← Джавами‘

Джавами‘ · id 37018

دروس الشيخ محمد إسماعيل المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (2 122 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

الإسلام لم يواجه اليهود في فلسطين بعد قد مر على قيام الدولة اليهودية إلى الآن ما يزيد على أربعين عاماً، وقد أثبتت كل الشواهد خلالها الفشل الذريع والهزائم المنكرة والتراجع المذهل للاتجاه العلماني بأثوابه المتعددة، كالقوميين الاشتراكيين والتقدميين البعثيين، إلى آخر قائمة هؤلاء الملحدين. فالذي هزم وتراجع أمام اليهود ليس هو الإسلام؛ لأن الإسلام لم يدخل في مواجهة حقيقية مع اليهود حتى الآن، ولابد أنه سيأتي اليوم الذي يرى اليهود أتباع محمد ﷺ الذين قالوا في حقهم يوم ٥ يونيو سنة (١٩٦٧م) يوم أن خرجوا إلى المسجد الأقصى يهتفون ويقولون -لعنهم الله-: محمد مات، خلف بنات! هذا هو ما كان ينطق به اليهود، فهم لم يروا أتباع محمد ﵊، وهم يعلمون تماماً أن الإسلام إذا واجه اليهود فلن يذوقوا إلا الأمرين على يد أتباع محمد ﷺ الذين هم الرجال كل الرجال. وهؤلاء الأتباع قد جاء وصفهم في القرآن وفي السنة، وهم فقط الذين سيؤدبون اليهود، جاء وصفهم في القرآن في قوله ﵎: ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء:٥]، فهم يجمعون بين العبودية لله، وبين البأس الشديد، وجاء وصفهم أيضاً في قول النبي ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود، حتى يختبئ اليهودي وراء الشجر والحجر، فيقول الشجر والحجر -ينطق الشجر والحجر-: يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهودي ورائي تعال فاقتله، إلا الغرقد؛ فإنه من شجر اليهود) فيقول الشجر والحجر: يا مسلم! يا عبد الله! ولا يقول: يا علماني! يا اشتراكي! يا ديمقراطي! يا بعثي! يا قومي! فالذين سيؤدبون اليهود هم الذين يقولون: لا إله إلا الله، ويعيشون بلا إله إلا الله، ومن أجل لا إله إلا الله، وأما من كان بخلاف هذا فسيفشل، وسيندحر، ولن يبقى له أي شيء، حتى لو كان هؤلاء العلمانيون من الفلسطينيين الخائنين الذين باعوا فلسطين، وركعوا أمام أعداء الله، فساموهم أذل الذل والهوان، ومع ذلك لم يرضوا عنهم أيضاً، بل أسخطهم الله عليهم؛ لأنهم أرادوا إرضاءهم بسخط الله ﵎. فهؤلاء هم الذين هزموا أمام اليهود، وهذا يعرفه اليهود تماماً، ويوجد فيهم أناس لاسيما من بعض الأحزاب الدينية يقولون: نحن نؤمن أنه لن يكون هناك سلام إطلاقاً مع المسلمين، أو مع العرب. فهم يؤمنون من خلال نصوص كتبهم التي يقدسونها: أنه لابد من قتال واقع في معركة فاصلة بين اليهود وبين المسلمين. فالذي هزم ليس هو الإسلام، وإنما هي العلمانية، والذي ألقى السلاح وطلب الاستسلام ليس هو الإسلام، بل هي العلمانية، ولا يتصور أن شاباً من شباب المسلمين الصادقين المخلصين لله ﵎ إلا وهو يترقب اليوم الذي يفتح فيه باب الجهاد في فلسطين. وما من شك أنه لو فتح باب الجهاد في فلسطين فلن يبقى مسلم مخلص لله ﵎ إلا وهو يرغب في إحدى الحسنين: إما النصر، وإما الشهادة، وليس هناك شيء وسط بعد ذلك. فالإسلام لم ينهزم أبداً أمام اليهود في هذا الصدام؛ لأن الإسلام لم يمكن حتى الآن للتصدي لتلك المعركة العقائدية، وإنما هي معركة عقائدية تدار من جانب واحد فقط، فأصحاب العقيدة في هذه الحرب هم اليهود، فاليهود أصحاب عقيدة، لكنها عقيدة فاسدة، وهم الآن يتحركون من خلال عقيدتهم، فهل الذين يواجهون اليهود يتصرفون من خلال العقيدة، ومن خلال: ﴿قُلْ هَلْ تَربَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة:٥٢]؟! الجواب كلا! فلذلك من الظلم أن ينسب للإسلام الانهزام أمام اليهود لعنهم الله تعالى.

стр. 1227

عداء اليهود للإسلام وأهله قديماً وحديثاً قال الله ﵎: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة:٨٢]، ولم يكن أمراً اتفاقياً أن يكثر القرآن الكريم من الكلام عن صفات هذا الصنف من الناس بهذا الشكل الذي يلفت النظر؛ لأن الكلام عن بني إسرائيل شغل حيزاً كبيراً في التنزيل الحكيم مكيه ومدنيه، فهناك حكم عظيمة، من ذلك: إبراز حقيقة العداء اليهودي المتأصل للإسلام وأهله. واليهود اشتعلت نيران الحقد في صدروهم لما ظهر لهم أن النبي ﵊ الذي أرسل ليس من بني إسرائيل، وأنه من بني إسماعيل، فتسلسلت بعد ذلك مؤامراتهم ضد الإسلام ونبي الإسلام. وقد قاد النبي ﷺ الجهاد بنفسه ضد اليهود، وخاض صراعاً طويلاً معهم إلى أن أجلاهم عن المدينة المنورة، ولم يتوقف الكيد اليهودي عند هذا الحد في عهد النبي ﷺ ، فالأفعى اليهودية قاومت الموت، وأصرت على أن تواصل لدغاتها الضاربة؛ عسى أن تصيب الإسلام في مقتل، وكانت روح رسول الله ﷺ هي المستهدفة هذه المرة، ونجح اليهود فيما أرادوا، إذ دبروا مؤامرة لقتل النبي ﷺ ؛ لأنهم قتلة الأنبياء، فقد كانوا سفاحين مجرمين، قتلوا الأنبياء من قبل، قتلوا زكريا ﵇، وقتلوا يحيى، وأهدوا رأسه إلى بغي من بغايا بني إسرائيل! فأرادوا أيضاً -كعادتهم- أن يقتلوا سيد وخاتم الأنبياء ﷺ ، إذ دبروا مؤامرة لقتله ﷺ بالسم؛ لتنضاف بذلك جريمة جديدة في سجل قتلة الأنبياء. فامرأة أحد زعماء اليهود أهدت إلى رسول الله ﷺ شاة مشوية، ودست فيها السم، وكانت تعلم من خلقه ﵊ أنه يقبل الهدية، فلاك ﵊ مضغة من الشاة فاستكرهها، فقال: (إن هذه الشاة لتخبرني أنها مسموة)، ثم مات من أكل تلك الشاة أحد أصحاب رسول الله ﷺ ، وهو بشر بن البراء، وبقي النبي ﷺ متأثراً بما لاكه منها، حتى إنه قال في مرضه الذي توفي فيه لأخت بشر: (إن هذا لأوان وجدت فيه انقطاع أبهري من الأكلة التي أكلت مع أخيك) يعني: أن تأثير هذه الأكلة بقي معه حتى قبض ﷺ متأثراً به. وكان أصحاب النبي ﷺ يذكرون في فضائل رسول الله ﵊ أنه مات شهيداً بسبب تلك الشاة، قال ﵎: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة:٨٧]، فأتى بالتكذيب بصيغة الماضي، فقال : (فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ)، ثم قال: (وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ) ولم يقل: وفريقاً قتلتم؛ لأنه أراد بذلك وصفهم في المستقبل أيضاً؛ ولأنهم حاولوا قتل النبي ﷺ بالسم وبالسحر. فاليهود يقولون: نحن شعب الله المختار، وهم في الحقيقة ورثة إبليس، واليوم يرفع المسلمون في فلسطين في وجوههم شعار: نحن شعب الله المختار، وهذه هي الحقيقة، فإن هذه الأمة إذا تمسكت بكتاب ربها، وسنة نبيها كانت هي الشعب المختار كما قال ﵎: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]، أما اليهود فهم ورثة إبليس في الإفساد في الأرض: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة:٦٤]. وقد ترك هذا الفساد والإفساد بصمات اليهود في كل صفحات التاريخ، وهذه البصمات شاهدة على حضورهم في كل مجال يمكن فيه الإفساد، فاليهودي كعب بن الأشرف واليهودي ابن أبي الحقيق كانا من أول من حاول قلب الأمور في الدولة الإسلامية الناشئة في المدينة، فجمعوا بين اليهود من بني قريظة وغيرهم، وبين قريش، وبين القبائل الأخرى في الجزيرة على محاربة المسلمين. وذلك اليهودي عبد الله بن سبأ هو الذي أسس للشيعة دينهم. واليهودي مدحت باشا كان وراء إثارة النعرات القومية، واستخدام المخططات الماسونية في دولة الخلافة العثمانية، مما أدى في النهاية إلى سقوطها على يد اليهودي الأصل مصطفى كمال أتاتورك؛ فإنه كان من يهود (الدونمة). واليهودي كارل ماركس هو الذي كان وراء الموجة الإلحادية التي أصبحت فيما بعد قوة ودولة، بل أصبحت معسكراً دولياً، وقد بنى هذا المعسكر نفسه على أنقاض بلاد المسلمين وشعوبهم. واليهودي فرويد كان وراء النزعة الحيوانية التي أصبحت فيما بعد منهجاً تتلوث به عقول الناشئة فيما يصنف تعسفاً على أنه علم وتقدم. واليهودي دوركايم كان وراء أفكار هدم الأسرة وتفكيك الروابط المقدسة في المجتمعات. واليهودي جان فول سارتر كان وراء نزعة أدب الانحلال في علاقات الأفراد والجماعات، والذي أتى يوماً إلى مصر مع عشيقته واستقبل استقبال أبطال الفاتحين. واليهودي جورج تسيهر كان وراء حركة الاستشراق التي استشرى فسادها، وعم ظلمها وظلامها. واليهودي صمويل زويمر هو الذي خطط لحركات التبشير في ديار المسلمين، لا لمجرد إدخال المسلمين في النصرانية، بل لإخراجهم من الإسلام، وضرب الإسلام بالنصرانية، والنصرانية بالإسلام. واليهودي ثيودور هرتزل هو الذي وضع البذرة الأولى في محنة العطش التي يسمونها أزمة الشرق الأوسط، عندما خطط ورسم معالم الدولة اليهودية في كتابه المسمى بهذا الاسم، تلك الدولة التي ولدت بعد مماته سفاحاً، فكانت بؤرة للإفساد في الأرض. ولو أردنا أن نفيض في شرح وذكر صفات هؤلاء اليهود لطال الكلام جداً، كما قال الشاعر: قبائحهم لا تنقضي فنعدها وأقبح منها أن يروها فضائلا إذا زين الرحمن أعمالهم لهم فلا القول يهديهم إذا دمت قائلا فقصص خبث اليهود وعدائهم للإسلام وللنبي ﷺ كثيرة جداً، ومعلومة لمن يراجع سيرته ﷺ .

стр. 1228

مجاراة وموالاة بعض من ينتسبون إلى الإسلام لليهود والنصارى العجب ليس من تصرفات اليهود وأعمالهم! لكن العجب حينما نجد مؤامرة تطوير التعليم التي حدثت أخيراً خلسة؛ لتسرق عقائد أبناء المسلمين على حين غفلة من أهلها، فقد ألغوا كتاب التاريخ الإسلامي الذي في المدارس الثانوية وقرروا بدلاً منه كتاب (معالم التاريخ الإسلامي والوسيط)، الذي هو تاريخ أوروبا في القرون الوسطى. وقد تحدث مؤلف هذا الكتاب -الذي أصبح يدرس لأولادنا- عن النبي ﷺ وعن غزواته، وبخاصة غزواته ضد يهود خيبر، دون أن يبين السبب الذي من أجله قاتلهم النبي ﵊، فأظهر الرسول كأنه ظلم اليهود، ولم يذكر حقيقة الأفعال التي فعلها اليهود وأدت إلى أن يجليهم النبي ﵌، كما أشرنا إلى بعض منها. وأيضاً حُذف اسم فلسطين من جميع الخرائط الجغرافية والتاريخية لكتب المواد الاجتماعية، وكذا خريطة سيناء في كتاب (وطني مصر)، وصفحات أخرى كثيرة. وأيضاً: ولا حول ولا قوة إلا بالله، قطع الله يد الذي عمل هذا التصوير، وقصم رقبته، وضع عدو الله في كتاب (مصر هو الوطن العربي)، صفحة مائة وستين خريطة كتب عليها: يثرب يهودية! وتخيل حال أولادنا حين ينشئون على أن يثرب مدينة يهودية! فهل يحلم اليهود بشيء أكثر من هذا؟! إن هذه هدية إلى أعداء الله، فهذا أمر خطير في كتاب يصدر من وزارة التعليم، وتربي فيه أبناء الأمة على التسليم لليهود بأن لهم حقاً مزعوماً في المدينة. ولو أن الكتاب صدر في فلسطين المسروقة لكان قد يكون له مساغ، لكن كيف يُقبل أن يصدر في بلادنا؟! ومن ذلك أيضاً أن أحد كتب التاريخ عرف الوصايا العشر لليهود على أنها نصوص حضارية، وذكر ذلك في صفحتين! فهل اليهود قتلة الأنبياء هم المدافعون حقاً عن الله تعالى كما يذكر ذلك الكتاب؟! وهل الله يحتاج إلى من يدافع عنه؟! وكيف يورد المؤلف نصوصاً من التوراة المحرفة في صفحتين في حين لم يورد من القرآن الكريم نصاً واحداً؟! فهل التوراة المحرفة أعز على المؤلف من القرآن الكريم؟!! ولماذا كتب صفحتين كاملتين؟! ولمصلحة من؟! إنه لإرضاء بني يهود! أليست أمة الإسلام أولى بالإرضاء، وقبل ذلك رب العالمين؟! وأين علماء الأزهر الذين رضوا لأبنائهم أن يدرسوا صفحتين كاملتين من التوراة المزورة التي أغضبت رسول الله ﷺ من مجرد أن أمسك عمر بن الخطاب لإحداها ونظر فيها؟! وأيضاً قد سبق الكلام على تفريغ سيرة الرسول ﵊ من محتواها! وأيضاً تفريغ سيرة الخلفاء الراشدين من مضمونها التربوي! وكل ذلك إرضاءً لبني صهيون! فحينما تكلم مؤلف كتاب (مصر هو الوطن العربي) على سيرة النبي ﵊ قال في سيرة الرسول ﷺ : هي مناسبة لإقامة الزينات، وتوزيع الحلوى، وتعطيل المدارس والشركات والمصالح الحكومية! هذه هي سيرة الرسول ﷺ عند هذا المؤلف وأمثاله! وأما السيرة كمنهج وكطريق حياة فهذا لا يذكرون منه شيئاً، ولا وجود له، والسيرة كعقيدة وعبادة وشريعة ومعاملات وسلوك لا وجود لها في كتب التاريخ. كما تجاهل أيضاً مؤلف الكتاب اسم النبي ﷺ في عنوان الدرس، وفي فهارس الدرس أيضاً! وأيضاً من هذه الأشياء أنه كان في الصف الرابع من التعليم العام والأزهري موضوع عن حرب العاشر من رمضان مع اليهود، وعنوان الموضوع: شجاعة مصرية، حذف منه العبارة الآتية من التدريبات: العدو المحتل كان اليهود. حذفت! احتلال الأراضي المصرية لا أرضى به. حذفت أيضاً هذه العبارة! وعلى أي الأحوال قد سبق الكلام بالتفصيل في حجم هذه المؤامرة وخطورتها.

стр. 1229

مثال للتضليل الذي يمارسه بعض الكتاب من أبناء جلدتنا يذكر الدكتور جمال عبد الهادي في كتابه: (أخطاء يجب أن تصحح في التاريخ) أمثلة من التضليل الذي يمارسه بعض الكتاب الذين هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، وكيف أنهم يخدمون أهداف اليهود في هذا: فالدكتور حسن صبري الخولي الذي كان مستشاراً خاصاً للزعيم المهزوم دائماً جمال عبد الناصر سلم في رسالة الدكتوراه التي له حين كان يناقش فيها حق اليهود في فلسطين، فيقول: يقرر الصهيونيون أن فلسطين هي الأرض التي وعدهم الله بها تأسيساً على ما جاء في التوراة: أن الله قد وعد إبراهيم ﵇ وذريته من بعده أن يعطيه فلسطين لإنشاء دولة فيها، واستشهد الكاتب بسفر التكوين: (لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات). ثم يعلق الدكتور حسن صبري الخولي ويقول: ونحن نسلم بما جاء في التوراة، على أساس أنه كتاب مقدس من عند الله، ولكننا لا نستطيع أن نجاري اليهود في تفسيرهم التعسفي؛ لأن الوعد الإلهي ليس موجهاً إلى اليهود وحدهم، وإنما وعد لإبراهيم وذريته: إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، يتساوى في ذلك الحق إسحاق جد اليهود وإسماعيل جد العرب. وعلى ذلك فالحق في فلسطين ليس مقصوراً على اليهود، وإنما هو لذرية إبراهيم على الإطلاق، ومن هذه الذرية العرب واليهود!! وهذا الكلام الخبيث لا يحتاج إلى تعليق. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 1230

محنة فلسطين [٢] لقد ضاعت فلسطين والقدس يوم فرط المسلمون في دين الله ، وما نراه ونسمعه في تلك البقاع المباركة من تمالؤ بعض الطوائف الضالعة مع اليهود، وتركهم هذه القضية عائمة يلعب بها اليهود كيف شاءوا، وسكوت بقية المسلمين خير شاهد على البعد عن دين الله ، بل نرى فيها الموالاة لأعداء الله وحبهم والتقرب منهم، ونرى إيذاء المسلمين المجاهدين، ونسمع فيها سب الله ورسوله ودينه والعياذ بالله!

стр. 1231

الجذور التاريخية لقضية فلسطين الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: يذكر الدكتور عبد الله عزام في كتاب له عن الجذور التاريخية لقضية فلسطين، ويشير إشارة إلى أنه قبل أن يصدر وعد بلفور، الذي هو وعد من بريطانيا بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، يقول: قبل ذلك بأسابيع قليلة صدر وعد مماثل للينين. ولينين هو زعيم الشيوعية، وهو الذي سبق بلفور بمثل هذا الوعد، فحينما عاد لينين من منفاه كان معه مائتان وأربعة وعشرون ثائراً من الثوار، وكان منهم مائة وسبعون من اليهود، وكان تروتسكي اليهودي الذي قضى فترة في حي بروكلين في نيويورك يخطط للثورة، ثم عاد ينتظر لينين، وقاموا بالثورة، ووجه اليهود بعد الثورة الشيوعية البيان التالي: أيها اليهود! لقد قربت ساعة انتصارنا التام، ونحن الآن عشية يوم قد تسلمنا قيادة العالم، لقد استولينا على الحكم في روسيا، لقد كان الروس سادتنا، فأصبحوا عبيدنا. وصدر في الأسبوع الأول للثورة الشيوعية في روسيا في أكتوبر سنة (١٩١٧م) قبل صدور وعد بلفور بأسابيع قرار ذو شقين بحق اليهود: أولاً: يعتبر عداء اليهود عداء من الجنس الثاني، يعاقب عليه قانونياً. ثانياً: الاعتراف بحق اليهود في إنشاء وطن قومي في فلسطين. وأيضاً كان هناك يهودي اسمه موسى هيس له كتاب اسمه (من روما إلى القدس)، كان يمثل أول دعوة منظمة لإقامة دولة يهودية في فلسطين، وماركس يقول: إنما اتخذت هذا العبقري هيس لي مثالاً وقدوة. وقد سبق هيس نابليون الذي أعلن في (٢٠/ ٤/١٧٩٩م) في الجريدة الرسمية الفرنسية إعلاناً دعا فيه اليهود إلى الالتحاق بجيشه؛ ليدخلوا معه القدس. وقد ذكر أيضاً الدكتور عبد الله عزام قصة صمود السلطان عبد الحميد أمام الإغراءات اليهودية التي أرادوا بها أن يشتروا منه فلسطين، ورفض من أجل ذلك. وذكر أيضاً قصة دخول الجيش الإنجليزي القدس بقيادة آلنبي في (٩/ ١١/١٩١٧م)، فأول ما دخل القدس ذهب إلى قبر صلاح الدين الأيوبي وركله برجليه، وقال له: يا صلاح الدين! ها قد عدنا! الآن انتهت الحروب الصليبية! ونفس هذه الكلمة قالها بيجن لما أخذوا قلعة الشقيف أثناء احتلال لبنان منذ سنوات، فأعاد نفس هذه الكلمة، لكن يقولها هذه المرة يهودي هو بيجن السفاح. وأيضاً يقول لورنس الذي قاد الثورة العربية ضد تركيا: إنني جد فخور أنني في المعارك الثلاثين التي خضتها لم يرق الدم الإنجليزي؛ لأن دم إنجليزي واحد أحب إلي من جميع الشعوب التي نحكمها، ولم تكلفنا الثورة العربية سوى عشرة ملايين دينار!!

