← Джавами‘

Джавами‘ · id 37018

دروس الشيخ محمد إسماعيل المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (2 122 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

شرف العلم وأهله إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعد: إن الله جل ذكره شرف أهل العلم الشرعي على غيرهم، فقال : ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٩]، وقال مبيناً أنه يرفعهم درجات: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١]، ولم يأمر الله نبيه ﷺ أن يسأله الزيادة في شيء إلا في العلم؛ لأن العلم فيه زيادة درجاته ﷺ ، ولذلك قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:١١٤]. وبين الله أن أشد الناس له خشية هم العلماء، فقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] ولا ريب أن الله لا يعني في أمثال هذه الآيات علماء الدنيا، كعلماء الحساب، أو الهندسة، أو الطب، أو الصناعة، أو الزراعة، أو غير ذلك؛ لأن أكثر هؤلاء لا يؤمن بالله فضلاً عن أن يخافه أو يتقيه. وهؤلاء الذين فرحوا بما عندهم من العلم بظاهر الحياة الدنيا جعل الله علمهم كالجهل في قوله ﵎: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الروم:٦ - ٧]، فأبدل من قوله: (لا يعلمون) قوله: (يعلمون)، فدل على أن هذا العلم ما دام متوقفاً على ظاهر الحياة الدنيا دون أن ينفذ إلى باطن ذلك مما في هذا العلم من آيات ودلائل توحيد الله فهو جهل. والله ﵎ وصف أهل الكفر والشرك بالضلال والجهل، حتى ولو كانوا على علم بعلوم الدنيا، فقال ﵎: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ [البقرة:١١٨]، وقال أيضاً: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ [البقرة:١١٣] بذلك إلى المشركين، وقال الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:١٨٧]، فوصف أكثر أهل الأرض بالجهل على ما كانوا عليه من العلم، وعمارة الدنيا، ومهارة في الصناعة والزراعة، ونحو ذلك.

стр. 1962

من أشراط الساعة تناقص العلم الشرعي بين النبي ﷺ أن العلم يكون في تناقص، فبين في بعض الأحاديث أن من أشراط الساعة أن يظهر الجهل، ويرفع العلم، فإذا تأملنا واقع الناس اليوم وجدنا ظهور العلم الدنيوي، وانتشار الجهل بأمور الدين، حتى إنك تفاجأ أن من الناس من لا يعرف أصلاً أن الصلاة واجبة، يحكي لي قصة بدايته أن المواظبة على الصلاة كانت في سن الأربعين؛ لأنه وجد كتاباً عند أحد باعة الجرائد عنوانه: حكم تارك الصلاة، وكان وقتها لا يعلم حكم الصلاة، ففوجئ بأن الصلاة واجبة وفريضة، ولا ندري كيف نصدق أو نتخيل أن إنساناً يعيش في وسط المسلمين ثم يجهل أن الصلاة فريضة؟! بل هي عمود الدين الأعظم بعد التوحيد، فإنا لله وإنا إليه راجعون! وهذه فنانة تائبة تقول: إنها لم تكن تعرف أصلاً أن الحجاب واجب، وإنما كانت تعرف أن الحجاب شيء اختياري. ومظاهر الغربة في الدين في هذا الزمان كلها ناشئة عن أن الجهل بالعلم الديني هو الذي يشيع، ومع اجتهاد الناس في تحصيل علوم الدنيا، ولو على حساب الدين، يقول ﷺ : (إن الله يبغض كل جعظري جواظ، صخاب في الأسواق، جيفة بالليل، حمار بالنهار، عالم بأمر الدنيا، جاهل بأمر الآخرة)، فهو في غاية الاجتهاد في تعلم أمور الدنيا، فإن كان نجاراً فهو يعرف أنواع الخشب وكذا وكذا، وإن كان مهندساً في السيارات فهو يعرف جميع ماركات السيارات وخصائصها وكذا وكذا، بل من الناس من يحفظ أسماء لاعبي الفرق في كرة القدم، وتفاصيل حياتهم الشخصية في كل أقطار الأرض، وغير ذلك من هذه التفاهات، مع أن ذلك لا يغني عنه عند الله شيئاً.

стр. 1963

العلم بالله وبشرعه أشرف العلوم إن العلم الذي ينبغي أن ينصرف إليه الفهم -عندما تطلق كلمة العلم أو العلماء في القرآن أو السنة- هو العلم الذي هو أشرف علم في الوجود، وهو: العلم بالله، وبدين الله ﵎، وبأحكام هذا الدين. فهذا العلم هو الذي جاءت به الرسل لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وهو الذي حواه كتاب الله العزيز، وسنة رسوله الكريم ﵌. فعلم الدين هو أشرف العلوم على الإطلاق، فشرف العلم يكون بشرف المعلوم يعني: أن العلم يأخذ مرتبته في الشرف بحسب المعلوم الذي يتعلم عن طريق هذا العلم، ولا شك أن علم الطب مثلاً أشرف من علم الحشرات، مع أن هذا علم وهذا علم، لكن حتى علوم الدنيا تتفاضل؛ لأن هذا موضوع الحشرات، أما ذاك فموضوعه رأس مال الإنسان في هذه الحياة، وهو الصحة، وهكذا تتفاوت العلوم بحسب شرف موضوعها. فعلوم الدين بلا شك هي أشرف من علوم الدنيا، ثم إن علوم الدين نفسها تتفاوت في الشرف: فمنها علوم خادمة، ومنها علوم مخدومة، فالعلوم الخادمة التي هي علوم الوسائل: كعلم النحو، والصرف، واللغة، ونحو ذلك من العلوم التي هي آلات في فهم الكتاب والسنة، أما العلوم المخدومة فهي الأشرف: كعلم الفقه، وعلم الحديث، وعلم التفسير، ونحو ذلك من علوم الشرع الكريم، لكن أعظم علم فيه على الإطلاق هو علم التوحيد؛ لأنه إذا كان شرف العلم بشرف المعلوم فإن علم التوحيد موضوعه هو معرفة الله ؛ فبه نعرف الله ؛ ولأجل ذلك فإن العلم بالله وبأسمائه وصفاته وأفعاله وبتوحيده هو أشرف العلوم على الإطلاق في هذا الوجود، فأشرف العلوم الشرعية هو العلم بأسماء الله الحسنى، وصفاته العلى؛ لتعلقها بأشرف معلوم وهو الله . قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: والقرآن فيه من ذكر أسماء الله وصفاته وأفعاله أكثر مما فيه من ذكر الأكل والشرب والنكاح في الجنة. يعني: أن الآيات التي فيها صفات الله ، وأسماؤه الحسنى أكثر بكثير جداً من الآيات التي فيها نعيم الجنة من الأكل والشرب والنكاح وغير ذلك، والآيات المتضمنة لذكر أسماء الله وصفاته أعظم قدراً من آيات المعاد، فأعظم آية في القرآن الكريم هي آية الكرسي، كما قال النبي ﷺ لـ أبي بن كعب: (أتدري أي آية في كتاب الله أعظم؟ قال: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، إلى آخر آية الكرسي، فضرب بيده في صدره وقال: ليهنك العلم أبا المنذر!)، وهذا الحديث رواه مسلم، وهو دليل على أن أشرف آية في القرآن الكريم كله هي آية الكرسي، وإذا تأملنا آية الكرسي التي هي أعظم آية في القرآن الكريم نجد أنه ليس فيها أمر ولا نهي، ولا حلال ولا حرام، وليس فيها إلا الإخبار عن صفة الله، وما الذي يليق به فنثبته له، وما الذي لا يليق فننفيه عنه ، فقوله: (الله لا إله إلا هو) (لا إله) هذا هو الكفر بالطاغوت، (إلا هو) إثبات التوحيد لله ، وهكذا بقيتها في صفة الله ، قال تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥]. وكذلك أفضل سورة في القرآن الكريم هي سورة الفاتحة، كما ثبت ذلك في حديث أبي سعيد بن المعلى في الصحيح حين قال له النبي ﵌: (إنه لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها -أي: مثل سورة الفاتحة-، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته)، وفيها من ذكر أسماء الله وصفاته أعظم مما فيها من ذكر المعاد، كما هو معلوم. وقد ثبت في الصحيح أيضاً عن النبي ﷺ من غير وجه أن: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) تعدل ثلث القرآن، وليس في: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) التي لها هذه المنزلة العظيمة أو العظمى سوى الإخبار عن صفة الله ، وكيف نعرف الله. وكما نلاحظ أن المعرفة بالله منصبة على أسلوب التلقين؛ لأن الله لا نعرفه بالعقل، كما يشيع على ألسنة بعض عوام الناس؛ حيث تسمع منهم من يقول: ربنا عرفناه بالعقل، فنتدبر بالعقل في آيات الله وفي صفات الله، وصفات الله قد تعرف عن طريق التأمل في آياته التي تدل على توحيده، لكن معرفة الله أساساً إنما تكون عن طريق الوحي الذي أوحاه إلى أنبيائه، فبه يتعرف العباد على ربهم، فيتعرفون أن له تسعة وتسعين اسماً من الأسماء الحسنى، وأنه على العرش استوى، وأن له كذا، وأنه يحب كذا، وأنه يبغض كذا، وهكذا، فهذا يأتي عن طريق التلقين، وليس عن طريق الاجتهاد العقلي؛ لأن العقل لا يمكن أبداً أن يدرك صفات الله ، ولا ما هي أسماء الله، ولا غير ذلك، بدليل أن أسماء الله كثيرة لا تسعة وتسعين، لكن الذي أخبرنا به هو التسعة والتسعون، قال ﷺ : (إن لله تسعة وتسعين اسماً من حفظها دخل الجنة)، وقال عليه الصلاة السلام في الدعاء: (أسألك بكل اسم هو لك؛ سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك)، فهذا يدل على أن لله أسماء لم نطلع عليها، ولا سبيل إلى الاطلاع عليها؛ لأن السبيل الوحيد هو الوحي، وقد انقطع الوحي، وهي غير موجودة فيما أوحي إلى النبي ﵌. وثبت في الصحيح: (أن النبي ﷺ بشر الصحابي الذي كان يختم القراءة في الصلاة في كل ركعة بـ (قل هو الله أحد)، فسأله عن سبب ذلك؟ فقال: إني أحبها؛ لأنها صفة الرحمن، فأخبره ﵊: بأن الله يحبه) والحديث متفق عليه، فبين أن الله يحب من يحب الثناء عليه بذكر صفاته وأسمائه ، فالله يحب أن يذكر بهذه الصفات العظمى والأسماء الحسنى.

стр. 1964

فائدة العلم بالله وبأسمائه وصفاته العلم بأسماء الله جل ثناؤه وصفاته ومعرفة معانيها يحدث خشية ورهبة في قلب العبد، فمن عرف أن الله بكل شيء عليم، وأنه لا تخفى عليه خافية من أعمال العباد، ويؤمن بذلك فإنه يكون أشد خوفاً ممن لا يعلم ذلك، سبق أن تكلمنا في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [النحل:١٠٥] وقلنا: إن (إنما) تفيد الحصر، فكأن صفة الكذب لا توجد إلا فيمن لا يؤمن بآيات الله، ولذلك المؤمن لا يكون كذاباً، كما جاء في الحديث؛ لذلك فإن من أخلاق من يؤمن بآيات الله أنه يتنزه عن الكذب، فهذه لفتة إلى أثر الإيمان بصفات الله سبحانه تعالى، وبآيات الله في سلوك الإنسان. ومن يعلم أن الله لا يعجزه شيء وهو على كل شيء قدير أتقى ممن لا يعلم، وهكذا في سائر الأسماء والصفات، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]، قال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري رحمه الله تعالى في الآية: إنما يخاف الله فيتقي عقابه بطاعته العلماء بقدرته على ما يشاء من شيء، وأنه يفعل ما يريد؛ لأن من علم ذلك وأيقن بعقابه على معصيته خافه ورهبه خشية منه أن يعاقبه. إذاً: العلم بالله يدعو إلى محبته وخشيته ورجائه، والتوكل عليه، والإنابة إليه، وفي هذا فوز العبد وسعادته في الدارين، ولا يمكن معرفة الله إلا بمعرفة أسمائه الحسنى وصفاته العلى، وفهم معانيها، والعلم بالله هو أحد أركان الإيمان، بل هو أصل الإيمان كله، وما بعده تبع له، وليس الإيمان مجرد أن تقول: آمنت بالله من غير علم ومعرفة بالله، بل إن حقيقة الإيمان أن يعرف العبد الرب الذي يؤمن به، ولذلك جاء في الحديث أنه لما أرسل ﵊ معاذاً إلى اليمن قال له: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فإذا لقيتهم فليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله، ثم قال: فإذا هم عرفوا الله فأخبرهم: أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات)، فجعل أول واجب هو معرفة الله ، وفي بعض الروايات: (فإذا هم وحدوا الله).

стр. 1965

أهمية معرفة أسماء الله وصفاته يجب على الإنسان أن يبذل جهده في معرفة أسماء الله وصفاته حتى يبلغ درجة اليقين، وبحسب علم العبد بربه تكون درجة إيمانه، فكلما ازداد معرفة بربه ازداد إيمانه، والطريق الشرعي للعلم بالله وبأسمائه وصفاته هو تدبر القرآن والسنة وما جاء فيهما. ثم إن الله خلق الخلق ليعبدوه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] أي: ليعبدوني وحدي، ولا يمكن أن يعبدوه دون أن يعرفوه، فلابد من معرفتهم له سبحانه ليحققوا الغاية المطلوبة منهم، والحكمة من خلقهم، والعبادة لا تصح من الكافر؛ لأن الكافر لا تصح نيته، والمؤمن تصح منه العبادة؛ لأنه ينوي التقرب بها إلى الله، والكافر لا يعرف الله، فكيف تصح منه العبادة لو أتاها دون أن يدخل في الإسلام؟! فالنصراني -مثلاً- إذا صلى أو حج أو فعل أي شيء من أفعال القرب يتقرب به إلى المسيح فقد أخطأ وضل الطريق، كما وصفهم الله بالضالين، فلا يمكن أن تصح عبادته وهو لا يعرف الله، ولا يعرف ما الذي يليق به، وما الذي ينبغي أن ينزه الله عنه، فالاشتغال بمعرفة الله هو اشتغال بما خلق العبد من أجله، فالوظيفة التي خلقت من أجلها أيها الإنسان! أن تعرف الله؛ لأنه لا يمكن أن تعبده وأنت لا تعرفه، وترك هذا العلم وتضييعه إهمال لما خلقت له، وقبيح بعبد لم تزل نعم الله عليه متواترة، وفضله عليه عظيماً متوالياً من كل وجه أن يكون جاهلاً بربه معرضاً عن معرفته ومعرفة أسمائه وصفاته. والعالم بالله تعالى حقيقة يستدل بما علم من صفاته وأفعاله على ما يفعله وعلى ما يشرعه من الأحكام؛ لأن الله لا يفعل إلا ما هو من مقتضى أسمائه وصفاته، فأفعاله دائرة بين العدل والفضل، وكذلك لا يشرع ما يشرعه من الأحكام إلا على حسب ما اقتضاه حمده وحكمته وفضله وعدله، فأخباره كلها حق وصدق، وأوامره ونواهيه عدل وحكمة، وهذا العلم أعظم وأشهر من أن ينبه عليه، كما قال الشاعر: وكيف يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل قال أبو القاسم التيمي الأصبهاني في بيان أهمية معرفة الأسماء الحسنى: قال بعض العلماء: أول فرض فرض الله على خلقه معرفته؛ فإذا عرفه الناس عبدوه. يعني: أن معرفة الله هي أول فرض أوجبه الله على عباده، فإذا عرفه الناس عبدوه، قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩]، وبدأ القرآن بالبسملة: بسم الله الرحمن الرحيم، يعني: أن أول شيء في القرآن هو البسملة، وفيها البداءة بأسماء الله: الله، الرحمن، الرحيم، ونزل الوحي أول ما نزل آمراً النبي ﷺ بأن يتدبر آيات الله كلها من خلال النظر في أسمائه الحسنى، قال تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١]، فليس من علم ولا فهم إلا ويوصل إليه من خلال أسماء الله الحسنى، والعلم بالأسماء الحسنى هو أساس قبول الدعاء؛ فإنك إذا لم تعرف من تدعوه فكيف تتوجه إليه؟! وإذا لم تعرف صفاته فكيف تتوجه إليه بالدعاء؟! ولذلك مما يدل على توجه العبد بالدعاء إلى الله معرفته بأسماء الله وصفاته. والدعاء يرادف في القرآن العبادة ويعتوران، يعني: يتبادلان المواقع، فأحياناً تعبر العبادة عن الدعاء والعكس؛ لأن الدعاء من أظهر أنواع العبادة، كما قال النبي ﷺ : (الدعاء هو العبادة، وقرأ قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠]) فمجرد توجهك في الدعاء إلى الله له معانٍ كثيرة جداً منها: إثبات وجود الله؛ لأن العدم لا يدعى، ومنها: إثبات رحمة الله؛ لأن القاسي لا يدعى، ومنها: إثبات كرم الله وجوده؛ لأن البخيل لا يدعى، وإثبات كذا وكذا وكذا من الصفات التي بها يدلل على إيمانك بها. كذلك العلم بأسماء الله الحسنى ينشئ حب الله ﵎، ويقويه في قلب المؤمن؛ لما فيها من كمال وجلال وجمال. قال بعض أهل العلم: لو أراد رجل أن يتزوج من رجل أو يزوجه أو يعامله طلب أن يعرف اسمه وكنيته واسم أبيه وجده، وسأل عن صغير أمره وكبيره، فالله الذي خلقنا ورزقنا ونحن نرجو رحمته ونخاف من سخطته أولى أن نعرف أسماءه وتفسيرها. والله تعالى أعلم.

