← Джавами‘

Джавами‘ · id 37018

دروس الشيخ محمد إسماعيل المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (2 122 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

زعم الأفاكين: أنّ الإنسان تطور بأفكاره حتى اكتشف الدين بنفسه الأمر الثالث من هذه المزاعم: أن الإنسان سعى بجهده وعقله في البحث عن معبود، وأن أفكاره تطورت ذاتياً بناءً على تجاربه، وذلك دون توجيه رباني يهديه ويرشده، إلى أن اكتشف الدين بنفسه دون معلم يعلمه، وأنه كما ترقى في العلوم والصناعات، ترقى كذلك في معرفة الله ﵎.

стр. 1997

زعم الأفاكين: أن قروناً طويلة مرّت على الإنسان دون أن يعرف فيها رباً ولا معبوداً الأمر الرابع من هذه المزاعم: أن قروناً طويلة مرت على البشرية وهي لا تعرف لها رباً ولا معبوداً، لكن كلما تقدمت البشرية فإنها تترقى وتتطور في فهمها للدين، وعلى ذلك فكل من جاء بعد آدم من القرون البشرية كانوا على دين أكمل من دين آدم، لأن آدم كان هو الإنسان الأول، وكان متخلفاً عقلياً ولم يكن مؤهلاً لتلقي هذه الحقيقة العظمى، وهي حقيقة التوحيد، فمن أتى بعده فهو أكمل منه ﵇، وكلما تأخرنا تكون القرون المتأخرة أقرب للفهم الصحيح من الأمم المتقدمة! وعلى هذه المزاعم صنفوا تواريخ الأمم التي سبقت بعثة رسول الله محمد ﷺ . بما في ذلك تاريخ أوروبا على أنه تاريخ وثني جاهلي محض، لا أثر فيه لوجود الله ولا لدين طلب الله من البشرية أن تعتنقه، ولا لنظام ولا لشرع رباني طلب الله من بني آدم أن يُخضعوا حياتهم له، ولا وجود لرسل من قِبَل الله يطلبون من الناس عبادة الله وحده لا شريك له. ويفهم مما سبق انتفاء التكليف الإلهي للبشر، بل إذا أقروا بوجود خالق لهذا الكون، فإنهم يقولون: خلقه ثم حرّكه، ثم تركه، أي: أنه خلق الكون وحركة فالشمس تجري، والأرض تدور، والأقمار تسبح في الفضاء، ثم ترك العالم على هذا الأساس بلا تكليف ولا أمر ولا نهي.

стр. 1998

خطر الدسائس التاريخية والغزو الثقافي على الأمة الإسلامية إذا تأملنا كيفية معالجة المستشرقين لتاريخ مصر والعراق وبلاد الشام والجزيرة العربية منذ أقدم الدهور، فهم عندما درسوا تاريخ هذه البلاد في القرون القديمة فإنهم يحذفون من حساباتهم ذكر الإسلام تماماً، ويهملون ذكر دعوات الرسل في حياة هذه الأمم التي سكنت تلك البلاد، وبهذا أصبحت جميع الأمم بلا استثناء تنظر إلى هذا الفترة من تاريخها على أنها خلقت وتركت هملاً، فلم تكن تعرف لها رباً ولا ترتضي لنفسها ديناً، بل أخذوا يرددون بأن الأصل في عقيدة أهل تلك الأقطار هي الوثنية، وأنهم تطوروا في الوثنية من التعدد إلى التوحيد، وأن أول الموحدين وذلك من تلقاء نفسه في التاريخ هو الفرعون أخناتون، أو أمنحتب الرابع، ويفخرون بـ أخناتون فخراً عجيباً جداً، فتجدهم في الأناشيد والأشعار والكتب يمدحونه على أنه أول مخترع للتوحيد، رغم أنه لم يكن توحيداً، بل كان شركاً نجساً خبيثاً. إنّ أخناتون هذا هو أول من إلى التوحيد بين آلهة ثلاثة في إله واحد، وقد أخذ النصارى عن قدماء المصريين أفكارهم الشركية أيضاً. فكان أمنحتب الرابع أو أخناتون يعبد القوة الكامنة وراء إله الشمس آتون، ويعتقد أن عبادته هي الحقيقة، وأنها هي الدين الصحيح، وأن هذه الفكرة انتقلت من مصر إلى بلاد العراق، حيث أقام إبراهيم دينه، أي: أن الإسلام ليس وحياً من عند الله ﵎. فهذه من الدسائس التي تسمم قلوب الشباب والأجيال، فتتخرج أجيال بعد أجيال على هذه العقائد التي يُلحّ إلحاحاً في تحفيظهم إياها على أنها حقائق مسلمة، فلا شك أنه بذلك تنقطع رابطة هؤلاء الشباب بالإسلام. فالغزو في الحقيقة من كل جانب، فقد سمعتُ مؤخراً عن أشياء تُعرض في القنوات الفضائية مخالفة للشريعة، وقد يستهين بها كثير من الناس، وهناك أشياء كثيرة نستهين بها وهي تؤثر على نفسيات الأطفال أكثر، فالأشياء التي نستهين بها هي من أخطر الأشياء، فكثير من الناس يتهاونون مع ما يسمى بأفلام الكرتون، ويقولون: إن هذه تسلية للأطفال، وليس فيها رقص ولا غناء ولا أي منكرات! فأقول: كلا، بل فيها كثير من المنكرات، وهذا أنموذج من هذه النماذج سمعت عنه، فقد أتوا بقصة فيها: أن أباً وأماً وأولاداً خرجوا في رحلة جميلة، وكانوا في مركب في البحر، فجاءت عاصفة شديدة كادوا أن يغرقوا ويهلكوا بسببها، فأخرج الأب الذي هو رب الأسرة جهازاً لاسلكياً، واتصل بإله البحر؛ حتى يأتي وينقذه، فأتى هذا الإله وأنقذه من الغرق في الحال. وفي مناسبة أخرى تكررت نفس القصة، فقد وقع الولد في نفس الورطة وأشرف على الغرق، فماذا فعل الطفل الصغير؟ أخرج الجهاز اللاسلكي، واتصل بابن إله البحر، أي: الإله الصغير، فأتى ابن إله البحر وأنقذه. وأنا ما رأيتها، ولكني سمعت ذلك. فلا شك أنّ هذه رسالة من خلال أفلام الكرتون لإفساد العقيدة، وتهيئة الأولاد لقبول فكرة أنّ هناك إلهاً كبيراً وأن له ابناً، وأن كليهما قادر على أن ينقذك في الضراء وفي الكربات. إذاً: فمثل هذه الأشياء لا شك أنها تترك آثاراً خطيرة جداً، وخاصة أنها لا تقترن بما ينفر منها، بل العكس فإنها تقترن بما يرغب فيها من المحسنات والمزينات، فمثل هذه الحقائق كثير من المسلمين الجهلة ليس عندهم خبر بها، وما يشعرون بخطر التساهل في مثل هذه العقائد، فانظر إلى ما يدرسونه أبناءنا في التاريخ، يدرسونهم أن التوحيد أول من اخترعه هو: أمنحتب، أو أخناتون، ونفرتيتي، فإنهما عملا مع آتون شركة، ووحدوا هذه الآلهة الثلاثة في إله واحد وهو إله الشمس، فهذا أول اكتشاف بشري للتوحيد. ثم بعد ذلك انتقلت عقيدة التوحيد هذه إلى بلاد العراق، حيث أقام إبراهيم دينه، فانظر إلى هذا الربط في قولهم: حيث أقام إبراهيم دينه، فما معنى ذلك؟! معنى ذلك: أنّ أبا الأنبياء وخليل الرحمن وإمام الحنفاء -الذي أَمرنا الله أن نكون على ملته، والذي كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [آل عمران:٩٥]- اقتبس هذا التوحيد من مصر أم الدنيا، فهي التي نقلت التوحيد إلى إبراهيم الخليل، وعلى هذا الأساس أقام إبراهيم دينه، أي: أنّ الدين تأسيس بشري وليس له أصل إلهي. وتأكيداً على هذه المزاعم، فقد حرص علماء الآثار من المستشرقين على طمس أي قرينة أثرية، أو ملامح تاريخية تؤكد أن الله فطر البشرية على الإسلام، وارتضاه لها ديناً، وبعث به الرسل، وعندما تظهر قرينة رغماً عنهم تؤكد أصالة خط التوحيد في حياة البشر، فإنهم يعزونها إلى تطور الفكر البشري، فهم يزعمون أن الإنسان قد تطور في معتقده كما تطور في صناعته. فهؤلاء كما يسميهم كثير من الفضلاء: أصحاب منهج التجاهل والتجهيل، فهم يتجاهلون الحقائق، ويريدون أن يخرجوا جيلاً يتجاهل أيضاً هذه الحقائق، فهم متجاهلون ومجَّهلون لهذه الأجيال، ولا يستندون إلى أي دليل في هذه الفكرة الخطيرة سوى الجهل، والجهل لا يصلح أن يكون دليلاً.

стр. 1999

الطرق العلمية الصحيحة في معرفة الأمور إن من خلال هذا التقديم قد رأينا أن مسالكهم التي يسمونها علمية لا علاقة لها على الإطلاق بالعلم، فإنّ العلم هو أن تصل إلى حقائق الأشياء على ما هي عليه في واقع الحقيقة، وعلى هذا الأساس فالحقائق الموجودة في الوجود لا تنحصر في الأمور المحسوسة.

стр. 2000

المنهج العلمي الصحيح في معرفة الأمور المحسوسة إن الأمور المحسوسة تعرف عن طريق المنهج العلمي المادي المعروف، وهو ما يسمونه بالمنهج التجريبي، وهذه الطريقة تعتمد على التجربة والمشاهدة والاستنتاج، فهذا محصور في دائرة الأمور الحسية فقط. فهذا ما يتعلق بالأمور التجريبية، فهي تخضع للحواس مثل: الذوق والشم والنظر واللمس وهكذا، فمن خلالها نصل إلى الحقائق الحسية، وهذا الجانب من العلم تركه الله للبشر يجتهدون في استخراجه واستنباطه، وإعمال عقولهم فيه، مع هدايته لهم.

стр. 2001

المنهج العلمي الصحيح في معرفة الأمور الغيبية الموجودة والماضية والآتية أما القسم الآخر وهو الأخطر فهو العلم بحقائق موجودة، أو قد وجدت من قبل، أو ستوجد في المستقبل، فهو علم بلا حدود، وهذا لا سبيل على الإطلاق للوصول إلى العلم به، وإدراك حقائقه على ما هي عليه إلا من خلال نافذة الوحي فقط؛ لأن الذي خلق هذه الأشياء هو الذي يخبرنا بذلك، وأما غيره فلا يمكن أن يخبرنا بحقائق ذلك. فلذلك عرفنا ما جرى في هذا الوجود قبل أن تخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، حينما أمر الله القلم فقال له: (اكتب). وعرفنا أن أول مخلوقات الله ، وهو العرش. وعرفنا أن الجن كانوا يعيشون في الأرض قبلنا، وأنهم أكثروا فيها الفساد. وعرفنا قصة خلق آدم بالتفصيل، وإخراجه من الجنة، وسبب ذلك، وتوبة الله عليه. وعرفنا قصص جميع الأنبياء عن طريق هذه النعمة العظمى نعمة الوحي. كذلك نعرف ونجزم قطعاً بأحداث مستقبلية ستقع، لا لأننا نعلم الغيب، ولكن لأنه أخبرنا من يخبر عمن يعلم الغيب: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٤] وهو النبي ﵌. فأخبرنا عن أشراط الساعة، وما سيحصل في آخر الزمان بتفاصيل دقيقة، فذكر فتنة الدجال، وأشراط الساعة الصغرى والكبرى بكل تفاصيلها، وما يعصمنا منها. وأيضاً هذا من العلم بالحقائق على ما هي عليه، وعلى ما ستكون عليه، ولا سبيل إلى ذلك إلّا عن طريق نعمة الوحي. وكذلك نعرف أن الجنة موجودة الآن، وأن النار موجودة الآن، وما صفتها وما عدد أبوابها، وتفاصيل أحوال أهل الدارين، وما سيحصل في يوم القيامة إلى آخر كل هذه التفاصيل، فهذا علم. وعرفنا صفات الله وأفعاله وما يتعلق بتوحيده عن طريق الوحي أيضاً، وهو أرقى وأشرف العلوم على الإطلاق. فإذاً: لا سبيل لإدراك هذه الحقائق إلا عن طريق الوحي، فالقوم في مناقشتهم وبحثهم في هذا الأمر، ووسائلهم في ذلك، لا يمكن أبداً أن تقدم جواباً شافياً يطمئن إليه القلب والنفس عن ديانة الإنسان الأول. فالمصدر الوحيد الذي يمكن من خلاله أن نستشرف هذا الغيب، وأن نقف على وجه الصواب فيه، هو الوحي الإلهي الذي يطلعنا على حقائق الماضي والحاضر والمستقبل التي تغيب عن عقولنا وحواسنا، إنه القرآن الكريم كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من عزيز حميد.

