة
من المعلوم أن الله جعل كلمة النجاة مكونة من شقين: (لا إله إلا الله) (محمد رسول الله) ولا ينجو إنسان إلا إذا حقق هاتين الكلمتين، فالأولى تشمل توحيد الله -توحيد المعبود- والثانية تشمل توحيد الطريق الموصلة إلى الله .
ومعنى كلمة (لا إله إلا الله) لا يستحق أن يعبد إلا الله وحده، ولا إله حق إلا الله.
فإذا قال إنسان: أنا أريد أن أعبد الله وحده، لكن كيف أعبده؟ وكيف أعرف الذي يرضيه حتى أعمله والذي يسخطه حتى أتجنبه؟ فهاتِ لي بيان كيفية هذه العبادة فلا ينبغي أن ننظر فقط إلى قوله ﵎: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] حتى نضيف إليه قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور:٥٤]، وغير ذلك من الآيات التي تحتم على المسلم أن لا يعبد الله إلا من خلال ما شرعه، ولا يعبده بالبدع، فهما توحيدان لا نجاة إلا بهما: توحيد المعبود، وتوحيد المتبوع ﷺ ، أي: توحيد الطريق الموصلة إلى الله، فمنذ أن بعث رسول الله ﷺ سدت جميع الطرق المؤدية إلى الجنة إلا طريقاً واحداً على رأسه رسول الله محمد ﵌، وقد أفتى العلماء بكفر من زعم أن هناك طريقاً إلى الجنة مخالفاً لطريق رسول الله ﷺ بعد بعثته الشريفة، فمن ادعى أن هناك طريقاً إلى النجاة وإلى الجنة يخالف طريق النبي ﵊ فقد أخرجه العلماء من ملة الإسلام، وكما يقدح الشرك في توحيد العبادة كذلك يقدح الابتداع في توحيد الاتباع، فكما ينافي التوحيدَ أعمال الشركُ -وهي عبادة غير الله، أو صرف شيء من العبادة لغير الله- كذلك ينافي ويضاد شهادة أن محمداً رسول الله الأخذ بالبدع وتقديمها على السنن.
стр. 1195
تعريف البدعة
ونحن في هذا البحث -إن شاء الله تعالى- سوف نناقش موضوعين: الموضوع الأول: بعض المقدمات البسيطة التي تتعلق بالبدع؛ لأنه لا بد منها قبل تمهيداً للموضوع الأساسي.
أما الموضوع الأساسي فهو ضوابط التبديع؛ لأنه يحصل خلط في هذا الباب تماماً، كما يحصل خلط نتيجة عدم إحكام ضوابط التكفير في قضايا التكفير، فهناك ضوابط للتكفير، وكذلك التبديع له ضوابط لابد من أن نلم بها حتى لا يحصل شطط وخروج عن القصد.
فنبدأ أولاً بتعريف البدعة.
البدعة من الناحية اللغوية أصل مادتها: بدع، و (بدع) يعبر بها عن الاختراع على غير مثال سابق، اختراع أي شيء بحيث لم يكن قد سبق له نظير، أي: ليس محاكاة لشيء وجد قبله، لكنه شيء يوجد لأول مرة، فيسمى بدعة، فمادة (بدع) تدل على اختراع على غير مثال سابق، ومنه قوله ﵎: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة:١١٧] يعني: خالقهما على غير مثال سابق لهما.
ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٩] أي: لست أول من جاء بالرسالة من الله إلى العباد، بل تقدمني كثير من الرسل، فلست بدعاً من الرسل.
ويقال: ابتدع فلان بدعة أي: اخترع طريقة لم يسبقه إليها أحد.
وتقول: هذا شيء بديع أو: هذا أمر بديع إذا كنت تستحسنه وتريد أن تقول: إنه لا مثال له في الحسن.
فكأنه لم يتقدمه ما هو مثله أو ما يشبهه.
أما البدعة بالمعنى الشرعي فهي: طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله .
стр. 1196
الفرق بين تعريف البدعة لغة وتعريفها شرعاً
أحياناً تطلق البدعة بالمعنى اللغوي، فلابد من التفريق بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي، فالبدعة بالمعنى اللغوي لا تذم على الإطلاق؛ لأنها تشمل كل ما يخترع على غير مثال سابق في غير الدين، مثل اختراع أي جهاز، فهذه بدعة، لكن ليست هي البدعة المذمومة شرعاً، بل قد تكون واجبة في بعض الأحيان حسب كونها وسيلة تؤدي إلى مقصود، فإذا كان المقصود مباحاً فهي مباحة، وإن كان واجباً فالبدعة واجبة، وهكذا.
فهذا فيما يتعلق بالبدعة اللغوية، أما البدع الشرعية فكلها مذمومة، والبدعة المذمومة شرعاً هي هذه التي نناقشها، وليس كلامنا في البدعة من حيث المعنى اللغوي، وإنما من حيث المعنى الشرعي، فهي كما عرفها الشاطبي في (الاعتصام): طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله .
والطريقة والطريق والسُنن أو السَنن كلها بمعنى واحد، وهو ما رسم للسلوك عليه.
وطريقة الدين هي ما شرعه الله على لسان رسوله ﷺ من العقائد والعبادات والمعاملات.
стр. 1197
أنواع البدعة
الطرائق في الدين نوعان: طريقة لها أصل في الدين، وطريقة ليس لها أصل في الدين.
فالطريقة التي لها أصل هي طريقة في الدين؛ لأن لها أصلاً في الدين، أي: ليست مخترعة.
مثل العلوم الخادمة للعلوم الشرعية كعلم النحو، والصرف، ومفردات اللغة، وأصول الفقه، ومصطلح الحديث، فكل هذه طرق جديدة في الدين، والسلف لم يدرسوا هذه العلوم بهذه الطريقة التي ندرسها الآن، والتي وجدت بعدهم، فهي طريقة في الدين، لكن ليست مخترعة؛ لأن لها أصلاً في الدين، فهذه العلوم تحفظ علم الدين، وتسهله على طالبه، فأصل هذه العلوم موجود في الشرع، وإن لم توجد في الصدر الأول بنفس الكيفية؛ لأن الصحابة كانوا فصحاء بلغاء، ولا يمكن أن يلحن الواحد منهم في نحو أو صرف أو غير ذلك، وإنما وضعت هذه العلوم بعدهم، فهي طريقة في الدين لكنها ليست مخترعة، وإنما هي مسألة تيسير لطلبة العلم.
فأما النوع الثاني من الطرائق في الدين فهو طريقة في الدين لا أصل لها، أي: مخترعة.
وهي البدعة.
وقوله: (طريقة في الدين مخترعة) تمييز بين هذه الطريقة المخترعة والطريقة التي تكون طريقة في الدين لكنها ليست مخترعة، فقولنا: (مخترعة) احتراز من الطريقة التي لها أصل في الدين.
وقوله: (تضاهي الشرعية) يعني: تشبه الطريقة الشرعية.
ومن المعلوم أن الباطل لا ينفق إلا إذا كان فيه شيء من الحق، فلو أن المبتدع أو المضل أبرز الباطل صافياً محضاً لا يخالطه حق فإنه سيسهل كشفه، ولا ينخدع به أحد، لكن لا بد للمبطل من أن يخلط الباطل بشيء من الحق حتى تروج بضاعته على الناس، فلذلك نقول: إن البدعة طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية بمعنى أنها تشبه الطريقة الشرعية، لكنها في الحقيقة ليست شرعية، وإنما هي مجرد مشابهة، لكن الحقيقة أنها ليست طريقة شرعية، بل هي في الحقيقة تتضارب وتتصادم مع الطريقة الشرعية من أوجه شتىً.
فالبدعة فيها وضع حدود خاصة للتعبدات، مثل رجل يريد أن يعبد الله فينذر أن يصوم، ويظل مع صومه قائماً ضاحياً للشمس لا يستظل، فوضعُ كل هذه الكيفيات المخترعة للتعبد بدعة في الدين.
ومثل إنسان يتعبد بالاقتصار على نوع معين من الملبس أو من المأكل، فهذا أيضاً طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية، من غير أن تكون في الحقيقة كذلك.
ومثل التزام كيفية معينة، أو عدد معين، أو صفة معينة والمحافظة عليها، فهذا أيضاً طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية، وهكذا.
فالمبتدع دائماً يخلط البدعة بشيء من الحق حتى يموه على الناس فيعملوا بها.
وهناك طرائق تضاهي الشرعية، كما حصل من كفار قريش حينما كانوا يبتدعون في الدين أشياء يجدونها على ملة إبراهيم ﵇ ينطبق عليها معنى البدعة، فمثلاً: حينما عبدوا مع الله الآلهة الباطلة كانوا يسوغون هذه العبادة بقولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣].
وأيضاً كانوا يطوفون بالبيت عراة، وهذا الفعل سماه الله تعالى فاحشة بقوله: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٨] فكانوا يسوغون هذا الباطل، ويقولون: لا نطوف بثياب عصينا الله بها.
وكذلك الحمس -وهم المتطرفون أو المتشددون من قريش في الجاهلية- كانوا لا يخرجون إلى عرفات، ويسوغون عدم خروجهم إلى عرفات بأنهم يقفون بالحرم تعظيماً للحرم؛ لأن منى من الحرم، فيقولون: نحن لا نخرج من الحرم تعظيماً للحرم.
ويرفضون الخروج إلى عرفات، فهذا أيضاً من بدعهم.
ومن هذه الطرق المبتدعة في الدين ما يدعيه الصوفية من أنهم يعبدون الله لا خوفاً من ناره ولا طمعاً في جنته، ولكن حباً فيه، فهذه أيضاً من الطرق المبتدعة في الدين يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله ، فهذه هي أيضاً من أركان تعريف البدعة، فيجب على المبتدع أن ينظر إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، وسيرى أن المقصود هو العبادة.
لكن قد يغفل الإنسان عن حقيقة أخرى لازمة، وهي كحقيقة استحقاق الله وحده العبادة، وهي أنه كما نوحد الله بالعبادة كذلك يجب أن نوحد رسوله بالاتباع والاقتداء، فلا نقتدي بغير رسول الله ﵌، فنعبد الله بما شرع، ولا نعبده بالبدع؛ لأننا إذا تقربنا إلى الله بغير ما شرعه على لسان رسول الله ﵊ فمعنى ذلك أننا نتهم الشرع بالنقص، وأن الرسول ما استوفى وسعه في نصيحتنا، وأنه كانت هناك أشياء تقربنا إلى الجنة وتباعدنا من النار وهو ﵊ -وحاشاه- قد كتم هذه الأشياء ولم يدلنا عليها، وهذا اتهام للشرع بالنقصان.
وقوله: (يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله معنى ذلك أن البدع لا تدخل في العادات؛ لأن الفارق بين العادة والعبادة هو النية، فإذا ما انضاف إليها نية التقرب إلى الله صارت بدعة.
أما إذا كان إنسان لا يأكل اللحم -مثلاً- لأنه لا يعجبه أو يؤذيه من الناحية الصحية، أو لا يحبه بطبعه فليس عليه حرج ما دام في نطاق الأمور العادية، أما إذا امتنع رجل من أكل اللحم تعبداً، كأن يقول: أتقرب إلى الله بترك اللحم فهذا يدخل في حد البدعة، والفارق بينهما هو النية، ولذلك قال الشاطبي في الحد: يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله .
стр. 1198
ذكر بعض الأدلة والآثار على ذم البدع والتحذير منها
وقد أثر عن السلف في ذم البدع والتحذير منها أقوال كثيرة، والأدلة على ذم البدعة والتحذير منها أدلة كثيرة متواترة، سواء في القرآن أو في سنة الرسول ﵌، أما القرآن فما أكثر الأدلة الآمرة فيه بطاعة الرسول ﷺ وقرن ذلك بطاعة الله .
أما في السنة فالأحاديث مشهورة، ويكفي قوله ﵊: (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد)، وقوله: (كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار)، فلا يقبل أبداً من أي أحد أن يأتي ببدعة وقد قال الرسول ﵊: (كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار)، و (كل) صيغة عموم، وكذلك جاء أيضاً في الحديث الآخر: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، و (من) -أيضاً- صيغة عموم.
فهذا يعم كل البدع أنها باطلة مردودة على صاحبها، فلا يليق أن يأتي من يدعي الإسلام ويسمع قول النبي صلى ﵊: (كل محدثة بدعة) ثم يقول: ليست كل محدثة بدعة، ولا كل بدعة ضلالة، بل منها ما هو حسن.
ولذلك قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: من ابتدع بدعة وزعم أنها حسنة فقد زعم أن محمداً خان الرسالة.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة).
وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: (النظر إلى الرجل من أهل السنة يدعو إلى السنة وينهى عن البدعة عبادة).
وقال الأوزاعي: اصبر نفسك على السنة، وقف حيث وقف القوم، وقل بما قالوا، وكف عما كفوا عنه، واسلك سبيل سلفك الصالح؛ فإنه يسعك ما وسعهم.
وعن أيوب السختياني قال: إني لأخبر بموت الرجل من أهل السنة فكأني أفقد بعض أعضائي.
وعنه أيضاً قال: إن من سعادة الحدث والأعجمي أن يوفقهما الله تعالى لعالم من أهل السنة.
أي: لأن الإنسان يتعصب لأول شيخ علمه ولأول كتاب قرأه، فمن علامة السعادة والتوفيق للحدث -وهو الشاب الصغير- إذا تاب وأناب وتمسك أن يختصر على نفسه الطريق باقتدائه بهذا العالم، ولا يضيع عمره في التجول بين الطرائق المختلفة، وإنما من علامات السعادة أنه منذ اللحظة يضع قدمه على الطريق الصحيح، ولا يضيع بضاعة العمر في التجول في الفرق الضالة، فإن من سعادة الحدث والأعجمي إذا أسلم أن يوفقهما الله تعالى لعالم من أهل السنة.
