← Джавами‘

Джавами‘ · id 37018

دروس الشيخ محمد إسماعيل المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (2 122 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

دور الإنكليز في الدعوة إلى تحرير المرأة وفي عام (١٩٠٨م) مات قاسم أمين، فأوحى الإنكليز إلى شيعته أن يقيموا له ما يسمى بحفل تأبين، وأرادوا أن لا تنقطع الدعوة بموته. وفي المقابل قام الرجال في الحزب الوطني بقيادة مصطفى كامل فأقاموا احتفالاً كبيراً بالدعوة إلى الحجاب، ولإبراز أصابع الإنكليز في فتنة السفور. وبعد ذلك حصلت طفرة شديدة جداً بالنسبة لقضية تدمير المرأة، وهي قيام ثورة التاسع عشر، فكانت أكبر طفرة حصلت في حركة تحرير المرأة؛ لأن المرأة خرجت للمظاهرات وشاركت فيها، ولا أدري ما هي علاقة المرأة بموضوع المظاهرات، وهل الإنكليز هم الذين فرضوا عليها الحجاب؟ وهل هي تقاوم الإنكليز من أجل أنهم هم الذين أمروها بالحجاب؟ الحجاب فرض عليها منذ ثلاثة عشر قرناً فما هي علاقة خروج النساء في مظاهرات ضد الإنكليز، ويهتفن ضد الإنكليز. وهذا هو فن صناعة الأبطال، فواجب على البطل أن يكون له مجد وله مآثر وله إنجازات من أجل أن يبرز الناس هذه السموم التي يريد أن يبثها.

стр. 212

محمود عزمي وسعد زغلول في الدعوة إلى تحرير المرأة ومن ضمن التعبيرات الخطيرة جداً تلك التي صرح بها رجل يدعى محمود عزمي حيث قال: تأثرت بكتب قاسم أمين تأثراً عجيباً جعلني أمقت الحجاب مقتاً شديداً، ويرجع إلى اعتبار خاص هو اعتبار أن الحجاب من أصل غير مصري، ودخوله إلى العادات المصرية كان عن طريق تحكم بعض الفاتحين الأجانب. قال: فكان حنقي على أولئك الأجانب الفاتحين الإسلاميين يزيد. وكما قلت في البداية: القضية هي صراع بين إسلام وكفر، هدىً وضلال، حق وباطل، وحي وهوى، ولا يوجد خط وسط أبداً بين الاتجاهين. وكان لزوجة سعد زغلول صفية مصطفى فهمي دور خطير في هذا الوضع، فحينما رجع سعد زغلول من المنفى قامت صفية زغلول بإلقاء الحجاب من على وجهها، وهذه هي مكافأة المرأة من أجل أنها شاركت في مقاومة الاحتلال، فتدخل علي الشمسي وواصف بطرس، حيث اعترض واصف بطرس غالي وقال لـ سعد زغلول: هذا سيعمل رد فعل شديد في المجتمع، كيف تكون صفية زغلول تكشف وجهها؟ فرد عليه سعد زغلول وقال: المرأة خرجت إلى الثورة بالبرقع، ومن حقها أن ترفع الحجاب اليوم، فرفعت صفية زغلول الحجاب، وطلبت من النساء رفع الحجاب فرفعت الحاضرات الحجاب. هذه كانت بداية الطفرة في موضوع تحرير المرأة، ولا شك أن كشف الوجه كان ذريعة إلى كثير من المفاسد التي حصلت بعد ذلك، كما ذكرت الأشعار التي تبين أنه كان المصريون في غاية التمسك بالحجاب، كما يقول حافظ إبراهيم: فلو خطرت في مصر حواء أمنا. لأنه يدعي أن حواء كانت سافرة، وكذلك يدعي أن مريم كانت سافرة، فيقول حافظ إبراهيم: لو جاءت حواء كاشفة وجهها ومريم ﵍ وجاء معهما موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام وجيش من الأملاك ماجت مواكبه، وكل هؤلاء قالوا لنا: رفع النقاب حلال لقلنا لهم: صحيح، لكن سنتجنبه ولن نعمله. فيقول: فلو خطرت في مصر حواء أمنا يلوح محياها لنا ونراقبه وفي يدها العذراء يسفر وجهها تصافح منا من ترى وتخاطبه وخلفهما موسى وعيسى وأحمد وجيش من الأملاك ماجت مواكبه وقالوا لنا رفع النقاب محلل لقلنا لهم حق ولكن نجانبه

стр. 213

هدى شعراوي وتحرير المرأة وبعد ذلك خطا الناس إلى أبعد مما نادى به قاسم أمين، فـ قاسم أمين ادعى أنه يريد الوقوف بالحجاب إلى حيث أمرها الله بكشف الوجه والكفين فقط، وكل المعركة في المرحلة الثانية التي هي كتاب "تحرير المرأة" كانت متعلقة بكشف الوجه والكفين، والذي كتب له هذا الكلام هو محمد عبده كما ذكرنا، فلم يدع في هذه المرحلة قط إلى كشف العورات كالأذرع والسيقان وغيرها، ولم يدع إلى الاختلاط بالرجال ومراقصتهم ولا إلى شيء من ذلك. بل زوجة قاسم أمين كانت محجبة حجاباً كاملاً، بل إنها ظلت ترتدي البرقع والحدرة وقاسم كان ينادي بفكرته، لكنه لم يطبقها في أسرته إلا على النشأ الجديد، ثم قالت زوجة قاسم أمين: إن بنات الجيل الحالي وشبابه قد أخطئوا فهم هذه الدعوة وتجاوزوا مداها، فالمظهر الذي تظهر به الفتاة في هذا العصر ليس سفوراً، بل بهرجة فظيعة لم تخطر على بال قاسم أن ينادي بها أو يدعو إليها، وإنما كان قاسم ينادي بالسفور الشرعي، أي: كشف الوجه، فكلمة السفور تعني الكشف الذي لا يزيد على إظهار الوجه واليدين والقدمين، ولا يتجاوز إلى إظهار العورات وإلى اختلاط المرأة بالرجل بالشكل الحاصل الآن. تقول: وإني أعتقد أن قاسم بيك لو كان حياً لما رضي عن هذه الحال، بل لانبرى إلى محاربتها. وقد أخذت الأمور تتطور بسرعة شديدة، وقد شل جسم الحياء من المرأة فأفضت تحدث وتجالس وتصافح وتختلط وتضاحك عامة الناس وأصدقاء وأقارب الزوج وإن بعدوا وإن سفلوا، وألقت المرأة بعد ذلك ملاءتها بعيدا ًعن ساحة الحياء، وخرجت في ملابس ملونة ومزخرفة أخذ المقص يجور عليها حتى خرجن كاسيات عاريات. وقد تتابعت التطورات في سرعة مذهلة، ولم تدع فرصة للمعارضة، وأعان على اندفاعها جو الثورة التي تلت الحرب وما كان يوحي به من جرأة ومن تمرد على كل قديم. وفي عام (١٩١٩م) حصلت مظاهرة قامت بها النسوة، وكان عددهن ثلاثمائة، وفي بعض الكتب الوثائقية صورة للنساء في هذه المظاهرات. وكانت هدى شعراوي في صراع شديد مع زوجها لأنها تذهب إلى المظاهرات، وكان يقول لها: هل أنت ستحرجين الإنكليز إذا عملت مظاهرة؟! وإذا ضربوك بالنار تقولين: يا لهوي! ويا لهوتي! وكذا، تقول: فتركته وانصرفت لألحق بزميلاتي الذي كن ينتظرنني في الخارج. وقد تهكم منهن حافظ إبراهيم حيث يقول في وصف هذه الغزوة: خرج الغواني يحتججن ورحت أرقب جمعهنه فإذا بهن تخذن من سود الثياب شعارهنه وضللن مثل كواكب يسطعن في وسط الدجنه وأخذن يجتزن الطريق ودار سعد قصدهنه يمشين في كنف الوقار وقد أبن شعورهنه وإذا بجيش مقبل والخيل مطلقة الأعنه وإذا الجنود سيوفها قد صوبت لنحورهنه وإذا المدافع والبنادق والصوارم والأسنه والخيل والفرسان قد ضربت نطاقاً حولهنه والورد والريحان في ذاك النهار سلاحنه فتطاحن الجيشان ساعات تشيب لها الأجنه فتضعضع النسوان والنسوان ليس لهن منه ثم انهزمن مشتتات ال شمل نحو قصورهنه فليهنأ الجيش الفخور بنصره وبكسرهنه فكأنما الألمان قد لبسوا البراقع بينهنه وأتوا بهند نبرج مخـ تفياً بمصر يقودهنه فلذاك خافوا بأسهن وأشفقوا من كيدهنه وقد تردت أوضاع المرأة بعد ذلك إلى وضع لم يكن يحلم به قاسم أمين، حيث قامت حركة هدى شعراوي، وكان لها تأثير سيئ جداً، وقد سافرت إلى باريس وأمريكا، وحصل منها تصريحات واجتماعات تدعو فيها إلى تحرير المرأة. وفي هذه المرحلة أيضاً كتب الشاعر محمد عبد المطلب قصيدة جميلة جداً يصف أحوال المرأة في ذلك الزمان يقول فيها: ما في بنات النيل من أرب لذي غرض نبيل أصبحن عاباً في الزمان وسوءة في شر جيل ما هذه الحضرات تهفو في الخمائل والحقول نكر العفاف ذيولها ومن الخنا قصر الذيول إن ينتسبن إلى الحجاب فإنه نكد الدخيل يختلن أبناء الهوى بالدل والنظر الختول من كل خائنة الحليل تهم في طلب الخليل ما لابنة الخدر المصون وربة المجد الأثيل أودى كثيف نقابها بكرامة الأم البتول يعني: يشتكي من أن النقاب شفاف، هي هذه المشكلة كلها. يقول: وعلا رنين حجولها أسفاً على الذيل الطويل فإذا مشت هتك النقاب محاسن الوجه الجميل ولقد ينم عبيرها فتحسه من نحو ميل ترتاد خائنة العيون بلحظ فاتنة قتول ثم يعرض بـ قاسم أمين فيقول: يا هل درى ذاك الغيور بما جرى ويح الجهول أهي التي فرض الحجاب لصونها شرع الرسول جعل الحجاب معابها من ذلك الداء الوبيل يا منزل القرآن نوراً للبصائر والعقول عميت بصائر أهل وادي النيل عن وضح السبيل ذهلوا عن الأعراض لو يدرون عاقبة الذهول

стр. 214

هل يستجيب دعاة السفور إلى ما تستلزمه دعوتهم من منكرات وقد اندفع تيار السفور والتبرج ولم يستطع أحد أن يوقفه، فهذا شكيب أرسلان كتب مقالة يقول فيها: عند إعلان الدستور العثماني سنة (١٩٠٨م) قال أحمد رضا بيك من زعماء أحرار الترك: ما دام الرجل التركي لا يقدر أن يمشي علناً مع المرأة التركية على جسر غلطة أو بلطة -الذي يربط بين آسيا وأوروبا- وهي سافرة الوجه فلا أعد في تركيا دستوراً ولا حرية. وكانت هذه هي المرحلة الأولى، يقول شكيب أرسلان: وفي هذه الأيام بلغني أن أحد مبعوثي مجلس أنقرة الكاتب رفقي بيك الذي كان كاتباً عند جمال باشا في سوريا كتب: إنه ما دامت الفتاة التركية لا تقدر أن تتزوج بمن شاءت ولو كان من غير المسلمين، بل ما دامت لا تعقد مقاولة مع رجل تعيش وإياه كما تريد مسلماً كان أو غير مسلم فإنه لا يعد تركيا قد بلغت رقياً. هذه هي المرحلة الثانية، يقول شكيب أرسلان: فأنت ترى أن المسألة ليست منحصرة في السفور، ولا هي بمجرد حرية المرأة المسلمة في الذهاب والمجيء كيفما تشاء، بل هناك سلسلة طويلة حلقاتها متصل بعضها ببعض لابد أن ينظر الإنسان إليها كلها من أولها إلى آخرها، فإذا كان ممن يرى حرية المرأة المطلقة فعليه أن يقبلها بحذافيرها، أما أن نجمع بين حرية المرأة وعدم حريتها، وأن نطلق لها الأمر تذهب حيث أرادت وتحادث من أرادت وتضاحك من أرادت وتغامز من أرادت ثم إذا صبا قلبها إلى رجل من غير جنسنا فذهبت وساكنته وكان بينها وبينه ما يكون بين الرجل وزوجه أقمنا القيامة ودعونا بالمسدس وقلنا: يا للحمية! يا للأنفة! يا للغيرة! يا للعرض! فهذا لا يكون، وليس من العدل ولا من المنطق أن يكون. ثم يقول: والنتيجة التي نريدها قد حصلت، وهي أن سلوكنا مسلك الأوروبيين حذو القذة بالقذة في هذه المسألة له توابع ولوازم لابد أن نقبلها، ولا يبقى معها محل لكلمة (أعوذ بالله) كلا! لا يوجد هناك: (أعوذ بالله) بل تلك مدنية وهذه مدنية، تلك نظرية وهذه نظرية، فعلينا أن نختار إحدى المدنيتين أو إحدى النظريتين مهما استتبعت من الأمور التي كان يقال في مثلها عندنا: (أعوذ بالله)! ولم تمض إلا سنوات قليلة حتى ارتفع صوت الصحفي الكاثوليكي إبراهيم المصري في مصر فكتب مقالة سنة (١٩٢٥م) يقول فيها: إننا لم نخط بعد الخطوة الحاسمة في سبيل تطبيق روح الحضارة العصرية على عاداتنا وأخلاقنا وأساليب حياتنا، إن نساءنا العصريات المتعلمات اللواتي يطالعن الصحف ويقرأن القصص ويغشين المسارح ودور السينما لا يزال يحال بينهن وبين الظهور في المجتمعات البيتية أمام رجل غريب، فنحن قد سلمنا بمبدأ تعليم نسائنا، ولكنا لم نسلم بعد بقدرة هؤلاء النساء على الانتظام في حفل كبير يضم عدداً مختاراً من أفراد الجنسين، ويتألف منه مجتمع مصري مختلط أشبه بالمجتمعات الأوروبية التي نشهدها في مصر، ونحسد الأجانب عليها! يقول: إن هذا راجع إلى أن ثقة الرجل المصري بالرجل المصري لا تزال معدومة، وقد تركز على ذلك أنك أصبحت ترى امرأة صديقك السافرة في الشارع وفي المحل التجاري وفي دار المسرح أو السينما، ثم لا تستطيع أن تراها في بيتها لتتفهم حقيقة شخصيتها، وتعرف كيف تعيش وكيف تشعر وكيف تفكر، أصبحت تبصرها في الحياة العامة وتعجب بها، ولكنك متى أردت تهذيب عواطفك وصقل إحساساتك ومشاعرك بالجلوس إليها والتحدث معها وإشراكها في المسائل التي تشغل عقلك وعقل باطنك حيل بينك وبينها، واتهمت بفساد النية وسوء القصد! ثم يقول: إن المجتمع المختلط هو الذي يقرب مسافة الخلف بين الجنسين، ويقيم علاقات الرجل والمرأة على قاعدة التفاهم الفكري العاطفي! ثم يقول: على المصريين أن يخرجوا من عقولهم، فالاعتقاد الشرقي الشائع بأن الرجل والمرأة متى التقيا فلابد أن ينهض الشيطان بينهما وينفث في نفسيهما سموم الرذيلة والشر هذا هو سر تأخرنا، وهو بقايا عصور الجهل والخوف والظلام! ولا حول ولا قوة إلا بالله! يقول الإمام ابن دقيق العيد: من عذيري من معشر هجروا العقل وحادوا عن طرقه المستقيمة لا يرون الإنسان قد دان حظاً من صلاح حتى يكون بهيمة

стр. 215

ردود بعض الشعراء على دعاة التحلل والسفور

стр. 216

من شعر مصطفى الرافعي عن الحجاب وأيضاً الشاعر الكبير الأديب العملاق مصطفى صادق الرافعي رحمه الله تعالى كان له دور رائع في الرد على هذه الدعوى كعادته حيث يقول: أراك تريدين الذي لست أهله وما كل علم إبرة وثياب كسا الزهر ما تندى به راحة الصبا وهم الندى بين السيول حساب وما أحمق الشاة استثرت بظلفها إذا حسبت أن الشياه ذئاب فحسبك نبلاً قالة الناس أنجبت وحسبك فخراً أن يصونك باب لك القلب من زوج وولد ووالد وملك جميع العالمين رقاب ولم تخلقي إلا نعيماً لبائس فمن ذا رأى أن النعيم عذاب دعي عنك قوماً زاحمتهم نساؤهم فكانوا كما حف الشراب ذباب تساووا فهذا بينهم مثل هذه وسيان معنىً يافع وكعاب وما عجبي أن النساء ترجلت ولكن تأنيث الرجال عجاب