стр. 2002

ضرورة استمداد الحقائق التاريخية من القرآن الكريم إن القرآن الكريم وحده فقط هو مصدر معرفة حقيقة تاريخ هذه العقيدة، فليس هناك كتاب في الأرض يوضح تاريخ العقيدة بصدق إلا كتاب الله ﵎، ففيه علم غزير في هذا الموضوع. وعلم البشر لا يمكن أن يدرك هذا الجانب إدراكاً وافياً للأسباب التالية: الأول: أن ما نعرفه من التاريخ البشري قبل خمسة آلاف عام قليل، أي: لو أردنا أن نتعرف على حقائق التاريخ البشري فقط منذ خمسة آلاف سنة صعُب علينا جداً أن نصل إلى الأمور على حقيقتها. وأما ما نعرفه من أحداث لهذا التاريخ البشري قبل عشرة آلاف سنة فأقل من القليل، أما قبل ذلك فهي مجاهيل لا يدري علمُ التاريخ عنها شيئاً، لذا فإن كثيراً من الحقائق ضاع بضياع التاريخ الإنساني. السبب الثاني: أنّ الحقائق الموجودة لدينا عن تواريخ الأمم السابقة اختلطت بباطل كثير، بل ضاعت في أمواج متلاطمة في محيطات واسعة من الزيف والدجل والتحريف. وأقرب دليل على ذلك أنك لو أردت أن تؤرخ لتاريخ جماعة معينة أو شخصية معينة حتى من العصر الحديث الذي نعيشه، لشق عليك أن تدرك الحقائق على ما هي عليه؛ لأنّه يدخلها الكثير من التحريف والدجل والأغراض الخبيثة التي تحاول أن توجه هذه الأمور لخدمة أشياء معينة. فكيف نصل إلى حقائق تاريخ يمتد إلى الفجر الأول لهذا البشرية. السبب الثالث: أن قسماً من التاريخ المتلبس بالعقيدة لم يقع في الأرض، بل وقع في السماء، وذلك ما وقع من خلق آدم ﵇، فإننا نرجع إلى فجر البشرية، وهذا بدأ بخلق آدم ﵇، ثم خلق حواء، ثم نزولهما من الجنة إلى الأرض. فمن أين سنصل إلى الجنة حتى نأتي بذلك التاريخ؟! وذلك إذا قلنا: إنها جنة المأوى. إذاً: فالذي يستطيع أن يمدنا بتاريخ حقيق لا لبس فيه هو الله ؛ لأن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. فلنتأمل في كتاب الله ﵎، ولنأخذ هذه الحقائق بطريقة علمية موضوعية. أول هذه الحقائق التي نستنبطها من القرآن أن الله خلق آدم ﵇ منذ البداية خلقاً سوياً مستقلاً مكتملاً، فآدم ﵇ لم يتطور من غيره، وقد حطمت العلوم الحديثة فكرة التطور تماماً، فصارت الآن هذه الفكرة خرافة، خاصة بعد تطور علم الوراثة وعلم الجينات، فقد انهارت تماماً نظرية دارون الدجلية من أصلها. فنحن نؤمن من خلال القرآن أن الله خلق آدم منذ أول لحظة خلقاً كاملاً سوياً مستقلاً، ثم نفخ فيه من روحه، وأنه خلقه لغاية محددة وهي عبادة الله ﵎ وحده، وأنه ﵇ خلق مؤهلاً لذلك، فقد كانت عنده أهلية كأكمل ما تكون عليه الأهلية؛ حتى يخاطب بتكليف الله ، ولم يكن أبله، وكذلك لم يكن متخلفاً عقلياً أو شبيهاً بالوحوش وقرود الشمبانزي والغوريلا، بل خلق آدم ﵇ في أكمل صورة، والدليل على أنها كانت أكمل وأجمل صورة، أن أهل الجنة يدخلون الجنة على صورة أبيهم آدم. إذاً: فآدم ﵇ خلق مؤهلاً للخطاب الإلهي، ولم يتركه لفكره كي يتعرف على ربه بطريقة التفكير والتأمل، بل عرفه على نفسه منذ البداية، فآدم ﵇ منذ أول لحظة كان يعرف ربه، فالله عرفه على نفسه، ولم يترك له فرصة أن يتأمل ويتدبر في السماوات والأرض وفي المخلوقات؛ حتى يهتدي إلى التوحيد عن طريق التفكر والتأمل. فقد دلت آيات القرآن المجيد على أن الله خلق آدم بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلمه الأسماء كلها، فتميز آدم على الملائكة بهذا العلم الذي علمه الله إياه، ثم أسكنه الله تعالى الجنة هو وزوجه، يقول : ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:٣٥]، فقول الله : (يَا آدَمُ اسْكُنْ) هذا تكليف، وقوله (وَلا تَقْرَبَا) أي: لا تفعلا، فهذا يدل على أنه مؤهل لأن يخاطب. فهل يخطر في بال عاقل أن يكون هذا المخلوق المكرم المعلم بالأسماء كلها لم يعرف الله ؟! وآدم ﵇ يرى الملائكة يسبحون الله ويحمدونه ولا يفترون عن ذكره، مع أن الله أمره وزوْجه بسكنى الجنة، والأكل من حيث شاءا إلا شجرة واحدة نهاهما عنها وحذرهما من قربها. وقد أخبر الله تعالى آدم ﵇ بعدوه وعدو زوجه إبليس لعنه الله، وأن مغبة طاعة إبليس خروجهما من الجنة، وحصول الشقاء لآدم ﴿فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه:١١٧] فهذا تعليم وتحذير. وآدم ﵇ لم يعصِ الله متعمداً، يقول : ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه:١١٥]، وقال حاكياً عن فعل إبليس: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف:٢١]. وقد جاء في كتب التفسير: أنّ آدم ﵇ صدق إبليس قوله: (وَقَاسَمَهُمَا) أي: حلف لهما: (إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ). ﴿قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى﴾ [طه:١٢٠]، فكان أبونا آدم يحب أن يبقى في الجنة، فأتاه إبليس من باب الحرص، وقال له: (هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى) فحلف لهما أنه صادق، فلم يتخيل آدم وحواء ﵉ أبداً ولم يرد على خاطرهما أن مخلوقاً يحلف ويقسم بالله ويكون كاذباً، فهذا غير وارد عندهما؛ ولذلك صدقاه، ولم يتذكرا تحذير الله لهما من قبل. قال تعالى: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأعراف:٢٢]. وجاء في الحديث الصحيح: (أن آدم ﵇ لما سقطت الثياب عنه وبدت له سوأته، ظل يجري ويتوارى، فقال الله له: تفر مني، فقال آدم -كما في معنى الحديث-: رب إني استحييت!) أي: أنه استحيا من الله ، ومعنى هذا أنه كان مدركاً، وكل ذلك يدل على أن الإنسان الأول كان في أكمل درجات الوعي والإدراك والأهلية للتكليف بالتوحيد، وعبادة الله . وبعد ما حصل من مخالفة آدم وحواء ﵉ قال تعالى: ﴿فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه:١٢١]، أي: أدرك آدم وحواء بعد وقوعهما في المنهي عنه أثر المعصية وشؤمها، فندما على ما حصل منهما، وتوجها إلى الله تعالى طالبين مغفرته ورحمته، معترفين بالذنب وبظلم النفس، قال عنهما: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣]. فهل هذا كلام من يعرف ربه، أم أنه كلام من يمشي كالغوريلا والشمبانزي، ويفكر مثلهما؟! إنّه كلام موحّد يعرف ربه كأكمل ما تكون المعرفة، فهو نبي ﵇. وقال في الآية الأخرى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:٣٧].

стр. 2003

ما جاء في التوراة من تزوير وتحريف في قصة آدم وحواء ﵉ إن ما وجد في التوراة من قصص تتعلق بهذه الأحداث، فكلها تزوير وكذب وافتراء على الله ، وهم ينسبون الخطيئة إلى حواء فقط؛ لأن حواء هي التي أغرت آدم بتلك الخطيئة، ولذلك يقولون: إنّ المرأة مصيبة وهي وراء كل شر وبلية، إلى آخر ما ينسبونه إلى المرأة، وأعداء الإسلام والمنافقون هنا في بلادنا يعزفون على نفس الوتر، فيقولون: الأديان كلها تعادي المرأة وتحتقرها وذلك انطلاقاً منهم من أن حواء هي سبب الخطيئة، فعليها أن تغطي رأسها عاراً؛ لأنها سبب العار والأذية للبشر، وسبب إخراجهم من الجنة، فعندهم أن الأديان تحتقر المرأة، وهذا من الكذب على الله ، وسببه التأثر بقصص هذه الكتب المحرفة. فهم حرفوا هذه الكتب، وزعموا أن آدم ﵇ لما ارتكب هذه الخطيئة طرده الله من الجنة وغضب عليه، والسبب كما هو في كتبهم أن الله نهاه عن شجرة معينة، وهي: شجرة المعرفة والعلم والبصيرة، فهم دائماً عندهم تصوُّر أن الدين ضد العلم، وأن الإله يكره أن يكون عند العباد علم ومعرفة، لذلك فتصوُّر اليهود والنصارى لهذه القضية يعكس كذبهم على الله ، فهم يقولون: إن هذه الشجرة هي شجرة العلم والمعرفة، ولو أكل منها آدم ﵇ فإنه سيحصل على علم وبصيرة، فالله تعالى يخاف معاذ الله من الإنسان أن يتفتح عقله فيدرك الأمور على حقائقها؛ فلذلك نهاه أن يأكل منها. فالذي ألف هذه القصة انطلق مما في ذهنه من العداوة بين الإله وبين العلم والمعرفة، فلذلك لما خالف آدم ﵇ هذا النهي وأكل من الشجرة تحصل على العلم والبصيرة؛ لأنه أكل من شجرة المعرفة، فعاقبه الله وغضب عليه وطرده من الجنة، وليس هذا فحسب، بل هم لا يذكرون أبداً أن آدم ﵇ تاب، ولا أن الله سامحه وعفا عنه، ولا يعتقدون هذا، بل يعتقدون أن البشرية كلها تولد ومعها الخطيئة الأصلية، فكل مولود يولد عندهم ملوثاً بخطيئة آدم الأصلية، ولا يولد على الفطرة كما أخبرنا سيد البشر ﵊. فكلنا نرث هذه الخطيئة من آدم، ونصير مستحقين للخلود في جهنم، بل يقولون: إن البشرية منذ نزول آدم ﵇ إلى الأرض إلى الصلب المزعوم -للمسيح ﵇ -كانت ملوثة بخطيئة آدم، وأن جميع الأنبياء كانوا محبوسين في سجن جهنم، وهذا في كتبهم المحرفة أيضاً. فهذا يعني أنّ موسى وهارون ونوحاً وكل الأنبياء قبل عيسى إذا ماتوا فإنهم يدخلون جهنم؛ بسبب خطيئة آدم، وأنه ليس هناك طريقة كي يعفو الله عن البشرية، أو يكفر عنها خطيئة آدم إلا أن ينفصل جزء عن الإله فيحل في رحم امرأة، ويبقى هناك تسعة أشهر ثم يخرج ويكبر إلى آخره، وفي آخر الأمر يصلب ويكون ضحية؛ كي تذهب هذه الخطيئة، ومع ذلك فهي لم تذهب، فهم يعتقدون أن كل مولود يكون ملوثاً بخطيئة آدم حتى بعد عملية الصلب المزعومة المكذوبة، وقد ذكرنا أنّ بعض الكنائس لها أراضٍ موقوفة لدفن النصارى، فإذا مات الشخص وكان أبواه نصرانيين، ولم يكن قد عمد قبل موته، فإنهم لا يسمحون بدفنه في وسط النصارى؛ لأنه لم يدخل في دين النصرانية، فهو مازال ملوثاً بالخطيئة. إنّ النبي ﷺ يبشرنا في كثير من الأعمال الصالحة بمغفرة الذنوب، وأننا نرجع كالطفل الذي ولدته أمه نقياً وطاهراً منها، فيقول: (من حج ولم يرفث، ولم يفسق، رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه)، فيضرب المثل بنقاء الطفل وطهارته من الذنوب فهذه أكبر منّة من الله أن يعود الإنسان طاهراً تماماً من الذنوب كالطفل، وحتى قبل التكليف فالإنسان يكون طاهراً، فلو بلغ إنسان وكلّف في سن الثالثة عشرة مثلاً فقبلها لم يُكتب عليه شيء من الأوزار، لكن انظر الحديث كيف خصّ المولود بالذكر: (كيوم ولدته أمه) وذلك مبالغة في طهارته من كسب أي ذنب.

стр. 2004

سبب الصدام الذي حصل بين العلوم الحديثة وما كانت تثبته الكنائس وسلامة ديننا من ذلك إن عند النصارى أشياء تصادم الفطرة أصلاً، ولهذا لما ظهرت الثورة العلمية في الغرب صار كثير من العلماء والناس يعلمون كثيراً من الحقائق العلمية والتجريبية، ثم أخذت تلك العلوم بالتقدم والتطور، فبدأ الناس هناك يشعرون بالتصادم بين كثير من الحقائق العلمية وبين كثير من تلك العقائد الفاسدة التي كانت تبثها الكنائس، فكيف تقبل بمثل هذه العقيدة أن الله لا يتوب عليك إلا إذا فضحت نفسك، وذهبت إلى القسيس وجلست على كرسي الاعتراف، فتحكي له جميع تفاصيل الفاحشة، ثم يتوسط القسيس بينك وبين الله، فهذه العقيدة ترفضها الفطرة، ثم يعطونهم صكوك الغفران، ويقطعون لهم إقطاعات في الجنة، ويدعون لهم، ثم فوق هذا كله فقد مارست الكنيسة القهر والحرب الشديدين ضد أي عالم يكتشف نظرية جديدة، فقد قامت بحرقهم أو إعدامهم كما فعلوا مع نيوتن ومع جاليللوا وغيرهما، فهناك حوادث كثيرة جداً من الصدام، ولذلك رفض الغرب هذا الدين، وأما ديننا الإسلامي فلم يحصل في يوم من الأيام صدام بين الإسلام وبين العلم، ولا يمكن أن يقع، ونحل هذه المعادلة ببساطة وسهولة شديدة فنقول: إن الذي أنزل القرآن والوحي هو الله، والذي خلق حقائق الكون هو الله، فلا يمكن أن تتعارض حقيقة علمية مع آية أو حديث؛ لأن هذه مصدرها هو الله تعالى، فهو الذي خلق وهو الذي أنزل القرآن، لكن قد يحصل تعارض نتيجة خطأ في فهم الآية أو النص، أو يكون الحديث نفسه ضعيفاً وغير ثابت مثلاً، أو تكون القضية العلمية التي تتكلم عنها ما زالت نظرية، ولم تصل بعدُ إلى مرتبة الحقائق.

