Полный текст (2 122 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
أهل الخير وأهل الشر بين نداء الفعل والترك
ما أكثر ما يخبرنا الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى ﵌ بكثير من الأحداث التي تقع في هذا الكون وفي هذا الوجود ونحن لا نراها ولا نسمعها! لكن يكفينا خبر رسول الله ﷺ في الاطلاع على حقائق هذه العوالم الغيبية.
مثلاً: يقول النبي ﵊: (ما من صباح إلا وملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم! أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم! أعط ممسكاً تلفاً).
ومن هذه الأحداث التي تقع في أول ليلة من رمضان ما أخبرنا به الصادق المصدوق ﵌ حينما قال: (إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النيران، وصفدت الشياطين) وهذا يقع ويحدث في أول ليلة من شهر رمضان المبارك، كذلك الذي صح -أيضاً- عن النبي ﵌ أنه قال: (إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وينادي مناد: يا باغي الخير! أقبل، ويا باغي الشر! أقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة) وعند الإمام ابن خزيمة: (صفدت الشياطين مردة الجن) يعني أن الشياطين هم مردة الجن.
ونريد أن نقف طويلاً عند هذا الخبر العظيم، خاصة عند قول رسول الله ﷺ : (وينادي مناد: يا باغي الخير! أقبل، ويا باغي الشر! أقصر) فهذا أنسب شاهد لما نحن بصدده من الكلام على انقسام الناس وتباينهم عند استقبال رمضان مصداقاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل:٤].
ففي هذا الحديث يبين النبي ﵊ أن هناك من يبغي الخير في رمضان، وهناك من يبغي اقتراف الشر والصد عن سبيل الله في رمضان.
فمنذ بداية هذا الشهر يتكرر النداء العام ويختص بهذا الشهر (يا باغي الخير! أقبل) أي: أقبل فقد أعددت وخططت وتهيأت، وها هو قد فتح السوق، فمن أراد الغنيمة فلينتهز الفرصة، يقول ﵊: (إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن)، أو: (صفدت الشياطين مردة الجن) وتصفيد الشياطين في شهر رمضان يحتمل أن يكون المراد به تصفيد الشياطين الذين كانوا يسترقون السمع، ولذلك قال بعض العلماء: ألا تراه قال: مردة الشياطين.
يشير إلى قوله ﵎: ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ [الصافات:٧]؛ لأن شهر رمضان كان وقتاً لنزول القرآن إلى سماء الدنيا، وكانت الحراسة قد وقعت بالشهب، كما قال : ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾ [الجن:٨]، فزيد التصفيد في شهر رمضان مبالغة في الحفظ، وهذا أفاده الإمام الحليمي، والله تعالى أعلم.
ويحتمل أن يكون المراد من تصفيد الشياطين في زمان وأيام رسول الله ﵌ وبعده أيضاً، والمعنى أن الشياطين في شهر رمضان لا يخلصون فيه من إفساد الناس إلى ما كانوا يخلصون في غيره؛ لاشتغال المسلمين بالصيام الذي فيه قمع الشهوات، وبقراءة القرآن وسائر العبادات التي تهذب النفس وتزكيها، قال رب العزة جل وعلا: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣].
فالحكمة من الصيام هي الوصول إلى تقوى الله ﵎، وهذا أمر ملموس، وهذا من بركة هذا الشهر حتى على العصاة، فإنك تجد عند ابتداء شهر رمضان همة الناس في إصلاح حالهم مع الله وفي الصلح مع الله تزداد، فالمحسن يرغب في زيادة الإحسان والمسيء تجده مقبلاً على الخير، وآية ذلك أن تنظر إلى المساجد في أول ليلة من رمضان، بل انظر إلى المساجد في صلاة الفجر في أوائل رمضان، ثم انظر إلى طبيعة أسئلة الناس في أوائل شهر رمضان أو قبل قدومه بأيام، تجد أن كل إنسان يراجع نفسه ويقول: أنا أفعل كذا وكذا فهل لي من توبة؟ أنا أريد أن أفعل كذا وكذا ولكن يمنعني كذا وكذا؟ وتجد العصاة يريدون أن يقصروا عن الشر وأن يتوبوا وأن يصلحوا حالهم مع الله ﵎.
ولذلك كانت مسئولية كل من يتبوأ مقام الدعوة في رمضان كما يصنع التاجر حين يغتنم الفرص حتى يروج سلعته ويفوز بالأجر العظيم ويغتنم الربح الوفير، فكذلك الداعية إلى الله ، وكل مسلم يجب أن يكون داعية إلى الله، فمن علم شيئاً عليه أن يدعو إليه، يقول ﵊: (بلغوا عني ولو آية).
فالواجب الاهتمام واغتنام هذه الفرصة العظيمة، فإن الناس يقبلون على الله أشد الإقبال، والشيطان قد توعد بني آدم -حسداً وحقداً- أن يفتنهم وأن يتفنن في إضلالهم، وأقسم في ذلك بعزة الله ﵎، ومما يؤسف له -إذا نظرنا إلى واقع الناس عموماً على ظاهر الكرة الأرضية وإلى واقع المسلمين خصوصاً- أن إبليس وفى بقسمه وبر بعهده.
فانظر وقارن بين أولياء الرحمن وبين أولياء الشيطان، تجد أن جنود إبليس في أجهزة الإعلام يحتشدون ويتجهزون لحرب الدين وأهله، وكأن الشيطان يبعثهم سرايا حتى يضلوا الناس ويضيعوا عليهم هذه الفرصة ويغلقوا عليهم هذه الرحمة الواسعة، وذلك بصدهم عن المساجد وإشغالهم باللهو والفسق والفجور، وصدهم عن طريق الله وقطع الطريق إلى الله على عباد الله، وقارن بين الدعاة إلى الله هل بروا بالعهد الذي أخذه الله عليهم كما بر أولياء الشيطان وكما بر إبليس بعهده فتفنن في إضلالهم؟! إذاً: ينبغي الاعتناء باغتنام فرصة إقبال الناس على ربهم ﵎، وينبغي تفويت الفرصة على أعداء الدعوة الإسلامية وعلى قطاع الطريق إلى الله الذين ينتهزون مواسم الخير ليعكروا صف المسلمين، وليمزقوا وحدتهم، وليحدثوا فيهم البلبلة والتشكيك، وكأن رمضان صار موسماً للمشكلات من أوله إلى آخره.
فعلى الإخوة جميعاً أن يهتموا بهذا الأمر، ويجتهدوا في تفويت هذه الفرص على أعداء الدعوة.
قوله: (ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة) نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم.
стр. 177
أعمال بغاة الخير خلال شهر رمضان وصفاتهم
نقف وقفة مع هذا المنادي الذي ينادي في الناس، ونحن لا نسمعه، ولكن الصادق المصدوق أخبرنا فكأننا سمعناه بأنفسنا، بل أبلغنا بقوله: (يا باغي الخير! أقبل ويا باغي الشر! أقصر) فهذا النداء يحض على التوبة وهي أعظم الخير، ولذلك سنتوقف عندها قليلاً.
стр. 178
العمرة في شهر رمضان
إن من الخير الذي يجنيه الصالحون في هذا الشهر، والذي من أجله يقول له الملك: يا باغي الخير! أقبل -أي: هلم إلى موسم الخير كله- من ذلك الخير العمرة في رمضان، فمن استطاع أداء العمرة في رمضان فلا يفرط في ذلك.
فعن ابن عباس ﵄: (أن النبي ﵌ لما رجع من حجة الوداع قال لامرأة من الأنصار اسمها أم سنان: ما منعك أن تحجي معنا؟ قالت: أبو فلان -تعني زوجها- له ناضحان حج على أحدهما والآخر نسقي عليه.
فقال لها النبي ﷺ -على سبيل المواساة لها-: فإذا جاء رمضان فاعتمري؛ فإن عمرة فيه تعدل حجة -وفي لفظ: تعدل حجة معي-) وهذا الحديث متفق عليه.
فقول النبي ﵌: (عمرة في رمضان تعدل حجة معي) يعني: إذا اعتمرت في رمضان فكأنك وقفت في عرفات مع الرسول ﷺ وطفت بالبيت.
стр. 179
الحرص على تعمير المساجد بالطاعات
إن من صور الخير تعمير المساجد والحرص على ذلك، جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: (من صلى لله أربعين يوماً في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كتبت له براءتان: براءة من النار وبراءة من النفاق) فمن حرص على تطبيق هذا الحديث تغير حاله، واستقام شأنه، وزاد إيمانه، واقترب من الله ، وتضاعفت أعماله الصالحة.
فالشرط الأول: (من صلى لله) أي: من صلى مخلصاً لله بأن يحافظ على صفة الإخلاص وعدم الرياء.
الثاني: قوله: (أربعين يوماً) يعني: يحافظ على الصلوات الخمس لمدة أربعين يوماً متصلة.
الثالث: (في جماعة) أي: يحضر صلاة الجماعة.
الرابع: (يدرك التكبيرة الأولى) فلابد من أن يدرك تكبيرة الإحرام ولا يتخلف عنها.
قوله: (كتبت له براءتان: براءة من النار وبراءة من النفاق) براءة من النار باجتهاده في طاعة الله ﵎ وإقامة الصلاة في جماعة، وبراءة من النفاق لأنه تبرأ من سلوك المنافقين الذين إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى، أما هذا فيستعد ويتأهب ويحرص على حضور تكبيرة الإحرام.
стр. 180
التوبة واستغلال شهر رمضان بسائر الطاعات
نقول: لا بد من التوبة والندم على ما فات من التفريط؛ لأن النبي ﷺ قال: (الندم توبة)، والخير الذي يبتغيه عباد الله الصالحون على رأسه الصيام والقيام وقراءة القرآن، والاعتناء بالعشر الأواخر وذلك بتعميرها بالطاعات، والاجتهاد في تحري ليلة القدر، وكذلك الصلاة في جماعة، والانشغال بذكر الله وبدعائه ﵎، والعمرة في رمضان تعدل حجة مع النبي ﷺ ، والاعتكاف في بيوت الله، وتفطير الصائم، وأداء زكاة الفطر وزكاة المال -أيضاً- كما يفعل كثير من الناس، فهم يجعلون رمضان وقت إخراج الزكاة توسعة على إخوانهم المسلمون، وكذلك الجهاد في سبيل الله، فإن رمضان هو شهر الجهاد، كان فيه غزوة بدر، وكان فيه فتح مكة، وكان فيه موقعة عين جالوت وغير ذلك من المعارك التي انتصر فيها المسلمون في شهر رمضان المبارك.
وكذلك هو شهر الإنفاق والسخاء والجود وإكرام عباد الله ﵎، وهو شهر الكف عن أذى الخَلْق، بل هو شهر حسن الخُلُق مع الناس، حيث إن الصائم لا يرفث ولا يفسق ولا يسخط، وهو شهر التوبة من كل معصية، ورمضان هو شهر التربية الجماعية للأمة جمعاء، وهذه في الحقيقة ما زالت غصة في حلوق أعداء الإسلام لا يستطيعون القضاء عليها، حتى الشخص الذي أغراه الشيطان بالإفطار إذا خرج إلى الشارع يجد فيه الصائمين، وإذا ركب وسائل النقل يجد الصائمين، وفي الكلية وفي المتجر وفي المصنع يجد الصائمين، فهذه التربية الجماعية تجعله يعود إلى عقله ويثوب إلى رشده، فعلى الأقل يستحيي من المجاهرة، إلا أن يكون قد فقد الحياء بالكلية من الله ومن الناس.
إذاً رمضان مدرسة وفرصة ليصلح كل إنسان حاله مع الله ﵎.
وإذا كان التدخين عادة سيئة فرمضان أعظم فرصة للتوبة من هذه الخصلة القبيحة وغيرها مما ينبغي أن نتجنبه.
стр. 181
المكث بعد صلاة الفجر في المصلى حتى تطلع الشمس
إن من صور الخير الذي علينا أن نبتغيه ونقبل عليه ما جاء في صحيح مسلم عن النبي ﵌: (أنه كان إذا صلى الغداة جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس) فالإنسان إن كان قد قصر فيما مضى فإنه يحتاج إلى مجاهدة حتى تنقلب عادة الشر إلى عادة خير، ومن ذلك أن يجاهد نفسه على المكث في مصلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس لينال الأجر المترتب على ذلك الذي يقول فيه النبي ﵌: (من صلى الفجر في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كانت له أجر حجة وعمرة تامة تامة تامة).
стр. 182
أعمال بغاة الشر خلال شهر رمضان وصفاتهم
أما الفريق الآخر بغاة الشر والسوء والصد عن سبيل الله فتجد الملك ينادي عليهم ويقول: (يا باغي الشر! أقصر) كما يقول العوام للشخص حينما يتمادى في الإساءة: أقصر.
يعني: انته وكف عما تنويه من السوء في هذا الشهر العظيم.
стр. 183
تعمد الإفطار في نهار رمضان بغير عذر
من صفات بغاة الشر في رمضان -وهي من أقبح المظاهر في الحقيقة- تعمد الإفطار بغير عذر.
وهذه ظاهرة تجسد غربة الإسلام في هذا الزمان، فكثير من الناس انعدم عندهم الحياء من الله والحياء من المخلوقين، مع أن رسول الله ﵊ قال: (استح من الله كما تستحي رجلاً من صالح قومك) ونجد كثيراً من المستهترين يجهرون بالتدخين ويجهرون بالإفطار ولا يبالون، ونجد أصحاب المطاعم يفتحون المطاعم في رمضان.
ولو أن كل واحد منا عد نفسه مسئولاً عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حدود علمه لأغلق هؤلاء متاجرهم، لو أن هذا الفاسق الفاجر الذي يجهر بمبارزة الله بالطعام أو الشراب في نهار رمضان كلما قابل مسلماً قال له: اتق الله، إذا بليتم فاستتروا.