وقال ابن شوذب: إن من نعمة الله على الشاب إذا نسك أن يوافي صاحب سنة يحمله عليها.
وقال الجنيد بن محمد رحمه الله تعالى: الطريق إلى الله مسدودة على خلق الله تعالى، إلا على المقتفين آثار رسول الله ﷺ والتابعين لسنته، كما قال : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١].
وعن معمر قال: كان طاوس جالساً وعنده ابنه، فجاء رجل من المعتزلة فتكلم في شيء وبدأ يتكلم في بدعته، فأدخل طاوس أصبعيه في أذنيه وقال: يا بني! أدخل أصبعيك في أذنيك حتى لا تسمع من قوله شيئاً؛ فإن هذا القلب ضعيف.
فلا ينبغي أبداً للإنسان أن يعرض نفسه للبلاء الذي لا يطيقه، فإن كنت غير راسخ في العلم فلا تسمح لمبتدع أن يحدثك أو يعرض عليك بضاعته؛ لأنه يمكن أن يشوش عليك ولا تملك دفعاً لها، وإذا ملكت لسانك فلن تملك قلبك أن يتأثر بهذه البدع وهذه الضلالة، خاصة إذا كان لسناً ذا جدل، فليس من البطولة أن تصغي إلى المبتدع الضال، بل البطولة أن لا تعرض نفسك أصلاً لهذه الفتنة، فهذا طاوس يقول: أي بني! اسدد إن هذا القلب ضعيف، فما زال يقول: أي بني! اسدد، أي بني! اسدد، حتى قام الرجل المعتزلي.
وعن صالح المري قال: دخل رجل على ابن سيرين وأنا شاهد، ففتح باباً من أبواب القدر فتكلم فيه، فقال ابن سيرين: إما أن تقوم وإما أن أقوم.
وعن سلام بن أبي مطيع قال: قال رجل من أهل الأهواء -هكذا كانوا يسمون أهل البدع، وما كانوا يقولون: العقلانيون ولا غير ذلك من الأسماء الموجودة الآن- قال الرجل لـ أيوب السختياني: أكلمك بكلمة؟ قال: لا، ولا نصف كلمة.
وعن أيوب السختياني قال: ما ازداد صاحب بدعة اجتهاداً إلا ازداد من الله بعداً.
وقال أبو قلابة: لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تحادثوهم؛ فإني لا آمن أن يغمروكم في ضلالتهم، أو يلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون.
وعن سفيان الثوري قال: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية؛ المعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها.
يعني: لا يرجع منها.
وعن مؤمل بن إسماعيل قال: مات عبد العزيز بن أبي راود وكنت في جنازته حتى وضع عند باب الصفا، فصف الناس، وجاء الثوري، فقال الناس: جاء الثوري.
فجاء حتى خرق الصفوف والناس ينظرون إليه، فجاوز الجنازة ولم يصل عليها؛ لأنه كان يرمى بالإرجاء.
أي: عبد العزيز بن أبي راود.
وعن سفيان بن عيينة قال: ليس في الأرض صاحب بدعة إلا وهو يجد ذلة تغشاه -أي: من لابد أن المبتدع يشعر بنوع من المذلة- قال: وهي في كتاب الله -يعني: الدليل على هذا في كتاب الله- فقالوا: وأين هي في كتاب الله؟ فقال: أما سمعتم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الأعراف:١٥٢]؟! قالوا: يا أبا محمد! هذه لأصحاب العجل خاصة! فقال: كلا، اتلوا ما بعدها ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ [الأعراف:١٥٢].
أي: الكذابين المبتدعين.
فهي لكل مفترٍ ومبتدع إلى يوم القيامة.
وعن حسان قال: ما ابتدع قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلها، ثم لا يعيدها إليهم إلى يوم القيامة.
وعن سفيان الثوري قال: من سمع من مبتدع لم ينفعه الله بما سمع، ومن صافحه فقد نقض الإسلام عروة عروة.
وعن سعيد قال: مرض سليمان التيمي فبكى في مرضه بكاء شديداً، فقيل له: ما يبكيك؟ أتجزع من الموت؟! قال: لا، ولكني مررت على قدري فسلمت عليه، فأخاف أن يحاسبني ربي عليه.
وعن الفضيل بن عياض قال: من جلس إلى صاحب بدعة فاحذروه.
وعنه قال: من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله، وأخرج نور الإسلام من قلبه.
وعنه قال: إذا رأيت مبتدعاً في طريق فخذ في طريق آخر، ولا يرفع لصاحب البدعة إلى الله عمل، ومن أعان صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام.
وعن بشر بن الحارث قال: جاء موت هذا الذي يقال له: المريسي -أي: المبتدع الضال بشر المريسي - وأنا في السوق، فلولا أن الموضع ليس موضع سجود لسجدت شكراً، فالحمد لله الذي أماته.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (اتبعوا ولا تبتدعوا؛ فقد كفيتم) يعني: أتاكم من الدين ما يكفيكم.
كما قال : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة:٣].
وقال أيضاً: (تعلموا العلم قبل أن يقبض، وقبضه ذهاب أهله، ألا وإياكم والتنطع والتعمق والبدع، وعليكم بالعتيق) يعني القديم.
وعنه قال: (أيها الناس! إنكم ستحدثون ويحدث لكم، فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالأمر الأول).
وعن عمر قال: (يهدم الإسلام زلة عالم، وجدال المنافق بالقرآن، وحكم الأئمة المضلين).
وعنه قال: (سيأتي ناس يجادلونكم بشبهات القرآن، فخذوهم بالسنن؛ فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله ﵎.
وعن محمد بن مسلم قال: (من وقر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام).
وعن ابن عمر ﵄ قال: (كل بدعة ضلالة، وإن رآها الناس حسنة).
وقال إبراهيم النخعي: ما أعطاكم الله خيراً أُخِْبئَ عنهم، وهم أصحاب رسوله وخيرته من خلقه.
يعني: لا يمكن أن يصطفيكم الله بخير يكون قد حجبه عن الصحابة، فكل خير هم كانوا أولى به، فلا تحسنوا الظن بأنفسكم أنكم أفضل من الصحابة، فهم أصحاب النبي وخيرة الله من خلقه، وأفضل أولياء الله، فلا يمكن أن يكون هناك خير منعوا منه وحزتموه أنتم بما ابتدعتم في الدين.
وروى أن رجلاً قال لـ مالك بن أنس: من أين أحرم؟ قال: من حيث أحرم رسول الله ﷺ .
قال الرجل: فإن أحرمت من أبعد منه؟ قال: فلا تفعل؛ فإني أخاف عليك الفتنة.
قال: وأي فتنة في ازدياد الخير؟ قال مالك: فإن الله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور:٦٣]، وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك خصصت بفضل لم يخص به رسول الله ﷺ ؟! وقال الأوزاعي: بلغني أن من ابتدع بدعة خلاّه الشيطان والعبادة، وألقى عليه الخشوع والبكاء لكي يصطاد به.
وعن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى قال: قف حيث وقف القوم- السلف- فإنهم عن علم وقفوا، وببصر نافذ كفوا، وهم على كشفها كانوا أقوى، وبالفضل -لو كان فيها- أحرى، فلئن قلتم: حدث بعدهم فما أحدثه إلا من خالف هديهم ورغب عن سنتهم، لقد وصفوا منه ما يشفي، وتكلموا منه بما يكفي، فما فوقهم محسر وما دونهم مقصر، لقد قصر عنهم قوم فجفوا، وتجاوزهم آخرون فغلوا، وإنهم فيما بين ذلك لعلى هدى مستقيم.
وقال محمد بن عبد الرحمن لرجل تكلم ببدعة ودعا الناس إليها: هل علمها رسول الله؟ أي: هذه التي تدعو إليها هل علمها رسول الله ﷺ وأبو بكر و
стр. 1199
أقسام البدعة
الناحية التطبيقية تحتاج لنوع من الضوابط، وهذا ما نحتاج إليه، فنحن كثيراً ما تكلمنا في حد البدعة وفي التنفير منها، وفي النصوص بذمها، لكننا قل أن نتكلم بالتفصيل في الضوابط التي تحكم مسألة الحكم على أحد بالبدعة، وكيفية معاملته، وغير ذلك.
وأحد ضوابط البدعة أن نعرف -أولاً- أقسام البدعة؛ لأن البدع ليست كلها على مرتبة واحدة، بل البدع تتفاوت، وبالتالي الموقف من فاعلها يتفاوت.
فالبدعة تنقسم باعتبارات إلى أقسام، فالبدعة تنقسم إلى بدعة فعليه وبدعة تركية، وبدعة كلية وبدعة جزئية، وبدعة عادية وبدعة عبادية، وبدعة حقيقية وبدعة إضافية، فباعتبارات مختلفة تنقسم البدع إلى أقسام.
стр. 1200
البدعة باعتبار الفعل والترك
القسم الأول: الفعلية والتركية، وهذا على أساس الفعل والترك، فالإنسان يمكن أن يترك بعض الأشياء المباحة التي أباحها الله له، فإن كانت علة الترك معتبرة شرعاً فلا حرج في ذلك، فمثلاً: يترك طعاماً معيناً لأنه يضر بصحته، أو إنسان يقلل الطعام حتى لا تطغى عليه الشهوة فيصير إلى العبث، أو: إنسان يترك ما لا بأس به حذراً مما به بأس، كنوع من التورع عن الوقوع في الشبهات استبراءً لدينه وعرضه، كل هذه الأنواع من الترك الذي لا حرج فيه؛ لأن العلة في الترك معتبرة في الشرع، أما شخص يترك شيئاً مباحاً جائزاً فعله باعتقاد أنه قربة إلى الله فهذا هو الابتداع في الدين؛ لأن الترك هنا بهذا القصد يصيره معارضة للشرع في التحليل الذي أحله الله .
مثلاً: الصوفية يقولون: من وصل إلى رتبة اليقين فلا تطلب منه الصلاة والصيام ولا يحرم عليه شيء؛ لأنه وصل، فلا يحتاج لصلاة ولا لزكاة.
وربما استهزءوا بمن يصلي ويصوم ويزكي ويفعل العبادات، فهم يغيرون تفسير قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] ويقولون: المقصود الوصول إلى مرتبة اليقين.
وليس كذلك، بل المقصود باليقين هنا الموت، كما في الآية الأخرى: ﴿حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر:٤٧] أي: الموت.
فاليقين هنا المقصود به الموت، فالله لم يجعل لعمل المؤمن أجلاً دون الموت، ولهذا قيل للنبي ﵊: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] أي: إلى آخر لحظة من حياتك.
وقال عيسى ﵇: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم:٣١]، فهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩]، أما هؤلاء فيتركون الواجبات الشرعية تديناً بذلك، وهذه أيضاً من البدع التركية؛ لأن فيها ترك المطلوبات الشرعية.
стр. 1201
أقسام البدعة باعتبار الاعتقاد والعمل
وهناك تقسيم آخر للبدعة إلى بدعة عملية وبدعة اعتقادية، والبدعة العملية تكون في جنس العمل المتعلق بالجوارح، فمثلاً: الطواف بالأضرحة بدعة عملية؛ لأنها تؤدى بالجوارح، وكذلك رفع الصوت بالذكر أمام الجنازة، وهذه أيضاً بدعة عملية، وغير ذلك من أنواع البدع.
والبدعة العملية قد تكون متعلقة بالنية، كمن يصلي ركعتين بنية طول العمر، أو صلاة يسمونها مونس القبر، أو صلاة بر الوالدين، وغير ذلك من الصلوات المخترعة التي ما أنزل الله بها من سلطان، وهكذا صلاة الأيام، صلاة يوم السبت، وصلاة يوم الأحد، وهذه كلها موجودة في كتاب (الإحياء)، وهذه أيضاً من البدع العملية.
أما البدعة الاعتقادية فتكون باعتقاد الشيء على خلاف ما هو عليه من المعروف من سنة النبي ﷺ ، لا على سبيل المعاندة، ولكن بسبب شبهة، كما يمسح الشيعة على الرجلين، فلو رأيت الشيعي يتوضأ ستجده إذا وصل إلى القدمين فإنه لا يغسلهما بالماء مع أنه لا يلبس جورباً، بل يمسح على القدم ولا يغسلها، فهذه بدعة اعتقادية؛ لأنه يعتقد أن هذا هو هدي الرسول ﵊، وعنده شبهة في ذلك، وهم ينكرون بشدةٍ المسح على الخفين، ولذلك تجد علماء أهل السنة ينصون على هذه المسألة في متون العقيدة؛ لأنها متواترة ومقطوع بصحتها إلى النبي ﵊، فلذلك ضبطوها وأصلوها في مسائل العقيدة، كما في متن العقيدة الطحاوية: (ونرى المسح على الخفين في الحضر والسفر).
وكذلك -أيضاً- من البدع الاعتقادية بدعة المشبهة والمجسمة والقدرية، وغيرهم من فرق الضلال، وهناك بدع متنوعة باعتبار الأزمنة والأمكنة والأحوال، كالموالد والأعياد والمواسم، والجنائز والأضرحة، والضيافة والعبادة، والمعاشرة والعادات.
стр. 1202
البدعة من حيث الحقيقة والإضافة
وهناك قسم آخر من البدع وهو أخطر أنواع البدع، وهو سبب المشاكل عموماً بين الناس في باب البدع، وهو البدعة الحقيقية والبدعة الإضافية، وهذا مهم جداً في قضيتنا، وهو موضوع ضوابط التبديع.