стр. 2005

توبة آدم وحواء ﵉ إلى الله تعالى إن تلك الكلمات التي تضرع بها آدم ﵇ إلى الله ﵎ توبة وإنابة لا تكون إلا بأسماء الله الحسنى، وصفاته العليا: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣]. فآدم ﵇ توسل إلى الله بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، وهذا هو طريق الدعاء والمناجاة، وكان هذا قبل أن يهبطه الله تعالى إلى الأرض كما هو رأي بعض العلماء. فبعد أن أهبطه الله إلى الأرض ذكّره ثانية بعداوة إبليس له، وأنه مصدر شر له، وبين الله أنه لا نجاة لك يا آدم ولا لذريتك إلا بأن تتبعوا الوحي الإلهي. فهذه بكل سهولة حقائق هذا الوجود، يقول تعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه:١٢٢]. إذاً: فقضية خطيئة آدم قد انتهت، والله تعالى يقول: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾ [النجم:٣٨ - ٤٠]، وهذا في صحف إبراهيم وموسى، أي: أنه كلام في الكتب السابقة. فخطيئة آدم ﵇ انتهت، فقد تاب الله عليه بعدما تاب هو إليه . ولكن هذه المصيبة وهذه المعصية كانت سبباً في إنزال آدم إلى الأرض، لكن هل معنى ذلك أن الله لم يغفر لآدم؟ كلا، فقد انتهت خطيئة آدم تماماً، أما عملية التوريث وأن البشرية تورث هذه الخطيئة، ولا توجد طريقة تطهر الإنسان منها غير التعميد والتغطيس، فهذه الخرافات والأساطير أخذوها من الهنود وقدماء المصريين، فهذه العقيدة بكل تفاصيلها موجودة في المراجع الوثنية القديمة وفي أديان كثيرة، وهناك كتاب رائع في هذا الباب اسمه: (العقائد الوثنية في الديانة النصرانية). فإنه يأتي بكل جذور الشرك التي أُخذت منها هذه العقيدة الخبيثة. فالشاهد قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى * قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٢ - ١٢٤]. وقال حاكياً عن إبليس: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص:٨٢ - ٨٣]. إذاً: فهذه هي الحقيقة الأولى في تصحيح هذه المزاعم التي ذكرناها وهي: أنّ الله خلق آدم ﵇ منذ البداية خلقاً سوياً مستقلاً مكتملاً، وأنه بيّن له وظيفة محددة وهي: عبادته وحده لا شريك له، وأن آدم ﵇ كان مؤهلاً لذلك، وأنه عرَّفه على نفسه منذ البداية، ولم يتركه ليتعرف عليه بطريقة التفكير والتأمل.

стр. 2006

كل مولود يولد على فطرة التوحيد والإسلام

стр. 2007

حقيقة الفطرة التي يولد عليها المولود إن المولود يولد على الفطرة والفطرة هي الإسلام، لكن هل معنى ذلك أننا ندعي أنّ هذا الطفل الذي عمره سويعات قليلة يعرف أسماء الله وصفاته، ويعقل الرسالة وأدلتها والصلاة والزكاة؟! الجواب لا، نحن لا ندعي ذلك، وإنما نعني سلامة القلب وإرادته للحق الذي هو الإسلام، بحيث إن هذا الطفل لو ترك في نموّه الطبيعي من غير أن يخضع لمؤثر خارجي من الشياطين أو من الوالدين أو نحو ذلك، لما كان إلا موحداً مسلماً. فهذه القوة العلمية والعملية تقتضي الإسلام مالم يمنعها مانع، كمؤثرات البيئة وتقليد الأبوين، فهي فطرة الله التي فطر الناس عليها. فعند نمّو الطفل رويداً رويداً تبدأ هذه الفطرة تتحرك في أعماقه، ومع النمو تبدأ فطرة هذا الطفل تستيقظ وتتنبأ، وتجذبه بكل قوة نحو الحقيقة العظمى، ومن ثَم نلاحظ أنه في مرحلة معينة يبدأ الطفل بالسؤال عن بعض الأمور، وكلما كان الطفل نبيهاً وذكياً ستجد أنّ هذه الأسئلة تظهر مبكراً. فيبدأ بإلقاء أسئلة لا تكاد تنتهي، فيسأل والديه عما يحيط به: من رفع السماء؟ ولماذا هي زرقاء؟ وأين تذهب الشمس ليلاً؟ ولماذا لا تظهر الشمس في الليل؟ وأين يذهب النور حين يحل الظلام؟ ولماذا تتلألأ النجوم؟ وأين تنتهي الأرض؟ ولماذا تفوح الروائح العطرة من بعض الأزهار دون البعض الآخر؟ ومن أين أتيتُ؟ وأين كنت قبل أن آتي إلى هذه الدنيا؟ وغير ذلك من الأسئلة التي كلنا نحفظها وكلنا يعرفها فهذه الأسئلة كلها أمارات تدل على أن الفطرة بدأت تستيقظ، ولذلك فالله من حكمته أنه لا يكلف الإنسان قبل سن البلوغ؛ لأن البلوغ يعبر عن ترجمة للنمو والنضج البدني، ويقارنه النضج العقلي الذهني والفكري، فهو في هذه السن يصبح مكلفاً، ويجري عليه قلم التكليف بمجرد البلوغ؛ لأنه الآن صار مهيئاً ومؤهلاً، فعليه أن يتفكر ويدرك. فما الذي يدفع هؤلاء الأطفال إلى إلقاء هذه الأسئلة؟ إنها الفطرة المغروسة في أعماق نفوسهم، تبدأ بالاستيقاظ والتحرك والتعرف على خالق الكون وما في هذا الكون، وكلما نمت ملكاته وزاد علمه اطمئن قلبه للإيمان بالله وحده لا شريك له.

стр. 2008

موجبات الفطرة ومقتضياتها إن موجبات الفطرة ومقتضياتها تحصل شيئاً فشيئاً بحسب كمال هذه الفطرة واستعدادها، وبحسب سلامتها من المعارض، فكل مولود يولد على الإقرار لفاطره ومحبته والإذعان له بالعبودية، فلو ترك بلا معارض ولا حجاب لم يعدل عن ذلك إلى غيره. كما أنه يولد على محبة ما يلائم بدنه من الأغذية والأشربة، كما قال : (الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى). فهل هذا الطفل درس ميكانيكة عملية الرضاع؟! فنحن لو تأملنا في الميكانيكة التي يتم فيها عملية الرضاع لوجدنا هذا الطفل وكأنه درسها دراسة متقنة، فمن علمه؟! لقد علمه (الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) وهذه هي الهداية العامة التي تكلمنا عليها في القضاء والقدر، وهي المرتبة الأولى من مراتب الهداية الأربع. فهذه النملة، اعمل معها مرة عملية مطاردة، وحاول أن تقتلها فماذا ستفعل؟ إنّها تحاول أن تهرب، فمن الذي هداها إلى هذا؟ إنّها هداية الله . ادرس مملكة النحل وما فيها من العجائب، من أين للنحل هذه العلوم كلها؟! إنّ هذه من آيات الله العظام، فهذه حشرة أو طائر بسيط، من الذي يلهمه البحث عما ينفعه، والحرص عليه، والاجتهاد في دفع ما يضره؟ إنّه الله الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى. وكذلك الفيروسات والبكتيريا، من الذي يهديها إلى هذه الهدايات التي نعرفها؟ إنّه الله . فكما أننا نعترف أن الطفل عنده أنواع معينة من الهدايات، يغرسها الله في نفسه ويفطره عليها، فكذلك فيما يتلقى بفطرة التوحيد، فهو سبحانه خلق الحيوان مهتدياً إلى حب ما ينفعه وجلْبهِ، وبغض ما يضره ودفْعِه، ثم هذا الحب والبغض يحصلان فيه شيئاً فشيئاً حسب حاجته، لكن قد يعرض لبعض الأبدان ما يُفسد ما خلق عليه من الطبيعة السليمة، والعادة المستقيمة. وهكذا ما ولد عليه الإنسان من الفطرة، فقد يطرأ عليها ما يصيبها، ولهذا شبهت الفطرة باللبن، بل كانت نفسها هي اللبن، وذلك في تأويل ما رآه النبي ﷺ حين عُرض عليه ليلة الإسراء اللبن والخمر، فاختار اللبن، فقيل له: (أصبت الفطرة، أو هديت للفطرة). فمناسبة اللبن لبدنه وصلاحه به دون غيره كمناسبة الفطرة لقلبه وصلاحه بها دون غيرها، فكما أن هذا الطفل الذي يولد غذاؤه الوحيد هو اللبن، وصلاح بدنه لا يكون إلا باللبن، ولو أتيت له بأفخم المطعومات وأغلاها وأثمنها كاللحوم وغيرها فإنها تضره، وقد تهلكه؛ لأن البدن في هذه المرحلة لا يستطيع تحمل ولا هضم هذه الأطعمة، فالشيء الوحيد الذي يصلح له هو هذا اللبن، فالفطرة بالنسبة لقلبك وصلاحه كاللبن بالنسبة لبدنك. فلذلك ربط في الحديث بين الفطرة وبين اللبن، وهذا يتعلق بمن تسلم فطرته وتنجو من مؤثرات البيئة من حوله. أما الذي تفسد فطرته بعوامل البيئة المحيطة به، فإنه ينشأ على عقائد منحرفة أجنبية عن فطرته السوية، فأي انحراف عن الإسلام فهو خلاف الأصل، فالأصل هو التوحيد، والشرك طارئ، لا كما يزعم الجهلة الكذابون الدجالون من أن الشرك هو الأصل، وأن الإنسان بطبيعته مشرك، كلا، بل الإنسان بفطرته موحّد كما بينا. يقول الله ﵎ في المنافقين: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة:١٦]، فجعل الهدى هو رأس المال الحاصل عندهم، إلا أنهم عرّضوه للزوال فخسروه، وذلك حين بدلوا هذه الفطرة المستقيمة القريبة منهم، واشتروا بها الضلالة البعيدة عنهم، فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين. إذاً: فما هو الهدى الذي كان عند المنافقين الذين اشتروا الضلالة بالهدى؟ إنّه الفطرة.

стр. 2009

موانع الانتفاع بالفطرة السليمة إنّ مثَل الفطرة مع الحق كبصر العين مع الشمس، فكل ذي عين مبصرة لو تركت عينه بغير حجاب عليها فإنه يرى الشمس، فالعقائد الباطلة كاليهودية والنصرانية والمجوسية مثل الحجاب على العين، فهي تحول بين البصر وبين رؤية الشمس، كما أن كل ذي حس سليم يحب الحلو إلّا أن يعرض في طبيعته فساد يجعل الحلو في فمه مراً، فيقول: أنا أشرب العسل فأجد أنه مر، فنقول له: أنت فيك فساد في حاسة الذوق في لسانك، فالأجزاء الحسية في اللسان فيها آفة، أو عندك سبب آخر، فالأذى فيك أنت، وأما العسل فهو هو، فكذلك العين السليمة يستطيع الإنسان أن يرى بها الشمس، لكن قد تأتي الحجب فتحول دون رؤيتها، والعين نفسها مستعدة لتتقبل ضوء الشمس وتعترف به، لكن الحواجز الموجودة تحجب الرؤية، كما يقول الشاعر: ومن يكن ذا فم مرّ مريض يجد مراً به الماء الزلالا أي: بعض الناس يصيبه مرض، فيقول: أنا أشرب الماء وأطعمه مراً، فهذا آفته في نفسه، وليست في هذا الماء الزلال.

стр. 2010

قصة تتعلق بالفطرة وأذكر أني سمعت شريطاً لأحد الإخوة كان نصرانياً وأسلم، وذكر في قصة إسلامه السبب الذي فجر قضية الإسلام في ذهنه، وظلت في ذاكرته إلى أن نضج وكبر، ثم انتهى الأمر ولله الحمد إلى إسلامه، وهو من الدعاة إلى الإسلام الآن. قال هذا الأخ: إن أباه تأخر جداً في اصطحابه إلى القسيس كي يقوم بعملية التعميد أو التغطيس، ومعروف أن التعميد لا يكون إلّا بأن يتجرد الإنسان من ثيابه تماماً سواء كان رجلاً أو امرأة، ولو كان ابن عشرين أو ثلاثين سنة ولم يعمد بعدُ، فيحمله القسيس وأعوانه ويغطسونه في ماء خاص، والله أعلم ماذا في هذا الماء، ويقولون: إن فيه بركة وأشياء من الزيوت ونحوها، والله أعلم. المهم أن هذا الأخ لما اصطحبه أبوه كان عمره اثنتي عشرة سنة، ولم يكن قد عُمَّد بعد، فذهب مع أبيه إلى هذا القسيس لكي يعمدوه، فصرخ القسيس في وجه أبيه وقال له: صار الآن اثنتا عشرة سنة ولم تعمده بعدُ؟! أما تعلم أنه حتى الآن ما زال مسلماً؟! كيف تأخرت إلى الآن في تعليمه؟! فحفر هذا الكلام في ذاكرة الولد، فلما كبر سُّنه ظلت تلك الكلمات تحزّ في نفسه، فقال لنفسه لما أدرك ونضج: لو كان الله يعرف ديناً أفضل من دين الإسلام لفطرني عليه. فكانت كلمة هذا القسيس سبب إسلامه.