أو ذكر له هذا الحديث الذي نذكره في وعيد متعمد الإفطار فلا شك أنه في المرة الأولى إذا لم يستجب فقد يستجيب في الثانية.
فهذا العاصي لو قابله مسلم طائع لله وحذره وأنكر عليه فلا شك في أنه ستنتهي هذه الظاهرة، إذا دخلت إلى صاحب العصير أو المطعم وقلت له: اتق الله وارع حرمة هذا الشهر ونصحته فلعله ينزجر ويكف عن فسقه ومعاصيه، فلماذا نقصر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى هذا الحد؟ لو أن كل امرأة متبرجة وجدت من يقول لها: اتقي الله واستري نفسك وأنقذيها من النار أو غير ذلك لانكف الناس عن كثير من المنكرات.
وبعض الناس يتسترون وراء فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويقولون: لابد من أن يكون الإنسان عالماً وأن يكون كذا وكذا، ويذكرون عدة شروط للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ونقول: هناك قدر من المنكرات لا يجهلها أحد ولا تحتاج إلى فقه، مثل شرب الخمر وتضييع الصلاة والتبرج والربا، كل هذه المعاصي ظاهرة وواضحة، فيجب علينا متى ما استطعنا وفي كل فرصة أن نأمر بالمعروف وأن ننهى عن المنكر، ولا نتخذ فقه وآداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أداة نعلق عليها كسلنا وتراخينا في أداء واجبنا نحو ربنا ونحو ديننا.
فكل إنسان مسئول ينبغي أن يبلغ بقدر استطاعته، وينكر على من يجهر بالمعاصي سواء في رمضان أو في غير رمضان.
عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (بينما أنا نائم أتاني رجلان فأخذا بضبعي، فأتيا بي جبلاً وعراً فقالا: اصعد، فقلت: إني لا أطيقه، فقالا: سنسهله لك، فصعدت حتى إذا كنت في سواد الجبل إذا بأصوات شديدة، قلت: ما هذه الأصوات؟ قالا: هذا عواء أهل النار، ثم انطلقا بي فإذا أنا بقوم معلقين بعراقيبهم مشققة أشداقهم تسيل أشداقهم دماً، قال: قلت: من هؤلاء؟ قالا: الذين يفطرون قبل تحلة صومهم).
فإذا تأملنا هذا الحديث فإن فيه وعيداً شديداً لمن يتعمد الإفطار في شهر رمضان.
فقوله ﵊: (بينما أنا نائم أتاني رجلان) معلوم أن رؤيا الأنبياء وحي، فهذا صورة من صور الوحي.
قوله: (فأخذا بضبعي) يعني: أخذا بعضدي.
قال: (فأتيا بي جبلاً وعراً فقالا: اصعد.
فقلت: إني لا أطيقه، فقالا: سنسهله لك، فصعدت حتى إذا كنت في سواد الجبل إذا بأصوات شديدة قلت: ما هذه الأصوات؟ قالا: هذا عواء أهل النار، ثم انطلقا بي فإذا أنا بقوم معلقين بعراقيبهم مشققة أشداقهم تسيل أشداقهم دماً -وهي جوانب الفم- قال: قلت: من هؤلاء؟ قالا: الذين يفطرون قبل تحلة صومهم).
تأمل جيداً قوله: (قبل تحلة صومهم) فمعناه أن هؤلاء يصومون لكنهم يفطرون قبل غروب الشمس، فإذا كان هذا عذاب من يتعجل الإفطار قبل أوانه قبل تحلة الصوم فكيف بمن لا يصومه كله؟! كيف بمن يفطر اليوم بل الشهر كله ولا حظ له في الصيام؟! أما ما يروى عن النبي ﵌ أنه قال: (من أفطر يوماً من رمضان متعمداً لا يجزئه صيام شهر وإن صامه) فهذا حديث ضعيف لا يصح عن النبي ﵌.
وأيضاً ثبت في الحديث الصحيح قول رسول الله ﷺ : (ثلاث أحلف عليهن) وذكر منهن قوله: (لا يجعل الله من له سهم في الإسلام كمن لا سهم له، وأسهم الإسلام ثلاثة: الصلاة، والصوم، والزكاة).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: من أفطر عامداً بغير عذر كان تفويته له من الكبائر.
وحكي عن الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى أنه قال: وعند المؤمنين مقرر أن من ترك صوم رمضان بلا عذر أنه شر من الزاني ومدمن الخمر، بل يشكون في إسلامه ويظنون به الزندقة والإخلال.
وأحسن بعض إخواننا حيث كانوا يضمون هذه العبارة إلى عبارة الحافظ ابن القيم ويكتبونها بخط جميل على أوراق كبيرة مكبرة ويلصقونها ويعلقونها في المداخل والمخارج والأسواق وعند المحلات زجراً للناس عن هاتين المعصيتين: تعمد الإفطار، وترك الصلاة المكتوبة.
فيا حبذا لو أحيا الإخوة هذه السنة وأعادوا تذكير الناس بهذه العبارات، ولا تعلق داخل المساجد؛ لأن هذا تحصيل حاصل، فالذي يأتي للمسجد يصوم ويصلي؛ لأن الذي يصلي لا يمكن أن يتصور أنه لا يصوم؛ لأن من حافظ على الصلاة سهلت عليه كل العبادات الأخرى، ومن ضيعها كان لما سواها أضيع.
فيصعب أن تجد شخصاً يحافظ على الصلاة ثم لا يصوم، لكن قد تجد من يحرص على الصيام ولكنه -ولا حول ولا قوة إلا بالله- لا يصلي.
стр. 184
ترك الصلاة عمداً
إن بغاة الشر في رمضان للأسف الشديد كثيرون، ومن أسوئهم وأقبحهم هؤلاء الذين يضيعون أعظم فريضة في الإسلام، ألا وهي فريضة الصلاة التي هي عمود هذا الدين وثانية العبادات وناهية عن السيئات، يقول ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥] فنجد من يترك الصلاة بالكلية ويحسب أنه على شيء، والنبي ﷺ يقول: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن ترك الصلاة فقد كفر).
ودعنا من الخلاف بين العلماء هل تارك الصلاة كافر كفراً أكبر يخرج من الملة وأنه إذا مات مصراً على تركها فإنه لا يورث ولا يغسل ولا يدفن في مقابر المسلمين ولا يجوز الدعاء له بالمغفرة، أو أنه مسلم عاص فاسق بفعله؟ وإنما أهمس فقط في أذن هذا الذي يترك الصلاة ويستأنس بقول من يقول له: إنك مسلم عاص.
فهل تقبل أن يكون انتسابك إلى أمة محمد ﷺ وإلى دين محمد ﷺ موضع خلاف بين العلماء؟! فعالم يقول عنك: أنت مسلم فاسق شر من الزاني والسارق وشارب الخمر وآكل الربا وقاتل النفس التي حرم الله، أنت شر من هؤلاء كلهم ومعرض لسخط الله وعقوبته في الدنيا والآخرة، وآخر يقول: بل أنت مثل أبي جهل وأبي لهب وفرعون وهامان وقارون وإخوانهم من أعداء الله! فهل تقبل أن يكون انتسابك إلى الإسلام محل خلاف العلماء؟! ومن يقبل لنفسه هذا الوضع؟! يقول ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه القيم (الصلاة وحكم تاركها) في تحقيق هذه المسألة -وقد انتهى إلى تكفير تارك الصلاة كفراً أكبر- يقول رحمه الله تعالى: لا يختلف المسلمون أن ترك الصلاة المفروضة عمداً من أعظم الذنوب وأكبر الكبائر، وأن إثمه عند الله أعظم من إثم قتل النفس وأخذ الأموال، ومن إثم الزنا والسرقة وشرب الخمر، وأنه متعرض لعقوبة الله وسخطه وخزيه في الدنيا والآخرة.
فهذا متفق عليه بين جميع علماء المسلمين، ولا خلاف في ذلك أبداً.
وقد تجد تارك الصلاة يتمدح بأنه يتعفف عن الزنا، أو أنه إذا اتهم بأنه سارق يشمخ بأنفه ويقول: كيف أكون سارقاً؟! ويغضب بسبب ذلك، أو غير ذلك من الذنوب كقتل النفس أو شرب الخمر أو غير ذلك، وهو لا يدري أن المصيبة التي ابتلي بها أشد من كل هذه المعاصي مجتمعة.
نعجب لتارك الصلاة كيف يتمتع بنعم الله وبعافية الله وبرزق الله ! فخير الله إليه نازل وشره إليه صاعد.
فالإنسان من غير صلاة لا خير فيه، ولا خير في دين لا صلاة فيه.
قال أمير المؤمنين: (ألا وإن أهم أموركم عندي الصلاة، فمن ترك الصلاة فقد كفر).
إذاً فشهر رمضان فرصة عظيمة جداً لبغاة الخير أن يأمروا بغاة الشر ممن يصرون على ترك الصلاة أن يفتحوا صفحة جديدة، وأن يتوبوا إلى الله عز ويؤدوا الصلاة لله ﵎.
стр. 185
حكم منع إخراج الزكاة الواجبة وما يترتب على المنع
جاء في الحديث السابق أن أسهم الإسلام ثلاثة: الصلاة، والصوم، والزكاة، وتكلمنا عن تارك الصلاة ومتعمد الإفطار في رمضان، والآن نمر مروراً عابراً على منع الزكاة.
إن كثيراً من الناس يخرجون زكاتهم في هذا الشهر المبارك، فننتهز الفرصة، ونذكر بخطأ يفعله كثير من الناس في قضية إخراج الزكاة، فبعض الناس يتصور أن إخراج الزكاة هي زكاة الفطر فقط، وإذا قلت له: إن عليك زكاة في مالك بشروط وهي كذا وكذا يقول لك: أنا أتصدق بين وقت وآخر وأعطي الفقراء والمساكين وأجود عليهم وأنفق عليهم! ويظن أنه بذلك يكون قد أدى الزكاة، كلا، فأداء الزكاة عبادة من العبادات لابد فيها من نية إخراج فريضة الزكاة.
ولابد من الالتزام بالمقدار المحدد لكل نوع من الأنواع الذي تجب فيه الزكاة، سواء في ذلك زكاة الذهب والفضة، وسواء في ذلك زكاة الحلي والأواني والصحف الذهبية والفضية، وخاصة ما اتخذ كنزاً للاقتناء، أو زكاة الثروة التجارية والزراعية، أو زكاة المستغلات كالعمارات والمصانع ونحو ذلك، أو زكاة الثروة الحيوانية كالإبل والبقر والغنم، وما إلى ذلك.
فكل نوع له مقدار محدد من الزكوات ينبغي الالتزام به، أما العشوائية في إخراج الزكاة بأن تقول: أنا بين وقت وآخر أتصدق على الفقراء بما ييسر الله فهذا لا يصح، فلابد من أن تضبط الزكاة ضبطاً دقيقاً في مواعيد محددة وبمقدار محدد، وتلتزم بذلك، وإلا فقد ورد الترهيب الشديد لمنع الزكاة.
يقول : ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة:٣٤ - ٣٥]، ويقول ﷺ في حديث طويل: (ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فيحمى عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار) إلى آخر الحديث.
وورد ضمن حديث طويل قال: (ولاوي الصدقة ملعون على لسان محمد ﷺ .
قوله: (لاوي الصدقة) يعني المماطل في أداء الزكاة، فإنه ملعون على لسان رسول الله ﵌.
فإذا كان لك مال استوفى شروط الزكاة كاملة فإن لله فيه حقاً، قال : ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج:٢٤ - ٢٥] فهذا المال ليس ملكاً لك، بل حق الله ، فإذا لم تؤد الزكاة وبخلت بها فالله ﵎ قادر على أن يعاقبك أشد العقوبة.
يقول ﵊: (مانع الزكاة يوم القيامة في النار)، ويقول ﵊: (ما منع قوم الزكاة إلا ابتلاهم الله بالسنين) والسنون جمع سنة، وهي الجدب والقحط وعدم نزول المطر، وقال في رواية أخرى: (ولا منع قوم الزكاة إلا حبس الله عنهم القطر) وقال ﵊: (ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا).
فمنع الزكاة معصية خطيرة جداً، ويخشى على الشخص الذي يمنع الزكاة أن تمحق بركة ماله لكفره بنعمة الله، فهذا المال الذي فيه حق الفقراء والمساكين من الزكاة ليس ملكك، فإذا أتى أوانه فهو حق هؤلاء الفقراء ولا ينبغي لك تأخيره أبداً، بل لا بد من أن تعجل بأدائه إلى أصحابه.
وأذكر هنا قصة طيبة لأحد الناس: كان هناك رجل من الناس الطيبين في الإسكندرية، وهذا الرجل كان يتمتع بالصحة والعافية وفي خير حال، وقبل أن ينام مباشرة أنطقه الله ﵎ فقال لزوجته: هذا المال -وأشار إلى مبلغ معين من المال- هو الزكاة التي ستجب علي بعد يومين أو ثلاثة، فإذا أتى وقت الزكاة فأخرجوها، وحذار أن يقربها أحد منكم، فإن هذا ليس مالنا.
ونام الرجل على وسادته ولم يقم من نومه، بل أفضى إلى ربه ﵎ في نفس تلك الليلة.
فهذه -إن شاء الله- من علامات حسن الخاتمة.
وهناك قصة حكاها بعض الشيوخ على عكس الأولى، أن أحد القضاة الشرعيين حدثه أن رجلاً جاءه في الحجاز يشتكي من أن صاعقة نزلت على غنمه فأتلفت منها أكثر من سبعمائة رأس من الغنم، وأتى إلى المحكمة وطلب تسجيل هذه الجائحة أو الواقعة كي يعوض فيما بعد عن خسائره، وأخذ هذا الرجل يتردد على المحكمة حتى يثبت هذه المصيبة التي وقعت به ويصرف له تعويض عن هذه الخسارة.