стр. 1966

أهمية العلم بأسماء الله الحسنى إن العلم بأسماء الله ومعرفة معانيها ودلالتها، وآثار الإيمان بها من أعظم المقاصد، بل هو أصل للعلم بكل المعلومات. قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: إحصاء الأسماء الحسنى والعلم بها أصل للعلم بكل معلوم، فإن المعلومات سوى الله إما أن تكون خلقاً له تعالى، أو أمراً. إما خلق وإما أمر، إما علم بما كونه -يعني: بما خلقه- أو علم بما شرعه: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]، ومصدر الخلق والأمر أسماؤه الحسنى، فالأمور التكوينية والشرعية تصدر عن أسماء الله الحسنى، وهما مرتبطان بها ارتباط المقتضى بمقتضيه، فالأمر كله مصدره الأسماء الحسنى، وهذا كله حسن لا يخرج عن مصالح العباد، والرأفة والرحمة بهم، والإحسان إليهم بتكليفهم بما أمرهم به، ونهاهم عنه. فأمره كله مصلحة وحكمة ورحمة، ولطف وإحسان؛ إذ مصدره أسماؤه الحسنى، فلا تفاوت في خلقه، ولا عبث، ولم يخلق خلقه باطلاً، ولا سدى، ولا عبثاً، وكما أن كل موجود سواه -يعني: لا يمكن أنه يكون موجوداً إلا أن يوجده الله فوجود من سواه تابع لوجوده ، تبع المفعول المخلوق لخالقه، فكذلك العلم بها أصل للعلم بكل ما سواه، فالعلم بأسمائه وإحصاؤها أصل لسائر العلوم، فمن أحصى أسماءه كما ينبغي أحصى جميع العلوم؛ إذ إن إحصاء أسمائه أصل لإحصاء كل معلوم؛ لأن المعلومات هي من مقتضاها، ومرتبطة بها.

стр. 1967

مذهب أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات ذكر الشيخ محمد بن حمد الحمود حفظه الله في كتابه: (النهج الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى) مقدمة يسيرة حول مذهب أهل السنة والجماعة في الأسماء الحسنى فقال: مذهب أهل السنة والجماعة في الأسماء الحسنى هو مذهبهم في الصفات عموماً، وذلك أن أسماء الله دالة على صفات كماله، فهي مشتقة من الصفات، فهي أسماء، وهي أوصاف، ولذلك كانت حسنى. والذي درج عليه سلف الأمة ومن تابعهم بإحسان، واتفقوا عليه: هو الإقرار والتصديق بآيات الأسماء والصفات وأحاديثها، وإمرارها كما جاءت، وإثباتها دون تشبيه أو تعطيل أو تحريف أو تأويل. عن يونس بن عبد الأعلى قال: سمعت الشافعي رحمه الله تعالى -وقد سئل عن صفات الله وما يؤمن به- يقول: لله تعالى أسماء وصفات جاء بها كتابه، وأخبر بها نبيه ﷺ أمته، لا يسع أحداً من خلق الله قامت عليه الحجة ردها؛ لأن القرآن نزل بها، وصح عن رسول الله ﷺ القول بها فيما روى عنه العدول، فمن خالف ذلك بعد ثبوت الحجة عليه فهو كافر، أما قبل ثبوت الحجة عليه فمعذور بالجهل؛ لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل، ولا بالروية والفكر، ولا يكفر بالجهل بها أحد إلا بعد انتهاء الخبر إليه بها، ونثبت هذه الصفات، وننفي عنها التشبيه كما نفى التشبيه عن نفسه فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]. انتهى كلام الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، وإسناده إليه صحيح. وقال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى أيضاً في الرسالة: ولا يبلغ الواصفون كنه عظمته، الذي هو كما وصف نفسه، وفوق ما يصفه به خلقه . وعن محمد بن إسماعيل الترمذي قال: سمعت نعيم بن حماد يقول: من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف به نفسه ولا رسوله تشبيهاً. وقال الترمذي بعدما روى حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه، فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم مهره) إلى آخر الحديث: وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث، وما يشبه هذا من الروايات في الصفات، ونزول الرب ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا قالوا: قد ثبتت الروايات في هذا، ويؤمن بها، ولا يتوهم، ولا يقال: كيف؟ هكذا روي عن مالك بن أنس وسفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك أنهم قالوا في هذه الأحاديث: أمروها بلا كيف، وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة. وأما الجهمية فأنكروا هذه الروايات، وقالوا: هذا تشبيه، وقد ذكر الله ﵎ في غير موضع من كتابه: اليد والسمع والبصر، فتأولوا هذه الآيات، وفسروها على غير ما فسرها أهل العلم، وقالوا: إن الله لم يخلق بيده، وقالوا: إنما معنى اليد القوة. وقال إسحاق بن إبراهيم بن راهويه: إنما يكون التشبيه إذا قال: يد كيد، أو مثل يد، أو سمع كسمع، أو مثل سمع، فإذا قال: سمع كسمع، أو مثل سمع، فهذا تشبيه، أما إذا قال كما قال الله: يد، وسمع، وبصر، ولا يقول: كيف؟ ولا يقول: مثل سمع، ولا كسمع، فهذا لا يكون تشبيهاً، فهو كما قال تبارك في كتابه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]. انتهى من سنن الترمذي رحمه الله تعالى. إذاً: إثبات الأسماء والصفات كلها تنحصر فيما هو ظاهر هذه الأسماء والصفات إذا أطلقت في حق الله ﵎. والصحيح أن يقال: ظاهرها هو ما يليق بالله، فلا ينبغي أن تصرف النصوص عن ظاهرها، أما من قال: إن ظاهرها هو التشبيه فهذا فر من ذلك إلى التعطيل؛ لأنه فهم منها التشبيه، فوقع في التشبيه أولاً، فنفر من التشبيه إلى التعطيل، تعالى الله عن ذلك. فهو فر من فساد إلى فساد، لكن أهل السنة والجماعة يثبتون هذه الصفات والأسماء بلا كيف، وهذا هو مذهب الإمام أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري رحمه الله تعالى، الذي رجع إلى مذهب أهل السنة والجماعة، وترك ما كان عليه من علم الكلام المبتدع المخالف لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وقد ذكر نصوصاً في ذلك في (مقالات الإسلاميين) وهو كتاب للإمام الأشعري رجع فيه إلى مذهب أهل السنة والجماعة. قال ﵀ في كتابه (اختلاف المصلين ومقالات المسلمين) بعد أن ذكر فرق الخوارج، والروافض، والجهمية وغيرهم: ذكر مقالة أهل السنة وأصحاب الحديث: جملة قولهم: الإقرار بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وبما جاء عن الله، وما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ ، لا يردون من ذلك شيئاً، وأن الله على عرشه، كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]. وأن له يدين بلا كيف، كما قال: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]. وأن أسماء الله لا يقال: إنها غير الله كما قالت المعتزلة والخوارج، وأقروا أن لله علماً، كما قال تعالى: ﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء:١٦٦]، ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر:١١]. وأثبتوا السمع والبصر، ولم ينفوا ذلك عن الله كما نفته المعتزلة إلى آخر كلام الأشعري في إثبات الصفات. وهذه العقيدة هي التي كان عليها النبي ﷺ وأصحابه رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وهي التي تلقاها التابعون منهم، وتواصوا بها جيلاً بعد جيل، محذرين بعضهم البعض من مخالفتها، والميل عنها، ودان بهذه العقيدة أئمة السلف الماضين من المحدثين والفقهاء، والمفسرين، واللغويين، والمصنفين، وكيف لا تكون هذه هي العقيدة صحيحة والله قد زكى اعتقاد نبيه ﷺ وأصحابه رضي الله تعالى عنهم أجمعين بقوله جل ثناؤه: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ﴾ [البقرة:١٣٧]؟ فتأمل قوله: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ﴾ [البقرة:١٣٧] ففيه إشارة إلى أن الإنسان لا يهتدي إلا بهذه المثلية، وذلك بأن تكون عقيدتهم مثل عقيدة الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين ومن تبعهم بإحسان، قال : ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [البقرة:١٣٧ - ١٣٨]. فمذهب أهل الحق إثبات الأسماء الحسنى الواردة في الكتاب العزيز، وفي السنة المطهرة، والإيمان بها، وبما دلت عليه من المعاني، والإيمان بما تعلق بها من آثار، فمثلاً: نؤمن بأن الله رحيم، ومعناه: أنه ذو رحمة، ومن آثار هذا الاسم: أنه يرحم من يشاء. ومثال ثانٍ: نؤمن بأن الله قدير، ومعناه: أنه ذو قدره، ومن آثار هذا الاسم: أنه على كل شيء قدير، وهكذا القول في جميع الأسماء، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. قال الإمام الذهبي رحمه الله تعالى: ولو ذكرنا قول كل من له كلام في إثبات الصفات من الأئمة لاتسع الخرق، وإذا كان المخالف لا يهتدي بمن ذكرنا أنه يقول: الإجماع على إثباتها من غير تأويلها، أو لا يصدقه في نقله فلا هداه الله. يعني: إن كان لا يملأ عينيه الصحابة والتابعون وتابعو التابعين والأئمة العظام الأجلة، كالإمام الشافعي والإمام أحمد والإمام أبي حنيفة والإمام مالك وسفيان الثوري، وكل هؤلاء الأئمة من أئمة أهل السنة وأهل الحديث، إذا كان يخالفهم ويشذ عنهم فيما نقلوه من الإجماع على إثبات الصفات كما يليق بالله ، أو لا يصدقهم فيما نقوله من أن هذه عقيدة السلف. يقول: أي: أنه يدعو على من لم يهتد بمثل ما آمنوا به بألا يهديه الله، فلا هداه الله، ولا خير والله فيمن رد على مثل الزهري ومكحول والأوزاعي والثوري والليث بن سعد ومالك وابن عيينة وابن المبارك ومحمد بن الحسن والشافعي والحميدي وأبي عبيد وأحمد بن حنبل وأبي عيسى الترمذي وابن سريج، وابن جرير الطبري وابن خزيمة وزكريا الساجي وأبي الحسن الأشعري، أو لا يقول مثل قولهم من الإجماع. وممن حكى إجماعهم من الخلف الخطابي وأبو بكر الإسماعيلي وأبو القاسم الطبراني وأبو أحمد العسال إلى آخر هذه القائمة. إذاً: هذه مقدمة تتعلق بمنهج السلف في إثبات أسماء الله وصفاته، فإنهم قالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف. وسيأتي مزيد بيان إن شاء الله تعالى فيما بعد لهذه القواعد.

стр. 1968

وصف أسماء الله تعالى في القرآن بأنها حسنى وصف الله أسماءه بالحسنى في أربع آيات من القرآن العظيم، وهي قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:١٨٠]، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء:١١٠]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه:٨]، وقال أيضاً: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الحشر:٢٤]، قوله: (الحسنى)، هي تأنيث الأحسن، كالكبرى والصغرى تأنيث الأكبر والأصغر، وفي وصف الأسماء بكونها حسنى وجوه: الأول: أن أسماءه دالة على صفات كمال عظيمة، وبذلك كانت حسنى. ثانياً: أنها حسنى لما وعد الله عليها من الثواب بدخول الجنة لمن أحصاها، فإن من أحصاها دخل الجنة. ثالثاً: أن حسنها شرف العلم بها، فإن شرف العلم بشرف المعلوم، والبارئ أشرف المعلومات، فالعلم بأسمائه أشرف العلوم؛ فلذلك كانت حسنى. رابعاً: أن من تمام كونها حسنى: أنه لا يدعى إلا بها، لا يسأل الله ولا يدعى إلا بهذه الأسماء الحسنى، سواء كان دعاء الثناء والتحميد والتمجيد أو دعاء المسألة والطلب، فلا يسأل الله إلا بأسمائه الحسنى ولا يثنى عليه إلا بها، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:١٨٠]، قوله: (وذروا الذين يلحدون) الإلحاد في اللغة: هو الزيغ والميل والذهاب عن سنن الصواب، ومنه يسمى الملحد ملحداً؛ لأنه مال عن طريق الحق، ومنه اللحد وهو الشق في جانب القبر الذي قد مال عن الوسط، ومنه: الملتحد على وزن مفتعل، قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [الكهف:٢٧]، أي: لن تجد من تعدل إليه أو تهرب وتميل إليه.

стр. 1969

صور الإلحاد في أسماء الله تعالى أما التفصيل في صور الإلحاد في أسماء الله الحسنى، فإن الإلحاد في أسماء الله على أنواع:

стр. 1970

تسمية الله تعالى بما لا يليق بجلاله النوع الخامس من صور الإلحاد في أسماء الله : تسمية الله بما لا يليق بجلاله، كتسمية النصارى له أباً، يسمون الله أباهم، يقولون: أبانا الذي في السماء، فهذا من الإلحاد أن يسموا الله أباً لهم، وتسمية الفلاسفة لله بأنه الموجد بذاته، أو تسميته بأنه علة فاعلة بالطبع، ومن هذا قول الكرامية: إنه -تعالى الله عما يقولون- جسم أستغفر الله! وقول بعضهم: إنه جوهر ونحو ذلك، وكما يقول الماسوني في هذا العصر حينما يصفون الله سبحانه بأنه مهندس الكون الأعظم!! كل هذا من الإلحاد في أسماء الله ، لكن برأ الله أتباع رسوله ﷺ وورثته القائمين بسنته عن ذلك كله، فلم يصفوه إلا بما وصف به نفسه، ولم يجحدوا صفاته، ولم يشبهوها بصفات خلقه، ولم يعدلوا بها عما أنزلت إليه لفظاً ولا معنى، بل أثبتوا له الأسماء والصفات، ونفوا عنه مشابهة المخلوقات، فكان إثباته بريئاً من التشبيه، وتنزيههم خالياً من التعطيل. قال العلامة المحقق ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى: إن أسماء الرب ﵎ دالة على صفات كماله، فهي مشتقة من الصفات، فالرحيم اسم، لكن في نفس الوقت يتضمن إثبات صفة الرحمة لله ، فهي مشتقة من الصفات، فهي أسماء وهي أوصاف، وبذلك كانت حسنى، هذا هو السبب في كونها حسنى، إذ لو كانت ألفاظاً لا معاني لها لم تكن حسنى، ولم تكن دالة على حسن ولا على كمال، ولساغ وجود الانتقام والغضب في مقام الرحمة والإحسان وبالعكس، فيقال: لو أن الرحيم أو الغفور مثل المنتقم الجبار لكان للعبد أن يقول مثلاً: اللهم إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت المنتقم الجبار؛ لأن الرحيم نفس المنتقم تماماً!! أو مثلاً يقول واحد: اللهم أعطني فإنك أنت الضار المانع!! فهذه الأسماء عبارة عن حروف لا معاني من ورائها! مجرد أعلام بدون أن تكون متضمنةً لمعانيها التي تثبتها؛ ولذلك قال الإمام أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى: حقيقة الاسم: كل لفظ جعل للدلالة على المعنى، إن لم يكن مشتقاً، فإن كان مشتقاً فليس باسم إنما هو صفة، يقول: هذا قول النحاة، يعني: أهل اللغة والنحو يجعلون حقيقة الاسم: اللفظ الذي جعل للدلالة على المعنى إن لم يكن مشتقاً، لكن إن كان مشتقاً فهو في هذه الحالة يكون صفة؛ ولذلك حكى عن أبي الحسن بن أخت أبي علي قال: سمعت خالي أبا علي يقول: كنا بمجلس سيف الدولة بحلب وبالحضرة جماعة من أهل المعرفة، فيهم ابن خالويه إلى أن قال ابن خالويه في المجلس: أحفظ للسيف خمسين اسماً، فتبسم أبو علي وقال: ما أحفظ إلا اسماً واحداً وهو السيف، فقال ابن خالويه -وهو يحسب أنه لا يعرف فعلاً الأسماء التي تطلق على السيف: فأين المهند؟ وأين الصارم؟ وأين الرسوب؟ وأين المخذم؟ وظل يعدد أسماء السيف، فقال أبو علي بعدما وجده سرد كل هذه الأسماء وهو يعرفها والآخر لا يعرفها، قال له أبو علي: هذه صفات، وكأن الشيخ لا يفرق فيه بين الاسم والصفة، فإذاً: أسماء الله مشتقة من الصفات، فهي أسماء وهي في نفس الوقت أوصاف لله ، يقول ابن القيم: ونفي معاني أسمائه الحسنى من أعظم الإلحاد فيها، قال تعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:١٨٠]، يلحدون في أسمائه كالصور التي ذكرناها، ومنها صور أخرى يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى فيما بعد، كما يفعل الصوفية حين يلحدون في أسماء الله بأن يطلقوا على الله أسماء بلغات غير مفهومة ولا واضحة، أو كما يسمون الله بأنه: آه، لما يذكرون الله، فبدل أن يقولوا: الله، يقولون: آه آه، أو: هو هو هو إلى آخره!! فهذا كله من الإلحاد في أسماء الله ، كما سنبين ذلك بالتفصيل فيما بعد إن شاء الله تعالى، يقول: ونفي معاني أسمائه الحسنى من أعظم الإلحاد فيها، قال تعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:١٨٠]، ولأنها لو لم تدل على معانٍ وأوصاف لم يجز أن يخبر عنها بمصادرها ويوصف بها، لكن الله أخبر عن نفسه بمصادرها وأثبتها لنفسه، وأثبتها له رسوله ﷺ ، فمثلاً: اسم القوي، ليس مجرد علم، لكنه يتضمن إثبات صفة القوة، والدليل: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٨]، (ذو القوة) فهذا إثبات لصفة القوة، خلافاً لما يصنعه الملاحدة من الجهمية، فعلم أن القوي من أسمائه ومعناه: الموصوف بالقوة، ذو القوة، كذلك قوله ﵎: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر:١٠]، (لله العزة) والعزيز اسم من أسماء الله، فالعزيز هو من له العزة، فلولا ثبوت القوة والعزة له لم يسم قوياً وعزيزاً ، ولذلك قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في النونية: أسماؤه أوصاف مدح كلها مشتقة قد حملت لمعاني إياك والإلحاد فيها إنه كفر معاذ الله من كفران وحقيقة الإلحاد فيها الميل للـ ـإشراك والتعطيل والكفران

стр. 1971

تشبيه صفات الله بصفات خلقه النوع الرابع من صور الإلحاد في أسماء الله الحسنى: تشبيه صفاته بصفات خلقه تعالى الله عما يقول المشبهون علواً كبيراً، فهذا الإلحاد في مقابلة إلحاد المعطلة، يعني: كما أن المعطلة الجهمية وغيرهم عطلوا أسماء الله وصفاته الكاملة وجحدوا معانيها، فهؤلاء في الجهة الأخرى شبهوها بصفات خلقه، فجمعهم الإلحاد، وتفرقت بهم طرق هذا الإلحاد، فهؤلاء ألحدوا بأن شبهوا الله بخلقه، وأولئك ألحدوا بأن عطلوا أسماء الله وصفاته، فهؤلاء شبهوا الخالق بالمخلوق حتى كأنهم عبدوا صنماً، والجهمية نفوا صفات الخالق وعطلوها حتى كأنهم عبدوا عدماً، حتى وصل الأمر إلى أن بعض الجهمية تطاول وغلا ورمى الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه بالتجسيم، حتى قال ثمامة بن الأشرس -وهو من رؤساء الجهمية- عليه من الله ما يستحق: ثلاثة من الأنبياء مشبهة! موسى حيث قال: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأعراف:١٥٥]، وعيسى حيث قال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:١١٦]، ومحمد ﷺ حيث قال: (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا)، إلى آخر الحديث. وجُلُّ المعتزلة تُدخِل عامة الأئمة، فأغلب المعتزلة ينظرون إلى هؤلاء الأئمة بأنهم مشبهون، وهؤلاء الأئمة مثل مالك وأصحابه والثوري وأصحابه والأوزاعي وأصحابه والشافعي وأصحابه وأحمد وأصحابه وإسحاق بن راهويه وأبي عبيد وغيرهم في قسم المشبهة، فهم يزعمون أن من قال إن الله فوق العرش فقد اعتقد أنه محدود ومحصور، والحدود لا تكون إلا لمخلوق فهذا القول تشبيه!! والسبب أنهم هم الذين شبهوا؛ فلذلك استفظعوا، أما لو لم يشبهوا لأثبتوا الصفة كما تليق بالله، ولما حصل هذا الإلحاد، يقولون أيضاً: إن من قال: إن لله علماً وقدرة وكلاماً فقد جعل الله محلاً للأعراض، وهي لا تقوم إلا بالجواهر فهو مشبه، إلى آخر ما يرمون به الرسل وأتباع الرسل من الألقاب التي يفترونها، تماماً كما كانت قريش تسمي النبي ﷺ ، تارة مجنوناً وتارة شاعراً وتارة كاهناً وتارة مفترياً.

стр. 1972

تسمية الأصنام بأسماء الله الحسنى النوع الأول: أن بعض الكفار سموا الأصنام بالأسماء الحسنى، فسموا الأحجار والأشجار والأوثان التي كانوا يعبدونها: آلهة، قال تعالى: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص:٥]، وسموا اللات من الإلهية، يعني: على أنه مؤنث رب الجلالة والعياذ بالله، وسموا العزى من العزيز، ومناة من المنان، فهذا إلحاد؛ لأنهم عدلوا ومالوا بأسمائه الحسنى إلى أوثانهم وآلهتهم الباطلة.

стр. 1973

وصف الله تعالى وتسميته بالنقائص النوع الثاني من صور الإلحاد في الأسماء الحسنى: وصف الله ﵎ وتسميته بما يتعالى عنه ويتقدس من النقائص، كقول اليهود عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم الدين: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١]، والعياذ بالله! فهذا إلحاد في أسماء الله أن يوصف الله بما يتضمن النقص، وقولهم: إنه استراح بعد أن خلق الخلق!! وقولهم لعنهم الله: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة:٦٤]، وأمثال ذلك من الإلحاد في أسمائه وصفاته. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وقد نزه الله نفسه عما وصفوه به من الفقر والبخل والإعياء، فالإعياء من جنس العجز المنافي لتمام القدرة، صحيح أن الله خلق السماوات والأرض، وخلق المخلوقات كلها، لكن لم يمسه أدنى تعب أو إعياء معاذ الله، ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨]، لم يمسه نصب أو إعياء؛ لأن الإعياء هذا من جنس العجز الذي ينافي كمال القدرة، والفقر من جنس الحاجة من الغير الذي يتنافى مع كمال الغنى، والبخل من جنس منع الخير وكراهة الإعطاء المنافي لكمال الرحمة والإحسان والقدرة والرحمة.

стр. 1974

تعطيل الأسماء عن معانيها وجحد حقائقها النوع الثالث من صور الإلحاد في أسماء الله الحسنى: تعطيل الأسماء عن معانيها، وجحد حقائقها، وأنها مجرد أعلام فقط، يعني: أسماء لا معنى وراءها، لا تتضمن المعاني التي اشتقت منها، فهي مجرد أعلام، وعليه يكون الجبار مثل الرحيم مثل العزيز، كلها مجرد أعلام مع جحد معانيها وحقائقها، وهذا مذهب الجهمية وأتباعهم، فيطلقون على الله اسم السميع والبصير والحي والرحيم والمتكلم والمريد، لكن يقولون: هذه أعلام مجردة لا معنى وراءها، فهم يقولون: سميع بلا سمع! عليم بلا علم! مع أن الله تعالى يقول: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء:١٦٦]، فهم يفصلون الأسماء عن المعاني، فالله اسمه السميع بلا سمع، البصير بلا بصر، الحي بلا حياة، الرحيم بلا رحمة، المتكلم أو المريد بلا إرادة ولا كلام، لا تقوم به هذا الصفات، وهذا من أعظم الإلحاد فيها عقلاً وشرعاً ولغة وفطرة، وهو يقابل إلحاد المشركين، فإلحاد المشركين وقع بأنهم خلعوا أسماء الله وصفاته وجعلوها لآلهتهم، أما هؤلاء فقد سلبوه صفات كماله وجحدوها وأبطلوها، فكلاهما ملحد في أسمائه. ثم الجهمية وطوائفها متفاوتون في هذا الإلحاد، فمنهم الغالي والمتوسط والمنكوب، وكل من جحد شيئاً مما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسول الله ﷺ فقد ألحد في ذلك فليستقل أو ليستكثر، وإذا كان الله أنكر على المشركين حينما جحدوا اسماً واحداً فقط من أسماء الله، وهو الرحمن، كما قال : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان:٦٠]، مع أنهم كانوا يعرفون الله باسمه الرحمن، لكنه الجحود والنكران، وقال أيضاً: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد:٣٠]، فإذا كان هذا الإنكار في جحد اسم واحد فقط فكيف بحال الجهمية الذين جحدوا جميع صفات الله وأسمائه؟! نعوذ بالله من الخذلان؛ لذلك فإن العلماء يعتبرون الجهمية النفاة المحضة الذين ينفون كل أسماء الله وصفاته كفاراً أكثر من المشركين في شركهم وفي كفرهم، كما سبق أن تكلمنا في ذلك، وقد بين شيخ الإسلام رحمه الله تعالى سبب ضلال الجهمية وأتباعهم فقال: سبب هذا الضلال أن لفظ التمثيل والتشبيه لفظ فيه إجمال، وهؤلاء أنفسهم وجماهير العقلاء يعلمون أنه ما من شيئين إلا بينهما قدر مشترك، ونفي ذلك القدر المشترك ليس هو نفي التمثيل والتشبيه الذي قام الدليل العقلي والسمعي على نفيه، فالتشبيه الذي قام الدليل على نفيه: ما يستلزم ثبوت شيء من خصائص المخلوقين لله ، إذ هو سبحانه ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، ولهذا اتفق جميع طوائف المسلمين وغيرهم في الرد على هؤلاء الملاحدة، وبيان أنه ليس كل ما اتفق شيئان في شيء من الأشياء يجب أن يكون أحدهما مثلاً للآخر، يعني: حينما يوصف شخص بأنه عالم، وشخص آخر بأنه عالم، وثالث بأنه عالم، لا يقتضي ذلك تساويهم في درجة العلم، بل يتفاوتون؛ فما بالك إذا وصف المخلوق بالعالم ووصف الله بالعالم؟! لا شك أن علم الله يختلف تماماً عن علم المخلوقين، فالقاعدة: أن تماثل الأسماء لا يقتضي تماثل المسميات، فالعبد عالم والله عالم، لكن هناك فرق كبير هو تمام الفرق بين الخالق والمخلوق في هذه الصفات، كذلك يقال في: كريم حكيم عليم، وغير ذلك من هذه الأسماء. ولا يجوز أن ينفى عن الخالق سبحانه كل ما تكون فيه موافقة لغيره في معنىً ما، فإنه يلزم منه أن يكون عدماً بالكلية كما فعله هؤلاء الملاحدة، بل يلزم من ذلك نفي وجوده ونفي عدمه، وهو غاية التناقض والإلحاد والكفر والجهل، انتهى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية. فالجهمية هم نفاة الأسماء والصفات، ويقولون: إنما يسمى بها مجازاً! أو المقصود بها غيره! أو لا يعرف معناه! وأصل تلبيسهم هو: أن إطلاق هذه الأسماء على الله فيه تشبيه له بخلقه، ولذا فيجب نفي الأسماء عنه، هذا هو مبلغهم من العلم والعقل، أو بتعبير أدق من الجهل والغباوة! فإنهم قالوا: إننا لو أثبتنا هذه الأسماء لله ، فمعنى ذلك أننا نشبه الله بخلقه، فإذا قلنا: إن الله هو العليم أو العالم، فمعنى ذلك أن فيها صفة لله، فإذاً: هذا معناه أن الله يشبه خلقه! فلا يتحقق التنزيه في زعمهم إلا بنفيه؛ وكل اسم من أسماء الله هو بلا معنى، فهو عليم بلا علم في زعمهم، وهكذا في باقي الصفات. وقال الجهم بن صفوان وهو إمام هؤلاء الجهمية الضلال: لا يجوز أن يوصف الباري سبحانه بصفة يوصف بها خلقه؛ لأن ذلك بزعمه يوجب تشبيهه، وهذا هو السبب في أنهم نفوا جميع أسماء الله وصفاته.

стр. 1975

أنواع أوصاف الله نضيف بعض التنبيهات والفوائد المتعلقة بقواعد الاعتقاد في أسماء الله الحسنى: أما التنبيه الأول فهو: أن ما يوصف به الرب أو يخبر عنه أقسام: أولاً: ما يرجع إلى نفس الذات، كقولك: ذات، وموجود، وشيء. ثانياً: ما يرجع إلى صفات معنوية، كالعليم والقدير والسميع والبصير، وهذه تسمى صفات ذاتية. ثالثاً: ما يرجع إلى أفعال الله ، كالخالق والرازق، وهذه تسمى صفات فعلية، ومنها ما يرجع إلى التنزيه المحض، فما يوصف به الله منه ما يرجع إلى التنزيه المحض، ولابد من تضمنه ثبوتاً؛ إذ لا كمال في العدم المحض. والتنزيه هو: نفي ما لا يليق بالله من الصفات أو الأسماء، والنفي المحض لا يعتبر كمالاً إلا إذا تضمن ثبوتاً، فمثلاً: إذا أتيت إلى الملك وأردت أن تمدحه -ولله المثل الأعلى- فطفقت تقول له: أنت لست جاهلاً، ولست جباناً، ولست بخيلاً، ولست فاسقاً، ولست زبالاً، ولست خادماً، ولست إلى آخر هذه الصفات كلها، فهل هذا يتضمن مدحاً؟ الجواب لا؛ لأن النفي المحض هو صفة العدم؛ فالعدم هو الذي يوصف بأنه لا كذا ولا كذا ولا كذا. أما النفي في صفات الله فإنه لا يحصل تنزيه الله عما لا يليق عن طريق هذه الصفات إلا إذا تضمنت إثبات الكمال، فلا كمال في العدم المحض. ومن أسماء الله التي تضمنت هذا التنزيه: القدوس والسلام، فهذه الأسماء من الأسماء التي تضمنت تنزيهاً يتضمن أمراً ثبوتياً، وليس نفياً محضاً. ومن أسماء الله وصفاته ما يدل على جملة أوصاف عديدة لا تختص بصفات معينة، فالعزيز دل على معاني العزة، يعني: أن الاسم نفسه يدل على معانٍ كثيرة جداً، نحو: اسم المجيد، والعظيم، والصمد؛ فإن المجيد من اتصف بصفات متعددة من صفات الكمال، ولفظه يدل على هذا؛ لأن المجيد لغة هو: موضوع للسعة والكثرة والزيادة وتعدد الأوصاف وشمولها وكمالها، ولذلك قال تعالى: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج:١٥]، لسعة العرش وعظمته، والعظيم أيضاً من اتصف بصفات كثيرة من صفات الكمال، وكذلك الصمد. أيضاً مما يوصف به الله : صفة تحصل من اقتران أحد الوصفين مع الآخر، هذه صفة تحصل من اقترانهما معاً؛ وذلك قدر زائد على مفرديهما، يعني: كل اسم على حدة له معنى، لكن إذا اجتمعا واقترنا فإنه يدل على صفة زائدة تحصل من اقترانهما معاً، كقولك: الغني الحميد، العفو القدير، الحميد المجيد ونحو ذلك، فإن الغنى من صفات الكمال والحمد كذلك، أما اجتماع الغنى مع الحمد فله ثناء من غناه، وثناء من حمده، وثناء من اجتماعهما، وكذلك نظائرهما، فالغني وحده له معنى، والحميد وحده له معنى أيضاً، لكن اجتماع الغني والحميد يأتي بمعنى زائد على أحد الاثنين حينما يأتي منفرداً.