стр. 217

قصيدة النجدي في بيان مفاسد السفور وهناك قصيدة أخرى رائعة للشيخ محمد حسن النجدي يقول فيها: زعم السفور والاختلاط وسيلة للمجد قوم في المحالات أغرقوا كذبوا متى كان التعرض للخنا شيئاً تعز به الشعوب وتسبقُ أيكون كشف السوأتين فضيلة فيذيعها هذا الشباب الأحمق ما لهم والبنت قد فتنت بما قالوا وحل بها الجنون المطبق وبدت مقاتل عرضها لرماته حتى لهمّ به الجبان الأخرق والقول أصبح في الخروج لها فلا كف تكف ولا ركاب يغلق كرهوا الزواج بها وباتت سوقها بعد التبذل عندهم لا تنفق ما خطبهم كلفوا بنزع حجابها وتكلفوا فيه البيان ونمقوا وتناولوا بالضعف من حاجاتنا واللين ما هو بالصرامة أخلق أغدت مشاكلنا الكبيرة كلها ذيلاً يجرجره السفور المطلق أم أنهم ضلوا السبيل وغرهم بتاريخه هذا الجديد المخلق أشبابنا المرجو صيحة جازع أغرى بها هذا البلاء المحدق ونطيحة يسدي برائع سرها لقوام نهضتنا محب مشفق لا ترهفوا سمع الحفي لقالة أبداً بها بوم البطالة تنعق لم يقصدوا خيراً بها لكنهم رأوا القوي يصيبها فتملقوا ولربما اجترح القوي خطيئة فمضى الضعيف بمدحها يتشدق قوا أهلكم ونفوسكم عاراً إذا لم تتقوه بغيركم لا يعلق وتناولوا بالجزر حمراً كلما هيجت إلى متع الإباحة تنهق كيف التمدن أن نرى روح الحيا بيد الخلاعة كل يوم تزهق والبنت يدفعها براحتها الهوى فتروح تهوى من تشاء وتعشق لكنه العلم اهتدى بضيائه غرب البسيطة حين ضل المشرق

стр. 218

ما قاله سعيد الجابري يقول الشيخ سعيد الجابري: رفع النقاب وسيلة إن حبذت ضمت إليها للفجور وسائل فالاختلاط فمرقص فتواعد فالاجتماع فخلوة فتواصل

стр. 219

أبيات أخرى تدعو إلى الحجاب وتحذر من السفور ويقول آخر: يا أخت سابغة البراقع في الأباطح والوعور قري ببيتك حيث لا تؤذيك ناطحة الهدير ودعي الجنوح إلى السفو ر وخففي ألم العشير النمر لو لزم الشرى من كان يطمع في النمور والطير تأخذها خباث الصيد في ترك الوكور

стр. 220

ابن الخطيب يرد على دعاة السفور وهذا جميل صدقي الزهاوي ألف قصيدة يقول فيها: أخر المسلمين عن أمم الأرض حجاب تشقى به المسلمات ونقول: هل لما تعرت المرأة المسلمة تقدمنا وحلت المشاكل؟ الجواب لا. بل الحصاد هو كما رأينا، وقد رد عليه ابن الخطيب قائلاً: بئسما يدعي فلاسفة العصر من أن السفور فيه الحياة وهو حق إذ إن أسلافنا الـ أعراب من فرط من يحبون ماتوا يعني أنه يقول: السفور فيه الحياة. ونقول: هذا صحيح؛ لأن أسلافنا العرب كان منتشراً عندهم الحجاب الكامل، ولم يكن هناك سبيل لرؤية المرأة، بل كان الرجل إذا عشق امرأة يموت؛ لأنه لا يستطيع أن يراها، كما يقول الشاعر: ما كان أغناني عن حب من من دونه الأستار والحجب فيقول ابن الخطيب: بئسما يدعي فلاسفة العصر من أن السفور فيه الحياة وهو حق إذ إن أسلافنا الـ أعراب من فرط من يحبون ماتوا يا خليلي! حدث عن الشرق قدماً حين كانت تعظم المعجزات حين كان القرآن يرجى ويخشى والقوانين آيه البينات حين كان الحديث يتلى ولا ير ويه إلا ذوو العقول الثقات إننا في الزمان نلفي أناساً في التوضي علومهم قاصرات أي أن هؤلاء الدعاة إلى تحرير المرأة لا يعرفون كيف يتوضئون أصلاً، ولا يعرفون كيفية شرح الوضوء والطهارة. وهمُ بعد يدَّعون علوماً أنكرتها عصورنا الخاليات ليت شعري ماذا يريدون منا وصنوف الأذى بنا محدقات بنت مصر هاتي سفورك واغشي كل ناد ولتمل منك الجهات عرفي نفسك الغداة وطوفي لا تفكي الأسواق والحانات ثم أمي مجالس القوم وادعي هم إلى حيث لا تمل الدعاة علناً بالسفور نبني حصوناً شامخات بها ترد العداة وعسانا نرى البرايا سدوداً لابن مصر وقد علاه السبات ولعمري لقد بكى الدين حزناً حين قال الخطيب يا سيدات إشارة إلى السنة التي كان يحلم بها قاسم أمين، حيث قال: متى يأتي اليوم الذي أرى فيه النساء مختلطة بالرجال والخطيب يقول: سيداتي آنساتي سادتي! فهذه كانت أمنية يحلمون بها، ولهذا فالشيخ ابن الخطيب ﵀ يقول هنا: ولعمري لقد بكى الدين حزناً حين قال الخطيب يا سيدات

стр. 221

واقع المرأة التي أريد لها التحرر والتطور لقد فقدت المرأة التي كان يلوح لها أنصارها بسعادة التحرر والتطور وجودها كامرأة، ولو قبضت على دينها لقبض الله عنها السوء وبسط لها الحلال، ولكنها ابتذلت وأهينت على يد أصدقائها وأنصارها وكانوا هم أول من زهد فيها. لقد انحسرت المرأة وغادرت حجابها وغادرت حصنها وعصت ربها، فماذا جنينا؟! لقد خالطت الرجال واختلط الحابل بالنابل، فهل زالت العقد النفسية؟ وهل استقر ما في دواخلهما؟ وهل جنينا سوى الثمار المريرة! ولن نطيل في وصف الهاوية التي تردت إليها المرأة المتحررة بفضل أنصارها وأصدقائها الكذابين؛ لأن الواقع حولنا يكفينا مؤنة هذه الإطالة، إنه واقع مرير نستطيع أن ندرك عواقبه وآثاره في كل مكان وفي كل بيت وفي كل طريق وفي كل وظيفة، ولو كنا نقول هذا توقعاً للمستقبل، أو قلناه قبل قرن مضى لاتُهمنا بالتحامل والمبالغة، لكنه واقع أليم تخبرك عنه هذه المرأة الضحية وهؤلاء الأنصار والأصدقاء إن صدقوا.

стр. 222

خصائص دعوة تحرير المرأة من خصائص دعوة تحرير المرأة أنها منذ نشأتها وهي تدور دائماً في فلك الاستعمار، فالعمالة صفة أساسية لأغلب دعاة تحرير المرأة، وقضايا الحجاب كلها اختلطت منذ البداية بعجلة الاستعمار، وهناك علاقة وثيقة تربط دعاة تحرير المرأة والقوى المعادية للإسلام وعلمائه ودعاته. ومن خصائص هذه الدعوة: أن هؤلاء النسوة القائمات عليها لا يُعرفن بدين ولا بخلق ولا بمبدأ، ويُعرفن في الغالب بالعداء للإسلام، وهذا هو القاسم المشترك بينهن كما لاحظنا، والحال أن أعمى يقود بصيراً، فمن الذي يحرر الآخر؟! ومن هو الإنسان الذي يحررها؟ فهذه المتبرجة المحررة -أو هذه الأسيرة بالمعنى الصحيح- هي التي تحتاج إلى أن نحررها، فإن الإسلام هو الذي يحرر المرأة ويخرجها من هذه العبودية، أما أن المسلمة تقتدي بهؤلاء النسوة فهذا لا ينبغي، كما قال الشاعر: فأين من كانت الزهراء أسوتها ممن تقفت خطا حمالة الحطب ومن خصائص هذه الدعوة الخبيثة: أن موضوع تحرير المرأة انقلب فيه الميزان، حيث كانت علامة الفرق بين الحرة والأمة في عهد النبوة وفي عهد السلف أن الحرة تحتجب حجاباً كاملاً، وأن الأمة هي التي تكشف؛ وهذا يدل على أن الحجاب كان علامة على الحرية، وأما الآن فأصبح العهر والتبرج هو علامة الحرية في عرف هؤلاء القوم. ومن خصائص هذه الدعوة أيضاً أنها تتبنى مبدأ القومية النسائية، حيث يحاولون أن يظهروا أن النساء كلهن على وجه الأرض حزب واحد، لهن قومية اسمها (قومية نسائية). إن المرأة في كل مكان قضيتها واحدة، وهي الصراع ضد الرجل ومحاولة التحرر من سلطان الرجل، فكان دأب دعاة تحرير المرأة منذ البداية قضية تحرير المرأة فقط، ثم صارت هناك قومية خاصة اسمها (القومية النسائية) تربط المرأة المسلمة بالمرأة النصرانية واليهودية وعابدة الأصنام والأوثان والمشركة الملحدة، حتى رأينا من المتحررات من تفاخر بنساء الفراعنة عابدي الملوك والأحجار، وكأن قضيتهن واحدة ومطالبهن واحدة وأهدافهن واحدة ومعتقداتهن واحدة، وكلما تطابقت صورة المرأة مع المرأة الغربية زاد الإعجاب بها وتقريظها بأنها لا تفترق عن الأجنبية، حتى سقطت المرأة المسلمة فيما لم تسقط فيه عابدة البقر التي ظلت معتزة بزيها الخاص ومتميزة بالنقطة الحمراء بين عينيها. وهناك دور شهير جداً بالنسبة لبعض النسوة المشهورات، مثل بنت النيل التي هي درية شقيق، فقد أنشأت حزباً اسمه (بنت النيل) وقد كانت في العمالة للإنكليز في غاية الصراحة، وكانت تحرض الإذاعة البريطانية، وتشتكي مصر لبريطانيا، وتذهب إلى الإذاعة وتعمل حملات على مصر، وهكذا، وهذا أيضاً من ملامح هذه الدعوة كما ذكرنا. ولا شك أنه قد حصلت بشائر عظيمة جداً في السنوات الأخيرة، ولكن حصل مزيد انحطاط بفضل هذا المخلوق الذي قال: إنني كما أنا ضد الحجاب فأنا ضد عبدة الشيطان! فبفضل ما فعله هذا الإنسان أو هذا المخلوق حصل من جهوده وجهود أمثاله نوع من التراجع في ظاهرة الحجاب، ولا شك في ذلك، وهذه الظاهرة في غاية الخطورة، لكن نرجو أن تكون سحابة وتنقشع، ويكشف الله عن الأمة هذه الكربة. يقول صحفي ألماني عاش فترة في مصر: لقد عشت في القاهرة كمراسل صحفي من سنة ست وخمسين إلى سنة إحدى وستين، ومنذ هذا التاريخ كانت طبيعة عملي وراء حضوري إلى المنطقة بين الحين والحين، وكنت أفضل دائماً الإقامة بجوار النيل، إن التغيير الهائل الذي طرأ على القاهرة عاصمة الملايين معروف للجميع، فقد انتقلت هذه المدينة الضخمة من الطابع الشرقي حيث كانت النساء يرتدين الأحجبة والرجال يرتدون الطربوش إلى عاصمة كبرى، ولم تعد الفتيات اللواتي يرتدين البنطلونات والملابس العصرية يلفتن نظر أحد أو يقابلن بدهشة واستغراب، وأصبحت العلاقة بين الجنسين علاقة سوية لا تتخللها رواسب الجاهلية التي استمرت فترات طويلة في الشرق، ويكفي أن تعلم أنه منذ عشرين عاماً فقط كان (٩٠%) من الرجال في القاهرة يرتدون الجلباب، وكانت كل النساء تقريباً يرتدين الحجاب، أما اليوم فإن القاعدة العامة هي البدل العصرية وعلى أحدث الموضة في الغرب، وبالنسبة للنساء فإنه حتى في أكثر المناطق شعبية لم نعد نرى الحجاب! فرح ذلك الصحفي الألماني، لكنها فرحة لم تتم، فقد فرح لأنه لم يبلغه رأي أخيه بلاكوت وزير المستعمرات الفرنسي في الجزائر، فقد حصلت قصة أثناء الاحتلال الفرنسي في ذكرى مرور مائة سنة على احتلال فرنسا للجزائر، حيث وقف الحاكم الفرنسي في الجزائر يقول: يجب أن نزيل القرآن العربي من وجودهم، ونقتلع اللسان العربي من ألسنتهم حتى ننتصر عليهم. وقامت فرنسا من أجل القضاء على القرآن في نفوس شباب الجزائر بتجربة عملية، فتم انتقاء عشر فتيات مسلمات جزائريات، وأدخلتهن الحكومة الفرنسية في المدارس الفرنسية، ولقنتهن الثقافة الفرنسية، وعلمتهن اللغة الفرنسية، فأصبحن كالفرنسيات تماماً، وبعد أحد عشر عاماً من الجهود هيأت لهن حفلة تخرج رائعة، دعي إليها الوزراء والمفكرون والصحفيون، ولما ابتدأت الحفلة فوجئ الجميع بالفتيات الجزائريات يدخلن بلباسهن الإسلامي الجزائري فثارت ثائرة الصحف الفرنسية وتساءلت: ماذا فعلت فرنسا في الجزائر إذاً بعد مرور مائة وثمانية وعشرين عاماً من الاحتلال؟ أجاب بلاكوت وزير المستعمرات الفرنسي قائلاً: وماذا أصنع إذا كان القرآن أقوى من فرنسا؟! فسبحان الله! هم يكيدون كيداً والله يكيد كيداً، يمكرون والله خير الماكرين، فقوة الإسلام ليست في جهود أتباعه؛ لأن أتباعه مقصرون ومستضعفون أيضاً، بل قوته في أنه هو دين الله الحق، ولو أن ديناً آخر جوبه بعشر معشار ما واجهه الإسلام في خلال رحلته الطويلة خلال أربعة عشر قرناً لما بقي له ذكر، ولكان قد حرف كما حرفت أديان أخرى، ولقضي عليه واندثر كما اندثرت مذاهب أخرى، لكن الحافظ له هو الله ، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، فقوة الإسلام في الإسلام ذاته، حيث إنها قوة كامنة فيه، فتجد -مثلاً- الكلام على تعدد الزوجات والطعن في أحكام الإسلام وهذا الإلحاد الذي يقوله هؤلاء المنحلون، ومع ذلك لم يضروا الإسلام شيئاً. وفي يوم من الأيام قالت أمينة السعيد: كيف نرجع إلى فقهاء أربعة ولدوا في عصر الظلام ولدينا الميثاق؟! أين هي الآن؟ فقد كانت تسخر من الحجاب، وتهاجم الإسلام، ثم مُسحت كل هذه الجهود وكل هذه الميزانيات، قال : ﴿فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال:٣٦]، فقطعاً أن العاقبة للتقوى والعاقبة للمتقين.