وفي يوم من الأيام قال له القاضي ذات مرة: لعلك لا تخرج زكاة هذه الأغنام؟! قال القاضي: فرأيت الرجل لما قلت له ذلك قد تغير وظهرت عليه علامة التأثر مما قلت، ثم خرج من عندي ولم يعد بعدها إلى المطالبة بالتعويض.
لأن هذه الكلمة وقعت في قلب هذا الرجل، وعلم أن ما أصابه من الصاعقة التي نزلت من السماء وأتلفت سبعمائة رأس من الأغنام إنما هي بسبب عدم إخراج الزكاة، فزهد في هذا التعويض الذي كان يسعى إليه؛ لأن هذا حكم عادل من الله ﵎.
إذاً: إذا بخلت ولم تخرج زكاة المال فإن الله قادر على أن يتلف عليك كل هذا المال من أوله إلى آخره، ويبتليك بالمصائب والبلايا.
стр. 186
الآثار المترتبة على إخراج الزكاة الواجبة
إن الزكاة تنمية وبركة وتطهير للمال كله، فقد قال ﵊: (من أدى زكاة ماله فقد ذهب عنه شره) وقال في حديث آخر: (داووا مرضاكم بالصدقة) وقال ﵊: (والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار) وقال ﵊: (ظل المؤمن يوم القيامة صدقته) وقال ﵊: (صنائع المعروف تقي مصارع السوء) فقوله: (صنائع المعروف) أي: الإحسان إلى الناس.
وكما ذكرنا أنموذج شؤم عدم إخراج الزكاة نذكر أنموذجاً من بركة إخراج الزكاة على صاحبها.
جاء في الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعاً إلى النبي ﷺ أنه قال: (بينا رجل في فلاة من الأرض إذ سمع صوتاً في سحابة: اسق حديقة فلان -والحديقة هي البستان إذا كان عليه حائط- فتنحى ذلك السحاب فأفرغ ماءه في حرة -والحرة: هي الأرض التي بها حجارة سود- فإذا شرجة من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كله -والشرجة: هي مسيل الماء إلى الأرض السهلة- فتتبع الماء، فإذا رجل قائم في حديقة يحول الماء بمسحاته -وهي المجرفة من الحديد- فقال له: يا عبد الله! ما اسمك؟ قال: فلان.
للاسم الذي سمع من السحابة.
فقال له: يا عبد الله! لم سألتني عن اسمي؟ قال: إني سمعت صوتاً في السحاب الذي هذا ماؤه يقول: اسق حديقة فلان باسمك، فما تصنع فيها؟) يعني: ما الذي تصنعه حتى استحققت به أن يقال للملك: اسق حديقة فلان، فأتت السحابة وأمطرت الماء في حديقتك أنت؟! قال: (فما تصنع فيها؟! قال: أما إذ قلت هذا فإني أنظر إلى ما يخرج منها فأتصدق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثاً، وأرد فيها ثلثه) وهذا الحديث رواه مسلم.
стр. 187
دعوة إلى الإقبال على الطاعات والابتعاد عن المعاصي والمنكرات
إن ما سبق ذكره هو من وجوه الخير، فمن كان باغياً للخير فليقبل على عملها، وأما باغي الشر الذي يضيع الصلاة أو الصيام أو الزكاة فليقصر، كما أُمر بذلك في بداية شهر رمضان المبارك.
فعلى الإنسان أن يعقد النية والعزم على أن يستقبل هذا الشهر مقصراً عن المعاصي متخلياً عنها، متحلياً بالطاعات ومكثراً منها، فيتجنب كل ما يفتنه في دينه كالاختلاط، وكقراءة المجلات الخليعة والجرائد المؤذية.
وكذلك إطلاق البصر من الشر، وسماه النبي ﷺ زنا العين فقال: (والعين تزني وزناها النظر) فالنظر إلى ما حرم الله مثل الأفلام الخليعة والمتبرجات والمذيعات كل هذا إفساد لثوابك وصد لك عن سبيل الله ﵎، وتذكر حينما ترى هؤلاء الشياطين قول الله ﵎: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف:٢٨]، ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى * فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ [طه:١٥ - ١٦]، فأولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا * يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء:٢٧ - ٢٨].
وتذكر قول رسول الله ﵌: (إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد ناراً فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها أو يتقحمن في هذه النار، فجعل الرجل يذبهن بيده -أي: يطرد الفراشات التي يجذبها الضوء حتى لا تحترق-، وأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تفلتون من يدي) ﵊، كيف وقد قال الله عنه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] ﵌.
فالله يريد أن يرحمنا ويريد أن يتوب علينا، وهؤلاء يريدون أن يهلكونا ويفسدوا علينا ديننا ويقطعوا علينا الطريق إلى ربنا .
стр. 188
طرق معالجة ظاهرة تضييع صلاة الجماعة في رمضان وتضييع الأوقات
مما يؤسف له أن في رمضان الذي هو موسم الطاعات نجد ظاهرة مؤسفة جداً، وهي أن الأذان لم يصبح اسمه أذاناً، بل صار بدله المدفع، كأن هذا المدفع هو ساعة الصفر لكي يبدأ الهجوم لاكتساح ما لذ وطاب من الطعام والشراب، مما جعلهم لا يلتفتون إلى الأذان، فالمؤذن يقول: حي على الصلاة، حي على الفلاح، هلموا إلى طاعة الله وإلى تعمير بيت الله وإذا بهم في صلاة المغرب في كثير من المساجد لا يصلي إلا عدد أو نفر قليل جداً منهم، وذلك بسبب أنهم يجلسون على الموائد ويأكلون ويشربون ثم يضيعون صلاة الجماعة.
فإذا كان رمضان وهو موسم الخير ومضاعفة الأعمال الصالحة يحصل منا فيه هذا الأمر السيئ والقبيح، وربما يكون سبب هذه الفتنة عند كثير من الناس أن شياطين الإنس عبر (التلفزيون) يجتذبون الناس مباشرة عقب ما يسمى بالمدفع ويفتنوهم عن دينهم بالفوازير وباللهو وبالعبث والفجور، حتى إن بعضهم قد يجمع المغرب مع العشاء جمع تأخير، أو يسهر إلى ما قبل صلاة الفجر أمام (التلفزيون) فإذا كان الأمر كذلك فأين ستكون صلاة الفجر في جدوله إذا كان يمكث من المغرب حتى الساعة السادسة صباحاً؟! هذا إن كان يصلي صلاة الفجر.
فهذا إتلاف وإفساد للدين، فطهروا بيوتكم من هذا الجهاز الخبيث الذي يصدكم عن طاعة ربكم ﵎ ويفسد أخلاقكم وأديانكم، فهو شؤم في شؤم.
وإذا أذن لصلاة المغرب فيحبذ أن يفطر الصائم على شيء خفيف جداً، على تمر أو شيء يسير، ويا حبذا لو كان الإفطار في المسجد حتى ينال الذين يحضرون الإفطار أجر تفطير الصائم، ومن يفطر في بيته ينبغي أن يكون أمامه مهلة عشر دقائق بين الأذان والإقامة، ثم تقام الصلاة بتمهل بعد إذهاب سورة الجوع التي قد تذهب بألباب بعض الناس حتى يصلوا صلاة المغرب باطمئنان؛ لأن أكثر الناس يصلون صلاة المغرب بسرعة ينقرونها نقراً ولا يقيمونها.
وكون وقت الإفطار لمدة عشر دقائق بين الأذان والإقامة ثم تقام الصلاة بالميكرفونات حتى يحضر الناس من البيوت الذين لم يأتوا بعد أمر طيب.
كذلك علينا أن نقوم بحملة كبيرة من أجل دعوة الناس إلى تعمير المسجد بصلاة المغرب وغيرها من الصلوات، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة:١٨] فظاهرة تضييع صلاة الجماعة في المغرب خصوصاً منتشرة، فعلى الإخوة أن يتعاونوا في ذلك.
والإفراط في السهر يؤدي إلى تضييع صلاة الفجر، وهذا -أيضاً- من الشر، وكذلك قول الزور والعمل به مما يفعله بغاة الشر، والمجاهرة بالفطر وقد ذكرناها، وأكل الربا، واللهو، والنميمة، والكذب إلى غير ذلك مما حرم الله ﵎، فكل ذلك ينبغي الحث على تركه.
стр. 189
كيفية استقبال شهر رمضان
إن خير الهدي هدي محمد ﵌، وكان من هدي النبي ﷺ أنه لما دخل رمضان خطب في أصحابه ﵁ منبهاً إياهم إلى هذا الموسم المبارك، كما روى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أتاكم شهر رمضان شهر مبارك، فرض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه مردة الشياطين، لله فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم) وإنما كان ذلك في أول ليلة من شهر رمضان.
أي: إذا ظهرت الرؤية وبان لنا أن هذه ليلة هي أول ليلة من شهر رمضان فينبغي لمن كان من بغاة الخير ويريد أن يصوم رمضان كله إيماناً واحتساباً حتى يغفر له ما تقدم من ذنبه وما تقدم أن يحذر من أن يفوته قيام الليلة الأولى من رمضان، إذ أغلب الناس يعمرون المساجد بصلاة القيام غالباً في اليوم الثاني من رمضان.
والغالب أن الرؤية لهلال رمضان تكون متأخرة، وربما تكون أحياناً بعد صلاة العشاء، فبعض الناس لا يسرعون إلى المساجد لصلاة القيام ولا يصلونها -أيضاً- في البيوت في الغالب، فيفوتون على أنفسهم هذا الثواب العظيم.
فعلى الإخوة -أيضاً- أن ينبهوا الناس إذا ظهرت الرؤية وثبت هلال رمضان حتى يفزعوا إلى المسجد ويدركوا صلاة القيام حتى لا يفوتهم هذا الفضل العظيم.
стр. 190
ضرورة اغتنام التوبة والاستغفار والإنابة خلال شهر رمضان وغيره
إن من أعظم الوظائف التي سنتكلم عنها باختصار -إن شاء الله- هي وظيفة التوبة إلى الله ﵎؛ لأن شهر رمضان موسم التوبة والاستغفار، وموسم الصلح مع الله .
والاستغفار يكون في افتتاح كثير من العبادات وخواتيمها، ففي استفتاح الصلاة تقول: (اللهم! باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم! نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم! اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد) وهذا استغفار.
كذلك في خطبة الحاجة في أول الكلام: (إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره).
وكذلك في خواتيم الأعمال، كما في كفارة المجلس تقول: (سبحانك -اللهم ربنا- وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك).
وفي خاتمة عمره الشريف ﷺ أمره الله ﵎ به فقال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:١ - ٣].
وفي خواتيم أفعال الحج قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة:١٩٩].
стр. 191
إحسان الظن بالله والتوبة إليه والطمع في رحمته
إن وظيفة العمر كله هي وظيفة التوبة والإنابة إلى الله ﵎، ولن يعزم العبد على التوبة والاستقامة إلا إذا كان يحسن الظن بربه ﵎، فيجب أن نقبل على هذا الشهر ونحن نحسن الظن بالله في أن من عاد إليه وتاب إليه تاب الله عليه، ومن استغفره غفر له ﵎.
فمهما بلغ الإنسان من التقصير في طاعة الله فلابد له من أن يغتنم هذا الموسم العظيم، وأن يطمع في رحمة الله طمعاً لا مزيد عليه، فإن خزائنه لا تنفد.
يقول ﴿إِِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣].
وضرب بعض العلماء مثلاً في حسن الظن بالله ﵎ وفي رحمة الله بعباده فقال: أرأيت لو أن ولداً كان يعيش في كنف أبيه يغذيه بأطيب الطعام والشراب، ويلبسه أحسن الثياب، ويربيه أحسن التربية، ويعطيه النفقة، وهو القائم بمصالحه كلها، فبعثه أبوه يوماً في حاجة، فخرج عليه عدو في الطريق فأسره وشد وثاقه، ثم ذهب به هذا العدو إلى بلاد الأعداء، وصار يعامله بعكس ما كان يعامله به أبوه، فكان كلما تذكر تربية أبيه وإحسانه إليه المرة بعد المرة تهيجت من قلبه لوعة الحسرات، وتذكر ما كان فيه من النعيم، فبينما هو في أسر عدوه يسومه سوء العذاب ويريد ذبحه في نهاية المطاف إذ حانت منه التفاتة نحو ديار أبيه، فرأى أباه منه قريباً، فسعى إليه وألقى بنفسه عليه وانطرح بين يديه يستغيث: يا أبتاه، يا أبتاه، يا أبتاه! انظر إلى الولد وما هو فيه، والدموع تسيل على خديه، وهو قد اعتنق أباه والتزمه، وعدوه يشتد في طلبه، حتى وقف على رأسه وهو ملتزم بوالده ممسك به، هل تقول: إن والده سيسلمه في هذه الحال إلى عدوه ويخلي بينه وبينه؟! فما الظن بمن هو أرحم بعبده من الوالد بولده ومن الوالدة بولدها إذا فر عبد إليه سبحانه وهرب من عدوه إليه وألقى بنفسه طريحاً ببابه يمرغ خده في ثرى أعتابه، باكياً بين يديه، يقول: يا رب! ارحم من لا راحم له سواك، ولا ناصر له سواك، ولا مؤوي له سواك، ولا معين له سواك، مسكينك وفقيرك وسائلك، أنت معاذه وبك ملاذه، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك! كان أحد الصالحين يسير في بعض الطرقات، فرأى باباً قد فتح، وخرج منه صبي يستغيث ويبكي وأمه خلفه تطرده، حتى خرج فأغلقت الباب في وجهه ودخلت، فذهب الصبي غير بعيد ثم وقف مفكراً أين يذهب؟ فلم يجد له مأوى غير البيت الذي أخرج منه، ولم يجد من يؤويه غير والدته، فرجع مكسور القلب حزيناً، فوجد الباب مغلقاً فتوسده ووضع خده على عتبة الباب ونام ودموعه على خديه، فخرجت أمه بعد حين فلما رأته على تلك الحال لم تملك أن رمت بنفسها عليه والتزمته تقبله وتبكي وتقول: يا ولدي أين ذهبت عني؟! من يؤويك سواي؟! ألم أقل لك: لا تخالفني ولا تحملني على عقوبتك بخلاف ما جبلني الله عليه من الرحمة بك والشفقة عليك؟! ثم أخذته ودخلت.