стр. 1232

بيان كيف كانت مواجهة العرب لليهود في الأراضي العربية المحتلة العرب واجهوا وعد بلفور بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين بمظاهرات عظيمة كبيرة العدد، وقالوا: هذا إعلان ممن لا يملك لمن لا يستحق! ويذكرني المسلك العربي دائماً بقصة ذكرها الشيخ الأستاذ مالك بن نبي، ذكر أنه أتاه رجل فقال له: أريد أن ترشدني إلى كيفية تربية ابني؛ إني رزقت ولداً من مدة، وأريد أن أعرف كيف أربيه، وكيف أوجهه، وكيف أنشئه، فقال له: كم عمر ولدك؟ قال: أربعة شهور، قال: فاتك القطار. فكان الأستاذ مالك بن نبي ﵀ بعد ذلك حينما يتذكر هذه الكلمة يقول: ظننت أني أخطأت، وأني كنت مبالغاً في هذه الكلمة، لكنني بعد ذلك تأملتها فوجدت أني مصيب فيها؛ لأن الطفل يربى منذ بداية خروجه لهذه الحياة، فإن هذا الطفل الرضيع حينما يبكي ويصرخ، فتلقمه أمه الثدي حتى يرضع، ففي هذا الوقت يعرف أنه إذا أراد أن يملي إرادة على أمه أنه يصرخ، فتعطيه الرضاعة! قال: فكذلك نفس هذا الصغير الذي يربى بهذه الطريقة حينما يضربه اليهود، يذهب إلى مجلس الأمن ويصرخ ويبكي، وكأن هذا هو الحل، فهذه هي تربية الأمم بهذه الطريقة!!

стр. 1233

مآسي من الخيانات التي حصلت في حرب فلسطين عام (١٩٤٨م) وذكر أيضاً الشيخ عبد الله عزام رحمه الله تعالى مآسي من الخيانات التي حصلت في حرب فلسطين في سنة (١٩٤٨م). من الأشياء العجيبة، فيقول: دخلت الجيوش العربية لتسليم الأراضي لليهود، وكان دور الأسلحة الفاسدة التي أرسلها الملك فاروق جداً مدمرة للنفسية العربية والإسلامية. وكذلك قام الجيش العراقي بالدور الموكل إليه على الوجه الأكمل، وكلماته التي كان يرددها كلما استنجد به الشعب الفلسطيني: (ما كو أوامر) يعني: لا توجد أوامر، هذا ولا زالت ضربات اليهود تسري لهيباً في دماء أبناء فلسطين! أما الجيش الأردني فإن قائده في حرب فلسطين هو جلوب باشا الإنجليزي، فانظر إلى المهزلة، فحدث ولا حرج عن دور قائد الجيش الأردني في فلسطين الجنرال جلوب باشا، فقد جاء ليستلم مواقع المجاهدين من الإخوان القادمين من مصر، وقد كان القائد الأردني الذي يستلم موقع مار لياس اسمه عبد القادر يسير مع موشى ديان قائد الجيش الصهيوني ليسلمه الخنادق والمراكز الواحدة تلو الأخرى!! وذكر أيضاً من المآسي: أنه دخلت الجيوش العربية بعد جلاء الإنجليز في ١٥ مايو سنة ١٩٤٨م يقودها الجنرال الإنجليزي جلوب باشا، وقد تسلم جلوب الراية التي تركها له الانتداب؛ ليواصل تسليم فلسطين لليهود، وقد عجز الانتداب في مدة ثلاثين عاماً أن يصنع ما صنعه جلوب، وقد حاول أن يهلك الجيش المصري المحاصر في الفالوجة، فعندما استنصحه قادة الجيش المصري وسألوه: ماذا نعمل في الحصار؟ نصحهم بأن يلقي الجيش المحاصر السلاح، وأن يلبسوا لباس النساء، ويخرجوا من بين اليهود. فأدرك القادة الخدعة ورفضوا، فاستولى اليهود في عدة أشهر على خمسة أضعاف ما استولوا عليه خلال خمسين عاماً. وأيضاً يحكي الدكتور عبد الله عزام عن أبناء قريته -لأنه فلسطيني ﵀ قرية مرج بن عامر عما رآه من المهازل في ذلك فيقول: رأيت أبناء قريتنا يعز عليهم أن تسلم أراضيهم بعد أن زرعوا بأيديهم الذرة في مرج بن عامر، فجاء اليهود وقطفوا الذرة، وحصدوا القمح، فنزلت مجموعة من الشبان لحصد القمح الذي زرعوه، فأمسكت بهم العصابات اليهودية، وبقرت بطونهم، وملأتها قمحاً وشعيراً، ثم نصبتهم على أعمدة من حديد؛ ليكونوا نكالاً لكل معتبر!! وكل هذا يثبت أن الإسلام ما واجه اليهود في فلسطين حتى الآن. ويقول أيضاً: رأيت اليهود يصلون بيتنا في ليالٍ كثيرة، ويراهم الناس في دوريات استكشافية، فيراهم توفيق جارنا في حديقة بيته، فيخبر مركز الجيش في مدينة جنين، فيتهم بالخيانة، ويلقى رهن القيود في السجن، يكنس إسطبل خيل الخيالة من الجيش الأردني؛ لأنه بلغ أنه رأى اليهود يأتون إلى البيوت، ويقدم إلى محكمة عسكرية، ولا ينجيه فيها إلا الله، ثم نصيحة أحد ضباط المحكمة بأن يدعي أنه كان يحلم في الليل، فظن الأمر حقيقة!!!

стр. 1234

مآسي من مواجهات العرب لليهود عام (١٩٦٧م) أيضاً يحكي عن مآسي عام (١٩٦٧م) فيقول: كنت أثناء احتلال ١٩٦٧م في قريتنا، وسقطت الضفة الغربية، وسقط المسجد الأقصى دون أن يقتل حوله عشرة من الجيش الأردني، وسمعت برقية الرئيس عبد الناصر للملك حسين التي التقطتها الإذاعة الإسرائيلية وكانت تعيدها بين الفينة والأخرى أثناء المعركة يقول فيها: أسقطنا ثلثي طائرات العدو، طائراتنا فوق تل أبيب، شد حيلك يا جلالة الملك! التوقيع سلمي!! -وقوله: (سلمي) هذا هو الاسم الرمزي لـ عبد الناصر في الشفرة- وقارنت بين موقف اليهود الذين يحركهم الدافع الديني كما تقول ابنة ديان في كتابها (جندي من إسرائيل): إن فرائصنا كانت ترتجف، بسبب أنباء تجمع جيش العدو على الجبهة الجنوبية مصر، فجاء إلينا الحاخام فصلى، وقرأ نصوصاً من التوراة، فانقلب الخوف أمناً. أما الجيش المصري فكانت الإذاعة توجهه يقاتل؛ لأجل الربيع، لأجل الحياة، لأجل عشاق الحياة!! وذلك بدلاً من أن يتلى عليهم قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١]. وكانت أجهزة الإعلام تقول لهم: أم كلثوم معك في المعركة، وعبد الحليم معك في المعركة وشادية معك في المعركة! بدلاً من أن تقول: إن الله معك في المعركة! أما جريدة الجيش السوري فقد كتبت قبل شهر من المعركة بقلم إبراهيم خلاص: إن الله والرأسمالية والإمبريالية وكل القيم التي سادت المجتمع السابق أصبحت دمىً محنطة في متاحف التاريخ!!! تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.

стр. 1235

واقع المنظمات الفلسطينية العلمانية يحكي عبد الله عزام عن واقع المنظمات الفلسطينية وموقفها من الإسلام، ويذكر أنه في الرابع من نيسان سنة (١٩٧٠م) في الذكرى المأوية لميلاد لينين اتفقت جميع المنظمات الفلسطينية دون استثناء على أن تحتفل ولمدة أسبوع بهذه الذكرى المجيدة المشرفة، واشترك وزير الأوقاف الأردني آنذاك لترتيب الاحتفال والإسهام في إنجاحه!! ويقول الدكتور عبد الله عزام ﵀: وأذكر أنني طلبت لمحاكمة عسكرية؛ لأنني انتقدت جيفارا، فقلت للمثقف الثوري الذي يمثل الادعاء العام: من هو جيفارا؟ قال: مناضل شريف، فقلت له: ما هو دين منظمة فتح؟ فقال: فتح لا دين لها، فقلت له: أما أنا فديني الإسلام، وجئت لأجاهد في سبيل الله، فأما جيفارا فهو تحت قدمي هاتين. وقال أيضاً الشيخ ﵀ في سبب ذلك الخذلان: كانت المنظمات اليسارية تسب الله ورسوله عمداً أمامنا ليغيظونا، أي: أمام المسلمين الذين كانوا يقاتلون في سبيل الله، ومن أجل إعلاء كلمة الله، فكانوا يغيظونهم بسب الله ورسوله علناً أمامهم! وقد كانت بجانبنا جبهة ديمقراطية - نايف حواتمة - فكانت كلمة السر في الليل أثناء الحراسة: شتم الله أو النبي أو الدين!! قال: وكنا أحياناً نلتقي في تجمع فنقف لنؤذن -أي: يقف المتدينون منهم ليصلوا ويؤذنوا- فيصطفون مقابلنا، ويقفون في وجوهنا ويقولون وينشدون ويرددون: إن تسل عني فهذه قيمي أنا ماركسي لينني أممي

стр. 1236

اضطهاد الدعوات الإسلامية في مصر في عهد جمال عبد الناصر ذكر عبد الله عزام الاضطهاد للدعوات الإسلامية في مصر، وحكى عن أحمد رائد في كتابه (الغمامة السوداء) وهو يبين انطلاق هؤلاء الذين يواجهون اليهود بالخطب الرنانة، لكن من غير منطلق إسلامي، وأن الإسلام كان غائباً عن هذا القتال، فيقول: فتح علينا السجان ذات يوم باب الزنزانة، فقلنا له: يا فندم! هذا شاب مات هذه الليلة من آثار التعذيب، فرد علينا قائلاً: يا أولاد الكلب! أين سنذهب بوجهنا من الرئيس، لم يمت إلا واحد فقط هذه الليلة!! يقول هكذا وبكل بساطة وتبجح، يقول: إنه يشعر بالخجل من الرئيس عبد الناصر؛ لأنه لم يمت تلك الليلة إلا واحد!!

стр. 1237

موقف بعض الخونة الفلسطينيين لقضية بلادهم بعض الفلسطينيين خانوا قضية بلادهم، وانحرفوا عن الإسلام، فيحكي عزام أن اليهود أفرزوا محمود درويش الشاعر الفلسطيني المشهور وسميح القاسم وتوفيق زياد والأخيران أفرزهم اليهود في مجلس الكنيست الإسرائيلي، وكان محمود درويش وسميح القاسم يحملان العلم الإسرائيلي في مؤتمر صوفيا الدولي، وقال فهد سكرتير الحزب العراقي الشيوعي: مرحباً بإنشاء دولتين عربية ويهودية في فلسطين! واشترط أن تكون الدولة العربية اشتراكية، والتحالف لابد أن يكون ضد الرجعية الدينية العربية!! ويقول الشاعر محمود درويش: أنا من قرية عزلاء منسية وكل رجالها في الحقل والمعمل يحبون الشيوعية! وكان نشيد الثورة الذي يردده الأطفال الفلسطينيون لهذا الرجل يقول فيه: أنا يا أخي آمنت بالشعب المضيع والمكبل وحملت رشاشي لتحمل بعدها الأديان منجل والمنجل هو: رمز الشيوعية!

стр. 1238

انهيار اليهود أمام أطفال فلسطين وخوفهم من الجهاد الأفغاني إن الشباب الفلسطيني الآن يردد أغاني اليهود: نحن شعب الله المختار. ومن الأشياء التي تخذل اليهود وتجعلهم ينهارون تماماً أمام الأطفال الذين يحملون هذه الحجارة: أن الأطفال الصغار في فلسطين يقولون لليهودي المدجج بالأسلحة: لو أنت رجل أترك السلاح، وتعال واجهني بلا سلاح، فينهار اليهود من أجل هذه الكلمات!! ولا شك أن اليهود جزعوا جزعاً شديداً من الجهاد الأفغاني، حتى قال شختر مان -وهو يهودي أمريكي- عن الجهاد الأفغاني: ما الذي فعلناه؟! لقد أيقضنا العملاق. وقد تأثر المسلمون في فلسطين بالجهاد الأفغاني، حتى إن الصبية الصغار كانوا ينادون في شوارع فلسطين: أخي يا سياف الروس منك تخاف أخي يا حكمت يار على العداء مثل النار يقول عزام: إن من المجاهدين الأفغان أنفسهم من كان يدعو الله قائلاً: اللهم افتح على أيدينا كابل، ولا تمتنا إلا في بيت المقدس. يقول الدكتور ﵀: وإن كنت أنسى فلا أنسى موقف الأخ أحمد شاه -من قواد المجاهدين الأفغان- الذي عقد صفقة سلاح مع تاجر أسباني، وبعد أن تمت الصفقة طلب التاجر الأسباني من أحمد شاه أن يوقع على ورقة يتعهد فيها ألا يستعمل السلاح ضد اليهود، فرفض وألغى الصفقة، فقال التاجر: وهل تريدون استعمالها ضد اليهود؟ قال: لا، ولكنك تريدني أن أوقع على ورقة أتعهد فيها إيقاف حرب شنها رب العزة على اليهود منذ بضعة عشر قرناً! وألغى الصفقة، وعاد التاجر فقال: ما رأيت شعباً أعز منكم رغم فقركم! فهؤلاء هم الذين يواجهون اليهود، وبدل ما كان اليهود يصيحون في الشوارع ويقولون: يا لثارات خيبر، ويقولون أيضاً العبارات التي ذكرناها، الآن يجيب الشباب الفلسطيني في فلسطين: الله أكبر! خيبر خيبر يا يهود دين محمد سوف يعود ﵊.

стр. 1239

مواقف منظمة التحرير الفلسطينية من إسرائيل والنصارى والرافضة والشيوعيين يحكي عزام عن موقف المنظمة الخائبة من هذه القضية فيقول: واعترفت المنظمة بدولة إسرائيل على مرأى من العالم كله، وقال أبو عمار: هل يرضيكم هذا؟ فقالت أمريكا: لا! وأبو عمار قابل راهباً كاثوليكياً فقال له: أسألك أن تعطيني البركات، فرد عليه الراهب: وهكذا الذي فعلته لكم! أي: أنه منحه البركات!! وقابل فيديل كاسترو فقال له: أنت زعيمنا ومرشدنا الأول! وهذه نفس العبارة التي قابل بها الخميني وقال له: أنت زعيمنا ومرشدنا الأول!! فهم يفتخرون بكل شيء إلا الإسلام، ويرفعون كل راية إلا راية الإسلام، ويقولون: سنقيم دولة علمانية، فكيف ينزل النصر على أمثال هؤلاء! بعد أن اعترف أبو عمار بدولة اليهود أمام العالم كله، قال: هل يرضيكم هذا؟ فردت عليه أمريكا وقالت: لا، بل لابد أن تقرأ الكلمات التي نكتبها لك، وكتبت له الكلمات، وأعاد قراءتها على شاشة التلفاز على مرأى ومسمع من الدنيا كلها، ومع هذا كله لا زالت إسرائيل رافضة أن تجتمع بالمنظمة، واعترفت بها حتى الآن أكثر من مائة دولة.

стр. 1240

بعض الصور المشرفة للمجاهدين المسلمين من الناحية الأخرى نرى الصور المشرفة للمجاهدين المسلمين؛ فحينما طلب ريجن في عهد ولايته بنفسه أن يقابل حكمت يار رفض، فأرسل له رسالة مع ابنته مورين ريجن، فرفض أن يقابلها، ودعي من الكونجرس، ورفض مقابلة الكونجرس. وقابل يونس خالد ريجن، فماذا فعل لما قابله؟ لم يركع له، وإنما عرض عليه الإسلام، ورفض خالد مقابلة كوردوفير فيد مندوب الأمم المتحدة أكثر من مرة. وأعلن مجددي أننا لن نقابل روسيا، وعندما طالب فورنتسوف وكيل الخارجية الروسية مقابلة رباني اشترط عليه شروطاً حتى تتم المقابلة: أولاً: أن تكون المقابلة في أرض إسلامية كالسعودية أو باكستان. ثانياً: ألا تتضمن المباحثات شكل الحكومة القادمة؛ حتى لا يضغطوا عليهم. ثالثاً: أن يدخل الوفد الروسي إلى القاعة قبل الوفد الجهادي؛ حتى يقوم الروس للمجاهدين، يعني: يدخل الروس أولاً، وبعد ذلك يدخل المجاهدون، والروس يقفون لهم إذا دخلوا عليهم. رابعاً: ألا يصافح المجاهدون الروس. فقبل الشروط كلها، وطلب فورنتسوف من رباني أثناء المباحثات أن يدخلوا ثلاثة وزراء مسلمين من حكومة نجيب في دولتهم؛ ريثما يتم خروج القوات الروسية؛ حتى يحفظوا ماء وجوههم أمام العالم، فقال المجاهدون: إن الإسلام لا يعطي حق الحياة للشيوعي (من بدل دينه فاقتلوه)، فكيف يعطى حق الحكم للشيوعي؟! وهكذا يختم الشيخ كلامه في هذه القضية.

стр. 1241

مؤامرات اليهود لهدم المسجد الأقصى لليهود مؤامرات لهدم المسجد الأقصى، وقد نشرت جريدة التايمز الأمريكية في عدد قريب هذه الصورة وقالت: حان الوقت لإعادة بناء الهيكل، وذكرت النموذج الجديد الذي حددوه للصورة التي سوف تتم عليها إعادة بناء الهيكل مكان المسجد الأقصى بعد هدمه! واعتداءات اليهود على المسجد الأقصى كثيرة جداً ومتكررة، وأهمها عملية الحفريات، بزعم أنهم يعملون حفريات من أجل الطرق ومن أجل الكباري، حتى أنهم عملوا نفقاً تحت المسجد الأقصى؛ لكي يجيء واحد منهم ويضع عبوة ناسفة في هذا الكبري، ويقولون: هو مجنون، مثلما قالوا ويقولون على الذين يقتلون الفلسطينيين، وكما قالوا في الذي أحرق المسجد الأقصى، فإنهم قالوا: هو مجنون! فعمليات البحث والحفريات بعد حرب يونيو مستمرة، وقد هدم اليهود حي المغاربة نهائياً؛ حتى تكون الأرض جاهزة لأي عمليات حفر وتنقيب، ووصل عمق الحفريات إلى أربعة عشر متراً. وبعد ذلك استمرت عمليات الهدم في الأحياء الإسلامية مع إجلاء سكانها العرب، وفي هذه المرحلة حدث حريق المسجد الأقصى سنة (١٩٦٩م)، وأقيمت في تلك الآونة المعاهد والمدارس الدينية والاستراحات والفنادق وغيرها فوق أنقاض الأبنية العربية، وجرت الحفريات على امتداد ثمانين متراً حول السور مارة حول الأبنية الإسلامية هناك. ومن عام (١٩٧٠م) إلى عام (١٩٧٢م) بدأ شق الأنفاق تحت أسوار المسجد الأقصى، من جانبيها الجنوبي والغربي؛ حتى نفذت إلى الأرضية الداخلية تحت ساحة المسجد، وشملت هذه المرحلة الاستيلاء على أبنية إسلامية كثيرة منها: المحكمة الشرعية التي تم هدمها. وفي سنة (١٩٧٣م) اقتربت الحفريات من الجدار الغربي للمسجد الأقصى، وتغلغلت مسافات طويلة تحته، ووصلت أعماق الحفريات وقتها إلى أكثر من ثلاثة عشر متراً. وفي سنة (١٩٧٤م) توسعت الحفريات تحت الجدار الغربي، وفي سنة (١٩٧٥ - ١٩٧٦م) توسعت الحفريات أيضاً تحت الجدار الغربي، وأزال اليهود أثناءها مقبرة للمسلمين تضم قبري الصحابيين: عبادة بن الصامت وشداد بن أوس ﵄. وفي سنة (١٩٧٧م) وصلت الحفريات إلى تحت مسجد النساء داخل المسجد الأقصى، وهدم ما عليها بعمق تسعة أمتار. وفي سنة (١٩٧٩م) بدأت حفريات جديدة قرب حائط البراق، وتم شق نفق واسع طويل، وتقرر الاستمرار فيه حتى يخترق المسجد الشريف من غربه إلى شرقه، وقد تم تدعيم هذا النفق بالأسمنت المسلح، وأقيم كنيس يهودي صغير، افتتحه رسمياً رئيس الدولة اليهودية، ورئيس وزرائه، واتخذ معبداً مؤقتاً. وفي سنة (١٩٨٦م) استشرت الحفريات من كل جانب، وتم إجلاء أعداد كبيرة من السكان من القدس القديمة، وأغلقت السلطات الإسرائيلية مستشفىً فلسطينياً داخل البلدة القديمة، واغتصبت بيوت عربية كثيرة، وسكن شارون في أرض منها، تأكيداً على تهويد القدس. وازداد التوغل بعد ذلك تحت أرضية الساحة وحولها، وتوغل اليهود في هذه الحفريات؛ لتفريغها من التربة.