فالبدعة الحقيقة هي ما كان الابتداع فيها من جميع وجوهها، فإذا نظرت إلى العمل من أي زاوية ولم تر له أصلاً في الشرع فهو بدعة حقيقية؛ لأن الابتداع من جميع وجوهها، فهي بدعة محضة، وليس فيها جهة تندرج بها في السنة، وهي التي لم يدل عليها دليل شرعي من كتاب أو سنة أو إجماع أو استدلال، ولذلك سميت بدعة حقيقة؛ لأنها مخترعة على غير مثال سابق، وهي بعيدة عن الشرع خارجة عنه من كل وجه.
ومن أمثلة البدعة الحقيقة بدعة التقرب إلى الله بالرهبانية وترك التزوج مع وجود الداعي إليه وفقد المانع الشرعي تماماً، كرهبانية النصارى، والله يقول: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ [الحديد:٢٧] وهذا استثناء منقطع، أي: لكن كتبناها عليهم ابتغاء رضوان الله.
ومن هذه البدع تعذيب النفس بألوان العذاب الشنيع والتنكيل الفضيع، كما يحصل من الهنود في الإحراق بالنار وغير ذلك، ومثل ذلك ما يفعله الشيعة الروافض يوم عاشوراء من تعذيب أنفسهم، وإدخال أسياخ الحديد وشق وجوههم وصدورهم حتى تنزف منها الدماء، فهذه أيضاً من البدع الحقيقية، وهل هذه يمكن أن تدخل في الدين؟
الجواب
لا، فالدين لا يمكن أبداً أن يبيح للإنسان أن يعذب نفسه بهذه الطريقة، فهذه بدعة حقيقية، مثل ما يفعله الشيعة يوم عاشوراء من خدش الرءوس والوجوه، ولطم الخدود، والنواح لكون الحسين رضي الله تعالى عنه قتل في ذلك اليوم، فيقيمون هذه المآتم زاعمين أن ذلك يقربهم إلى الله ، وأنهم يتعبدون بهذا.
ومن البدع الحقيقية تحكيم العقل في أخبار النقل -في أخبار القرآن والسنة- كما هو معروف في التيارات المعتزلية.
ومن البدع الحقيقية: الطواف حول الأضرحة، والوقوف في غير عرفة بدل عرفة، وإقامة الهياكل على القبور، وتعليق الشموع والمصابيح حول الأضرحة، فهذه كلها لا يمكن أبداً من أي زاوية إذا نظرنا إليها أن نجدها تدخل في الشرع، أو تكون لها شبهة أدلة الشرع، بل هي بدعة محضة لا يمكن أن يكون لها أصل في الدين، فهذه هي البدعة الحقيقية.
أما البدعة الإضافية فهي على خلاف ذلك، والبدعة الإضافية لها جهتان: إحداهما: لها من الأدلة متعلق، فلا تكون من هذه الجهة بدعة، والأخرى ليس لها متعلق في الأدلة إلا مثل ما للبدعة الحقيقية، فهذا العمل هو البدعة الإضافية، فهو باعتبار من الاعتبارات سنة وباعتبار آخر بدعة، أي أنه غير خالص لأحد الطرفين، ولذلك نسمي البدعة الإضافية بدعة نسبية أو إضافية حسب ما تضاف إليه، فهي سنة بالنسبة لأحدى الجهتين وبدعة بالنسبة للجهة الأخرى، سنة لأنها من زاوية مستندة إلى دليل، وبدعة لأنها من الزاوية الأخرى ليست مستندة إلى دليل شرعي ولا إلى شبهة، بل غير مستندة إلى دليل أصلاً.
وهذا النوع هو مسار النزاع بين أغلب المتكلمين في السنن والبدع.
وأنواعه كثيرة، منها: صلاة الرغائب، وصلاة ليلة النصف من شعبان، وصلاة حفظ الإيمان، وصلاة بر الوالدين، وصلاة مونس القبر، وصلاة ليلة ويوم عاشوراء، وهذا كله لم يثبت أبداً في السنة بوجه من الوجوه.
فإن قيل: لماذا نقول: هو بدعة إضافية؟ ف
الجواب
هو بدعة إضافية لأنه تشوبه شائبتان: الأولى: لأن الصلاة من حيث التقرب إلى الله والتنفل بصلوات ثابتة في الشرع، وهناك تحريض عليها، يقول ﵊: (الصلاة خير موضوع، فمن استطاع أن يستكثر فليستكثر) وهم من هذه الناحية قالوا: نحن نصلي لا نعبث.
الثانية: أن هذا إن لم يكن ثابتاً في السنة من جميع الوجوه ففيه سنة من بعض الجهات.
فمثلاً: بدعة التلحين في الأذان -الذي هو التطريب والتغني في الأذان- بدعة إضافية؛ لأن الأذان في حد ذاته سنة مشروعة معروفة، أما باعتبار ما عرض له من تمطيط الكلمات وتلحينها وتصريفها وإخراجها عن أوضاعها العربية من أجل المحافظة على توقيع الألحان فهو بدعة قبيحة، وهذا لا يحل في الأذان ولا في قراءة القرآن، فالأذان من حيث كونه أذاناً هو ليس بدعة، وأما من حيث ما أضيف إليه من كيفية فهذه بدعة إضافية.
وكذلك قراءة سورة الإخلاص مائة ألف مرة، فيقرءون: (قل هو الله أحد) مائة ألف مرة، ويسمونها (العتاقة الكبرى) أي: من قرأها لنفسه أو لغيره فإنه يعتق من النار.
وهذا من عندهم، فهذه بدعة إضافية؛ لأن قراءة (قل هو الله أحد) ذكر مشروع معروف، كما قال ﷺ ((قل هو الله أحد) ثلث القرآن)، وقال: (ومن قرأ: (قل هو الله أحد) عشر مرات بنى له الله بيتاً في الجنة) لكن من حيث تسميتها عتاقاً أو ترتيب الثواب عليها والمواظبة عليها وتشريعها للناس هذه بدعة ليس لها أصل في الدين.
ومن البدع الإضافية الأذان لصلاة العيدين أو لصلاة الكسوف؛ فإنه لم يثبت في سنة النبي صلى الله عليه أذان لصلاة العيدين وصلاة الكسوف، فالأذان من حيث هو أذان سنة ومشروع، لكن من حيث الوقت والوظيفة -وهو ربطه بالعيدين أو بصلاة الكسوف- بدعة من هذه الناحية.
وهكذا ختم الصلاة بالطريقة الموجودة الآن، فيؤم بعض الناس المصلين ويختم الصلاة بطريقة معينة، كما هو معروف في بعض المساجد، فهذه الأذكار التي تقال في هذا الموطن في حد ذاتها هي سنة، لكن البدعة طرأت عليها من حيث الكيفية والألفاظ المبتدعة التي يخترعونها، فهذا فيما يتعلق بالبدعة الحقيقية والبدعة الإضافية.
стр. 1203
البدعة من حيث الكلية والجزئية
هناك قسم آخر، وهو البدعة الكلية والبدعة الجزئية، فالبدعة الكلية هي البدعة التي يكون الخلل الناشئ عنها كلياً في الشريعة، بحيث تتعدى محلها، وتنتظم غيرها حتى تكون أصلاً لها، كأن تكون هذه البدعة عبارة عن قانون أو قاعدة يتحاكم إليها، فيترتب على هذا التحاكم كثير من المخالفات، فمثلاً: بدعة إنكار الأخبار النبوية مطلقاً اقتصاراً على القرآن الكريم كبدعة القرآنيين، فهذه بدعة كلية يتحاكم إليها، بل ويتحكم بها في الشرع، وتلغى بها سنة الرسول ﵊.
وكذلك بدعة عدم الأخذ بأخبار الآحاد بدعة كلية، حيث يترتب عليها مئات المخالفات الشرعية، وإنكار الأحاديث النبوية.
وكذلك بدعة إنكار القسم الثالث من السنة، وهو القسم الذي يستقل بتشريع غير موجود في القرآن، فهذه بدعة كلية وليست جزئية، ووجه كون هذه البدعة كلية أنها تشمل ما لا حصر له من فروع الشريعة، ولأن عامة التكاليف مبنية عليها، فالأمر يجب على المكلف إما من الكتاب وإما من سنة النبي ﷺ ، فإذا كان وارداً في السنة فأكثر السنة آحاد، والمتواتر قليل جداً، وكذلك أحكام السنة التي لم ترد في القرآن، فإن لم تزد على ما في القرآن فلا تنقص عنه بحال، فهذا هو الابتداع بعينه، أن يتخذ الشخص مثل هذه القواعد الكلية، ويبطل بها مئات الأحكام الشرعية.
وكذلك من البدع الكلية بدعة الخوارج في قولهم: (لا حكم إلا لله)، وهذه -أيضاً- كانت حجتهم في رد التحكيم، بناءً على أن اللفظ عام لم يدخله التخصيص، وهم قد أعرضوا عن قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء:٣٥]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة:٩٥]، فلم يأخذوا بالخصوص، ولم يراعوا أن العام هنا مخصوص.
أما البدعة الجزئية فهي البدعة التي يكون ضررها جزئياً، كأن يأتي في بعض الفروع دون بعض ولا تتعدى محلها، ولا تنتظم غيرها حتى تكون أصلاً لها، فمثلاً: بدعة التغني بالقرآن بدعة جزئية، والتلحين في الأذان بدعة جزئية؛ لأن ضررها جزئي فقط في موضوع الأذان، ويأتي في بعض الأشياء دون بعض، ولا تتعدى محلها، فلا تدخل في الصلاة أو غير ذلك، ولا تنتظم غيرها حتى تكون أصلاً لها، فمن هنا كانت جزئية.
وكذلك الامتناع عن تناول ما أحل الله من الطعام أو الشراب بدعة جزئية.
وأيضاً هناك بدع في العادات، فالبدع قد تدخل في الأمور العادية مثل اللبس والأكل والشرب والمشي والنوم، فهذه الأمور عادية، ولا يدخلها الاتباع من جهة كونها عادية، إنما يدخلها الابتداع من الجهة التعبدية، كأن يخالف الوجه المشروع فيها، أو يتقرب إلى الله ﵎ بذلك، كأن يتقرب إنسان إلى الله بترك نوع معين من الملابس -مثلاً- أو الطعام أو غير ذلك من الأشياء.
стр. 1204
ضوابط في البدعة والابتداع
стр. 1205
اختلاف الحكم على المبتدع لاختلاف مراتب البدع
أول الضوابط في موضوع الابتداع أن البدع ليست كلها على مرتبة واحدة، وبالتالي ينعكس هذا على موضوع الحكم على المبتدع نفسه، فلا شك أن المبتدع بدعة عقائدية أخطر من المبتدع بدعة عملية في الغالب، وكذلك المبتدع بدعة كلية أشد انحرافاً من المبتدع بدعة جزئية، وهكذا البدعة الحقيقية أخطر من البدعة الإضافية.
فإذاً ينبغي أن نعرف أن البدع ليست كلها على مرتبة واحدة، وإنما تتفاوت في خطورتها حسب ما تؤدي إليها، فهذا أول ضابط، وهو معرفة أقسام وأنواع البدع.
стр. 1206
لا تبديع في مسائل الخلاف
ومن الضوابط أنه لا يجوز التبديع في قضية من القضايا التي يختلف فيها العلماء، كالقضايا الفقهية، فإذا كان الخلاف خلافاً سائغاً فلا يجوز الحكم على المخالف فيه بالابتداع، وهنا مثال مشهور لما وقع فيه بعض أفاضل العلماء من أئمة الخير والهدى في هذا الزمان، فقد خالف عالم فاضل من أئمتنا الأجلاء عالماً آخر في موضوع وضع اليدين على الصدر بعد الرفع من الركوع فقال: هذه بدعة، بل وضلالة.
فهذه لا يجوز أن تندرج في ميزان البدعة على الإطلاق، فإن هذا خلاف سائغ، والأمر أهون من ذلك بكثير، فهذه لا تدخل بأي حال في حد البدعة أبداً؛ لأن الخلاف سائغ، والحديث محتمل في تفسيره، فالخلاف الفقهي السائغ لا يمكن أبداً أن تطلق على مخالفك فيه وصف البدعة أبداً؛ لأن الخلاف الفقهي السائغ لا يدخل في حد البدعة أبداً.
стр. 1207
أنواع الخلاف وضوابط الخلاف السائغ
معروف أن الخلاف على ثلاثة أنوع: خلاف مذموم، وخلاف ممدوح، وخلاف سائغ.
أما الخلاف المذموم فهو خلاف أهل الأهواء لأهل العلم، وشذوذ أهل الأهواء والبدع عن هدي أهل العلم والسنة، فهذا خلاف مذموم، كمخالفتهم في أصول العقيدة، أو فيما علم من الدين بالضرورة، أو بالابتداع بالدين، فهذا خلاف مذموم.
النوع الثاني: خلاف ممدوح، وهو خلاف أهل العلم لأهل الأهواء، فخلاف أهل العلم لأهل الأهواء خلاف ممدوح.
أما الخلاف السائغ فهو خلاف أهل العلم لأهل العلم، بشروطه التي سنذكرها إن شاء الله.
فما هي ضوابط الخلاف السائغ؟ وما هو الضابط الذي نحكم به على الخلاف أنه خلاف سائغ، بحيث لا يمكن أبداً أن نصف الشخص الذي يخالف فيه بأنه مبتدع؟
стр. 1208
خفاء الدليل الراجح
أول ضابط من ضوابط الخلاف السائغ خفاء الدليل الراجح مع قصد الحق، أي: أن النية من الإمام أو العالم المجتهد أنه يريد الحق، لكن خفي عليه الدليل الواضح الذي يحكم المسألة، فهذا خلاف سائغ، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: إنه إذا كان في المسألة نص خفي على بعض المجتهدين وتعذر عليه علمه، ولو علم به لوجب عليه اتباعه، ولكنه لما خفي عليه اتبع النص الآخر، وهو منسوخ أو مخصوص، وهو لم يعلم بالدليل المخصص أو الناسخ، أو لم يصح عنده.