بل نتذكر قول رسول الله ﵌ لما أظلت امرأة من السبي ولداً لها، فلما رأته ألقت بنفسها عليه وأخذت تضمه إليها وتبكي، ثم قال ﵊ لأصحابه: (أترون هذه طارحة ولدها في النار؟ فقالوا: لا، فقال ﵊: لله أرحم بعباده من هذه بولدها).
فالله ﵎ يحب التوابين ويحب المتطهرين، ويرحب بالعائدين إليه، فمن تاب إليه تاب عليه.
فعلينا أن نستحضر هذا المعنى جيداً ونحن نستقبل هذا الشهر، ولا تصرفنا المعاصي والشهوات عن الطمع في رحمة الله ﵎؛ فإن خزائنه لا تنفد.
يقول النبي ﷺ : (إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس؛ فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة، وسقفه عرش الرحمن) ومعنى هذا أن يكون عندنا علو في الهمة، فإذا طلبت فلا تستعظم على الله شيئاً، بل اطلب ما شئت من الله، فإذا سألت الله فاسأل الفردوس؛ فإنه أعلى الجنة وأعظم وأشرف مقام في الجنة.
стр. 192
آيات الرجاء في القرآن
يقول الله ﵎: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣].
اختلف العلماء في أي آية في القرآن أرجى، حتى يتعلق بها العصاة ويأملوا في رحمة ويطمعوا في كرم الله .
ونشير إشارات سريعة إلى اختلاف العلماء في هذا الأمر.
قال بعض العلماء: إنها قوله ﵎: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر:٣٢] فقالوا: حق لهذه الواو أن تكتب بماء العين؛ لأن الواو تشمل هؤلاء جميعاً، فهذه أرجى آية في القرآن.
ومنهم من قال: إن أرجى آية في القرآن قوله ﵎: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٢٢] قال: لأن هذه الآية نزلت في مسطح لما خاض في حديث الإفك، فمنع أبو بكر عنه النفقة، فدلت هذه الآية على أن معصيته بقذف أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها لم تحبط هجرته في سبيل الله، فقالوا: هذه -أيضاً- من آيات الرجاء.
ومن العلماء من قال: إن أرجى آية في القرآن هي آية الدين، وهي أطول آية في القرآن، وذلك لأن الله أنزل فيها تلك الأحكام الجامعة العظيمة من أجل حفظ حق المسلم ورعاية مصلحته، فدل على أن عناية الله ورحمته بعبده في الآخرة أوسع وأعظم من هذا بكثير.
وقال بعضهم: أرجى آية قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى:٥]؛ لأن الرسول ﵊ سيشفع فيمن يستحق الشفاعة ويرضيه ربه ﵎ برحمتهم وإخراجهم من النار.
стр. 193
العزم الصادق على التوبة
يقول في الحديث القدسي: (من علم أني ذو قدرة على مغفرة الذنوب غفرت له ولا أبالي ما لم يشرك بي شيئاً)، وقال : (يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم! لو أنك أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة).
فالضمان الأكيد للتوبة الصادقة هي أن تستوفي الشروط الصحيحة، يقول الله : ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١] وهذا أمر، وظاهر الأمر الوجوب، فتجب التوبة من كل ذنب، ليس هذا فحسب، بل قال بعض العلماء: تسويف التوبة ذنب تجب التوبة منه.
إن من رحمة الله عليك أن سد عليك باب اليأس وقرنه بالكفر، يقول : ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧] فهو سبحانه يسد عليك باب اللجوء إلى غيره ويفتح لك باب التوبة، ويأمرك بتعجيل التوبة حتى يعجل رحمته إياك.
ويقول : ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات:١١].
ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم:٨].
ويقول : ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ﴾ [الحجر:٤٩ - ٥٠].
стр. 194
شروط التوبة
الشرط الأول: الإقلاع عن الذنب فوراً بلا تأجيل، بحيث يكون الانكفاف عن المعصية لله ولوجه الله ﵎؛ لأن بعض الناس قد يترك الذنب لعدم القدرة عليه، أو يتركه خوفاً من كلام الناس، أو خوفاً على سمعته وجاهه، أو حرصاً على وظيفة، أو يترك الذنوب بنية حفظ صحته وقوته، أو خشية من الأمراض لا لوجه الله، فهذه لا تسمى توبة ولا يثاب عليها، أو يتركها لأنه صار مفلساً، أو يترك -مثلاً- أخذ الرشوة لأنه يخشى أن يكون هذا الشخص الذي سيعطيه الرشوة من قسم مكافحة الكسب المحرم.
فهو لا يتركها لأنها حرام ولا يتركها لوجه الله، لكن يخشى أن يكون هذا مسلطاً عليه.
إذاً: فأول هذه الشروط الإقلاع عن الذنب فوراً خشية من الله تعالى لا لسبب آخر.
الشرط الثاني: الندم على ما فات، فلابد من أن يندم على ما مضى، أما أن يتذكر ما مضى من المعاصي بفرح وسرور وبدون أي شائبة من الندم فليست هذه توبة.
فالندم توبة، فالعاجز المتمني بالقول مثل الفاعل، كما جاء في الحديث في شأن الرجل الذي يقول: لو أن لي مثل مال فلان لعملت مثل ما يعمل فلان، فقال ﵊:: (فهما في الوزر سواء).
الشرط الثالث: العزم على عدم العودة، فيعزم عزماً أكيداً على أن لا يعود.
الشرط الرابع: إرجاع حقوق من ظلمهم، أو طلب الإبراء منهم، يقول ﵊: (من كانت لأخيه عنده مظلمة من عرض أو مال فليتحلله اليوم قبل أن لا يكون ثم دينار ولا درهم، إنما هي الحسنات والسيئات).
الشرط الخامس: أن تكون التوبة قبل حدوث الموت والغرغرة، يقول ﵊: (من تاب إلى الله قبل أن يغرغر قبل الله منه).
وقال ﵊: (من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه) ومن ثم استحب النبي ﵌ صلاة التوبة، فصح فيها الحديث: (ما من رجل يذنب ذنباً ثم يقوم ويتطهر ويحسن الوضوء ثم يصلي ركعتين -في بعض الروايات: لا يسهو فيهما، وفي رواية أخرى: لا يحدث فيهما نفسه، وفي لفظ آخر: يحسن فيهما الذكر والخشوع- ثم يستغفر الله إلا غفر الله له -وفي رواية: إلا وجبت له الجنة-، ثم تلا رسول الله ﵌ هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥]).
وهناك حديث -أيضاً- عن النبي ﵌ مما يناسب المقام: (جاء شيخ كبير هرم قد سقط حاجباه على عينيه وهو يدعم على عصاً حتى قام بين يدي النبي ﵌، فقال: أرأيت رجلاً عمل الذنوب كلها فلم يترك منها شيئاً، وهو في ذلك لم يترك حاجة ولا داجة -يعني: لا صغيرة ولا كبيرة- إلا أتاها -وفي رواية: إلا اقتطعها بيمينه- لو قسمت خطيئته بين أهل الأرض لأوبقتهم -يعني: لأهلكتهم- فهل لذلك من توبة؟ قال: هل أسلمت؟ قال: أما أنا فأشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله.
قال: تفعل الخيرات وتترك السيئات فيجعلهن الله لك خيرات كلهن.
فقال: وغدراتي وفجراتي! قال: نعم.
قال: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.
فلم يزل يكبر حتى توارى) فرحاً بهذه البشرى منه ﵌.
فلنبشر جميعاً بتوبة الله إذا عزمنا على ذلك والتزمنا بشروط هذه التوبة، ولنهيئ أنفسنا ولنستغفر من الآن بكل ما أمكننا في كيفية استقبال هذا الشهر الكريم؟! وكيف نعمره بطاعة الله، وكيف نصل إلى مرحلة بحيث إذا انتهى رمضان وأخبرت أنك ستموت غداً، تقول: ما بقي شيء أستطيع أن أعمله، قد فعلت كل ما في وسعي.
ولنعلم أنه بعدما يخرج رمضان وينقضي يذهب كل التعب والنصب والسهر والعطش والجوع ويبقى الأجر، أما أصحاب اللهو فيذهب اللهو ويثبت عليهم الوزر، والعياذ بالله.
فالمقصود أنه ينبغي أن نذكر لهذا وأن نستعد له ونعد له العدة؛ حتى لا نفعل كما يفعل بعض الناس حين يندم على فوات الفرصة ويقول: إن شاء الله تعالى في السنة القادمة سيكون رمضان شهر طاعة وعبادة، وبالنسبة لي سأفعل كذا وكذا.
ويسوف.
نقول: الأماني هي بضاعة المفاليس والحمقى، لكن نحن الآن على وشك الدخول في شهر رمضان، وهب أن الأيام التي مضت كانت رمضان وكنت مقصراً فيها، فانو من الآن أنه إذا دخل رمضان بعد أيام قلائل فسوف تستعد له أتم الاستعداد.
اللهم! أقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وبأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا.
سبحانك -اللهم- ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
стр. 195
تحرير المرأة
إن المرأة المسلمة لها مكانتها في الإسلام، فحين جاء الإسلام رفعها من وحل الجاهلية إلى عز الكرامة والرفعة، فقد كانت توأد في الجاهلية، ولا تعطى ميراثاً، بل كانت تورث كبقية المتاع.
ولقد ابتليت المرأة في هذا الزمان بمن يسمون دعاة تحرير المرأة، يريدون أن يسلبوا كرامتها وينزلوها من مكانتها، وقد نتج عن هذه الدعوة فساد الأخلاق وغياب القيم وغير ذلك من المفاسد، ولهذا يجب على كل المسلمين الحذر من هذه الدعوة الهدامة المستوردة من الغرب أعداء الإسلام.
стр. 196
احتفال دعاة تحرير المرأة بمرور مائة عام على تأسيس دعوتهم الهدامة
الحمد لله الذي جعل عز الكافرين بعز التوحيد والإسلام مطموساً، وأذل بقهره منهم أعناقاً ورءوساً، وصرف عن أهل طاعته بلطفه وإسعاده أذىً وبوساً، ورفع كيد شياطين الإنس والجن عن قلوب أهل الإيمان فأصبح عنها محبوساً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة مخلص في معتقده، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه وعلى سائر التابعين مقصده، الصابرين من البلاء على أشده.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
إن هناك بعض مجموعة كتيبات لبعض الصحفيين بعنوان (سنة أولى سجن)، (سنة ثانية سجن) وهكذا، فحق لمحاضرتنا أن يعنون لها (سنة مائة تحرير)، أو بالأحرى (سنة مائة سجن)، أي: السنة المائة من استعباد المرأة وسجنها في هذه الدعوة المشئومة، وهذه هي المرة الأولى التي تحتفل فيها مصر أو أية دولة أخرى بمرور مائة سنة على صدور كتاب، ولم يحصل أن احتفل بمرور قرن على صدور كتاب، وهم يسمونه (الاحتفال بمرور مائة عام على تحرير المرأة) وهذا عنوان غير صحيح، إنما هو على صدور كتاب (تحرير المرأة)، فإذا كان عنوان المحاضرة (تحرير المرأة من البذر إلى الحصاد) فالمفروض أن نرجع قرنين إلى الوراء وليس فقط قرناً واحداً، وبالضبط إلى تاريخ (٢١/ ١٠/١٧٩٨م) حيث كانت البذرة الأولى لتحرير المرأة كما سنبين إن شاء الله تعالى، فأقامت مصر جنازة حارة، أو بتعبير آخر: ذكرى حارة لصدور هذا الكتاب، وانضم عام (١٨٩٩م) إلى قائمة الأعياد المقدسة في التقويم العلماني، وهو عام صدور كتاب قديس العلمانيين قاسم أمين فتنة الأجيال وداعية السفور في عهد الاحتلال، فهذه ذكرى مرور قرن كامل على بداية الطرح النظري لقضية تحرير المرأة في مصر وفي البلاد العربية، ولكن انتهت من الناحية العملية إلى كونها تغريباً للمرأة، حيث كانت هناك مطالب لإصلاح أوضاع المرأة في ذلك الوقت، لكنها لم تكن في تهور واندفاع قاسم أمين.
وفي الحقيقة لقد تكلم كل من أراد أن يتكلم، فليس من الصواب تجاهل هذه القضية، وليس الهدف من الكلام تصفية حسابات مع أناس قد أفضوا إلى ما قدموا فحسابهم على الله ، وإنما الهدف هو تقويم آثارهم التي تركوها، على حد قول الله : (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس:١٢]، لا سيما تلك الآثار التي امتدت بحيويتها وتأثيرها إلى واقعنا المعاصر.