стр. 2011

حقيقة الإسلام وعدم مصادمته للحقائق العلمية إإن حقيقة الإسلام أن يستسلم العبد لله لا لغيره، وهذا هو معنى لا إله إلا الله، فيا سبحان الله! لو أنّ عاقلاً تأمل في حقائق هذا الدين، واعتبر نفسه محايداً لا علاقة له بالأديان، فتأمل وبحث عن صورة لعقيدة صحيحة، وأحكام كاملة، وقيم مثالية، ونظافة وطهارة، وكمال في كل شيء، فإنه لا يجد إلا الإسلام، فلا يمكن أن تكون هناك صورة أخرى للدين الصحيح في غير هذا الدين، وهذا كله يدرك بالعقل حتى دون الخوض في الأدلة الشرعية، فكل سؤال له في ديننا جوابه العلمي المنطقي الذي يقتنع به الإنسان. فلا يصادم الدين الإسلامي الحقائق العلمية أبداً، فهو الفطرة السليمة، وهو قيم وأخلاق ومُثُل عليا. فهذا هو معنى لا إله إلا الله، فالقلوب مفطورة على الافتقار إلى الله ، ولو استرجع الإنسان من فترات طفولته المبكرة، لشعر أن قلبه في حالة افتقار إلى الله . إنّ هذه القلوب لا تقنع أبداً، ولا تطمئن إلى أي محبوب سوى الله ، وكلما أحبت غير الله فإنها لا تقنع به، بل تنتقل عنه كما قال ابن القيم: لقد كان يسبي القلب في كل ليلة ثمانون بل تسعون نفساً وأرجحُ يهيم بهذا ثم يعشق غيره ويسلوهم من فوره حين يصبح فلما دعا قلبي هواك أجابه فليس أراه عن خبائك يبرحُ إلى آخرها، وهي قصيدة جميلة في أوائل كتاب (طريق الهجرتين) للإمام ابن القيم رحمه الله تعالى. فالقلب لا يسكن ولا يطمئن إلا إذا عُمَّر بمحبة الله، وأما إذا عمَّر بغير ذلك فلا يمكن أن يجد سكينة أو راحة، بل قضى الله قضاء مبرماً لا يرد ولا ينقض أنّ من أحب غيره عذب به ولابد. فإذا أحبت القلوب الله ووحدته سكنت واطمأنت واستقرت ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨].

стр. 2012

معنى الفطرة لغة واصطلاحاً الفطرة في اللغة: مأخوذة من فطر الشيء يفطره، إذا شقه، فشقّ الشيء معناه فطره، وتفطر يعني: تشقق، والفطر هو الشق، وجمعه فطور، ومنه فطر ناب البعير، إذا نبت. وقال : ﴿إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ﴾ [الانفطار:١]، أي: انشقت، وفي حديث عائشة ﵂ كما في البخاري: (أن النبي ﷺ كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه) يعني: تتشقق. والفَطر هو الابتداء والاختراع، قال الله : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [فاطر:١]، يعني: خالقهما ومبتدئهما. وقال ابن عباس ﵄: كنت لا أدري ما (فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرت البئر، فهي بئري، يعني: أنا بدأتها. ففهم معنى الفطر من قول الأعرابي، فهذا من حيث اللغة. أما من حيث الاصطلاح، فالفطرة هي دين الإسلام. كما في قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم:٣٠]. إن الحقيقة التي نستنبطها من القرآن في هذه القضية: هي أن كل مولود يولد على فطرة التوحيد، فقد دلتنا قصة آدم ﵇ على أنه كان على عقيدة التوحيد، ودل القرآن الكريم والسنة النبوية على أن هذا لم يكن خاصاً بالإنسان الأول وهو آدم ﵇، وإنما هو عام في كل مولود. يقول : ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٣٠]. قال ابن كثير: أي: سدد وجهك واستمر واثبت على هذا الدين الذي شرعه الله لك من الحنيفية السمحة، ملة إبراهيم ﵇ التي هداك الله لها، وكملها لك غاية الإكمال، وأنت مع ذلك لازم فطرتك السليمة التي فطر الله الخلق عليها، فقد فطر الله تعالى العباد على معرفته وتوحيده، وأنه لا إله غيره. وقوله: (حَنِيفًا) يعني: مائلاً عن الأديان إلى الإسلام. وقد اختلف العلماء في تفسير قوله تعالى: ((لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ)) فقال بعض العلماء: إنها خبر بمعنى الطلب، كما تقول في الحديث: (لا ضرر ولا ضرار)، فلفظه لفظ الخبر، لكن المقصود به الأمر أو النهي، أي: لا تضر غيرك سواء ابتداء أو على سبيل المقابلة. وكذلك مثل قوله تعالى: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧]، فلفظه لفظ الخبر، والمراد به الطلب والتكليف، أي: لا ترفثوا ولا تفسقوا، بدليل أن الناس قد يرتكبون مثل هذا، فدل على أنه أمر شرعي إرادي، وليس أمراً كونياً قدرياً. إذاً: فقوله: (لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ) خبر بمعنى الطلب، أي: لا تبدلوا خلق الله، ولا تحرفوا الناس عن فطرتهم. القول الثاني: أنها خبر على بابه، وليس المقصود بها الأمر أو التكليف، لكن المعنى أن الله ساوى بين خلقه كلهم في الفطرة على الجبلة المستقيمة، فلا يولد أحد إلا على ذلك، ولا تفاوت بينهم في ذلك، فكل الناس يستوون في أنهم يفطرون على الفطرة المستقيمة السوية. لقد فسر البخاري قوله تعالى: (لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ) قال: لدين الله، واستشهد أن قوله تعالى: ﴿خُلُقُ الأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء:١٣٧] يعني دين الأولين، ثم قال: الفطرة الإسلام. وقال : ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [البقرة:٢١٣]، وزادها إيضاحاً في قوله: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [يونس:١٩]. فهذه الآيات الكريمات تدل على أن الدين الحنيف هو الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وأن ذلك هو الدين القيم الذي كان الناس عليه قبل أن يختلفوا. قال العلماء في تفسير قوله تعالى: ((كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً)) أي: أن الناس بقوا عشرة قرون على الدين الحق، وذلك قبل حدوث التغيير وظهور الشرك، فبقي الإسلام والتوحيد ولم يطرأ شرك إلا بعد ألف سنة من وجود البشرية في هذه الأرض، ثم طرأ الشرك بعد ذلك. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ما من مولود إلا ويولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟)، ثم يقول أبو هريرة ﵁: اقرءوا إن شئتم: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم:٣٠] رواه البخاري ومسلم. يقول ﵊ في هذا الحديث: (ما من مولود) يعني: ليس هناك مولود من بني آدم. قوله: (إلا ويولد على الفطرة)، أي: على الدين الإسلامي، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم:٣٠]، وهذه الفطرة كما قال العلماء: هي الإيمان المعهود الذي أخذ الله عليه الميثاق من بني آدم، وذلك لما ضرب صلب آدم واستخرج منه كل ذريته ﵇، فأخذ عليهم الميثاق وهم في عالم الذر، وقال لهم:: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف:١٧٢]، فكل إنسان أخذ عليه هذا الميثاق، وقد يقول قائل: نحن الآن لا نذكر هذا الميثاق، فنقول: يكفي أن يخبرنا الوحي بوقوعه، فنؤمن بوقوعه كسائر أخبار الغيب التي أخبرنا الله عنها، فنصدقها وإن نسينا هذا الميثاق، ثم إنك تشعر في نفسك بهذا الميثاق وهذه الفطرة، فأنت تشعر أن قضية وجود الله مثلاً لا تحتاج إلى دليل بالنسبة للمؤمن السليم الفطرة، فلا تجد عنده جدلاً في قضية وجود الله، وإنما تجد الجدل في ذلك عند من تلوث بالشبهات والوساوس الشيطانية، ممن استمع لأهل الإلحاد والانحراف وأشباههم. فتجد أنّ أقوى دليل عند الإنسان على وجود الله هو الفطرة، وهذه مسألة غير قابلة للنقاش عنده؛ لأنّ هذه الفطرة مغروسة في الأعماق، فهذا أقوى دليل على أن الله خلقنا بفطرة، فنحس بالانجذاب إلى التوحيد، والإقرار بألوهيته ﵎. وقال بعض العلماء في قوله تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا) أي: اثبت على إيمانك القديم الواقع منك في عالم الذر. وهذه الفطرة هي فطرة الإسلام، والسلامة من الاعتقادات الباطلة، والقبول بالعقائد الصحيحة. وتفسير الفطرة في الحديث وفي الآيات بالإسلام تدل عليه أشياء كثيرة وتؤيده وتثبت صحته، فالروايات المختلفة الألفاظ المتفقة المعاني والتي يفسر بعضها بعضاً تؤيد هذا، مثل رواية: (ما من مولود إلا ويولد على الفطرة) كما في الرواية التي ذكرناها، وهناك رواية أخرى: (ما من مولود يولد إلا وهو على الملة)، أي: الملة الإسلامية الحنيفية، كما في (صحيح مسلم). أيضاً: مما يؤيد تفسير الفطرة بالإسلام قول أبي هريرة رضي الله تعالى عنه بعدما ذكر قوله ﵊: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه) إلى آخر الحديث، ثم قال أبو هريرة ﵁: اقرءوا إن شئتم: (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا). فقد فسر أبو هريرة الحديث بالآية. وحكى أبو عمر بن عبد البر إجماع العلماء على أن المراد بالفطرة في هذه الآية هو الإسلام. وأيضاً: فتوى أبي هريرة ﵁، فقد سئل ﵁ عن رجل عليه كفارة، وهي عتق رقبة مؤمنة، أيجزئ عنه الصبي أن يعتقه وهو رضيع؟ فقال: نعم؛ لأنه ولد على الفطرة. فاستدل أبو هريرة بالحديث السابق على أن هذه رقبة مؤمنة. وقال ابن شهاب الزهري: يصلى على كل مولود متوفى وإن كان لغية. يعني: من ولد الزنا؛ من أجل أنه ولد على فطرة الإسلام فهو لا ذنب له، وإن كان أتى عن طريق الخطيئة فإنه يولد مبرأ من كل وزر. وأفتى الزهري رجلاً عليه رقبة مؤمنة أن يعتق رضيعاً؛ لأنه ولد على الفطرة. وقال الإمام أحمد: من مات أبواه وهما كافران، حكم بإسلامه، واستدل بقوله ﵊: (كل مولود يولد على الفطرة). وأيضاً: قوله: (فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه)، فقد ذكر الانحرافات التي تطرأ على الفطرة، وذكر أنواعها، وذكر تغيير الفطرة إلى ملل الكفر، ولم يذكر الإسلام، فلم يقل: أو يمسلمانه، ولكن قال: (فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه)، فعُلم أنه يتحول عن الإسلام إلى غيره بفعل الأبوين أو غيرهما. وأيضاً: قوله ﵊: (كما تُنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟)، فهذه إشارة إلى مثال أنتم ترونه في حياتكم وواقعكم، فالبهيمة خُلقت سليمة، ثم جُدعت بعد ذلك، أي: أنها تقطع أذنها، فهل تولد وهي مقطوعة الأذن؟ الجواب الأصل أن البهائم تولد سليمة، وقطع الأذن شيء طارئ. فالتغيير هو الانحراف والنقل عن الأصل، فلذلك قال بعده: (هل تحسون فيها من جدعاء؟) إشارة إلى أن البهيمة خلقت سليمة، ثم جدعت بعد ذلك، فكذلك الولد يولد سليماً من الكفر، ثم يطرأ عليه الكفر بعد ذلك، فالعيب الذي طرأ على البدن يقابله العيب الذي طرأ على الدين وهو الكفر. فهذه الفطرة هي فطرة الإسلام، والسلامة من الاعتقادات الباطلة.

стр. 2013

الأصل في عقيدة الإنسان هو التوحيد إن ذلك الحديث الشريف الذي سبق ذكره وفيه: (ما من مولود إلا ويولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه) يؤكد أن الأصل في عقيدة الإنسان هو التوحيد، وأنه يولد مهيئاً للعقيدة الصحيحة في فاطره وخالقه ، وأما الشرك فهو انحراف يطرأ على هذا الأصل فيفسد الفطرة، وذلك بتأثير البيئة المحيطة به، ولذلك قال ﷺ : (فأبواه يهودانه)، أي: يجعلانه يهودياً إذا كانا يهوديين. قوله: (أو ينصرانه) أي: يجعلانه نصرانياً إن كانا نصرانيين. وقوله: (أو يمجسانه) أي: يجعلانه مجوسياً إن كانا مجوسيين. والشاهد من الحديث أن الضلال عن فطرة الإسلام ليس من المولود، بل هو من مؤثر خارجي، فإن بلغ الحلم وبقي منحرفاً عن دين الفطرة بقي معه ضلاله، وإذا أسلم وجهه لله انتفى عنه وعاد إلى الفطرة الإسلامية. لقد ضرب رسول الله ﷺ مثلاً يؤكد معنى الحديث فقال: (كما تنتج البهمية) يعني: كما تلد البهيمة قوله: (بهيمة جمعاء) أي: تامة الأعضاء، وسميت جمعاء؛ لاجتماع أعضائها. (فالمولود يولد على الفطرة مثل نتاج البهيمة، فإنها تولد سليمة الأعضاء مكتملة). قوله: (هل تحسون فيها من جدعاء؟) أي: هل تبصرون فيها مقطوعة الأذن أو الأطراف أو الأنف، وإنما يطرأ عليها قطع الأعضاء بعد ولادتها سلمية. فكذلك الأبوان الكافران يغيران فطرة ولدهما، ويزينان له العقيدة الباطلة. وهذا الذي دل عليه الحديث النبوي الشريف قد دل عليه الحديث القدسي الذي رواه عياض بن حمار المجاشعي ﵁: (أن رسول الله ﷺ قال ذات يوم في خطبته حاكياً عن الله أنه قال: وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت عليهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً). فقوله تعالى في الحديث: (إني خلقت عبادي حنفاء كلهم) أي: جمع حنيف، وهو الذي يميل إلى الشيء ولا يرجع عنه، كالحنف في الرِّجْلِ وهو ميلها إلى خارجها، فلا يقدر الأحنف أن يرد حنفه، والمقصود بالحنيف هنا: الذي يميل عن الأديان إلى الإسلام، فهذا الحديث يدل على أن الأصل في الآدميين هو الفطرة والتوحيد، وأن الشرك عارض طارئ. فهذا ما تيسر من الكلام في شرح قوله صلى الله عيله وآله وسلم: (ما من مولود إلا ويولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟). ثم يقول أبو هريرة ﵁: (اقرءوا إن شئتم: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم:٣٠] إلى آخر الآية، وهذا الحديث رواه الشيخان كما بينا. وللحديث إن شاء الله شيء من البقية، فهناك حقائق أخرى من القرآن فيها الرد على هذه المزاعم فيما يتعلق بالتاريخ الحقيقي لدين الإسلام ولفطرة التوحيد.