فهذا أول ضابط من ضوابط الخلاف السائغ، وهو خفاء الدليل الراجح مع قصد الحق، وهذا أغلب خلاف الأئمة رحمهم الله تعالى، كالإمام الشافعي والإمام أحمد ومالك وأبي حنيفة وغيرهم، فلا يمكن أن يظن بواحد منهم أنه يتعمد مخالفة الدليل، وهكذا كان الأئمة مع بعضهم.
ولقد كان في بريطانيا أحد الإخوة السلفيين لا يمكن أبداً أن يصلي خلف إمام حنفي، فيضيع صلاة الجماعة ولا يصلي خلف إمام مذهبه حنفي، ولما تناقشت معه في ذلك قال: لأن الحنفي يرد سنة الرسول ﵊! وهل يظن بمسلم أن يرد سنة الرسول ﵊؟! فلذلك هذا ضابط مهم جداً.
والعلماء تقطع بأنهم يريدون الحق، وقصد الحق موجود عندهم، وقد يخالف أحدهم الحق لكن لا يقصد ذلك ولا يتعمده أبداً.
فالشاهد أن أول الضوابط خفاء الدليل الراجح مع قصد الحق، فنظن بالعلماء أنهم يقصدون الحق، وقد يخالف أحدهم الحق لا عن عمد، لكن عن عذر لخفاء هذا الدليل أو عدم بلوغه إياه، أو عدم صحته عنده، أو تأوله إياه.
стр. 1209
المسائل الدقيقة التي يكثر فيها احتمال الخطأ
الضابط الثاني: ما كان من المسائل الدقيقة التي يكثر فيها احتمال الخطأ، وقل من يسلم منه حتى من فضلاء الأمة، فهناك مسائل دقيقة في تفاصيل القضايا والفروع الفقهية الدقيقة، ولا يمكن أبداً أن تتفق الأمة كلها على مثل هذه الدقائق، فيكثر فيها احتمال الخطأ، وقل من يسلم من الخطأ في مثل هذه الفروع حتى من فضلاء الأمة، فهذا -أيضاً- خلاف سائغ في القضايا الهينة الدقيقة.
قال شيخ الإسلام: ولا ريب أن الخطأ في دقيق العلم مغفور للأمة، وإن كان ذلك في المسائل العلمية، ولولا ذلك لهلك أكثر فضلاء الأمة.
لأنه ما من أحد من فضلاء الأمة إلا واختلف مع أخيه من العلماء والأئمة في بعض القضايا والتفاصيل الفقهية والفروع الدقيقة جداً، وهذه معروف لمن درس الفروع الفقهية والموسوعات الفقهية ورأى شدة خلاف العلماء في هذه المسائل الدقيقة، فالمسائل الدقيقة التي يكثر فيها احتمال الخطأ قل من يسلم منها حتى من فضلاء الأمة، فهذه المسائل تدخل في الخلاف السائغ.
стр. 1210
عدم مخالفة نص شرعي أو إجماع
الضابط الثالث: عدم مخالفة النص الشرعي أو الإجماع.
فلكي يكون الخلاف سائغاً يجب أن لا يضاد وأن لا يخالف نصاً شرعياً صحيحاً واضحاً، ولا إجماعاً متيقناً معلوماً، فإذا كان في المسألة نص أو إجماع فأي شذوذ عن النص أو الإجماع يعتبر خلافاً غير سائغ، فإذا اجتهد الفقيه في المسألة وبذل فيها وسعه فإن خالف غيره من العلماء -سواء أكانوا سابقين أم معاصرين- فالخلاف يكون سائغاً، مالم يكن فيها نص أو إجماع، وهذا الضابط مهم جداً.
والنص مثل قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء:٢٣]، وقوله: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة:٥]، وقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة:٣]، فهذا نص جاء بالتحليل أو التحريم في المسألة، وهل يحتمل أن هذه الآية يمكن أن يناقش فيها هل هي حرام أم مكروه؟
الجواب
لا؛ لأن هنا نصاً واضحاً جلياً، بل إن أعلى درجات الوضوح في دلالات الألفاظ: (حرمت)، و (أحل لكم) فلا يقبل أبداً مخالفة ما جاء فيه نص واضح، بخلاف ما عداه مثل الظاهر أو غير ذلك من الدلالات التي هي أقل في وضوحها من النص.
وكذلك الإجماع، فإن الأمة معصومة في إجماعها عن الضلالة، والإجماع أساساً يدخل فيما علم من الدين بالضرورة، أو هو ما علم من الدين بالضرورة، فإذا اجتهد الفقيه في المسألة التي ليس فيها نص ولا إجماع، وبذل فيها وسعاً، وترتب على ذلك مخالفة لإخوانه من العلماء المعاصرين أو السابقين أو اللاحقين فهذا داخل في دائرة الخلاف السائغ.
стр. 1211
الخلاف بين أهل العلم والاجتهاد والفقه والبصيرة في الدين
الضابط الرابع: لا يكون الخلاف سائغاً إلا من أهل العلم والاجتهاد والفقه والبصيرة في الدين، ولا يمكن أن يكون الخلاف سائغاً إلا من أهل العلم والبصيرة والاجتهاد في الدين، فلا عبرة على الإطلاق بأن يأتي أحد دون هذه المرتبة من عوام الناس أو طالب علم ويقول: أنا اجتهدت في هذه المسألة ورأيت فيها بخلاف كلام هذا الإمام! فلا يعتبر هذا الخلاف سائغاً؛ لأن الخلاف السائغ هو الذي يصدر عن أهل العلم وأئمة الاجتهاد والبصيرة في الدين.
وهناك رسالة لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- تكلم فيها عن أنواع المجتهدين، وتكلم على أن الخلاف السائغ هو خلاف أهل العلم.
ولابد من شرط آخر وهو أن الإمام المجتهد يمكن أن يكون إماماً مجتهداً ويقصر في الاجتهاد؛ لأن الاجتهاد هو أن يبذل الفقيه وسعه في استنباط الحكم الشرعي.
فلو أن إماماً مجتهداً من الأئمة المجتهدين لم يبذل وسعه وأفتى دون أن يبذل وسعه، فهذا غير سائغ؛ لأن الاجتهاد هو أن يبذل أقصى الوسع في تحري الحق وقصده، فإن خالفه الصواب بعد ذلك فهو داخل تحت قوله ﷺ : (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا أجتهد فأخطأ فله أجر)، لكن إذا لم يجتهد وأفتى بدون بذل الوسع فلا يدخل تحت هذا الحديث، وأما الآن فكل من هب ودب يستدل بالحديث على آرائه واجتهاداته، ويظن أنه مأجور حتى لو أتى الأمر من غير بابه، وقد لا يكون مجتهداً، بل ولا طالب علم، ولا طويلب علم، ومع ذلك يقول: قلت! وأقول! ومذهبنا الذي نرجحه! وغير ذلك من العبارات الرنانة، فهذا لا عبرة على الإطلاق بكلامه.
فالشاهد أنه لا يكون الخلاف سائغاً إلا إذا كان صادراً من أهل العلم والاجتهاد والفقه والبصيرة في الدين.
وبعدما ذكر شيخ الإسلام أنواع المجتهدين قال: بخلاف الذين أفتوا المشجوج في البرد بوجوب الغسل فاغتسل فمات، فإنه ﷺ قال: (قتلوه قتلهم الله، هلا سألوا إذ لم يعلموا؟! إنما شفاء العي السؤال)، فأنكر عليهم اجتهادهم، فهم اجتهدوا لكن عن غير أهلية؛ إذ ليس عندهم مؤهلات في الاجتهاد، ولذلك أنكر عليهم النبي ﵊، ولم يقل كما قال في الحديث الآخر: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر)، وإنما قال: (قتلوه قاتلهم الله، هلا سألوا إذا لم يعلموا؟! إنما شفاء العي السؤال)، فإن هؤلاء أخطئوا بغير اجتهاد؛ إذ لم يكونوا من أهل العلم.
فالضابط الخامس من ضوابط الخلاف السائغ: أن يبذل الفقيه أقصى وسعه وغاية جهده في الوصول إلى الحق، فإذا قصر ذم بتقصيره، ومن التقصير: عدم طلبه الدليل من الكتاب والسنة.
стр. 1212
عدم البغي في الخلاف
الضابط السادس: لا يكون الخلاف سائغاً مع البغي.
أي: إذا صحبه بغي؛ لأن الإنسان إذا كان يبغي على مخالفه فالبغي يعارض قصد الحق؛ لأننا ذكرنا في الضابط الأول من ضوابط الخلاف السائغ خفاء الدليل الراجح مع قصد الحق، فالشخص الذي يريد أن يبغي على مناظره أو على مخالفه يستعمل الأدلة للانتصار لرأيه أو مذهبه، والبغي يتنافي مع قصد الحق، فمن قصد الحق لابد من أن يكون متجرداً خارجاً عن الهوى، ولابد من أن يقصد الحق فقط، فإذا كان في بحثه أو في أصوله بغي فإن البغي يعارض قصد الحق الذي هو من لوازم الخلاف السائغ، يقول تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران:١٩].
يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: والبغي إما تضييع للحق وإما تعدٍ للحق، فهو إما ترك واجب وإما فعل محرم، فعلم أن موجب التفرق هو ذلك.
فالذي يحدث التفرق هو البغي، والبغي له صورتان: إما تضييع للحق أي: يضيع الواجب أو تعدٍ للحق بفعل الحرام، فكلاهما بغي يوجب التفرق بين الناس.
فإذاً لا يكون الخلاف سائغاً مع البغي؛ لأن البغي يعارض قصد الحق الذي هو من لوازم الخلاف السائغ.
أما الضابط السابع والأخير فهو أن الخلاف لا يكون خلافاً سائغاً مع ظهور الأدلة، فلابد من أن يكون اجتهادهم واختلافهم إنما هو في المسائل الفرعية التي لم يدل دليل قطعي على حكمها؛ لأن الدليل الظاهر يحسم مادة الخلاف، فإذا كان الخلاف سائغاً قبل ظهور الدليل فإنه لا يكون كذلك بعد ظهوره، وليس هناك تعارض بين هذا والضوابط السابقة؛ لأن العالم معذور في مخالفته للحق، فهو يقصد الحق لكن خالفه، مالم يأته الدليل الصحيح الصريح الذي يحسم الخلاف، فهو معذور قبل ذلك، أما إذا ظهر الحق فلا يعود الخلاف سائغاً في حقه، ولذلك كان الشافعي رحمه الله تعالى يقول: إذا صح الحديث فهو مذهبي.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فلا يجوز لنا أن نعدل عن قول ظهرت حجته بحديث صحيح وافقه طائفة من أهل العلم إلى قول عالم.
وقال: ولهذا اتفق العلماء على أنه إذا عرف شخص الحق لا يجوز له تقليد أحد في خلافه.
فهذه هي ضوابط الخلاف السائغ، وأهمية هذه الضوابط أن الخلاف السائغ لا يتم على أساسه التشنيع على المخالف.
وهذه الضوابط خلاصتها هي: الأول: خفاء الدليل الراجح مع قصد الحق.
الثاني: ما كان من المسائل الدقيقة التي يكثر فيها احتمال الخطأ، وقل من يسلم منه، حتى من فضلاء الأمة.
الثالث: عدم مخالفة النص الشرعي أو الإجماع.
الرابع: لا يكون الخلاف سائغاً إلا إذا كان من أهل العلم والاجتهاد والفقه والبصيرة في الدين.
الخامس: أن يبذل الفقيه أقصى وسعه في الوصول إلى الحق، فإذا قصر ذم بتقصيره، ومن التقصير عدم طلبه الدليل من الكتاب والسنة.
الضابط السادس: لا يكون الخلاف سائغاً مع البغي.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1213
محنة فلسطين [١]
بيت المقدس ذلك المكان الذي وصفه رب السماوات والأرض بالبركة والطهارة والقدسية، فهو مهبط الوحي من رب العالمين، ومبعث الأنبياء والمرسلين، وأولى القبلتين، ومسرى حبيبنا محمد الصادق الأمين، فما له الآن يئن تحت وطأة الأرجاس الأنجاس! وتتحكم فيه شرذمة فاقت في الشر كل الناس! أما له من يعرف قدره؟! أما له من يحميه ويطهره من ذلك النجس والخبث؟! بلى، سيأتي رجال يعرفون قدره، ويطلبون الموت مظانه.
стр. 1214
سؤال سليمان ﵇ ربه إصابة الحكم والملك
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فقد جاء عن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: (لما فرغ سليمان بن داود ﵉ من بناء بيت المقدس سأل الله ثلاثاً: حكماً يصادف حكمه، وملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، وألا يأتي هذا المسجد أحداً لا يريد إلا الصلاة فيه إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، قال رسول الله ﷺ : أما اثنتان فقد أعطيهما، وأرجو أن يكون قد أعطي الثالثة).
الحديث رواه الإمام أحمد في المسند، ورواه ابن ماجة في سننه في كتاب إقامة الصلاة: باب ما جاء في الصلاة في بيت المقدس، وصححه الألباني في التعليق الرغيب، وأيضاً في صحيح ابن ماجة برقم (١١٥٦).
قوله ﵇: (لما فرغ سليمان بن داود من بناء بيت المقدس سأل الله ثلاثاً: -الأولى- حكماً يصادف حكمه) أي: حكماً يوافق حكم الله ﵎، والمراد: أن يوفقه الله ﵎ للصواب في الاجتهاد وفي فصل الخصومات بين الناس، كما بان ذلك في القصة المذكورة في سورة الأنبياء في قوله ﵎: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء:٧٩].