стр. 1976

باب الإخبار عن الله باب الإخبار عن الله أوسع من باب أسمائه وصفاته، فهناك ألفاظ وعبارات يخبر بها عن الله هي أوسع من حدود الأسماء والصفات، كالموجود والقائم بنفسه والشارع، فهذا مما يخبر به عن الله ، ولا يدخل في أسمائه الحسنى وصفاته العليا، فيقال: الشارع الحكيم كذا وكذا. وهذا ليس من أسماء الله وصفاته، وإنما من باب الإخبار عن الله الذي هو أوسع من باب الأسماء والصفات، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في درء تعارض العقل والنقل: ثم أنت تسميه قديماً وواجب الوجود وذاتاً ونحو ذلك مما لم يرد به الشرع، والشارع يفرق بين ما يدعى به من الأسماء، فلا يدعى إلا بالأسماء الحسنى، وبين ما يخبر بمضمونه عنه، فالدعاء لا يكون ولا يحصل إلا بالأسماء الحسنى، كما أمر الله : ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠]. فكل ما لا يليق أن يدعى الله به فهو قطعاً ليس من الأسماء الحسنى. هذا أمر. الأمر الثاني: ما يُخبر بمضمونه عنه من الأسماء لإثبات معنى يستحقه نفاه عنه ناف. كما أنه من نازعك في قدمه أو وجوب وجوده قلت مخبراً عنه بما يستحقه: إنه قديم وواجب الوجود، وإن كانت هذه ألفاظ كلامية، والأولى استعمال الاسم الشرعي الذي هو الأول. وقال شيخ الإسلام: الفرق بين مقام المخاطبة ومقام الإخبار فرق ثابت في الشرع والعقل، مقام المخاطبة هو دعاء الله ، فلا يدعى إلا بالأسماء الحسنى، لكن مقام الإخبار عن الله أوسع من مقام التقيد بالأسماء الحسنى، وبه يظهر الفرق بين ما يدعى الله به من الأسماء الحسنى، وبين ما يخبر به عنه مما هو حق ثابت؛ لإثبات ما يستحقه سبحانه من صفات الكمال، ونفي ما تنزه عنه من العيوب والنقائص؛ فإنه الملك القدوس السلام سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً. قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف:١٨٠]، مع أنه قال: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام:١٩]، فأطلق عليه هنا وأخبر عنه بأنه شيء ، لكن هل يقال في الدعاء: يا شيء؟ لا يقال في الدعاء: يا شيء؛ لأنه ليس من أسمائه الحسنى، لكن هذا من باب الإخبار عن الله ، أما باب مخاطبة الله ودعاء الله فلا يكون إلا بما هو ثابت من الأسماء الحسنى. وقد وضح هذه الجملة الدكتور عمر الأشقر حفظه الله تعالى في كتابه في الأسماء والصفات، حيث يقول: ليس كل ما أخبرت به النصوص فهو من أسمائه ﵎. أي: أن النصوص حينما تخبر عن الله تخبر بعبارات أوسع من مجرد حدود الأسماء الحسنى. يقول: فليس كل ما تخبر به النصوص عن الله يعد من أسمائه الحسنى؛ والسر في ذلك: أن الأخبار يتوسع فيها ما لا يتوسع في الأسماء، خاصة إذا كانت الأسماء تستعمل للمخاطبة. أي: مخاطبة الله، ودعاء الله، وسؤال الله، فالقاعدة: أنه لا يسأل العبد ربه إلا بالأسماء الحسنى، لكن يخبر عنه بأشياء أوسع من الأسماء الحسنى. فالله أخبر عن نفسه ﵎ أنه كثير العفو قابل التوب فالق الإصباح فالق الحب والنوى محب المؤمنين مبغض الكافرين فعال لما يريد عدو الكافرين منعم متفضل مكرم مقلب القلوب ونحو ذلك، فجعلها بعض أهل العلم من أسمائه، والعلماء يتوسعون في الأخبار، فيجيزون إطلاق اسم: الموجود والشيء والثابت على الله من باب الأخبار، وإن لم ترد في الكتاب والسنة، كما يقول المفسرون -مثلاً- في تفسير لفظ اسم الحق : الثابت الدائم. يقول ابن القيم: ما يدخل في باب الإخبار عنه ﵎ أوسع مما يدخل في باب أسمائه وصفاته، كالشيء والموجود والقائم بنفسه؛ فإنه يخبر به عنه، ولا يدخل في أسمائه الحسنى وصفاته العليا، وكثير مما عده أهل العلم من أسمائه الحسنى مما ورد في الكتاب والسنة ومما لم يرد فيهما هو من باب الإخبار لا من باب الأسماء، وهذا أمر مهم نبه عليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فقد أفاد أنه لا يجوز الإخبار عن الله تعالى باسم سيء. يقول ﵀: يفرق بين دعائه والإخبار عنه، فلا يدعى إلا بالأسماء الحسنى، وأما الإخبار عنه فلا يكون باسم سيء، لكن قد يكون باسم حسن أو باسم ليس بسيئ، وإن لم يحكم في حسنه مثل: اسم شيء، وذات، وموجود.

стр. 1977

أسماء الله توقيفية تنبيه آخر أيضاً يتعلق بقواعد فهم الأسماء الحسنى وهو: أن أسماء الله أسماء توقيفية، وهذا هو مذهب الجمهور من أهل السنة والجماعة، أن أسماء الله توقيفية لا يجوز تسميته بما لم يرد به سمع، يعني: أنه لابد أن نقتصر على ما ثبت في أسماء الله الحسنى في القرآن وفي السنة فقط؛ وذلك أن أسماء الله تعالى وصفاته من الأمور الغيبية التي لا يمكن لنا أن نعرفها إلا عن طريق الرسل الذين يطلعهم الله على ما شاء من الغيب، ثم هم يبلغونه للناس، ولا يجوز القياس فيها أو الاجتهاد؛ لأن هذا الباب ليس من أبواب الاجتهاد. فالمنهج الصحيح لمعرفة توحيد الله وأسمائه وصفاته هو الاعتماد على الوحي الذي أوحاه الله إلى الرسول ﷺ ، وأمره باتباعه، فقال سبحانه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩]. وقال: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام:١٠٦]. وقال : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]. وقال : ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الأعراف:٣]. وقال أيضاً: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:١٥٨]. فالعقل ليس قادراً على معرفة أسماء الله وصفاته، وهذا الكلام رد على من يقول قولاً مطلقاً: إن الله يُعرف بالعقل، وهذا غير صحيح، فالعقل غير قادر على معرفة الله ، العقل هو: آلة للتأمل في مخلوقات الله؛ للتوصل بها إلى عظم صفاته وتوحيده، لكن معرفة الأسماء الحسنى وما يليق بالله وما لا يليق لا يستقل العقل بمعرفته، وإنما يعرف الله بالوحي وبالسمع، وبالإخبار وبالتلقي عن طريق الوحي، وليس بالعقل كما يزعم بعض الناس. فلو كان العقل قادراً على معرفة أسماء الله وصفاته وما يجوز أن يوصف به مما لا يجوز لما احتاج الناس إلى الوحي، ولأصبح إرسال الرسل إلى الناس من العبث، تعالى الله وتقدس عما يقول الظالمون علواً كبيراً! وتسمية الله سبحانه بما لم يرد به الدليل يدخل في الإلحاد في أسمائه الحسنى، وقد يقع صاحبه في التشبيه؛ لأن المشبهة وصفوا الله بما لم يأذن به. قال أبو إسحاق الزجاج: لا يجوز لأحد أن يدعو الله بما لم يصف به نفسه. وقال أبو سليمان الخطابي: ومن علم هذا الباب -أي: باب الأسماء والصفات- وما يدخل في أحكامه ويتعلق به من شرائط أنه لا يتجاوز فيها التوقيف، ولا يستعمل فيها القياس، فيلحق بالشيء نظيره في ظاهر وضع اللغة ومتعارف الكلام، كالجواد. يعني: أن الله جواد، فهل يجوز أن يقاس عليه السخي، فيوصف الله بأنه سخي؟ الجواب لا؛ لأن هذا قياس، والقياس دليل عقلي، فالأسماء الحسنى لا يجوز فيها القياس، بل هي توقيفية، بمعنى: أنه لابد أن نقف حيث أوقفنا الشارع في إثبات الأسماء الحسنى، فالجواد لا يجوز أن يقاس عليه السخي وإن كانا متقاربين في ظاهر الكلام؛ وذلك أن السخي لم يرد به الشرع كما ورد بالجواد. والقوي لا يقاس عليه الجلد، كما تقول: رجل جلد، وتقول: رجل قوي، لكن لا يجوز أبداً في حق الله أن تقول: الجلد، وإن كان يتقارب الجلد والقوي في نعوت الآدميين؛ لأن باب التجلد يدخله التكلف والاجتهاد. ولا يقاس على القادر المطيق ولا المستطيع؛ فالذي ورد في النقل هو القادر أو القدير، لذلك فلا يجوز أن يقيس عليه شخص لفظ المستطيع، أو المطيق. وفي أسمائه تعالى العليم، وهو يدل على صفة العلم، لكن لا يجوز قياساً على العلم والعليم أن يسمى الله عارفاً؛ لما تقتضيه المعرفة من تقديم الأسباب التي بها يتوصل إلى علم الشيء. وكذلك الله لا يوصف بالعاقل، وهذا الباب يجب أن يراعى ولا يغفل، فإن فائدته عظيمة، والجهل به ضار، وبالله التوفيق. قال السفاريني رحمه الله تعالى في نظمه للعقيدة: لكنها في الحق توقيفية لنا بذا أدلة وفية أي: لكن الأسماء الحسنى في المذهب الحق توقيفية، وهذا هو مذهب الجمهور كما ذكرنا، ولا يجوز الزيادة فيها بالعقل ولا بالاجتهاد. قال في شرحها: لكنها: أي الأسماء الحسنى، في القول الحق المعتمد عند أهل الحق توقيفية بنص الشارع، وورود السمع بها، فمما يجب أن يعلم أن علماء السنة اتفقوا على جواز إطلاق الأسماء الحسنى والصفات العلى على الباري جل وعلا إذا ورد بها الإذن من الشارع، وعلى امتناعه على ما ورد المنع عنه. وقال الغزالي: اتفق على أنه لا يجوز لنا أن نسمي الرسول باسم ما سماه الله به -أي: لا يجوز للواحد أن يسمي الرسول الله ﷺ اسماً لم يسمه الله به، بل لابد أن يسمى الرسول بما سماه الله به- ولا باسم ما سمى هو نفسه به، فلا يجوز أن تسمي الرسول ﵊ باسم لم يسمه الله إياه، ولا باسم هو نفسه ﵊ لم يسم نفسه به، فإذا لم يجز ذلك في حق الرسول، بل في حق أحد من آحاد الناس فهو في حق الله تعالى أولى. وأما المعتزلة والكرامية فقالوا: إن اللفظ إذا دل العقل على أن معناه ثابت في حق الله جاز إطلاق ذلك اللفظ على الله تعالى، سواء ورد التوقيف به أو لم يرد. هذه بعض القواعد المتعلقة بالأسماء الحسنى. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1978

معتقد أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات [٢] لقد أخبر النبي ﷺ أن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة، وهو وتر سبحانه يحب الوتر، وقد اختلف العلماء في معنى الإحصاء الذي أراده النبي ﷺ ، ومن بين هذه الأسماء الاسم الأعظم الذي إذا دعي الله به أجاب، وإذا سئل أعطى، وقد اختلف فيه أيضاً، فعلى العبد أن يدعو الله بما شاء من أسمائه وصفاته.

стр. 1979

المسائل المتعلقة بقوله ﷺ : (إن لله تسعة وتسعين اسماً) الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، لا سيما عبده المصطفى، وآله المستكملين الشرفا. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ (لله تسعة وتسعون اسماً، مائة إلا واحداً، لا يحفظها أحد إلا دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر) وفي رواية: (من أحصاها دخل الجنة). هذا الحديث فيه قول النبي ﵌: (لله تسعة وتسعون اسماً، مائة إلا واحداً) هل المراد به حصر الأسماء الحسنى في هذا العدد أم أنها أكثر من ذلك؟ لكنها اختصت بأن من حفظ هذه التسعة والتسعين دخل الجنة.

стр. 1980

معنى الإحصاء لأسماء الله الحسنى قوله ﵊: (من أحصاها) يحتمل وجوهاً: الأول: أن يعدها حتى يستوفيها حفظاً، ويذكر ربه بها، ويثني عليه بجميعها، كقوله تعالى: ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن:٢٨]. واستدل له الخطابي بقوله ﷺ -كما في الرواية الأخرى-: (من حفظها دخل الجنة)، وقال البخاري وغيره من المحققين معناه: حفظها، وهذا هو الأظهر لثبوته نصاً في الخبر، فقوله: (من أحصاها) فسرها قوله في الروايات الأخرى: (من حفظها دخل الجنة)، ولذلك قال ابن الجوزي: إن المراد بالإحصاء العد. يعني: من عدها ليستوفيها حفظاً. وإن كان كلمة: (حفظها) لا يلزم منها تعيين السرد عن ظهر قلب، بل يحتمل أيضاً الحفظ المعنوي كقوله ﷺ : (احفظ الله يحفظك). وقال الأصيلي: ليس المراد بالإحصاء عدها فقط؛ لأنه قد يعدها الفاجر، وإنما المراد العلم بها. القول الثاني: أن المراد بالإحصاء: الإطاقة، كقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ [المزمل:٢٠]، وكقول النبي ﷺ : (استقيموا ولن تحصو)، أي: لن تبلغوا كل الاستقامة، فيكون المعنى: (من أحصاها) من أطاق الأسماء الحسنى، وأحسن مراعاته لها، وأن يعمل بمقتضاها، وأن يعتبرها فيلزم نفسه بواجبها، فإذا قال مثلاً: يا رحمان! يا رحيم! تذكر صفة الرحمة، واعتقد أنها من صفات الله سبحانه، فيرجو رحمته ولا ييأس من مغفرته، فإذا قال: السميع البصير، علم أنه يراه ويسمعه، وأنه لا تخفى عليه خافية، فيخافه في سره وعلنه، وفي كافة أحواله. وإذا قال: الرزاق، اعتقد أنه المتكفل برزقه، يسوقه إليه في وقته؛ فيثق بوعده، ويعلم أنه لا رازق له سواه إلى آخره. وقال أبو عمر الطلمنكي: من تمام المعرفة بأسماء الله تعالى وصفاته التي يستحق بها الداعي والحافظ ما قاله النبي ﷺ : المعرفة بالأسماء والصفات، وما تتضمن من الفوائد، وتدل عليه من الحقائق، ومن لم يعلم ذلك لم يكن عالماًَ بمعاني الأسماء، ولا مستفيداً بذكر ما تدل عليه من المعاني. القول الثالث: أن الإحصاء بمعنى: العقل والمعرفة، فيكون معناه: من عرفها وعقل معانيها، وآمن بها دخل الجنة، وهو مأخوذ من الحصاة، وهي العقلة، والعرب تقول: فلان ذو حصاة، أي: ذو عقل ومعرفة بالأمور. قال القرطبي: المرجو من كرم الله تعالى أن من حصل له إحصاء هذه الأسماء على إحدى هذه المراتب مع صحة النية أن يدخله الله الجنة، وهذه المراتب الثلاثة هي للسابقين والصديقين وأصحاب اليمين. القول الرابع: أن يكون معنى الحديث: أن يقرأ القرآن حتى يختمه فيستوفي في هذه الأسماء كلها في أثناء التلاوة، فكأنه قال: من حفظ القرآن وقرأه فقد استحق دخول الجنة. والمراد: أن بعض العلماء قالوا: (من أحصاها دخل الجنة) أي: من حفظ القرآن دخل الجنة؛ لأن إحصاء الأسماء الحسنى يكون عن طريق قراءة القرآن كله. والجواب على هذا: إن بعض الأسماء الواردة هي موجودة في سنة النبي ﷺ ، وهي أسماء زائدة عن القرآن.