стр. 2014

الأسئلة

стр. 2015

شبهة والجواب عنها السؤال احتج القائلون بالتطوير على زعمهم بحديث للنبي ﷺ وهو: (كان خلق آدم ستون ذراعاً في السماء، ثم تناقص الخلق حتى وصل إلى هذه الحالة) أو كما قال ﵊، فما الرد الصريح على هذه الشبهة؟ الجواب طول الإنسان الآن يقرب من متر ونصف أو أكثر، فهل في هذا تصحيح لنظرية التطور الكذابة؟! فقد عكسوا كل شيء، فقالوا: إنّ الأصل في الإنسان هو الشرك، ونحن نؤمن أن الأصل في الإنسان هو التوحيد، وكذلك هنا في مسألة البنية والجسم، فالذي حصل هو عملية انحطاط في الجانبين: في العقيدة، وفي البنية، ففي العقيدة الأصل هو التوحيد، ثم طرأ الشرك، ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا﴾ [البقرة:٢١٣]، فالشرك طارئ كما جاء في الحديث الذي ذكرناه آنفاً، وأما في بنية البدن نفسه، فهذا الحديث يثبت أن آدم ﵇ كان في أكمل وأقوى وأجمل صورة، ستون ذراعاً في السماء، يصل تقريباً إلى ارتفاع عمارة مكونة من أربعة عشر دوراً، فهذه خلقة آدم، فلا يزال طول الخلق ينقص إلى اليوم، فهذا يدل على أن بنية الإنسان أيضاً حصل فيها عملية انحدار ونقصان، لا تطور كما تزعم نظرية التطور. وصلى الله على عبد ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2016

نظرة في تاريخ العقيدة [٢] لقد خلق الله ﵎ أبانا آدم ﵇ خلقاً كاملاً سوياً في التفكير والتدبير والفهم والمعرفة، فلم يجعله خلقاً متوحشاً، ولا مخلوقاً ناقصاً في العقل شبيهاً بالقرود والحيوانات كما يزعم ذلك من لا خلاق له في العلم والعمل. ثم بعد ذلك عرّفه الله على نفسه، وأمره ونهاه، ولم يتركه إلى عقله وفهمه ليكتشف التوحيد والدين عن طريق التجارب والممارسة، بل علمه الله كل شيء، والأدلة متكاثرة ومتواترة على ذلك، فتباً لعقول معكوسة، وفهوم مركوسة لا تفهم الأمور إلّا بالمقلوب، فصيرت الإنسان قرداً وحيواناً، وجعلت البقرة والفأر إلهاً ورباً معبوداً!!

стр. 2017

نبذة مختصرة عن تاريخ العقيدة وأهم مصادرها الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلّا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم! صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. لقد شرعنا في الأسبوع الماضي في دارسة البحث المتعلق بتاريخ العقيدة وتاريخ الدين، وذكرنا التخبط الذي يحصل من بعض الباحثين في هذا الباب؛ نتيجة اعتمادهم على أشياء لا يجنون منها سوى التخبط والجهل، ولا تصلح أن يقوم عليها العلم والبحث في طبقات الأرض، أو في تواريخ الأمم القديمة من خلال الحفريات والآثار، أو في تاريخ -كما يزعمون- الأمم المعاصرة، أو الأمم غير المتحضرة، فهي تعكس في زعمهم ما كان عليه الإنسان الأول في عقيدته. وانتهينا إلى أنه لا يوجد هناك مصدر نستطيع من خلاله أن ندرك هذه الأمور على حقيقتها سوى القرآن الكريم. وقلنا: إننا في هذا الباب إذا تأملنا القرآن خرجنا بعدة حقائق، وذكرنا أولى هذه الحقائق وهي: أن الله خلق آدم ﵇ منذ البداية خلقاً سوياً مستقلاً مكتملاً، ثم نفخ فيه من روحه، وأنه خلقه لغاية محددة، وهي عبادة الله وحده لا شريك له، وأن آدم ﵇ كان مؤهلاً لعبادة الله، ولفهم هذه الرسالة، وللتعرف على ربه ، وأن الله عرّف آدم على نفسه منذ اللحظة الأولى، ولم يتركه لفكره وعقله ليتعرف على ربه بطريق التفكير والتأمل، وإنما عرّفه الله بنفسه منذ الوهلة الأولى، وذكرنا الأدلة على ذلك من القرآن الكريم. ثم تعرضنا للحقيقة الثانية التي نستطيع استنتاجها من القرآن الكريم في هذا الباب وهي: أن كل مولود يولد على فطرة التوحيد، ويولد مهيئاً لقبول عقيدة التوحيد والإسلام. وشرحنا قول النبي ﷺ : (ما من مولود إلا ويولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟). ثم يقول أبو هريرة ﵁: اقرءوا إن شئتم: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم:٣٠]. ثم بيّنّا أن هذه الفطرة لا بد أن تكون هي فطرة الإسلام لا غير، وذكرنا الأدلة على ذلك. كذلك ذكرنا قول الله تعالى في الحديث القدسي: (إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً).

стр. 2018

الأصل في تاريخ البشرية هو التوحيد والإسلام كنا قد تعرضنا ضمن الكلام السابق إلى أن التوحيد هو الأصل وأن الشرك طارئ عليه، فاعلم أخي المسلم أنّ التوحيد هو الأصل في تاريخ البشر، كما أن التوحيد مركوز في فطرة كل مولود، فهو الأصل بصفة فردية، وكذلك فيما يتعلق بتاريخ البشرية كلها، والشرك طرأ على الأمم بعد ذلك. فتاريخ الأمة الإسلامية ليس كما يزعم بعض الناس أنه يبدأ من القرن السابع الميلادي ببعثة النبي ﷺ ، فإنّ هذا خطأ فادح، بل إنّ تاريخ الديانة الإسلامية لم تبدأ بمحمد ﵌ منذ أربعة عشر قرناً، وإنما بدأت منذ الفجر الأول للبشرية، وذلك مع خلق آدم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. فاللبنة الأولى في تاريخ البشرية والمكونة من آدم وحواء وذريتهما كانت مفطورة على الإسلام، وكذلك كل من جاء بعدهم من الأنبياء والرسل الذين كان لهم شرف حمل رسالة الإسلام، كلهم كانوا على متن هذا الدين، وقد استجاب لهم أقوام عاشوا للإسلام وبالإسلام، ومنهم تكونت أمة الإسلام. إذاً: فالأمة الإسلامية لم تبدأ هذه البداية منذ أربعة عشر قرناً، ولكنها موغلة في القدم، وهي الأصل في تاريخ هذه البشرية كلها. ونزيد الأمر إيضاحاً وذلك بالتدليل من القرآن الكريم على هذه الحقيقة، وهي أن الجيل الأول من البشرية كان على التوحيد: فحينما هبط آدم ﵇ إلى الأرض، أنشأ الله من ذريته أمة كانت على التوحيد الخالص، كما قال : ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [البقرة:٢١٣] يعني: كانوا على التوحيد وعلى الدين الحق، ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [البقرة:٢١٣]، وهنا لا بد من أن نقدر كلمة نفهم بها السياق وهي فاختلفوا، ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة:٢١٣]. وفي حديث أبي أمامة ﵁: أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ فقال: (يا رسول الله! أنبي كان آدم؟ قال: نعم، مكلَّم). يعني: كان نبياً مكلماً كموسى ﵇، كما في قوله: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٥٣]، فآدم ممن كلمهم الله ، (قال: نعم، مكلم، قال: فكم بينه وبين نوح؟ قال: عشرة قرون) يعني: ألف سنة. أخرجه أبو حاتم بن حبان في (صحيحه)، وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في (البداية والنهاية): هذا على شرط مسلم، ولم يخرّجه.

стр. 2019

أول نشوء الشرك وسببه جاء في (صحيح البخاري) عن ابن عباس ﵄ قال: (كان بين آدم ونوح عشرة قرون، كلهم على الإسلام) يعني: خلال الألف السنة الأولى كان كل من في الأرض ممن ينتمي إلى الجنس البشري على دين الإسلام، ثم بعد ذلك طرأ الانحراف، فأول انحراف عن العقيدة حصل بعد أن كان الناس أمة واحدة، وكان هذا الانحراف سببه هو الغلو في تعظيم الصالحين، فلم يزين الشيطان للبشرية الوقوع في الشرك بصورة صريحة واضحة، وإلا لسهل كشف أمره، ولكنه زينها لهم عن طريق الغلو في إظهار محبتهم للصالحين، فما زال بهم هذا الغلو والإفراط حتى رفعوهم إلى مرتبة الآلهة المعبودة، ففي (صحيح البخاري) من حديث ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس ﵄، عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح:٢٣]. قال ابن عباس: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح ﵇، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً، وسموها بأسمائهم. ففعلوا، فلم تعبد -أي: لم يعبدها الجيل الأول- حتى إذا هلك أولئك، وانتسخ العلم -يعني: ذهب العلم ودرج-، عبدت من دون الله ﵎.

стр. 2020

تحذير العلماء من الغلو في الصالحين إن العلماء رحمهم الله تعالى حذروا من الغلو في الصالحين والتعظيم لهم، وخصوصاً فيمن كان رئيساً أو زعيماً أو معظماً في قومه، فهذا يشتد الحذر والاحتياط في حقه أكثر من غيره، فلا يجيزون التصوير واتخاذ الصور أصلاً، ويزداد الأمر إذا كانت صوراً لأئمة أو معظمين في الدين؛ سداً لذريعة الإشراك بهم، والحديث يطول جداً إذا أفضنا في بيان هذا الأمر، وانعكاسه على واقعنا في هذا الزمان، ووقوع الناس في كثير من الشرك بسبب التساهل في تعظيم الصالحين، حتى صاروا يعبدون الموتى، ويطوفون بهم، ويجيئون لقبورهم، ويصفون بها، وينذرون لها النذور، فكل هذا شرك صريح وخروج من ملة الإسلام بلا شك. فيظهرون كل هذا في ثوب التوحيد، وباسم الإسلام، وباسم التقرب إلى الله بمحبة الصالحين، حتى وصل الأمر إلى أنه وجد في دمنهور ضريح مدفون في مسجد، وهذا الضريح هو ضريح أبي حصيرة، وهو رجل يهودي، واليهود الآن بعد ما حصلت معاهدة السلام صاروا يأتون من فلسطين المحتلة إلى دمنهور كي يحجوا إلى هذا الضريح مع المسلمين، فهؤلاء يعظمونه وهؤلاء يعظمونه، فإذا كنتم تعظمون يهودياً مدفوناً في هذا المسجد فماذا بعد هذا؟! وأي دليل تطلبون واليهود يشدون إليه رحالهم؟!! وهكذا، فإنّ أكثر هذه المقابر والأضرحة مبنية على أوهام وخيالات، وذلك مثل قبر السيدة زينب، فمتى دخلت السيدة زينب إلى مصر؟! وأين دفنت؟ وإذا رجعنا إلى التاريخ نجد أن رجلاً كان في ناحية المكان يوزع فيه الماء فرأى هذا الرجل في المنام أنّ السيدة زينب أتته وقالت له: ابن لي ضريحاً في هذا المكان. فقام الرجل وبنى لها ضريحاً وهمياً لم يُدفن فيه أحد أبداً، فكثير من هذه الأضرحة وهمية. وكذلك قبر الحسين، وُيدعى وجوده في أكثر من خمسة أماكن في العالم الإسلامي، ففي سوريا هناك قبر، وفي العراق، وفي كذا وكذا قبر، وهو مقام الحسين رضي الله تعالى عنه. إذاً: فهذه البضاعة لا تروج إلا في سوق الجهل والأمية والغلو الذي لم تنج منه حتى هذه الأمة.