وقوله: (وملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي)، أي: أن الأمر الثاني الذي طلبه سليمان ﵇ لما فرغ من بناء بيت المقدس هو ما حكاه الله في قوله: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص:٣٥]، أي: لا يكون لأحد من بعدي، والمقصود من هذا: أن يكون ملكاً عظيماً، فهو طلب هذا الملك لا لعظمه وكبر شأنه، وإنما معجزة له؛ حتى يكون سبباً للإيمان والهداية، وأراد أن تكون معجزته مما يناسب حاله عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فهو أراد أن يهبه الله هذا الملك العظيم، حتى يكون معجزة له، ودلالة على نبوته ﵇.
هذا هو التفسير الصحيح لهذا الدعاء الذي دعاه سليمان ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص:٣٥]، لا كما يذهب أذناب اليهود والجهال من بعض الناس من وصف نبي الله سليمان ﵇ بما لا يليق من الصفات، بناءاً على تفسير منحرف لهذا الدعاء.
стр. 1215
فضل المسجد الأقصى
وقوله: (وألا يأتي هذا المسجد)، أي: لا يدخل المسجد الأقصى بيت المقدس (أحد لا يريد إلا الصلاة فيه إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه)، فقال النبي ﷺ : (أما اثنتان فقد أعطيهما) أي: أعطي الأولى والثانية، فوهبه الله الفهم، ووفقه للصواب في اجتهاداته، فوافق حكمه حكم الله ﵎، وآتاه ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، كما فسر ذلك في عدة مواضع من القرآن، ثم تمنى النبي ﷺ فقال: (وأرجو أن يكون قد أعطي الثالثة) وفي هذا فضيلة عظيمة للمسجد الأقصى، الذي أنزل الله ﵎ فيه قوله : ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء:١].
فالمسجد الأقصى وبيت المقدس يحتلان مكان القلب من كل مسلم؛ لأنه موضع شرفه الله ﵎، وهو أولى القبلتين، وثالث الحرمين الشريفين، وهو مسرى رسول الله ﷺ ، يقول بعض الشعراء: مررت بالمسجد المحزون أسأله هل في المصلى وفي المحراب مروان تمثل المسجد المحزون واختلفت على المنابر أحرار وعبدان فلا الأذان أذان في منابره من حيث يتلى ولا الآذان آذان فالمسجد الأقصى الآن دمعه في عين كل مسلم، وطعنة في قلب كل مؤمن، ومصيبة يعيشها الآن كل المسلمين: العرب والهنود والأتراك والأفغان وكل مسلم مخلص لهذا الدين على وجه الأرض.
وقد أم فيه الأنبياء ﵈ خاتمُهم وسيدُهم محمد ﷺ ، وفتحه عمر بن الخطاب ﵁، وحرره صلاح الدين الأيوبي رحمه الله تعالى، هذا المسجد سلب منا، وقطع من فؤادنا يوم ضعفت في قلوبنا (لا إله إلا الله)، يقول الشاعر: أيا عمر الفاروق هل لك عودة فإن جيوش الروم تنهى وتأمر رفاقك في الأغوار شدوا سروجهم وجيشك في حطين صلوا وكبروا نساء فلسطين تكحلن بالأسى وفي بيت لحم قاصرات وقصر وليمون يافا يابس في أصوله وهل شجر في قبضة الظلم يثمر هذا المسجد الشريف ورد ذكره في الكتاب والسنة، وشرفه الله ﵎ ووصفه بأعظم الصفات.
стр. 1216
مكانة المسجد الأقصى عند المسلمين
وقد انتقلت هذه الأرض المقدسة والمسجد الأقصى إلى إرث الأمة الإسلامية، فهذه الأمة المصطفاة هي التي ورثت الاصطفاء والاجتباء بعد بني إسرائيل، فبنو إسرائيل جحدوا نعمة الله عليهم وقد كانوا خير الأمم في زمانهم، فلما كفروا وعتوا وعلوا عن أمر الله ﵎ أبدل الله خيراً منهم، وصارت هذه الأمة المحمدية خير أمة أخرجت للناس مطلقاً، فورثت هذه الأمة الاصطفاء والاجتباء بعد بني إسرائيل.
وقد احتل المسجد الأقصى واحتلت بيت المقدس مكاناً متميزاً ومكانة رفيعة في قلوب أمة محمد ﷺ .
فالقدس والأقصى يسكنان مكان القلب من كل مسلم.
стр. 1217
رفع الشرع لمكانة المسجد الأقصى وبيت المقدس
أضفى الإسلام على المسجد الأقصى وبيت المقدس مزيداً من القدسية والشرف، حتى إن القرآن الكريم جاء فيه وصف أرض بيت المقدس بصفات البركة والطهر والقدسية، يقول ﵎ حاكياً عن موسى ﵇: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة:٢١]، فوصفها بالقداسة والطهارة، وقال : ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأعراف:١٣٧]، فوصفها أيضاً بالبركة، وقال أيضاً: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَه﴾ [الإسراء:١]، وقال أيضاً في شأنه: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:٧١]، وقال : ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨١]، وقال أيضاً: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [القصص:٣٠]، وقال ﵎: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [سبأ:١٨]، وهي الشام، ﴿قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾ [سبأ:١٨].
وقد أشارت آيات القرآن أيضاً إلى قدسية هذه الأرض حينما أقسم الله بها في سورة التين: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ﴾ [التين:١ - ٣]، وقال في شأن عيسى ﵇ وأمه: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ [المؤمنون:٥٠].
قال قتادة وكعب والسدي: إن هذه إشارة إلى بيت المقدس.
وقال ﵎: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ [ق:٤١]، ورد في التفسير أن المنادي هو: إسرافيل ينادي من صخرة بيت المقدس.
وفي قوله ﵎: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور:٣٦]، قال عكرمة: إنها المساجد الأربعة: المسجد الحرام، ومسجد قباء، ومسجد المدينة، ومسجد بيت المقدس.
وفي تفسير قوله ﵎: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ [البقرة:١١٤] قال كثير من المفسرين: هو مسجد بيت المقدس.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وقد دل الكتاب والسنة وما روي عن الأنبياء المتقدمين مع ما علم بالحس والعقل: أن الخلق والأمر ابتدأ من مكة أم القرى، فهي أم الخلق، وفيها ابتدأت الرسالة المحمدية التي طبق نورها الأرض، وجعلها الله قياماً للناس، إليها يصلون ويحجون، ويقوم بها ما شاء الله من مصالح دينهم ودنياهم.
فكان الإسلام في الزمان الأول ظهوره بالحجاز أعظم، ودلت الدلائل المذكورة على أن ملك النبوة سيكون في الشام، والحشر إليها، فإلى بيت المقدس وما حوله يعود الخلق والأمر، وهناك يحشر الخلق، قال : ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ [الحشر:٢]، والمقصود بها: الشام.
فيحشر الخلق إلى الشام، والإسلام في آخر الزمان يكون أظهر بالشام كما ثبت عن النبي ﷺ ، وكما أن مكة أفضل من بيت المقدس فأول الأمة خير من آخرها، كما أنه في آخر الزمان يعود الأمر إلى الشام، كما أسري بالنبي ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى.
وكانت صلاة رسول الله ﷺ بالأنبياء في ليلة الإسراء إقراراً مبيناً بأن الإسلام هو الرسالة الخاتمة، والوحي الأخير إلى البشر، وكان تمامها على يد محمد ﷺ ، بعد أن وطأ لها العباد الصالحون من رسل الله الأولين.
وكان في الإسراء أيضاً دلالة على أن آخر صبغة للمسجد الأقصى في شرع الله هي الصبغة الإسلامية، فاستقر نسب المسجد الأقصى إلى الالتصاق بالأمة التي أم رسولها سائر الأنبياء.
ولا شك أن في اقتران الإسراء بالنبي ﷺ إلى السماوات العلى بالمسجد الأقصى دليلاً باهراً على مدى ما لهذا البيت من مكانة عند الله تعالى، ودليل كذلك على صحة القول: بأن المسجد الأقصى في المركز الذي لا يصعد إلى السماء إلا منه، ولهذا فإن الناس يحشرون هناك، وينصرفون من تلك الأرض إما إلى الجنة، وإما إلى النار.
وقد ردت أيضاً أحاديث كثيرة بجانب هذه الجملة من الآيات في فضل وشرف بيت المقدس والمسجد الأقصى، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى) رواه البخاري ومسلم.
وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (أُتيت بالبراق فركبته حتى أتيت بيت المقدس، فربطته بالحلقة التي يربط فيها الأنبياء، ثم دخلت المسجد -يعني: مكان المسجد- فصليت فيه ركعتين، ثم عرج بي إلى السماء) رواه مسلم.
وعن جنادة بن أبي أمية الأزدي قال: ذهبت أنا ورجل من الأنصار إلى رجل من أصحاب رسول الله ﷺ فقلنا: حدثنا ما سمعت من رسول الله ﷺ يذكر في الدجال، فذكر الحديث وفيه: قال عليه الصلاة السلام: (وعلامته -أي: الدجال-: يمكث في الأرض أربعين صباحاً، يبلغ سلطانه كل منهل، لا يأتي أربعة مساجد: الكعبة، ومسجدي -مسجد الرسول ﷺ والمسجد الأقصى، والطور) رواه الإمام أحمد في مسنده، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، وقال ابن حجر: رجاله ثقات.
وفي الحديث الذي ذكرناه عن عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: (لما فرغ سليمان بن داود من بناء بيت المقدس سأل الله ثلاثاً: حكماً يصادف حكمه، وملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، وألا يأتي هذا المسجد أحد لا يريد إلا الصلاة فيه -يعني: مخلصاً لله- إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، قال ﷺ : أما اثنتان فقد أعطيهما، وأرجو أن يكون قد أعطي الثالثة) رواه الإمام أحمد في مسنده، ورواه أيضاً ابن ماجة في سننه.
وعن ميمونة مولاة النبي ﷺ قالت: (قلت: يا رسول الله! أفتنا في بيت المقدس؟ قال: أرض المحشر والمنشر- يعني: الأرض التي يكون فيها الحشر والنشور- ائتوه فصلوا فيه، فإن صلاة فيه كألف صلاة في غيره، قلت: أرأيت إن لم أستطع أن أتحمل إليه، قال: أهدي له زيتاً يسرج فيه، فمن فعل فهو كمن أتاه) رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجة، وقال في (مصباح الزجاجة): وإسناد طريق ابن ماجة صحيح، ورجاله ثقات، وهو أصح من طريق أبي داود.
وعن ذي الأصابع ﵁ قال: (قلت: يا رسول الله! إن ابتلينا بعدك بالبقاء -طول العيش- فأين تأمرنا؟ قال ﵊: عليك ببيت المقدس؛ فلعله ينشأ لك ذرية يغدون إلى ذلك المسجد ويروحون) رواه الإمام أحمد والطبراني في الكبير، وفيه ضعف.
وعن أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (يا أبا ذر! كيف تصنع إن أخرجت من المدينة؟ قال: قلت: إلى السعة والدعة، أنطلق حتى أكون حمامة من حمام مكة، قال: كيف تصنع إن أخرجت من مكة، قال: قلت: إلى السعة والدعة، إلى الشام والأرض المقدسة، قال: وكيف تصنع إن أخرجت من الشام، قال: قلت: إذاً والذي بعثك بالحق! أضع سيفي على عاتقي) رواه الإمام أحمد والطبراني ورجاله رجال الصحيح، إلا أن أبا السليل ضريب بن نقير لم يدرك أبا ذر.
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أبواب دمشق وما حوله، وعلى أبواب بيت المقدس وما حوله، لا يضرهم من خذلهم، ظاهرين على الحق إلى أن تقوم الساعة) رواه أبو يعلى، وقال الهيثمي: رجاله ثقات.
وعن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (بينا أنا نائم، إذ رأيت عمود الكتاب احتمل من تحت رأسي، فظننت أنه مذهوب به، فأتبعته بصري، فعمد به إلى الشام، ألا وإن الإيمان حين تقع الفتن بالشام) رواه الإمام أحمد والبزار وقال ابن حجر: سنده صحيح.
وعن أبي حوالة الأزدي ﵁ قال: (وضع النبي ﷺ يده على رأسي أو على هامتي ثم قال: يـ ابن حوالة! إذا رأيت الخلافة قد نزلت بالأرض المقدسة فقد دنت الزلازل والبلايا والأمور العظام، والساعة يومئذ أقرب إلى الناس من يدي هذه من رأسك) رواه الإمام أحمد و
стр. 1218
بداية الفتوحات في بلاد الشام وفلسطين في عهد النبي ﷺ
التعظيم والتكريم في القرآن والسنة للمسجد الأقصى ولبيت المقدس جعل لهما هذه المساحة العظيمة في صفحات التاريخ الإسلامي وفي قلوب المسلمين منذ عهد النبوة إلى يومنا هذا.
فالمسجد الأقصى هو المكان الذي عرج منه النبي ﷺ ليرى من آيات ربه الكبرى، فكان ذلك تشريفاً للنبي ﷺ أن عرج به إلى ذلك المقام العظيم من هذا المكان العظيم؛ ليرقى إلى ملأ عظيم، في ليلة عظيمة.
ولو لم يحدث في زمن النبوة ما يشرف ذلك المكان إلا ذلك الحدث لكفاه تشريفاً وتعظيماً، لكن الواقع أن بيت المقدس كان له نصيب آخر من أحداث عهد النبوة؛ إذ توجه إليه اهتمام النبي ﷺ عملاً بعد أن ندب إلى تكريمه وتعظيمه من ناحية المعنى، فقد تلفتت أنظاره إلى بيت المقدس في الشام ليطهرها من أوضار الشرك الصليبي كما طهر مكة من أوضار الشرك العربي، ولتبدأ بذلك الخطوة الأولى نحو الهدف الكبير، هدف تحرير الأرض المقدسة وتكسير الآثار التي حلت بها.