стр. 223

انحسار السفور وامتداد الحجاب بين الجامعيات تقول جريدة الأهرام في تاريخ (٢٦/ ٤/١٩٧٧م): مر واحد وسبعون عاماً على وفاة قاسم أمين الذي دعا إلى تحرير المرأة ورفع الحجاب. يقول الكاتب: الغريب أنه بعد مرور واحد وسبعين سنة على وفاته وفي نفس الوقت الذي نحتفل فيه بذكراه تقوم الدعوة إلى رجوع المرأة إلى البيت وحجبها عن المشاركة في الحياة العامة. وهذا مصطفى أمين يعلن قلقه عن سبب انتشار المد الإسلامي بين الفتيات في مصر خاصة في الجامعات وبين أعلى الطبقات ثقافة، حيث يقول مصطفى أمين: حارب الأحرار -العبيد وليس الأحرار- في هذا البلد سنوات طويلة لتحصل المرأة على بعض حقها، ويظهر أن بعض الناس يريدون العودة بها إلى الوراء، وقد يحدث هذا في أي مكان، لكن لا نفهم أن يحدث في الجامعة مهد التقدم والفكر الحر! وقال أحدهم في مجلة (صباح الخير) وقد تلقى بعض الردود المفحمة من فتيات محجبات عن آرائهن في الحب والعشق، فلم ترقه إجابات هؤلاء الأخوات، فعلق قائلاً: أي جامعة هذه، -يعني أن الجامعة لابد من أن تكون ملحدة وإلا فلا تكون متطورة- وأي طالبات جامعيات هؤلاء في النصف الثاني من القرن العشرين، حيث المرأة مساوية للرجل وتصعد إلى الفضاء؟ إن كل ما يفعله المجتمع وكل ما تفعله الحكومة من تعليم البنت وتشغيلها، وما تفعله زعيمات النشاط النسائي في مصر لتأكيد هذه المساواة وتربية المرأة المصرية على الخروج على عقلية الحريم، تهزمه مثل هذه الأساليب في التربية والرعاية في المدن الجامعية للطلاب. وفي مجلة (أكتوبر) نشرت صحيفة (كرستيان ولسن) بحثاً عن الإنجازات التي حققتها المرأة المصرية في ميادين العلم والدراسات الاجتماعية، وقالت الصحيفة (كرستيان ولسن): شيء غريب في مصر، لقد كانت الأمهات من جيل هدى شعراوي أكثر تحرراً وتقدماً من بعض الفتيات في مصر الآن. أي: الفتيات المحجبات ومعنى ذلك أن هدى شعراوي وجيلها كن أكثر تحرراً وتطوراً من فتيات اليوم، والمتحدث يتحسر على الأموال والميزانيات والجهد الجهيد الذي بذل، ويرى أن هذا كله ذهب مع الريح. لأنه هكذا الباطل، ولابد أن الحق ينتصر في النهاية، وليس هناك شك في هذا. وجريدة (الأهالي) كانت تتابع ظاهرة الحجاب في قلق وفي غيظ، وكانت تفرد لها بحثاً في أثنائها على لسان الدكتورة زينب رضوان، وقد كان الناس من قبل يعيرون المرأة ويقولون لها: يا رجعية أنت لا تريدين أن تتعلمي إلى آخره، وأما في هذا الوقت فمن الذي يمنعهن من دخول الجامعات؟ ومن الذي يمنعهن من دخول المدارس؟ فأصبح الآن الموضوع ليس إقناعاً ولا حجة ولا حرية، وإنما هو قهر وإكراه. تقول زينب رضوان: انتشر الحجاب بين الطبقة المثقفة قبل العوام، وهذا على عكس ما هو متعارف عليه، ونفس هذه الطبقة المثقفة هي التي رفضت الحجاب في زمن هدى شعراوي وخلعته وداسته، هي ذاتها التي عادت تنادي به وبالعودة إلى الأصالة، بالإضافة إلى أن الغالبية العظمى من المحجبات من الطبقة الوسطى وهي الطبقة التي تقود التغيير في أي مجتمع، صحيح أنه انتشر أيضاً بين الطبقة الأرستقراطية، ولكن بنسبة أقل. وأمينة السعيد كانت تقول: الحجاب ثياب ممجوجة، فتيات يخرجن إلى الشارع والجامعات بملابس قبيحة المنظر يزعمن أنها زي إسلامي، لم أجد ما يعطيني مبرراً منطقياً معقولاً لالتجاء فتيات على قدر مذكور من التعليم إلى لبس أجسادهن من الرأس إلى القدمين بزي هو والكفن سواء! وتقول منى رمضان في صحيفة (أكتوبر): عاد الحجاب مرة أخرى كظاهرة على وجوه الفتيات والسيدات في مصر، وهذه ليست آخر صيحة في عالم الموضة كما قد يتبادر إلى الذهن، ولكنه نوع من الحشمة وإحياء التقاليد الإسلامية التي تطلب من النساء أن يدنين عليهن من جلابيبهن -تعني قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٩]، وهذه آية قرآنية وليست تقاليد- والحشمة هنا نابعة من المرأة، وعلى أساسها فصلت هذه الثياب. وهذا زكي نجيب محمود يتباكى على تبرج الجاهلين الذي انقشع أمام الصحوة الإسلامية فيقول في مقالة بعنوان: (ردة في عالم المرأة) -أي أنه يسمي الرجوع إلى أحكام الإسلام ردة-: أصابت المرأة المصرية في أيامنا هذه نكسة ارتدت بها إلى ما قبل، هناك اليوم عشرات الألوف من النساء المرتدات ينزلقن تطوعاً إلى هوة الماضي، والمأساة أن المرأة اليوم تتبرع سلفاً بحجاب نفسها قبل أن يأمرها بالحجاب والد أو زوج، إن أبشع جوانب الردة في حياة المرأة المصرية ليس أن أحداً يتدخل في شئون حياتها، أنها تريد أن تتعلم إلى آخر المدى فيمنعها أحد؛ لأن أحداً لا يمنعها من ذلك، وليس هو أنها تريد أن تعمل بما تعلمته فيمنعها أحد؛ لأن أحداً لا يقفل في وجهها أبواب العمل، وإنما الجانب البشع من تلك الردة هو أن المرأة اليوم تريد أن تجعل من نفسها وبمحض اختيارها حريماً يتحجب وراء الجدران أو يتستر وراء حجب وبراقع! ثم يتحسر على زمن السفور فيقول: ذلك زمن أوشك على الذهاب مع رائدات الجيل الماضي. ثم يقول: إن في طائفة كبيرة من نساء هذا الجيل وبناته نكوصاً على الأعقاب بالقياس إلى الطموح الذي تميزت به أمهاتهن في الجيل الماضي، وإنها لمفارقة شديدة في أي مجتمع أن ترى الجيل الأصغر منه سلفياً لدرجة تزيد على المألوف، وترى الجيل الأكبر منه أقل سلفية، وبينما الشباب الثائر في البلاد الأخرى كان يحتج على أوضاع الحياة الراهنة، رأينا ثورة شبابنا تحتج هي أيضاً على أوضاع الحياة الراهنة وتدعو بها إلى نموذج السلف، وهذه مصيبة! حيث إنه يدعو الشباب إلى الرجوع إلى نموذج السلف. ثم قال في صحيفة (تتشن): حتى في الجامعات العبرية في إسرائيل بدأ الطلاب العرب والمسلمون يبدون اهتماماً متزايداً بالعودة إلى دينهم، وبدءوا يمارسون ضغوطاً على السلطات اليهودية بالسماح بفتح كليات للثقافة الإسلامية والشريعة الإسلامية في الجامعات اليهودية، كما بدأ العديد منهم يطلقون لحاهم، ويؤدون العبادات الإسلامية في الجامعات اليهودية، في حين بدأت الفتيات المسلمات في ارتداء الزي الشرعي. تقول الصحيفة أيضاً: في جامعة القاهرة يزيد عدد الطالبات بالزي الشرعي، وقد يأتي يوم لا تبقى فيه طالبة مصرية واحدة إلا وقد ارتدت الزي الشرعي الإسلامي. وهذا ليس بعيداً على الله ، والحقيقة أن موضوع دعوة تحرير المرأة قد تلقى كثيراً من الصفعات، منها ما ذكرناه آنفاً من إقبال الفتيات على الرجوع إلى الله . والعملية ليست عملية قديم وجديد، بل العملية عملية حق وباطل؛ لأنه دين الله ، فهم لا يستطيعون أن يستوعبوا حقيقة أن العاقبة للتقوى، وأن كلمة الله هي العليا.

стр. 224

الصفعات التي تلقتها دعوة تحرير المرأة وهناك صفعات كثيرة تلقتها دعوة قاسم أمين، وأقوى صفعة هي المؤتمر الأخير هذا؛ لأنها عند من يعقل كشفت سوأة هذا المذهب المدمر. ومن هذه الصفعات التي تناسب أن نوردها هنا إسلام كثير ممن هم مفتونون بهم من الغربيين، سواء أكانوا رجالاً أم نساءً، بل وأصبحوا ممن يلتزم بالإسلام ويلتزم بالحجاب وبالنقاب، وصاروا يدعون إلى الإسلام في غاية النشاط، وممن دخل في الإسلام منذ سنوات سفير ألمانيا الغربية في المغرب: (مراد هوفمان، وألف كتباً في ذلك، مثل كتاب (البديل الوحيد)، أي أن الإسلام هو البديل الوحيد للبشرية، ومن ضمن ما يقول في كتابه وهو يرد على الذين يقولون إن الأحكام في الإسلام أحكام قديمة وعتيقة. لنقل إن الإسلام في تمسكه بالفضيلة عتيق، نعم هو عتيق، ولنا أن نعتز بذلك، فنؤكد أن الإسلام فخور بهذا. أي: ما دام أن فيه الفضيلة. ومن الصفعات التي تلقتها دعوة تحرير المرأة أيضاً: أن هدى شعراوي كانت تعد كوادر للمستقبل، فكان من ضمن التلميذات التي كانت تعدهن للمستقبل الأستاذة زينب الغزالي، فكانت ترسم لها -باعتبارها تلميذة وهي صغيرة- طريقاً، وشاء الله لها طريقاً آخر، وكانت زينب الغزالي طالما وقفت وجادلت علماء الأزهر من أجل الدفاع عن هدى شعراوي، لكن شاء الله أن تتعرض لحادثة حريق، وأثناء مرضها دعت الله أن يشفيها، وعاهدته على ارتداء الحجاب من هذه اللحظة، فلما استجاب الله دعاءها تخلت عن الاتحاد النسائي بقيادة هدى شعراوي، فتلقت هدى شعراوي صفعة شديدة من هذه التلميذة النجيبة. فلم تستسلم هدى شعراوي، وطلبت مقابلتها، ولما حضرت أخذتها بين ذراعيها وضمتها إلى صدرها وقبلتها، ثم بكت وقالت لها: يا زينب! كنت أريدك أن تكوني خليفتي من بعدي في الاتحاد النسائي. فردت زينب الغزالي: لقد اخترت واختار الله، فأنا مع اختيار الله، وأسست جمعية (السيدات المسلمات) التي كانت تنافس وتضاد اتجاه الاتحاد النسائي لـ هدى شعراوي، وبدأ الانفصام بين الاتجاهين يزداد، لكن عند مرض موت هدى شعراوي طلبت زينب الغزالي، فذهبت إليها ووافتها المنية وهي بجانبها. وهكذا توبة الفنانات والفنانين، فالفن هو سلاح الشيطان في محاربة الإسلام والصد عن سبيل الله تعالى وإلهاء الشباب، لكن موجة التوبة والاستقامة التي حصلت في جنود إبليس وانضمامهم إلى حزب الرحمن كانت من الصفعات الشديدة لدعوة التحرير.

стр. 225

الصراع بين الحق والباطل سنة كونية إن أعداء الحق في كل عصر هم على وتيرة واحدة، وقلوبهم متشابهة فيما يرد عليها من الخواطر والشئون، فالمعركة والصراع بين الحجاب والسفور، وبين الحق والباطل، وبين الهدى والضلال لن تنقطع، فإن التاريخ يعيد نفسه، وهذه سنة الله في خلقه، كما قال سبحانه: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر:٤٣]. فنحن مبتلون، والقضية أن وراءنا جنة وناراً، ووراءنا حساباً، وليست القضية قضية مذهب دنيوي يصارع مذهباً دنيوياً، أو مذهب سياسي أو اجتماعي أو غير ذلك، بل القضية أن أعداء الله يجتهدون في إطفاء نور الله وتشويهه وصد الناس عنه، فالصراع مستمر، والصراع ما دام قائماً فهو علامة صحية؛ لأنه يدل على التمايز بين الفريقين، وزوال الحد الفاصل بين الحق والباطل هو الخطر الحقيقي الذي يهدد ذاتية وهوية هذه الأمة، فسنة الله لن تتخلف ولن تتغير؛ لأنها دنيا، والدنيا دار الابتلاء، كما يقول الشاعر: ألا إنما الأيام أبناء واحد وهذي الليالي كلها أخوات فلا تطلبن من عند يوم ولا غد خلاف الذي مرت به السنوات اللهم! من أراد الإسلام وأهله بسوء فأدر عليه دائرة السوء، ورد كيده في نحره، واجعل تدبيره في تدميره. اللهم! اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين. سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. والحمد لله رب العالمين.

стр. 226

حرمة العلماء حث الإسلام على مكارم الأخلاق ورغب فيها، ومن تلك الآداب إكرام الكبير وصاحب العلم وحامل القرآن، حيث ورد الترغيب في ذلك في سنة رسول الله ﷺ ، وقد كان السلف الصالح من الصحابة والتابعين أعظم قدوة في ذلك؛ إذ ضربوا في هذا الباب أروع الأمثلة، فما أحوج المسلمين إلى الأدب مع أكابرهم وعلمائهم!

стр. 227

حب النبي ﷺ لجليبيب ﵁ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداًً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراًًً ونذيراًَ بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فإنه لا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً، اللهم! صل على محمد عبدك ورسولك النبي الأمي، وعلى آل محمد وأزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد وأزواجه وذريته كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. أما بعد: فعن أبي برزة الأسلمي رضي الله تعالى عنه: (أن النبي ﷺ كان في مغزىً له فأفاء الله عليه، فقال لأصحابه: هل تفقدون من أحد؟ قالوا: نعم. فلاناً وفلاناً وفلاناً. ثم قال: هل تفقدون من أحد؟ قالوا: نعم. فلاناً وفلاناً وفلاناً. ثم قال: هل تفقدون من أحد؟ قالوا: لا. قال: لكني أفقد جليبيباً فاطلبوه. فطلب في القتلى، فوجدوه إلى جنب سبعة قد قتلهم ثم قتلوه، فأتى النبي ﷺ فوقف عليه، فقال: قتل سبعة ثم قتلوه! هذا مني وأنا منه، هذا مني وأنا منه. قال: فوضعه على ساعديه -ليس له سرير إلا ساعدا النبي صلى عليه وسلم- قال: فحُفر له ووُضع في قبره. ولم يذكر غسلاً) رواه مسلم في فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، والحديث يرويه أبو برزة الأسلمي رضي الله تعالى عنه يقول: (إن النبي ﷺ كان في مغزىً له)، يعني: كان في سفر غزو. ويفهم من ذلك أنه كان في هذا السفر ومعه جليبيب رضي الله تعالى عنه. (فأفاء الله عليه، فقال لأصحابه: هل تفقدون من أحد؟ قالوا: نعم. فلاناًً وفلاناً وفلاناً. ثم قال ﵊: هل تفقدون من أحد؟ قالوا: نعم. فلاناً وفلاناًَ وفلاناً. ثم قال: هل تفقدون من أحد؟ قالوا: لا. قال: لكني أفقد جليبيباً، فاطلبوه). وجليبيب اسم لهذا الصحابي الجليل، وجليبيب تصغير جلباب، وقوله: (فطلب في القتلى)، أي: بحث عنه في القتلى: (فوجدوه إلى جنب سبعة قد قتلهم ثم قتلوه) أي: سبعة من المشركين قتلهم وحده رضي الله تعالى عنه، ثم بعد ذلك كأنه كان فيهم بقية روح فاجتمعوا عليه حتى قتلوه، فأتى النبي ﷺ فوقف عليه، فقال ﷺ : (قتل سبعه ثم قتلوه! هذا مني وأنا منه، هذا مني وأنا منه) والمقصود بهذا التعبير المبالغة في اتحاد طريق النبي ﷺ وطريق جليبيب رضي الله تعالى عنه، واتفاقهما في طاعة الله تعالى في مقابلة قوله في الجهة الأخرى في بعض المعاصي والذنوب: من فعل كذا فليس مني كما في قوله -مثلاً-: (فمن رغب عن سنتي فليس مني) أما هنا فمبالغة في بيان شدة انتمائه إلى منهج النبي ﷺ ، قال: (هذا مني وأنا منه) وكأنه قطعة من جسده أو بضعة من لحمه، قال: (فوضعه على ساعديه) نال جليبيب هذا الشرف، أن حمله رسول الله ﷺ على ساعديه الشريفتين: (ليس له -أي: ليس لـ جليبيب - سرير إلا ساعدا النبي ﷺ ، قال: فحُفر له ووُضع في قبره)، وفي رواية: (ثم وضعه في قبره ولم يذكر غسلاً) لأن الشهيد لا يغسل ولا يصلى عليه.