стр. 2021

سبب إرسال نوح إلى قومه وجداله لهم إنّ أول انحراف وجد في تاريخ البشرية عن التوحيد هو ما حصل من قوم نوح، وذلك بسبب الغلو في تعظيم الصالحين، فأرسل الله إليهم أول رسله نوحاً ﵇ مصداقاً لوعده الذي أعطاه لأبي البشر آدم، فالله وعد آدم عندما أنزله إلى الأرض فقال: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:٣٨]. فالدليل على أن نوحاً ﵇ هو أول رسول بعث إلى البشر هو حديث الشفاعة، وهو حديث متفق عليه، وفيه: أن الناس يأتون أولاً آدم ﵇، ثم يأتون نوحاً، فكان مما قالوا له: (يا نوح! أنت أول الرسل إلى أهل الأرض)، فهذا هو الدليل على أولية نوح ﵇ بالنسبة للرسل، وأما آدم فهو أول نبي. والنصوص التي بين أيدينا من كتاب ربنا تدل دلالة واضحة على أن نوحاً قد دعا إلى التوحيد الخالص، فقد قال لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف:٥٩]، وقال: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأحقاف:٢١]، وقال أيضاً كما حكاه الله عنه: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون:٢٣]، والذين استجابوا لدعوته للتوحيد هم ضعفاء الناس. فنحن إذا أعملنا الفرية الكاذبة المسماه: بنظرية التطور المزعومة التي يدعيها الملاحدة، فإن التطور على زعمهم يحصل في أحقاب سحيقة من التاريخ، فالألف سنة ونحوها تعتبر فترة وجيزة جداً لا يكفي أن يحصل فيها تطور بزعمهم، فيترتب على ذلك شموله لبعثة نوح، فإذا كان آدم ﵇ متخلفاً وكان على هيئة القرد، ويمشي منحنياً، وجسمه مليء بالشعر كالغوريلا أو الشمبانزي، فكذلك نوح ﵇ كان في عرفهم من أقسام الإنسان الأول الذي يزعمون؛ فبالتالي سنكفر بآيات الله جميعها؛ كي نصدق هؤلاء الملاحدة. فهذا نوح أيضاً يدعو إلى التوحيد وإلى الإسلام، فاستجاب لدعوته ضعفاء الناس، وتنكر لها السادة والزعماء الذين يظنون في أنفسهم العقل والفطنة والذكاء، واستكبروا عن متابعة الحق، قال الله حاكياً عنهم: ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأعراف:٦٠]، والملأ: هم السادة والكبراء، وقالوا له: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود:٢٧]، أي: ما نرى اتبعك إلا الضعفاء والفقراء والمساكين (بَادِيَ الرَّأْيِ) يعني: أنّ هؤلاء استجابوا لك من أول سماعهم لكلامك، وأما نحن فأهل الفطنة وأهل التفلسف والذكاء، فلا بد أن نتمعن في مثل هذا الكلام الذي تقول: إنه وحي من الله، ولسنا مثل هؤلاء السذج الذين قبلوا ما دعوتهم إليه لأول الأمر، ولم يتعمقوا فيه، وإنما اتبعوك بدون تأمل عميق ولا تفكير ونظر. وهذا الذي رموهم به منقبة في حقهم؛ لأن الحق إذا ظهر فإنه لا يحتاج إلى نظر، بل يجب اتباعه، فهذا هو السر في أنهم اتبعوه فوراً، فهذا شأن الإنسان سليم الفطرة أنه إذا ظهر له الحق فإنه ينقاد إليه فوراً ولا يتردد، ولا يحتاج إلى تأمل ولا إلى تفكير. وقالوا: ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا﴾ [هود:٢٧]، أي: أنهم تعجبوا كيف يبعث الله بشراً رسولاً. وقال : ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلائِكَةً﴾ [المؤمنون:٢٤]. ثم اشترطوا كي يتابعوه أن يطرد من حوله من الضعفاء والفقراء والمساكين، فرد عليهم نوح ﵇ بقوله: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ [هود:٢٩]. فتطاول الزمان، وكثرت المجادلة بين نوح ﵇ وبين قومه كما قال : ﴿أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:١٤]. فمكث نوح ﵇ يدعوهم إلى توحيد الله تسعمائة وخمسين سنة، فلما أيس منهم ورأى أنّه لا يخرج من أصلابهم إلا كافر مثلهم دعا عليهم، قال تعالى حاكياً عنه: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح:٢٦ - ٢٧]، فأهلكهم الله بالطوفان: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفرقان:٣٧]، وأنجى الله نوحاً والمؤمنين برحمة منه، وخلت الأرض من الظالمين، ولم يبق فيها إلا الموحدون، فلما انحرفوا عن التوحيد أرسل الله إليهم رسولاً، يقول تعالى: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ * فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [المؤمنون:٣١ - ٣٢]، فدعاهم أيضاً إلى التوحيد: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [المؤمنون:٣٢]. وهكذا استمرت رحمة الله وعنايته ببني آدم، فكلما ضلوا وزاغوا أنزل إليهم ما يضيء لهم الظلمات، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:٤٤]. فهذه هي القصة الحقيقية للبشرية: صراع طويل بين الحق والباطل، بين الرسل الذين يعرضون الحق والهدى، وبين الضالين عن التوحيد المتمسكين بما أَلْفَوا عليه الآباء والأجداد بأهوائهم ومعتقداتهم الباطلة: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ * قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [إبراهيم:٩ - ١٠].

стр. 2022

الشرك انحطاط وليس ترقياً كما يزعم الأفاكون إن الشرك الطارئ انحطاط من الأعلى إلى الأدنى، وليس ترقياً ولا تطوراً، لا في بنية الإنسان ولا في عقيدته، فبالنسبة لبنية الإنسان: فإن الإنسان خلق في أكمل وأجمل وأعظم صورة، فقد كان طول آدم ﵇ ستين ذراعاً في السماء، ثم بدأ الخلق يتناقص حتى وصلنا إلى الوضع الذي نحن عليه الآن، فهي عملية انحدار وهبوط وتدهور، وليست رقياً وتطوراً. وكذلك أيضاً في شأن العقيدة، فالأصل هو التوحيد، ثم ينحدر الناس وينحطون إلى الأسفل وهو الشرك، وليس كما يزعم أهل التطور المزعوم أن الإنسان يترقى في اكتشاف هذه العقيدة. فليس السبب في الشرك واتخاذ المعبودات من دون الله هو الترقي في العقيدة خلال القرون، بل سببه الحقيقي هو انحراف أتباع الرسل عما جاءت به الرسل، فهذا هو السبب الحقيقي في حدوث الشرك في الأرض، يقول تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه:١٢٤]، واتباعهم الظن والهوى وتركهم الهدى، يقول تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم:٢٣]. وقال : ﴿وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة:٧٧]. وقال في اليهود: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة:١٣]. وقال في النصارى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة:١٤]. إذاً: فهذا هو سبب الضلال والانحراف عن الوحي، وهذا هو تعليل وجود الشرك على ظهر الأرض، وليس عملية التطور المزعومة كما ذكروا. وقال الله ﵎ أيضاً مبيناً سبب انحرافهم عن التوحيد الذي أمروا به: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣١]. فالرسل مبرءون من الذين انحرفوا عن منهجهم قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ﴾ [المائدة:١١٦]، فعبر عنه هنا بصيغة الماضي؛ للدلالة على تحقق الوقوع، فكأنه قد وقع، مع أنه سيقع في المستقبل، يعني: سيقول الله يوم القيامة ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة:١١٦ - ١١٧] إلى آخر الآية.

стр. 2023

إرسال الرسل والنذر إلى جميع الأمم إن الله لم يترك أمة بلا نذير، فآدم ﵇ هو أول البشر خلقه الله ﵎ من تراب من غير أب ولا أم، ثم خلق منه زوجه، وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً، وكانت بداية عيش هذا النوع في الجنة، ثم أهبط إلى الأرض، فعرف آدم ربه في السماء وتوجه إليه وأناب بعد أن أهبطه الله إلى الأرض، فتولى الله هذا النوع من خلقه بهداه، إذ لا صلاح له ولا بقاء في هذه الدنيا إلا باتباع هدى الله، كما قال : ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:٣٨]. وقال تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٣ - ١٢٤]. ومن المعروف أنّ الهدى يأتي دائماً في مقابلة الهوى، وأنّ الهوى يأتي في مقابلة الهدى أو الوحي، والأدلة على ذلك كثيرة جداً، كهذه الآية، ومنها أيضاً قوله ﵎: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص:٥٠] يعني: فإن لم يستجيبوا لك في الوحي. ومنها قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤]. وقوله: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾ [ص:٢٦]. فالله لم يخلق الإنسان عبثاً، ولم يتركه سدىً، وإنما خلقه لحكمة وغاية، وامتحنه بالفعل والترك حين أوحى إلى رسله، يقول تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان:١]، يعني: فـ ((هَلْ)) هنا بمعنى: قد، ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان:٢ - ٣]. ويقول تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون:١١٥]. ويقول تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة:٣٦]. ويقول أيضاً: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف:٧]. وقال: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك:٢]. وقال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، يعني: لا يمكن أبداً أن يكون كل هذا الخلق سدى وعبثاً بلا حكمة، ولا أن الله غائب عن خلقه عياذاً بالله، بل الله شهيد على ما تعملون، فهو يرعى هذه البشرية، ونعمه تعم المؤمنين والكافرين. فكما ذكرنا أنّ أول الخلق هو آدم ﵇، وأنه أول الذين اصطفاهم الله وخاطبهم بالوحي، وهو نبي مكلم كما جاء في الحديث. وقال ﵎: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ [النحل:٣٦]. إذاً: فكل أمة قامت عليها الحجة الرسالية، وأما أهل الفترة الذين لم يبلغهم الوحي فحالتهم استثنائية، لكن كل أمة بعث فيها رسول، فهذه نظرتنا المغايرة لضلال أصحاب نظرية التطور في العقيدة، فإنهم حينما يتعرضون لديانة قدماء المصريين مثلاً، يتصورون الأمر وكأنهم معذورون، أو كأنهم باحثون عن الحقيقة حتى وصلوا إليها بالفعل، وذلك لما وحدوا الآلهة الثلاثة، وأن أخناتون هو أول من اخترع التوحيد، وهذا كله دجل وهو يناقض عقيدة المسلمين، ولا يمكن أن يعتقد هذا مسلم. أما نحن فنؤمن أن قدماء المصريين قد قامت عليهم الحجة الرسالية قطعاً، سواء كان ذلك بموسى أو بغيره من الأنبياء، فالله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر:٢٤]، ويقول: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ [النحل:٣٦]، و (كُلِّ) صيغة عموم، وقال تعالى: ﴿أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]. فكل أمة قامت عليها الحجة الرسالية، وآثار قدماء المصريين خصوصاً تكشف لنا اعتقادهم في كثير من الأمور الغيبية التي ما كانوا ليؤمنوا بها إلا عن طريق الوحي، كنصب الموازين يوم القيامة، وحشر الأجساد وغير ذلك مما تدل عليه النقوش التي تركوها، فتلك تدل على الرسالات الإلهية التي أرسلت إليهم. ويقول ﵎: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر:٢٤]. فالله منذ خلق الإنسان فقد تعاهده برعايته وعنايته، وشرع له الشرائع السماوية التي تدعوه إلى عبادة الله وحده، وترك عبادة ما سواه. بل لما كانت بعض الأمم لا تناسبها شريعة النبي السابق فإنه يوحي إليها بشريعة جديدة؛ حتى تواكب ما تحتاجه، وكذلك إذا حصل فيها تحريف، فإنه يبعث رسولاً آخر يجدد لهم هذا الدين. لقد تكفل الله بألّا يعذب أحداً إلا بعد أن تقوم عليه الحجة الرسالية، يقول تعالى: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]. ويقول تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء:١٦٥].

стр. 2024

دعوة جميع الأنبياء والرسل إلى دين الإسلام لقد دعا كل الرسل والأنبياء إلى دين واحد، وهو دين الإسلام، وهذا هو البحث الذي سنفصله إن شاء الله فيما يلي: فنقول: منذ وجد الشرك والفساد والمعاصي في هذه الأرض، والأنبياء والرسل يدعون الناس جميعاً إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ومع ذلك كانوا ينهون أيضاً عن كل صور الفساد في الأرض. والحقيقة التي ينبغي أن نتنبه لها أيضاً هي أن هؤلاء الذين كانوا يتبعون الرسل، كانوا مؤمنين، فكل من اتبع الرسل في أي أمة من الأمم الخالية فإنهم مؤمنون. وكذلك الأنبياء كانوا أول المؤمنين بلا شك، فنوح ﵇ كان مؤمناً، وكان الذين اتبعوه من قومه مؤمنين، وكذلك إبراهيم ﵇ أبو الأنبياء والمرسلين وخليل الرحمن كان مؤمناً، وكذلك إسماعيل ﵇ كان مؤمناً مسلماً، وكذلك إسحاق ويعقوب وموسى، وكذلك كان الأنبياء من بعده إلى عيسى. لقد كان الأنبياء ﵈ من نوح إلى بعثة عيسى عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، هؤلاء أجمعون كانوا مؤمنين، وكان أتباعهم مؤمنين، حتى بعث الله ﵎ إلى البشرية كلها خاتمهم وسيدهم محمداً ﷺ مؤمناً، وأتباعه مؤمنون، واليوم في عصرنا هذا يعرف الذين انتسبوا إلى موسى ﵇ باليهود، وأحياناً يسمونهم الموسويين، ويعرف الذين انتسبوا إلى المسيح ﵇ بالنصارى، ويسمونهم خطأً بالمسيحيين، ويعرف الذين آمنوا بمحمد ﷺ بالمسلمين، وكل يؤمن أن دينه هو الدين المرضي عند الله ﵎. إذاً: فكلنا متفقون يهود ونصارى ومسلمون على أن آدم ونوحاً وجميع الأنبياء الذين أتوا بعد نوح ﵇ إلى موسى كلهم أنبياء الله، وهؤلاء كلهم كانوا مؤمنين، ثم بعث الله تعالى عيسى ﵇ أيضاً، فأتباعه مؤمنون، وعيسى كان مؤمناً، كذلك بعث الله محمداً ﵌. فكل دين من الأديان الثلاثة يقول: إن دينه هو الإيمان، وأن أتباعه هم المؤمنون، فلا يستطيع مسلم ولا يهودي ولا نصراني أن ينفي الإيمان عن نوح، ولا عن إبراهيم، ولا عن إسماعيل، ولا عن إسحاق، ولا عن يعقوب ولا عن غيرهم من الأنبياء قبل موسى ﵇، فالجميع متفقون على أن هؤلاء أنبياء الله، وأنهم كانوا على دين الحق، وأن من تبعوهم كانوا مؤمنين، وأنهم كانوا على الدين المرضي عند الله ، وفي نفس الوقت لا يستطيع أحد منهم أن ينسب إبراهيم ﵇ أو نوحاً أو هوداً أو صالحاً أو شعيباً أو غيرهم من الأنبياء بأنهم كانوا يهوداً؛ لأن اليهودية لم توجد إلا بعد موسى ﵇، وكذلك لا نستطيع أن نقول: إنهم كانوا نصارى؛ لأن النصرانية إنما وُجدت بعدهم، فاليهودية والنصرانية لم تكن قد عرفت بعدُ في عهد أي واحد من هؤلاء الأنبياء قبل موسى ﵇. وهنا سؤال يفرض نفسه وهو: ما هو الدين الذي آمن به الأنبياء من زمن آدم ﵇ إلى آخر نبي بعث قبل موسى ﵇؟ ما هو دين هؤلاء الأنبياء الذين يتفق اليهود والنصارى والمسلمون على أنه دين الله، وعلى أنه هو الدين المقبول المرضي عند الله ؟ فلم يرد في توراة اليهود ولا إنجيل النصارى الحاليين إثبات لاسم هذه الدين الذي آمن به هؤلاء الأنبياء ومن تبعهم، فكيف نستطيع معرفة هذا الدين؟ الجواب السبيل إلى التعرف على هذا الدين هو التفكر في هذا الدين: ما حقيقته؟ وما مقاصده؟ فنحن نعلم أن الله لما أرسل هؤلاء الأنبياء إلى أممهم أرسلهم بعقيدة واحدة وهي توحيد الله ، وبشرائع يدعون الناس إليها فيها أوامر الله، وفيها نواهيه، فمن قبل هذا التوحيد وهذه الشرائع فهو المؤمن الذي آمن بالله ورسوله المبعوث إليه، ودان بالدين الذي يرتضيه الله ويقبله، فهذا الدين هو توحيد الله، والانقياد لشرائع الله، والاستسلام لحكمه والخضوع لأمره ونهيه، والإخلاص له في ذلك كله.