لذلك ندب النبي ﷺ إلى ذلك، وتوجه النظر إلى بيت المقدس، كما توجه النظر إلى الشام وإلى آفاق الأرض، وندب الناس إلى الخروج إلى الشام، وقد بعث النبي ﷺ رسالة إلى هرقل عظيم الروم يدعوه إلى الإسلام، كما بعث إلى شرحبيل بن عمرو الغساني عظيم بصرى رسولاً يدعوه إلى الإسلام، فاعتدى على المبعوث وقتله، فأعد رسول الله ﷺ ثلاثة آلاف مقاتل للخروج إلى مؤتة، وفي تلك الغزوة قتل زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة ﵃، وتلقى سيف الله المسلول الراية بعد مقتل الثلاثة ففتح الله عليه، فانسحب الانسحاب الآمن المعروف.
ثم بدأت الروم تحشد الجيوش للإغارة على دولة الإسلام؛ ولتبقي يدها على بيت المقدس، ولتظل الروم ممسكة بزعامة العالم النصراني من هناك، فأعدوا الجيوش لضربة مركزة، فتنامت إلى أسماع المسلمين أنباء ذلك الإعداد، فاستنفر النبي ﷺ المسلمين لملاقاة ذلك العدو المستكبر، وكان ذلك في السنة التاسعة للهجرة، فاكتنف إعداد الجيش الذي أنشئ لقتال الروم في الشام ظروف عصيبة، حتى سمي جيش العسرة، والآيات التي نزلت في القرآن الكريم المتعلقة بغزوة العسرة هي أطول ما نزل في القتال بين أهل الإسلام وغيرهم من ملل الكفر، وذلك واضح لمن تأمل سورة التوبة.
خرج ﵊ في ثلاثين ألفاً من المقاتلين، خرج بهم ﵊ في تعبئة لم تسبق من قبل لجيش إسلامي، فلما بلغ الجيش الإسلامي تبوك لم يجد للروم أثراً يدل على أنهم مستعدون لخوض الحرب، فقد رعبوا من الالتقاء بالجيش الإسلامي، وجاء ختام الغزوة طمأنينة وعزة للمسلمين، فأقفل بهم النبي ﷺ عائداً إلى المدينة.
وبعدما رجع ﵊ من حجة الوداع إلى المدينة أمر المسلمين بالتهيؤ لغزو معاقل الروم في أرض الشام، واختار لإمرة هذا الغزو أسامة بن زيد ﵄، وكان ذلك في آخر حياة النبي ﷺ في مرضه الذي توفي فيه ﷺ ، وخرج الجيش الإسلامي بقيادة أسامة الذي لم يتجاوز عمره آنذاك ثمانية عشر عاماً، وعسكر في الجرف حينما سمع باشتداد المرض برسول الله ﷺ ، وصعدت روحه إلى بارئها جل وعلا، فأقام الجيش هناك، ينتظر ما الله قاضٍ في هذا الأمر.
стр. 1219
الفتوحات في الشام وفلسطين في عهد أبي بكر ﵁
أنفذ أبو بكر ﵁ بعث أسامة، وكان بعض الناس قد نصحه أن يستفيد من هذا الجيش في قتال المرتدين، لكنه أبى وأنفذ بعث أسامة، وتحقق من إنفاذه توجه نظره إلى توجيه جيش إسلامي كبير إلى الشام، ليس لقتال الروم فقط، بل لفتحها وإدخالها إلى حظيرة الإسلام، وتم إعداد جيش من اثني عشر ألف مقاتل بإمرة خالد بن الوليد بعد أن انتهى دوره من قتال المرتدين، وحضر لقتال الروم جمع مبارك من أفذاذ قادة المسلمين من الصحابة، وتمخضت ملامح النصر عن فتح عدة مدن بفلسطين، وكان فتحها تمهيداً وتذليلاً للطريق إلى مدينة القدس بعد عهد أبي بكر ﵁.
стр. 1220
فتح عمر ﵁ لبيت المقدس
في عهد أمير المؤمنين عمر ﵁ استأنف الإعداد لفتح بيت المقدس، فوجه أبا عبيدة بن الجراح ﵁ إلى المدينة المقدسة في خمسة آلاف فارس، ثم أتبعهم بخمسة آلاف تحت قيادة يزيد بن أبي سفيان، ثم بخمسة آلاف تحت قيادة شرحبيل بن حسنة، فاجتمعوا جميعاً، وضربوا الحصار حول المدينة المقدسة حوالى أربعة أشهر، حتى طلب أهلها الصلح على أن يتولى عمر بنفسه تسلم المدينة، فاستجاب عمر ﵁، وخرج بنفسه إلى إيلياء، فوصل إليها في شهر رجب من السنة السادسة عشرة للهجرة في شهر الإسراء والمعراج؛ ليحرر مسرى رسول الله ﷺ ويفك عنه الأغلال، ودخل المدينة عن طريق جبل المكبر، الذي سمي بجبل عمر؛ لأن عمر ﵁ دخل منه.
ولما أشرف على المدينة المقدسة من فوقه كبر عمر ﵁، وكبر المسلمون معه، ومن ثم سمي جبل المكبر، وبعد أن دخلها ووصل إلى أرض المسجد الأقصى أزال عنها ما وضعه النصارى من أقذار، وبنى مسجداً أمام الصخرة، وجعل الصخرة في مؤخرته.
والناس إذا ذكر عندهم المسجد الأقصى يتبادر إلى ذهنهم هذه القبة المبنية فوق الصخرة، والتي يجعلون بناءها من عجائب الدنيا، وهذه القبة هي جزء من أرض المسجد الأقصى، أما المسجد الأقصى فهو كل المساحة التي حول قبة الصخرة، وأرض المسجد الحقيقي هو الموجود في الجهة الغربية من قبة الصخرة، فالمسجد الأقصى كبناء وكمسجد ليس هو قبة الصخرة، وإن كان في الأصل أن قبة الصخرة جزء من هذه الساحة التي هي والأرض المحيطة بها كلها تشكل كلمة المسجد الأقصى.
стр. 1221
اهتمام خلفاء بني أمية بالمسجد الأقصى وبيت المقدس
عندما استقر الأمر لأمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان ﵄ أخذ البيعة من الناس في مدينة القدس، ثم اختار دمشق عاصمة للخلافة.
وفي عهد عبد الملك بن مروان أخذ لنفسه البيعة في بيت المقدس، وتولى أعمار المدينة المقدسة حتى غدت في عهده وعهد ابنه الوليد بن عبد الملك من أعظم المراكز الحضارية في الدولة الإسلامية، وتولى عبد الملك تشييد المسجد الأقصى في بناء جديد، وكذلك هو الذي تولى تشييد مسجد قبة الصخرة، وأوقف خراج مصر لسبع سنين في تشييدهما، فكان الخراج الذي يجمع من مصر لمدة سبع سنين وقفاً على تشييد المسجد الأقصى وقبة الصخرة، حتى صارا على شكلهما القائم اليوم.
أما الخليفة الأموي العادل عمر بن عبد العزيز فإنه لما تولى الحكم طلب من جميع ولاته أن يزوروا المسجد الأقصى، ويقسموا يمين الطاعة والعدل بين الناس فيه.
وفي عهد العباسيين زاد اهتمامهم بالقدس لاسيما في عهد أبي جعفر المنصور، وكذلك في العهود التي تلت ذلك.
стр. 1222
بداية سقوط القدس في أيدي الصليبيين
استطاع السلجوقيون أن يستولوا على المدينة المقدسة من قبضة الفاطميين الذين كانوا يعتبرون أعداءً تقليديين لهم، فاحتلوا المدينة عام (٤٦٥هـ) الموافق عام (١٠٧١م)، لكن الفاطميين استعادوها منهم، ولم يلبث الصليبييون أن انتزعوا القدس من أيدي أوليائهم الفاطميين الذين كانوا من الأسباب الرئيسية في النكبة الصليبية التي حلت ببيت المقدس.
انتهزت الزعامة الباباوية نداءً وجهه البطريرك كنعان الثاني بطريرك القدس وبطرس الناسك، وتوجه هذا المدعوم من البابا إلى مجمع للنصارى سنة (١٠٩٥م)، ودعا إلى شن حروب ضد المسلمين لإخراجهم من بيت المقدس؛ فاستجاب ملوك وأمراء الإقطاع في أوروبا الوسطى والغربية؛ لأن في تلبيتهم لهذا النداء فرصة لتحقيق حلمهم القديم في إقامة إمبراطورية جديدة في الشرق على غرار الإمبراطورية الرومانية التي قصم المسلمون ظهرها.
وتقدم النصارى ملبين نداء البابا وهم يدقون نواقيس الحرب، ووقعت القدس في يد النصارى بعد أربعين يوماً من الحصار، وذلك بعد انخذال الشيعة في الدفاع عنها، وهروب قائدهم المدعو افتخار الدولة وحرسه، وسقطت المدينة المقدسة في أيدي عباد الصليب في نهار يوم الجمعة في الثالث والعشرين من شعبان سنة (٤٩٢هـ) في عهد الخليفة المستعلي بالله الفاطمي لا أعلاه الله، والمستظهر بالله الفاطمي لا أظهره الله؛ ولم يكن لدى الفاطميين إلا أسماء وألقاب فقط، كـ العاضد لدين الله، والمعز لدين الله، والحاكم بأمر الله، وهكذا.
وتهيأت الفرصة لعباد الصليب لأول مرة بعد أن أضاءت الدنيا بنور الإسلام أن يسددوا للمسلمين طعنة في الصميم، ودخل الصليبيون المدينة منطلقين في هوس وجنون يزرعون الرعب والدمار والخراب، منتشين بما أصابوا من نصر رخيص على يد حاكم أرعن، ولم يسلم من بطشهم رجل ولا امرأة ولا شيخ ولا طفل، فقتلوا الجميع دون تمييز، وأراقوا الدماء دون تورع، وشاهوا وجوه الناس وأساءوا إليهم، فلم يسلم من ظلمهم خد أيمن ولا أيسر، واستمرت المذبحة الرهيبة طوال يوم الدخول وليلته، واقتحموا المسجد الأقصى صباح اليوم التالي، وأجهزوا على من احتموا فيه، واصطبغت ساحات المسجد بدماء العباد والزهاد والركع السجود، وتوجه قائد الحملة الصليبية ريموند في الضحى لدخول ساحة المسجد ملتمساً طريقاً بين الجثث والدماء التي بلغت ركبته!!
стр. 1223
استعادة صلاح الدين الأيوبي ﵀ للقدس
ظل الصليبيون في بيت المقدس يشيعون فيه الإفساد مدة إحدى وتسعين سنة، إلى أن أذن الله بالنصر للسلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، فالحقيقة أن هذا الأمر مما يلفت النظر، فالقدس صارت لسنوات كثيرة في يد الصليبيين أطول مما صارت الآن في يد اليهود لعنهم الله.
فالسنوات في عمر الدعوات هي ثوانٍ ولحظات في الحقيقة، فمهما طال الأمد فلابد أن تعلو كلمة الله ﵎، وقد جاءنا الخبر من النبي ﷺ أن الإسلام سيظهر في الشام، وأن خلافة داود في بيت المقدس؛ حتى لا يصيب المسلمين اليأس، فمهما طال العهد بهؤلاء اليهود فإن من سبقوهم مكثوا في القدس أكثر مما مكثوا، وعلوا في الأرض أكثر مما علوا.
أذن الله بالنصر للسلطان الملك الناصر صلاح الدين الأيوبي ﵀، فقد توجه نهار الأحد الخامس عشر من رجب فنزل بجيشه غربي بيت المقدس، ثم انتقل إلى الجانب الشمالي، وخيم هناك، وضيق على الإفرنج المسالك، ونصب المجانيق، وضرب على المدينة حصاراً انتهى بتسليم الصليبيين إياها يوم الجمعة السابع والعشرين من رجب سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، فاتفق الفتح في اليوم الذي كان فيه حادثة الإسراء برسول الله ﷺ .
ومما يرطب قلوبنا ويحيي الأمل في نفوسنا أن نطالع ما حدث في ذلك اليوم العظيم، كما حكاه الإمام ابن كثير ﵀ ﵎، وقد صحح الحافظ ابن كثير أن صلاة الجمعة أقيمت في الجمعة المقبلة، وليس في أول جمعة؛ لأنهم لم يتمكنوا من إقامتها يومئذ لضيق الوقت، وإنما أقيمت في الجمعة المقبلة، وكان الخطيب محيي الدين بن محمد بن علي القرشي بن الزكي.
يقول ابن كثير: لكن المسلمين نظفوا المسجد الأقصى مما كان فيه من الصلبان والرهبان والخنازير، وخربت دور الداوية، وكانوا قد بنوها غربي المحراب الكبير، واتخذوا المحراب مشتاً لعنهم الله، فنظف من ذلك كله، وأعيد إلى ما كان عليه في الأيام الإسلامية، وغسلت الصخرة بالماء الطاهر، وأعيد غسلها بماء الورد والمسك الفاخر، وأبرزت للناظرين، وقد كانت مستورة مخبوءة عن الزائرين، وأنزل الصليب عن قبتها، وعادت إلى حرمتها.
وقد كان الفرنج قلعوا منها قطعاً فباعوها من أهل البحور الجوانية بزنتها ذهباً، فتعذر استعادة ما قطع منها، ثم قبض -أي: السلطان صلاح الدين - من الفرنج ما كانوا بذلوه عن أنفسهم من الأموال، وأطلق السلطان خلقاً منهم من بنات الملوك بمن معهن من النساء والصبيان والرجال، ووقعت المسامحة في كثير منهم، وشفع في أناس كثير منهم فعفا عنهم، وفرق السلطان جميع ما قبض منهم من الذهب في العسكر، ولم يأخذ منه شيئاً مما يقتنى ويدخر؛ فقد كان ﵀ حليماً كريماً مقداماً شجاعاً رحيماً.