стр. 1981

معنى قوله ﷺ : (وهو وتر يحب الوتر) قوله ﷺ : (وهو وتر يحب الوتر)، الوتر: الفرد، ومعناه في صفة الله جل وعلا: الواحد الذي لا شريك له، ولا نظير له، المتفرد عن خلقه، البائن منهم بذاته وصفاته. فهو سبحانه وتر، وجميع خلقه شفع، يعني: خلقوا أزواجاً، كما قال : ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات:٤٩]، فظاهرة الزوجية لازمة للمخلوقات، ففي الإنسان والطيور والحيوانات الذكر والأنثى، وفي كل شيء، ففي الكهرباء يوجد فيها سالب وموجب، وظاهرة الزوجية موجودة في النباتات، والأنهار يوجد فيها الذرات السالبة والموجبة، فإذاً: ظاهرة الزوجية موجودة في كل شيء، فالله وتر لا ثاني له، أما خلقه فهم أزواج، وشفع، قال تعالى: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر:٣]. فالمراد: أن الله يحب الوتر من كل شيء، وإن تعدد انتفى منه الوتر؛ ولذلك أمر بالوتر في كثير من الأعمال والطاعات، فالصلوات عددها خمس، فهي وتر، وكذلك وتر الليل، وأعداد مرات الطهارة، وتكفين الميت وتراً، وفي كثير من المخلوقات كالسماوات والأرض، فهذا ما تيسر من الفوائد المتعلقة بقول النبي ﵌: (إن لله تسعة وتسعين اسماً، مائة إلا واحداً، لا يحفظها أحد إلا دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر)، وفي رواية: (من أحصاها دخل الجنة).

стр. 1982

خلاف العلماء في المراد بقوله: (إن لله تسعة وتسعين اسماً) اختلف العلماء في المراد بقوله: (إن لله تسعة وتسعين اسماً، مائة إلا واحداً)، ومائة إلا واحداً تساوي تسعة وتسعين، فهذا التكرار ما هو إلا للتأكيد، كما في قول الله : ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة:١٩٦]. وكما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النحل:٥١]. فقوله: (مائة إلا واحداً) تكرار بالتأكيد، بعض الناس ذهبوا إلى أن الأسماء الحسنى تنحصر في هذه التسعة والتسعين، والبعض قالوا: بل هي أكثر من ذلك، لكن فائدة اختصاص التسعة والتسعين بالذكر هو: أن في هذه التسعة والتسعين بالذات: من أحصاها دخل الجنة. وذهب جمهور العلماء إلى هذا المذهب الثاني، ونقل النووي اتفاق العلماء عليه، وقال: ليس في الحديث حصر أسماء الله تعالى، وليس معناه: أنه ليس له اسم غير هذه التسعة والتسعين، وإنما المقصود: أن هذه الأسماء من أحصاها دخل الجنة. فالمراد: الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها، لا الإخبار بحصر الأسماء، إذاً: ليس مقصود النبي ﵌ بهذه الصيغة حصر أسماء الله الحسنى في التسعة والتسعين، وإنما مقصوده الإخبار عن هذا الثواب لمن أحصاها، وليس مقصوده ﷺ أن يحصر الأسماء الحسنى في هذا العدد. وقال الإمام أبو سليمان الخطابي: إنما هو بمنزلة قوله: إن لزيد ألف درهم أعدها للصدقة، هل يعني ذلك أنك تقصد ثروة زيد في أنها تساوي ألف درهم؟ لا، أنت تقصد أن الذي أعده للصدقة محدود بهذا الألف، وهذا لا ينفي أن له مالاً آخر غير هذا. وكقولك: إن لعمر مائة ثوب من زاره خلعها عليه، ليس المقصود أنه ليس له من الثياب غير هذه الثياب المذكورة مائة ثوب، ولكن المقصود: أن هذه هي التي اختصها بالإهداء، فمن زاره خلعها عليه، فدلالة هذين المثالين: أن الذي أعده زيد من الدراهم هو للصدقة، وأن الذي أعده عمر من الثياب للهدية مائة ثوب، والذي يدل على صحة هذا التأويل الحديث الصحيح الذي رواه عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: (أن النبي ﷺ كان يدعو: اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك) يعني: سواء كان هذا الاسم سميت به نفسك، (أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك) فهذا يدل على أن لله أسماءً لم ينزلها في كتابه، حجبها عن خلقه ولم يظهرها لهم. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بعد ما نقل كلام الخطابي: وأيضاً فقوله: (إن لله تسعة وتسعين) تقيده بهذا العدد، بمنزلة قوله تعالى: ((تِسْعَةَ عَشَرَ))، يعني: قال تعالى في ملائكة سقر: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر:٣٠]، فلما استقلوهم أنزل الله تعالى قوله : ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١]، فإنه لا يعلم أسماءه إلا هو أولى، يعني: إن كان جنود الله -وهي الملائكة- لا يعلمها إلا هو فأولى ثم أولى أن أسماء الله لا يعلمها كلها إلا هو سبحانه. وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في تعارض العقل والنقل: والصواب الذي عليه الجمهور أن قول النبي ﷺ : (إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة) معناه: أن من أحصى التسعة والتسعين من أسمائه دخل الجنة، ليس مراده أنه ليس إلا تسعة وتسعون اسماً، ثم ذكر حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه الشاهد. وقال: وثبت في الصحيح: (أن النبي ﷺ كان يقول في سجوده: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك)، فأخبر النبي ﷺ أنه لا يحصي ثناءً على الله، ولو أحصى جميع أسمائه لأحصى صفاته كلها، فكان يحصي الثناء عليه في هذه الحالة؛ لأن صفاته إنما يعبر عنها بأسمائه؛ لأن الأسماء هي وسيلة التعبير عن الصفات. فقول النبي ﵇: (لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك)، اعتراف بالعجز عن توفية الله ما يستحقه من الثناء والحمد، ولجوء إلى التفويض، وأن هذا الثناء الذي يستحقه الله هو مفوض إلى الله؛ لأنه لا يحصي العد مهما مدح الله وأثنى عليه، إنما الله كما أثنى على نفسه، ولا يحصي أحد الثناء الذي يستحقه الله ، ولو كان النبي ﵊ أحصى جميع أسمائه فإنه يحصي بالتالي كل صفاته، فكما أنه لا يحصي ثناءً عليه فهو لا يحصي كل صفاته، وبالتالي لا يحصي كل أسمائه التي يعبر عنها بأسمائه. خالف ابن حزم الجمهور في هذه المسألة، فذهب إلى أن عدد أسماء الله الحسنى ينحصر في التسعة والتسعين، ورد عليه الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في الفتح فقال: وابن حزم ممن ذهب إلى الحصر في العدد المذكور، وهو لا يقول بالمفهوم أصلاً؛ لأنه لا يعترف بدليل الخطاب، أو مفهوم المخالفة، لكنه احتج -ليس بمفهوم تسعة وتسعين في قوله: (إن لله تسعة وتسعين اسماً) - بقوله: (مائة إلا واحداً)، قال: لأنه لو جاز أن يكون له اسم زائد على العدد المذكور لزم أن يكون مائة. قال الحافظ: وهذا الذي قاله ليس بحجة؛ لأن الحصر المذكور عندهم باعتبار الوعد الحاصل لمن أحصاها. المقصود بالحصر: (إن لله تسعة وتسعين اسماً) أن الثواب يختص بمن أحصاها. فمن ادعى أن الوعد وقع لمن أحصى زائداً على ذلك أخطأ، ولا يلزم من ذلك ألا يكون هناك اسم زائد. أي: هذا الحديث لا ينفي أن لله أسماءً أخرى زائدة على ذلك، ولكن الحديث سيق للإخبار عن ثواب من أحصى أسماءه، والراجح والله تعالى أعلم: تفويض علم سر هذا العدد بالذات إلى الله ؛ لأنه لم يطلعنا على ذلك، فهو كأعداد ركعات الصلوات، والصلوات نفسها وغير ذلك مما علمه عند الله .

стр. 1983

الأحاديث الواردة في تعيين اسم الله الأعظم عن عبد الله بن بريدة عن أبيه ﵁: (أن رسول الله ﷺ سمع رجلاً يقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، فقال ﷺ : لقد سألت الله بالاسم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب)، وفي رواية: (فقال ﷺ : والذي نفسي بيده لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى). وهذا الحديث إسناده صحيح أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجة وابن أبي شيبة في المصنف، وابن حبان والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وفي بعض ألفاظه: (أن رسول الله ﷺ دخل المسجد وإذا رجل قد قضى صلاته وهو يتشهد فقال: اللهم إني أسالك يا ألله! بأنك الواحد الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، أن تغفر لي ذنوبي إنك أنت الغفور الرحيم، فقال رسول الله ﷺ : قد غفر لك! قد غفر لك! قد غفر لك!)، إسناده صحيح، لكن لم يرد فيه أن هذا هو الاسم الأعظم. وفي لفظ آخر عن بريدة: (أن النبي ﷺ سمع رجلاً يقول: اللهم إني أسالك بأنك أحد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، فقال: لقد سأل الله باسمه الأعظم والأكبر، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى). على أي الأحوال: فحديث بريدة رضي الله تعالى عنه هو من الروايات الصحيحة التي ورد فيها تعيين الاسم الأعظم لله . ومن خصائص الاسم الأعظم أن الإنسان إذا دعا الله به أجابه، وإذا سأله به أعطاه، يعني: إذا توسل إلى الله باسمه الأعظم أجابه، وعندما تذكر كلمة الاسم الأعظم تشتد حاجتنا إلى الوقوف عندما علمنا رسول الله ﵌ في هذا الباب، وإلا فلو فتح الباب لاستعمال كلمات الاسم الأعظم لرأينا ضلالات وطامات الصوفية الذين يزعمون أن هناك علماً خفياً لا يفشى سره للعامة، وأن موضوع الاسم الأعظم كغيره من أسرار الولاية يذكر في السر لسلالة معينة من الأولياء، عن طريق عهود ومواثيق وصلاة معينة مكتومة، ولا تظهر للناس إلى غير ذلك من ضلالات الصوفية المعروفة. وليس في ديننا أسرار ولا طبقية دينية معينة تحتكر بعض الخواص وبعض الأسرار والأمور، فالمسلم بريء تماماً ولا يعرف في دين الإسلام أسرار، وما كتم النبي ﵌ شيئاً من الوحي كما هو معلوم ومقطوع به، فكلمة (الاسم الأعظم) عند الصوفية لها إيحاءات ودلالات، ولها أشياء تنفر منها القلوب إذا سمعت، لن نخوض في كلام الصوفية وضلالاتهم في هذا الباب، ولكننا فقط نريد أن نستجلي الحقيقة من مشكاة النبوة. فهذه إحدى الروايات التي صح فيها تعيين الاسم الأعظم، وهو ذلك الدعاء الذي دعا به هذا الصحابي الجليل: (اللهم إني أسالك بأني أشهد أنك أنت الله) إذاً: هذا توسل بأسماء الله وكتابه، بتعبير آخر في بعض الروايات: (اللهم إني أسالك بأنك أنت الله)، ففي هذه الحالة هذا توسل بالأسماء والصفات: (اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت الأحد الصمد) إلى آخره. وهناك لفظ وهو: (اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله)، توسل بالعمل الصالح، فهو توسل بشهادته هو، فهذا نوع من أنواع التوسل المشروع. وهناك نوع آخر: وهو التوسل بدعاء الرجل الصالح إلى الله . إذاً: هذه إحدى الروايات الصحيحة في تعيين الاسم الأعظم: (اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد). صح أيضاً حديث آخر عن أنس رضي الله تعالى عنه: قال: (كنت جالساً مع النبي ﷺ في المسجد، ورجل يصلي فقال: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت الحنان المنان، بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام! يا حي يا قيوم! فقال النبي ﷺ : دعا الله باسمه الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى). إذاً: هذا الحديث أيضاً مما صح في تعيين الاسم الأعظم، ولا شك أنه إذا كان الاسم الأعظم له هذه الفضيلة العظمى فلا ينبغي أبداً لأحد أن يزهد في حفظه، وكثرة التوسل إلى الله بهذا الدعاء: (اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت، الحنان المنان، بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام! يا حي يا قيوم! فقال النبي ﷺ : دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى). كذلك حديث أبي أمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (اسم الله الأعظم في ثلاث سور من القرآن: في البقرة، وآل عمران، وطه) إذا حاولنا استقراء هذه السور الثلاث، وبحثنا عن الاسم الذي تكرر في هذه الأحاديث الذي هو لفظ الجلالة (الله) فقد ورد في الحديث الأول، وورد في الحديث الثاني بصيغة (اللهم)، وإنما كان الأصل فيها: يا ألله! فلما حذف الياء من أول الحرف وبقي: (الله) جاء الميم في آخره بعدما حذف الياء في أوله؛ فأصبحت الكلمة (اللهم) تعني: الدعاء بجميع أسماء الله الحسنى. كذلك أيضاً ورد في الآيات التي ذكرها بعض العلماء من سورة البقرة، وسورة آل عمران، وسورة طه، فبعض العلماء قالوا: إن الاسم الأعظم في قوله تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه:١١١]، لكن الأرجح كما بينه الطحاوي رحمه الله تعالى: أن الذي في سورة طه هو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه:٧ - ٨]. فإذاً: الحديث الذي فيه: أن الاسم الأعظم في ثلاث سور من القرآن: في البقرة، وآل عمران، وطه هو لفظ الجلالة (الله). أما حديث أسماء بنت يزيد أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : (اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٦٣]، وفاتحة آل عمران ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران:٢])، فهذا الحديث ضعيف.