стр. 1242

سبب تركز اعتداءات اليهود على المسجد الأقصى في شهر أغسطس بعد أن دخل اليهود القدس مباشرة سنة (١٩٦٧م) في سبعة وعشرين يونيو، عقد في القدس مؤتمر لحاخامات اليهود في العالم ناقشوا فيه موضوع القدس والهيكل، وطالب الحاضرون بالإسراع في عملية إعادة الهيكل الثالث. وشهر أغسطس تتكررت فيه اعتداءات اليهود؛ لأن شهر أغسطس هو الشهر الذي دمر فيه سيزر الهيكل الثاني، وهذه ذكرى حزينة عندهم، فدائماً في شهر أغسطس يتعمدون أن يفعلوا هذه الأشياء، ففي ١٥ من أغسطس سنة (١٩٦٧م) دخل الحاخام الأكبر لإسرائيل ولجيشها شلومو غورين مرتدياً الزي العسكري إلى ساحة المسجد الأقصى يرافقه عشرون من ضباط الجيش، وهرع داخل الساحات ملوحاً برشاش كان معه، ومجرياً القياسات هنا وهناك، ثم اصطف معه ضباط الجيش لتأدية الشعائر اليهودية. وفي ٣١ من أغسطس سنة (١٩٦٧م) استولى جيش اليهود على مفتاح باب المغاربة؛ لتيسير الدخول إلى حائط المبكى كلما أرادوا، وكان ذلك برعاية من الحاخام الأكبر لجيش الدفاع الإسرائيلي. وفي ٢١ من أغسطس سنة (١٩٦٩م) أقدم شخص استرالي نصراني يدعى دينيس سمايكل على إشعال النار في المسجد الأقصى، وأتت النيران المتصاعدة على أساس المسجد وجدرانه ومنبره العظيم الذي كان الأيوبيون قد أعدوه لإلقاء خطبة الجمعة من فوقه بعد تحرير بيت المقدس من الصليبيين. وأخلي سبيل هذا الدنس المسمى دينيس بعد محاكمة صورية أعلن فيها أنه نفذ ما حدث كمبعوث لله، وبموجب نبوءة في سفر زكريا، ونصت حيثيات الحكم بعدم تحمله للمسئولية الجنائية؛ لأنه مجنون!! وأيضاً حاول بعض اليهود في سنة (١٩٧١م) أن يقيموا الشعائر اليهودية في المسجد الأقصى. وفي ٣٠ من يناير سنة (١٩٦٧م) أقرت المحاكم الإسرائيلية حق اليهود في الصلاة في ساحات المسجد الأقصى في أي وقت يشاءون من النهار، وكان اليهود يقتحمون المسجد ويرددون فيه الأناشيد اليهودية. وجرت محاولة في سنة (١٩٨٠م) لنسف المسجد الأقصى. وأيضاً في شهر أغسطس سنة (١٩٨١م) تجمع ثلاثمائة من جماعة جوش لنيين عند المسجد الأقصى، وكسروا قفل باب الحديد، وأدوا الشعائر اليهودية بشكل استفزازي للمسلمين. وأيضاً في ٢٥ من أغسطس (١٩٨١م) أعلنت الهيئات اليهودية الدينية عن اكتشاف نفق يبدأ بحائط البراق، ويؤدي إلى فناء المسجد الأقصى، وأعلنوا أن ذلك له علاقة بالهيكل الثاني، وبدءوا بعمليات حفر هددت جدران المسجد بالانهيار. وفي ٢ من مارس سنة (١٩٨٢م) اقتحم خمسة عشر شخصاً من جماعة أمناء جبل الهيكل أحد الأبواب الخارجية للمسجد الأقصى، وكانوا مزودين بالأسلحة النارية، واعتدوا على حراس المسجد في الداخل، واشتبكوا معهم، وأصيب أحد الحراس، وفي اليوم التالي قام المسلمون بإضراب شامل إلى آخره. ونفس الشيء تكرر في ١١ إبريل سنة (١٩٨٢م)، حيث اقتحم جندي إسرائيلي المسجد الأقصى برشاشه، وأطلق النار على حارس الباب وأصابه، ثم هرع إلى مسجد الصخرة وهو يطلق النار بغزارة بشكل عشوائي، فأصاب عدداً من المصلين وقتل أحد حراس مسجد الصخرة، وشارك بعض الجنود الإسرائيليين المتمركزين على أسطح المنازل المجاورة في إطلاق الرصاص تجاه مسجد الصخرة، فأخذ المؤذنون يناشدون الأهالي المسلمين عبر مكبرات الصوت بالتوجه فوراً إلى ساحات المسجد للدفاع عنهم، فتدافع المسلمون نحو المسجد، فأطلق الجنود اليهود عليهم النار، فأصابوا ما يقرب من مائة شخص! ولما احتج الشيخ سعد العلمي مفتي القدس عن الحادث، كان جواب بيجن أن قال: على المسجد الإسلامي أن يعلم أن عهد المفتي أمين الحسيني قد مضى إلى غير رجعة! وعلى أي الأحوال الأحداث كلها متكررة ومتشابهة، ولو تأملناها لوجدنا أن أغلبها يقع في شهر أغسطس بسبب هذه الذكرى.

стр. 1243

المسلمون هم الذين سيحررون القدس من اليهود أخيراً: نختم الكلام بالإشارة إلى أنه لن يعيد فلسطين ولن يحرر القدس من أيدي أعداء الله اليهود إلا المسلمون الذين يتمسكون بدينهم، ويجاهدون في سبيله. وقد التقى بعض أبناء فلسطين بالشيخ محمد أمين الحسني ﵀ فقالوا له: متى نعود إلى فلسطين؟ فقال للفلسطينيين: عودوا إلى الله تعودوا إلى فلسطين! فسخر السفهاء منهم من جواب المفتي، وراحوا يتساءلون: ما علاقة العودة إلى الله بالعودة إلى فلسطين؟ وهل أخرجنا من ديارنا وأوطاننا إلا الله؟ والعياذ بالله! ودفعهم كرههم لما يدعو إليه الشيخ الحسيني أن انخرط كثير منهم في الأحزاب القومية واليسارية، وبعدما مرت المحنة بكل هذه السنون ثبت فشل هذه الطرق، وصحت هذه الكلمة التي قالها ذلك المفتي ﵀: عودوا إلى الله تعودوا إلى فلسطين. ونختم الكلام بموقف لوالدة خالد الحسن أحد قادة منظمة التحرير: كانت تؤكد منذ بداية تأسيس فتح أن فلسطين لن يفتحها إلا المجاهدون المسلمون الذين يقاتلون لتكون كلمة الله هي العليا. وقد ذكر أحد أبنائها القصة التالية: كان زوجها أحد المجاهدين الأشداء في ثورة الشيخ عز الدين القسام، وكانت زوجته تشاركه في آماله وآلامه، وتؤدي دورها المطلوب في معركة المصير. ففرحت المرأة عندما سمعت أبناءها يتحدثون عن تأسيس فتح، وكانت تذكرهم بجهاد أبيهم، فتطلب منهم أن يرتسموا خطاه. واجتمع قادة فتح يوماً في بيت خالد، واستمر اجتماعهم طوال الليل، وكانت الأم ترصد حركات المجتمعين وأفعالهم، وكان الأبناء يستغربون من أمهم التصاقها بباب الحجرة التي تضم قادة الفتح، وبعد أن انفض الاجتماع دخلت عليهم وقالت لهم: شتان شتان بين اجتماعكم واجتماعات أبيكم وأصحابه؛ كانوا يقومون الليل صلاة وذكراً، وأنتم ما سمعت منكم إلا العبث والكلام الفارغ، وليست فيكم مواصفات الذين سيحررون فلسطين من العدو المغتصب. فهذه الكلمة مع بساطتها من هذه المرأة التي قد تكون أمية تدل على أنها أدركت هذه الحقيقة، حقيقية أن النصر لا يكون إلا بعد أن نغير أنفسنا كما قال : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]. فليس النصر من واشنطن أو بكين أو موسكو، إنما النصر من الله ، فلابد من الأخذ بأسباب النصر، قال : ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة:٢١].

стр. 1244

قضية فلسطين قضية عقدية فاتتني نقطة أود أن أنبه عليها، وهذه النقطة هي في البحث الذي ذكرناه عن رسالة الدكتوراه لـ حسن صبري الخولي، والذي ذكر فيها: أنه اعتماداً على التوراة التي هي كتاب مقدس -كما يزعم؛ لأنها محرفة- فلليهود حق في فلسطين، لكن العرب يشتركون معهم أيضاً في هذا الحق، باعتبار أن الوعد في التوراة لكل ذرية إبراهيم ﵇، سواء كانوا من إسحاق أو من إسماعيل ﵉. وهذا كلام فيه مغالطة خطيرة جداً لابد من الالتفات إليها، فاليهود أنفسهم أحياناً في بعض المحافل الدولية في الأمم المتحدة أو غيرها يأتون بنصوص من القرآن حتى يثبتوا حقهم في فلسطين. ومن أجل ذلك نقول: إن المنطلق الذي ينبغي أن تعالج منه هذه القضية هو منطلق العقيدة، فإن قيل: ما علاقة هذا بالعقيدة؟ فأقول: علاقة هذا بالعقيدة أن اليهود الآن يريدون أن يستعيدوا القدس في زعمهم ويعيدوا بناء هيكل سليمان. فإن قيل: متى بدأ التواجد الإسلامي في مدينة القدس؟ هل بدأ التواجد الإسلامي بفتح عمر بن الخطاب لهذه المدينة؟ ف الجواب كلا! بل التواجد الإسلامي في فلسطين بدأ منذ أن تواجد فيها أنبيا الله الذين كانوا دعاة للإسلام، وأنبياء للإسلام، فمن أولى بسليمان ﵇: هل اليهود الذين يزعمون أنهم يعيدون بناء هيكله للمرة الثالثة أم المسلمون؟ فسليمان ﵇ كان مسلماً، كما قال الله عنه: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل:٤٤]. فهي قضية أساساً لابد أن تكون من منطلق عقائدي؛ لأننا نؤمن أنه لا حق في الدنيا إلا الإسلام، وأي دين آخر فهو دين باطل أو دين منسوخ. فجيوش المسلمين وجدت في فلسطين منذ عهد داود، ومنذ عهد سيلمان، ومنذ عهد موسى ﵇، وهكذا جميع أنبياء الله نحن أولى بهم، قال الرسول ﵊: (لو كان موسى حياً ما وسعه إلا أن يتبعني)، فانطلاقاً من هذا الاعتقاد يكون اعتقاد تتطور المسلمين في قضية فلسطين: أن المسلمين هم أحق بهذه الأرض؛ لأنها أرض الأنبياء، وأن المسجد الذي هو مقام الآن في بيت المقدس الذي يعبد فيه الله وحده لا شريك له، هو يقوم مقام المعابد التي كان يعبد فيها الله أيضاً على شريعة الأنبياء السابقين، الذين كانوا جميعاً يقولون: لا إله إلا الله، وكانوا يصدق بعضهم بعضاً، فموسى بشر بمحمد ﵊، وعيسى بشر بمحمد ﷺ ، فلابد أن يكون هذا هو المنطلق: أن جميع الأنبياء أخوة، دينهم واحد، وشرائعهم شتى. فلا بد من النظر للقضية من هذا المنطلق، وليس على أنها قضية وثائق تاريخية تثبت حقاً لليهود، ومحال على اليهود أن ينتزعوا من القرآن نصوصاً تثبت لهم حقاً في فلسطين. فالحق في فلسطين للمسلم الذي هو على دين سليمان وعلى دين موسى وعلى دين عيسى وعلى دين محمد عليهم جميعاً صلاة الله وسلامه. ولكن لا ينظر للأمر ولا يقيسه بهذا المقياس إلا أصحاب العقيدة الصحيحة.

стр. 1245

خوف اليهود من الجهاد الإسلامي وذكر بعض تصريحاتهم حول ذلك يخاف اليهود وأعداء الإسلام عموماً من أي صبغة إسلامية للجهاد ضد اليهود، وتكثر تصريحاتهم جداً في هذا الأمر، تقول صحيفة يدعوت أحرنوت في سنة (١٩٤٨م): إن على وسائل إعلامنا ألا تنسى حقيقة هامة هي جزء من استراتيجية إسرائيل في حربها مع العرب، وهي أننا نجحنا في إبعاد الإسلام بعيداً عن المعركة إلى الأبد، ويجب منع استيقاظ الروح الإسلامية بأي شكل، ولو اقتضى الأمر الاستعانة بأصدقائنا لاستعمال العنف والبطش لإخماد أي بادرة ليقظة الروح الإسلامية في المنطقة المحيطة بنا. وهذه المقالة مناسبتها: أن اليهود لما اقتحموا لبنان واحتلوها حصل نوع من الاستبشار الشديد جداً والحفاوة بين نصارى لبنان واليهود الذين خرجوا من فلسطين، فعملت مقابلة تلفزيونية مع سعد حداد؛ لأنهم أبرزوا معالم الفرح التي عمت قرى النصارى بسبب احتلال اليهود للبنان. وقالوا: إن هذا التصرف الطائش الذي فعله التلفزيون وأظهر على الشاشة فرحة النصارى بقدوم اليهود في لبنان، تسبب في ردة فعل عنيفة بين المسلمين في لبنان وغيرها، وحرك فيهم الروح الإسلامية؛ لأن الروح الإسلامية تنظر من هذا المنظار، وهو أن هذه أرض الله، وهذه أرض أنبياء الله، وهيكل سليمان لماذا يبنى من جديد وقد نسخت شريعة سليمان؟ والدعوة التي كان يدعو بها سليمان وداود وموسى وجميع أنبياء بني إسرائيل هي دعوة محمد ﵊، وهي امتداد لها، فهذا هو الحق، ولا ينظر بهذا المنظار إلا صاحب العقيدة، الذي هو واثق أنه إما أن يعيش في سبيل العقيدة وينصرها، وإما أن يموت فتكون له الجنة. فهم يخافون جداً من استيقاظ الروح الإسلامية، ولذلك تستمر الصحيفة وتقول: لقد وقع تلفزيوننا في خطأ كاد ينسف كل خططنا؛ لأنه تسبب في إيقاظ الروح الإسلامية، ونخشى أن تستغل الجماعات الإسلامية هذه الفرصة لتحريك المشاعر ضدنا، وإذا فشلنا في إقناع أصدقائنا بتوجيه ضربة إليها في الوقت المناسب فإن على إسرائيل أن تواجه عدواً حقيقياً لا وهمياً، حرصنا أن يبقى بعيداً عن المعركة. إذاً: حتى اليهود يعرفون تماماً أن العدو الحقيقي الذي سوف يتصدى لهم هم هؤلاء المسلمون الذين يعتقدون أن الواحد منهم إذا قتل يهودياً أو قتله يهودي دخل الجنة، وهكذا يصرح اليهود أيضاً. ويقول أيضاً برجن دروستن، في مقال نشرته (صنداي تيليجراف) في سنة (١٩٧٨م) يقول: إن أكبر خطر يرتكبه الغربيون هو عدم تفكيرهم بضرورة التدخل العسكري المباشر في المنطقة في حالة عجز الأنظمة الصوتية عن كبح جماح المتطرفين المسلمين؛ لأن خطرهم لا يقارن بأي خطر آخر مهما كان. وجريدة القبس الكويتية نقلت عن وكالات الأنباء أنها قالت: إن ديان قال في خطاب له أمام يهود أمريكا: إن على أمريكا والغرب أخذ العبرة من أحداث إيران التي يمكن أن تهب بشكل مفاجئ في غيرها كتركيا وأفغانستان، وأكد أن عدوه الأول هو الإخوان المسلمون، وأنه في الوقت الذي تشعر فيه إسرائيل أن العرب في فلسطين بدءوا يتمسكون بالاتجاهات الإسلامية المتعصبة فستقذف بهم بعيداً؛ لينظموا لإخوانهم اللاجئين: أي: أنه يهدد الفلسطينيين في فلسطين، أنهم إذا تعاطفوا مع الحركة الإسلامية فسنقذف بهم بعيداً حتى ينظموا إلى طابور اللاجئين في البلاد العربية. وأيضاً قالت صحيفة (كمشلر الفيجلر) التي تصدر في ألمانيا الغربية: على الغرب إذا أراد المحافظة على مصالحه في الشرق الأوسط أن يبدي مرونة في تفهم مقاصد الاتجاهات الإسلامية. وبعدما قتل السادات قال أحد القادة في صحيفة الـ (جروزاليم بوست): إن ظهور حركة اليقظة الإسلامية بهذا الصورة المفاجئة المذهلة قد أظهرت بوضوح أن جميع البعثات الدبلوماسية، وقبل هؤلاء جميعاً وكالات الاستخبارات الأمريكية كانت تغط في سبات عميق. وأيضاً: في مقابلة مع صحيفة (ها آرتس)، في ١٢ من فبراير سنة (١٩٧٩م) قال مسئول يهودي: إن الذي يثير قلقنا هو أن مواقف العرب داخل إسرائيل بدأت تتحول من مواقف مبنية على قاعدة قومية إلى مواقف تستند إلى قواعد دينية. فلماذا يستكثرون علينا أن نغار على ديننا وأن نحامي عن ديننا، ودولتهم دولة دينية يهودية مبنية على دين باطل ومنسوخ ومحرف؟! فهم يحرصون تماماً على إبعاد الإسلام؛ لأن هذا هو العدو الحقيقي الذين يعرفون أنه سوف يهزمهم، وسوف يبيدهم. ثم قال المسئول اليهودي: إن خطراً حقيقياً بدأ يهدد الاستقرار في الشرق الأوسط، وقسماً كبيراً من إفريقيا، هذا الخطر هو خطر انتشار ثورة إسلامية شاملة، يقوم بها متدينون متطرفون. وقال شارون - السفاح المعروف - في ندوة في جامعة تل أبيب سنة (١٩٧٦م): ما من قوة في العالم تضاهي قوة الإسلام من حيث قدرته على اجتذاب الجماهير، فهو يشكل القاعدة الوحيدة للحركة الوطنية الإسلامية. وقال يوشواح بوراك: إن المساجد هي دائماً منبع دعوة الجماهير العربية إلى التمرد على الوجود اليهودي. وأيضاً: يقول مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض بريجنسكي: إن الولايات المتحدة بحاجة إلى دراسة جديدة حول الحركات الإسلامية المتشددة؛ ليسهل على الإدارة الأمريكية وأصدقائها في المنطقة الإسلامية مراقبتها عن كثب؛ حتى لا تفاجئ باندلاع ثورة إسلامية جديدة في أي مكان في العالم الإسلامي؛ لأن أمريكا حريصة على عدم السماح للإسلام بأن يلعب دوراً مؤثراً في السياسة الدولية. وأيضاً ذكرت صحيفة القبس الكويتية سنة (١٩٧٩م) أن مجلس الأمن القومي الأمريكي طلب من هيئة المخابرات البريطانية تزويد الإدارة الأمريكية بكل ما يتوافر لديها من معلومات تتعلق بالحركة الإسلامية؛ للاستعانة بها في وضع الخطط الكثيرة للقضاء على خطرهم قبل فوات الأوان. وأوردت وكالة الأنباء الفرنسية في نبأ لها من بيت المقدس في فبراير سنة (١٩٧٩م) أن السلطات اليهودية قامت باعتقال اثني عشر عالماً من علماء المسلمين -ومعظمهم من الشباب- في بيت المقدس. وجاء في جريدة اسمها (فورتشون) ما يلي: إن صحوة الإسلام الجديدة تزعج الإسرائيليين كثيراً؛ فإسرائيل تعرف تماماً أنه إذا فشلت محادثات السلام مع مصر فإنها سوف تكون هدفاً لحرب الجهاد المقدس التي ستشنها الصحوة الإسلامية المتزايدة. ثم قالت: إنه حتى في الجامعات العبرية في إسرائيل بدأ الطلاب العرب المسلمون يطلقون لحاهم، ويؤدون العبادات الإسلامية، في حين بدأت الفتيات المسلمات في ارتداء الزي الإسلامي الشرعي. فالعدو الحقيقي لم يواجهوه حتى الآن، وهم لا يخافون إلا هذا العدو، فكان لابد من التنبيه إلى أن المنطلق ينبغي أن يكون من العقيدة، أما أن واحداً يسعى وراء اليهود أو أمريكا حتى تعطيه قطعة أرض في قطاع غزة أو في الضفة، فهذا ليس صاحب قضية، بل هذا طالب ملك، وطالب دنيا، وحتى لو أقام دولة فسيقيم دولة علمانية! فهؤلاء أصحاب المنظمات يقولون: سوف نقيم دولة علمانية لا دين لها، وتراهم كما حكينا عنهم لا يعتزون بعقيدة الإسلام، بل ينتمون إلى كل الألوان ماعدا الإسلام. فالقضية ليست قضية فلسطينيين، بل هي قضية مسلمين، فينبغي أن يكون المنطلق من خلال العقيدة، فعقيدتنا أن الإسلام هو دين الله، وهو الحق الوحيد في هذا الوجود، وما عداه فهو باطل، والأرض لله يورثها من يشاء. فأرض فلسطين هي أرض الأنبياء، ونحن أولى بموسى وداود وسليمان وعيسى من اليهود والنصارى الذين يزعمون أنهم يحبونهم. فهناك ارتباط وثيق جداً لقضية فلسطين بقضية العقيدة، واليهود يقولون: إن هيكل سليمان سوف يعاد، فلماذا يعاد؟ ولماذا يُهدم المسجد؟ هل لأننا مسلمون فقط وهم يهود؟! فنحن الآن نريد ألا يعبد في هذا المكان -المسجد الأقصى- إلا إله سليمان وإله داود وإله موسى وعيسى ومحمد عليهم جميعاً وعلى نبينا الصلاة والسلام.