стр. 1224
أول جمعة أقيمت في المسجد الأقصى بعد استعادة القدس وذكر خطيبها
يقول الحافظ ابن كثير حاكياً ما حدث في أول جمعة أقيمت ببيت المقدس بعد فتحه: لما تطهر بيت المقدس مما كان فيهم من الصلبان والنواقيس والرهبان والقساقس، ودخله أهل الإيمان، ونودي بالأذان، وقرئ القرآن، ووحد الرحمن، كان أول جمعة أقيمت في اليوم الرابع من شعبان بعد يوم الفتح بثمانٍ، فنصب المنبر إلى جانب المحراب، وبسطت البسط، وعلقت القناديل، وتلي التنزيل، وجاء الحق، وبطلت الأباطيل، وصفت السجادات، وكثرت السجدات، وتنوعت العبادات، وارتفعت الدعوات، ونزلت البركات، وانجلت الكربات، وأقيمت الصلوات، وأذن المؤذنون، وخرس القسيسون، وزال البوس، وطابت النفوس، وأقبلت السعود، وأدبرت النحوس، وعبد الله الأحد الصمد الذي ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٣ - ٤]، وكبره الراكع والساجد، والقائم والقاعد، وامتلأ الجامع، وسالت لرقة القلوب المدامع، ولما أذن المؤذنون للصلاة قبل الزوال، كادت القلوب تطير من الفرح في ذلك الحال! ولم يكن عين خطيب، فبرز من السلطان المرسوم الصلاحي وهو في قبة الصخرة: أن يكون القاضي محيي الدين بن الزكي اليوم خطيباً، فلبس الخلعة السوداء، وخطب للناس خطبة سنية فصيحة بليغة، ذكر فيها شرف بيت المقدس، وما ورد فيه من الفضائل والترغيبات، وما فيه من الدلائل والأمارات.
وقد أورد الشيخ أبو شامة الخطبة في الروضتين بطولهما، وكان الخطيب الإمام ابن الزكي ﵀ أول ما صعد المنبر بدأ الخطبة بقوله: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٤٥]، ثم أورد تحميدات القرآن كلها -أي: كل الآيات التي فيها حمد لله ﵎ من القرآن- ثم قال: الحمد لله معز الإسلام بنصره، ومذل الشرك بقهره، ومصرف الأمور بأمره، ومزيد النعم بشكره، ومستدرج الكافرين بمكره، والذي قدر الأيام دولاً بعدله، وجعل العاقبة للمتقين بفضله، وأفاض على العباد من طله وهطله، الذي أظهر دينه على الدين كله، القاهر فوق عباده فلا يمانع، والظاهر على خليقته فلا ينازع، والآمر بما يشاء فلا يراجع، والحاكم بما يريد فلا يدافع، أحمده على إظفاره وإظهاره، وإعزازه لأوليائه، ونصرة أنصاره، ومطهر بيت المقدس من أدناس الشرك وأوضاره، حمد من استشعر الحمد باطن سره وظاهر أجهاره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، شهادة من طهر بالتوحيد قلبه، وأرضى به ربه.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، رافع الشكر، وداحض الشرك، ورافض الإفك، الذي أسري به من المسجد الحرام إلى هذا المسجد الأقصى، وعرج به منه إلى السماوات العلى، إلى سدرة المنتهى، عندها جنة المأوى، ما زاغ البصر وما طغى، صلى الله عليه وعلى خليفته الصديق السابق إلى الإيمان، وعلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، أول من رفع عن هذا البيت شعار الصلبان، وعلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان ذي النورين جامع القرآن، وعلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب مزلزل الشرك ومكسر الأصنام، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان.
واستمر ﵀ في ذكر فضائل بيت المقدس، ثم ذكر تمام الخطبتين، ثم دعا للخليفة الناصر العباسي، ثم دعا للسلطان الناصر صلاح الدين، وبعد الصلاة جلس الشيخ زين الدين أبو الحسن علي بن نجى المصري على كرسي الوعظ بإذن السلطان، فوعظ الناس، واستمر القاضي ابن الزكي يخطب الناس في أيام الجمع أربع جمعات.
ثم قرر السلطان للقدس خطيباً مستقراً، وأرسل إلى حلب فاستحضر المنبر الذي كان الملك العادل نور الدين الشهيد قد أعده لبيت المقدس -وقد أحرق في حادثة إحراق المسجد الأقصى قبل عدة سنوات- وقد كان يؤمل أن يكون فتحه على يديه، وكان قد أعد هذا المنبر حتى يصلي فيه، لكن لم يكتب له ذلك، وقتل شهيداً ﵀، أي: أن الملك نور الدين كان يؤمل أن يكون فتحه على يديه، فما كان إلا على يدي بعض أتباعه بعد وفاته، وهو صلاح الدين ﵀.
стр. 1225
قيام دولة اليهود على أساس ديني
نحتاج أيضاً قبل الخوض في هذه القضية إلى المرور العابر على الصدام بين المسلمين واليهود فيما يتعلق بفلسطين، فإن المتأمل في مسيرة الصراع بين المسلمين واليهود لعنهم الله تصدمه حقائق كبيرة يراد تكذيبها، ومعالم خطيرة يراد تحقيرها، من هذه الحقائق المهمة والخطيرة جداً: أن الكيان اليهودي جعل الدين ركيزته التي تنطلق منها سياسته؛ فالدولة اليهودية قائمة على أساس ديني محض، لا تشوبه أية شائبة أخرى، وسياساتهم تقوم على دينهم وعلى عقيدتهم، فظل هذا الكيان ينتقل من خلال الصراع مع المسلمين من إنجاز إلى إنجاز، ومن قوة وانتشار إلى مزيد من القوة والانتشار، في الوقت الذي ظلت فيه الكيانات العلمانية التي تصدرت للمعركة تتخبط في سيرها متنقلة من فشل إلى فشل، ومن تنازل وخسارة إلى مزيد من التنازل والخسارة.
واليهود رفعوا منذ بدأ القتال مع المسلمين راية واحدة هي راية التوراة، فإن اليهود حينما غادرت قوات الجيش المصري المرابطة في جنوب فلسطين دخلوا مكانهم، ووصلت إحدى كتائبهم إلى حدود سيناء سنة (١٩٤٨م) فنزل الضباط والجنود اليهود من سياراتهم وقبلوا التربة، باعتبار أن سيناء في نظرهم أرضهم المقدسة.
وحينما وقع العدوان الثلاثي على مصر في ٢٩ أكتوبر سنة (١٩٥٦م)، ووصلت القوات اليهودية إلى حدود سيناء كان في طليعة القوات الزاحفة سيارة جيب تتقدم جميع القوات الزاحفة، وكانت تحمل كتاباً ضخماً هو التوراة، ومن خلفه وقف حاخام يخطب في الجنود ويقول: يا أبناء إسرائيل! إنكم تدخلون الآن الأرض المقدسة؛ حيث تسلم موسى الشريعة، فهيا لتطهيرها من الأعداء.
يعني: من المصريين، فالمنطلق الذي ينطلق منه أعداء الله منطلق ديني، وليس بمنطلق اقتصادي ولا سياسي ولا أي شيء آخر، فكل مواقفهم تنطلق من هذه الركيزة التي لا يتخلون عنها.
ففلسطين في زعمهم هي أرض الميعاد، وقد أسموا دولتهم باسم نبي الله يعقوب ﵇: إسرائيل، وجعلوا دستور دولتهم التوراة، فالدستور الذي يحكم إسرائيل هو التوراة، فهي دولة دينية، ورفضوا أن يحددوا لهذه الدولة حدوداً رسمية، إلا بعد أن ينتهوا من ضم الحدود التي ترسمها التوراة!! ومعلوم أنهم ينقشون على جدار الكنيست العبارة المعروفة: (أرضك الكبرى -يا إسرائيل- من النيل إلى الفرات)، وهذا المعنى نفسه يعبر عنه العلم اليهودي الذي يرفرف الآن في بعض العواصم التي من المفروض أن تكون إسلامية.
فالعلم اليهودي عبارة عن أرضية فيها خطان أزرقان، وفي الوسط نجمة داود السداسية، والخطان الأزرقان هما رمزان للنهرين، فأحدهما يشير إلى النيل، والآخر يشير إلى الفرات، وما بينهما نجمة داود تشير إلى أن منطقة السيادة اليهودية بين النيل وبين الفرات.
والآن بدءوا ينادون بضم يثرب، أي: ضم المدينة المنورة، ويزعمون أن لهم حقاً في المدينة المنورة، كما سنبين.
والمقصود: أنهم رفضوا أن يحددوا حدوداً رسمية لدولتهم، إلا بعد أن ينتهوا من ضم الحدود التي ترسمها التوراة، وخاضوا معاركهم التي كان يقودهم فيها الأحبار والحاخامات، وجعلوا لدولتهم بكل توجهاتها السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية شعاراً واحداً يتوسط العلم الإسرائيلي هو نجمة داود التي ترمز إلى قبلة هذا المجتمع العقائدي وهذه الدولة التي يريدون إعادتها بعد غياب ألفي عام.
وهذه القبلة هي هيكل سليمان الثالث، ويسمونه ثالثاً؛ لأنه هدم من قبل مرتين، والآن يخططون لإعادة بنائه بعد هدم المسجد الأقصى.
فهذه القبلة هي هيكل سليمان الثالث، ذلك المعبد الذي يريدون أن يبنوه مكان المسجد الأقصى والصخرة؛ ليبرزوا بذلك معالم الدولة الدينية اليهودية العالمية ذات الاسم الديني والدستور الديني والحدود الدينية والشعار الديني؛ لتكتمل بذلك صورة الدولة اليهودية العالمية، على أنقاض دولة الخلافة الإسلامية.
стр. 1226
الإسلام لم يواجه اليهود في فلسطين بعد
قد مر على قيام الدولة اليهودية إلى الآن ما يزيد على أربعين عاماً، وقد أثبتت كل الشواهد خلالها الفشل الذريع والهزائم المنكرة والتراجع المذهل للاتجاه العلماني بأثوابه المتعددة، كالقوميين الاشتراكيين والتقدميين البعثيين، إلى آخر قائمة هؤلاء الملحدين.
فالذي هزم وتراجع أمام اليهود ليس هو الإسلام؛ لأن الإسلام لم يدخل في مواجهة حقيقية مع اليهود حتى الآن، ولابد أنه سيأتي اليوم الذي يرى اليهود أتباع محمد ﷺ الذين قالوا في حقهم يوم ٥ يونيو سنة (١٩٦٧م) يوم أن خرجوا إلى المسجد الأقصى يهتفون ويقولون -لعنهم الله-: محمد مات، خلف بنات! هذا هو ما كان ينطق به اليهود، فهم لم يروا أتباع محمد ﵊، وهم يعلمون تماماً أن الإسلام إذا واجه اليهود فلن يذوقوا إلا الأمرين على يد أتباع محمد ﷺ الذين هم الرجال كل الرجال.
وهؤلاء الأتباع قد جاء وصفهم في القرآن وفي السنة، وهم فقط الذين سيؤدبون اليهود، جاء وصفهم في القرآن في قوله ﵎: ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء:٥]، فهم يجمعون بين العبودية لله، وبين البأس الشديد، وجاء وصفهم أيضاً في قول النبي ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود، حتى يختبئ اليهودي وراء الشجر والحجر، فيقول الشجر والحجر -ينطق الشجر والحجر-: يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهودي ورائي تعال فاقتله، إلا الغرقد؛ فإنه من شجر اليهود) فيقول الشجر والحجر: يا مسلم! يا عبد الله! ولا يقول: يا علماني! يا اشتراكي! يا ديمقراطي! يا بعثي! يا قومي! فالذين سيؤدبون اليهود هم الذين يقولون: لا إله إلا الله، ويعيشون بلا إله إلا الله، ومن أجل لا إله إلا الله، وأما من كان بخلاف هذا فسيفشل، وسيندحر، ولن يبقى له أي شيء، حتى لو كان هؤلاء العلمانيون من الفلسطينيين الخائنين الذين باعوا فلسطين، وركعوا أمام أعداء الله، فساموهم أذل الذل والهوان، ومع ذلك لم يرضوا عنهم أيضاً، بل أسخطهم الله عليهم؛ لأنهم أرادوا إرضاءهم بسخط الله ﵎.
فهؤلاء هم الذين هزموا أمام اليهود، وهذا يعرفه اليهود تماماً، ويوجد فيهم أناس لاسيما من بعض الأحزاب الدينية يقولون: نحن نؤمن أنه لن يكون هناك سلام إطلاقاً مع المسلمين، أو مع العرب.
فهم يؤمنون من خلال نصوص كتبهم التي يقدسونها: أنه لابد من قتال واقع في معركة فاصلة بين اليهود وبين المسلمين.
فالذي هزم ليس هو الإسلام، وإنما هي العلمانية، والذي ألقى السلاح وطلب الاستسلام ليس هو الإسلام، بل هي العلمانية، ولا يتصور أن شاباً من شباب المسلمين الصادقين المخلصين لله ﵎ إلا وهو يترقب اليوم الذي يفتح فيه باب الجهاد في فلسطين.
وما من شك أنه لو فتح باب الجهاد في فلسطين فلن يبقى مسلم مخلص لله ﵎ إلا وهو يرغب في إحدى الحسنين: إما النصر، وإما الشهادة، وليس هناك شيء وسط بعد ذلك.
فالإسلام لم ينهزم أبداً أمام اليهود في هذا الصدام؛ لأن الإسلام لم يمكن حتى الآن للتصدي لتلك المعركة العقائدية، وإنما هي معركة عقائدية تدار من جانب واحد فقط، فأصحاب العقيدة في هذه الحرب هم اليهود، فاليهود أصحاب عقيدة، لكنها عقيدة فاسدة، وهم الآن يتحركون من خلال عقيدتهم، فهل الذين يواجهون اليهود يتصرفون من خلال العقيدة، ومن خلال: ﴿قُلْ هَلْ تَربَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة:٥٢]؟!