ومن الملاحظ واللافت للنظر أنه لم يكن من طقوس هذه الاحتفالية بمرور مائة عام على صدور هذا الكتاب ترتيل وإنشاد الكتاب المقدس لدى دعاة تحرير المرأة؛ لأنه ليس من مصلحتهم أن يتلى هذا الكتاب وأن يتعرف الناس على حقيقة محتوى كتاب تحرير المرأة؛ لأنه ربما لو تلي هذا الكتاب وأعلن للناس فلسوف يفضح مدى رجعية صاحب الجنازة، وسوف يوصف بأنه متطرف بالاصطلاح الحديث، وبأنه أصولي وبأنه رجعي، وذلك إذا قارنا محتوى كتاب (تحرير المرأة) بالتطور الكبير الذي لحق بالمذهب منذ تأسيسه، فـ قاسم أمين في محطته الأولى -أو بتعبير آخر: في المحطة الثانية له وهي كتاب (تحرير المرأة) - يعتبر من المتطرفين، حيث ينطبق عليه وصف التطرف؛ لأن قاسم أمين في كتاب (تحرير المرأة) جعل الكتاب كله يتمحور حول قضية أساسية، وهي كشف وجه المرأة مع احتفاظها بسائر ملامح الحجاب الإسلامي، فكل ما كان يدعو إليه هو كشف وجه المرأة، وكل المعركة التي قامت كانت من أجل أن يقنع الناس بأنه يجوز كشف وجه المرأة، وكان هذا الاعتقاد والتمسك بالحجاب الكامل للمرأة المسلمة بكل أبعاده وبكل معانيه ملمحاً رئيسياً في الهيئة الاجتماعية لمصر في ذلك الوقت، حتى كتب حافظ أمين معاتباً المصريين في شدة تمسكهم بالنقاب وبالحجاب الكامل للمرأة قائلاً: فلو خطرت في مصر حواء أمنا يلوح محياها لنا ونراقبه وفي يدها العذراء يسفر وجهها تصافح منا من ترى وتخاطبه وخلفها موسى وعيسى وأحمد وجيش من الأملاك ماجت مواكبه وقالوا لنا رفع النقاب محلل لقلنا صحيح ولكن نجانبه فلا شك أن هذا الشعر يعكس مدى شدة تمسك المصريين مع التجاوز عما يحتويه هذا الشعر من أمور فيها نظر، وقبل أن نستطرد في الموضوع فلو أراد أحد أن يحبط دعوة قاسم أمين وأن يثير ضدها أشنع دعاية وجهت لها على الإطلاق لما استطاع أن يحبط هذه الدعوة وأن يفضحها وأن يدمرها بمثل ما حصل في هذا المؤتمر الأخير الذي أقيم في ذكرى مرور مائة عام على تحرير المرأة.
وباختصار: إذا أردنا أن نختزل هذه الرحلة التي امتدت لمسافة قرن وكانت بدايتها البذرة أو البذور التي سنذكرها فإن نهايتها وحصادها الذي جوهر به علناً جهاراً نهاراً في هذا المؤتمر هو أسوأ دعاية لدعوة تحرير المرأة، وبلغ من قبح هذه الدعاية وشؤم هذا الحصاد أن الذين تولوا الرد على ما حصل في هذا المؤتمر أناس كثيرون لا علاقة لهم بالمتطرفين ولا بالأصوليين، بل هم أناس من عامة الناس، حتى من الصحفيات المتبرجات، فهذه واحدة من الصحفيات في صحيفة الأهرام كتبت تقول: إن المرأة لا تحتاج إلى قاسم أمين، ولكنها تحتاج الآن إلى من يعلمها أن الدين كله حياء وغير ذلك مما سوف نذكره.
وأحد هؤلاء الأساتذة -وهو أستاذ الأدب الانكليزي في جامعة القاهرة الدكتور محمد يحيى - يقول: إن الضجة التي نصبت لذكرى كتاب (تحرير المرأة) وتحويل هذا النص إلى عمل مقدس تخفي الحقيقة وتموه على تاريخ مؤلم وطويل من فرض خطاب علماني ومتغرب النزعة على الأمة بالقوة -يعني: لم يتم اختيار هذا المنحى بمحض الإرادة الحرة للمسلمين أو المسلمات- ليكون خطاب قمع وممارسة قهر ضد دينها وضد رجالها، ولكن ليس لصالح نسائها.
يعني أنه في الحقيقة ليست دعوة تحرير المرأة لصالح النساء؛ لأنهم يدأبون على تقسيم الناس إلى قسمين: من وافق أهواءهم فهذا صديق المرأة، ومن خالف أهواءهم فهذا عدو للمرأة أياً كان، فما دام يخالف دعواتهم فإنه عدو للمرأة، وكان هذا التقسيم فعلاً رائجاً في وقت من الأوقات، وكان يتم تمييز الرجال والأدباء والمفكرين هذا عدو وهذا صديق على أساس موقفه من هذه الدعوة المشئومة.
يقول: فالحقيقة أن هذا المذهب الذي فرض على الأمة المسلمة لم يكن لصالح نسائها على عكس ما يزعم له من أنه خطاب تحرير وخلاص وانعتاق، بل هو خطاب يزعم التحرير ويمارس القمع قولاً وممارسة، وهو خطاب يزعم تحقيق الخلاص، لكنه يحقق العبودية في الفكر وفي الممارسة وصولاً إلى العمالة الصريحة للقوى التي تنظم الاحتفال بالتحرير.
انتهى كلام الدكتور محمد يحيى.
стр. 197
موضوع المرأة مرتبط بالعقيدة
وقبل أن نستطرد -أيضاً- نريد أن نبين وبمنتهى الصراحة والوضوح أننا من البداية عندما نناقش هذا الموضوع أنه لا ينفصل على الإطلاق من عقيدتنا وتمسكنا ورضانا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد ﷺ نبياً ورسولاً، فليست المسألة في موضوع المرأة مسألة قديم وجديد، وتطور وتخلف، بل القضية قضية إسلام وكفر، هدى وضلال، حق وباطل، وحي وهوى؛ فإنه لا يقابل الوحي إلا الهوى، كما قال الله ﵎: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص:٥٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤]، فالوحي يقابله الهوى، فهي إما هوى وإما وحي، أما أن نَّدعي الإسلام ونتستر وراء الإسلام ثم ننخر في جسد الإسلام ونحور ونغير مفاهيمه، فهذا غير مقبول؛ فإن كان لا يعجبك الإسلام فدعه وشأنه، ولك ما شئت، قال تعالى: ﴿فمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩]، أمّا أن يدّعوا الإسلام ثم يحاولوا أن يسوغوا ضلالاتهم وانحرافتهم باسم الإسلام فهذا ما لا ينبغي أن يقبل أبداً.
وأيضاً عند تناول هذه القضية -كما قلنا- يجب أن نعلم أنها قضية لها ارتباط بعقيدتنا، ولابد من أن نعلم أن هذا القرآن حق، وأن الرسول حق، وأن الإسلام حق، وأن ديننا هو الإسلام، وأن ربنا هو الله ، وأن الله أرحم بنا من أنفسنا، وأن الله يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير، وبناءً على كل هذه المسلمات نحن نقبل على الشرع بغاية الثقة في أنه يريد لنا الخير في الدنيا وفي الآخرة، وأننا ممتحنون في كل موقف وفي كل اعتقاد وفي كل تصرف، وممتحنون بموقفنا من هؤلاء: هل نواليهم في الله أو نبغضهم في الله، أم غير ذلك؟ ونرفض أيضاً النبرة الاعتذارية واللهجة التبريرية حين نناقش أمثال هذه القضايا، سواء قضية المرأة أو غيرها؛ فإن بعض المنهزمين يقبلون مبدأ أن الإسلام موضوع في داخل قفص الاتهام، وأنهم يقومون بالدفاع عنه دفاعاً هزيلاً ضعيفاً منهزماً، فهم يقرون أن الموضوع الفلاني كأنه تهمة، وأن الإسلام فعلاً أدخل القفص وأغلق عليه، وهم يدافعون كمحامين، ونحن لا نقبل هذا المبدأ على الإطلاق، هذا يمكن أن يصلح بين دين باطل ودين آخر باطل، وفي المذاهب الأرضية مع بعضها، أما بين الإسلام الحق الذي لا حق غيره في الوجود، والذي كل ما عداه كفر وبين غيره فلا، ولا نجعل هذا موازياً لذاك أو هذا سواسية مع ذاك، فهذا كمبدأ هو مبدأ مرفوض.
فالقضية هي أن أحكام الشرع نازلة من عند الله، ومن طعن فيها فهو كافر كفراً أكبر مخرجاً له من الملة، ولا نقاش في هذه البديهية، فنبرة الاعتذار ونبرة (من أجل أن يقولوا عنا: إننا معتدلون.
ونحوز رضاهم، ونحوز كذا وكذا) غير مقبولة، ويجب أن يرفض مبدأ التنازل في مقابل أي شيء آخر، فلا مساومة ولا أنصاف حلول، ولكن ثقة في حكم الله وانقياد له؛ لأن هذا هو معنى الإسلام، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦]، وأذكر هنا ما رواه الشعبي حينما قال: (لما دعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة كان أول من انتهى إليه أبو سنان ﵁، فقال: ابسط يدك أبايعك.
فقال النبي ﷺ : علامَ تبايعني؟ فقال أبو سنان: على ما في نفسك)، فهو لا يطلع على ما في نفس النبي ﵇، ولكنه الانقياد والاستسلام والإذعان لشرع الله مهما كان أمر الله، فما دام الأمر صادراً من الله فلا نقاش، وينتهي الخيار تماماً، وهذا هو شأن المؤمن، أما المنافقون والزنادقة فلهم شأن آخر.
стр. 198
افتعال قضية المرأة وعدم وعي كثير من المسلمين
نحن في قضية المرأة نحارب في المعركة، وقد زُجَّ بنا في معركة لا تخصنا من بدايتها إلى نهايتها، فهي معركة لا علاقة لنا بها في الأصل؛ لأن الإسلام ما ظلم المرأة، وما استعبد المرأة حتى تطالب بتحرير الحجاب، وليس الرجل الذي يعتبر عدو المرأة هو الذي فرضه عليها، ولكن الذي فرضه عليها هو الله خالقها، فما أكثر ما حارب المسلمون في معارك لا تخصهم وزج بهم فيها وهم لا ناقة لهم فيها ولا جمل! وقد رأينا من قبل مئات الآلاف من المسلمين يجندون في الجيش البريطاني من مسلمي الهند وبدو الجزيرة العربية والأردن وسوريا في أثناء ما يسمى بالثورة العربية للشريف حسين، فكان الآلاف من المسلمين مجندين تحت قيادة الإنكليز يحاربون إخوانهم المسلمين الأتراك بزعم الثورة العربية الكبرى، وكان يفتخر لورانس بأنه قتل الآلاف من العرب في سبيل بريطانيا في حين أنه لم تنزف قطرة دم واحدة من جندي انكليزي، وكان يفخر بأنه فعل هذا لوطنه؛ لأنه أراق دماء مئات الآلاف من العرب، ولم ترق قطرة دم واحدة من جندي إنكليزي في سبيل بريطانيا، ومع ذلك نحن نرى اليوم رجالاً ونساءً يحاربون في مدارس الفكر الغربي وهم في الحقيقة يحاربون دينهم دون وعي منهم.
وهذه المعركة المفتعلة ضد الرجل في قضية المرأة هي كما ضرب مثل أن رجلاً جاء في وسط الليل إلى أبرز شارع في العاصمة المزدحمة، ثم أتى بكم كبير من الأنقاض وفرغه في هذا الشارع أو في هذه الساحة، ثم صنع منه تلاً عالياً، ووضع على رأسه مصباحاً، فقال له الناس: لمَ أتيت بهذه الأنقاض؟ قال: لأرفع عليها المصباح، قيل له: لماذا تضع المصباح؟ قال: كي لا يصطدم الناس بالأنقاض! فالقضية أصلاً هي قضية مفتعلة، فإن المرأة ما عرفت ذلاً من الإسلام، وهناك انحرافات تقع في الواقع البشري في كل أمة وفي كل عصر وهي في الحقيقة ترجع إلى الانحراف عن الإسلام، وما سبب الإسلام أبداً أي مشكلة، ولا يمكن للإسلام أن يسبب ظلماً، ولا يمكن أن يصدق هؤلاء الدجالون العملاء الذين يزعمون أن الرجل عدو المرأة، فالرجل المسلم عدو أي مرأة؟ وأي امرأة هي التي يعاديها؟ هل هي أمه؟ أو أخته؟ أو بنته؟ أو زوجته؟ هذه هي المرأة بالنسبة لأي رجل، فلمَ يعاديها؟! وهل يؤتمن أحد على المرأة كما يؤتمن الأب الحاني أو الأخ الشفيق أو الزوج الرحيم أو الابن البار؟! وبعض الناس يمارسون موقفهم في هذه القضية ويتفاوتون، فبعضهم يمارس الفن المتلون الحربائي، ويراوغ ويلف ويدور ويقول لك: هذا هو روح الإسلام، ولا ينبغي أن نجمد عند النصوص، وإنما ننظر إلى روح هذه النصوص.
وعلم الله أنهم ما يريدون إلا إزهاق روح هذه النصوص، ويقولون: الإسلام دين السماحة، لكنكم أنتم بعقولكم الذين تشوهون جماله.
إلى آخر هذا الدجل الذي يروج على السذج.
وبعضهم يكونون في غاية الصراحة، وهذا هو الذي سماه أبوه أحمد بهاء الدين الصحفي المعروف، فإنه في يوم من الأيام كتب: لابد من مواجهة الدعوات الإسلامية في أيامنا مواجهة شجاعة بعيداً عن اللف والدوران، وإن الإسلام كغيره من الأديان يتضمن قيماً خلقية يمكن أن تستمد كنوع من وازع الضمير، وأما ما جاء فيه من أحكام وتشريعات دنيوية فقد كانت من قبيل ضرب المثل ومن باب تنظيم حياة نزلت في مجتمع بدائي إلى حد كبير، ومن ثمَّ فهي لا تلزم عصرنا ومجتمعنا!! إنها صراحة يحسد عليها في الحقيقة.
وكذلك الرجل الذي جهر في جريدة الأهرام أثناء موضوع عباد الشيطان، حيث قال: بقدر ما أنا ضد الحجاب أنا ضد عبدة الشيطان! ونقول: بل أنت من عبدة الشيطان.