стр. 1984

الحجج التي ساقها الرازي على أن الاسم الأعظم هو لفظ الجلالة ساق فخر الدين الرازي في كتابه: شرح أسماء الله الحسنى حجج من قال: إن الاسم الأعظم هو الله، فمن هذه الحجج: أولاً: أن هذا الاسم ما أطلق على غير الله ، حتى العرب في أشد ما وصلوا إليه من الشرك لم يطلقوا لفظ الجلالة (الله) على غير الله ، فإن العرب كانوا يسمون الأوثان آلهة، إلا هذا الاسم فإنهم ما كانوا يطلقونه على غير الله ، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر:٣٨] وقال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥] معناه: هل تعلم من اسمه (الله) سوى الله؟! ولما كان هذا الاسم في الاختصاص بالله على هذا الوجه وجب أن يكون أشرف أسماء الله . ثانياً: أن هذا الاسم هو الأصل في أسماء الله ، وسائر الأسماء مضافة إليه تابعة له، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠] فأضاف سائر الأسماء إليه، ولا محالة أن الموصوف أشرف من الصفة، ولأنه يقال: الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس كلها من أسماء الله تعالى، ولا يقال: الله اسم الرحمن الرحيم، فدل هذا على أن الاسم هو الأصل. فإن قيل: لفظ (الله) قد جعل نعتاً في قوله تعالى في أول سورة إبراهيم: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [إبراهيم:١ - ٢] ف الجواب أن نافعاً وابن عامر قرأا بالرفع على الاستئناف، أي: فلا يرد هذا الإشكال؛ لأن قراءة ابن عامر ونافع: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * اللَّهَ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [إبراهيم:١ - ٢]، ففي هذه القراءة ليس هناك تبعية، فرفع (الله) على الاستئناف والخبر يأتي بعد، أما الباقون فقرءوها: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [إبراهيم:١ - ٢] عطفاً على قوله (الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ). وقال أبو عمرو: والخفض على التقديم والتأخير يعني: قراءة ﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [إبراهيم:١ - ٢]، تقديم (صراط الله العزيز الحميد، الذي له ما في السماوات وما في الأرض) التفاتاً منه إلى هذا المعنى، وهو أن الأصل هو الله، وما بعده يكون مضافاً إليه، فلذلك حتى الذي قرأ بالجر على النعت: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [إبراهيم:١] (الله الذي) قال: هي من حيث القراءة هكذا، لكن من حيث التفسير فيها تقديم وتأخير بمعنى: إلى صراط الله العزيز الحميد الذي له، حتى تأتي العزيز الحميد بعد الاسم الأصلي الذي هو الله . ثالثاً: من أدلة الرازي التي ساقها واستدل بها من ذهب إلى أن الاسم الأعظم هو (الله) قوله : ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء:١١٠] خص هذين الاسمين بالذكر؛ وذلك يدل على أنهما أشرف من غيرهما، ثم إن اسم الله أشرف من اسم الرحمن لأمور: أولاً: لأنه يذكر قبله في الذكر، دائماً نبدأ بلفظ الجلالة، ثم تأتي بالرحمن بعدها، فهذا التقديم يشير إلى أنه أشرف منه، كما تقول: بسم الله الرحمن الرحيم، فتقدم اسم الله . كذلك: أي إنسان سواء في الذكر في القصص في المواعظ فإنه دائماً يقدم اسم الله على ما عداه من الأسماء، وخاصة اسم الرحمن. ثانياً: أن اسم الرحمن يدل على كمال الرحمة، ولا يدل على كمال القهر والغلبة والعظمة والعزة، وأما اسم الله فإنه يدل على كل ذلك، فثبت أن اسم الله تعالى أشرف. رابعاً: هذا الاسم له خاصية غير حاصلة في سائر الأسماء، اختص بخاصية غير موجودة فيما عداه من الأسماء الحسنى، وهي أن سائر الأسماء والصفات إذا دخل عليها النداء أسقط عنها الألف واللام، ولهذا لا يجوز أن يقال: يا الرحمن! يا الرحيم! يا العزيز! يا الحكيم! بل يقال: يا رحمن! يا رحيم! يا عزيز! يا غفور! يا تواب! أما هذا الاسم فإنه يحتمل هذا، فيصح أن يقال: يا ألله؛ وذلك أن الألف واللام في هذا الاسم صار كالجزء الذاتي، فلا جرم ألا يسقطان حالة النداء؛ وفيه إشارة لطيفة، وذلك أن الألف واللام للتعريف، فعدم سقوطهما عن هذا الاسم يدل على أن هذه المعرفة لا تزول أبداً ألبتة، فلذلك لا تفارقها الألف واللام، تقول: يا ألله أو اللهم، لكن لا تقول: يا إله مثلاً.

стр. 1985

اختيار الطحاوي وابن القيم أن اسم الله الأعظم هو لفظ الجلالة اختار القول بأن الاسم الأعظم لله هو (الله) الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى، وكذا العلامة المحقق ابن القيم رحمه الله تعالى، رجح هذان العالمان الجليلان أن الاسم الأعظم هو لفظ (الله)، فقال ابن القيم بعد أن بين لوازم أسماء الله الحسنى: فاسم الله دال على جميع الأسماء الحسنى، والصفات العليا، بالدلالات الثلاث أي: بدلالة التضمن والمطابقة والالتزام، فإنه دال على إلهيته المتضمنة لثبوت صفات الإلهية، مع نفي أضدادها عنه، والصفات الإلهية هي صفات الكمال المنزهة عن التشبيه والمثال، وعن العيوب والنقائص، ولهذا يضيف الله سائر الأسماء الحسنى إلى هذا الاسم العظيم، كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف:١٨٠]، ولم يقل مثلاً: للعظيم الأسماء الحسنى، ولم يقل: للرحيم أو للجبار الأسماء الحسنى، وإنما الأسماء الحسنى تضاف إلى الأصل والأساس الذي هو اسم الله، ولذلك قال: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف:١٨٠]، ويقال: الرحمن، الرحيم، القدوس، والسلام، العزيز، الحكيم من أسماء الله، ولا يقال: الله من أسماء الرحيم، ولا من أسماء العزيز ونحو ذلك، فعلم أن اسمه تعالى (الله) مستلزم لجميع معاني الأسماء الحسنى، ودال عليها بالإجمال يعني: من دعا الله باسمه الأعظم الذي هو (الله) فكأنه دعا بجميع الأسماء الحسنى، والصفات العليا. فعلم أن اسم (الله) مستلزم لجميع معاني الأسماء الحسنى، ودال عليها بالإجمال، والأسماء الحسنى تفصيل وتبيين لصفات الإلهية التي اشتق منها اسم (الله) أي: أن سائر الأسماء الحسنى سوى اسم الله هي شرح وبيان وتفصيل لما تتضمنه لفظة (الله) . واسم (الله) دال على كونه مألوهاً معبوداً تألهه الخلائق محبة وتعظيماً وخضوعاً وفزعاً إليه في الحوائج والنوائب؛ وذلك مستلزم لكمال ربوبيته ورحمته، المتضمن لكمال الملك والحمد، وإلاهيته وربوبيته ورحمانيته وملكه مستلزم لجميع صفات كماله، إذ يستحيل ثبوت ذلك لمن ليس بحي ولا سميع ولا بصير ولا قادر ولا متكلم، ولا فعال لما يريد، ولا حكيم في أفعاله. وصفات الجلال والجمال أخص باسم الله ، أما صفات الفعل والقدرة، والتفرد بالنفع والضر والعطاء والمنع، ونفوذ المشيئة، وكمال القوة، وتدبير أمر الخليقة، فأخص باسم الرب سبحانه. وصفات الإحسان والجود والبر والحنان والمنة والرأفة والملك أخص باسم الرحمن.

стр. 1986

اسم الله الأعظم عن عبد الله بن بريدة عن أبيه ﵁ (أن رسول الله ﷺ سمع رجلاً يقول: اللهم إني أسألك أني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفؤاً أحد، فقال: لقد سألت الله بالاسم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب)، وفي رواية قال: (والذي نفسي بيده لقد سأل الله باسمه الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى). وعن أنس ﵁ قال: (كنت جالساً مع النبي ﵌ في المسجد ودخل رجل يصلي فقال: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت الحنان المنان، بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام! يا حي يا قيوم! فقال النبي ﷺ : دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى). وعن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: (اسم الله الأعظم في سور من القرآن ثلاث: في البقرة، وآل عمران، وطه). الاسم الذي تكرر في هذه الأحاديث الثلاثة هو لفظ الجلالة (الله) إلا أنه ورد فيها بلفظ اللهم، وأصل (اللهم) يا ألله، فلما حذفت الياء من أول الكلمة، عوض عنها الميم في آخرها.

стр. 1987

أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن آخر التنبيهات المتعلقة بلفظ الجلالة هو: أن: (أحب الأسماء إلى الله : عبد الله وعبد الرحمن) كما في الحديث الصحيح، ولما كان الاسم مقتضياً لمسماه ومؤثراً فيه كان أحب الأسماء إلى الله ما اقتضى أحب الأوصاف إليه كعبد الله وعبد الرحمن، ولا يصح حديث: (خير الأسماء ما عبد أو حمد)، لا يصح هذا، وإنما الصحيح هو: (أحب الأسماء إلى الله: عبد الله وعبد الرحمن). فإضافة العبودية إلى اسم الله واسم الرحمن أحب إليه من إضافتها إلى غيرهما، كالقاهر والقادر، فعبد الرحمن أحب إلى الله من عبد القاهر، وعبد الله أحب إليه من عبد ربه؛ وهذا لأن التعلق الذي بين العبد وبين الله إنما هو العبودية المحضة، والتعلق الذي بين الله وبين العبد من رحمة محضة، فبرحمته كان وجوده وكمال وجوده، والغاية التي أوجدهم لأجلها أن يتأله له وحده محبة وخوفاً ورجاءً وإجلالاً وتعظيماً، فيكون عبداً لله، وقد عبده لما لاسم الله من معنى الإلهية التي يستحيل أن تكون لغيره، ولما غلبت رحمته غضبه وكانت رحمته أحب إليه من الغضب كان عبد الرحمن أحب إليه من عبد القاهر، فهذا فيما يتعلق بلفظ الجلالة الله، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1988

عدم مشروعية ذكر الله مفرداً التنبيه الأخير: أن هذا الاسم الجليل الذي هو الاسم الأعظم (الله) لا يشرع ذكر الله به مفرداً؛ وذلك أن بعض الجاهلين يذكر الله باسم الجلالة مفرداً، فيجعلون لهم أوراداً، وهؤلاء هم الصوفية كما تعلمون يجعلون أوراداً يرددون فيها لفظ الجلالة مرات عديدة، فيرددها ألف مرة ألفين مرة: الله الله الله الله إلى آخره، وأحياناً يجتمعون على ذلك في حلقات وهم جالسون أو واقفون فيتمايلون ذات اليمين وذات الشمال، ويقفزون بين الحين والآخر، ويصاحب ذلك دقات الطبول، وتشحب الأصوات حتى لا تسمع إلا: هو هو هو فيقولون: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [البقرة:٢٥٥] من أسماء الله الحسنى لجهلهم. فيظلون يرددون هو هو أو: آه آه آه يعني: باعتبار أن هذا لحن في أسماء الله، ولجهلهم يستدلون بقول الله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة:١١٤]، فيقولون: إنه كان يكثر قول: آه الذي هو في زعمهم اسم من أسماء الله . أو حع حع حع (حاء، عين)، ولا أدري من أين أتوا بهذا؟! يزعمون أنهم بهذه البدع النكراء يذكرون الله ، ومادام فيها هذه اللحن لأسماء الله والرقص والمزامير والاختلاط أحياناً والأشياء التي يفعلونها فهذا ذكر الله أم نسيان لله؟ هذا نسيان لله، وغفلة عن الله، وإعراض عن الله، ولا يسمى هذا ذكراً بحال من الأحوال، إنما هذا بدعة وضلال. فلم يرد عن النبي ﵌ أبداً الذكر بالاسم المفرد، وما عرف عن النبي ﷺ أبداً في أي دليل أنه ذكر الله بهذا، فيستدلون بقوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام:١٩]، فـ (قل الله) هل هو بمعنى: الله؟ لا، ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام:١٩]، أي: قل الله أكبر شهيد فيما ذكر، فهي جملة كاملة؛ لأن اللفظ المفرد لا يفيد شيئاً من حيث المعنى، إنما اللفظ المفيد هو الذي يدل على جملة تامة يحسن السكوت عندها. فإذاً: اللفظ المفرد ليس فيه سوى لفظ واحد، فقولهم: حي مثلاً، فذكر الله بهذه الطريقة بدعة، والبدعة تقصي من الله وتبعد العبد، وليست تقرب من الله ، فلم يأت ذلك الذكر في حديث قط، بل جميع الأذكار الصحيحة نجدها بلفظ الجلالة في جملة، كقوله ﷺ : (من قال: سبحان الله وبحمده في يومه مائة مرة حطت عنه خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر)، وقوله ﷺ : (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم)، وقوله ﷺ : (أحب الكلام إلى الله أربع لا يضرك بأيهن بدأت: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)، فخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فلم يثبت أبداً في هدي النبي ﵊ أنه ذكر الله بالاسم المفرد.

стр. 1989

لفظ الجلالة اسم مشتق غير جامد بقي تنبيهات يسيرة تتعلق باسم الله الأعظم وهو لفظ الجلالة (الله)، هل هو مشتق أم أنه اسم جامد؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين أصحهما أنه مشتق، يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: زعم السهيلي وشيخه ابن العربي أن اسم الله غير مشتق، قالوا: لأن الاشتقاق يستلزم ندبةً يشتق منها، واسم الله تعالى قديم والقديم لا ندبة له، فيستحيل الاشتقاق. يقول ابن القيم مبطلاً هذا الرأي: ولا ريب أنه إن أريد الاشتقاق لهذا المعنى، وأنه مستمد من أصل آخر فهو باطل، إن أريد بالاشتقاق أنه يتولد من غيره فهذا باطل بلا شك، ولكن الذين قالوا بالاشتقاق لم يقصدوا هذا المعنى ولا ألم بقلوبهم، وإنما أرادوا أنه دال على صفة له تعالى، وهي الإلهية كسائر أسمائه الحسنى، العليم، والقدير، والغفور، والرحيم، والسميع، والبصير، فإن هذه الأسماء مشتقة من مصادرها بلا ريب، وهي أسماء قديمة، والقديم لا ندبة له، فما كان جوابكم عن هذه الأسماء فهو جواب القائلين باشتقاق اسم الله. ثم إننا لا نعني بالاشتقاق إلا أنها ملاقية لمصادرها في اللفظ والمعنى، تلاقي وتوافق مصدرها في اللفظ والمعنى لا أكثر، فهذا هو المقصود بالاشتقاق، لا أنها متولدة منها تولد الفرع من أصله، وتسمية النحاة للمصدر والمشتق منه أصلاً وفرعاً ليس معناه أن أحدهما تولد من الآخر، وإنما هو باعتبار أن أحدهما يتضمن الآخر وزيادة. قالوا: ولا محذور في اشتقاق اسم الله أو أي اسم من أسماء الله بهذا المعنى، إن هذا هو أصل مادة الكلمة، وليس معناه أنه أجرى له التولد من غيره، فإذاً: هذا المحذور الذي ذكروه يسقط بهذا الاعتبار. أما أصل كلمة: (الله) في اللغة فقد قال ابن الأثير رحمه الله تعالى: مأخوذ من (إله) وتقديرها فُعلانية بالضم، تقول: إله بين الآلهة والأُلهانية، وأصله: من أله يأله، يعني: إذا تحير، يريد إذا وقع العبد في عظمة الله وجلاله وغير ذلك من صفات الربوبية، وصرف همه إليها أبغض الناس حتى لا يلين قلبه إلى أحد. قال أبو الهيثم: فالله أصله إله، قال الله : ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ [المؤمنون:٩١]، قال: ولا يكون إلهاً حتى يكون معبوداً، وحتى يكون لعابده خالقاً ورازقاً ومدبراً، وعليه مقتدراً، فمن لم يكن كذلك فليس بإله وإن عبد ظلماً، ما مناسبة كلمة (ظلم) هنا؟ الظلم لغة: وضع الشيء في غير موضعه، ولذا جعل الله الشرك ظلماً قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]. فوضع العبودية في غير موضعها ظلم، لأنه لم يوجهها إلى الله ، وإنما وجهها إلى الأنداد. فإذاً: يقول: ولا يكون إلهاً حتى يكون معبوداً، وحتى يكون هذا الإله لعابده خالقاً ورازقاً ومدبراً، وعليه مقتدراً، فمن لم يكن كذلك فليس بإله وإن عبد ظلماً، بل هو مخلوق ومتعبد، حتى إن حصلت العبادة لغير الله فهو ظلم؛ لأنه وضع العبادة في غير موضعها اللائق بها. وأصل كلمة (إله) وله، فقلبت الواو همزة فصارت إله، كما قالوا: أصل كلمة (إيجاد) وجاد، ومعنى وله: أن الخلق يولهون إليه في حوائجهم، ويتضرعون إليه فيما يصيبهم، ويفزعون إليه في كل ما ينوبهم كما يوله كل طفل إلى أمه. وقد سمت العرب الشمس لما عبدوها: إلهاً، وقد ضعف الزجاج هذا القول، وقال ابن سيده: والإله والألوهة والألوهية العبادة، وقد قرئ في قوله تعالى: ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف:١٢٧] هذه قراءة الجمهور، لكن قرأ ابن عباس: (ويذرك وإلهتك)، يريد: وعبادتك. إذاً: قراءة ابن عباس: (ويذرك وإلهتك) بكسر الهمز أي: ويذرك وعبادتك، وهذه القراءة الأخيرة عند ثعلب كأنها هي المختارة، وثعلب لما اختار هذه القراءة التي هي: (ويذرك وإلهتك)، قال: لأن فرعون كان يُعبد ولا يعبد، فهو على هذا ذو إلهة وليس هو آلهة، وعلى قراءة الجمهور: (ويذرك وآلهتك)، فهو ذو آلهة على هذه القراءة، وهذه القراءة أكثر القراء عليها، وهي قراءة الجمهور. وقال ابن بري: يقوي ما ذهب إليه ابن عباس في قراءته: (ويذرك وإلهتك) قول فرعون: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨]، وقوله أيضاً: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، فهذا يقوي قراءة ابن عباس في الآية: (ويذرك وإلهتك) يعني: يترك عبادتك ولا يعبدك. وكان العرب في الجاهلية يسمون معبوداتهم من الأوثان والأصنام آلهة وهي جمع إله، قال الله : ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف:١٢٧] يعني: وهي أصنام عبدها قوم فرعون معه، والله أصله إله، على وزن فعال، بمعنى: مفعول، فهو إله بمعنى: مألوه، أي: معبود، ولذلك نسمي توحيد الألوهية توحيد العبادة. وكقولنا: إمام، على وزن فعال، لكنها بمعنى: مفعول؛ لأنه مؤتم به، كذلك إله بمعنى مفعول أي: معبود، فلما أدخلت عليه الألف واللام: الإله، حذفت الهمزة تخفيفاً لكثرته في الكلام؛ فصار اللفظ (الله)؛ لأن لفظ الجلالة يقال كثيراً جداً، فخففوه بحذف الهمزة. وقال ابن القيم: القول الصحيح: أن الله أصله الإله، كما هو قول سيبويه وجمهور أصحابه إلا من شذ منهم.