стр. 1246

أهمية جهاد المسلم في سبيل الله أي جهد يقدمه الإنسان لتمكين الدعوة الإسلامية في أي بقعة من بقاع الأرض فهو يساهم في تقريب وقت التمثيل لهذا الدين، ففي أي موقع يكون الإنسان موجوداً فيه لابد أن يساهم، يقول الرسول ﵊: (من لم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق)، فلابد لكل مسلم أن يحدث نفسه: أنه إذا مكن من الجهاد أن يجاهد في سبيل الله ﵎، فعلى الأقل يحصل تحديث النفس به، ولكن نحن نثق تماماً أن السلام المزعوم مع اليهود لن يقع، بنص الحديث: (لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود)، إلى آخر الحديث المعروف. فعلى الأقل نلم بأحوال إخواننا في فلسطين؛ لأن بعض الناس لا يتأثرون ولا يتحركون لما يقع في فلسطين من المجازر ضد المسلمين المستضعفين هناك من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً، فلا البلاد العربية تقوم بواجبها نحوهم أو تستقبلهم أو تؤيهم، ولا هم صابرون على الظلم والعسف الذي يلاقونه من أعداء الله اليهود، فعلى الأقل نكون على علم بهؤلاء، وندعو لهم، والإنسان يحدث نفسه أنه متى ما استطاع أن يشارك في جهادهم فسيفعل، وكل منا يعمل للتمكين للإسلام في أي موقع من الأرض حتى تقوم نواة لدولة إسلامية لتحرير فلسطين وأفغانستان وجميع بقاع العالم الإسلامي. ولذلك يجهد أعداء الإسلام ألا تقوم أي بذرة أو أي نابتة لكيان إسلامي قوي يحمل هم هذه الدعوة. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. والحمد لله رب العالمين.

стр. 1247

من هو عيسى عبده؟ [١] إن الله إذا أراد هداية الإنسان شرح صدره للإسلام، وآتاه من البصيرة ما يجعله يرى نور الحق ساطعاًً، وإن طريق الهداية ميسر لمن أراد الحقيقة وصدق في طلبها، ومن هؤلاء الذين نوّر الله بصيرتهم الدكتور عبده والد الدكتور عيسى عبده، فقد كان نبوغ ولده عيسى ثمرة من ثمار هدايته إلى الصراط المستقيم، والدين القويم.

стр. 1248

مقدمة عن فضل من أسلم من أهل الكتاب الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم! صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم! بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فعن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: (كنت تحت راحلة رسول الله ﷺ في حجة الوداع، فقال قولاً حسناً، فكان فيما قال: من أسلم من أهل الكتاب فله أجره مرتين، وله مثل الذي لنا وعليه مثل الذي علينا، ومن أسلم من المشركين فله أجره، وله مثل الذي لنا وعليه مثل الذي علينا) رواه الروياني وسنده حسن. وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه مرفوعاً: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وأن يستقبلوا قبلتنا، ويأكلوا ذبيحتنا، وأن يصلوا صلاتنا، فإذا فعلوا ذلك فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها، لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين) رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح والنسائي والإمام أحمد. فالحديث الأول فيه فضيلة من أسلم من أهل الكتاب -أي: من اليهود والنصارى-، فمن أسلم منهم فله أجره مرتين؛ لإيمانه بنبيه -سواءٌ موسى أو عيسى ﵉ ثم إيمانه بمحمد ﵌، فلذلك يؤتى أجره مرتين، وله مثل الذي لنا وعليه مثل الذي علينا، أي أنه بعد أن يصير مسلماً يستوي مع المسلمين في الحقوق والواجبات. ومن أسلم من المشركين فله أجره، وله مثل الذي لنا وعليه مثل الذي علينا، ويفضل الكتابي إذا أسلم على المشرك إذا أسلم، وفي حديث أنس المذكور آنفاً: (فإذا فعلوا ذلك فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها، ولهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين) والسياق فيمن أسلم وصلى صلاتنا وأكل ذبيحتنا واستقبل قبلتنا. كذلك حدث أبو البختري أن جيشاً من جيوش المسلمين -وكان أميرهم سلمان الفارسي ﵁ حاصروا قصراً من قصور الفرس، فقالوا: يا أبا عبد الله - وهي كنية سلمان الفارسي! ألا تنهد إليهم؟ فقال: دعوني أدعوهم كما سمعت رسول الله ﷺ يدعوهم. فأتاهم سلمان فقال لهم: إنما أنا رجل منكم فارسي، وترون العرب يطيعونني. أي: مع أني فارسي فليس لأحد فضل على أحد إلا بالتقوى، وأنتم تروني أميراً على هؤلاء العرب، ومع ذلك يطيعونني! قال سلمان: فإن أسلمتم فلكم مثل الذي لنا وعليكم مثل الذي علينا، وإن أبيتم إلا دينكم تركناكم عليه، واعطونا الجزية عن يد وأنتم صاغرون إلى آخر الحديث الذي رواه الإمام أحمد والترمذي وحسنه. ففي هذا كله دليل على بطلان الحديث الشائع اليوم على ألسنة كثير من الناس أن النبي ﵌ قال في أهل الذمة (لهم ما لنا وعليهم ما علينا)، وليس لهذا أصل في دين الإسلام أن يقال في أهل الذمة من اليهود والنصارى: (لهم ما لنا وعليهم ما علينا)، بل هذان الحديثان -حديث أبي أمامة وحديث أنس رضي الله تعالى عنه- يبطلان هذا الكلام؛ لأنهما صريحان في أن النبي ﷺ إنما قال ذلك فيمن أسلم من المشركين ومن أهل الكتاب، ومن أسلم من أهل الكتاب فله أجره مرتين، وله مثل الذي لنا وعليه مثل الذي علينا، ومن أسلم من المشركين فله أجره، وله مثل الذي لنا وعليه مثل الذي علينا. وحديث أبي أمامة فيه فضيلة من أسلم من أهل الكتاب كما أشرنا آنفاً، والنصوص الشرعية واضحة بتفضيل أهل الكتاب على المشركين، وإنما كان ذلك لأن أهل الكتاب يؤمنون بوجود الله ، ويؤمنون بمبدأ النبوة والرسالة مع ما طرأ على عقائدهم من الزيغ والتحريف والضلال المبين، ولذلك فقد حصل الكثير من المواقف العظيمة التي أسلم فيها كثير من الوجهاء والأكابر والعلماء والمقدمين عند أهل الكتاب، وكان لبعضهم قصص يمكن أن تدخل تحت طائلة القصص التي أشار الله إليها في قوله : ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود:١٢٠]، والقصص -كما قال بعض العلماء- جند من جنود الله. ونحن إذا عودنا أنفسنا وأهلينا وأولادنا على أن نثبت إيمانهم ونزيده بالقصص النافعة، أو القصص الحق كما قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ [يوسف:٣] إذا ربطنا أنفسنا دائماً بأحسن القصص فإنها تعتبر عبرة للمعتبر وتثبيتاً للقلوب.

стр. 1249

قصة إسلام عبده إبراهيم سنتعرف ونعتبر جميعاً بهذه القصة الطيبة من قصص الإيمان، قصة إسلام رجل من أهل الكتاب، والحقيقة أن فيها عبراً عظيمة جداً نحتاج إلى معرفتها لاستحضار نعمة الله علينا. وهي قصة إسلام الدكتور عبده إبراهيم -والد الدكتور عيسى عبده -.

стр. 1250

نبذة مختصرة عن الدكتور عبده إبراهيم نبدأ أولاً بالتعريف بوالد الدكتور عيسى عبده رحمه الله تعالى. فهو الدكتور: عبده إبراهيم بن إبراهيم أفندي عبد الملك، من حي الظاهر في القاهرة، ولد عام (١٨٨٣م). وصل في دراسته إلى المرحلة الثانوية، وكان لهذه المرحلة الثانوية شأن عظيم في حياته، وقد أمضى المرحلة الثانوية من سنة (١٨٩٦م) إلى سنة (١٩٠٠م)، أي: أربع سنوات، وليس ثلاث سنوات كما هو المعتاد، ولهذا سبب سنذكره إن شاء الله، ثم درس الطب بالقصر العيني خمسة أعوام -وهذه أيضاً مرحلة مهمة جداً سنذكر تفاصيلها- من سنة (١٩٠٠م) إلى (١٩٠٥م)، والتحق بالوظيفة العامة سنة (١٩٠٥م)، ثم تزوج في صيف (١٩٠٦م)، ورزق بولده الأول، وهو: فضيلة الدكتور: عيسى عبده رحمه الله تعالى المتوفى في التاسع من يناير سنة (١٩٨٠م) ودفن بالبقيع في المدينة المنورة، رحمه الله تعالى رحمة واسعة، ثم رزق بابنه الثاني في يناير سنة (١٩٠٩م)، وهو الدكتور: محمد عبده إبراهيم، أستاذ الهندسة بجامعات سويسرا، وله أبحاث عالمية في تحلية ماء البحر، ولكل من الابنين قصة عجيبة سنذكرها إن شاء الله. كان أول عهد عبده بالوظيفة العامة في مصلحة السجون كطبيب سجن بين عامي (١٩٠٥م) و (١٩١٠م)، وهذه المرحلة أيضاً لها قصة, وكان آخر عهده بالوظيفة العامة بوزارة الصحة أنه كان طبيب المركز بالسنبللوين في الدقهلية بين عامي (١٩١٠م) و (١٩١٤م)، ثم عمل طبيباً لمركز طبي في الشرقية من سنة (١٩١٤م) إلى (١٩١٨م)، ثم انتقل إلى رحمة الله -إن شاء الله- بالقاهرة في شهر يونيو سنة (١٩١٨م).

стр. 1251

كيف اهتدى الدكتور عبده إبراهيم إلى الإسلام نبدأ ببداية طريقه والتزامه بالاسلام، وهذه بداية مهمة جداً، وتشير إلى فائدة وبركة معاشرة الكفار للمسلمين، فمن المعلوم والمقطوع به أن الكفار الذين يعاشرون المسلمين يكونون أقل شراً من الكفار الذين لم يعاشروا المسلمين، فبركة مجتمع التوحيد وأهل الإسلام -بلا شك- تتعدى إلى غيرهم بصورة أو بأخرى، خاصةً إذا تحلى المسلمون بحسن الخلق؛ فإنه يُرغِّب كثيراً من الناس في الدخول في الإسلام. وكانت البداية في أواخر القرن التاسع عشر، حيث كان الخواجة إبراهيم أفندي عبد الملك يعيش في منزله بحي الظاهر في القاهرة، ومن حوله أسرة كبيرة العدد من الأقرباء والأصهار. فقد كان التقليد المتبع في تلك الأيام هو أن تتجمع الأصول والفروع في مساكن متقاربة من بعضها، وقد تأصلت هذه العادة في القطر المصري وفي غيره من البلدان العربية المجاورة. وكان مما يميز هذه الأحياء السكنية هو أن كل طائفة أو أسرة أو جماعة معينة لها خصيصة تجمعها، فمثلاً: كانت الحلمية الجديدة مسكن أمراء المماليك، ثم من قبلهم من الأسر العريقة، كالحسين، والسيدة زينب، وكذلك مساكن علماء الدين الإسلامي، وأما حي الظاهر فكان يسكنه أسر القبط القدماء في مصر، وكان الخواجه إبراهيم عبد الملك يسكن منزلاً متوسطاً برقم اثنين وسبعين في شارع الظاهر، وكان لقب الخواجه حينئذٍ يطلق على وجهاء الأقباط ورجال الأعمال. ومن أولئك إبراهيم أفندي عبد الملك الذي احترف تجارة الجملة والوكالة بالعمولة، وكان قد اتخذ له مقراً تجارياً بحي الجمالية يقضي فيه يومه كله، فهو مشغول دائماً بأعماله الكثيرة لكسب رزقه ورزق أسرته الكبيرة العدد، وهو لا يستقر في داره إلا يوماً واحداً في الأسبوع، وهو يوم الأحد، وفي هذا اليوم من كل أسبوع كان أفراد الأسرة كلهم يجتمعون إلى مائدة الغداء بعد عودتهم من الكنيسة، حتى الذين يقيمون بالقاهرة بعيداً عن حي الظاهر من أفراد الأسرة كانوا حريصين على هذا الاجتماع العائلي الدوري كما يحرصون على أغلى ما يملكون. وكان الخواجه إبراهيم عبد الملك قد رزق بأربعة أبناء من الذكور، وهم بحسب ترتيب أعمارهم: عبده -وهو أكبرهم -، ونسيم، وسهيم، وسليم، كما رزق عدداً آخر من البنات، اللاتي حرص على حسن تربيتهن كحرصه على تعليم أولاده الذكور وإلحاقهم بالمدارس وتوفير ما يلزم لكل منهم، حتى اشتهر بين أقربائه بأنه رب أسرة كادح ناجح. وكان عبده -ابنه الأكبر- مجتهداً ذكياً لم يتخلف في دراسته سنة واحدة، حتى وصل إلى السنة الثالثة الثانوية التي صادفته فيها ظروف بالغة الخطر ترتب عليها أن تخلف للإعادة. فكيف تخلف الطالب الذكي المجتهد عبده إبراهيم عبد الملك في امتحان البكلوريا -وهي الثانوية العامة- وهو الذي كان رمزاً للتفوق ومثالاً يحتذى بين أقرانه؟! ولماذا حدث ما حدث ولم يعهد عليه ضعف أو تراخٍ فضلاً عن الرسوب في الامتحان؟! إن الاجابة على هذين السؤالين تضعنا على أول الطريق إلى صلب الموضوع، ذلك أن بعض نظار المدارس الثانوية في أوخر القرن التاسع عشر الميلادي كانوا يستعملون أسلوب (الخلايا العلمية)، وهو أسلوب تربوي يقوم على أساس التآلف بين الطلاب، وذلك دون تحديد عدد معين، ودون أي محاولة للربط بين خلية وأخرى؛ إذ كان القصد من ذلك هو مجرد تشجيع الطلاب على التجمع في صحبة أو عُصبة أو مجموعة، ليكون نشاطهم العلمي والاجتماعي أجدى وأقوى من الناحية التربوية، وهذا أفضل مما لو ترك الطالب في سن المراهقة وأول النضج فريسة للوحدة في نزهته حبيساً في حجرة استذكاره لدراسته. وهكذا اجتمع بقدر الله مجموعة أو خلية واحدة مكونة من ثلاثة أشخاص -وهم: محمد توفيق صدقي، وأحمد نجيب برادة، وعبده إبراهيم عبد الملك - تآلف أفرادها، وانسجموا ثلاثتهم، فانتظموا في عقد صداقتهم من أول الدراسة الثانوية، فما إن وصل ثلاثتهم إلى السنة الثالثة في الثانوية حتى باتت أواصر المودة بينهم قوية تشد بعضهم إلى بعض، حتى اشتهروا بين زملائهم بذلك، وعرفوا بما يحملونه لبعضهم من مشاعر الحب والإخلاص والاحترام. وكان محمد توفيق صدقي أيسر حالاً من الجميع، وتقع داره في جنينة المتاخمة لجنينة ناميش بحي السيدة زينب، وكان للدار في المدخل من جهة اليسار منظرة التي تسمى المضيفة أو مجرة الضيافة-، وهي ومرافقها شبه منفصلة عن البيت، أما أحمد نجيب برادة فقد كان رقيق الحال، كفله عمه بعد وفاة أبيه، فلم يكن الصحب يغشون دار عمه هذا بالحلمية إلا نادراً، مع أن الدار كانت فسيحة على الطراز القديم، ولها صحن فيه بئر ودلو، لكنها في النهاية لم تكن دار برادة، ولكنها دار عمه الذي رعاه بديلاً عن أبيه، أما عبده فقد كانت داره -كما قلنا- بالظاهر بعيدة عن السيدة زينب وبعيدة عن الحلمية، خاصةً مع صعوبة المواصلات في ذلك العهد، فضلاً عن وقوع حجرة عبده الخاصة في الطابق الثالث مع الأسرة. هكذا وجد الثلاثة أنفسهم متفقين بغير اتفاق على تفضيل منظرة صدقي للقاء بقصد الاستذكار وما يصحبه من صخب الشباب أحياناً، وقد زاد من تفضيل هذه المنظرة هو قربها من موقع المدارس الثانوية فضلاً عن قربها من المدارس العليا. لكن الأمر لم يسلم، فبالرغم من ذلك كان الأصحاب الثلاثة يغشون دار العم برادة بالحلمية أحياناً مضطرين لسبب أو لآخر، وكان في صحن الدار -كما سبق- بئر ودلو، فكانوا إذا وجبت الصلاة وهم بدار العم برادة قام صدقي وبرادة فتوضأ كل منهما ثم صليا، وكان عبده من دونهما يرقبهما بعض الوقت وهما يصليان، وهذا هو الخيط الأول الذي أشرنا إليه من قبل. وكما يقال: كل نسيج قماش له بداية، وكل قصة إسلام لابد من أن يكون في بدايتها خير أو بصيص من النور يظهر، ولذلك فإننا نركّز -دائماً- على الخيط الأول الذي يختلف من إنسان إلى آخر، لكن أعم وأغلب الناس يكون الخيط الأول لهدايتهم -كما ذكرنا- هو حسن الخلق معهم، امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة:٨٣]. كان عبده إذا خرج الاثنان إلى الصلاة يرقبهما بعض الوقت وهما يصليان، ويتشاغل عنهما بالنظر في أوراقه ما أتيح له ذلك، وبتكرار هذه المواقف من وقت لآخر خلال السنتين الأولى والثانية من الدراسة الثانوية نشأ في نفس عبده تساؤل عنيف عن سلوك صاحبيه، فقد رآهما كثيراً وهما يسعيان في اهتمام بالغ للتطهر حال سماعهما الأذان -بل ربما قبله استعداداً للصلاة- وهما يقفان في خشوع وخضوع مهيب أمام ربهم، ثم يركعان ويخران إلى الأرض ساجدين في هيئة تدل على تمام عبوديتهما لربهما، ثم إنهما يكرران ذلك بشكل إيماني رائع، حتى إذا جلسا للتشهد وفرغا من الصلاة وسلما عن يمين وشمال أقبل كل واحد منهما على أخيه يدعو له بقبول العبادة في محبة وود ورجاء، فكان عبده في كل مرة يسأل نفسه: ترى هل هما وفريق المسلمين على الحق أم على الباطل، فإذا كانوا على الحق فما حقيقة دينه إذاً؟ وإذا كانوا على الباطل فلماذا لا يصحح لهما عقيدتهما وكيف؟ مرت الأيام سراعاً، وبعضهم يخلص لبعض من غير أن يتعرضوا لمناقشة هذا الأمر، وهل ساور صديقيه نفس الخاطر الذي يساوره فمنعهما الحياء؟! فإذا كان الأمر كذلك فلماذا لا يبدأ هو بالحديث معهما؟ وتشجع عبده فأفضى إليهما بقلقه من وجود اختلاف بينهم -كجماعة متحابة ومتماسكة- في أمر جوهري كهذا، خصوصاً وأن هذا الاختلاف لم يكن باختيار أحد منهم، وإنما وجدوه بينهم بحكم التوارث، فهو لا يفعل ما يفعلان لأنه جاء إلى هذه الدنيا من أبوين يدينان بالنصرانية، ولو أن أبويه كانا من أسرة مسلمة لما وجد هذا الخلاف، ثم إنهما لا يذهبان إلى الكنيسة في يوم الأحد، ولا يفكران في شيء من ذلك؛ لأنهما ولدا في أسرتين مسلمتين، ولو كانا قد ولدا في محيط نصراني لما وجد هذا الخلاف! قال عبده فيما يرويه صديقه برادة -وكان قد عاش طويلاً بعد وفاة صاحبيه-: ليس هذا مما ينبغي أن يكون عليه الشأن بين إخوة جمعهم رباط العلم، وملأ قلوبهم كل هذه المشاعر من الحب والصفاء، وإنه لمن الإخلال بواجب المودة الخالصة من الشوائب أن تستمر الحال هكذا علناً بيننا في هذا الأمر الهام، فلابد من أن يكون صديقي مخدوعين، أو أن أكون أنا جاهلاً بما يؤمنان به. نهض عبده من مجلسه، وتقدم قريباً من البئر، وتبعه صاحباه ينظران في شأنه، فقال: أرياني كيف تفعلان، وأعيناني كما تتعاونان في رفع الماء من البئر وصبه على أطرافكما، وهل لذلك قواعد وأصول عندكم؟ فأجاباه إلى ما طلب وهما يعجبان مما فعل، وأجرى عبده الماء على يديه ووجهه وذراعيه ورأسه وقدميه في تجربة بدائية لم يكن يستهدف منها إلا الوقوف على شيء غامض في داخله، وربما وجد إجابة للسؤال الذي يحيره منذ حين، وهو: ما حكمة صب الماء على أطراف الجسم مع التكرار؟! لاحظ عبده بعد عملية الوضوء أن أول الآثار التي أصابته من جراء صب الماء على أطرافه أنه أحس بنوع لذيذ من الانتعاش واليقظة والانتباه ملأه ابتهاجاً وثقة بالنفس، فعاد يسأل: هل سبب ذلك الانتعاش وتلك الثقة هو ما أراه بعيني الآن من نظافة يدي ومنافذ وجهي، وطهارة رجلاي وطيب رائحتهما؟ إنه يرى في الأمر سراً لا يزال خافياً عليه، لكن ما صنعه ليس مجرد عبث صغير كما كان يراه من قبل، وإنه ليرى من وراء هذا الصنيع بعض المعاني الكبيرة التي لا يحجبه عنها إلا جهله بهذا الدين الإسلامي، فطلب منهما أن يحدثاه عن حكمة الوضوء وأركانه وسننه ونواقضه، وعن حكمة القيام والقعود والسجود وتكرارها، ولم يكن صاحباه في هذا السن على قدر واسع من ال