فهم يتصورون أن عبادة الشيطان تقتصر على ما يفعله هؤلاء الشباب من طقوس عبادة الشيطان والأشياء التي فعلوها، والحق أنك إما أن تعبد الرحمن وإما أن تعبد الشيطان، ولا يوجد حل وسط، قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس:٦٠ - ٦١]، وقال تعالى حاكياً عن إبراهيم: ﴿يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ [مريم:٤٤]، فكل من عبد غير الله فقد عبد الشيطان، وكل من صد عن سبيل الله فقد عبد الشيطان.
стр. 199
معنى الحرية والتحرير
وقبل أن نستطرد في الكلام في هذا الموضوع وذكر التاريخ من البذرة إلى الحصاد لابد لنا من وقفة مع كلمة (الحرية والتحرر)، فإنه يكثر الكلام في زماننا عن كلمة (الحرية والتحرير)، وكلمة التحرر هي الكلمة الرنانة والمحببة إلى النفس، ويدعي كثير من النظم والهيئات أنها تحقق الحرية، أي: حسب فهم كل لمبدأ الحرية.
والإنسان فقير بذاته يتطلع بفطرته إلى الخضوع والذل والعبودية لخالقه وفاطره الغني بذاته ، فالعبد من حيث كونه عبداً لابد أن يشعر بحاجة إلى هذه العبودية، وفيه شعبة لا يمكن أن يسدها إلا الافتقار إلى الله ، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: والفقر وصف ذات لازم لي أبداً كما الغنى أبداً وصف له ذاتي فالإنسان السوي المستقيم على الفطرة لا يستقيم حاله ولا يطمئن قلبه إلا إذا أوى إلى مولاه، وطرح نفسه على عتبته، وأمعن في العبودية الخالصة له دون سواه، والعبودية لله هي أرقى مراتب الحرية؛ لأن العبد إذا تذلل إلى مولاه وحده فإنه يتحرر من كل سلطان، فلا يتوجه قلبه ولا يطأطئ رأسه إلا لخالق السماوات والأرض، ولابد للإنسان من العبودية؛ إذ لا يمكن أن يوجد إنسان ليس عبداً، بل لابد من عبودية، فإن وضع العبد العبودية موضعها بأن عبد الله فهذه أشرف العبودية، وهذه أرقى درجات الحرية على الإطلاق، فإن لم يضع العبودية موضعها فإنه حتماً يتلطخ بالعبودية لغير الله من الأنداد والشياطين، والمسلم يتحرر بإسلامه من سيطرة الهوى والشهوة والسلطان، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٤٠ - ٤١].
إذاًَ هذه حرية في صورة العبودية، ولا يمكن للبشرية أن تحرر حقاً إلا بتحقيق هذه العبودية، فإذا وضعت العبودية في موضعها تتحقق لك الحرية، وإلا كنت عبداً لعبيد مثلك، ونحن نعرف الشعار الذي رفعه الصحابة رضي الله تعالى عنهم حينما فتحوا البلاد، فلما سئل ربعي بن عامر من قبل قائد جيش الفرس حيث قال له: ما جاء بكم؟ قال: إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.
فهذا هو شعار هذه الدعوة وهذا الفتح (إخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ، فالحرية في غير الإسلام تصبح جوفاء لا معنى لها، بل هي العبودية المذلة المهينة، حتى لو بدت في صورة الحرية، فالخضوع للطواغيت وللمناهج والقوانين التي بنيت على ما تهواه الأنفس بعيداً عن تشريع الخالق جل وعلا إنما هو عبودية لغير الله، كما يقول الشاعر: هربوا من الرق الذي خلقوا له فبلوا برق الكفر والشيطان فإن لم تضع العبودية والرق في موضعه الصحيح -وهو العبودية لله- فلابد أن تبتلى برق الكفر والشيطان، فمفهوم العبودية لله في الإسلام هو الحرية في أرقى صورها وأكمل مراتبها.
والعبودية لله إذا كانت صادقة فإنها تعني التحرر من سلطان المخلوقين والتعبد لهم، فالمسلم ينظر إلى هذا الوجود نظرة صاحب السلطان، فإن الله خلق كل ما فيه من أجلنا وسخره لنا، كما قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية:١٣]، وما دام الأمر كذلك فالمسلم لا يمكن أن يخضع لمخلوق من المخلوقات في هذا الكون، ولا يعبدها؛ لأنها مسخرة له.
إذاً فهي أقل منه شأناً، وهي مخلوقة لنفعه وصلاحه، والمسلم أيضاً لن يستعبده إنسان مثله؛ لأن الناس جميعاً عبيد الله، فإن حاول بعض المتمردين من بني الإنسان أن يطغى ويبغي وقف المسلم في وجهه يقول كلمة الحق ويذكره بأصله الذي منه خلق، ومصيره الذي لابد له منه، ويذكره بضعفه وعجزه عله يفيق أو يرجع، وبالعبودية لله يتحرر الإنسان من أهوائه، فالهوى شر وثن يعبد، كما قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية:٢٣]، فالهوى قد يُجعل إلهاً معبوداً يسيطر على نفس صاحبه فلا يصدر إلا عن هواه، ولا يسعى إلا لتحقيق ما يبعثه إليه، فالإسلام يعتبر الخضوع لأهواء النفس التي تدعو إلى المحرمات والآثام عبودية لهذه الأمور.
أما الالتفات عما تدعو إليه النفس من المحرمات حتى لو كانت النفوس تميل إليها فإنه يمثل في الإسلام الحرية الحقة؛ لأنه وإن قيدت حريته من جهة بأن ألزم بترك بعض ما يشتهي إلا أنه تحرر من سلطان الهوى من جهة أخرى، وانظر إلى تحرر المسلم أثناء الصيام من عبوديته للشهوات، مع أنها حلال، لكن الله حرم عليه الماء، حتى الماء صار حراماً على الصائم، وكل ما أحل الله يدعه المسلم في نهار رمضان؛ لأنه تحرر من أن تستعبده هذه الشهوات.
فالذين يزعمون أنهم يستطيعون تحقيق مبدأ الحرية بعيداً عن الله وعن دينه مخطئون؛ لأن كل مخلوق سيبقى عبداً شاء أم أبى، إلا أنه إن رفض الخضوع لله اختياراً فسيخضع لمخلوق مثله لا يملك له نفعاً ولا ضراً، بل قد يخضع لمن هو أقل منه شأناً، فيكون استبدل عبودية بعبودية، ولم يخرج من العبودية إلى الحرية، بل خرج من عبودية الله إلى عبودية الطاغوت وثناً أو صنماً أو بشراً أو شمساً أو قمراً، يقول الله : ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة:٦٠]، فمما ابتلاهم الله به جزاء تكذيبهم أن جعلهم عبيداً للطواغيت بعد أن كانوا عبيداً لله.
ويزعمون أن الثورة الفرنسية هي التي أعلنت الحرية وأن هيئة الأمم المتحدة أقرت الحرية مبدأً، وليس الأمر كذلك؛ فإن ما فعله هؤلاء هو أنهم أخرجوا الناس من عبودية نظام وقانون وطائفة إلى عبودية نظام آخر وقانون آخر وطائفة أخرى، فالذين خرجوا من الشيوعية خرجوا إلى عبودية من نوع آخر، ولم يخرجوا من عبودية إلى حرية، فهم بقوا عبيداً وإن ظنوا أنفسهم أحراراً، ولن يحررهم من سلطان البشر ويخلصهم من العبودية الظالمة إلا أن يكونوا عبيداً لله يقصدونه وحده، فعند ذلك يتحررون من سلطان الآخرين حتى من أهواء أنفسهم التي تتردد في أجسادهم، فأخرجوا الناس من ظلمات متراكمة إلى ظلمات أشد، ومن عبودية إلى عبودية، ولن يكون من مخلص من العبودية لغير الله إلا بالإسلام، يقول الله : ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠]، فكل من لم يرض بالإسلام ديناً وبحكمه حكماً فإنه غارق في قاذورات الجاهلية وأوحالها، والذين يرفضون أن يكون الله معبودهم فإنهم يوهمون أنفسهم بتعبيدها لمخلوقات أقل منها شأناً وأحقر منزلة، وهم في ذلك يهينون هذه النفوس، يقول النبي ﷺ : (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميلة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش).
وبالنسبة لهؤلاء الذين أطلقوا هذه الكلمة (تحرير المرأة) ومنهم قاسم أمين فإنه كان يقصد بذلك الإشارة إلى أنه يرى المرأة في حالة استعباد، وأنه أتى ليحررها من هذا الرق وهذا الاستعباد، كما سنرى إن شاء الله تعالى.
ولو نظرنا في معنى مصطلح التحرير لرأينا أنه يترجم أحياناً إلى (ليبريشن) أو (إيمانسفيشن)، والاصطلاح الشائع في العالم كله بالنسبة لقضية تحرير المرأة هو اصطلاح: (إيما نسفيشن)، و (إيمانسفيشن) يساوي العتق، وليس التحرير، فالتحرير كلمة أعم، لكن الإيمانسفيشن هو المصطلح الذي يعبر عن تحرير المرأة بالعتق، فانعتاق المرأة أدق في تصوير المرأة المسلمة على أنها عبدة، وأنه مطلوب تحريرها بنفس المعنى الذي سوف نستنتجه من القصة التالية.
فقد كان بشر -المشهور بـ بشر الحافي - في زمن لهوه في داره وعنده رفقاؤه يشربون ويطربون، فاجتاز بهم رجل من الصالحين فدق الباب عند أن سمع أصوات اللهو والمعازف، فخرجت إليه جارية فقال لها: صاحب هذه الدار حر أم عبد؟ فقالت: بل حر.
فقال: صدقتِ؛ لو كان عبداً لاستعمل أدب العبودية وترك اللهو والطرب.
فاستمع بشر محاورتهما فسارع إلى الباب حافياً حاسراً -حافي القدمين حاسر الرأس- وقد ولى الرجل، فقال للجارية: ويحك! من كلمك على الباب؟ فأخبرته بما جرى، فقال: أي ناحية أخذ الرجل؟ فقالت: ناحية كذا.
فتبعه بشر حتى لحقه، فقال له: يا سيدي! أنت الذي وقفت بالباب وخاطبت الجارية؟ قال: نعم.
قال: أعد علي الكلام.
فأعاده عليه، فمرغ بشر خديه على الأرض فقال: بل عبد.
بل عبد، ثم هام على وجهه حافياً حاسراً، حتى عرف بالحفاء فصار لقبه: بشراًً الحافي، فقيل له: لمَ لا تلبس نعلاً؟ قال: لأني ما صالحني مولاي إلا وأنا حافٍ، فلا أزول عن هذه الحالة حتى الممات.
الشاهد من القصة قول الرجل للجارية: صاحب هذه الدار حر أم عبد؟ قالت: حر.
فقال: صدقتِ؛ لو كان عبداً لخاف من مولاه.
أو كما قال، يعني: لو كان محققاً معنى العبودية.
فهؤلاء يريدون أن نكون أحراراً بهذا المعنى الذي هو التحرر من شرع الله ومن أوامر الله ، والخروج من عبودية الله إلى عبودية كفار الشرق وكفار الغرب، فالحقيقة أن هذه العبودية هي مما يفخر به المسلم.
ففعلاً إنهم يريدون تحرير المرأة من عبوديتها لله، وهذه هي حقيقة دعوة قاسم أمين والشاذلي ومن استنوا بسنتهما، فنحن نفخر بأننا عبيد لله ، كما يقول الشاعر: ومما زادني شرفاً وفخراً وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا والرسول ﷺ أشرف صفة رفعت مقامه عند الله هي إمعانه في اتصافه بالعبودية، ولذلك فإن أعظم مديح تمدح به رسول الله ﵇ أن تقول: عبد الله ورسوله، كما قال ﷺ : (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم؛ فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله)، ولما ج
стр. 200
أهداف دعاة تحرير المرأة، وذكر بعض أقوالهم
سنسلك مسلك من يبدأ من الأخير، وبعد ذلك الذاكرة ترجع وتأتي من البذرة، فسنبدأ بالحصاد ونقول: إن الإنسان أول ما يقرأ ردود الأفعال بشأن المؤتمر الأخير هذا -مؤتمر مائة عام على تحرير المرأة العربية- فأول كلمة يقولها الإنسان: آمنت بأن الله حليم صبور فلولا حلم الله لاندكت الأرض من تحتنا؛ لأن الإلحاد والكفر قد وصل إلى هذا المدى، والله حليم يعطيهم فرصة ويمهلهم لعلهم يتوبون ولعلهم يستعتبون، وكم كانت الحياة سعيدة هادئة مريحة قبل هذه الحركة النسوية المشئومة! وهذا المؤتمر انعقد ما بين (٢٣ - ٢٨ أكتوبر) يعني لمدة ستة أيام، عقد خلالها أكثر من ستين ندوة ومائة مائدة ومائدة مستديرة وجلسات شهادة، وحين تقرأ كلامهم تحس أن المتكلم حاقد على الدين حاقد على الإسلام.
وقد أتت شاذات الآفاق من هؤلاء النسوة المنحلات، أتين من الشام ومن المغرب، ومن الشمال ومن الجنوب، أتين ليصفين حسابهن مع الإسلام ومع دين الله ! والحقيقة أنه تصدى لهن في المؤتمر ناس عاديون ليسوا متطرفين مثلنا، وبالعكس، فلقد قامت واحدة من الصحفيات وهي متبرجة تماماً في غاية التبرج فكتبت في الأهرام الأدبي تنتقد هذا المؤتمر؛ لأن الصاع اشتط والكيل طفح، إلى حد أن هؤلاء الذين لا يتهمون بالتطرف ولا بالأصولية ما أطاقوا هذا الفجور وهذا الانفجار.