стр. 228

خطبة النبي ﷺ لجليبيب امرأة من الأنصار وعن ثابت البناني عن أنس ﵁ قال: (خطب النبي صلى عليه وسلم على جليبيب امرأة من الأنصار) وهذا الخبر مما يطلعنا على بعض من سيرة جليبيب وشدة محبة النبي ﵌ له، فرغم أن جليبيباً كان في وجهه دمامة إلا أن رسول الله ﵌ أحبه؛ لأن الله ورسوله لا ينظران إلى الصور والأشكال، وإنما إلى القلوب والأعمال، فمن ثم كان له هذه المكانة الخاصة عند رسول الله ﷺ ، حتى إنه خطب على جليبيب امرأة من الأنصار: (فلما حدث في ذلك أباها قال: حتى أستأمر أمها. فقال النبي صلى عليه وسلم: فنعم إذاً. فانطلق الرجل إلى امرأته فذكر ذلك لها، فقالت: لا هاالله! إذاً ما وجد رسول الله ﷺ إلا جليبيباً؟) (لا هاالله!) تعني: هذا يميني فكلمة (لا) هي لنفي كلام الرجل الذي أبلغهم هذا أو زوجها، و (هاالله) الهاء بالمد والقصر، بمعنى واو القسم، ولفظ الجلالة مجرور بها، و (إذاً) جواب القسم: (إذاً ما وجد رسول الله ﷺ إلا جليبيباً؟) وإنما قالت المرأة ذلك لأن جليبيباً ﵁ كان في وجهه دمامة. تقول: (إذاً ما وجد رسول الله ﷺ إلا جليبيباً؟! وقد منعناها من فلان وفلان! قال: والجارية في سترها تستمع) أي أن الجارية كانت في الخدر أو في الستر تستمع لهذا الحوار من وراء الستر، قال: (فانطلق الرجل يريد أن يخبر النبي صلى عليه وسلم بذلك، فقالت الجارية: أتريدون أن تردوا على رسول الله ﷺ أمره؟! إن كان قد رضيه لكم فأنكحوه) جعلتهم يفيقون من هذا المسلك الذي يسلكونه لرد أمر رسول الله ﷺ ، والله يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦] وفي رواية أنها قالت: (ادفعوني إليه؛ فإنه لن يضيعني) أي: ما دام هذا هو اختيار رسول الله ﷺ فينبغي أن نسمع له ونطيع: (فكأنها جلت عن أبويها) يعني: فكأنها كشفت وأوضحت أمراً خفي عليهما، حتى كأنهما أفاقا من هذه الغشاوة التي جعلتهما يكادان يقعان في معارضة أمر رسول الله ﷺ ، وبالفعل أجابا في الوقت، وقالا لها: (صدقت. فذهب أبوها إلى النبي صلى عليه وسلم، فقال: إن كنت قد رضيته فقد رضينا. قال: فإني قد رضيته، فزوجها، ثم فزع أهل المدينة) يعني: حصل بعد ذلك أن أخافهم العدو (فركب جليبيب) يعني: كان جليبيب في أول من خرج في مواجهة هؤلاء المشركين: (فركب جليبيب، فوجدوه قد قتل وحوله ناس من المشركين قد قتلهم). قال أنس: (فلقد رأيتها وإنها لمن أنفق بيت في المدينة) يعني أن هذه المرأة التي تزوجها جليبيب رغم أنها كانت ثيباً بعد الزواج لكن مع ذلك كانت من أنفق بيت في المدينة، وكلمة أنفق هنا مأخوذة من النَّفاق -بفتح النون- وهو ضد الكفاف، ويقصد بالنفاق الرواج، كما جاء في الحديث: (إن الحلف ينفق ثم يمحق) أي أن التاجر حينما يحلف على بضاعته فإن هذا يروجها وينفقها، لكنه يمحق البركة بعد ذلك. فالمقصود أنها كانت أعظم امرأة أيم في بيوت المدينة، بحيث كان يتسابق إليها الخطاب بعد قتل جليبيب، وذلك ببركة كونها رضيت بنكاح جليبيب الذي كان ينفر منه الناس، وببركة دعاء النبي ﷺ لها. وهذا الحديث الأخير صحيح على شرط الصحيحين، رواه أحمد وأبو يعلى مختصراً، ويشهد له حديث أبي برزة السابق عند مسلم. وفي رواية قال ثابت: (فما كان في الأنصار أيم أنفق منها). وحدث إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ثابتاً فقال: هل تعلم ما دعا لها رسول الله ﷺ ؟ قال: (اللهم! صب عليها الخير صباً، ولا تجعل عيشها كداً كداً) قال: (فما كان في الأنصار أيم أنفق منها) والأيم: المرأة التي ليس لها زوج بكراً كانت أم ثيباً. والشاهد من الحديث الوارد في شأن جليبيب رضي الله تعالى عنه قول النبي ﵌: (هذا مني وأنا منه، هذا مني وأنا منه) ففي هذا إشارة -كما ذكرنا- إلى اتحاد طريقهما، وأنهما كانا كأنهما جسد واحد، فقوله: (هذا مني) أي: كأنه قطعة مني أو بضعة مني (وأنا منه) مبالغة في بيان اتحاد الطريق والسبيل، ولهذا التعبير عن اتحاد الطريق بهذه العبارة نظائر، منها: ما روى أبو موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم في المدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم) متفق عليه.

стр. 229

إشارة الحديث إلى ميزان الولاء والبراء إن ذلك التعبير الذي يعطينا ميزان المولاة أو ميزان الحب في الله يعطينا أيضاً من الجهة الأخرى ميزان البغض في الله، وميزان البراءة ممن حاد الله ورسوله، وهو التعبير المشهور (من فعل كذا فليس منا)، أو (ليس منا من فعل كذا) فهكذا نصب الشارع علامات يعرف بهذه العلامات كون المعصية كبيرة من كبائر الذنوب، ومن هذه العلامات التعبير عن هذا الفعل بأن صاحبه ليس منا، أي: ليس من أهل سنتنا، وليس على طريقتنا الإسلامية. وذلك أن الله تعالى قال للمؤمنين: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١] فمن ذلك قوله ﵊: (فمن رغب عن سنتي فليس مني)، وليس المراد بهذا التعبير الإخراج الحقيقي من الدين، وإنما المراد الزجر عن هذه المعاصي، كما في قوله: (ليس منا من تشبه بغيرنا) وقوله: (لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى)، وقوله: (ليس منا من عمل بسنة غيرنا)، وذلك لأن سنة غيرنا منسوخة بشرعنا، وفي الجهة المقابلة يقول ﵊: (من تشبه بقوم فهو منهم)، أي: يصير منهم وليس منا. ويقول ﷺ أيضاً: (ليس منا من لم يتغن بالقرآن) ويقول: (ليس منا من تشبه بالرجال من النساء، ولا من تشبه من النساء بالرجال)، ويقول أيضاً ﵊: (ليس منا من تَطير أو تُطير له، أو تَكهن أو تُكهن له، أو تَسحر أو تُسحر له) ويقول أيضاً: (ليس منا من حلف بالأمانة) لأن الحلف بالأمانة حلف بغير الله، ويقول: (ومن خبب على امرئ زوجته أو مملوكه فليس منا) (خبب) يعني: أفسد. ومنها قوله: (ليس منا سلق ومن حلق ومن خرق) (من سلق) أي: رفع صوته عند المصيبة بالبكاء (ومن حلق) أي: حلق شعره جزعاً على المصيبة (ومن خرق) أي: خرق ثوبه جزعاً على الميت. ومنها -أيضاً- قوله صلى عليه وسلم: (ليس منا من غش)، وقوله: (من غشنا فليس منا). ومنها: قوله: (ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية)، (دعا بدعوى الجاهلية) كما تفعل المرأة النائحة حينما تقول: واكهفاه. واجبلاه. إلى غير ذلك من عبارات الجزع عند نزول المصيبة، أو أن المقصود بدعوى الجاهلية أنه كان من عادتهم في الجاهلية أن الرجل إذا غلب في الخصام نادى بأعلى صوته: يا آل فلان. يا لبني فلان. فيبادرون لنصرته ظالماً كان أو مظلوماً؛ لأنه استغاث بهم، فيفزعون إليه ماداموا من قبيلته ومن عنصره. وقال ﵊: (ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية) والمقصود بالعصبية هنا معاونة الظالم، فالشخص العصبي هو الذي يغضب لعصبيته، ويحامي عنها بقبيلته أو عائلته أو غير ذلك مما ينتمي إليه، فالرسول ﵇ يبغض إلينا هذا الداء الوبيل، داء الحزبية الجاهلية، وداء العصبية ومناصرة الشخص بمجرد أنه من حزبك أو قبيلتك أو عائلتك، لا لكونه على حق أو غير ذلك، وهذا الفعل القبيح قد شاع وذاع، خاصة بين بعض الجماعات الإسلامية، والذي يعتبر جرم الجماعات الإسلامية هو الحزبية البغيضة الجاهلية؛ حيث إنها تجعل الإنسان لا يحترم هذه القواعد في الولاء والبراء، وإنما يوالي في الحزب، ويعادي في الحزب، وليس مولاة في الله ومعاداة في الله . يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: بين بهذا الحديث أن تعصب الرجل لطائفة مطلقاً فعل أهل الجاهلية محذور مذموم، بخلاف منع الظالم وإعانة المظلوم من غير عدوان، فإنه حسن، بل واجب. فلا منافاة بين هذا وبين قول النبي ﷺ : (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً) وبين قوله: في نفس الحديث: (أن تحجزه عن الظلم، فذاك نصرك إياه). ومن هذه الأحاديث أيضاً قول النبي ﵌: (ليس منا من لم يجل كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه)، كما لاحظنا في حديث جليبيب رضي الله تعالى عنه كيف أن هذه الجارية حينما استجابت وتأدبت مع رسول الله ﵌ نفعها هذا الأدب، بحيث كانت رغم قتل زوجها ﵁ أنفق أيم في المدينة كلها، وحظيت بدعاء رسول الله ﷺ بهذا الخير كله، فهذه إحدى ثمرات التزام الأدب مع الشرع المطهر ومع صاحب الشرع، وانظر كيف كان رسول الله ﵌ يعلي شأن الأدب، إلى حد أنه كان يستعمل هذا التعبير الذي فيه بيان تنافي طريقه مع طريق من يسيء الأدب، وأن من يسيء الأدب ليس من المسلمين، وليس على طريقة رسول الله ﵌، ولهذا قال: (ليس منا من لم يجل كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه).

стр. 230

مكانة الأدب في الإسلام ومن هذا الحديث ندلف إلى موضوعنا، وهو الحديث عن حقوق المسلم، وصيانة عرضه، والتحذير من الغيبة ومن إطلاق اللسان في أعراض المسلمين بغير حق، ونحن لا نستوفي حقوق المسلم على المسلم، وإنما نقتصر -فقط- على التنبيه فيما يشيع التقصير فيه بين الناس في مثل هذا الزمان، فهذا الحديث الشريف يبين لنا كيف عظَّم رسول الله ﵌ الأدب، حتى إنه عبر عمن لا يراعي الأدب، سواء أكان أدب الكبير مع الصغير في الرفق أم أدب الصغير مع الكبير بالاحترام والتوقير، أم أدب طالب العلم مع شيخه في أن يراعي حق هذا الشيخ عليه، فكل من لم يراع هذه الآداب فإنه متوعد بهذا التعبير الشديد الهول، وهو قوله: (ليس منا). وقد اهتم السلف الصالح رحمهم الله تعالى بباب الأدب اهتماماً عظيماً، ليس بمجرد التصديق، وإنما أيضاً بسلوكهم وواقعهم، كما سنذكر إن شاء الله تعالى. فالأدب اهتم به علماء المسلمين، حتى إنهم أفردوا فيه كتباً، ولا تكاد تجد كتاباً من الكتب الجوامع في السنة إلا وتجد كتاب الأدب جزءاً أساسياً من أبوابه ومن أغراضه ومقاصده، فهناك (كتاب الأدب) في صحيح البخاري، ومع ذلك الإمام البخاري أفرغ الأدب بكتاب آخر، وهو كتاب (الأدب المفرد)، وكذلك مَحضَّ بعض المصنفين بعض مصنفاتهم فقط للأدب، كما فعل السفاريني في كتابه المرسوم بـ (غذاء الألباب شرح منظومة الآداب) أو بـ (شرح منظومة الآداب)، وكما فعل الإمام ابن مفلح رحمه الله تعالى الذي كان يقول له شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية: إنك لست ابن مفلح، وإنما أنت مفلح. وهو صاحب كتاب (الآداب الشرعية) بخلاف ما صنف من الكتب في الآداب واقتصر مؤلفه على جزء في باب واحد من أبواب الأدب، وذلك مجرد عبور على أبواب الأدب الغالبة المنتشرة في مصنفات علماء المسلمين، وبهذا نجد خطورة مجال الأدب وخطورة هذا الحقل من حقول الأخلاق الإسلامية، ونجد هناك كلاماً في الأدب على النية وآداب النية، والأدب مع الله ، والأدب مع القرآن الكريم، والأدب مع رسول الله ﷺ ، والأدب مع الملائكة، والأدب مع الصحابة رضي الله تعالى عنهم، والأدب مع النفس بالتوبة والمراقبة والمحاسبة والمجاهدة، والأدب مع الخلق باختلاف أنواع هؤلاء الخلق، والأدب مع الوالدين، والأدب مع الأولاد، والأدب مع الإخوة، والأدب فيما بين الزوجين، والأدب مع الأقارب، والأدب مع الجيران، والأدب مع أخيك المسلم، حتى الأدب مع الكافر أفردوه بالكلام، وذكروا الآداب الشرعية التي ينبغي أن يلتزمها المسلم مع الكافر، بل تكلموا حتى في الأدب مع الحيوان ومع البهائم. وفي الكلام على حقوق الأخوة والأدب مع الإخوان في الله ذكروا آداب المجالس، وآداب الأكل والشرب، وآداب الضيافة، وآداب الاستئذان، وآداب السفر، وآداب اللباس، وخصال الفطرة، وآداب النوم، وآداب المسجد، وآداب حلق العلم، والأدب مع المشايخ، والأدب مع حاملي القرآن، والأدب مع كبير السن، وغير ذلك. وربما يتصور بعض الناس أن الآداب فقط هي أشياء من باب المروءة أو أشياء مستحبة ونوافل، وهذا ليس بصحيح، بل من الآداب ما هو فرض متحتم وواجب أكيد على كل مسلم، كما سنبين إن شاء الله تعالى.

стр. 231

احتفاء السلف بوظيفة الأدب وقد بلغ من احتفاء السلف بوظيفة التأديب أن الأدب كان وظيفة من الوظائف التي يُرصد لها إنسانٌ خبيرٌ بها، فكما يتعلم الإنسان العلم وكما يحفظ القرآن كذلك كان يُجعل له مؤدب يؤدبه، حتى إن الإمام ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى كان يلقب (مؤدب أولاد الخلفاء) فكان هناك وظيفة شخص اسمه (المؤدب) يتولى تهذيب الطفل من صغره ومنذ نعومة أظفاره، ويربيه على مكارم الأخلاق وعلى تعظيم الدين، وغير ذلك من هذه الآداب الشرعية. ومما يعكس خطورة موضوع الأدب والتربية أهميته بالنسبة للأولاد؛ لأن الأدب أعظم ما ينفع إذا بدأ منذ صغرهم ومنذ نعومة أظفارهم، وقد جاء أن بعض الخلفاء كان قد سجن بعض خصومه، فلما أفرج عنهم وأطلقهم من السجن قال: ما أشد ما مر عليكم في هذا الحبس؟ قالوا: ما فاتنا من تأديب أولادنا. ولم يقولوا: ما فاتنا من حرياتنا أو من كذا أو كذا. وإنما قالوا: ما فاتنا من تأديب أولادنا. والكلام في باب الأدب كلام يطول جداً، لكننا سنجتزئ -كما أشرنا من قبل- أهم المهم من عيون هذا الموضوع.