стр. 1990

ترجيح أن اسم الله الأعظم هو لفظ الجلالة وقد تكلمنا عن الأدلة التي ترجح أن اسم (الله) هو الاسم الأعظم، الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب، ومن هذه المرجحات: أن هذا الاسم ما أطلق على غير الله ، فإن العرب كانوا يسمون الأوثان آلهة، إلا أن اسم الله لم يطلقوه على أوثانهم، وإنما أفردوا الله به، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥]، وقال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]، يعني: هل تعلم من اسمه (الله) سوى الله؟! فانفرد الله بهذا الاسم الأعظم، فلما كان هذا الاسم في الاستحقاق بالله تعالى على هذا الوجه وجب أن يكون أشرف أسماء الله . كذلك قلنا: إن هذا الاسم هو الأصل في أسماء الله ، وسائر الأسماء مضافة إليه، فقد قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠]، ولم يقل: للرحمن الأسماء الحسنى، ولا للجبار الأسماء الحسنى، وإنما قال: ((وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى))، فأضاف سائر الأسماء إليه، ولا محالة أن الموصوف أشرف من الصفة، ولأنه يقال: الرحمن الرحيم الملك القدوس إلى آخره كلها من أسماء الله تعالى، ولا يقال: (الله) اسم الرحمن الرحيم، فدل هذا على أن الاسم هو الأصل. كذلك قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء:١١٠]، فخصهما بالذكر فدل على أنهما أشرف من غيرهما، ثم إن اسم الله أشرف من اسم الرحمن لعدة أمور: أولاً: لأنه يقدم في الذكر قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء:١١٠]. ثانياً: لأن اسم الرحمن يدل على كمال الرحمة، لكنه لا يدل على كمال القهر والغلبة والعظمة والألف والعزة، وأما اسم (الله) فإنه يدل على كل ذلك؛ فثبت أن اسم الله تعالى أشرف. كذلك قلنا: إن هذا الاسم له خاصية غير حاصلة في سائر الأسماء، وهي أن سائر الأسماء والصفات إذا أدخل عليها النداء أسقط عنها الألف واللام، ولهذا لا يجوز أن تقول: يا الرحمن! يا الرحيم! يا السلام! وإنما تقول: يا رحمان! يا رحيم! يا عزيز! يا قوي! أما هذا الاسم فإنه يحتمل هذا فيصح أن يقال: يا ألله؛ لأن الألف واللام في هذا الاسم صارا كالجزء الذاتي فلا يسقطان في حالة النداء، وفيه إشارة لطيفة وهي: أن الألف واللام للتعريف فعدم سقوطهما عن هذا الاسم يدل على أن هذه المعرفة لا تزول أبداً.

стр. 1991

نظرة في تاريخ العقيدة [١] إنّ تاريخ هذا الدين وهذه العقيدة الإسلامية الحقّة تاريخ قديم قِدَم خلق الإنسان، وهذا الأمر أمر واضح جلي في الكتاب والسنة، ولا يجادل في ذلك إلّا جاهل أو مكابر أو طاعن، وبداية تلك العقيدة وتفاصيلها، وكيفية خلق الإنسان وبداية ذلك أمر غيبي لا يعرف إلّا من قِبل من يعرف الغيب، فلا ندع ذلك ونذهب نتخبط يميناً وشمالاً بحثاً عن تلك الحقائق التي نشأت قبل دهور طويلة، وقبل أزمنة مديدة، فإن ذلك مدعاة للتخبط والتخرص والقول القاصر والحدس، فتمسَّك أيها المسلم! بكتاب ربك، وسنة نبيك تنجُ وتفلح.

стр. 1992

تاريخ نشوء العقيدة والرد على المخالفين في ذلك الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، لاسيما عبده المصطفى. اللهم! صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم! بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. إن الموضوع الذي سنتناوله اليوم هو موضوع النظر إلى تاريخ العقيدة الإسلامية، خاصة وأن هذه المسألة مع وضوحها كالشمس، لكن نجد في الناس من يخلط في هذه القضية المهمة. فبعض الناس يزعم أن العقيدة لم يعرفها الإنسان على ما هي عليه مرة واحدة، وإنما ترقت العقيدة وتطورت خلال قرون سحيقة، وأطلقوا عليها عصور ما قبل التاريخ، أو العصور الحجرية، حيث يزعمون أن الإنسان الذي يسمونه البدائي أو الحجري لم يكن يعرف له رباً ولا معبوداً، ثم نشأت عنده بعد ذلك عاطفة التدين؛ بسبب أنه رأى الحيوانات تخشى القوى الخفية، فتخاف من البرق والرعد، فظل الإنسان يبحث عن معبود يشعر نحوه بالولاء والتقديس، مهما كانت صورة هذا المعبود. وهذا فيه عملية إضفاء نوع من العذر والاعتذار عن هذه الجريمة التي تعتبر أكبر جريمة وقعت في الوجود، وهي الشرك بالله . فكأن الإنسان الأول كان حائراً يبحث عن إله يأوي إليه ويحبه، وانظر إلى هذه العاطفة، فكأن الخبثاء يريدون أن يقولوا: إن الدين نبع من الأرض ولم ينزل من السماء، وإن الدين اختراع بشري، وإن الإنسان هو الذي توصل إليه واكتشفه؛ وبالتالي فإن هذه الأديان تستوي؛ لأنها صنع بشري، فلكل إنسان أن يختار الدين الذي يرتاح إليه، فانكمش هذا المعبود في الشمس وفي القمر وفي الكواكب، حتى في الأشجار وفي الحيوانات. ثم قالوا: إنه تطور من وثنية إلى وثنية إلى أن اكتشف التوحيد من تلقاء نفسه، فعند هؤلاء أنّ الإنسان هو الذي اكتشف التوحيد. فخلاصة الكلام أن الدين في زعم هؤلاء الناس هو نتاج العقل البشري واختراعه.

стр. 1993

طرق دراسة تاريخ أديان الأمم القديمة ومصادرها ليس هناك دليل مادي على أمر التوحيد واتصال الأرض بالسماء بهذه الكيفية عند هؤلاء المستشرقين والباحثين، فالطريق الذي يسلكه جمهور الباحثين للوصول إلى هذا المطلب هو دراسة تاريخ أديان الأمم القديمة، عن طريق التنقيب في الحفريات والرمم والجثث المحنطة والآثار الحجرية، ثم البحث في أديان الأمم المعاصرة غير المتحضرة، وهذا هو المنهج الذي ارتضوه كي يصلوا إلى الحقيقة فيما يتعلق بقضية الدين. وهم أيضاً متأثرون بفكرة النشوء والتطور، فلذلك هم يبحثون في هذين الخطين فقط في الأمم القديمة، والأمم المعاصرة غير المتحضرة، ولا يلتفتون إلى الدين؛ لأن الدين تخلف، والدين اختراع عتيق في متحف التاريخ، فالذي يريد أن يبحث في التاريخ ينبغي له أن يبحث عنه في الحفريات وفي طبقات الأرض (الجيولوجيا)، وفي تواريخ الأمم القديمة، وإذا كنا نبحث في القرون المعاصرة فعلينا أن نبحث في تاريخ الأمم المعاصرة غير المتحضرة، ويعتبر هؤلاء نهاية ما يعلمونه في القدم من أديان البشر، وما عليه الأمم الأشد تخلفاً من ممارسات دينية، صورة مطابقة لما كان عليه الإنسان الأول. فزعموا أن ما عليه الأمم المتخلفة التي تعيش في المجاهل والأدغال الآن، والتي تعيش حياة الوحوش، هو صورة لما كان عليه الإنسان الأول. أما بالنسبة للأديان القديمة، فليس لهم أي مصادر علمية، بل هو القول على الله بغير علم، ويستندون إلى النقوش والرسوم والرمم التي يستوحون منها ما يزعمونه قطعياً، ولما كانت تلك مصادر آرائهم اختلفت آراؤهم. فذهب فريق إلى أن الدين بدأ بصورة الخرافة، وأن الإنسان أخذ يترقى في دينه على مدى الأجيال حتى وصل إلى الكمال فيه بالتوحيد، كما تدرج في علومه وصناعاته، حتى زعم بعضهم أن عقيدة الإله الأحد عقيدة حديثة، وأنها وليدة عقلية خاصة بالجنس الثاني. وقد نادى بهذه النظرية أنصار المذهب التصوري الذي ظهر في أوروبا في القرن التاسع عشر، وذلك في أكثر من فرع من فروع العلم. وهناك فريق آخر من هؤلاء الباحثين الماديين قال بفطرة التوحيد وأصالته، وأثبت أن عقيدة الخالق الأكبر هي أقدم ديانة ظهرت في البشرية، فردوا على أنصار المذهب الأول، ورفضوا ما قالوه، مع أن مسلكهما في تحديد بداية الدين مسلك واحد وهو: الوصول إلى ذلك عن طريق الرمم والنقوش والحفريات، وأيضاً دراسة تواريخ الأمم المعاصرة غير المتحضرة. إنّ ممن أجاد وأفاد في هذا المبحث واكتشف فيه الدكتور محمد عبد الله دراز رحمه الله تعالى، وهو من علماء الأزهر الذين لم توفهم الصحوة الإسلامية حقهم من الاهتمام بكتبه النادرة، فهذا من العلماء المعاصرين الذين ابتكروا البحث في تاريخ الدين، وهو في عامة بحوثه مبتكر، ولا يكرر مثل الآخرين، بل تجد أفكاره ناضجة جداً، وللأسف الشديد أنه لم يأخذ حقه من الاهتمام، ولم تذع كتبه كما كان ينبغي لها أن تذاع. يقول رحمه الله تعالى: أما من حيث الغاية التي يهدف إليها البحث فهي تحديد أصل العقيدة، والمظهر الذي ظهرت به في أول الأزمنة، وهذه المنطقة البدائية المحضة اعتبرها العلم شقة حراماً حظرها على نفسه، وأعلم بصراحة خروجها عن حدود علمه؛ لأنه سيخبر عن غيب، فكيف سيصل إلى هذه المنطقة البدائية؟ وبم سيتكلم عنها؟ أيرجم بالغيب؟! فلذلك نلاحظ أن الله في مواضع كثيرة من القرآن يمتن على نبيه ﷺ بأنه يخبره بأنباء الغيب، وجعل الله هذا دليلاً من أدلة صدق نبوته فقال: ﴿ذَلِكَ مِنْ أنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران:٤٤]، وهكذا في كثير من الآيات مثل قوله: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا﴾ [طه:٩٩] إلى آخر الآيات. فهناك آيات كثيرة في القرآن يمتن الله بها على نبيه ﵊ بأنه يطلعه على بعض أخبار الغيب التي لا سبيل إليها إلا عن طريق الوحي. ويقول: ومؤرخو الديانات على الخصوص معترفون بأن الآثار الخاصة بديانة العصر الحجري وما قبله لا تزال مجهولة لنا جهلاً تاماً، فلا سبيل للخوض فيها إلا بضرب من التكهن والرجم بالغيب. وأما من حيث المنهج وهو الاستدلال على ديانة الإنسانية الأولى بديانة الأمم المنعزلة المتخلفة عن ركب المدنية فهذا مبني على أساس افتراض أن هذه الأمم كانت منذ بدايتها على الحالة التي وصل إليها بحثنا، وأنها لم تمر بها أدوار متقلبة، وهو افتراض لم يقم عليه دليل، بل الذي أثبته التاريخ واتفق عليه المنقبون عن آثار الأمم الماضية، هو أن فترات الركود والتقهقر التي سبقت مدنيتنا الحاضرة كانت مسبوقة بمدنيات مزدهرة، وأن هذه المدنيات قامت بدورها على أنقاض مدنيات بائدة قريبة أو بعيدة، وذلك في أدوار تتعاقب على البشرية. فانظر إلى قدماء المصريين، فقد كانوا في فترة زمنية قريبة، وليست بالسحيقة كالقرون الأولى من قبلهم، ومع ذلك فقد تركوا آثاراً تُظهر تفوقاً في بعض فروع العلوم، ولا يستطيع العلم البشري إلى اليوم أن يصل إلى عشر معشارها، فهناك بعض الألغاز الموجودة حتى الآن لم يستطع العلم الحديث أن يفسرها، وهذا ما حدا بالكثيرين إلى أن يقولوا: إن قدماء المصريين كانوا يستعينون بالجن والسحر؛ وذلك بسبب ضخامة ما خلفوه من علوم تدل على تقدم وازدهار حضاري كما يسمونه ويزعمونه. وقد نُشر في مجلة لا أذكر اسمها الآن في أمريكا مقالاً تحت عنوان: مدينة الأبراج، وهي منطقة في حضرموت، وفي نفس المكان الذي نعتقد نحن أنه كانت فيه مدينة عاد إرم ذات العماد، فيقولون: إنهم عن طريق التصوير والاستعانة بالأقمار الاصطناعية اكتشفوا مدينة كاملة مغمورة تحت الأرض، وفيها مبان مرتفعة جداً، وسموها مدينة الأبراج، وهم لا خبر عندهم بما يتعلق بالقرآن الذي وصفها بهذا الوصف: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ﴾ [الفجر:٦ - ٨]. فهذا مما يدل على أن الأمر بالعكس، فهناك أمم في القرون الماضية قد يكون عندها حضارات وتقدم هائل جداً، ثم تحصل فترات ركود وانحدار، وذلك في فترات تتعاقب على البشرية. ويقول: فمن العسير أن نحكم بصفة قاطعة أن الخرافات القديمة بداية أديان؛ لأننا حتى في هذا العصر الذي نزعم فيه الترقي والتطور والتقدم والحضارة وغير ذلك لا زلنا نجد هذا موجوداً، بل ومن أرقى الأمم تحضراً كأمة اليابان مثلاً، فاليابانيون يعبدون الإمبراطور ويعبدون العائلة المالكة كما كان يفعل المصريون. وهنالك في أوروبا والغرب من يعبد آلهة قدماء المصريين، ويأتون إلى هنا، ويحجون إلى الأهرامات وإلى الآثار. وهناك ما تعجبون منه، ففي بعض الدول في شرق آسيا من يعبد الفئران! وقد رأى أحد الإخوة منظراً مثل هذا في شرق آسيا، ورأى أشياء مقززة، ولولا ذلك لحكيتها لكم، وذلك فيما يتعلق بتقديس الفئران، وهي أمور لا يتصورها أي إنسان عنده فطرة سليمة، أو ذوق مستقيم، فهم يقدسون الفئران، ويبنون قصوراً من الرخام الأبيض الجميل؛ كي يعبدوا فيها هذه الفئران. وهناك من يعبد النيران وغير ذلك من الأوثان، وهذا يحصل الآن -كما يقولون- في القرن العشرين. إذاً: فليس هناك قديم ولا جديد فيما يتعلق بالعقيدة، بل هي فترات ركود وانحدار وانحطاط بعد الترقي، فهذه في حد ذاتها ليست دليلاً على صحة المبدأ الذي عليه هؤلاء الناس. ويقول بعض إخواننا: لو يرانا عباد الفئران ونحن نقتل الفئران هنا لأقاموا علينا حرباً مقدسة، كما فعل إخوانهم في المسجد البابري في الهند، وسبب المشكلة في ذلك المسجد أنّه بُني على مسقط رأس إلههم، أي: أنّ الإله ولد في هذا المكان، إله يولد تباً لهم! فهذا المكان مقدس عندهم. فيمكن أن تطرأ على بعض هذه الحضارات بعض الطوارئ فتمزقهم الحروب، أو تفسدهم بعض المؤثرات الاجتماعية، فينحرفون عن التوحيد الذي كانوا عليه، أو يقل اعتناؤهم بأصول دينهم فيضيع هذا الدين، ويبقى تعلقهم بأشياء محرفة أو مغلوطة. فإذاً: هذه البحوث التي يسمونها بحوثاً علمية في تاريخ الأديان، كلها مبنية على شفا جرف هار، وليس لها دليل علمي يدل عليها؛ لأنها لا تقوم إلا على التخمين والظن اللذين لا يغنيان من الحق شيئاً. وأما الاستدلال بالآثار والنقوش والحفريات ودراسة الرمم، فهذا أمر يحتاج إلى كثير من التأمل، وكل من كان له قلب فإنه يدرك مدى اختلاف الناس في الأشياء المشاهدة في وقت واحد، فكيف بتفسير أشياء بيننا وبينها قرون سحيقة، وما ندري ما وراءها!! ومن عجيب أمر الباحثين في موضوع تاريخ الأديان أنهم يغفلون تماماً آثار الأنبياء، فتراهم يتجاهلون قضية الأنبياء وآثار الأنبياء، ويتجاهلون كتب الأنبياء، ويتعلقون بالواهي من الأدلة ورموز الأخبار والآثار، وتزداد الغرابة وتعظم المصيبة حينما يكون الباحث مسلماً، ويتابع غير المسلمين في مثل هذه الأمور التي صرحت بها الرسالات السماوية، متجاهلاً للحقائق التي جلاها الإسلام بما لا يدع مجالاً للشك، سواء كان ذلك فيما يتعلق بقضية خلق الإنسان، أو تكوينه أو نظام حياته وتدينه، أو الحكمة من خلقه ووجوده، والله يقول: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء:٣٦]، ويقول: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف:٥١].