стр. 2025

شمول الإسلام لمعنى الاستسلام والسلامة ودين كل الأنبياء والرسل إذا بحثت في لغة العرب عن كلمة تعبر عن الاستسلام والسلامة، لوجدت أن الاستسلام: هو الخضوع والإذعان والانقياد لحكم الله ولأمره، والسلامة: هي السلامة من الشرك والإخلاص في التوحيد، فلا توجد في لغة العرب كلمة تعبر عن هذين المعنيين سوى كلمة الإسلام. فإن الإسلام لله هو التعبير الوحيد الذي يمكن أن نعبر به عن الدين المرضي الذي يقبله الله ويعتبره، فهذا هو القاسم المشترك بين رسالات جميع الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام. فالأنبياء دعوا إلى توحيد الله ، والسلامة والبراءة من الشرك، ودعوا إلى الانقياد لشرائع الله التي أنزلت على هؤلاء الرسل والأنبياء، فهذا يعبر عنه بكلمة واحدة وهي الإسلام لله، ولما صارت مشهورة عندنا جداً صار اسمه الإسلام؛ لأنه صار معروفاً أنه لا يكون إلا لله . إذاً: فهذا هو القاسم المشترك بين جميع الأنبياء، وهذا هو وحده الدين الذي نستطيع أن نقول: إنه كان دين نوح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ومن تبعهم من المؤمنين، أي: التوحيد لله والسلامة من الشرك، والاستسلام والخضوع لأوامر الله وشرائعه، من أجل ذلك لم يكن لفظ الإسلام اسماً علماً على الدين الخاتم فقط، ولكنه في الحقيقة هو التعبير الوحيد عن جوهر جميع الرسالات السماوية، بما في ذلك رسالتي موسى وعيسى ﵉، ولم يكن وصف المسلمين مجرد لفظ لأتباع رسول الله محمد ﷺ ، بل هو معنى عام للإسلام والمسلمين دلت عليه عشرات النصوص كما سنبين فيما يلي: يقول ﵎: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، فالإسلام العام هو الإسلام الذي كان دين آدم ونوح وإدريس وهود وشعيب وصالح وجميع الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، فالله تعالى لم يقبل من أحد قبل محمد ﵊، ولا يقبل من أحد بعده غير دين الإسلام، فمن يلقى الله بغير الإسلام فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين. ويقول : ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:١١٢]. وقال حاكياً دعاء إبراهيم وإسماعيل ﵉: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة:١٢٨]. وقال : ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [آل عمران:٢٠]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النساء:١٢٥]. وقال جل وعلا: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٧١]. وقال أيضاً: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ [الحج:٣٤].

стр. 2026

أقسام الناس في فهم معنى الإسلام إن هذه الحقيقة الظاهرة الواضحة وضوح الشمس قد تغيب عن فريقين من الناس: الفريق الأول: غير المسلمين، وهم الذين لا يعرفون اللغة العربية على وجه الخصوص، وهؤلاء لا يكاد يتطرق إلى أذهانهم هذا المعنى العظيم الذي يعبر عنه بكلمة الإسلام، وصحيح أنهم يقولون في لغتهم عن الإسلام في الإنجليزية: إسلام، وفي الفرنسية: إسلام، في كل لغة يعبر عنه بالإسلام كأي عَلَم، فهم يقولون: إسلام كما نقول، ولكن لا يعرفون معنى كلمة إسلام، ونحن كذلك إذا أتينا بأي كلمة أجنبية من أي لغة أجنبية ونطقناها كما هي، فإننا ننطق الحروف كما نسمعها، ولكن لا نعرف معناها إذا لم نكن دارسين لهذه اللغة، فهذا الفريق ينطقون بهذه الكلمة ولا يفهمون منها ما نفهم نحن منها من الاستسلام والخضوع والإذعان لأمر الله، وذلك مع السلامة مما يخالف التوحيد من الشرك وغيره، فيجب علينا معشر المسلمين أن نشيع هذا اللفظ مقروناً ببيان معناه في لغتنا، بحيث يكون كلما ذكرت كلمة الإسلام فهم معناها في لغة العرب. وأما الفريق الثاني: فهم غير المسلمين ممن يعرفون اللغة العربية، فهؤلاء إذا سمعوا قول الله ﵎: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، وإذا سمعوا قوله : ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥]، تنصرف أذهانهم إلى الإسلام الخاص الذي دعا إليه محمد رسول الله ﷺ ، ويحسبون أن رسالة موسى التي يعبر عنها الآن بالموسوية، أو اليهودية، وأنّ رسالة عيسى التي يعبر عنها الآن بالمسيحية، لا تدخلان في عموم الإسلام المذكور في الآيتين السابقتين، فاليهود والنصارى إذا قلت لهم: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] فإنهم يتخيلون الإسلام ديناً آخر غير دين موسى وعيسى ﵉. وهذا غير صحيح، فإنهم إذا فهموا هذا المعنى الذي ذكرناه آنفاً لأدركوا أن هذا يشمل ما جاء به موسى وعيسى عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام. ومما يؤسف له أشد الأسف أن هذه الحقيقة لم تغب عن الأعاجم الذين لا ينطقون العربية ولا يعرفونها فقط، ولا عن اليهود والنصارى الذين يعرفون اللغة العربية فقط، ولكن المصيبة الكبرى أن تغيب هذه الحقيقة العظمى المعلومة من الدين بالضرورة، بل هي ألف باء الإسلام، أن تغيب على كثير من المسلمين. وإذا سألت كثيراً من الناس وخصوصاً العوام أو المنصرفين عن تعلم دينهم انصرافاً كلياً، أو كلمته في تكفير اليهود والنصارى فإنه يقول: لقد خلقنا الله كلّنا، وهذا المنطق منطق جاهلي ساذج جداً، وقد يستدلون على هذا المعنى الفاسد بآيات من القرآن. فالمهم أن بعض الجهلة من المسلمين يحملون الآيتين السابقتين على الإسلام الخاص، ولا يفطنون إلى أن الأسلام هو دين جميع الأنبياء والمرسلين، وأنهم هم وأتباعهم أجمعون كانوا مسلمين.

стр. 2027

النصوص الشرعية الدالة على أن دين جميع الأنبياء والرسل هو: الإسلام إننا سنورد شواهد من القرآن الكريم تدل على أن دين الإسلام هو دين جميع الأنبياء والرسل. قال الله مخاطباً رسله الكرام عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون:٥١ - ٥٢]. فقوله: (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ) ليس المراد بالأمة هنا: الشعب، أو الأمة العربية، لا، وإنما المراد بالأمة هنا: الملة، أي: وإن هذه ملتكم، فكلمة أمة جاءت في القرآن على عدة معان، فتأتي بمعنى الجمع من الناس والقوم، وتأتي بمعنى الفترة الزمنية، مثل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف:٤٥]، أي: بعد فترة من الزمن. وتأتي بمعنى قدوة، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل:١٢٠] أي: قدوة وجامع لخصال الخير. وتأتي بمعنى الملة والدين، كما في هذه الآية: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المؤمنون:٥٢] أي: هذه ملتكم ملة واحدة، وهذا دينكم دين واحد وهو دين الإسلام. وقال في بيان أنّ دعوة الأنبياء واحدة: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى:١٣]. وقال أيضاً في حق الأنبياء: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٧٩ - ٨٠]. وقال حاكياً عن أول رسول وهو نوح ﵇ أنه قال لقومه: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٧٢]. وقال عن إبراهيم ﵇: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران:٦٧]. وقال عن إبراهيم ويعقوب أيضاً ﵉: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٠ - ١٣٢]. وقال أيضاً في شأن يعقوب ﵇: ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٣]. وحكى عن يوسف ﵇: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف:١٠١]. وحكى عن لوط ﵇ أنه قال: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ * قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ * فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣١ - ٣٦]. وقال عن موسى ﵇: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٨٤]، ولم يقل: إن كنتم يهوداً، لكنه قال: ((فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ)). وقال حاكياً عن سحرة فرعون الذين آمنوا بموسى ﵇: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف:١٢٦]. وقال تعالى حاكياً عن فرعون: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٩٠]. وقال حاكياً عن بلقيس: ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل:٢٩ - ٣١]. وقال : ﴿فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ [النمل:٤٢]، والمراد بقوله: (وكنا مسلمين) أي: سليمان ومن آمن معه، إلى قوله تعالى: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل:٤٤]. وقال في شأن عيسى ﵇: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٥٢]، فالحواريون كانوا مسلمين، وقال أيضاً عن الحواريين: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة:١١١]. وقال : ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]. قال الزمخشري في قوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ [المائدة:٤٤]، قال: المراد بإجراء هذه الصفة التعريض باليهود، وأنهم بُعداء عن صلة الإسلام التي هي دين الأنبياء كلهم في القديم والحديث، وأن اليهودية بمعزل. أي: أن المراد: كأنكم يا يهود لستم مسلمين، فأنتم بمعزل عن صفة الإسلام وغير مرتبطين بها. وقال ابن منظور في قوله تعالى: ((يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا)): فسره ثعلب فقال: كل نبي بعث بالإسلام غير أن الشرائع تختلف. وقال تعالى عن أهل الكتاب من اليهود والنصارى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ [القصص:٥٢ - ٥٣] يعني: أن المؤمنين منهم بدينهم حقاً يقولون: إنا كنا من قبل نزول القرآن مسلمين، ولم يقولوا: إنا كنا من قبل يهوداً أو نصارى. وقال : ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ * قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٨٣ - ٨٤] يعني: لا نفرق بين أحد منهم في الإيمان، بل نؤمن بجميع الأنبياء، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥]. فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران:١٩] يفهم منه أنه لا يقبل من أحد ديناً سوى دين الإسلام، وأن من في السماوات والأرض قد أسلموا لله طوعاً

стр. 2028

خطأ تسمية الأديان بالموسوية، والمسيحية، والمحمدية من خلال هذا العرض نخلص إلى أمور مهمة جداً: الأمر الأول: أن من الخطأ تسمية هذا الدين الذي كنا نتحدث عنه بالموسوية، أو المسيحية، أو المحمدية، فإنما هو دين الإسلام، وهو دين واحد أرسل الله به جميع الرسل عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، داعين أممهم إليه، فمن أجابهم كان مسلماً، فلا يصح أن تقول: الموسوية، أو المسيحية، أو المحمدية؛ لأنه ليس مذهباً أسسه موسى، أو عيسى، أو محمد، وإنما هم مبلغون فقط ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ [المائدة:٩٩].

стр. 2029

عدم جواز إطلاق عبارة: الأديان السماوية الأمر الثاني الذي نستخلصه من هذه المقدمة: هو عدم جواز إطلاق عبارة: الأديان السماوية؛ لأنه لا يوجد أديان سماوية، وكيف تكون كلها أدياناً سماوية وهي متناقضة متعارضة؟! فالنصرانية تدعوا إلى التثليث والشرك بالله ، واليهودية فيها التشبيه وسب الأنبياء، وفيها الكثير من الضلال والانحراف. وكيف أيضاً نصفها جميعاً بأنها أديان سماوية بصيغة الجمع؟ فهذا أيضاً خطأ؛ لأنه لا توجد أديان سماوية متعددة، فيمكن أن تقول لها: أديان، لكن لا تقل سماوية؛ لأن الأديان تشمل الدين الحق والدين الباطل، كقوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:٦]، وكقوله: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ [يوسف:٧٦]. أذاً: فكلمة الدين ككلمة الإله، فيها الحق وفيها الباطل، فيمكن أن تقول: الأديان بالجمع، وأما أن تقول: الأديان السماوية فلا يصح؛ لأن السماء لم ينزل منها إلا دين واحد فقط وهو دين الإسلام ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥]، فالدين لا يتعدد وإنما التعدد في الشرائع والرسالات، فمن الممكن أن تقول: الرسالات السماوية، وتعني: رسالة عيسى، ورسالة موسى، ورسالة نوح، وهكذا، أو تقول: الشرائع السماوية، وتعني: شريعة محمد، وموسى، وعيسى، فهذه تختلف وتتعدد، فالأحكام العملية تختلف من نبي إلى آخر، كتفاصيل الصلاة والطهارة وأحكام الزواج والطلاق، وكيفية العبادات والأحوال الشخصية والأحكام عامة.