стр. 232

نماذج من أدب الصحابة ﵃ مع الرسول ﷺ إذا رجعنا إلى سلوك الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأدبهم مع النبي ﵌ سنرى من ذلك نماذج عظيمة وكبيرة، حتى إن الكافر الذي أوفده المشركون في صلح الحديبية حينما رجع كان من أشد ما أثر فيه أدب الصحابة رضي الله تعالى عنهم مع النبي ﵌، حتى إنه قال لإخوانه من المشركين: لقد وفدت على قيصر وعلى كسرى فما وجدت أحداً يعظم أحداً مثلما يعظم أصحاب محمد ﷺ محمداً، ما تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، ولا توضأ وضوءاً إلا تقاتلوا عليه يعني أنهم كانوا يتبركون بوضوء النبي ﵌. قال رويم بن أحمد البغدادي لابنه: يا بني! اجعل عملك ملحاًًَ وأدبك دقيقاً. قال له هذا مع أن المعروف أن نسبة الملح تكون قليلة حتى يصلح الطعام، فقوله له: اجعل عملك ملحاً يعني: قليلاً. لكن اجعل أدبك هو الدقيق، قال: اجعل عملك ملحاً، وأدبك دقيقاً. يأمره بالاستكثار من الأدب، حتى تكون نسبة الأدب في سلوكه من حيث الكثرة كنسبة الدقيق إلى الملح الذي يوضع فيه، وكثير من الأدب مع قليل من العمل الصالح خير من كثير من العمل مع قلة الأدب. وقال ابن المبارك رحمه الله تعالى: إذا وصف لي رجل له علم الأولين والآخرين لا أتأسف على فوت لقائه، وإذا سمعت رجلاً له أدب النفس أتمنى لقاءه، وأتأسف على فوته. وقيل للعباس بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه: أنت أكبر أم رسول الله ﷺ ؟ فقال: (هو أكبر مني، وأنا أسن منه) حاله كما قال الشاعر: أدب كمثل الماء لو أفرغته يوماً لسال كما يسيل الماء وقيل لـ أبي وائل: أيكما أكبر أنت أم الربيع بن خثيم؟ قال: أنا أكبر منه سناً وهو أكبر مني عقلاً. ودخل عروة بن مسعود الثقفي على النبي ﵌ في الحديبية، فجعل يحدثه ويشير بيده إليه حتى تمس لحيته، والمغيرة واقف على رأس رسول الله ﷺ بيده السيف، فكان عروة بن مسعود يسيء الأدب مع رسول الله ﷺ ؛ حيث إنه كان يشير إليه بيده، حتى يلمس لحية الرسول ﵊، وكان المغيرة رضي الله تعالى عنه واقفاً على رأس رسول الله ﷺ وبيده السيف، فكلما أهوى أو أشار بيده إلى رسول الله ﵊ يضرب يده بالسيف ويقول له: أخر يدك عن لحية رسول الله ﷺ . أو: اقبض يدك عن لحية رسول الله ﷺ قبل أن لا ترجع إليك. يهدده أن يقطع يده إذا امتدت ثانية إلى لحية رسول الله صلى الله وعليه وسلم وهو يكلمه، فقبض عروة يده. ويكفي في ذم سوء الأدب أن الله أوحى إلى نبيه ﷺ في الأعراب الجفاة الذين نادوا رسول الله صلى الله عليه من وراء الحجرات -وسورة الحجرات تسمى سورة الآداب؛ لما اشتملت عليه من الآداب الشرعية- فوصف الله هؤلاء الذين لم يراعوا الأدب مع رسول الله ﷺ بقوله: ﴿أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات:٤] فنفى عنهم العقل لعدم مراعاتهم الأدب مع النبي ﵌.

стр. 233

اهتمام السلف بباب الأدب السلف الصالح رحمهم الله تعالى كانوا يولون باب الأدب اهتماماً عظيماً، كما روي عنهم أنهم كانوا يتعلمون الهدي كما يتعلمون العلم، ولم يكونوا يقتصرون على تحصيل العلم النظري، وإنما أيضاً كانوا يمحضون نياتهم ويوجهونها نحو الاقتداء بالهدي وبالسمت الحسن. ولذلك يقول إبراهيم النخعي رحمه الله تعالى: كانوا إذا أتوا الرجل ليأخذوا عنه نظروا إلى سمته وإلى صلاته وإلى حاله، ثم يأخذون عنه. وقال ابن سيرين: (إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم) فلابد أن يدقق الإنسان أولاً قبل أن يتلقى العلم، وأن ينظر في سمت وحال من يتلقى منه العلم. وذلك هو ما فعله الإمام مالك رحمه الله تعالى، حيث يقول: رأيت أيوب السختياني بمكة حجتين فما كتبت عنه، ورأيته في الثالثة قاعداً في فناء زمزم، فكان إذا ذُكر النبي ﷺ عنده يبكي حتى أرحمه، فلما رأيت ذلك كتبت عنه. أي أنه كان رقيق القلب شديد التعلق برسول الله ﷺ ، حتى أنه كان يسمع كلمة رسول الله ﷺ فيبكي، وليس بكاءً عادياً، وإنما كان يتمادى في البكاء، حتى إن من يجالسونه كانوا يرحمونه ويشفقون عليه لشدة تأثره وشوقه إلى النبي ﷺ . فإذاً ما كانوا يقتصرون على تلقي العلوم النظرية حتى يضموا إلى ذلك أدب النفس، ومن ثم يقول الفراء الحنبلي: أدب النفس ثم أدب الدرس. وقال بعضهم لابنه: يا بني! لأن تتعلم باباً من الأدب أحب من أن تتعلم سبعين باباً من أبواب العلم. وقال مخلد بن الحسين لـ ابن المبارك: نحن إلى كثير من الأدب أحوج منا إلى كثير من الحديث. وذكر البرهان البقاعي أنه سأله بعض العجم أن يقرأ عليه فأذن له، فجلس متربعاً، فامتنع من إقرائه وقال له: أنت أحوج إلى الأدب منك إلى العلم الذي جئت تطلبه. أي: لأنه جلس أمامه متربعاً، ولم يجلس جلسة المتعلم التي وردت في حديث جبريل ﵇. وعن الأمام أبي حازم الأعرج رحمه الله تعالى قال: لقد رأيتنا في مجلس زيد بن أسلم أربعين فقيهاً أدنى خصلة فينا التواسي بما في أيدينا. يعني: أقل ما نتعارف عليه من الأخلاق التواسي فيما بيننا. أي: يعطي بعضهم بعضاً مما رزقه الله. يقول: وما رأيت في مجلسه متماريين ولا متنازعين في حديث لا ينفعنا. وفي الحقيقة هذا ليس في المقام الأول مدحاً لهؤلاء الطلبة، لكنه مدح لنهج شيخهم الذي رباهم على ذلك، ولذلك صدر الكلام بقوله: لقد رأيتنا في مجلس زيد بن أسلم أربعين فقيهاً أدنى خصلة فينا التواسي بما في أيدينا، وما رأيت في مجلسه متماريين -ما كانوا يعرفون الجدل والمراء- ولا متنازعين في حديث لا ينفعنا. وقال خالد بن نزار: سمعت مالكاً يقول لفتى من قريش: تعلم الأدب قبل أن تتعلم العلم. والأدب خير وسيلة لاستدرار علم الشيخ، فقد قال ابن جريج: لم أستخرج الذي استخرجت من عطاء إلا برفقي به. فمن هنا لا نستبعد ونستغرب ما قاله بعض الشعراء: ليس اليتيم الذي قد مات والده إن اليتيم يتيم العلم والأدب فكأن العلم والأدب هما الأب والأم، وإذا فقدهما صار يتيماً.

стр. 234

أدب سحرة فرعون مع موسى ﵇ ذكر الله تعالى أدب السحرة مع موسى ﵇ حينما قالوا: ﴿يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ [الأعراف:١١٥] فذكر الزمخشري أنهم تأدبوا مع موسى ﵇، ثم ذكر أن هذا الأدب مع موسى نفعهم بأن هداهم الله إلى الإيمان. وقد قص القرآن الكريم علينا كيف أن العجماوات نفسها راعت الأدب مع نبي الله سليمان حينما قالت نملة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل:١٨] وهذا من حسن الظن والأدب مع مقام سليمان ﵇، حيث قالت: إن سليمان وأصحابه لا يتعمدون قتل النمل، لكنهم سيقتلونكم دون أن يشعروا بذلك. وفي هذا تأدب مع نبي الله ومع أصحابه أيضاً.

стр. 235

أدب ابن أم مكتوم مع النبي ﷺ ومن مواضع الإشارة إلى هذه الآداب في القرآن الكريم قول الله سبحانه تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ [عبس:٨ - ١٠] فقوله: (وأما من جاءك) فيه أن العلم يؤتى، ثم قال: (يسعى) ولم يقل: من جاءك يمشي. إنما قال: (يسعى) لشدة حرصه على التعلم. وقوله: (وهو يخشى) أي: يخشى الله .

стр. 236

الآداب المستقاة من قصة موسى مع الخضر ﵉ ومن المواضع التي يستفاد منها كثير من الأدب في القرآن الكريم -وما أكثر الآداب في القرآن الكريم- قصة موسى والخضر ﵍، حينما قال موسى للخضر ﵇: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف:٦٦] فهذه الآيات في هذا الموضع في القرآن الكريم تبين لنا أن موسى ﵇ راعى أنواعاً كثيرة من الأدب واللطف عندما أراد أن يتعلم من الخضر، فمادمت تريد أن تتعلم وأن تستفيد فلابد من مراعاة هذه الآداب: أحد هذه الآداب أنه جعل نفسه تبعاً له، فقال له: (هل أتبعك) بخلاف من يذهب إلى الشيخ وإذا به يناطحه رأساً برأس وكلمة بكلمة، ويجلس متربصاًً كي يقذف سهام الاعتراض والتجاوز على شيخه، لكن انظر كيف أن نبي الله موسى كليم الله يرحل هذه الرحلة الشاقة التي يقول في شأنها: ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف:٦٢]، وذلك في سبيل طلب العلم، ففي في سبيل طلب العلم رحل موسى هذه المسافة الكبيرة. فلما لقي الخضر ﵇ قال له: (هل أتبعك)، فموسى جعل نفسه تبعاً لمن يريد أن يتعلم منه. ومن هذه الآداب أيضاًَ أنه استأذن في إثبات هذه التبعية، ولم يقل له: أنا تابع لك. وإنما تلطف واستأذن فقال: (هل أتبعك) يعني: هل تأذن لي أن أجعل نفسي تبعاً لك؟ وبلا شك أن هذه مبالغة عظيمة في التواضع من موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. وأيضاً قال: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ﴾ [الكهف:٦٦] فهذا يتضمن الإقرار على نفسه بالجهل، وإقراراً لأستاذه بالعلم، فهناك عالم وهناك متعلم مفتقر إلى هذا العلم ولذلك قال موسى ﵇: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف:٦٦] فأثبت أنه طالب علم مفتقر إلى ما عنده من العلم، ثم قال: ﴿تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف:٦٦] و (من) هنا للتبعيض، يعني: من بعض ما علمك الله . فهذا أيضاً -بلا شك- مشعر بالتواضع، وكأنه يقول له: لا أطلب منك أن تجعلني مساوياً في العلم لك، بل أطلب منك أن تعطيني جزءاً من أجزاء علمك، كما يطلب الفقير من الغني أن يدفع إليه جزءاً من ماله. وأيضاً قال موسى ﵇: ﴿أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ﴾ [الكهف:٦٦] إشارة إلى الاعتراف بأن الله هو الذي علمه ذلك العلم، وفي ذلك نسبة الفضل إلى صاحبه والمفيض به وهو الله ، وقوله: ﴿رُشْدًا﴾ [الكهف:٦٦] هذا طلب منه للإرشاد والهداية، والإرشاد هو الأمر الذي لو لم يحصل للإنسان لحصلت له الغواية والضلال. وقوله: ﴿أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ﴾ [الكهف:٦٦] طلب منه أن يعامله بمثل ما عامله الله به، ولم يقل: أن تعلمن مما تعلمت. أو: تعلمن مما عندك من العلم. وإنما أشار إشارة عظيمة جداًَ هنا فقال: ﴿أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ﴾ [الكهف:٦٦] وفي هذا إشارة في غاية التهذيب والأدب والتواضع، أي أنه كما علمك الله فعلمني مما علمك الله. يعني: عاملني بجنس ما عاملك الله به، فبما أن الله أفاض عليك بهذا العلم فقابل أنت هذه النعمة بالشكر بأن تفيض علي أيضاًًَ مما علمك الله. ولعل هذا هو حكمة قوله: ﴿مِمَّا عُلِّمْتَ﴾ [الكهف:٦٦] وعدم قوله: مما عندك من العلم. أو: مما تعلمت. وفيه إشعار بأنه يكون إنعامك علي عند هذا التعليم شبيهاً بإنعام الله تعالى عليك في هذا التعليم، ولهذا شاع في العبارة المشهورة على ألسنة الناس: أنا عبد من تعلمت منه حرفاً. أو: من علمني حرفاً صرت له عبداً. وطبعاً ليس معناها العبودية التي هي عبودية من دون الله، لكن المقصود العبد الرقيق، يعني أنه يملكني كالعبد أو الرقيق. كما أن المتابعة عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير لأجل كونه فعلاً لذلك الغير، فإنا إذا قلنا: (لا إله إلا الله) فاليهود الذين كانوا قبلنا كانوا يذكرون هذه الكلمة، فلا تكون متبعين لهم في ذكر هذه الكلمة؛ لأنا لا نقول هذه الكلمة لأجل أنهم قالوها، وإنما نقولها لقيام الدليل على أنه يجب ذكرها، أما إذا أتينا بهذه الصلوات الخمس على موافقة فعل رسول الله ﷺ فإنا إنما أتينا بها لأجل أنه ﷺ أتى بها، ولا جرم حينئذ أننا يصدق علينا الاتباع لرسول الله ﷺ ؛ لأننا مختصون بتبعيتنا له، قال : ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:١٥٨] وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]، وفي هذا أمر لنا بالاتباع. فقول موسى ﵇: (هل أتبعك) يدل على أنه سيأتي بمثل أفعال ذلك الأستاذ لمجرد كون ذلك الأستاذ آتياً بها، وهذا يدل على أن المتعلم يجب عليه في أول الأمر التسليم وترك المنازعة والاعتراض فيما لا يصادم الشرع مصادمة صريحة. كذلك قوله: (أتبعك) يدل على طلب متابعته مطلقاً في جميع الأمور غير مقيد بشيء دون شيء. وأيضاً ثبت بالأخبار أن الخضر عرف أولاً أنه من بني إسرائيل؛ لأن موسى لما أتى إلى الخضر ﵇ قال له: من أنت؟ قال: موسى، فقال: موسى بني إسرائيل؟ فالخضر عرف أن الذي يحادثه هو من بني إسرائيل، وأنه موسى صاحب التوراة، وهو الرجل الذي كلمه الله من غير واسطة، وخصه بالمعجزات القاهرة الباهرة، ثم إنه ﵇ مع هذه المناصب الرفيعة والدرجات العالية الشريفة أتى بهذه الأنواع الكثيرة من التواضع، وذلك يدل على كونه ﵇ آتياً في طلب العلم بأعظم أنواع المبالغة، وهذا هو اللائق به؛ لأن كل من كانت إحاطته بالعلوم أكثر كان علمه بما فيها من البهجة والسعادة أكثر، فكان طلبه لها أشد، وكان تعظيمه لأرباب العلم أكمل وأشد؛ لأنه يعرف قيمة العلم. وفي ذلك يقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: أدبني الدهر فأراني نقص عقلي كلما ازددت علماً ازددت علماً بجهلي وكذلك في قوله: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ﴾ [الكهف:٦٦] أثبت كونه تبعاًً له أولاً، ثم طلب ثانياً منه أن يعلمه. وكذلك قال موسى ﵇: (هل أتبعك على أن تعلمن)، فلم يطلب على تلك المتابعة شيئاً غير التعليم، كأنه قال: لا أطلب منك على هذه المتابعة المال والجاه، ولا غرض لي إلا طلب العلم. وهذا هو محصل ما ذكره الفخر الرازي في هذا الباب، حيث ذكر الآداب المستقاة من قصة موسى مع الخضر ﵉.

стр. 237

احترازات السلف في باب الأدب في مقام التعليم السلف رحمهم الله تعالى كانوا يهتمون بهذا الباب أيما اهتمام، بل كانوا يحترزون احترازاً شديداً حتى في أبسط العبارات، فقد كان طالب العلم -وهذا محكي عن بعض المتأخرين- إذا جلس في مجلس الشيخ وقرأ عليه، فإذا كان في نص الكتاب الذي يقرؤه: (اعلم أن الموضوع الفلاني حكمه كذا وكذا)، إذا أتى إلى هذه العبارة في الكتاب الذي يقرأ فيه لم يخاطب شيخه بكلمة (اعلم)، بل يحولها إلى قوله: (ليعلم)؛ تنزهاً من أن يكون هو في مقام التعليم لشيخه، فبدل أن يقرأها (اعلم رحمك الله أن العلماء قالوا كذا وكذا أو اختلفوا في كذا)، يقول: (ليعلم)، ويبدل الكلمة تنزهاً من أن يخاطب شيخه بهذا التعبير.