стр. 1994

زعم الأفّاكين: أن الإنسان الأول كان شبيهاً بالحيوان إن من جملة مزاعم القوم في هذا الباب أن الإنسان الأول كان أقرب إلى الحيوانات، لذلك نجد كتب العلوم والأحياء وغيرها من الكتب تحاول دائماً أن تصور وتحفر في ذاكرة الطلبة أن هذه حقيقة لا مناص منها، والله يقول: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف:٥١]، فهم يرجمون بالغيب، ويحاولون أن يطبعوا في أذهان الشباب صورة أنّ الإنسان ترقى من الشمبانزي وهذا نوع من القرود، وكيف أنه كان يترقى بانحناءاته وطريقته في المشي، وزوال الشعر عن جسده، إلى أن وصل إلى الإنسان الحجري، فهذه هي الصورة التي يحفظونها الأبناء. ولن نناقش اليوم قضية الترقي والتطور في بنية الجسد البشرية؛ لأن هذا موضوع آخر نرجو أن نتكلم عليه في فرصة أخرى، وإن كنا قد تكلمنا عليه منذ سنوات ولكن بَعُد العهد به جداً. ونرجو أن يتيسر لنا الكلام على نظرية دارون، هذه النظرية الفاشلة التي تستعمل لحرف العقيدة، وتشكيك الشباب في عقيدتهم ودينهم، مع أنها نظرية فاشلة بكل المقاييس، وليس ذلك فقط من الناحية الدينية، فهي حتى من النواحي العلمية نظرية فاشلة وقد انهارت، ومع ذلك يصرون على تدريسها في بلادنا في أحرج سنوات العمر، وهي فترة الثانوية العامة، ويركزون عليها وكأنها أمر ثابت، وهي كذب وتزوير كما سنبينه إن جاءت فرصة إن شاء الله تعالى. فتصويرهم لهذا الإنسان بهذه الصورة، وتعليمهم ذلك للشباب يجعل الشاب يشعر في نفسه بتناقض، فنحن نؤمن بالقرآن وبالوحي وفيهما: أن آدم أول البشر، فهل كان ﵇ بهذه الصورة؟ وهل كان آدم ﵇ أقرب ما يكون لمنظر الشمبانزي والقرد الذي يزعمون أنه ابن عم الإنسان؟! فإنهم يقولون: إن الإنسان والشمبانزي انحدرا من أصل واحد. فعلى هذا يكون هذا الأصل غير معروف، وهذه هي الحلقة المفقودة، وليس هناك دليل أبداً يسد هذه الحلقة، فهي مجرد افتراض وهمي. فهل كان آدم ﵇ بالصورة التي نتلقاها من القرآن والسنة، أو أنّه كان أقرب ما يكون إلى الحيوان من حيث التخلف العقلي والبدائية؟! أي: أنه منحن في مشيته والشعر على جسده مثل فروة الغوريلا أو الشمبانزي وغيرها من القرود، وأنه أقرب ما يكون للأبله الذي لا عقل له. فهم يصورون هذا الإنسان الذي يسمونه بالإنسان الأول على أنه كان أقرب ما يكون إلى الحيوان، وأنه خُلق خلقاً ناقصاً غير مؤهل لأن يتلقى الحقائق العظمى كاملة، كما تزعم ذلك النظرية الدارونية الفاشلة كما ذكرنا، وأنه كائن تطور عن غيره، وعلى هذا الأساس فلا يكون هناك أي معنى لاستخلاف هذا الإنسان وتكليفه في هذه الأرض.

стр. 1995

زعم الأفاكين: أنّ الأصل في الإنسان الشرك الأمر الثاني من هذه المزاعم الكاذبة: أن الإنسان كان مشركاً بطبيعته، ففطرته ملوثة بالشرك، وأول ما يبحث فإنه يبحث عن عبادة الأحجار والأقمار والأشجار والكواكب إلى غير ذلك، فيصورونه على أن الأصل في فطرته هو الشرك والوثنية، وبناءً على ذلك زعموا أن الأصل في عقيدة البشر هي العقيدة الفاسدة، ثم طرأ التوحيد بعد ذلك، حيث إن الدين الداعي إلى التوحيد جاء متأخراً عن وجود الإنسان على ظهر الأرض في زعمهم. فدين التوحيد هذا لم ينزل، بل إنّ الإنسان هو الذي اكتشف أن أفضل شيء هو التوحيد، فبعد مضي أجيال طويلة اخترعت البشرية عقيدة التوحيد!

стр. 1996

زعم الأفاكين: أنّ الإنسان تطور بأفكاره حتى اكتشف الدين بنفسه الأمر الثالث من هذه المزاعم: أن الإنسان سعى بجهده وعقله في البحث عن معبود، وأن أفكاره تطورت ذاتياً بناءً على تجاربه، وذلك دون توجيه رباني يهديه ويرشده، إلى أن اكتشف الدين بنفسه دون معلم يعلمه، وأنه كما ترقى في العلوم والصناعات، ترقى كذلك في معرفة الله ﵎.

стр. 1997

زعم الأفاكين: أن قروناً طويلة مرّت على الإنسان دون أن يعرف فيها رباً ولا معبوداً الأمر الرابع من هذه المزاعم: أن قروناً طويلة مرت على البشرية وهي لا تعرف لها رباً ولا معبوداً، لكن كلما تقدمت البشرية فإنها تترقى وتتطور في فهمها للدين، وعلى ذلك فكل من جاء بعد آدم من القرون البشرية كانوا على دين أكمل من دين آدم، لأن آدم كان هو الإنسان الأول، وكان متخلفاً عقلياً ولم يكن مؤهلاً لتلقي هذه الحقيقة العظمى، وهي حقيقة التوحيد، فمن أتى بعده فهو أكمل منه ﵇، وكلما تأخرنا تكون القرون المتأخرة أقرب للفهم الصحيح من الأمم المتقدمة! وعلى هذه المزاعم صنفوا تواريخ الأمم التي سبقت بعثة رسول الله محمد ﷺ . بما في ذلك تاريخ أوروبا على أنه تاريخ وثني جاهلي محض، لا أثر فيه لوجود الله ولا لدين طلب الله من البشرية أن تعتنقه، ولا لنظام ولا لشرع رباني طلب الله من بني آدم أن يُخضعوا حياتهم له، ولا وجود لرسل من قِبَل الله يطلبون من الناس عبادة الله وحده لا شريك له. ويفهم مما سبق انتفاء التكليف الإلهي للبشر، بل إذا أقروا بوجود خالق لهذا الكون، فإنهم يقولون: خلقه ثم حرّكه، ثم تركه، أي: أنه خلق الكون وحركة فالشمس تجري، والأرض تدور، والأقمار تسبح في الفضاء، ثم ترك العالم على هذا الأساس بلا تكليف ولا أمر ولا نهي.

стр. 1998

خطر الدسائس التاريخية والغزو الثقافي على الأمة الإسلامية إذا تأملنا كيفية معالجة المستشرقين لتاريخ مصر والعراق وبلاد الشام والجزيرة العربية منذ أقدم الدهور، فهم عندما درسوا تاريخ هذه البلاد في القرون القديمة فإنهم يحذفون من حساباتهم ذكر الإسلام تماماً، ويهملون ذكر دعوات الرسل في حياة هذه الأمم التي سكنت تلك البلاد، وبهذا أصبحت جميع الأمم بلا استثناء تنظر إلى هذا الفترة من تاريخها على أنها خلقت وتركت هملاً، فلم تكن تعرف لها رباً ولا ترتضي لنفسها ديناً، بل أخذوا يرددون بأن الأصل في عقيدة أهل تلك الأقطار هي الوثنية، وأنهم تطوروا في الوثنية من التعدد إلى التوحيد، وأن أول الموحدين وذلك من تلقاء نفسه في التاريخ هو الفرعون أخناتون، أو أمنحتب الرابع، ويفخرون بـ أخناتون فخراً عجيباً جداً، فتجدهم في الأناشيد والأشعار والكتب يمدحونه على أنه أول مخترع للتوحيد، رغم أنه لم يكن توحيداً، بل كان شركاً نجساً خبيثاً. إنّ أخناتون هذا هو أول من إلى التوحيد بين آلهة ثلاثة في إله واحد، وقد أخذ النصارى عن قدماء المصريين أفكارهم الشركية أيضاً. فكان أمنحتب الرابع أو أخناتون يعبد القوة الكامنة وراء إله الشمس آتون، ويعتقد أن عبادته هي الحقيقة، وأنها هي الدين الصحيح، وأن هذه الفكرة انتقلت من مصر إلى بلاد العراق، حيث أقام إبراهيم دينه، أي: أن الإسلام ليس وحياً من عند الله ﵎. فهذه من الدسائس التي تسمم قلوب الشباب والأجيال، فتتخرج أجيال بعد أجيال على هذه العقائد التي يُلحّ إلحاحاً في تحفيظهم إياها على أنها حقائق مسلمة، فلا شك أنه بذلك تنقطع رابطة هؤلاء الشباب بالإسلام. فالغزو في الحقيقة من كل جانب، فقد سمعتُ مؤخراً عن أشياء تُعرض في القنوات الفضائية مخالفة للشريعة، وقد يستهين بها كثير من الناس، وهناك أشياء كثيرة نستهين بها وهي تؤثر على نفسيات الأطفال أكثر، فالأشياء التي نستهين بها هي من أخطر الأشياء، فكثير من الناس يتهاونون مع ما يسمى بأفلام الكرتون، ويقولون: إن هذه تسلية للأطفال، وليس فيها رقص ولا غناء ولا أي منكرات! فأقول: كلا، بل فيها كثير من المنكرات، وهذا أنموذج من هذه النماذج سمعت عنه، فقد أتوا بقصة فيها: أن أباً وأماً وأولاداً خرجوا في رحلة جميلة، وكانوا في مركب في البحر، فجاءت عاصفة شديدة كادوا أن يغرقوا ويهلكوا بسببها، فأخرج الأب الذي هو رب الأسرة جهازاً لاسلكياً، واتصل بإله البحر؛ حتى يأتي وينقذه، فأتى هذا الإله وأنقذه من الغرق في الحال. وفي مناسبة أخرى تكررت نفس القصة، فقد وقع الولد في نفس الورطة وأشرف على الغرق، فماذا فعل الطفل الصغير؟ أخرج الجهاز اللاسلكي، واتصل بابن إله البحر، أي: الإله الصغير، فأتى ابن إله البحر وأنقذه. وأنا ما رأيتها، ولكني سمعت ذلك. فلا شك أنّ هذه رسالة من خلال أفلام الكرتون لإفساد العقيدة، وتهيئة الأولاد لقبول فكرة أنّ هناك إلهاً كبيراً وأن له ابناً، وأن كليهما قادر على أن ينقذك في الضراء وفي الكربات. إذاً: فمثل هذه الأشياء لا شك أنها تترك آثاراً خطيرة جداً، وخاصة أنها لا تقترن بما ينفر منها، بل العكس فإنها تقترن بما يرغب فيها من المحسنات والمزينات، فمثل هذه الحقائق كثير من المسلمين الجهلة ليس عندهم خبر بها، وما يشعرون بخطر التساهل في مثل هذه العقائد، فانظر إلى ما يدرسونه أبناءنا في التاريخ، يدرسونهم أن التوحيد أول من اخترعه هو: أمنحتب، أو أخناتون، ونفرتيتي، فإنهما عملا مع آتون شركة، ووحدوا هذه الآلهة الثلاثة في إله واحد وهو إله الشمس، فهذا أول اكتشاف بشري للتوحيد. ثم بعد ذلك انتقلت عقيدة التوحيد هذه إلى بلاد العراق، حيث أقام إبراهيم دينه، فانظر إلى هذا الربط في قولهم: حيث أقام إبراهيم دينه، فما معنى ذلك؟! معنى ذلك: أنّ أبا الأنبياء وخليل الرحمن وإمام الحنفاء -الذي أَمرنا الله أن نكون على ملته، والذي كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [آل عمران:٩٥]- اقتبس هذا التوحيد من مصر أم الدنيا، فهي التي نقلت التوحيد إلى إبراهيم الخليل، وعلى هذا الأساس أقام إبراهيم دينه، أي: أنّ الدين تأسيس بشري وليس له أصل إلهي. وتأكيداً على هذه المزاعم، فقد حرص علماء الآثار من المستشرقين على طمس أي قرينة أثرية، أو ملامح تاريخية تؤكد أن الله فطر البشرية على الإسلام، وارتضاه لها ديناً، وبعث به الرسل، وعندما تظهر قرينة رغماً عنهم تؤكد أصالة خط التوحيد في حياة البشر، فإنهم يعزونها إلى تطور الفكر البشري، فهم يزعمون أن الإنسان قد تطور في معتقده كما تطور في صناعته. فهؤلاء كما يسميهم كثير من الفضلاء: أصحاب منهج التجاهل والتجهيل، فهم يتجاهلون الحقائق، ويريدون أن يخرجوا جيلاً يتجاهل أيضاً هذه الحقائق، فهم متجاهلون ومجَّهلون لهذه الأجيال، ولا يستندون إلى أي دليل في هذه الفكرة الخطيرة سوى الجهل، والجهل لا يصلح أن يكون دليلاً.

стр. 1999

الطرق العلمية الصحيحة في معرفة الأمور إن من خلال هذا التقديم قد رأينا أن مسالكهم التي يسمونها علمية لا علاقة لها على الإطلاق بالعلم، فإنّ العلم هو أن تصل إلى حقائق الأشياء على ما هي عليه في واقع الحقيقة، وعلى هذا الأساس فالحقائق الموجودة في الوجود لا تنحصر في الأمور المحسوسة.

стр. 2000

المنهج العلمي الصحيح في معرفة الأمور المحسوسة إن الأمور المحسوسة تعرف عن طريق المنهج العلمي المادي المعروف، وهو ما يسمونه بالمنهج التجريبي، وهذه الطريقة تعتمد على التجربة والمشاهدة والاستنتاج، فهذا محصور في دائرة الأمور الحسية فقط. فهذا ما يتعلق بالأمور التجريبية، فهي تخضع للحواس مثل: الذوق والشم والنظر واللمس وهكذا، فمن خلالها نصل إلى الحقائق الحسية، وهذا الجانب من العلم تركه الله للبشر يجتهدون في استخراجه واستنباطه، وإعمال عقولهم فيه، مع هدايته لهم.
следующие страницы →