стр. 1252

إعلان الدكتور عبده لإسلامه بين أسرته وأقاربه يقول أحمد نجيب برادة: لم يكن الإسلام بعيداً عن صاحبنا وزميلنا عبده منذ بدأ دراسة الأديان قدر اجتهاده في آخر عهده بالثانوية العامة وأول عهده بدراسة الطب، ولكن دراسته للتشريح نحواً من عشرين شهراً نقلته من حال إلى حال، فقد تملكه خوف من لقاء الله وهو في تردده وجهالته بحقيقة التوحيد والبعث والثواب والعقاب. وكان عبده يتعامل مع الجثث، ويبقى مع الميت أحياناً، ثم اجتمع إلى صاحبيه وقال بأنه آمن بالذي هما والمسلمون عليه، وبأنه سيبدأ باتخاذ ما هو مستقر من اجراءات التوثيق، وشهر إسلامه. فزع صاحباه من هذه العجلة، وقالا له: استمع إلينا -أيها الصديق- جيداً: أنت تعلم حبنا ووفاءنا لك، وأننا سنخلص لك النصيحة حتماً، وأنت الآن بينك وبين التخرج ومدة الامتياز عامان ونصف العام، وهذا الأمر إن أنت أقدمت عليه متعجلاً ستكون له آثار خطيرة وشديدة على والديك وإخوتك وأهلك، وأقل ما سيلحقونه بك من ضرر هو ضربك وطردك من الدار ومحاربتك، وأنت بكل ذلك ستعرض مستقبلك للدمار، وهذا الدين القويم الذي رغبت فيه يأمر بالحكمة والتعقل، فالرأي عندنا أن تتمهل، وأن تستخفي بدينك حتى تتخرج وتكون لك وظيفة تكسب من ورائها رزقك. ثم إنك في حاجة إلى مزيد من الدراسة، والله يعلم منك صدق نيتك فيما تدعيه، فأنت عند الله -إن شاء الله- من المقبولين ما دامت قد صحت نيتك، فلا تتعجل التوثيق وإشهار دينك الجديد حتى تكون العلانية مأمونة لك. فما كان منه إلا أن رضخ لهذه النصيحة، لكنه وجد تعلقه بالدين الجديد يشتد ويقوى لحظة بعد لحظة، ويوماً بعد يوم، ولم يعد يطيق كتمان مثل هذا النور الذي يشعشع في مسامه وينير عقله وقلبه، فصار يتصرف دون الرجوع إلى صاحبيه حتى لا يشيرا عليه بما يكره من صبر وكتمان، فعكف على القرآن يتلو آياته كلما وجد من وقته فسحة وفراغاً، وحرص على أن يكون في جيبه دائماً، وبدأ يؤدي من الصلوات ما تيسر له أداؤه في خفاء خارج البيت أحياناً، وفي حجرته إذا أمن على نفسه أحياناً أخرى، ومضى عامان إلا قليلاً وهو يتعجل الأيام لتمضي ويتحقق حلمه، وبدأت مدة الامتياز وهي أقل من عام، وحل شهر رمضان بروحانياته وبركاته، فاعتزم طبيب الامتياز أمراً، وما عاد بعد الآن يستشير فيما وضح له من الحق أحداً. كانت هناك عادة في منزل والده إبراهيم عبد الملك أفندي الذي هو الخواجه كما كانوا يسمونه، وكان الموعد مقدساً عند الأسرة، وهو موعد الغداء يوم الأحد، وهو اليوم الوحيد الذي يتفرغ فيه الأب للاجتماع بجميع أولاده، فتخلف عبده عن حضور الغداء يوم الأحد؛ لأنه قد بدأ شهر رمضان على غير ما جرت به عادته وعادة الأسرة كلها، وسأل عنه أبوه ظهراً وعصراً ومساءً، ولكن عبده لم يحضر إلى داره إلا في ساعة متأخرة من الليل، فقيل له: إن الأسرة كلها قلقة لهذا التخلف، وإن الظنون ذهبت بهم كل مذهب. وكان رده: إن الأعمال في قسم الاستقبال كانت كثيرة على غير المألوف أو المتوقع لها، وقد اعتذر عن الحضور للعمل زميلان له، فقضى اليوم كله في مواجهة الحالات العاجلة التي كان ينبغي لهما استقبالهما لو حضرا. وجاء الأحد الذي يليه وتوقف الخواجه إبراهيم عن أن يذوق طعاماً أو شراباً حتى يصل ابنه الطبيب، وطال انتظاره له ساعات وساعات حتى غلبه النوم، فقام إلى فراشه مكتئباً وقد داخله هم لا يعرف من أين أتاه، أو هو يعرف ولكنه يداري نفسه هروباً من مواجهته، حتى فزع بآماله إلى الكذب، وعند منتصف الليل جاء الطبيب إلى الدار وعليه من آثار الاجهاد ما يظنه في نفسه شفيعاً، واتجه إلى حجرته بخطوات متعبة، وتبعته أمه وهي تقول له: أين كنت اليوم بطوله يا بني؟! إن أباك لم يذق طعاماً ولا شراباً اليوم؛ لأنه يكره أن يكون مكانك خالياً من غداء الأحد، وهذه هي المرة الثانية التي يتكرر فيها ذلك على التوالي، فهلا ترفقت بنفسك وبأبيك وبنا جميعاً فيما تقبله من واجبات بسبب تخلف زملائك عن نوبات عملهم، بل هلا رحمت أباك وترفقت به بعد أن تقدمت به السن؟ وترفق عبده بأمه وهو يجيبها إلى ما سألته، لكنها عادت تلح وتسأل وهو مرهق مجهد، فقال لها: يا أماه! وحشد لها من صنوف المعاذير ما يظنها اقتنعت به، وهما لا يزالان في حوار إذا بمساعده في المستشفى يطرق الباب ويطلب من الطبيب الحضور إلى المستشفى على عجل لوقوع حادث كبير تضاعفت بسببه الحالات، لذا تعين استدعاء كل الأطباء، ولكن عبده لم يكن قد مضى على حضوره لداره ساعة وبضع الساعة قضاها في حوار مرير مع أمه، ولم ينل قسطه المقرر من الراحة أو حتى بعضه، ولكنه طلب من أمه أن تعينه على استبدال ملابسه ليمضي فوراً مع مساعده الذي لا يزال واقفاً بالباب. ثم انطلق الطبيب مع مساعده، ولفهما الليل ولف المكان سكون مبهم من ذلك النوع الذي ينبئ بقرب هبوب عاصفة قوية، وفي الليلة الثانية جاء من المستشفى من يستدعي الطبيب عبده؛ لأن الطبيب المناوب قد اعتذر فجأة، وبعدها تكرر الطلب في جوف الليل من جديد مرة بعد مرة، وتنوعت الأعذار حتى جاء يوم الأحد الثالث وأبوه يتابع ولا يتكلم، فقد غشيه من الهم غاشية لا قبل له بها، وعلى مائدة الغداء جلس ينتظر ولده ساعات، وبه من الهم والكرب والهواجس والشكوك ما يهد كيانه ويزلزل وجدانه، وتحامل الأب على نفسه وهو ينهض بعيداً عن المائدة فاختل -أي: كاد يسقط- لولا أن أعانه بنوه، وأمرهم بأن يجلسوه على مقعد مقابل لمدخل الدار، وبقيت عينه شاخصة لكل قادم، لكن ساعات طويلة مضت وهو على ما هو عليه، حتى قارب الليل أن ينتصف وغرقت الدار في سكون حزين مبهم. وأقبل الطبيب الذي تخلف عن غداء الأحد ثلاث مرات متواليات فألفى أباه لا يزال جالساً لدى مدخل الدار، فتمالك نفسه وحياه، ولكنه لم يرد التحية، وبادره قائلاً: أين كنت طوال اليوم -وهو يوم الأحد-؟ قال الطبيب متلطفاً: بالمستشفى كعادتي يا أبي، وساد بينهما الصمت فترة حتى تمالك الرجل نفسه، وقال في هدوء مصطنع: إن أمرك يا بني لم يعد خافياً علي، خاصة بعدما تكرر غيابك كل يوم أحد، ولقد اجتمعت عندنا دلالات خطيرة عن سلوكك في العامين الأخيرين، وهي دلالات أيقظت في نفسي ظنوناً تكاد تقتلني حسرة على ما آل إليه أمرك، وما صرت عليه من حال، فهلا حدثتني بحقيقة الخبر وصدقتني القول؛ فإنني لأجد الحقيقة -مهما بلغ سوءها- أرحم بي مما أنا فيه. قال الطبيب الشاب: إني محدثك بالصدق يا أبي، فما هي هذه الدلالات والظنون التي تشير إليها؟ قال الوالد: كتاب المسلمين، وجده الكواء في جيبك من نحو عامين، وقد كتمت الأمر ظناً مني أنك ستعود إلى صوابك ورشدك فتنتهي عما أنت فيه، وها هو الكتاب فانظر إليه جيداً، أليس هذا الكتاب يخصك؟ أجب أيها الضال؟ سكت الطبيب لحظة، ثم قال: بلى يا أبي، الكتاب يخصني فعلاً. فثارت ثائرة الأب لجرأته، فعاد يقول: وأخوك سليم رآك من ثقب الباب وأنت تقوم وتقعد على غير هيئة الصلاة عندنا، ولقد حدّث أمه بما رأى فكذبته ونهرته، لكنها راقبتك بنفسها، وقد ثبت عندها صدق مقالة أخيك، فهل تفعل هذا حقاً حين تخلو إلى نفسك في حجرتك بداري؟ سكت الطبيب وقد بدا له أن الأمر جد ما بعده جد، وعاد الوالد يقول: لقد أصابني من ذلك ما لا قبل لبشر باحتماله، ولكني كنت أؤثر الصمت، وأنا أحمل ذلك كله في حبك للبحث والمعرفة -أي أن الأب كان يظن أن ما يفعله ولده هو مجرد حب المعرفة والاطلاع- حتى كان الأحد الذي مضى منذ ثلاثة أسابيع، ثم الذي بعده، ثم هذا اليوم الأسود حين اتصل غيابك عنا اليوم كله، وتكرر خروجك في الليل، لقد ظننت أن هذا التصرف الغريب من جانبك له صلة بهذا الشهر الذي يصومه المسلمون الآن، والمسمى بشهر رمضان، فهل أنت تفعل فعلهم فيه أيضاً أم هي المصادفات؟! وفوجئ طبيب الامتياز الغارق في البحث والتنقيب العلمي والتدريج التطبيقي العملي بهذا الموقف المفاجيء من أبيه، وما جره عليه اتخاذه القرارات بمعرفته منفرداً، وإصراره على ممارسة العبادات قبل أن يستقل بحياته كما نصحه صاحباه بعدم التعجل، لكنه رأى -وقد انكشف الأمر- أنه قد آن له هو الآخر أن يستريح، وأن يفرغ من حالة القلق التي يعيشها منذ عامين أو أكثر، وأن ينفض عن كاهله هذا العبء الذي أرهقه، فأقبل على والده مشفقاً عليه وعلى نفسه وهو يقول له: لقد وعدتك يا أبي أن أكون صادقاً، وأنت تعلم أني ما كنت لأخفي عليك أمراً مصيره إلى العلانية حتماً، وإنما أردت أن أؤخر حديثي إليك في هذا الشأن حتى تخف واجباتي بالمستشفى. ثم سكت لحظة عاد بعدها يقول: ولكن ما دمت الآن تستعجل معرفة حقيقة الأمر. فاعلم يا أبي -هداني الله وهداك- أني بالبحث الدقيق الواعي قد وجدت أن الدين الإسلامي هو الحق، وقد اقتنعت بما فيه، وأنه قد بعث نبي كريم بالقرآن كما بعث من قبله من الأنبياء بالكتب. قاطعه الوالد مستفهماً: ودينك الذي عليه آباؤك وأجدادك كيف وجدته، وفي أي مراتب الضلال صنفته أيها المجنون العاق؟! لابد من أنك قد فقدت عقلك -أيضاً- حين فقدت دينك! قال الطبيب الشاب: أي ضير -يا أبي- يمس الأديان السابقة إذا جاء دين جديد يصحح ويتمم الذي جاءت به الرسل من قبل؟ وعاد أبوه يسأله: هل تعرف ما تتكلم عنه -أيها الشيطان- أم أن في الأمر سراً نجهله؟ أم لعلك على صلة بفتاة مسلمة اشترطت عليك عدم اقترانك بها إلا أن تدخل في دين الإسلام؟! إذا كان الأمر كما أقول يا بني فترفق بي، ولدينا من جميلات أسر النصارى ما يسرك، وكلهن طوع البنان، إن ما أحدثك فيه أمر سهل، وطلبك فيه مجاب، أما أن تدعي على صغر سنك أنك قد تعلمت ووازنت بين الأديان وهديت إلى الحق منها فهذا جهل فاضح بتعاليم دينك. إن المسلمين -يا بني- لا يعرفون الأقانيم، ولا يؤمنون بأن عيسى هو الرب المخلّص أبانا يسوع الذي في السماء، وهم لا يعترفون -أيضاً- بالمسيح الحي، وهم وهم وهم، واستمر الوالد يعظ ابنه وهو يظن أنه يجهل حقائق دينه، وصابر الطبيب برهة حتى أتم والده حديثه، وتقدم منه خطوة وقد استجمع ما تفرق من نفس