стр. 238

الأدب من الكبير في الحقيقة باب الآداب باب واسع، ويستغرق أوقاتاً كثيرة جداً، ونحن ننبه على بعض الآداب التي يشيع التهاون والاستهانة بها، وحينما نناقش هذه القضايا نرجو أن يكون كل منا يطلع عليها لغرض التطبيق والامتثال لآداب الشرع الشريف، ومعالجة ما يشيع بيننا من التقصير في هذه الجانب. فندلف إلى أدب من هذه الآداب، وهو أدب مراعاة حق كبير السن، فمن يكبرك في السن فعليك أن تراعي حقه، فقد أمرنا رسول الله ﷺ بأن نعطي كل ذي حق حقه، بل أمر الله بذلك في قوله: ﴿وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الأعراف:٨٥] وصحيح أنها واردة في حوار شعيب مع قومه في بخس المال، لكن قد يكون معنى قوله: ﴿وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الأعراف:٨٥]، يعني: كل ما يستحقونه، ومنها الحقوق الأدبية بالاحترام والتوقير، وليس أدل على ذلك من قول رسول الله ﷺ : (ليس منا من لم يوقر كبيرنا) أي: ليس من المسلمين، ولا أخلاقه أخلاق المسلمين، ولا أدبه أدب المسلمين؛ لأن المسلمين خير أمة أخرجت للناس. فيجب أن نعرف هذه الحقوق، وأن نعطي الأكابر حقوقهم كاملة غير منقوصة، وأن نبذلها لهم عن طيب خاطر، وأن نخفض الصوت بحضرتهم، وأن نحرص على الانتفاع بخبرتهم، والالتقاط من جواهر علومهم، وإفساح المجال لهم، وتهيئة الموضع اللائق بشيبتهم، ووضع جواهر علومهم في صدورنا كما توضع الدرر الكبار في العقد المنضود، فإذا أراد إنسان أن ينظم عقداً فإنه يضع الحبات الكبرى في صدره وفي مركزه، فالصدر للصدر. وقول النبي ﷺ : (ليس منا من لم يرحم صغيرنا) يدل على ذلك؛ فإنه إذا أمرنا بحسن الخلق مع الصغير فأولى ثم أولى أن تَحسُن أخلاقنا مع الكبير، وإذا أمرنا بالرفق مع الجاهل فيكف بالعالم؟ وإذا أمرنا الله بحسن الخلق مع الكافر فكيف بالمسلم؟ وذلك أن الله يقول في القرآن الكريم: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة:٨٣]، وهذه تعم اليهودي والنصراني، وقضية الولاء والبراء قضية أخرى من الثوابت التي لا تنازل فيها، لكن لا يعني أنك تعتز بدينك أن تكون سيئ الخلق ولو مع الكافر ولو مع البهائم، فأنت مطالب بمراعاة هذه الآداب، بل إن الله لما أرسل موسى وأخاه هارون ﵉ إلى فرعون أمرهما بالقول اللين، وموسى ﵇ هو كليم الله الذي كتب له التوراة بيده، وخصه بتلك الخصائص، وليس هذا فحسب، بل ضم إليه أخاه هارون وزيراً، فهما رسولان كريمان أرسلا إلى أشقى خلق الله في زمانه وهو فرعون، ومع ذلك قال الله : ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤]، فأمرهما بأن يقولا له قولاً ليناً. إذاً لين القول والموعظة الحسنة والحكمة والأدب في الحوار لا يعني أنك تتنازل عن دينك، وسوء الخلق والتجاوز في التعبيرات لا يعني أنك قوي في الحق، إنما الفتوة أن تجمع بين الثبات على الحق مع حسن الخلق وفي نفس الوقت؛ لأنه ليس المقصود التشفي من هذا الإنسان الهالك، وإنما المقصود هدايته واجتذابه إلى الحق، وهذا ما التزمه موسى، بقوله: ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ [النازعات:١٨]، فانظر إلى التلطف في عبارة موسى مع فرعون وهو من هو؟ ففي قوله: (هل لك إلى أن تزكى) تلطف، ولم يقل: هل لك إلى أن أزكيك، لكن قال: (هل لك إلى أن تزكى)، وكأنه هو الذي يزكي نفسه، ولم يقل له: هل لك إلى أن أزكيك، أو تعال أعلمك أو أزكيك، بل قال: ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ [النازعات:٨ - ١٩]. فإذا كان هذا مع الكافر فكيف به مع المسلم؟! وإذا كان مع الصغير فكيف به مع الكبير؟! وإذا كان مع الجاهل فكيف به مع العالم؟!

стр. 239

مكانة إكرام ذي الشيبة المسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط) رواه أبو داود. قوله ﷺ : (إن من إجلال الله) يعني: من تبجيل الله وتعظيم الله، ومن العلامات التي تبين أن هذا الإنسان يعظم الله الآتي: أولاً: (إكرام ذي الشيبة المسلم) أي: الذي شاب رأسه ولحيته في التوحيد وفي العبادة وفي الصيام وفي طاعة الله وفي ذكره . فهذا لا شك أنه تتضاعف حرمته بسبب هذا النور الذي جعله الله في شعره، وهو نور المسلم كما وصفه النبي ﷺ ، فهذه الشيبة توجب له حقاً زائداً على من هو دونه، فإن من تعظيم الله أن تعظم من شاب رأسه ولحيته في التوحيد. ثانياً: (وحامل القرآن)، أي: ومن علامات تعظيم الله تعظيم الشخص الذي شرفه الله بحمل القرآن، بشرط أن لا يكون غالياً فيه ولا جافياً عنه، والغلو فيه هو المبالغة في التجويد، أو الغلو فيه بالإسراع في بالقراءة، بحيث يمنعه الإسراع عن تدبر معانيه، أو الغلو فيه مجاوزة الحد فيه من حيث لفظه أو من حيث معناه بتأويل باطل، ولهذا قال: (غير الغالي فيه ولا الجافي عنه) والجفاء في القرآن: أن يتركه بعد علمه، وأن ينساه بعد حفظه، وأن يتباعد عن العمل به وإتقان معانيه، فهذا شرط حامل القرآن. ثالثاً: (وإكرام ذي السلطان المقسط) يعني العادل، سواء أكان حاكماً أم دون ذلك من ذوي السلطان، فما دام عادلاً مقسطاً فإن إكرامه من إجلال الله ، ومن ثم نجد علماء المسلمين في متون العقيدة ينصون على هذا، وهو أن خلفاء المسلمين الحاكمين بكتاب الله وبسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم والمقيمين العدل بين الناس هؤلاء يتعبد بتعظيمهم، بل تعظيمهم من علامة تعظيم الله .

стр. 240

أهمية تقديم الكبير وإجلاله جاء إلى النبي ﵌ مجموعة من الشباب فأقاموا عنده، فلما قاربوا الانصراف قال لهم: (وإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، ثم ليؤمكم أكبركم) رواه البخاري. فكبر السن أحد الأسباب التي تعطي حق الأولوية في الإمامة بعد أسباب أخرى، فإن قيل: لماذا هذه المجموعة خصت بقول النبي عليه الصلاة السلام: (ثم ليؤمكم أكبركم)؟ ف الجواب جاء في أول الحديث أنهم قالوا: (أتينا رسول الله ﷺ ونحن شببة متقاربون) أي أنهم كانوا شباباً متقاربين في السن، وأتوا في وقت واحد، وتعلموا نفس العلم، فبالتالي يغلب عليهم أنهم حفظوا نفس الحفظ، فمعنى ذلك أنهم كانوا مستوين في قراءة القرآن، والنبي ﷺ يقول: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله سلم) وهؤلاء الشباب كانت هجرتهم في وقت واحد، وكانوا شباباً متقاربين في السن، فمن ثمَّ قال لهم في هذا الحديث: (وليؤمكم أكبركم). ولما جاء إلى رسول الله ﷺ ثلاثة نفر وشرع أصغرهم في الكلام قال له النبي ﷺ : (كبر الكبر) والكبر: جمع أكبر، يعني: احترم الكبار. فعندما يكون هناك صغار وكبار فعلى الصغار أن يتركوا الكبار أولاً يتكلمون. ومثل هذه الآداب لا ينبغي لنا أن ندع أبناءنا يتلقونها جزافاً، وبصورة غير مقصودة، بل لابد من أنك تفرد مجالس مع أبنائك بأن تلقنهم تلقيناً هذه الآداب، وتلح على ذلك، وتحاسب أحدهم إذا قصر، بحيث تترسخ هذه الآداب في نفسه منذ صغره، وتسهل عليه عند كبره، ومن ثمَّ لم يدع الرسول ﵇ هذا الموقف يمضي دون أن يلقن الطفل هذا الأدب الشرعي المهم، فلابد من أن تلقنهم ذلك وتوجهه توجيهاً مباشراً. فلما شرع أصغرهم في الكلام قال له النبي ﷺ : (كبر الكبر) يعني: قدم للكلام من هو أكبر سناً منك. فهذا أحد حقوق كبير السن أنه لا يتقدم بالكلام بين يديه. وجاء في بعض الروايات: (الكبر الكبر) بالنصب على الإغراء.

стр. 241

أدب ابن عمر ﵄ مع الأكابر عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (أخبروني بشجرة مثلها مثل المسلم، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، لا تحت ورقها. فوقع في نفسي أنها النخلة، فكرهت أن أتكلم وثمَّ أبو بكر وعمر ﵄، فلما لم يتكلما قال النبي صلى عليه وسلم: هي النخلة. فلما خرجت مع أبي قلت: يا أبت! وقع في نفسي أنها النخلة. قال: ما منعك أن تقولها؟ لو كنت قلتها كان أحب إلي من كذا وكذا. قال: ما منعني إلا أني لم أرك ولا أبا بكر تكلمتما فكرهت). متفق عليه. فانظر إلى أدب عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، يقول النبي ﵇ في هذا المجلس: (أخبروني بشجرة مثلها مثل المسلم)، وقد ضرب الرسول ﵇ للمسلم أمثلة كثيرة، كما في قوله: (مثل المؤمن مثل النحلة، إذا أكلت أكلت طيباً، وإذا وضعت وضعت طيباً، وإذا وقعت على عود نخر لم تكسره) يعني: حتى لو أن المسلم ينصح فاسقاً أو فاجراً فإنه -أيضاً- يكون متأدباً في النصيحة ولا يجرح. ولذلك قال: (وإذا وقعت على عود نخر لم تكسره) بل تفيد الناس. والشاهد أن هذا الحديث -أيضاً- فيه ضرب مثل آخر للمؤمن، وهو أن المسلم مثله مثل النخلة؛ لأن المسلم يدين بالسلام أو بالسلامة لا غير، ولا يأتي منه إلا كل سليم وكل سلامة وعافية وخير. وفي الحديث: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)، فالمسلم هو من سلم الناس من أذيته، ولا يأتي إلا بالخير. والشجرة التي مثلها مثل المسلم: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم:٢٥]، أي: تعطي ثمرها كل حين بإذن ربها. وقوله: (لا تحت ورقها) يعني: لا تسقط ورقها. يقول ابن عمر: (فوقع في نفسي أنها النخلة) أي: عرف أن جواب هذا السؤال هو أنها النخلة، قال: (فكرهت أن أتكلم وثمَّ -أي: هناك- أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنها، فلما لم يتكلما قال النبي ﷺ : (هي النخلة). فلما خرجت مع أبي قلت: يا أبت! وقع في نفسي أنها النخلة، قال: ما منعك أن تقولها؟ لو كنت قلتها كان أحب إلي من كذا وكذا). ثم انظر كيف أن ابن عمر أعطى أباه المبرر أو المسوغ لعدم كلامه، وهو مراعاة احترام من هو أكبر منه سناً في المجلس، فقال: (ما منعني إلا أني لم أرك ولا أبا بكر تكلمتما فكرهت).

стр. 242

أهمية إجلال وتقديم صاحب العلم، وذكر نماذج من هدي السلف في ذلك يقول الإمام سفيان الثوري رحمه الله تعالى: إذا رأيت الشاب يتكلم عند المشايخ وإن كان قد بلغ من العلم مبلغاً فآيس من خيره؛ فإنه قليل الحياء. فقوله: (إذا رأيت الشاب يتكلم عند المشايخ) يعني المشايخ العلماء الذين هم أكبر منه في العلم وفي السن، ثم مع ذلك تراه يتكلم بين يديهم، فإذا سأل الشيخ سؤالاً يبادر هو إلى الجواب، ولا يراعي هذا الضابط، أو لا يراعي هذا الأدب، يقول: إذا رأيت الشاب يتكلم عند المشايخ وإن كان قد بلغ من العلم مبلغاً فآيس من خيره؛ فإنه قليل الحياء. أي: لا تضع فيه أملاً بأنه يأتي منه خير؛ لأن هذا قليل الحياء، ولو كان عنده حياء لاستحيا أن يتكلم في حضور من هم أكبر منه. وقال خلف: جاءني أحمد بن حنبل يسمع حديث أبي عوانة، فاجتهدت أن أرفعه. والإمام أحمد هو إمام أهل السنة والجماعة، فاجتهد خلف في أن يجلس الإمام أحمد على مكان مرتفع، فالإمام أحمد أبى إلا أن يجلس جلسة المتعلم منخفضاً عند المحدث خلف. يقول: فاجتهدت أن أرفعه بأن ألح عليه أن يرتفع في المجلس فأبى، وقال: لا أجلس إلا بين يديك، أُمرنا أن نتواضع لمن نتعلم منه. وكان القاضي أحمد بن إبراهيم بن حماد المالكي مع كونه كبير القضاة إلا أنه كان يتردد إلى الإمام أبي جعفر الطحاوي الحنفي يسمع من تصانيفه، واتفق مجيء شخص لاستفتاء الطحاوي عن مسألة والقاضي عنده، أي أن الرجل جاء يسأل الإمام الطحاوي في مجلسه وكان كبير القضاة موجوداً في هذا المجلس، فلما سأل الرجل الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى عن هذه المسألة قال الطحاوي: مذهب القاضي -أيده الله- كذا وكذا. ولم يقل: مذهبي. وإنما حكى مذهب القاضي الجالس في المجلس، فقال له السائل: ما جئت إلى القاضي، إنما جئت إليك! فقال: يا هذا! هو كما قلت. فأعاد السائل، فقال له القاضي: أفته -أيدك الله- برأيك. فقال له الطحاوي: إذاً حيث أذن القاضي أيده الله أفتي ثم أفتاه. وقال أبو زكريا العنبري: شهدت جنازة حسين القباني سنة تسع وثمانين ومائتين، فصلى عليه أبو عبد الله -يعني محمد بن إبراهيم بن سعيد البوشنجي شيخ أهل الحديث في عصره -فلما انصرف قدمت دابته، فأخذ أبو عمرو الخفاف بلجامه، وابن خزيمة إمام الأئمة بركابه، وجعل الجارودي وإبراهيم بن أبي طالب يسويان عليه ثيابه، فمضى ولم يكلم واحداً منهم. وهذا موقف عابر، لكن إذا تأملت وحللت هذا الموقف تجد شدة احترام هؤلاء لأكابرهم ولعلمائهم، فمجرد أن صلى الإمام البوشنجي رحمه الله تعالى على الجنازة فلما انصرف قدموا له الدابة التي يركبها، وكان الذي احتف به يخدمه هم أئمة المسلمين في ذلك العصر وفي ذلك البلد، فهذا أبو عمرو أخذ بلجامه، والإمام ابن خزيمة الملقب بإمام الأئمة رحمه الله تعالى أخذ بركابه، والجارودي وإبراهيم بن أبي طالب جعلا يسويان عليه ثيابه، فمضى ولم يكلم أحداً منهم رحمهم الله تعالى أجمعين. وعن حكيم بن قيس بن عاصم أن أباه أوصى عند موته بنيه، فقال: اتقوا الله! وتوجوا أكبركم؛ فإن القوم إذا توجوا أكبرهم خلفوا أباهم، وإذا توجوا أصغرهم أزرى بهم ذلك في أكفائهم. فقوله: (اتقوا الله وتوجوا أكابركم) يعني: راعوا حق الكبير وقدموا الكبير. (فإن القوم إذا توجوا أكبرهم) يعني: جعلوه سيدهم (خلفوا أباهم) يعني: قاموا مقام أبيهم في حسن الفعال. (وإذا توجوا أصغرهم أزرى بهم ذلك في أكفائهم) فالأكفاء سوف ينظرون إليهم بازدراء، فعدم احترامك للكبير يجعل من يراك من بعيد ينظر إليك بازدراء؛ لأن في هذا نسبة لك إلى سوء الأدب. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: (البركة مع أكابركم، البركة مع أكابركم). وعن عبد الله بن مغول قال: كنت أمشي مع طلحة بن مطرف، فصرنا إلى مضيق -أي: إلى مكان ضيق لا يتسع إلا لمرور شخص واحد فقط- فتقدمني -يعني أنه كان يعرف أنه أكبر منه في السن فسارع هو إلى التقدم- ثم قال لي: لو كنت أعلم أنك أكبر مني بيوم ما تقدمتك. وعن الفضل بن موسى قال: انتهيت أنا وعبد الله بن المبارك إلى قنطرة، فقلت له: تقدم. وقال لي: تقدم. فحاسبته فإذا أنا أكبر منه بسنتين. يعني أنهما -حتى يحسما الخلاف- ظلا يحسبان عمر كل منهما. قال: فحاسبته فإذا أنا أكبر منه بسنتين. فيفهم من ذلك أن الذي تقدم هو الأكبر. وعن يعقوب بن سفيان قال: بلغني أن الحسن وعلياً ابني صالح كانا توأمين، خرج الحسن قبل علي. يعني أنهما توأمان ولدا في وقت، ومعلوم أنه لا يخرج التوأمان في وقت واحد، وإنما يكون هناك فرق بينهما قد يكون دقائق أو أكثر أو أقل، ومع ذلك يقول هنا: بلغني أن الحسن وعلياً ابني صالح كانا توأمين، خرج الحسن قبل علي -أي أنه أكبر منه بدقائق- فلم ير قط الحسن مع علي في مجلس إلا جلس علي دونه، ولم يكن يتكلم مع الحسن إذا اجتمعا في مجلس. مراعاة لهذا الفارق البسيط في السن بينهما، وهو عبارة عن لحظات؛ لأنهما توأمان، فالله المستعان. ويقول يحيى بن معين الإمام الجليل رحمه الله تعالى: إذا حدثت في بلدة فيها مثل أبي مسهر فيجب على لحيتي أن تحلق. يعني: إذا حدثت في بلدة فيها مثل أبي مسهر فهذا سوء أدب، وبالتالي ينبغي أن أعزر وأعاقب بحلق لحيتي. وهو لا يحصل منه ذلك، وإنما هذا مجرد ضرب مثل، وإلا فبعض الأمراء الذين لم يكن عندهم فقه كانوا إذا أرادوا تأديب الرجل والتشهير به حلقوا له لحيته، فهذه العقوبة كانت من التعزير، ولذلك العلماء نصوا في كتب الفقه على أنه لا يجوز التعزير بحلق اللحية؛ لأنها معصية، والتعزير لا يكون بالمعاصي، لكن الشاهد من هذا الموقف مراعاة الأدب مع من هو أجل وأكبر. وعن الحسن بن علي الخلال قال: كنا عند معتمر بن سليمان يحدثنا إذ أقبل ابن المبارك، فقطع معتمر حديثه، فقيل له: حدثنا. فقال: إنا لا نتكلم عند كبرائنا. وانتهى أبو منصور وإبراهيم إلى زقاق، فقال له إبراهيم: تقدم. فأبى أن يتقدم، فتقدم إبراهيم، ثم قال: لو كنت أعلم أنك أكبر مني بيوم ما تقدمت. وهذا غير القصة التي ذكرناها قبل. وعن إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى قال: إذا تكلم الحدث -يعني: صغير السن- في الحلقة عندنا أيسنا من خيره، وقلنا: هذا لا يفلح؛ لأنه سيء الخلق قليل الحياء. وقال عبد الله ابن الإمام أحمد رحمهما الله تعالى: رأيت أبي إذا جاء الشيخ والحدث من قريش أو غيرهم من الأشراف لم يخرج من باب المسجد حتى يخرجهم، فيكونوا هم يتقدمونه، ثم يخرج من بعدهم. وقال المروزي: رأيته جاء إليه مولى ابن المبارك، فألقى إليه مخدة وأكرمه. يعني: عظم الإمام وأحمد مولى ابن المبارك وخادمه أو عبده تعظيماً لـ ابن المبارك نفسه. يقول: رأيته -يعني الإمام أحمد - جاء إليه مولى ابن المبارك فألقى إليه مخدة وأكرمه، وكان إذا دخل عليه من يكرم عليه يأخذ المخدة من تحته فيلقيها له. وقال المروزي: كان أبو عبد الله -يعني الإمام أحمد ﵀ من أشد الناس إعظاماً لإخوانه ومن هم أسن منه، لقد جاءه أبو همام راكباً على حمار، فأخذ له أبو عبد الله بالركاب، ورأيته فعل هذا بمن هو أسن منه من الشيوخ. وكان بكر بن عبد الله المزني يقول: إذا رأيت من هو أكبر منك فعظمه، وقل: إنه سبقني إلى الإسلام والعمل الصالح، وإذا رأيت من هو أصغر منك فعظمه وقل في نفسك: إني قد سبقته إلى الذنوب.