وقد كان هناك مؤتمر حصل أيضاً في اليمن قريباً، وكان عن جندرة اللغة، وجندرة اللغة يبدو من السياق أنهم يريدون بها عملية تأنيث اللغة، ويتهمون اللغة العربية بأنها منحازة للرجال، ووصل الإلحاد بإحدى الملحدات الكافرات من اليمنيات الخبيثات إلى أنها -والعياذ بالله- قالت كلاماً شنيعاً نسأل الله أن يعفو عنا في حكايته، لكن وصل إلى حد أنها تريد التعبير عن الله بغير لفظ (هو)! فرد عليها رئيس تحرير جريدة (عقيدتي) التابعة للحزب الوطني وغضب غضباً شديداً ووقف واعترض اعتراضاً شديداً، فهذا الإلحاد هو الحصاد! وقد كان الناس من زمن يكتبون ويقولون: سوف يحصل.
والعلماء لما تصدوا لـ قاسم أمين كانوا يقولون: سدوا الذرائع.
لأنهم أشفقوا من المستقبل، فكانت هذه الأمور متوقعة، أما الآن فنحن رأينا الحصاد ولمسناه بأيدينا.
وقد حاول أحد الصحفيين أن يحتج بالنصوص الشرعية، وأن يذكرهم بقول الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣٤]، وبأحكام الحجاب وتطبيق الشريعة، فهاجمه الفنان التشكيلي عدلي رزق الله ووصفه بالجحش، وأنه جاهل؛ لأنه يستدل بآيات قرآنية! وقد هاجمت سلوى بكر تطبيق الشريعة في السعودية قائلة: إن محاولة إرهاب المواطنين -الحدود أصبحت إرهاباً- بقطع اليد عقاباً على السرقة وجلد الزاني والزانية هي أمور رجعية لم تعد صالحة لهذا العصر! وأتحدى أن يأتوا بعالم واحد على وجه الأرض لا يكفر من يقول هذا.
والكاتبة الكويتية ليلى العثمان كانت هناك تعليمات بعدم التدخين فلم تستطع أن تستحمل وهي على المنصة، فأشعلت أول سيجارة وتبعها الباقي على هذه السنة، وقد كانت تحاكم في الكويت بتهمة الفجور والخروج على الأدب، فقالت: إن من حق المرأة أن تكتب عما يتعلق بالفواحش والسياسة والدين كما يفعل الرجل تماماً! وهذا الدكتور جابر عصفور يقول: الحجاب مسألة ثانوية لا نشغل أنفسنا بها، ومن حق المرأة أن تختار ما تريد بدون ضغط عليها! وهذا الدكتور محمد حافظ ذياب يقول: الحجاب أنواع: هناك الحجاب السلفي، والحجاب التكفيري، والحجاب الإخواني، هذا الحجاب يتعامل مع الجسد باعتبار أنه خطيئة، ويقول: إنه حجاب واسع فضفاض داكن يلائم كل الأغراض السياسية والاجتماعية، وأحياناً يتم استخدامه لتخبئة السلاح! وأنا حقيقة أختزل الكلام ولا أذكره بالنص؛ لأنه يوجد كلام لا أقوى على النطق به؛ لأنه كلام إباحي إلى أقصى مدى! وقد طالبت حياة الحضري -وهذه حذفت كثيراً من كلامها- بإلغاء إذن الزوج لسفر المرأة أو عملها، وإلغاء حق التأديب، والمساواة في الإرث بين الذكر والأنثى، وبين الزوج والزوجة ونحو ذلك!
стр. 201
المشكلة الحقيقية لدعاة وداعيات تحرير المرأة
أقول: فتش عن العقد في حياة محررات المرأة فستجد أن المشكلة بالنسبة لهنَّ أنهن أفلسن ولم يفلحن في الحصول على رجل، هي هذه كل مشكلاتهن في كل الأجيال، فهو عبارة عن ثأر مبيت نتيجة ظروف في الغالب.
وأنا أتكلم بتفصيل أكثر، وبالذات عن نوال السعداوي، فإنها بعثت من أمريكا -حيث تقيم الآن- رسالة للمؤتمر تقول فيها: مع تصاعد القوى السياسية الدينية في بلادنا اشتدت القيود على النساء.
أي أنها تتهم الحكومة هنا بأنها متواطئة مع التيارات الإسلامية لتقييد حرية المرأة، وأن هناك خطة بين الاثنين من أجل هذا الأمر.
وتقول: انتشرت ظاهرة التدين بين الرجال، وظاهرة الحجاب بين النساء، واشتدت عمليات التخويف من عذاب القبر والحرق بالجحيم وتعليق المرأة من شعرها يوم القيامة إن خالفت الله أو الأب أو الزوج! وهذا الدكتور شريف حتاتة يقول: إن الأصولية والعولمة والحداثة ضد تحرير المرأة؛ حيث إنها تتفق على أن المرأة جسد فقط دون عقل.
وهذه الدكتورة نجلاء القليوبي تعلق على مطالب المؤتمرات وتقول: إنهن يطالبن بنوع آخر من الاستعباد، نوع تافه وهزيل.
تعني: أنتم لا تريدون تحرير المرأة، بل أنتم تريدون استعباد المرأة ثم تقول: إن من أحلى ما سمعته من صديقة ارتدت الزي الإسلامي عندما سألتها: ما هو شعورك لما تحجبت؟ قالت: شعرت بالحرية.
стр. 202
دور أعداء الإسلام في الدعوة إلى تحرير المرأة
أذكر بالمناسبة قصة أخت أمريكية فاضلة تدعى حالياً شريفة كارلو مشهورة جداً الآن في النشاط الإسلامي، هذه المرأة أصلاً كانت شابة صغيرة تدرس في أمريكا، وكانت متحمسة جداً لدعوة تحرير المرأة وحقوق المرأة، فالتقطها مجموعة من الناس، تقول عنهم: إنهم موظفون ولهم مناصب كبرى في الحكومة الأمريكية.
قالت: وبينهم عداوات شديدة جداً، ومختلفون على كل شيء إلا على شيء واحد فقط هو تدمير الإسلام والقضاء على الإسلام، فأتاها واحد من كبراء ووجهاء هذه المجموعة التي لها مناصب عالية في الحكومة الأمريكية وقال لها: نرى عندك كفاءة وهمة ونشاط وتحمس لقضية المرأة، وأنا أعدك إذا سلكتِ مسلكاً معيناً في الدراسة وتأهلت أعدك بمنصب في السفارة الأمريكية في القاهرة؛ لتذهبي بعدما تتأهلين لتعملي هناك وترتبطي بالداعيات إلى تحرير المرأة هناك وترفعي مطالب شأن المرأة إلى آخره.
فهذه الأخت اجتهدت جداً في الدراسة حتى إنها حصلت تحصيلاً عالياً جداً في اللغة العربية وفي التاريخ الإسلامي وفي الفقه وفي القرآن وفي الأحاديث، وعلموها كيف تلوي الأدلة -كما تقول هي- وكيف تدخل الشبهات على المسلمين، وكيف تقنعهم بأن الإسلام ظلم المرأة، إلى آخر هذه الأشياء المقررة.
وأثناء الدراسة بدأ الإسلام يغزو قلبها كما هو شأنه مع كثير ممن يحاولون قهره فيقهرهم، فبدأ الإسلام يغزو قلبها، أو بتعبيرها: باتت تهتز لما تعاملت مباشرة مع أحكام الإسلام وجمال الإسلام وشرائع الإسلام، فخافت على نفسها، فقالت: أنا هكذا سأفقد ديني، فأنا سأعالج الموضوع هذا بأن أذهب إلى متخصص في اللاهوت -قسيس- ويعلمني العقيدة ويثبت عقيدتي، فذهبت إلى دكتور في اللاهوت من جامعة هارفرد في أمريكا، وعنده دكتوراه في اللاهوت، ومتخصص في الدراسات النصرانية اللاهوتية، فشاء الله أن يكون هذا الرجل ينتمي إلى فرقة معروفة، لكنها تكاد تكون مندثرة، وهي فرقة الموحدين من النصارى، وهؤلاء الموحدون لم يدخلوا في الإسلام، لكنهم مقتنعون تماماً بأن عيسى مجرد نبي، وأنه لم يصلب، وأنه لا يوجد ثالوث ولا شيء من الكلام هذا كله، لكنهم لم يؤمنوا بالنبي ﵇، فوجدت أن له دراسات كثيرة جداً عملها في النصوص، وأنه فقد الثقة تماماً بالتراجم الموجودة للإنجيل والتوراة، فبحكم تخصصه في دراسة النصوص باللغة الأصل -وهي اللغة الآرامية، واللغة العبرية، واللغة اليونانية التي كان يترجم إليها الإنجيل وهذه الكتب- اطلع على نصوص فعلاً أثبتت التحريف القطعي في الكتب الموجودة عندهم والمترجمة.
تقول: ما أن انتهيت من المقرر الذي درسته معه حتى أزال من قلبي آخر بقايا العقيدة النصرانية.
أي أن الإسلام قضى في الأول عليها قليلاً وهو أجهز على كل ما عندها وغسل دماغها تماماً من أي ارتباط بهذه العقيدة، حينئذ بدأت تتصل بالمراكز الإسلامية في أمريكا، وتراسل بعض الإخوة هناك ويراسلوها، وتعاملوا معها، وفي يوم من الأيام اتصل بها أحد الإخوة من مدينة أخرى وقال لها: هذه الليلة سوف يحضر مجموعة من الإخوة المسلمين أرجو أن تقابليهم، وأظنهم حوالي عشرين أخاً ذهبوا إلى هنالك، وكان معهم عالم باكستاني متخصص جداً في هذا المجال وعلى علم كبير.
تقول: رأيت عنده علماً لم أره عند أحد، وظل يناقشها من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، وبعدما أجاب عن كل أسئلتها وانشرح صدرها تماماً قال لها: لماذا لا تدخلين في الإسلام؟ ففوجئت بالسؤال، وقالت: إني كثيراً ما جودلت وعلمت حتى شتمت، ولكن لم يقل لي أحد: ادخلي في الإسلام.
فتقول: صادفت هذه الكلمة وقت انفتاح قلبها للهداية، فشهدت الشهادتين في الحال، والآن اسمها: شريفة كارلو من أنشط الداعيات على مستوى العالم إلى الإسلام، ولها مقالات في الحجاب، وأنا أذكر لها مقالة باللغة الإنجليزية، ترجمت عنوان المقالة: بمجرد ما غطيت رأسي تفتح عقلي.
أي أنها رأت النور ورأت الهداية بمجرد أن تغطت، لكن هؤلاء الدجالين يقولون: إن الحجاب حجاب على العقل، وإن الإسلام ينظر إلى المرأة على أنها جسد فقط إلى آخر هذه الترهات.
ولها مقالات كثيرة، والعجيب أني رأيت لها مقالات تتكلم فيها على أنواع التوحيد: توحيد الألوهية، وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، ومقالة أخرى في الشرك وكيف ظهر في العالم، وتتكلم على قصة طروء الشرك في عهد نوح ﵇، وأن سببه الغلو في الصالحين، وتنقل نقولاً باللغة الإنكليزية، وتقول: شيخ الإسلام ابن تيمية قال كذا وكذا؛ لأنها تضلعت من العلوم في أثناء فترة دراستها، فإنها تضلعت من هذه العلوم حتى تطعن في الإسلام في الصميم، والحقيقة أن هذا أنموذج من النماذج التي تبين كيف أن الله يفتح لهذا الدين قلوب الناس.
وكما قلت: كتبت صحفية في الأهرام -وهي متبرجة تماماً- تستنكر قلة حياء المحاضرات، وتقول: على المرأة بعد مائة عام تحرير أن لا تطالب بـ قاسم أمين جديد، إنما بمن يعلمها الدين الذي كله حياء.
وقد تفوهت كثيرات بعبارات تخدش الحياء، وبكلام قبيح للغاية، حتى قال سامح كريم في صحيفة الأهرام: هل كان الفيلسوف الألماني شوفن هاور على حق حين قال: إن الرجل أكثر حياء من المرأة؟ فبلا شك أن الرجل أكثر حياءً من أمثال هؤلاء النسوة.
وكالعادة ليس من الممكن أن يفوتهن أنهن يشددن ثياب بعض وشعور بعض، وقد تشاجرن على المنصة وصرخن، حتى صرخت إحداهن في الجلسة الأولى بأعلى صوتها قائلة: نحن نريد قاسم أمين جديداً يحرر المرأة من المرأة! فالحقيقة أن المجتمع قفز من مرحلة كان الناس فيه يذمون المرأة ويقولون عنها: هذه وجهها مكشوف.
وكانوا حينما يريدون أن يذموا امرأة بأنها ما عندها حياء يقولون: هذه وجهها مكشوف، كان في أيام البذرة، والحصاد الآن وصل إلى مرحلة تفكك لا يستطيع أحد أن ينكرها، بل وصل الأمر إلى حد أنه في إحدى الدول العربية قامت طالبات كلية الشريعة بالسباحة لابسات أقبح ما يمكن من أزياء السباحة، فهللوا لذلك وقالوا: هذه بداية مرحلة التنوير، وهذه بداية التغلب على الأصولية في هذه البلاد، وهؤلاء السابحات هن طليعة التنوير الإسلامي ورسولات الإسلام المستنير في هذه البلد! فهذا هو الحصاد، وهذه إشارة هذا الحصاد الذي رأيناه في مؤتمر (القاهرة) ثم في مؤتمر (بكين) الذي يهدف بالدرجة الأولى إلى تحطيم الأسرة تماماً، والقضاء على الأسرة، وإيجاد تعريف جديد للأسرة.
ومن هذا الحصاد ما نعانيه الآن من القنوات الفضائية ذوات القصف الإعلامي المركز.