стр. 2030

بطلان فكرة التقريب بين الأديان الأمر الثالث الذي نستخلصه مما مضى: بطلان الفكرة الضالة الداعية إلى التقريب بين الأديان السماوية، فهذه الدعاوى الخبيثة قد تورّط فيها بعض الجهلة من المسلمين، ففكرة التقريب بين الأديان ليست دعوة حق، وإنما هي دعوة خبيثة كي يتنازل المسلمون عن دينهم، ولا يمكن أن نتنازل عن ديننا ولا عن أية جزئية منه، فهو أمانة الله ، فينبغي أن نحافظ عليه، فيكف نقول بالتقريب يبن الأديان السماوية، ونحن نؤمن أنه لا توجد أديان سماوية، وإنما هناك دين سماوي واحد وهو الإسلام؟! فمحاولة التوفيق بين الإسلام وغيره من الأديان إنما هي محاولة للتوفيق بين الحق والباطل، وبين الكفر والإيمان، وبين دين أنزله الله وحفظه وهو الإسلام، وبين دين أنزله الله لكن طرأ عليه التحريف والتغيير والتبديل، كاليهودية والنصرانية. فإذا كان الدين عند الله واحداً كما سبق أن بينا، فكيف يصح أن ندعو إلى التقريب بين الشيء ونفسه؟! فالدين كله واحد، ونحن لا نحتاج إلى دعوة للتقريب.

стр. 2031

العقيدة الصحيحة المنقذة للبشرية من الهلاك هي العقيدة الإسلامية الأمر الرابع: أن العقيدة الوحيدة الصحيحة على وجه الأرض منذ أن بعث الله محمداً ﷺ وإلى اليوم لا توجد إلا في الإسلام، لأن الله قد تكفل بحفظه من التغيير والتحريف والتبديل ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]. وهذه العقيدة هي نفس العقيدة التي دعا إليها الرسل الكرام في كل زمان ومكان، فلا تختلف من رسول إلى رسول، ولا من زمان إلى زمان، وأما ما عداها من العقائد الموجودة على الأرض فهي عقائد فاسدة متعددة، وفسادها ناشئ من كونها نتاج أفكار البشر وأهوائهم، وقد يكون أصل بعض هذه العقائد صحيحاً، لكن التغيير والتحريف طرأ عليها كما هو الحال في زماننا هذا بالنسبة إلى اليهودية والنصرانية. فاليهودية في وضعها الحالي عقيدة عنصرية، فهي مبنية على الاعتقاد بأنهم شعب الله المختار، وأن كل من عداهم من الأمم هم بمثابة الحمير التي خلقها الله لبني إسرائيل؛ كي يركبوها ويستذلوها ويسخروها، فهذه هي نظرة اليهود إلى كل من عداهم. لذلك فاليهودية ليس فيها تبشير، واليهود لا يبشرون؛ لأنها ديانة عنصرية، فلا بد أن تكون من نفس اليهودي حتى تصير يهودياً، لذلك لا نجد في اليهودية خطر التبشير باليهودية والتهويد، لكن نجد عندهم خطر إفساد عقائد الناس الآخرين؛ حتى يفقدوهم عناصر القوة، وإفساد الأخلاق؛ حتى يحطموا هذه الأمم قبل أن يقيموا دولتهم الكبرى التي يسمونها: مملكة داود. وكذلك بالنسبة للنصرانية. فإذاً: هل يمكن أن يكون إنقاذ البشرية بديانة كالديانة اليهودية في وضعها الحالي؟! وهل يعقل أن يخرج البشرية مما هي فيه من الضلال والضياع أن تنتمي إلى الديانة اليهودية؟!! ومع ذلك فاليهود يقولون: غير مسموح لكم الولوج في هذا الباب؛ لأننا أشرف الخلق ونحن أفضل الأمم، وديانتنا ليست مفتوحة لهؤلاء الأوباش من الأمم الأخرى، فنظرة اليهود للأمم الأخرى التعالي والعنصرية. فقطعاً لا يمكن أن يكون إنقاذ البشرية بديانة كاليهودية، وهذا بغض النظر أيضاً عن الأحكام الفقهية والعملية الموجودة في شريعة التوراة، فقد كان فيها تشديد؛ لأن الله عاقب اليهود بالتشديد عليهم حينما شددوا على أنفسهم، فوضع عليهم الآصار والأغلال، فلما جاء محمد ﵊ وضع عنا الآصار والأغلال، فستشقى البشرية بحمل هذه الأغلال التي عوقب بها بنو إسرائيل؛ بسبب تعنتهم مع نبيهم موسى ﵇. وهل يمكن أن تكون الديانة النصرانية هي المنقذة للبشرية؟ الجواب لا، وتفصيل ذلك يطول جداً، ولكن نمر عليها مراً سريعاً وهي أن الديانة النصرانية فيها هذه الفلسفة الوثنية التي دخلت عليها فأفسدتها وهدمتها تماماً. والنصارى أيضاً يصدقون بالتوراة وهي العهد القديم، وبالإنجيل وهو العهد الجديد، فالكتاب المقدس عندهم مكون من العهد القديم والعهد الجديد. واليهود يؤمنون بالعهد القديم، وهو التوراة ولا يؤمنون بالإنجيل الذي هو العهد الجديد، بخلاف النصارى فإنهم يؤمنون بالكتابين معاً. فهل يمكن أن تكون عقيدة الحق والنجاة في الصلب والتقديس والفداء وكذا وكذا، ثم لا يوجد لها أي أثر في العهد القديم على الإطلاق؟! وكذلك قضية آدم والخطيئة الأولى وتوريثها ذلك للبشر، وحصول الصلب بعد ذلك حتى يتحرر البشر من خطيئة أبينا آدم ﵇. فهل هذه هي عقيدة الحق؟ وهل كل هذه الأجيال البشرية التي ماتت، ماتت على غير العقيدة الصحيحة؟! فهذا أدل دليل على أن هذا الفساد في دين النصارى فساد طارئ عليه، ويكفي أن النصارى كلهم يكفر بعضهم بعضاً، ويعتقدون أن بعضهم من أصحاب النار خالدين فيها؛ بسبب مخالفتهم إياهم في عقيدة الثالوث، وهل كل من الأقانيم الثلاثة له ذات مستقلة أم لا؟ إلى آخره، فهناك كثير من العقائد الفاسدة التي ترفضها الفطرة، كعقيدة التثليث، والخطيئة الأولى، والصلب. ثم إنها ديانة خالية تماماً من التشريع، أو تكاد، وكما قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ما في دين النصارى من الباطل أضعاف ما فيه من الحق، وحقه منسوخ، فما بقي عندهم شيء. والأديان الموجودة الآن إما أديان صنعها البشر كالبوذية والزرادشتية والمجوسية، وغيرها من الأديان الضالة التي صنعت بأيدي البشر، فهذه كلها أديان، فالماركسية دين، والناصرية دين، لأنها طرائق في السلوك وفي الحياة وفي الاعتقاد تخالف ما عليه دين الإسلام، فهذه أديان باطلة صنعها البشر ابتداءً، وإما أنها أديان سماوية أصلاً، لكن طرأ عليها التحريف والتبديل والتغيير، كاليهودية والنصرانية، وأما العقيدة الوحيدة التي يقبلها الله منذ بعث محمداً ﵊ إلى أن تقوم الساعة، فهي عقيدة الإسلام، ورسالة نبي الإسلام محمد ﵌.

стр. 2032

العقائد الأرضية المحرفة هي التي تقبل التعدد الأمر الخامس والأخير الذي نستخلصه هو: أن هذه العقائد الأرضية والمحرفة هي التي تقبل التعدد، فيصح أن نسميها أديان، فنقول: الأديان الأرضية، والأديان الباطلة. وقد سمى الله الوثنية ديناً، فقال مخاطباً مشركي قريش: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:٦]. وليس المقصود منها إقرار الكفار على دينهم كما يفهم بعض الجهلة، وبعض الناس إذا أراد أن يفارق شخصاً فإنه يقول له: يا عم! لكم دينكم ولي دين!! والمقصود من قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ﴾ [الكافرون:٦]، أي: الباطل الذي أنا بريء منه، ﴿وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:٦]، أي: دين الحق، يعني: أنتم بريئون مما أعمل، وأنا برئ مما تعملون. وقال أيضاً حاكياً عن فرعون: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر:٢٦]، فسمى ما كان عليه وقومه ديناً. وكذلك قال في حق يوسف ﵇: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ [يوسف:٧٦] يعني: في نظام وشريعة الملك، فسماه أيضاً ديناً، فكل منهج يوضع للناس كي يسلكونه، وينظم حياتهم وعقائدهم فإنه يسمى ديناً، فالاشتراكية دين، والناصرية دين، والوجودية دين، فكل مذهب يخالف دين الإسلام فهو دين، سواء كانت مذاهب نفسيه أو فكرية أو اقتصادية، فهذه أديان يدينون بها ويخضعون لها، وهذه المذاهب تخالف دين الإسلام في شموله ونقائه وخلقه. فهذا ما تيسر اليوم من كلام في هذه القضية، وبهذا تقريباً نكون قد أنهينا الكلام في مسألة تاريخ الأديان وما يكتنفها من انحرافات في الفهم، وأهم النقاط التي ينبغي أن نلتفت إليها عند دراسة هذه القضية.

стр. 2033

الأسئلة

стр. 2034

النظام العالمي الجديد وأعماله الخبيثة السؤال ما المقصود بالنظام العالمي الجديد والشرعية الدولية؟ الجواب ليس بجديد، بل هو نظام عالمي قديم جديد، مثل العهد الجديد والعهد القديم، وكلاهما باطل، فالنظام العالمي الجديد لا يحتاج إلى شرح، ولا إلى توضيح بعدما مرت سنوات تزيد على الثلاث سنوات من بداية انتشار هذا النظام في العالم، فحصل فيه من الفساد في الأرض ما الله به عليم، وما لا يكاد يحصى، فمنذ أن أمسكت أمريكا بزمام الأمور على الساحة الدولية ونحن نرى الفساد والظلم والقهر، وصارت ما تسمى بالشرعية الدولية عصا تضرب بها بلاد المسلمين، فمجلس الأمن صار مجلس تأديب للمسلمين، وليس له وظيفة غير تأديب المسلمين، فقد صار مجلس تأديب كمجالس التأديب في الجامعة وغيرها، وأمينه هو الخبيث الخائن المجرم بطرس غالي، وهو خصم الإسلام والمسلمين، فكيف يكون القاضي الذي يتحكم في قضايا العالم الإسلامي من شرقه إلى غربه خصماً من خصوم الإسلام، وعدواً لدوداً لله ولرسوله ﵊، كارهاً لأمة المسلمين وحاقداً عليها؟! نسأل الله أن يأخذه ومن والاه أخذ عزيز مقتدر. فهذا النظام نظام قرصنة، وهو نفس نظام القراصنة القدامى لم يتغير منه شيء، لكن العصابات صارت يحكمها زعيم واحد، ولم تعد متفرقة كما كانت من قبل، وهي عصابة يكشفها لنا قول الله ﵎: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً﴾ [التوبة:٨]. فعلينا أن نقبل خبر الله ، وأن نوقن به، ولا نحتاج إلى دليل من الواقع. من قبل كنا نرهق جداً مع الناس حتى نثبت لهم أن الكفار يتآمرون على الإسلام، يقول: كيف ذلك وهم أناس لطاف وأناس عندهم عدل وأناس عندهم كذا؟! أما الآن فقد كشروا عن أنيابهم، وظهرت الحقيقة التي كانت دفينة، كما قال ﵎: ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران:١١٨]. فقد بعث الخبيث جون ميجور بياناً سرياً لـ دجلس هوك يبين فيه حقيقة السياسة البريطانية فيما يتعلق بالبوسنة والهرسك، فلما انتشر المنشور هنا، ووزع في بعض المحافظات، أسرعت السفارة البريطانية في تكذيبه، وأن هذا لا أساس له من الصحة. فلنفرض أنه ليس له أساس من الصحة، فهذا ميجور نفسه الخبيث يقول في حديث صحفي وقد سئل: كيف لا توافقون على تسليح البوسنة والهرسك؟! فقال معتذراً: نحن لا نسمح بتسليح البوسنة والهرسك؛ لأن هذا سيطول مدى الحرب، ومعنى ذلك: أن نتركهم حتى يذبحوا عن آخرهم، فهذا هو الحل!!!

стр. 2035

درجة حديث صلاة الحاجة السؤال ما حال الحديث الوارد في صلاة الحاجة؟ الجواب الحديث الوارد في صلاة الحاجة لا يصح، لكن من السنة أن الإنسان قبل أن يدعو الله ﵎ أن يتقرب إليه بعمل صالح، سواء كان صلاة أو غيرها، فمن هذه الحيثية يمكن أن تتقرب إلى الله بعمل صالح قبل أن تدعوه؛ لأن هذا أرجى لقبوله واستجابته. والله تعالى أعلم. وصلى الله على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
следующие страницы →