стр. 243

إجلال حامل القرآن وتقديمه وأيضاً من هذه الحقوق حق حامل القرآن، فإن النبي ﵌ أخبرنا في الحديث الصحيح أن خيرنا هم أهل القرآن، كما في قوله ﵊: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه)، فهذا بيان لطبقة عليا من طلبة العلم، وأن أشرف طلبة العلم وخير العلماء والمتعلمين من كان تعلمه وتعليمه في القرآن الكريم؛ لأن خير الكلام كلام الله، فكذا خير الناس بعد النبيين من اشتغل بكلام الله مريداً بذلك وجه الله ، فلأهل القرآن شرف عظيم بهذه الشهادة على لسان رسول الصادق المصدوق ﷺ ، وذلك في قوله: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه). وقد خص الشرع الشريف أهل القرآن بكثير من الفضائل، فإنهم يتقدمون بحسب اهتمامهم بالقرآن الكريم، وبحسب حظهم من حفظ كتاب الله ، فهذا الرسول ﷺ حينما استعرض قوماً وكان بصدد تأمير أمير عليهم فسألهم عما يحفظ كل منهم، فلما رأى أحدهم قد قرأ سورة البقرة قال له: (أنت أميرهم)، فأمَّره لحفظه سور البقرة. وقال عليه الصلاة السلام: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله). رواه مسلم. وقال ابن عباس ﵄: (كان القراء أصحاب مجلس عمر ﵁ ومشاورته كهولاً كانوا أو شباباً) رواه البخاري. أي: كان القراء -حفاظ القرآن- هم الذين يقدمهم عمر، بغض النظر عن سنهم، سواء أكانوا كهولاًُ أم شباباً ما داموا حافظين للقرآن، فكان يشكل منهم مجلس مشورته ومصاحبته. وعن أنس رضي الله تعالى عنه عن النبي ﵊ قال: (إن لله أهلين. قيل: من هم يا رسول الله؟! قال: أهل القرآن هم أهل الله وخاصته). وكان ﷺ يجمع بين الرجلين من قتلى أحد، ثم يقول: (أيهما أكثر أخذاً للقرآن؟) أي: يجمع بينهما في الدفن، ويقدم أحدهما قبل الآخر، وهذا التقديم يتم على أساس حفظه للقرآن الكريم، فكان يقول: (أيهما أكثر أخذاً للقرآن؟ فإن أشير إلى أحدهما قدمه في اللحد) رواه البخاري. وبهذا نكون قد مررنا على بعض الحقوق العامة الشاملة التي تتعلق بحق المسلم عموماً، وفيما يتعلق بحفظ غيبته وعدم انتهاك حرمته بالغيبة، فضلاً عن البهتان، وكذلك مراعاة الأدب مع كبير السن، وكذلك الأدب مع حامل القرآن الكريم، والقاعدة أن الحرمة تتضاعف بتعدد جهات الانتهاك، أي أن بعض المعاصي إذا حصلت في المخالفة من جهة واحدة فهذا ذنب، ويتعاظم هذا الذنب وهذا الوزر إذا تعددت جهات الانتهاك. فمثلاً: لو أن إنسان له جار، فله حق الجوار وله حق المسلم، ولو كان قريباً فله حق زائد وهو حق الرحم، فأذية مثل هذا الجار لا يكون وزرها مثل أذية الشخص الأجنبي أو الجار الكافر، وهكذا، فكل ما مضى من كلام كان تمهيداًً وتوطئة لأعظم الناس حقاً في المسلمين، وهم أهل العلم وأهل البصيرة في الدين، فهم يشتركون مع كل من مضى في هذه الحقوق: حق الإسلام، وحق كبر السن، وحق حمل القرآن الكريم، ثم بعد ذلك حق العلم الذي شرفهم الله سبحانه تعالى به، فإن هذه الحقوق جميعاً -وخاصة حق العلم- تفرض علينا التزامات تجاههم، وحينما نتكلم عن أهل العلم فنحن لا نقصد زمناً معيناً أو مكاناً معيناً، وإنما نقصد جميع أهل العلم ابتداء من الصحابة رضي الله تعالى عنهم إلى عصرنا الذي نعيشه، فللعلماء حرمة وحقوق وآداب ينبغي أن نلتزمها معهم. والله أعلم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 244

طول الأمد لقد نهانا الله عن أن نتشبه باليهود الذين أوتوا الكتاب فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم، وطول الأمد تنتج عنه أمور: منها البعد عن الله وعدم العمل بالقرآن، وترك تحكيم شرع الله، ولكن على الإنسان أن يبحث عن علاج لهذه الأسباب والأمراض التي بدأت تستشري في قلوب كثير من الناس وإلا وقع في المصيبة، نسأل الله العافية.

стр. 245

أهمية الالتزام وتجديد الإيمان الحمد الله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم! صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم! بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالة في النار. أخي المسلم! نحن نعرف أن كلمة (ملتزم) شاعت في بداية الصحوة الإسلامية كمهرب يهرب به الإخوة من وصف الناس بالكفر، وأيضاً للتمييز بين المسلم الذي يدخل في اسم عموم الإسلام مع أنه مقصر ومفرط في دينه، فكأنها صارت تعبيراً عن مسلم حسن إسلامه، فراراً من تكفير المسلمين بالمعاصي والتقصير، وفراراً أيضاً من وصف المسلم العام الذي يفرط ويقصر في دينه، والذي كنا جميعاً نلحظه أن كلمة (ملتزم) هذه كانت كلمة لها شأن عظيم جداً؛ لأنها كانت تعبر عن نقطة تحول كاملة في كل السلوك الحياتي والفكري والحد الفاصل بين ما مضى وبين الأمس، وبين اليوم وبين الغد، كانت نقطة تحول يتحول الإنسان فيها ويعيد تخطيط حياته كاملةً في ضوءِ ما يمليه عليه دينه الذي جدد العهد مع الله ﵎ أن يلتزم به، وينبغي أن نشتغل بدعوة الناس عموماً إلى الالتزام بدينهم، وأن نقوم بتحسين إسلامهم، ويتوجب علينا بين الحين والآخر أن لا ننسى أنفسنا، فنحن محتاجون إلى تصحيح إسلامنا وتجديد إيماننا، مع الاهتمام بالفقرة العددية والانتشار الأفقي في ساحة الدعوة، وربما كان هذا على حساب التغذية الفردية والسلوكية في بعض الناس، وخاصة إذا ضممنا إلى ذلك أن إنساناً يكون في أغلب عمره قد قضى هذا العمر من طفولته إلى صباه إلى أوائل شبابه طبقاً لنظام معين في المجتمع، وفي تعاملاته وأخلاقه وسلوكه، فإذا أراد تغيير بعض الصفات في الكبر فإنه يكون فيه شيء من الصعوبة، وربما حمل الإنسان على فعل ما كان عليه من قبل هذا الالتزام أو أن يترخص فيما لا يجوز له فيه الترخص أنه لم ينشأ على طاعة الله منذ الصغر، فنرجو أن تكون الأجيال القادمة بإذن الله أسعد حظاً منا. وأكثر ما نعانيه الآن أنه بطول الأمد وبمرور الوقت يحصل فينا تغير وتحول، وهذا التحول الذي بقي يصيب المظهر أحياناً، وليس في الأمر كبير خطورة، لكن المشكلة أن هذا التحول مع الوقت يصيب الجوهر لا المظهر فقط، وينفذ إلى الصفات، ويعدل القيم والموازين التي ما كنا نتصور أنه في يوم من الأيام أن نتنازل عنها أو نمعن التفكير فيها. أيضاً التحول في ترتيب الأولويات التي تشغل الإنسان في حياته، فبعد أن كان الأخ يعاهد الله ﵎ حينما يلتزم على أنه إذا تزوج سيفعل كذا، وأنه إذا رزق بأولاد سيربيهم على كذا، وسيجعلهم يحفظون القرآن في سن كذا إلى آخر هذه الخطط والآمال إذ أنه يغير هذا كله، والواقع أننا نكون قد تنازلنا عن هذه الأشياء أو قصرنا أو فرطنا، وربما تغيرت نظرة الناس إلى أشياء كثيرة حتى يجوز أن يسمى حالهم بالافتتان، وقد قال بعض السلف في حد الفتنة: أن تستحل ما كنت تراه حراماً. يحمل هذا على أن الإنسان يترخص في شيء كان يراه حراماً، ولا يكون تحوله هذا عن زيادة علم ورسوخ في الفقه، وإنما مجرد جريان وراء الهوى والشهوات، وضعف أمام الفتن والمغريات، فنحن الآن ينبغي أن نلتفت إلى ضرورة أن نسعى لتحقيق صحوة جيدة أو زيادة الصحوة، فتوبتنا تحتاج الآن إلى توبة، والتزامنا يحتاج إلى التزام، وعلينا أن نجدد العهد مع الله ﵎، وليس في هذا معرة أو أي نقص، وإنما هذه طبيعة البشر، إننا في الطريق إلى الله بصفتنا البشرية قد نتعثر، وليس الخطأ أن تتعثر ولكن الخطأ أن تتخذ الحفرة التي وقعت فيها مستقراً ومقيلاً، وتأوي إليها، وتخضع وترضخ لهذا الأمر، والواجب على الإنسان أن ينهض من العثرة ويجدد التوبة، يقول النبي ﷺ : (ما من عبد مؤمن إلا وله ذنب يعتاده الفينة بعد الفينة، أو ذنب هو مقيم عليه لا يفارقه حتى يفارق، إن المؤمن خلق مفتناً تواباً نسياً، إذا ذكر ذكر) أو كما قال ﷺ . ونفس هذا المعنى الذي يشير إليه عبر عنه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، حتى لا ينزعج بعض الناس من هذا التعبير الذي نقوله، وهو أننا ينبغي أن نبحث عن تحقيق الصحوة، وتجديد الإيمان، وتحقيق الالتزام من جديد، وتجديد التوبة، وقد ألفنا خيراً من شيخ الإسلام ومجدد شباب الإسلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ﵎، حكا عنه ابن القيم ﵀ في أواخر حياته المباركة يقول: هذا كلام شيخ الإسلام: والله منذ أن احتلمت وبلغت وعقلت إلى الآن ما أعلم أني أسلمت إسلاماً جيداً، وإني أجدد إسلامي إلى الآن. فما هناك شك في أن أمثالنا أحوج إلى تصحيح الإسلام وتجديد العهد مع الله ﵎ من وقت إلى آخر.