الجواب
كلا! فلذلك من الظلم أن ينسب للإسلام الانهزام أمام اليهود لعنهم الله تعالى.
стр. 1227
عداء اليهود للإسلام وأهله قديماً وحديثاً
قال الله ﵎: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة:٨٢]، ولم يكن أمراً اتفاقياً أن يكثر القرآن الكريم من الكلام عن صفات هذا الصنف من الناس بهذا الشكل الذي يلفت النظر؛ لأن الكلام عن بني إسرائيل شغل حيزاً كبيراً في التنزيل الحكيم مكيه ومدنيه، فهناك حكم عظيمة، من ذلك: إبراز حقيقة العداء اليهودي المتأصل للإسلام وأهله.
واليهود اشتعلت نيران الحقد في صدروهم لما ظهر لهم أن النبي ﵊ الذي أرسل ليس من بني إسرائيل، وأنه من بني إسماعيل، فتسلسلت بعد ذلك مؤامراتهم ضد الإسلام ونبي الإسلام.
وقد قاد النبي ﷺ الجهاد بنفسه ضد اليهود، وخاض صراعاً طويلاً معهم إلى أن أجلاهم عن المدينة المنورة، ولم يتوقف الكيد اليهودي عند هذا الحد في عهد النبي ﷺ ، فالأفعى اليهودية قاومت الموت، وأصرت على أن تواصل لدغاتها الضاربة؛ عسى أن تصيب الإسلام في مقتل، وكانت روح رسول الله ﷺ هي المستهدفة هذه المرة، ونجح اليهود فيما أرادوا، إذ دبروا مؤامرة لقتل النبي ﷺ ؛ لأنهم قتلة الأنبياء، فقد كانوا سفاحين مجرمين، قتلوا الأنبياء من قبل، قتلوا زكريا ﵇، وقتلوا يحيى، وأهدوا رأسه إلى بغي من بغايا بني إسرائيل! فأرادوا أيضاً -كعادتهم- أن يقتلوا سيد وخاتم الأنبياء ﷺ ، إذ دبروا مؤامرة لقتله ﷺ بالسم؛ لتنضاف بذلك جريمة جديدة في سجل قتلة الأنبياء.
فامرأة أحد زعماء اليهود أهدت إلى رسول الله ﷺ شاة مشوية، ودست فيها السم، وكانت تعلم من خلقه ﵊ أنه يقبل الهدية، فلاك ﵊ مضغة من الشاة فاستكرهها، فقال: (إن هذه الشاة لتخبرني أنها مسموة)، ثم مات من أكل تلك الشاة أحد أصحاب رسول الله ﷺ ، وهو بشر بن البراء، وبقي النبي ﷺ متأثراً بما لاكه منها، حتى إنه قال في مرضه الذي توفي فيه لأخت بشر: (إن هذا لأوان وجدت فيه انقطاع أبهري من الأكلة التي أكلت مع أخيك) يعني: أن تأثير هذه الأكلة بقي معه حتى قبض ﷺ متأثراً به.
وكان أصحاب النبي ﷺ يذكرون في فضائل رسول الله ﵊ أنه مات شهيداً بسبب تلك الشاة، قال ﵎: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة:٨٧]، فأتى بالتكذيب بصيغة الماضي، فقال : (فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ)، ثم قال: (وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ) ولم يقل: وفريقاً قتلتم؛ لأنه أراد بذلك وصفهم في المستقبل أيضاً؛ ولأنهم حاولوا قتل النبي ﷺ بالسم وبالسحر.
فاليهود يقولون: نحن شعب الله المختار، وهم في الحقيقة ورثة إبليس، واليوم يرفع المسلمون في فلسطين في وجوههم شعار: نحن شعب الله المختار، وهذه هي الحقيقة، فإن هذه الأمة إذا تمسكت بكتاب ربها، وسنة نبيها كانت هي الشعب المختار كما قال ﵎: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]، أما اليهود فهم ورثة إبليس في الإفساد في الأرض: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة:٦٤].
وقد ترك هذا الفساد والإفساد بصمات اليهود في كل صفحات التاريخ، وهذه البصمات شاهدة على حضورهم في كل مجال يمكن فيه الإفساد، فاليهودي كعب بن الأشرف واليهودي ابن أبي الحقيق كانا من أول من حاول قلب الأمور في الدولة الإسلامية الناشئة في المدينة، فجمعوا بين اليهود من بني قريظة وغيرهم، وبين قريش، وبين القبائل الأخرى في الجزيرة على محاربة المسلمين.
وذلك اليهودي عبد الله بن سبأ هو الذي أسس للشيعة دينهم.
واليهودي مدحت باشا كان وراء إثارة النعرات القومية، واستخدام المخططات الماسونية في دولة الخلافة العثمانية، مما أدى في النهاية إلى سقوطها على يد اليهودي الأصل مصطفى كمال أتاتورك؛ فإنه كان من يهود (الدونمة).
واليهودي كارل ماركس هو الذي كان وراء الموجة الإلحادية التي أصبحت فيما بعد قوة ودولة، بل أصبحت معسكراً دولياً، وقد بنى هذا المعسكر نفسه على أنقاض بلاد المسلمين وشعوبهم.
واليهودي فرويد كان وراء النزعة الحيوانية التي أصبحت فيما بعد منهجاً تتلوث به عقول الناشئة فيما يصنف تعسفاً على أنه علم وتقدم.
واليهودي دوركايم كان وراء أفكار هدم الأسرة وتفكيك الروابط المقدسة في المجتمعات.
واليهودي جان فول سارتر كان وراء نزعة أدب الانحلال في علاقات الأفراد والجماعات، والذي أتى يوماً إلى مصر مع عشيقته واستقبل استقبال أبطال الفاتحين.
واليهودي جورج تسيهر كان وراء حركة الاستشراق التي استشرى فسادها، وعم ظلمها وظلامها.
واليهودي صمويل زويمر هو الذي خطط لحركات التبشير في ديار المسلمين، لا لمجرد إدخال المسلمين في النصرانية، بل لإخراجهم من الإسلام، وضرب الإسلام بالنصرانية، والنصرانية بالإسلام.
واليهودي ثيودور هرتزل هو الذي وضع البذرة الأولى في محنة العطش التي يسمونها أزمة الشرق الأوسط، عندما خطط ورسم معالم الدولة اليهودية في كتابه المسمى بهذا الاسم، تلك الدولة التي ولدت بعد مماته سفاحاً، فكانت بؤرة للإفساد في الأرض.
ولو أردنا أن نفيض في شرح وذكر صفات هؤلاء اليهود لطال الكلام جداً، كما قال الشاعر: قبائحهم لا تنقضي فنعدها وأقبح منها أن يروها فضائلا إذا زين الرحمن أعمالهم لهم فلا القول يهديهم إذا دمت قائلا فقصص خبث اليهود وعدائهم للإسلام وللنبي ﷺ كثيرة جداً، ومعلومة لمن يراجع سيرته ﷺ .
стр. 1228
مجاراة وموالاة بعض من ينتسبون إلى الإسلام لليهود والنصارى
العجب ليس من تصرفات اليهود وأعمالهم! لكن العجب حينما نجد مؤامرة تطوير التعليم التي حدثت أخيراً خلسة؛ لتسرق عقائد أبناء المسلمين على حين غفلة من أهلها، فقد ألغوا كتاب التاريخ الإسلامي الذي في المدارس الثانوية وقرروا بدلاً منه كتاب (معالم التاريخ الإسلامي والوسيط)، الذي هو تاريخ أوروبا في القرون الوسطى.
وقد تحدث مؤلف هذا الكتاب -الذي أصبح يدرس لأولادنا- عن النبي ﷺ وعن غزواته، وبخاصة غزواته ضد يهود خيبر، دون أن يبين السبب الذي من أجله قاتلهم النبي ﵊، فأظهر الرسول كأنه ظلم اليهود، ولم يذكر حقيقة الأفعال التي فعلها اليهود وأدت إلى أن يجليهم النبي ﵌، كما أشرنا إلى بعض منها.
وأيضاً حُذف اسم فلسطين من جميع الخرائط الجغرافية والتاريخية لكتب المواد الاجتماعية، وكذا خريطة سيناء في كتاب (وطني مصر)، وصفحات أخرى كثيرة.
وأيضاً: ولا حول ولا قوة إلا بالله، قطع الله يد الذي عمل هذا التصوير، وقصم رقبته، وضع عدو الله في كتاب (مصر هو الوطن العربي)، صفحة مائة وستين خريطة كتب عليها: يثرب يهودية! وتخيل حال أولادنا حين ينشئون على أن يثرب مدينة يهودية! فهل يحلم اليهود بشيء أكثر من هذا؟! إن هذه هدية إلى أعداء الله، فهذا أمر خطير في كتاب يصدر من وزارة التعليم، وتربي فيه أبناء الأمة على التسليم لليهود بأن لهم حقاً مزعوماً في المدينة.
ولو أن الكتاب صدر في فلسطين المسروقة لكان قد يكون له مساغ، لكن كيف يُقبل أن يصدر في بلادنا؟! ومن ذلك أيضاً أن أحد كتب التاريخ عرف الوصايا العشر لليهود على أنها نصوص حضارية، وذكر ذلك في صفحتين! فهل اليهود قتلة الأنبياء هم المدافعون حقاً عن الله تعالى كما يذكر ذلك الكتاب؟! وهل الله يحتاج إلى من يدافع عنه؟! وكيف يورد المؤلف نصوصاً من التوراة المحرفة في صفحتين في حين لم يورد من القرآن الكريم نصاً واحداً؟! فهل التوراة المحرفة أعز على المؤلف من القرآن الكريم؟!! ولماذا كتب صفحتين كاملتين؟! ولمصلحة من؟! إنه لإرضاء بني يهود! أليست أمة الإسلام أولى بالإرضاء، وقبل ذلك رب العالمين؟! وأين علماء الأزهر الذين رضوا لأبنائهم أن يدرسوا صفحتين كاملتين من التوراة المزورة التي أغضبت رسول الله ﷺ من مجرد أن أمسك عمر بن الخطاب لإحداها ونظر فيها؟! وأيضاً قد سبق الكلام على تفريغ سيرة الرسول ﵊ من محتواها! وأيضاً تفريغ سيرة الخلفاء الراشدين من مضمونها التربوي! وكل ذلك إرضاءً لبني صهيون! فحينما تكلم مؤلف كتاب (مصر هو الوطن العربي) على سيرة النبي ﵊ قال في سيرة الرسول ﷺ : هي مناسبة لإقامة الزينات، وتوزيع الحلوى، وتعطيل المدارس والشركات والمصالح الحكومية! هذه هي سيرة الرسول ﷺ عند هذا المؤلف وأمثاله! وأما السيرة كمنهج وكطريق حياة فهذا لا يذكرون منه شيئاً، ولا وجود له، والسيرة كعقيدة وعبادة وشريعة ومعاملات وسلوك لا وجود لها في كتب التاريخ.
كما تجاهل أيضاً مؤلف الكتاب اسم النبي ﷺ في عنوان الدرس، وفي فهارس الدرس أيضاً! وأيضاً من هذه الأشياء أنه كان في الصف الرابع من التعليم العام والأزهري موضوع عن حرب العاشر من رمضان مع اليهود، وعنوان الموضوع: شجاعة مصرية، حذف منه العبارة الآتية من التدريبات: العدو المحتل كان اليهود.
حذفت! احتلال الأراضي المصرية لا أرضى به.
حذفت أيضاً هذه العبارة! وعلى أي الأحوال قد سبق الكلام بالتفصيل في حجم هذه المؤامرة وخطورتها.
стр. 1229
مثال للتضليل الذي يمارسه بعض الكتاب من أبناء جلدتنا
يذكر الدكتور جمال عبد الهادي في كتابه: (أخطاء يجب أن تصحح في التاريخ) أمثلة من التضليل الذي يمارسه بعض الكتاب الذين هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، وكيف أنهم يخدمون أهداف اليهود في هذا: فالدكتور حسن صبري الخولي الذي كان مستشاراً خاصاً للزعيم المهزوم دائماً جمال عبد الناصر سلم في رسالة الدكتوراه التي له حين كان يناقش فيها حق اليهود في فلسطين، فيقول: يقرر الصهيونيون أن فلسطين هي الأرض التي وعدهم الله بها تأسيساً على ما جاء في التوراة: أن الله قد وعد إبراهيم ﵇ وذريته من بعده أن يعطيه فلسطين لإنشاء دولة فيها، واستشهد الكاتب بسفر التكوين: (لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات).
ثم يعلق الدكتور حسن صبري الخولي ويقول: ونحن نسلم بما جاء في التوراة، على أساس أنه كتاب مقدس من عند الله، ولكننا لا نستطيع أن نجاري اليهود في تفسيرهم التعسفي؛ لأن الوعد الإلهي ليس موجهاً إلى اليهود وحدهم، وإنما وعد لإبراهيم وذريته: إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، يتساوى في ذلك الحق إسحاق جد اليهود وإسماعيل جد العرب.
وعلى ذلك فالحق في فلسطين ليس مقصوراً على اليهود، وإنما هو لذرية إبراهيم على الإطلاق، ومن هذه الذرية العرب واليهود!! وهذا الكلام الخبيث لا يحتاج إلى تعليق.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 1230
محنة فلسطين [٢]
لقد ضاعت فلسطين والقدس يوم فرط المسلمون في دين الله ، وما نراه ونسمعه في تلك البقاع المباركة من تمالؤ بعض الطوائف الضالعة مع اليهود، وتركهم هذه القضية عائمة يلعب بها اليهود كيف شاءوا، وسكوت بقية المسلمين خير شاهد على البعد عن دين الله ، بل نرى فيها الموالاة لأعداء الله وحبهم والتقرب منهم، ونرى إيذاء المسلمين المجاهدين، ونسمع فيها سب الله ورسوله ودينه والعياذ بالله!
следующие страницы →