стр. 1253

موقف النصارى من إسلام الدكتور عبده ومناظراته معهم لقد حدث ما توقعه الجميع، فالغيورون من أهل عبده -سواءٌ منهم الأقربون والبعيدون- قد بحثوا عنه حتى وجدوه، وحقاً لم يرهقهم البحث؛ لأنهم يعلمون أنه لا ملجأ له إلا صديقيه، وخاصة منزل صدقي. فتوافدوا عليه جماعات ووحداناً، وتكررت مناقشاتهم معه، وتواكبت ملاحقاتهم له في السكن والعمل، وأراد عبده أن يضع لهذه المناقشات والمضاربات نهاية حاسمة بدلاً مما هو فيه من المتاعب كل يوم وكل لحظة، خاصةً أن مستقبله يوشك أن يبدأ على وجه يرضيه، فقال لهم: ما حاجتكم مني وما هدفكم من مطارداتكم؟ قال أرشدهم-وهو خاله-: يا بني! إنك فرد مرموق في أسرتنا وفي جملة القبط كلهم خُلقاً وحسن سمعة، ثم إنك توشك أن تكون طبيباً، وهذا الذي فعلته خسارة لا نطيقها فضلاً عن أنه فضيحة وعار لأسرتك وللنصارى في مصر وغيرها من البلاد، فهلا استمعت إلينا؟ قال: إني مستمع إليك لعلي بذلك أصل معكم إلى حل يحفظ لي ولكم أوقاتنا ومصالحنا. قال أرشدهم: إن أباك يدعوك إلى أن تسمع من رجال الدين كلمة الحق، وهم -لابد- أقدر منا على تبيان أوجه الضلال الذي أوقعك فيه خصوم ديننا. قال الطبيب الشاب: ما أوقعني أحد في ضلال، فافهموا عني هذا، وإنما هداني رب العالمين. قال قائل منهم: إن كنت مؤمناً بفعلتك هذه عن بينة وحجة فماذا عليك لو أنك واجهت علماءنا؟ قال: لكم ما تريدون. فسألوه عن المهلة فقال: أي موعد تريدون؟ قالوا: ارجع معنا الآن إلى دارك وهناك نضرب مع أبيك الموعد ليكون برضاه وفي حضوره. وبعد كثير من الترفق والمحاورة الطويلة انتهى الأمر إلى أنه عزم على الذهاب إلى بيت أبيه، وقبل أن يذهب إلى بيت أبيه توجه إلى الشيخ محمد رشيد رضا -وكان يختلف إلى مجلسه من وقت لآخر- وقص عليه جملة الخبر، فبين له الشيخ ما غاب عنه، وأيده بالأدلة من الكتب القديمة بوجه خاص، كـ (إظهار الحق) و (مقامع الصلبان) وشروح أهل الكتاب، وزوده بالأسئلة المضادة، وكيف يرد على شبهاتهم، وغير ذلك من القضايا التي فاتته في مناقشاته. وذهب في الموعد إلى دار أبيه، وقد أنفق أبوه بسخاء لإنقاذ ولده الأكبر مما هو فيه، وليمنعه مما هو مقدم عليه، لكنه نفد صبره وهو يرى ابنه يأتي إلى المسكن ليلاً، فلما وصل إلى بيت أبيه بدأت الجلسة هادئة، والكل ينصت لما يدور من قرع الحجة بالحجة، والنصوص حاضرة تتلى من مراجعها على مسمع من الجميع، ولم يعد كبير مجال للتهوين من تصرف الطبيب الشاب على أنه رأي فرد ضال، كما لم يبق مجال للقول بأنه قد وقع تحت عامل الإغراء الذي ربما أحاطه رفاقه به، وأدرك الحاضرون أن الأمر في غاية الجد، فشددوا هجومهم، لكنهم وجدوا لكل سؤالٍ جواباً، ثم وجهت لهم منه أسئلة مضادة استشعروا وهم يجيبون عنها أن ألسنتهم كانت تلوك العبارات في غير وعي ولا تعقل. وكانت المناقشة من أقوى المناظرات في نقض عقائد النصارى، وهي طويلة إلى حدٍ بعيد، وتعكس مدى تعمقه في تلك الفترة في دراسة العقائد النصرانية وأيضاً في دراسة الإسلام؛ لأنه تكلم -في الحقيقة- كلاماً مفصلاً جداً، وألجمهم، حتى إنهم ما استطاعوا أن يردوا عليه بكلمة واحدة! فدار الحديث عن التجسد، وعن الأقانيم الثلاثة، وموضوع البنوة، وجرأتهم على الأنبياء، ودعوى أبوّة الجسد لـ يوسف النجار، وموضوع الصلب وأصله الوثني، والقيامة، ثم الكلام عن الإسلام، وحقيقة الوحي، وحقيقة القرآن، وحيرة أهل الكتاب من إعجاز القرآن إلى غير ذلك من المسائل، وكان يسرد الكلام بأسانيد علمية في غاية القوة، فأنهوا الجلسة واتفقوا على أن يخرجوا بقرار أن الجلسة القادمة يحشدون له فيها فريقاً من أكبر علمائهم حتى يناظروه في جلسة تالية. وقد بلغ من تأثير الطبيب عليهم أن باتت عندهم القضايا التي كانت يقيناً معلقة! فقد قالوا: هذه القضايا معلقة. أي: لا نستطيع أن نرد عليك فيها. واهتزت النصوص التي طالما حفظوها على شفاههم، وعادت أسئلتهم من عنده بغير معنى، وأيقنوا أن اللجنة قد عجزت، فماذا كان الجواب؟! أعلنوا في هذه الجلسة على الجميع أن عبده ابن الخواجه إبراهيم عبد الملك من أسرة كذا التابعة لكنيسة كذا قد حلّت عليه اللعنة الأبدية لهذه الكنيسة ما لم يرجع إلى رحمة أبينا يسوع المسيح مخلّصنا وراعينا، وأن الكنيسة -رحمةً به وحنواً على أبيه المسكين- قد منحته فرصة العودة إلى دين آبائه وأجداده بالحضور يوم الأحد في ذات المكان أمام عدد من الآباء لنصحه وهدايته. ثم بدأوا يسألون أباهم وإلاههم يسوع المسيح أن يكتب له العودة إلى حضيرة رحمته، وأن لا يصير من الفرق الضالة مؤمنين على هذا الطلب بعد ذلك. وكان بعض الحاضرين من النصارى متشوقين إلى استمرار الجلسة لشدة تعطشهم إلى سماع إجاباته، والاستفادة والاستزادة من علمه؛ لأنهم سمعوا لأول مرة فكراً جديداً ونقاشاً فريداً ودفاعاً عنيداً جعلهم في شوق إلى معرفة نتيجة محددة، خاصةً لمّا رأوا أن القساوسة قد عجزوا أمام هذا الفرد الذي تخلف عن السير في موكب آبائه وأجداده، فهاجوا وماجوا وتدافعوا وتصايحوا، لكن كبير الجلسة نصحهم بالهدوء حتى لا يشرد منهم هذا الخروف الضال! ووعدهم بأن يوم الأحد قريب، وأنه جمع للمباهلة فُحُول علماء أهل الكتاب والمفسرين وكبراء التبشيريين، فهدأت ثائرتهم، ولكن إلى حين! وجاء يوم الأحد الموعود، واحتشد الأهل والأقارب وكل من يهمه الأمر ليرى هزيمة هذا الطبيب الذي انخدع وصبأ عن دينه الحق إلى المسلمين، وهم يهددونه ويتوعدونه لئن لم ينته عما هو مقدم عليه ليمزقنه إرباً وليصيرنه عدماً، وأن هذه هي الفرصة الأخيرة له ليرجع إلى دين يسوع المسيح. انبرى كبير القساوسة في الجلسة وهو يتطاول في كرسيه على الحاضرين بما حفظه ولقنه قديماً في الكنيسة في الكلم، فقال كلاماً شركياً نطهر أقلامنا وألسنتنا عن حكايته. لكن الطبيب عبده ردّ عليه بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم إله واحد فرد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفؤاً أحد، سلام على المهتدين، والحمد لله رب العالمين، فضّل المسلمين بالإيمان على جميع الأجناس، وجعلهم خير أمة أخرجت للناس، أُوحّد الله بموجبات توحيده، وأمجده سبحانه حق تمجيده، وأؤمن به وبملائكته وكتبه ورسله، لا نفرق بين أحد من رسله، ولا أشرك بعبادته سبحانه أحداً، وأصلي وأسلم على من جاء بالهدى، خالص أصفيائه وخاتم رسله وأنبيائه، سيد ولد آدم، بعثه ربه في الأميين ليخرج البشر من الظلمات إلى النور، ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين. ﷺ من نبي كريم على خلق عظيم، بعثه الله على فترة من الرسل موضحاً للسبل، داعياً إلى خير الملل: ملة إبراهيم: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة:١٣٠]، ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران:٦٧]، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥]. فرد عليه أحد القساوسة بقوله: عجيب أمرك أيها الفتى الضال، وعجيب أمر أصحابك الذين أضلوك عن كتابك ولقنوك من الكلام ما قد سمعناه منك الآن حتى صرت أشد منهم حماساً لدينهم، وأحفظ منهم لآيات كتابهم، فأصبحنا نراك قد نسيت دينك ودين آبائك، وهو الدين الذي عليه نشأت وترعرعت، فربَّ عقلك، وأصلح فساد نفسك! فرد عليه عبده: واللهِ الفرد الصمدِ الواحدِ الأحدِ ما أضلني ولا أغواني منهم أحد، وإنما هداني إليه ربي، وساقني إليه فطرتي، واختاره لي صحيح عقلي، ودلني عليه عافية نفسي، فرأيت فيه ما لم أر في غيره من الشرائع والأديان من النور والهدى والحق والصدق، فتمسكت به ولزمته؛ لأني وجدت فيه تمام عقلي، وصلاح أمري، ومنطلق فكري، وشفاء روحي، وجواباً راجحاً لكل سؤالي، فليس هذا الدين كدينكم الذي يمجد الفقر، ويسوّغ الذل، ويورث العقل الخلل، ويحيل المرشد سفيهاً والمحسن مسيئاً؛ لأن من كان في أصل عقيدته التي نشأ عليها الإساءة إلى الخالق، والنيل منه بوصفه بغير صفاته الحسنى فأولى به أن يستحل الإساءة إلى المخلوق، فكيف أترك ما هداني الله إليه من الكمال والنعمة بعدما بدا لي من جهلكم وتحريفكم لدينكم؟! ولست مجادلكم إلا بالتي هي أحسن، فما في الإسلام حض على مخاصمتكم ومعاداتكم، بل هو أرحم عليكم وأحنى حتى من دينكم لكم: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران:٦٤]. فصاح أحدهم: بل نقرعك الحجة بالحجة، فإن كانت لنا الغلبة عدت إلى دين الخلاص، وإلا تركناك تتخبط فيما مسّك من جنون، فتكون من الخاسرين الذين تصيبهم لعنة الرب إلهنا يسوع! قال الطبيب الشاب: قد قبلت التحدي، ووالله إن ضلالاتكم قد سارت مسير الشمس، وبواطلها قد لاحت لعيون الجن والإنس، فوالله لا يخذلني الله أمامكم، وأنتم قوم غيّرتم فغيّر بكم، وأطعتم جهالاً من ملوككم فخلطوا عليكم في الأدعية، فقصدتم البشر بالتعظيم بما هو للخالق وحده، فكنتم في ذلك كمن مدح القلم ولم يمدح الكاتب، على حين أن حركة القلم لا تكون بغير الكاتب، وهأنذا على قصور سني وقلّة مطالعتي أقبل منازلتكم، فهاتوا برهانكم إن كنتم صادقين. ودارت بينهم مناظرة لا نستطيع ذكر تفاصيلها؛ لأنها طويلة، وكانت في غاية الإمتاع، وهي من أقوى ما يمكن مدارسته في تحطيم النصرانية حجراً حجراً بحيث لا تقوم لها قائمة أبداً؛ لأنه ما ترك أي قضية إلا تكلم فيها بمنتهى القوة، وبالحجة الناصعة، مع أنهم في كل مرة كانوا يستعينون بقساوسة جدد، وهو يناظرهم بمفرده فيغلبهم! وبعدما أحرجهم جداً قال لهم: فماذا أقول لكم وقد ضللتم واهتديت، وكذبتم وصدقت، ودعوتم علي ودعوت لكم، وأهنتم محمداً ﷺ وعظمتُ عيسى علي

стр. 1254

من هو عيسى عبده؟ [٢] لاشك أن من منّ الله عليه بالهداية وعرف الطريق المستقيم، فإنه سيعيش في سعادة عظيمة؛ لأن الإسلام إذا خالطت بشاشته القلوب أصبح الإنسان يسير في هذه الحياة على نور من ربه، فيرى الأشياء بعين البصيرة، ويحفظ الله له ذريته من بعد موته، ويوفقهم للهدى والصلاح، وفي القصة التي بين أيدينا مثال عظيم على ذلك.

стр. 1255

قصة زواج الدكتور عبده وما صاحبها من أحداث نظر الطبيب الشاب فيمن حوله باحثاً عن مجتمع يعوضه عن أسرته التي لم تهتد فإذا النصارى يحيطونه بنظرات الحقد والمرارة، وإذا المسلمون يترقبونه في حيطة وحذر، فرغب في البعد عن الناس طلباً للهدوء ولمزيد من الاطلاع، فلم يجد خيراً من أن تكون خدمته الوظيفية في السجون حتى يبتعد عن الناس، فالمسلمون يشكون فيه وينظرون إليه بحذر، والنصارى يؤذونه. فبدأ حياته الوظيفية سنة (١٩٠٥م) طبيباً في بعض السجون بمديرية الجيزة، وتهيأ له -بعد ذلك- البعد عن مجتمعه السابق من جهة وقربه من القاهرة من جهة أخرى، فكان يقضي ساعات العمل بمكتبه في مستشفى السجن، وكانت له دار ملحقة بالمبنى ذاته، وحول هذه الدار حديقة صغيرة. وعاش حياة طيبة بين وعظ السجن وبين السجناء، وكان يتعايش معهم، لكنه كان في وحشة شديدة في دخيلة نفسه، فأشار إلى زميله صدقي أنه يريد أن يستقر في دار وأسرة، فإن رزقه الله بزوجة صالحه فإن حديقة السجن ستكون في تقديره جنة نعيم. ومن أجل إتمام هذا الأمر وكل أصحابه ليخطبوا له على أساس شروط معينة، فأخلفوا الشروط وظنوا أن الأمر سيمر، فأعلنوا الخطبة، وحدد موعد العقد والزفاف على أن يكون بعد أيام قليلة، فلما دخل الرجل لينظر إلى مخطوبته نفر منها جداً، وغضب وانصرف عنها، فكان هذا الأمر قاسياً على أسرة هذه الخطيبة، وبالتالي بدأت تنتشر الإشاعات الخطيرة جداً حوله كردّة فعل، ومعلوم ما في مجتمعاتنا من سهولة ثوران هذه الشائعات، فأشاعت أسرة الخطيبة أنها قد اكتشفت أن عبده كافر متلاعب! وهذه من العبر التي ينبغي تأملها، حيث يظهر لنا صدق الإيمان من رجل تحمل الأذى من جميع الأطراف، بما فيها المسلمون، حيث إن بعض المسلمين آذوه أذىً شديداً كما سيأتي. وانتشر ما أشاعته هذه الأسرة من أن عبده كافر متلاعب، وأن له زوجة وأولاداً من دينه الأصلي، وقد اكتشفوا ذلك وغيره مما لا ينبغي ذكره كما يزعمون، ولذلك رفضوه وطردوه، وتناقلت الأسر فيما بينها هذه القصص والشائعات، وكل من يسمعها يحكيها بأسلوب جديد غريب بعد أن يضيف إليها ما ينسبه إلى نفسه من أنه رأى وعاين وتأكد وكان أول من اكتشف ذلك بذكائه! إلى غير ذلك مما يظن الرواة أنه يزيد القصة عجباً وإثارةً. فاستفحلت المشكلة، وحصل لـ صدقي وعبده إساءة شديدة جداً لسمعتهما في الحي وفي المنطقة من الأهل والجيران، وتناهت الأخبار المشبوهة المزيفة إلى شيوخ الحي وأفاضل سكانهم، وكان من هؤلاء الشيوخ البارزين والرجال المعروفين الشيخ عبد الحميد مصطفى، وكان قد درس العلم في الأزهر الشريف حتى خيف على بصره من شدة طلب العلم، فتوقف عن الدراسة بأمر الأطباء، واشتغل بمقاولات المباني فلقي في عمله توفيقاً، وقد اشتهر في حياته الخاصة بين أهل الحي بكرمه وكرامته والصدق في معاملته، وحسن عشرته للناس، وقد وصلته الأخبار المشوهة والشائعات السيئة، فاعتبرها عبثاً من شباب غير مسئول، وعدّها استهانةً من صدقي وصاحبه بكرامة أسرة محافظة تعرضت سمعة فتاتها للقيل والقال، وقد حصل الضرر بسببهما على الأطراف كلها، وأنه يجب أن يحاسب هذا المتلاعب وصاحبه على ما اقترفاه في حق الفتاة وفي حق أسرتها. فأراد الشيخ أن يأخذ موعداً معهما لحل هذه المشكلة، فكان كلما حاول مقابلتهما كانا يمعنان في الهرب من الشيخ، إلى أن تمكن الشيخ من مقابلة صدقي، فلم يبق له مفر من المواجهة والحساب، فأمسك الشيخ بيد الطبيب صدقي واقتاده إلى مكان معروف جلس فيه معه لتصفية الحساب. ثم قال له: كيف سمحت لنفسك ولزوجك أن تفعلا ما فعلتما وأنت الآن طبيب مؤتمن على خصائص الناس، بل إنك ربما عرفت -بحكم تخصصك- من أسرار الناس ما لا يعرفه غيرك؟ فأي جناية هذه يا بني؟ وأي خطأ ارتكبته في حق أهلك وجيرانك من أجل صداقتك لهذا الكافر المارق؟! فما كان من صدقي إلا أن صبر على هذا حيث كان يحترم الشيخ لسنّه ولمكانته وصداقته لأسرته، ثم قال له: عفواً سيدي الشيخ، فهلا سمعت القصة كما وقعت فشهدت لي بالبراءة مما أثاروا حولي وحول زوجتي وحول صاحبي، وحسبي عقاباً لي على وساطتي ما وقع علي من ظلم في شائعاتهم. قال الشيخ عبد الحميد: أجل أسمع منك، على أن لا تقول غير الحق، ولا تنطق بغير الصدق، وأنا أحذرك يا صدقي من محاولة خداعي، فلست بالخبّ ولا الخبّ يخدعني. قال: بل أصدقك القول يا عم، وكل ما أرجوه منك أن توسع لي صدرك حتى أتم حديثي، فنحن لم نجرب منك إلا العدل. وشرح له القصة بالتفصيل الشديد. ثم قال له الشيخ: ما اسم صديقك؟ قال: اسمه عبده إبراهيم. قال: وما كان اسمه قبل أن يعلن إسلامه؟ قال: عبده إبراهيم عبد الملك. قال: أفلا يتخذ له اسماً جديداً يدل على فضل الله عليه أن هداه إلى الإسلام؟ حيث إن العادة أن النصراني إذا أسلم يغير اسمه، ويختار اسماً واضحاً في دين الإسلام، وهذه نظرة من نظرات عبده الخاصة، وهو سر سيتضح فيما بعد حيث إنه أصر على اسم عبده ولم يوافق على تغيير هذا الاسم. قال صدقي: لقد نصحه بعض المحبين له -وأنا منهم- أن يتخذ له اسماً شاهداً على إسلامه، فاعتذر لنا بأن الإيمان الحق إنما يستقر في القلوب وتصدقه الأعمال، فهو لا يرى الإسلام أسماء ولا لافتات أو دعايات. فقال له الشيخ: أريدك أن تأتيني بصديقك في الغد. فلما أتاه به في موعد اللقاء حصل تعارف رائع أعقبته مقابلات كثيرة، وكان يدور الحوار بين الشيخ عبد الحميد وعبده إبراهيم في كل مرة، وتنوعت الأحاديث والمناقشات والأبحاث العلمية، وكان الشيخ عبد الحميد في كل مرة يكتشف فيه صفات جديدة من الصفات الطيبة. فزاد التلطف من الشيخ والمحبة الوثيقة والمودة بينه وبينهما، إلى أن كان الشيخ يثني عليه ثناء عطراً أمام صديقه صدقي هذا، وقد لفت نظر صدقي أمر معين، وهو ما يحيطه الشيخ بصديقه من المودة والمحبة، فقال له: إني أراك قادراً على كسب ثقة الشيخ ومحبته كواحد من أولاده، ولئن كنت وصلت إلى هذا الحد من المودة والثقة فإني لأرى لمشكلتك الكبيرة أحسن الحلول. فضاق عبده بهذه الإشارات البعيدة، وقال لصاحبه: ترى كم من الوقت أضعنا في تأملاتك وفي الفروض والاحتمالات التي تلمح إليها، فأرجوك أن تفصح عما تريد أن تقوله. فقال: إن للشيخ ابنة في سن الزواج، وهي كالتي طلبت في شروطك، ولئن قدر الله لك أن تحافظ على مودته واحترامه لك على نحو ما أرى في لقاءاتنا الأخيرة فإنه لا يرفضك خاطباً فيما أظن. فقال له: ما أراك إلا قد جننت! أي أمل هذا الذي يراودك؟! وعلى أي أساس يجوز لي أن أفاتح رجلاً فاضلاً كهذا في أمر المصاهرة له؟! فانتهى الأمر إلى أنه تقدم خاطباً، فوافق الشيخ، وبدأت في حياته وحياة الشيخ صعاب ما كان لها حساب عندهما. حيث أشاع الناس بأن القسيس الذي سحر من أسرة كذا -هي أسرة المخطوبة الأولى- قد أوقع الشيخ عبد الحميد في حبائل سحره هذه المرة، فحصل منه على وعدٍ بالمصاهرة، وكان لرب الأسرة في هذا الوقت هيبة عالية، ولكن زوجة الشيخ ثارت عليه ثورة عارمة، فتركت له البيت وانطلقت إلى أهلها غاضبة، واجتمعت الأسرة بأصولها وفروعها، وألح الجميع على الشيخ أن يراجع نفسه فيما صدر عنه من وعد بالقبول، فبدأت الشائعات تسري من جديد، وتوافد الخاطبون ومعهم الشفعاء لإنقاذ الموقف بتعطيل هذه المصاهرة غير المتكافئة وضاق الشيخ ذرعاً، فعجل بعقد القران والزفاف جميعاً، فتم ذلك في ليلة أحاط بها الغموض والترقب، وساعد على حصول المناسبة أن عبده حضر منفرداً إلا من صاحبيه، ولم يحضر معه إلا صاحباه. وكانت زوجة الشيخ -أم العروس- قد قاطعت العرس، وجاملها أهلها فلم يحضر منهم أحد، والشيخ حازم فيما قرره، ماضٍ فيما عزم عليه، واتهم الناس الشيخ في عقله، إذ كيف يسقط هذه السقطة وهو من هو في رجحان العقل ونور البصيرة؟! لكن الهدوء المشوب بالقلق ما لبث أن عاد للحي بعدما تبين أن الشيخ قد أنفذ وعده ووفى بعهده وزوج ابنته للطبيب الشاب عبده إبراهيم، بل إن الناس كادوا ينسون ما حدث بعد سفر الزوجين إلى مقر عمل الطبيب حيث مسكنهما، وكاد الناس أن ينسوا موضوع الزواج.