стр. 246

الدعوة إلى التوبة من المعاصي والغفلة الله ﵎ أمرنا بتجديد هذا الإيمان والإسلام، والتقصير طبيعة البشر، فالنبي ﵊ يقول: (لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم) أو كما قال ﵌، ولما سأله بعض الصحابة الوصية قال: (اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن) مع أنه سيحرص على تحقيق التقوى، لكن لا يمنع أنه يقع في تقصير، والمهم أنه لا يستسلم للشيطان، ينهض من العثرة، ويجدد توبته، ويستأنف المسير إلى الله . (وأتبع الحسنة السيئة تمحها) لأن الإنسان غير معصوم، (كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون)، وقال في مدح المؤمنين ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ [آل عمران:١٣٥] ولم يقل: هم معصومون من فعل المعاصي. لكن قال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥]، لذلك قال ﵊: (ويل لأقماع القول، ويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون) شبههم بالقمع، وهو الذي يوضع فيه السائل فيخرج من أسفله، فمعنى ذلك أن هؤلاء لا ينفعلون بالنصيحة، وإنما تدخل فيهم من أعلى وتخرج من أسفل كأنها لا فائدة منها، وكأنهم لا يستفيدون ولا ينتفعون بها، والله ﵎ هو الذي يأمرنا أن نستجيب له فقال تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ * فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ [الشورى:٤٧ - ٤٨]، والله ينادينا إلى التوبة، وهو أرحم بنا من أنفسنا ﵎، ليس هذا فحسب، بل هو يأمرنا بالمبادرة والمسارعة والمسابقة، فيقول: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات:٥٠] هذه هي الروح التي ينبغي أن تحكمنا في مسيرنا إلى الله، أننا نحقق في قلوبنا أن لا ملجأ من الله إلا إليه، فنفر من الله إلى الله (أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك) كما كان يدعو ﵌. ويقول ﵎: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦]، ويقول : ﴿وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلامِ﴾ [يونس:٢٥] هذه دعوة الله، هذه هي دعوة الحق، فهو يدعو إلى دار السلام. وقال في شأن المشركين: (أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٢١]، ويقول ﵎: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا * يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء:٢٧ - ٢٨] ويقول النبي ﷺ في تنبئه في فتن آخر الزمان: (دعاةٍ على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها)، ونحن اليوم تتخطفنا دعوات الشر من كل جانب، ومن كل حدب وصوب، فلا ملجأ ولا منجى من الله إلا إليه، ومثل هذه الفتن التي تحيط بنا من كل مكان ليس لها من دون الله كاشفة، فينبغي أن نعتصم بالله ، ونجتهد في النجاة، ولا تغرنا تلك القوافل أو الكتل التي تهوي إلى جهنم وهي غافلة عن هذا المصير ولا تهتم به، ولا تنظر فيما يكون فيما بعد الموت أو بعد الحياة. ومما يقوي همتنا على ذلك أن الله عظم ثواب التدين في وقت غفلة الناس وانخراطهم عن دين الله ، فالجزاء من جنس العمل، فكما أنه بالقدر الذي تعاني من الفتن حولك وتصبر لوجه الله بقدر ما يعظم ثوابك عند الله، كما قال ﵊ لأم المؤمنين عائشة ﵂: (أجرك على قدر نفقتك ونصبك) فبقدر ما تعاني في طريق الاستقامة في سبيل الله بقدر ما يعظم أجرك عند الله ﵎، ويقول ﵌ في الحديث الذي رواه مسلم: (العبادة في الهرج كهجرة إليَّ) الذي يعبد الله وقت الهرج ووقت الفتن ووقت اختلاط أمور الناس وكثرة القتل ووقت انصراف الناس عن الدين إلى الدنيا، فإن هذه هجرة تكون في القلب، فهو ربما يعجز، إذ قد لا توجد طريق للهجرة إلى دار إسلام أو إلى بلد أخف شراً، فإذا عمت الفتن فليهاجر الإنسان بقلبه، ويهجر السوء وأهله إلى الخير وأهله، يكون ثوابه حينئذ كهجرة إلى النبي ﵌، فيعظم ثواب التدين وقت الغفلة، لذلك لما سئل أبو ثعلبة الخشني ﵁ عن تفسير قوله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥] فقال للسائل: سألت عنها خبيراً، أنا سألت عنها رسول الله ﷺ قبلاً فقال: (مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، حتى إذا رأيتم هوىً متبعاً، وشحاً مطاعاً، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه عليكم أنفسكم، لا يضركم ضلال غيركم) لا تغتر بكثرة الهالكين، كما قال الفضيل بن عياض: الزم طريق الهدى ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة! ولا تغتر بكثرة الهالكين.

стр. 247

أسباب طول الأمد

стр. 248

إهمال الجانب السلوكي والتربوي أيضاً من هذه الأسباب التركيز على الجانب العقلي أو الجانب النظري مع إهمال الجانب السلوكي والتربوي، إهمال الروح والنفس مع أن تزكية النفس من أعظم الوظائف التي بُعث رسولنا ﵌ من أجل تحقيقها، يقول الله : (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة:٢]، ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس:٩] أي: النفس ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:١٠]. ويقول تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى:١٤] فالفلاح منوط بالتزكية، وهي تطهير القلب بالتوحيد والعقيدة الصحيحة، أي: مراعاة حرمات الله واجتناب ما يسخطه . يقول النبي ﵌: (إن الإيمان ليَخلقُ في جوف أحدكم كما يخلق الثوب، فاسألوا الله تعالى أن يجدد الإيمان في قلوبكم). اللهم! إنا نسألك أن تجدد الإيمان في قلوبنا. فقوله ﵊: (إن الإيمان ليخلق) يعني: يبلى (كما يخلق الثوب) إذا كان عندك ثوب فيه ألوان أو خطوط فمع كثرة الغسيل والمواد الكيماوية وتعرضه للشمس والاستعمال تجد الثوب يدرس وجهه وتنمحي معالمه رويداً رويداً، فيخبر الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى بهذه الحقيقة، وينبغي أن نصدق بما يخبرنا ﵊. (إن الإيمان يَخلقُ في جوف أحدكم) أي: يضعف، ومع طول الوقت تنمحي معالمه كما يخلق الثوب. ويرشدنا النبي ﷺ إلى أسباب معينة لا بد من أن نلاحق بها هذا البِلى، فلا بد من أن يحصل عامل مضاد نواجه به هذا البِلىَ وهذا الانجراف، ويذكر هنا ﵊ دعاءً معيناً لزوال هذا المرض، فهذا هو المضاد لعملية ضعف الإيمان في القلوب (فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم) يعني: حتى لا يبقى في قلوبكم رغبة في غير الله .

стр. 249

موت الغيرة على الحرمات في القلوب أيضاً من أسباب طول الأمد موت الغيرة على الحرمات في القلوب؛ لأنه كلما كان الإنسان منكراً للمنكر آمراً بالمعروف يبقي قلبه حياً حساساً إزاء المنكرات، فبعض الناس يكون عندهم حساسية من نوع من الأدوية، فإذا أخذه تحصل له هذه الحساسية، كذلك قلب المؤمن إذا رأى المنكر ينفعل ويثور دمه ويغلي، وكان ﵊ لا يغضب إلا لله، كان لا ينتصر لنفسه ﵌، فكذلك الإنسان على الأقل فيما يخص نفسه، يقول النبي ﵊ في إحدى علامات حياة القلب التي يجد فيها الإنسان حلاوة الإيمان: (أن يكره أن يعود إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار) فتكره الكفر والمعاصي، فالفساد ينبغي أن تكرهه وتبغضه بقلبك؛ لأن الله يبغضه فضلاً عن أن تفتن به أو تستجيب لفتنته، فالإنسان يكره ويبغض بقلبه ما يكرهه الله ﵎، حتى يتحقق فيه قوله : ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات:٧]، فهل الإيمان وأفعال الإيمان مزينة في قلبك؟ هل الذي لا يغض بصره يعرف أن الله مطلع عليه وأن الله يبغض منه هذه المعصية حين ينظر إلى ما حرم الله؟! وهل هذا يكره المعصية كما يكره أن يقذف في النار؟ كلا.

стр. 250

التهاون في قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الأسباب التهاون في قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتعلل بحجج باردة لا تغني عن صاحبها شيئاً، والإنسان إذا قصّر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خاصة إذا وجب عليه فهذا يضعف الغيرة في القلب على الحرمات، فالشيطان يلبس على الناس فيقول المرء: أنا آمر وأنهى ولم أتعلم علماً كثيراً من العلم. لكن تستطيع أن تأمر وتنهى فيما هو معلوم في الدين من الضرورة وما أكثره في مجتمعنا! رجل يضيع الصلاة هل هذا يحتاج إلى أن تتفقه عشر سنوات حتى تأمره بصلاة الجمعة التي يهجرها أو صلاة الجماعة أو الصلاة أصلاً إذا كان تاركاً للصلاة؟ والربا والخمر ونحو هذه الأشياء لا يسع مسلماً أن يجهلها، ولا تحتاج إلى مراجع كبيرة وسنوات كثيرة حتى تتعلمها لتنكرها، والتبرج والتهتك الذي يحصل من النساء، كل هذه الأشياء لا بد للإنسان من أن ينكرها، وكلما مررت على المنكر ولم تنكره أو المعروف ولم تأمر به ففي هذه الحالة لا تظن أن قلبك في حالة سكون، لا بد أن يتأثر بكل ما يراه، يقول النبي ﵌: (تُعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عوداً عوداً) يعني: الفتن تعرض على نفس الشكل على القلوب كعرض الحصير عوداً عوداً. ولم يقل: تُعرض على العين وإنما: على القلوب. وربما تكون الوسيلة هي العين وربما تكون هي الأذن، لكن في النهاية تصل إلى القلب ويتأثر شئت أم أبيت، ومعنى (تُعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير) أنه إذا نام الإنسان وقد كشف جنبه على الحصير فبعدما يستيقظ يجد أثراً لهذا الحصير في جنبه على هيئة خطوط في لحمه وجلده، فهذا هو عرض الحصير، فمعنى ذلك أن الفتن مثل الحصير، والجنب مثل القلب، فما دام الإنسان يتعرض للفتن ويعيش في جو فيه فتن لا بد أن قلبه سيتخذ موقفاً من هذه الفتنة، ويتأثر سلباً أو إيجاباً، زيادةً أو نقصاناً، فإن القلب يتأثر بالفتن كما يتأثر الجنب بالحصير إذا نام عليه، ولا بد أن ينطبع في قلبك شيء إزاء كل فتنة، يقول ﵊: (تُعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عوداً عوداً، فأيما قلبٍ أُشربها-تشرب بها وقبلها- نُكتت فيه نكتةٌ سوداء) إذا مرت عليك فتنة لم تنكرها بدرجة الإنكار الواجبة عليك سواء الإنكار باليد إن كنت قادراً على ذلك وبشروطه، أو الإنكار باللسان أو الإنكار بالقلب الذي هو فرض عين على كل مسلم، أما إنكار المنكر بالقلب فليس فرض كفاية، وليس بعده شيء اسمه استطاعة، والحديث فيه: (فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه) ولم يقل: (فإن لم يستطع) بعد إنكار القلب؛ لأن القلب لا سلطان لأحد عليه، حتى الإكراه، فقد قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦]، فالقلب إذا رضي بالمنكر فإنه يموت ويخرج منه الإيمان؛ لأن الرسول ﵊ قال: (وليس وراء ذلك من الإيمان مثقال حبةٍ من خردل)، فينتفي الإيمان من القلب في هذه الحالة. (وأيما قلب أنكرها نكتت فيه نكتةٌ بيضاء، حتى تصير القلوب على قلبين) تنقسم القلوب بعد حصول هذه الفتن والتعرض لها إلى نوعين: قلب أسود مرباد - معكر- كالكوز مجخياً. أي: كالكوز المنكوس المقلوب الذي قاعدته إلى أعلى فلا يستوعب الخير، فإذا وضعت فيه أي شيء كسائل أو حبوب فإنه سيقع لأنه منكوت، كذلك هذا القلب إذا ابتلي -والعياذ بالله- بالاستجابة وقبول الفتن وتشربها فإنه يمرض ويعتل، ولا يعرف معروفاً، ولا ينكر منكراً إلا ما أُشرب من الهوى. وقلب أبيض لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، فإذاًَ الشيطان يزين للإنسان كما يزين لبعض الناس الجهلة، يقول: أنا سأحج لكن حين يقوى إيماني، وسألتحي لكن لما يقوى إيماني قليلاً، وتقول المرأة: سأتحجب لكن لما يقوى إيماني. كلا، الطاعة هي التي تقوي الإيمان، والإيمان يزيد وينقص كما هو مقرر عند أهل السنة، يزيد بأسباب وينقص أيضاً بأسباب، فعليك أن تأخذ بهذه الأسباب وتستعين بالله، وتجتنب أسباب النقص، فيزيد الإيمان بالطاعات وينقص بالمعاصي، فمن أعظم الطاعات التي ترضي الله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:١ - ٢] كل إنسان دب على وجه هذه الأرض فهو في خسر، فهذه قاعدة ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:٣] حتى الإنسان ولو كان مقصراً فإنه يجب عليه -ما دام يستطيع- أن ينهى عن المنكر، يقول بعض العلماء: فرض على شاربي الكئوس أن يعظ بعضهم بعضاً، فالذين جلسوا في منتزه يشربون الخمر عليهم وزران: الوزر الأول: أنهم يشربون الخمر. الوزر الثاني: وزر ترك الإنكار؛ لأنهم مجموعة، والواجب أن يتواصوا بالحق، ويتواصوا بالصبر على هذا الحق، فهم يقصرون أولاً بمعصية شرب الخمر، ويقصرون ثانياً أنهم لم ينه بعضهم بعضاً عن هذا المنكر، قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٨ - ٧٩] لماذا؟ لأنهم لم ينه بعضهم بعضاً عن المنكر، فبعض الناس يقول: كيف أنهى وأنا مقصر؟ نعم أنت مأمور بالأمرين: أن لا تقصر وأن تنهى عن المنكر، لكن أن تضيع أمراً واحداً أهون من أن تضيع أمرين، ولعلك إذا أخلصت النية لله ونويت فلعل الله يقوي إيمانك، وببركة هذا الإخلاص لوجه الله يصلح الله حالك وقلبك، ويعالجه من علله، ففي هذه الحالة تكون فيه بركة عظيمة، فلو لم يوعظ إلا من كان نقياً من الذنوب فمن بعد رسول الله ﷺ كان سيعظ الناس؟ من كان سيحمل رسالة الإسلام ويجاهد في سبيلها؟ فالإنسان لا يستسلم للشيطان بسبب ذنوبه وتقصيره، لكن عليه أن ينهض من العثرة ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ولا يسوف. ولا يؤجل، ولا يعتذر بالتقصير والمعاصي بقوله: حينما يقوى إيماني سأنهى عن المنكر. كلا، إذا أردت أن تقوي إيمانك فمن أعظم أسباب قوة الإيمان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والآن وأنت خارج من المسجد، وأنت تسير في الشارع توجد منكرات -والعياذ بالله- كثيرة، فجرب نفسك أسبوعاً كاملاً، إذا رأيت منكراً تُنكر باللسان، وسوف تحسها في نفسك، وتجد حلاوتها في قلبك، فأنت منتفع على كل الأحوال، أنت لا يحاسبك الله بأن تحول قلوب الناس ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية:٢١ - ٢٢] يعني: لا تصطدم ولا تيأس ولا تفتر وتضعف همتك إذا لم يستجب الناس لك، وإذا آذاك الناس، وإذا ردوا عليك رداً سيئاً. ومع ذلك كثير من الناس ما زال فيهم خير لا يؤذون من يأمرهم وينهاهم، لكن نحن الذين نقصر ونبتعد عن الناس، وربما الإنسان عندما يقرأ في بعض الجرائد أو المجلات الإسلامية قصص توبة بعض هؤلاء الملقبين بالفنانين والممثلين والمغنين يعجب، فعلى ما هم فيه من الغفلة لا نتصور أن فيهم شيئاً من الخير أبداً، لكن عندما تسمع القصص والحوار، وكيف بدأت توبة فلانة وتقول مثلاً: أول من هنأتني على التوبة فلانة وفلانة وفلانة. وتذكر أسماء أناس كانوا رواد الفسق والمعاصي والتمثيل، إذاً تحس من خلال واقع هؤلاء التائبين أن هناك تقصيراً من الدعاة، لكن ضالة الداعية إلى الله الشخص الكافر، وإلا يكون الأمر تحصيل حاصل إذا كان من نخاطبهم ونوصل دعوتنا إليهم هم الملتزمون، فهذه ليست ضالة الداعية، ضالة الداعية هو الفاسق والمقصر والعاصي، تبحث عنه وتزين له بضاعتك كما يزين التاجر بضاعته، اصبر على أذى الذين يرفعون شعار (الزبون دائماً على حق) لماذا؟ حتى يحصل على مال، وحتى يحسن علاقته مع الزبون، ويخاف العمال الذين يعملون في المتجر من أن يسيئوا أخلاقهم مع الزبائن، فهذا أسلوب منفر، فيرفع شعار (الزبون دائماً على حق)، ويزين المحل، ويعمل له ديكوراً في الخارج، ويعلن عن تخفيض الأسعار، ويعمل كل شيء من أجل أن يزين بضاعته ولا ينفر منها من يدعوه إلى الشراء، ولماذا نحن نقصر في هذا؟ لماذا لا نزين دعوتنا للناس؟ لماذا لا نحاول أن نبحث عن أفضل ثوب ونعرضها فيه؟ لماذا لا نصبر على من يؤذينا؟ التاجر يصبر لأجل العيش وأنت تصبر وتقول: أريد الجنة التي هي أوسع من السماوات والأرض، هذا عرضها فكيف بطولها؟ ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة! ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١]، فلماذا سلعة الله تريدها وأنت مقصر ومفرط؟! فالشاهد أنك تسلك هذا المسلك بل تكون أعظم اجتهاداً؛ لأنك تريد أعظم مما يريده ذلك التاجر.
следующие страницы →