стр. 1256

مولد عيسى عبده وردود الأفعال حول تسميته بهذا الاسم بعد سنة من زواج الطبيب عبده آن أوان الحمل -كما هو معروف- وعادت بنت الشيخ إلى بيت أمها لتقوم بخدمتها في وضع الولادة، فولدت المولود الأول، وما كاد اليوم الثاني ينتصف حتى حضر الطبيب الشاب، وأقبل على زوجته يهنئها بسلامتها، وقد جلب لها من الهدايا كل جميل، وأحضر لمولوده من اللعب والملابس كل نفيس رائع، ومضى ليسجل في سجلات الحكومة واقعة ميلاد ولده الأول، ثم ما لبث أن عاد وفي يده شهادة ميلاد ابنه عيسى، وأقبل على زوجته يرشدها -كونه طبيباً- إلى ما ينبغي عليها عمله من الاحتياطات، ثم استأذنها بعد أن اطمأن عليها وعلى ولده، وانطلق إلى عمله بسرعة، وجاء الشيخ ليطمئن على ابنته وولدها، فأخبرته بحضور عبده ثم انصرافه بعدما أثبت اسم الوليد بالسجلات، وسألها أبوها في فرحة: فماذا اختار لابنه من الأسماء؟ فأجابته ابنته دون وعي: عيسى. لكنها رأت من أبيها أمراً عجباً، إذ ما لبث حين سمع الاسم أن ضرب كفاً بكف، وقد تغير لونه، وتقطب جبينه، وظهر الغضب الشديد عليه، وهو يقول: عيسى عيسى! واعجباً لهذا الرجل! أو لم يجد في كل الأسماء التي خلقها الله اسماً جديراً بهذا المخلوق إلا هذا الاسم؟! أستغفر الله العظيم، أستغفر الله العظيم، أستغفر الله العظيم. وانصرف من عند ابنته وهو يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله. وأحسّت ابنته أن امراً عظيماً قد حدث، كأن خطأً لا يمكن إصلاحه قد وقع، فما هكذا رأت أباها على طول ما عاشت معه ورأت منه، وباتت فريسة لأفكارها وهواجسها، أما الشيخ فقد اعتكف في داره أياماً لا يرى فيها أحداً. وأما زوجته فقد كانت تغالب دموعها، فقد تحقق للجميع أخيراً ظنها بهذا الطبيب وألاعيبه، وكانت إذا همت بالدخول على ابنتها كفكفت دموعها حتى لا تفجع ابنتها بما أسلمها أبوها له من مصير، وما جناه عليها بعناده وغفلته وانخداعه بأساليب هذا الطبيب الذي سحره. وفي اليوم السابع أضيئت الشموع ذراً للرماد في العيون، وتمويهاً على الأم البائسة التي ارتبطت بزوج قيل: إنه أسلم -بل وحسن إسلامه- فإذا به يعلن -في غير حياء ولا مواربة- أنه ما زال مخلصاً لماضيه ولدينه القديم! وإلا فبم يفسر اختياره اسم عيسى لولده؟! ولم يكد اليوم السابع ينقضي حتى غرقت أسرة الشيخ في موجة من الهم والحزن فوق الذي كان قد تجمع لها من قبل؛ حيث إن أقارب الطبيب عبده لما سمعوا أنه سمى ابنه عيسى أرسلوا وفداً ليهنئوه، وطمعوا بأنه سيعود إلى النصرانية، حيث إن تسميته لولده عيسى علامة على بقائه على دين النصرانية، فجاء أخوه بشير من حي الظاهر ليهنئ زوجة أخيه بمولودها الأول عيسى، ولم يكن بين أسرة الشيخ وأسرة الطبيب من قبل سابق ودّ ولا تعارف، فكانت لهذه التهنئة منهم معانٍ غير خافية عليه، لكن الشيخ تماسك وتصنع الثبات تصنعاً، حتى كان الغد، فخرج من الفجر ليلحق بالطبيب عبده في داره قبل أن يغادرها إلى العمل، فله معه شأن. وحين فتح الطبيب باب داره للشيخ فوجئ به يغلق الباب في عنف خلفه وهو يمسك بتلابيبه ويقول له: ما هذا الذي فعلت بابنتي أيها الزنديق؟! والله لا أفلتك من يدي حتى أعلم حقيقتك، لقد سكتنا على التزامك اسمك رغم اعتناقك الإسلام، وكان يجب أن تغيره إلى ما يدل على إسلامك، ولقد أحسنا الظن بك وبما سقته من حجج كانت تبدو لنا صادقة يوم نطقت بها، أما وقد انكشف أمرك الآن بتسمية ولدك عيسى فاعلم أن اختيارك لولدك هذا الاسم له من المعاني ما لا يخفى على أحد، ولقد كنت أعالج نفسي بالتصبر حتى ألقاك، إلى أن جاءنا بشير من عند أبيك يحمل التهاني التي تنطوي على سخرية أبيك بعقولنا وشماتته لمصير ابنتي المسكينة التي جنيتُ عليها حين قبلتُ زواجك بها، فتكلم بالحق وإلا قتلتك شر قتلة. ورأى الطبيب أن الشيخ يهدر غاضباً، والدماء تندفع من صدره إلى جبينه حمراء قانية، والشرر يتطاير من عينيه، ويشير إلى ما بداخله من غليان براكين الثورة. فبقي بين يدي الشيخ هادئاً ساكناً حتى يسكن غضبه، لكن حالة الشيخ كانت تنذر بأنه قد أضمر أمراً خطيراً، وأنه قد يرتكب جرماً وحشياً تحت وطأة إحساسه بخيبة الرجاء، إذ كان يبدو عليه أنه استنفد من الجهد ما أضناه، وأنه سيتصرف مع الطبيب تصرف اليائس منه. فناظره الطبيب قائلاً: يا عم! اقسم لك أن الأمر كما علمته من حسن إسلامي، ولقد أكرمتني بإحسانك إلي إذ ارتضيت مصاهرتي لك، فكيف تصورت في نفسك ما نطق به لسانك الآن؟! وهل تظن أن ما جرى لي بسبب إسلامي وملاحقة أهلي لي بالتهديد والويلات والأذى وطردهم لي من دار أبي وهجري لأهلي ولجوئي إلى الحق والهدى كان كله تمثيلاً وعبثاً؟! وهل قدمت لي منذ عرفتك إلا الخير والعون والحب؟! فكيف تظنني أسيء إليك أو أجني على ابنتك؟! وإذا كان ذلك مما كان يجوز لي وأنا على غير الحق فكيف أستجيزه لنفسي وقد عرفت الله ورسوله والقرآن؟! يا عم! إن كنت أردت بعدما قلته لك -والله على ما أقول شهيد- أن تبيدني فهأنذا بين يديك، ما تغيرت عن الإسلام ولا استبدلت، فأنت صهري وعمي وأبي وأهلي، وليس لي الآن من الناس بعد ولدي من هو أقرب إلي منك، ستجدني طوع أمرك فيما تظنه صواباً، وسأقبل حكمك أياً كان. فهلا منحتني بعض ما قد يكون بقي عندك من صبر لعلي أحدثك بما عندي من حكمة اختيار اسم عيسى لولدي؟ وكانت لهجة الطبيب هادئة رغم ما صبّه عليه صهره من لوم وتقريع، ورغم شناعة الصورة التي رسمها صهره من فزع أحاط الأسرة، وأحداث جسام توشك أن تعصف بالجميع. قال له: تكلم وقل ما عندك، ولا تخف عني شيئاً، ولتعلم أنك قد ألقيتني في الجحيم جزاء صنيع المعروف معك. فابتسم الطبيب وهو يقول: كأنك لا تريدني -يا عم- أن أتكلم. قال: بل هأنذا مصغٍ إليك واعٍ لما ستقول، والله وحده يعينني على ما أنا فيه. قال الطبيب الناشئ: إن بيني وبين ربي عهداً لا يعلمه إلا هو، وإني أسير على الدرب لا أحيد، وما وجدت من ربي إلا الفضل يتلوه الفضل، وفي ظني -والعلم عند الله جل شأنه- أن هذا الحادث الذي أفزعكم حتى آذيتموني هو أكبر نعمة منّ بها الله علي بعد نعمة الإسلام. فتمتم الشيخ في صوت حزين: تقول: أكبر نعمة؟! اللهم! إنك أنت السلام، ومنك السلام، اللهم! أفرغ علينا صبراً من عندك، فلا حول ولا قوة إلا بك. عاد الطبيب يقول: نعم. قد يكون هذا التتابع في الأحداث بشيراً لي بأن الله قد استجاب دعائي، فله الحمد في الأولى والآخرة. ثم استطرد يقول: إنني حين تمسكت لنفسي بعد إسلامي باسمي الذي كان قد اختاره لي أبي -فهو كما تعلم- عبده - تعلق رجائي بأن يمتد بي الأجل حتى أكون كفؤاً لزوجة صالحة من بيت طيب، وأن أرزق منها مولوداً يكون أول أبنائي، وأن أدعوه عيسى، وها قد تحقق الرجاء بفضل من الله ونعمة. فقاطعه الشيخ محتداً: وأي فضل تريدني أن أراه فيما ذكرت؟! فارتفع صوت الطبيب الشاب في نبرة من الغضب وقال: يا سيدي! صبراً، فما أتممت كلامي بعد. واستطرد يقول: إلى هنا وأنت ترى أن الأمور التي وقعت لا تستوقف نظرك، ولا تثير فيك عجباً، أما أنا فقد رأيت هذه الأمور قبل أن تقع آمالاً ترتفع يداي في كل لحظة بسببها إلى السماء بالدعاء، آمالاً سهرت من أجلها الليالي الحالكة التي أحاطت بي لبضع سنوات مضت، وإن الله الذي أنعم علي بهذا كله لأكرم من أن يرد ما بقي لي من رجاء عنده. قال الشيخ: وما هذا الرجاء؟ قال الطبيب: إنه -إن شئت- رجاء، وإنه -إن شئت- عهد وميثاق إذا نحن أمعنا النظر، فلقد كنت عاهدت ربي إن هو رزقني بصبي لأحرصن على تنشئته تنشئة صالحة، ولأدعون له بطول العمر، وبالتوفيق لما فيه رضاء الله، بأن يكون له في حياته -ومن بعد مماته- أحسن الذكر على ألسنة العباد. وهذا ما وقع، فإن فضيلة الدكتور عيسى عبده ﵀ كان من الناس العظماء في الاقتصاد الإسلامي كما هو معلوم، وكان من الناس الذين غذوا الصحوة ورووا جذورها في بدايتها. فضاق الشيخ ذرعاً باستطراد هذا الطبيب الحدث في سرد أحلامه، فقاطعه قائلاً: وأي والد لا يرجو لولده مثل ما رجوت لولدك؟! وأية صلة بين هذا الرجاء وذلك الميثاق وبين اختيار اسم المسيح عيسى ابن مريم ليكون علماً على ولدك الذي تريد له الخير فيما تقول؟! قال: يا عم! إني لا أحصي ثناءً على ربي، ولا أقدر على حمده جزاء ما أنعم به علي، ولذلك جعلت من وجود هذا الولد شهادة تنبض بالحياة -ما بقيت له الحياة- بأن عيسى عبده يعني: عيسى ليس هو الله، وإنما عيسى عبده، فكلما ذُكر اسمه يقال: عيسى عبده، أي: ليس عيسى هو الله، لكنه عبد الله، وما هو بولده، ولا هو الإله -تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً-، فكل ما ذكره الناس غائباً أو حاضراً، حياً أو ميتاً كان ذكرهم هذا شهادة مني بين يدي الله بأن عيسى عبده! ولقد استجاب ربي لأول الدعاء، وها هو المخلوق الصغير حقيقة ماثلةً بين يدي، وشهادة مني بما آمنت به، وإن الذي أسبغ علي هذه النعمة الكبرى لقادر على أن يمد في أجله، وأن يهديه سواء السبيل حتى يكون أهلاً لحمل هذه الشهادة التي فرقت في حياتي الخاصة بين ضلال كنت فيه وهداية أرجو أن تزيد. ثم قال: يا عم! لا ندري أيكون هذا الصبي صالحاً أم غير صالح؟ ولا ندري هل كتب له من طول العمر أم لا؟ ولكني أعلم من الله أنه ما خذلني ولا أسلمني لأمر لا أحبه منذ سَرَت في أطرافي قطرات الماء عند الوضوء أول مرة، وأنا بعد صبي لا أميز بين عقيدة وأخرى، وقد دعوت الله أن يرزقني ولداً ثانياً يكون اسمه محمداً حتى يحمل اسم محمد رسول الله ﷺ . فذهب الغضب عن الشيخ، وتبدل القلق إلى رجاء واطمئنان، ثم قال له: يا عم! إذا فرغت من الشهادة التي أرجو أن تكون شفيعة لي عند الواحد الأحد -وهو يقصد بالشهادة عيسى عبده - وفيها توحيد العبادة لربي فهل هناك من اسم يذكر بعد شهادة أن لا إله إلا الله سوى

стр. 1257

موقف الطبيب عبده من لجوء والده إليه عند الشدة في يوم من أيام سنة (١٩٠٩م) والأسرة الصغيرة في حياتها الوادعة على مقربة من السجن، والوقت بعد الظهيرة، والحر قائض، والطبيب قد أنهى عمله وعاد إلى داره إذا بأحد مساعديه يصعد الدرج مسرعاً ويقترب منه، ويهمس في أذنه كلاماً هاماً، وبدا على وجه الطبيب أنه لا يصدق ما سمع، ورفع الطبيب صوته متسائلاً: وأين هو الآن؟ قال: إنه يقف بباب الدار. ونزل الطبيب الشاب مسرعاً من فوره، وعاد ومعه ضيف من القاهرة، كان هذا الضيف هو الخواجه إبراهيم والد الطبيب، وقد وصل فجأة بعد قطيعة تامة ومتصلة، منذ كان ولده في مرحلة الامتياز بالقصر العيني، فدخلت الزوجة والمربية والطفلان إلى داخل الدار، وبقي الطبيب ووالده لا يجدان عندهما ما يقال بعد أن كانا قد تبادلا التحية والمجاملة في اقتضاب. قال الطبيب: كيف أنت يا أبي؟ وكيف حال أمي وإخوتي؟ ولما هم الوالد بالجواب احتبست الألفاظ في صدره، واحتمل رأسه بين يديه لحظة، ثم انهارت بقية المقاومة التي كان يعانيها منذ وقت طويل مضى، فانفجر ينتحب كالثكلى، ولم يحاول ابنه أن يمنعه، بل تركه برهة وأخلى له المكان حتى يفرج عن نفسه وهمومه، وأقبل عليه حينما عاوده الهدوء وقال: ماذا بك يا أبي؟ وكيف أمي وإخوتي؟ قال: إنهم بخير نحمد الرب، ولكن أباك هو الذي على حافة الهاوية! قال: هون عليك، وأشركني فيما يئودك حمله لعلي أكون في عونك. قال: لهذا جئت إليك، ولا أخفي عنك أنني ما سعيت إليك إلا بعد أن انسدت الدنيا كلها في وجهي، وكادت الفضيحة أن تحطم حياتي. ثم سكت لحظة عاد بعدها يقول -وقد تهدج صوته من جديد-: يا عبده! إن البيت الذي ولدت فيه ونشأت حتى أتممت معظم دراسة الطب هذا البيت الذي يأوينا ويتسع لأسرتنا كلها سيباع في غدٍ بأبخس الأثمان أمام دائرة البيوع بالمحكمة وفاءً لدين استحق للبنك، وكان الدين صغيراً، ولكن الفوائد ومصاريف التقاضي ضاعفته، وأختك -يا عبده - ابنتي الكبرى سيكون زفافها بعد أسبوع واحد، ولا أعلم كيف أواري فضيحتي المالية وطردي من بيتي عن أصهاري الذين يحسنون بي الظن، ومن أجل ذلك جاءوا للمصاهرة! وأي مصير سيواجه شقيقاتك الأخريات إذا ما خاب زواج الأولى بسبب إعلان إفلاسي؟! فأظلمت الدنيا في وجهي. وخانته قواه فعاد يبكي وينتحب في مرارة شديدة. وسأله ابنه: كم تبلغ القيمة؟ قال: ثمانمائة جنيه والبيت -كما تعلم- يساوي أضعاف هذه القيمة، ولكن جلسات البيع يسودها جو من المناورات والاحتكار البشع، وإن موظفي البنك أنفسهم يحيطون مثل هذه البيوع بإجراءات جهنمية، تكفل لهم توجيه البيوع على هواهم. قال الطبيب: إن هذا لعجيب! أوليست المحاكم تقوم من أجل الحق والعدل؟! فبكى الوالد ثم نظر وقال: بني! إنك تعيش في برجك العاجي بعيداً عما يدور في الأسواق من ظلم وفساد، إن الدَّين الصغير -يا بني- يكفي للإطاحة بثروة كبيرة، خاصة إذا وصل الأمر إلى دائرة البيوع، ومن حول الجلسة زبانية يتسمعون الأخبار ويتعارفون على كل وافد للمزاد. قال الطبيب: لماذا لا ندفع جانباً من الدين ثم نتدبر في أمر الباقي؟ فكأنه شعر أنه لا يريد أن يمد له يد المساعدة فقال: يا بني! يا عبده! قلت لك: إن هذا كله قد فات أوانه، وإني أواجه حكماً بنزع الملكية وفاءً لدين مقداره كذا. وظل يشكو له ما حدث بالتفصيل، وكيف أنه الآن على الهاوية، ثم قال: عفواً يا بني، لقد أفسدت عليك وقت الراحة، والجو شديد الحرارة، ولكن العذر واضح لك، ولي معك كلمة أخيرة أقوله وأنا واثق من أن جميع إخوتك يؤيدونها راضين بها، وأنت يا عبده أولى من الغريب، فتعال معي في جلسة البيوع لتشتري أنت البيت قبل جلسة المزاد لقاء دفع قيمة الحكم كاملة، فلا يضع الغريب يده على دارنا ويسيء إلى أبيك وسائر أفراد أسرتك. ثم قال له والده: ما قصدت شيئاً من ذلك أبداً. وإنما أقول: أنت أولى من الغريب، ثم إنك لن تلقي بأهلك إلى الطريق العام إن قصروا في دفع الإيجار، ثم إن لك أسرة خاصة الآن، ولأولادك حق على مالك، وهذا ما قصدته حين قلت لك: أنت أولى من الغريب، فلا تزدني ألماً، وحسبي ما أنا فيه. قال الطبيب: لا عليك، اصبر يا والدي، وائذن لي بتركك برهة صغيرة. ودخل إلى حجرته الخاصة، ثم عاد يحمل كيساً في يده، ودفعه إلى أبيه وقال: هذه ثمانمائة جنيه ذهباً هي لك يا أبي، فتصرف فيها كيف تشاء. فدهش الوالد من هذا التحول من الجدال إلى الفعل الناجز، وسأل في تكرار: والدار متى تحضر لاتخاذ اجراءات نقل ملكيتها إليك؟ قال: لا حاجة لي بها، بل تبقى داراً لك أنت، فأنت والد الجميع، ومن مركزك في الظاهر وفي الجمالية تستمد الأسرة كلها تقدير الناس، وإني ليسرني أن تبقى محل ثقة الناس واحترامهم. وضع الوالد كيس المال بجواره على الأريكة، وأطرق وهو يقلب عصاه بين يديه، ثم قال في صوت خافت تتجاوب فيه أصداء من الشعور بالخجل والصغار: ماذا صنعت بك وأنا قادر عليك؟! وماذا صنعت معي وأنت قادر علي؟! وتساقط الدمع من عينيه في صمت ذليل حتى رق له قلب ولده فبكى لبكائه، وانصرف الخواجه إبراهيم، ونجا من ضائقة كادت تعصف به، وعاد الطبيب إلى داره بعد فترة قصيرة قضاها في وداع أبيه إلى أن تحرك القطار.

стр. 1258

موقف الزوجة من تصرفات عبده مع والده كان الطبيب منهكاً وهو يعود إلى بيته، وفي الطريق كان يمني نفسه بساعة من النوم العميق، ولكنه أخطأ الحساب وأسرف في الأمل، فما إن دخل داره التي تركها من برهة قصيرة وغادرها وهي هادئة ساكنة حتى صارت مسرحاً لأحداث غريبة تجري سراعاً، فهاهو يرى سيده -المربية- عاكفة على صرة ضخمة من لوازم الدار، وملابس الصغار والكبار، تنسق شيئاً من فوق أشياء، وإلى جوارها صرة أخرى فرغت من شد وثاقها، والصغيران قد وضعا في ثياب الزينة والزيارات، وزوجته تذهب وتجيء في ركن من الدار إلى درج يؤدي للسطح. وكانت الخادمة تأخذ الصرر وتضع فيها المتاع. فظل الطبيب يراقب الحركة في صمت كأنما صام عن الكلام، ولا أحد منهم يتكلم، إلى أن وصل الأمر إلى النهاية، ورفعت الزوجة ابنها الصغير على ذراعها الأيسر وأسندته إلى كتفها، وأمسكت بيد الولد الأكبر، وحملت المربية صرة بعد أخرى -ولم تكن حقائب السفر انتشرت في ذلك الوقت- واستعد الركب للرحيل، وتقدمت الزوجة نحو الباب وهي ثابتة على صمتها، وفي عينيها أثر واضح لدمع تغالبه، وجاءت المربية من خلف سيدتها، والطبيب الذي أجهده عمله طول اليوم ومن بعده لقاؤه المثير بأبيه ساكن في ضيق وصبر، فإن الوقت لم يكن مناسباً لإعلان الغضب. فتقدم إلى مدخل الدار، واعترض سبيل زوجته وهي توشك أن تنصرف، فتوقف وقال: إلى أين؟ ولا جواب! والصغير على كتفها، والمربية تحمل الصرات، والزوج لا يتحول عن مدخل الدار ولا يسمح لزوجته بالخروج، وهذه حال لا يطول الصبر عليها، فسقطت الأحمال التي على رأس سيده المربية إلى أرض الصالة. وتقدمت الزوجة من زوجها قائلةً: ابتعد ولا تعترض طريقي! قال: حتى أعرف إلى أين؟ قالت: كنت واهمةً كما أنت واهم الآن تماماً. قال: كيف؟ قالت: إنما بيننا قد انتهى. قال: وما الأسباب؟! قالت: ما من سبب ولا غضب، يكفي أن تعلم أنك مجنون، وأنا لا أعاشر المجانين. ولم يكن الطبيب قد سمع من زوجته الوديعة المهذبة كلاماً كهذا في أشد الأيام التي مرت بهما، وبدا له أنها في حالة من الثورة النفسية التي لا يؤمل معها نقاش ولا حوار، ولذلك لجأ إلى الحكمة وخلى بينها وبين مدخل الدار، وقبع في زاوية من الأريكة يراقب التطورات، فانفجرت براكين الغضب الكامن في أعماق الزوجة، وأغراها سكون الطبيب فسألته في حدّة: أعرّفك لماذا أنت مجنون؟ إنك تصبح وتمسي ولا تذكر إلا الموت، ولا حديث لك إلا عنه وأنه قريب من الآدمي، وكلما خلوت بي أوصيتني بولديك خيراً إذا سبقت المنية إليك، فكيف -يا ترى- تحقق وصيتك فيهم إن كنت تتلف المال بهذه الطريقة؟ أما علمت أن هذا المال هو حصاد تدبيري طوال سنوات انقضت من عمرك في الوظيفة والمهنة جميعاً؟! ثم سكتت تغالب دمعها حتى ملكها الغضب من جديد فقالت: وإلى من دفعت المال؟ إلى من يحترم أصهارك ويحب ولديك؟! إلى من يؤتمن على تربيتهما من بعدك إذا وافاك الأجل صغيراً كما تقول؟! والطبيب كان دائماً يتوقع أن يموت وهو صغير السن، وقد كان الأمر كذلك، فقد مات عن خمس وثلاثين سنة ﵀. ثم أقبلت على زوجها وجلست في مواجهته وعلا صوتها وهي تقول: لقد نظرت في خزانتنا فما وجدت إلا حفنة من الدراهم، وكل ما عندنا من مال للزمن ذهب به أبوك، فمن أبوك هذا؟! لماذا لم يتذكرك إلا حين أظلمت في عينيه الدنيا وسدّت في وجهه أبواب الخلاص؟! أوليس أبوك هذا هو الذي طردك من الدار ليلاً كما تقول؟! أوليس هو الذي أغرى بك الأهل والكنيسة ليطاردوك ويلاحقوك بالأذى وسوء السمعة؟! أوليس هو الذي قاطعك خمس سنوات أو تزيد، ولا يعنيه شيء من أمرك إلا أن يكون شامتاً فيك أو ساخراً منك أو من أبي الذي آواك وزوجك من ابنته! واستمرت الزوجة تكيل له شديد التقريع والتأنيب في غضبة جامحة، والطبيب يتذرع بالصبر، ويلوذ بالصمت، وعلى حين كانت الزوجة لا تزال ترميه بحمم الغضب كان هو يتفكر في اللقاء الذي تم بينه وبين أبيه، وقد شعر بأن حق الوالد كان مرعياً في هذا اللقاء، ولكن ترى ما حال الحقوق الأخرى التي لزوجته وأولاده عليه؟! وتأمل الطبيب الموقف من جديد وهو يسائل نفسه: ترى هل أصبت في هذا التصرف أم أنني قد أصبت في شيء واحد على حين غابت عني أشياء؟ ثم أسلمته الزوجة للتفكير، وذهبت إلى بيت أبيها وتركته بمفرده. وبعد ثلاثة أيام دخل عليه صهره -الشيخ عبد الحميد - ومعه الأسرة الصغيرة، وسيده تحمل في العودة أضعاف ما حملته عند مغادرة الدار من الصرر، وأقبلت الزوجة وهي تحمل ولدها الصغير وتمسك بيد الكبير إلى حجرة النوم في صمت وخجل، وهي تتجنب النظر إليه، وتختصر في رد المقال عليه، وانسحب النساء والصغار بعد ذلك إلى الداخل، وبقي الشيخ والطبيب يتحادثان. قال الشيخ: ما عرفت على ابنتي أنها كاذبة أبداً، وإني لأحمد الله على ذلك حمداً كثيراً، ولقد قصّت علي كل ما دار بينكما في الأيام الأخيرة، وذكرت لي ما وجهته إليك من أقوال وأفعال ونعوت، وكذا تصرفك معها، ورأت بعد أن سكت عنها الغضب أنها أخطأت من الألف إلى الياء! قال الطبيب: ما أظنها جرأت -يا عم- على أن تنقل إليك ما ألقت به في وجهي من قصائد المديح والثناء. قال الشيخ: إنني لا أستبعد -رغم صدقها- أن تكون قد أخفت أشياء من هذا الأمر حياءً مني حين حست بخطئها، ولكن على أية حال فلقد كان القدر الذي ذكرته لي كافياً لإدانتها والحكم ببراءتك، وما بك الآن حاجة إلى إحصاء المزيد من الحيثيات. وأخذ يذكره بالحقوق والواجبات الأسرية وغير ذلك من الواجبات. ثم قال له الشيخ -بعد هذه المقدمة-: وفي حالتك -يا دكتور عبده - فأنت أدرى الناس بما حدث، ثم إن والدك هذا قاطعك سنوات طويلة ولم يظهر فجأة في حياتك وحياة أولادك إلا ليستدر عطفك عليه وهو في محنة تمس البيت كله، فبأي حق يطلب منك النجدة؟! ولماذا جاء الآن فقط يرجوك أن تنقذ بيته ومستقبل ابنته وهو يعلم أن الدين قد فرق بينه وبينك وأنك لا ترثه هو ولا أمك ولا أحداً من سائر قرابتك، كما أنهم ليس لهم حق الإرث في مالك؟! كان الطبيب مطرقاً برأسه وهو يستمع، ثم رفع رأسه وهو يجيب على هذا التساؤل قائلاً: لقد أحسنتُ إلى أبي -يا عم- بحق الوصية التي فرضها له الملك الديان، وبحق القرآن الذي آمنت به وجعلته سبيلي إلى طاعة خالقي الذي هداني، أوليس قد جاء في القرآن قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [لقمان:١٤ - ١٥]؟! قال الشيخ: بلى، وصدق الله العظيم. قال الطبيب: أوليس قد جاء في كتاب الله الكريم المحكم قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت:٨]؟! قال الشيخ: بلى، وصدق الله العظيم. وساد الصمت بينهما برهة تدبر كل من الرجلين خلالها معاني الآيات الكريمة وأهدافها النبيلة، ثم ما لبث الطبيب أن قال: إن هذه الآيات يتلوها كل مسلم ويؤمن بها كل مهتد، وما في ذلك من ريب، ولكن حدثني بربك -يا عم-، فأنت رجل علم وتجربة، ألست ترى معي أن هذه الآيات تأخذ بناصيتي وبناصية كل عبد هداه الله من بين فئة كبيرة على الضلال. وتذكر الطبيب العناء الذي لاقاه منذ بداية المرحلة الثانوية، ثم قال: لقد جاهداني، وأشهد الله على ذلك، ولعل أبي كان أشد قسوة، لكن أمي كانت تراقبني وتمهد من يراقبني، وتغري بي أبي وإخواني وأخواتي ظناً منها بأن في هذه الملاحقة الخير لي. ويتابع قائلاً: ثم ضربت الأيام بيننا حجاباً من مشاغل الحياة ومن ضيق النفوس بالقيل والقال، وما أظنني على صواب فيما كان من قطيعة؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان:١٥]، فأي معروف هذا وأنا لم أصاحبهما؟! بل كانوا يصرون على قطع ما بيني وبينهما، وأي صنيع سيئ أكون قد صنعت لو أنني تركت أبي يعود من زيارتي ولم أنقذه على حين ظل المال راكداً في خزانتي؟! أتظن -يا عم- أن المال هو الذي يصلح من شأن العيال بعد فقد عائلهم؟ أعتقد أنك تعلم أن الأمر على خلاف ذلك، أما الحق فهو ما أنبأنا به القرآن، حيث يقول سبحانه في سورة الكهف: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف:٨٢]. ثم قال: أولا ترى معي -يا عم- أن مجيء أبي إلى داري -خاصة بعدما سمع بمولد محمد - قد كان من جانبه كركوب أشد الأهوال وأقساها؟ أولا ترى أن مجيئه إلى بيت ولده الذي عرف حقيقة أمره هو نصر لي من عند الله؟! إنني لا أنكر أن التصرف الذي صدر مني قد مس حقوق ولدي وزوجتي، ولكن المبادرة كانت قضاءً لا فكاك منه، ومع ذلك -يا عم- فإننا -إن يكتب الله لنا عمراً- سننظر فيما تأتي به المقادير إن شاء تعالى. قال الطبيب ذلك وقد اعتزم في نفسه أمراً. نهض الشيخ يريد الانصراف بعدما سمع دفاع صهره الطبيب الشاب عن والده، وإذا بابنته تعترضه وتتشبث به لتطيل بقاءه، ورفع الشيخ عصاه في وجه ابنته، لكن الزوج كان قد أسرع إليه وقال: ما هكذا -يا عم- علمتنا أن يكون الإقناع! قال الشيخ لابنته: اسمعي يا هذه: إنك هوجاء لا تعقلين، إنك لا تعرفين قدر هذا الرجل الذي معه تعيشين، فاحمدي الله أن رزقك بمثله، ولتحذري بعد اليوم أي إساءة له أو سوء فهم لراشد تصرفاته، وكان هذا الموقف فاصلاً معي بين عهد لا يخلو من قلق وارتياب وعهد جديد ساده اطمئنان إلى حسن إسلام الطبيب وصدق إيمانه.

стр. 1259

وفاة الطبيب عبده رحمه الله تعالى زاد الطبيب اقتراباً من الأسرة ومن الناس، واتجه إلى الخروج من عزلته التي كان قد ضربها على نفسه وارتاح لها في خدمة السجون، فالتحق بوزارة الصحة، وأنجب ولدين آخرين هما محمود وإبراهيم، حين كان طبيب مركز السابلوين نحو أربعة أعوام. ثم حملت زوجته من جديد، فقال هو: علي أو علية. فكانت علية التي توفي عنها أبوها وهي طفلة عمرها شهران، حين كان طبيباً لمركز من المراكز، وكانت جيوش الحلفاء الكبرى تنتقل في بعض مواقع محافظة الشرقية، وكان قد انتشر بين الجنود وباء التيفود، فانتقلت العدوى إليه أثناء عمله في المخيمات التي يعزل فيها المرضى، وأحس الطبيب الشاب بدنو الأجل، فقد كان ﵀ صالحاً شفاف البصيرة، وكأنما خاف على زوجته وأولاده مما سيلاقونه لو وافته المنية بعيداً عن الأهل. فحزم حقائبه، وأغلق داره وعيادته، واصطحب زوجته وخادمته وأولاده، وشغل ديواناً مستقلاً بالقطار حتى لا تنتقل العدوى منه إلى غيره من الركاب حتى وصل إلى منزل صهره الفاضل الشيخ عبد الحميد مصطفى ﵀، لكن إخلاص صهره وسهر زوجته وصغر سن أولاده ومهارة معالجيه من الأطباء لم تفلح جميعها في تأخير لحظة النهاية، فوافاه أجله المحتوم بعد ستة أيام فقط من مرضه، وكان ذلك بعد مغرب شمس يوم الثامن عشر من يوليو سنة (١٩١٨م)، بعد أن ضرب للبشر مثلاً عالياً في إصراره وشجاعته، وحسن إسلامه وصدق إيمانه. وقد منح ﵀ للبشرية أبناءً نافعين مؤمنين، عاش منهم حتى خلد اسمه وذكره الدكتور عيسى عبده العالم الاقتصادي الإسلامي المعروف، والدكتور المهندس محمد عبده أستاذ الهندسة بجامعات سويسرا، ومن بعدهما أولادهما، نفع الله بهم أمة المسلمين، ورحم الله صاحب هذه القصة ومن أحبه وآواه ونصره، ومن خلف من نسله ونسل أبنائه. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 1260

التوحيد أولاً التوحيد هو أساس الإسلام وأصل أصوله، وهو من الإسلام بمكان الذروة والسنام، ولذلك اتفقت عليه دعوة جميع الرسل ﵈؛ فهو زبدة الرسالات الإلهية وغايتها، وقطب رحاها وعمدتها، وهو يقوم على إفراد الله تعالى بما هو محض حقه من أنواع العبادة وصورها، وإخلاص القصد والإرادة له في أدائها، واعتراف الإنسان على نفسه وعلى غيره من المخلوقات بوجوب العبادة لله في سائر الأقوال والأفعال والنيات.

стр. 1261

توحيد الله هو أساس الإسلام وأصل أصوله ومفتاح دعوة الرسل الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، المتفرد بالإلهية على جميع خلقه، والمختص بنعوت الكمال وصفات الجلال والجمال بلا شبيه ولا مثال، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون، وأمره أن يقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وحتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، وعلى آله وصحبه أهل العدل والتوحيد، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فمن نافلة القول، ومكرور الكلام أن يقال: إن التوحيد هو أساس الإسلام، وإنه أصل أصوله، وإن التوحيد من الإسلام بمكان الذروة والسنام، فذلك أمرٌ اتفقت عليه دعوة الرسل أجمعين من لدُنْ آدم إلى خاتمهم محمد ﵌، فما من الرسل أحد إلا افتتح دعوته بقوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [هود:٥٠]. فالتوحيد هو زبدة الرسالات الإلهية وغايتها، وقطب رحاها وعمدتها، ترتكز كلها عليه، وتستند في وجودها إليه، تبتدئ منه وتنتهي إليه، ولا عجب! فهو يقوم على إفراد الله بما هو محض حقه من أنواع العبادة وصورها، وإخلاص القصد والإرادة له في أدائها، واعتراف الإنسان على نفسه وعلى غيره من المخلوقات بوجوب العبودية لله في سائر الحالات. فالله وحده هو ربهم، ومليكهم، والقاهر فوقهم، والمتصرف فيهم بما يشاء، لا رادّ لحكمه، ولا دافع لقضائه، وهم جميعاً المرذولون المقهورون الفقراء المحدثون الضعفاء، الذين لا غنى لهم عنه طرفة عين، ولا قيام لهم بدونه لحظة من الزمان. فلم يرسل الله نبياً ولا رسولاً إلى قومه إلا وجعل مفتاح دعوته أن يقول لهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [هود:٥٠]، فهذا الأصل هو أصل الأصول في دين الإسلام.

стр. 1262

التوحيد أساس الإسلام ومفتاح دعوة الرسل

стр. 1263

بطلان قول من قال إن أصل الأصول هو تأليف القلوب لقد نشأت في هذا الزمان أفكار كثيرة، واختلفت كثير من الاتجاهات، فانحرف بعض الناس في تحديد أصل الأصول، وأهم المهم من قضايا الإسلام، فرأينا من يقول: إن أصل الأصول هو تأليف القلوب. كما هو معروف عند بعض الجماعات!! فلو قلنا: إن هذا هو أصل الأصول فإنه ينبغي أن يُقدّم على غيره عند التعارض، فمثلاً: إذا رأوا رجلاً يقع في الشرك بالله، أو في الطواف بالقبور، أو غير ذلك من صور الشرك، فيقولون: أصل الأصول هو تأليف القلوب. فنقدم تأليف القلوب على إنكار هذا المنكر حتى لو كان شركاً؛ لكي تتألف القلوب ولا تتفرق!! فإن إثارة هذه القضايا وإنكارها على من يفعلها مما ينافي أصل الأصول. فيبتدعون هذا الأصل، ويتحاكمون إليه بدل أن يتحاكموا إلى أصل الأصول الذي هو توحيد الله .

стр. 1264

بطلان قول من قال إن أصل الأصول هو إقامة الحكومة الإسلامية كذلك وجدنا كثيراً من الدعاة بل والمجاهدين في سبيل هذه الدعوة المباركة قد نشأ لديهم تصور انعكس منهم على قطاع عريض من الشباب المسلم، وقد فهم كثير من الشباب من كلام هؤلاء الدعاة أن أصل الأصول هو: إقامة الحكومة الإسلامية!! فيجعلون إقامة الحكومة الإسلامية هو غاية إرسال الرسل؛ بل إن من الدعاة الكبار وأهل الخير والفضل من جعل في بعض كتبه أن الغاية الأساسية من دعوة الرسل: إقامة الحكم الإسلامي، أو: إقامة الحكومة الإلهية أو الحكومة الإسلامية!! بل ويذهب إلى أن أصل الأصول وغاية الرسل هي إقامة الحكومة الإلهية، فيزعم أن الأنبياء انقسموا: فمنهم من استطاع أن يقيم الحكومة الإسلامية، ونجح في دعوته!! وذكر منهم محمداً ﷺ ، وموسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، ومنهم من لم ينجح في تحقيق أصل الأصول، وهو الحكومة الإسلامية، وربما حاول التمهيد لإحداث انقلاب سياسي في الأمم من بعده!! ويذكر أمثلة كإبراهيم ونوح وغيرهما من الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام. مثل هذا الكلام ينبغي أن يراجع وأن يمحص في ضوء الكتاب والسنة، وأن نبين أين موقع قضية الحاكمية أو قضية السياسة بالنسبة لأصل الأصول الذي هو توحيد الله . الله يقول: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧١ - ١٧٣]، هذا وعد من الله أن كل الأنبياء وأتباعهم منتصرون، فلم ينهزم نبي، ولم يفشل في أن يحقق الهدف الذي بعثه الله به، قال الله : ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ﴾ [الصافات:١٧١ - ١٧٢]، فالله لا يخلف وعده، فلابد أن الأنبياء انتصروا، ولابد أن جند الله غَلَبوا، ولابد أنهم حققوا الهدف الذي بعثهم الله من أجله، وهو أصل الأصول في هذا الدين، حتى نوح ﵇ الذي مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، ويأتي من يّدعي أن نوحاً لم يحقق هدفه من رسالته! وأنه فشل في تحقيق الهدف الأسمى، وهو الحكومة الإسلامية أو الدولة الإلهية! حتى نوح يقول الله حاكياً عنه: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر:١٠]، وانتصر الله له، ونصره على الكافرين، وانتصر نوح، ولا شك في ذلك. فهذا التعبير إنما نشأ عن غلبة الاتجاه السياسي والمفاهيم السياسية، ومحاولة حشرها وإعطائها الحجم الأكبر من قضايا الإسلام، بحيث يكون هو في تصور كثير من الشباب أصل الأصول، وقطب الرحى، وعمود هذا الدين.

стр. 1265

أصل الأصول معلوم في الكتاب والسنة ولا يحتاج إلى اجتهاد لمعرفته أصل الأصول لن نجيب نحن عنه؛ ولكن الذي يملك الحق في تحديد هذا الأصل هو الله ، فإن الله ما خلق هذا الخلق عبثاً؛ بل لحكمة عظيمة بيّنها الله في كتابه المجيد، يقول : ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان:٣٨ - ٣٩]، ويقول : ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف:٣]، والله هو صاحب الحق الوحيد في أن يرينا الإجابة عن هذا السؤال لماذا خلقنا الله؟ لماذا بعث الله الرسل؟ لماذا خلق هذا الكون؟ لماذا خلق الجنة والنار؟ وعلى أي أساس قسّم الناس إلى: متقين وفجار، ومؤمنين وكفار؟ فهو جل وعلا يقول: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]، ويقول الله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، هذا أسلوب حصر، حصر الحكمة والهدف من الخلق في أصل الأصول وهو عبادة الله وحده؛ لأن المقصود: (إلا ليعبدون) أي: ليعبدوني وحدي، ولا يعبدوا معي غيري، وهو توحيد الله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٨]، وقال : ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦]، ويقول : ﴿أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة:٣٦]، ويقول : ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك:١ - ٢].
следующие страницы →