وهكذا انتشار المجلات النسائية التافهة، فإذا أردنا أن نفتح كشف حساب ختامي لوضع المرأة في نهاية القرن الذي مضى فلا شك أن العاقبة في غاية المرارة، وأنه مما يغنينا عن إكثار الكلام في هذا الموضوع عن هذا المؤتمر وما حصل فيه؛ فإنه لا يمكن أن يفضح أحد دعوة قاسم أمين بمثل ما فعل هؤلاء الملحدات، حيث وقفت واحدة منهم تقول: أنا ملحدة، وأصر على أني ملحدة، وأرفض أن يصفني أحد بأني مسلمة! وبالنسبة لهذا الشر ليس جديداً علينا؛ لأننا الآن في عصر الغربة الثانية، كما قال النبي ﵇: (وسيعود غريباً كما بدأ)، وقال النبي ﷺ : (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم.
قلنا: اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟)، يعني: مَنْ غير اليهود والنصارى؟ فكل الشر يأتينا من أوروبا، ويأتينا من الكفار، ومن الشر الذي أتانا هذه الدعوة المشئومة، كما ورد إلينا منهم كثير من الشرور الأخرى.
стр. 203
الجذور الأوروبية لتحرير المرأة
هذه مقدمة بسيطة تتعلق بجذور تحرير المرأة في الغرب: الجذور الثقافة الأوروبية أساساً ترجع إلى التراث اليوناني والروماني الوثني، وأصول الحضارة الغربية ترجع إلى التراث اليوناني والروماني الوثني، وفي الحقيقة هي تنبذ الدين وتنبذ التوراة والإنجيل.
ومعلوم أن في هذا التراث أنَّ أفلاطون في دولته الخيالية التي افترضها جعل النساء متاعاً في طبقة الجنود، على أساس هذا التراث بنيت علاقات الرجال بالنساء، ولا شك أن هذا يصطدم تماماً مع الإسلام الذي يحرص على الستر وعلى العفاف، وقد تكلمنا من قبل مراراً على المقاصد العليا للشريعة الإسلامية، والتي منها صيانة العرض، وصيانة الشرف، وفي الإسلام العرض له قيمة عظمى جداً، وهكذا الشرف.
أما اللغات الأوروبية فكلها تخلو من كلمة (العرض)، فلا تعرف كلمة (العرض) فضلاً عن المعاني الحقيقية لهذه الكلمة، فأصلاً الشرف والعرض والصيانة هذا مما لا قيمة له عندهم، والإسلام لأنه يعطيه قدراً عظيماً جداً وضع الاحتياطات الكفيلة بعدم المساس بهذه الأمور المصونة أو اختراق حجب الستر والعفاف، فعندهم حينما يحصل التحلل والاختلاط ونحوهما لا يخسرون شيئاً في تصورهم؛ لأنهم لن يصطدموا مع عقيدة، أما نحن فهذا يصطدم مع عقيدتنا، ولا يمكن لإنسان أن يكون مخلصاً وملتزماً بدعوة قاسم أمين إلا إذا خرج من الإسلام، فكما رأينا وصلوا إلى حد أنهم يقولون: تحرير المرأة هو المساواة بين الرجل والمرأة.
أي: المساواة بينهما في الميراث وفي كل شيء.
وهذا خروج من الملة، ويقولون غير ذلك من الكفريات التي وصلوا إليها.
فأصل دعوة تحرير المرأة هو انعكاس لدعوة مماثلة شاعت في الغرب في القرن التاسع عشر، وهي أحد فروع التوجه العلماني الليبرالي الذي كان عدواً للنصرانية، فالنصرانية لها تصور عجيب جداً عن المرأة في فترة شباب النبي ﵊، حيث إنه في نفس الوقت عقد في فرنسا مؤتمر يناقش: هل المرأة لها نفس أم أنها حيوان وليس له نفس؟! واتفقوا في النهاية على أن لها نفساً، لكن لا ترقى إلى روح الرجل.
فقد كانوا في غاية التخلف بالنسبة لموضوع المرأة، وتحرير المرأة نشأ في الغرب كرد فعل من موقف النصرانية واليهودية من المرأة.
وهؤلاء استوردوا موضوع تحرير المرأة من الغرب، والغرب تبنى فكرة تحرير المرأة مضادة للكنيسة ومضادة للنصرانية، فعندما تستورد فلابد أن يحصل تغيير، فأصبح العدو هو الإسلام! إنه تعميم ظالم، كما حصل في قضية العلمانية، فأصبح العدو الذي يجب تحرير المرأة منه هو الإسلام، أو بالتعبير المموه: (العدو هو التفسيرات الخاطئة للإسلام) من أجل أن يهذبوها ويستطيعوا خداع الناس بها، وهذا التعبير المألوف والمطروح هو على سبيل التقية، مثل تقية الشيعة، فيدّعون أن الذي يدعون إليه هو سماحة الإسلام ويسر الإسلام، وأنه الإسلام الصحيح.
وهذا الإسلام الصحيح يشترط أن العلمانيين وحدهم هم الذين أوتوا مفاتحه ولا يستطيع أحد أبداً أن يصل إلى الإسلام الصحيح إلا هؤلاء العلمانيون، وهؤلاء المتحررة، أما العلماء والفقهاء والمتخصصون فلا يتكلمون باسم الإسلام؛ لأنهم رجعيون! فالحقيقة أن الاشتباك مع الإسلام لم يكن؛ لأن الإسلام يعادي المرأة أو يقمع المرأة، ولكن لأن النبع الأم الذي استوردت منه هذه الفكرة كان يعادي دين النصرانية، فلابد أيضاً أن يعادي في بلادنا الدين الذي هو دين الإسلام.
وهذه الدول الأوروبية التي احتلت معظم بلاد المسلمين سعت منذ اللحظة الأولى لإحلال نظام العلاقات الأوروبية بين الرجال والنساء محل العفاف والستر الإسلاميين، وعلى هذا كان موضوع تحرير المرأة وإحلال النظم الأوروبية -أو بتعبير أدق: الفوضى الأوروبية- في علاقات الرجال بالنساء محل العفاف والستر والصيانة الذي تتميز بها المرأة المسلمة، وكان هذا الإحلال يمثل ركيزة أساسية في مشروعهم للقضاء على هوية الشعوب المسلمة واستقلالها الاعتقادي والتشريعي والأخلاقي.
стр. 204
البذور الأولى لتحرير المرأة العربية
كان المجتمع المصري قبل مقدم نابليون ملتزماً بالإسلام وأخلاقياته، وكان كل من خرج على هذه الأخلاقيات يلقى العقاب والردع، وكان الحجاب على رءوس النساء جميعاً حتى النصرانيات واليهوديات المصريات، ولم تظهر امرأة سافرة إلا زوجات القناصل الأوروبية في مناخ الاحتلال، وكان يحصل انتشار النساء الفرنسيات في شوارع القاهرة؛ لأن الحملة كان معها كمٌّ كبير من العلماء والباحثين؛ لأنها كان لها هدف خبيث جداً، وكان معهم مطبعة، وكان معهم أيضاً حوالي ثلاثمائة امرأة، وهؤلاء النسوة هن بذرة الفساد في مصر؛ لأنهن بدأن ينتشرن في الشوارع ويفسدن المجتمع بصورة فاحشة جداً، في تبذل وتبرج وفساد، وبدأت بعض النسوة غير المسلمات يحاكين أولاء النسوة، ولم يمر حوالي أربعة عشر شهراً حتى انقلبت الأوضاع رأساً على عقب.
ومن الأمور التي ينبغي أن نلتفت إليها أنّ أول مواجهة حصلت حين ثار المسلمون في مصر ضد هذا الوضع، فقد كانت ثورة القاهرة الأولى في (٢١ أكتوبر ١٧٩٨م) أي: منذ حوالي قرنين من الزمان، وكان السبب في ثورة القاهرة الأولى أساساً هو هذه الإباحية التي انتشرت وأرادت أن تحل محل العفاف.
ومعروف أن ثورة القاهرة الأولى قادها أئمة المسلمين وعلماؤهم وطلبة الأزهر، وأحبطت الثورة بعد أن أطلقت المدفعية الحديثة على الأزهر والمساجد المختلفة، ودخلوا الأزهر وحولوه إلى إسطبل للخيول، وكل هذه القصص الوحشية التي فعلها الفرنسيون معنا معروفة، ومع ذلك يأتي الخونة ليحتفلوا بذكرى احتلال مصر على يد نابليون بونابرت، ويذكرونا بكلام طه حسين لما كان يستنكر على المسلمين المغاربة كيف يقاومون الاحتلال الفرنسي، ويقول لفرنسا: اصبري؛ فهذا عناء وثمن لابد أن تدفعيه في سبيل فرض الحضارة على هذه الشعوب المتوحشة! واندلعت ثورة القاهرة الأولى كرد فعل ضد الانحلال الذي كان يمارسه الفرنسيون، وهذا حقيقة هو فعلاً بدء البذرة الأولى لتحرير المرأة.
وهذه البذرة الأولى التي وجدت في مصر جاءت مع الحملات الغربية بقيادة نابليون بونابرت، وحصلت ثورة القاهرة الأولى، ثم بعد خمسة أشهر تقريباً وستة أيام حصلت ثورة القاهرة الثانية وكليبر لم يجد بداً من قصف المدينة بالمدافع وتجويعها حتى تسلِّم.
وفي الحقيقة هم يقولون: مرور مائة سنة على تحرير المرأة العربية، وهذا تعبير غير صحيح، فليست مائة سنة، بل هي مائتان، إلا إذا كانوا يقصدون صدور كتاب، أما البذرة الأولى فكانت نتيجة هذا الاحتكاك بالفرنسيين في الحملة الفرنسية، وهذا الكلام هو الذي قاله لويس عوض كما سنبين إن شاء الله، هذا أمر.
الأمر الثاني: أن كلمة (المرأة العربية) كلمة غير صحيحة، فلم يكن المسلمون حينذاك يعرفون مصطلح (المرأة العربية)، وما عرفوا إلا المرأة المسلمة فقط، وقاسم أمين ما كان موجهاً دعوته إلى المرأة العربية ولا المرأة النصرانية ولا المرأة اليهودية، إلى المرأة المسلمة.
ولويس عوض كتب يقول: إن تحرير المرأة بدأ (١٨٠٠م) وأن الحملة الفرنسية كانت نقطة الانطلاق إلى تحرير المرأة من كل قيد بما فيه قيد الدين والخلق والحياء.
وعام (١٨٠٠م) هو عام هزيمة ثورة القاهرة الثانية حينما سبى جنود الاحتلال الفرنسي نساء مصر وبناتها وغلمانها! هذا هو عام تحرير المرأة المصرية في زعم لويس عوض.
والجبرتي وصف بدايات حركة السفور، ووصف بداية حركة تحرير المرأة ووصف ما أصاب بعض نساء القاهرة من الانحلال نتيجة مخالطة المصريين للفرنسيين ومحاكاتهم في الزي وفي السلوك، والجبرتي يتكلم عن الأسافل من النسوة، وهو يسميها (ثورة نساء) أو (ثورة حريم) يعني أنهمن كن يقعن في الفاحشة والبغاء نتيجة الاختلاط بالجنود الفرنسيين، وبدأ ذلك ينتشر في المجتمع.
فـ لويس عوض وهو تلميذ المدرسة الاستعمارية يصر على أن هذه كانت ظاهرة عامة ليست في الأسافل، كما يقول الجبرتي: إن الأسافل من الجواري والسفل من النساء هن اللائي كن يفعلن ذلك.
فهو يرى أن هذه ثورة تحررية، ويجعل من انحطاط المرأة إلى حد التكسب بالفاحشة ثورة نساء وبداية تحرر المرأة، فـ لويس عوض يؤرخ بداية تحرير المرأة بثورة القاهرة الثانية؛ لأن الدليل عليها ما قاله الجبرتي -وهو كلام شديد-: أما الجواري فذهبن إليهم أفواجاً وفرادى وأزواجاً، فنططن الحيطان، وتسلقن إليهم من السيقان، ودلوهن على كذا وكذا إلى آخره.
فيحكي أيضاً ما كان يحصل من الفواحش والتبرج والاختلاط بالفرنسيين ومصاحبتهم في المراكب والرقص والغناء والشرب في النهار والليل بالفوانيس والشموع الموقدة إلى آخره.
هذه هي بداية تحرير المرأة، ثم يأتون إلى الإسلام ويقولون: الإسلام ينظر إلى المرأة على أنها كذا وكذا.
فمن الذي يعامل المرأة على أنها سلعة؟! فالإسلام هو الذي كرمها، ومع هذا يأتي هذا الخبيث ويرى أن بداية تحرير المرأة هو هذا الفجور والفساد والتفسخ الذي حصل من سفلة النساء في مصر، وادعى أيضاً أن طبقات النساء اللواتي حاكين المتبرجات والعادات الفرنسية قد طرحن الحشمة والوقار والمبالاة والاعتبار، واتسعت هذه الدعوة بتأثير سبايا الفرنسيين المتحررات من بنات بولاق.
فرائدات تحرير المرأة في نظره هن هؤلاء السبايا المتحررات؛ لأنهن كنَّ يمارسن البغاء وهذه الأشياء، فانظر إلى العجب! وكيف لا تتعارض عنده (سبايا) مع (متحررات)؟! لأن الحرية التي يقصدها هنا هي الحرية الشهوانية بمعناها السوقي المبتذل، فيمكن في نظره أن تكون المرأة جارية سبية وفي نفس الوقت متحررة، بل طليعة ثورة تحررية؛ لأنها تتبرج في ثيابها وتخرج سافرة الوجه متأبطة ذراع محررها ومالكها في نفس الوقت، وأيضاً مع فصل كامل بين حرية المرأة المملوكة وحرية هذا الوطن الأسير! هذا هو ما يتعلق بموضوع البذرة الأولى لتحرير المرأة، وهو ثورة القاهرة الثانية التي قام بها المسلمون المجاهدون من علماء الأزهر ومن طلاب الأزهر ومن الطبقة الفقيرة من المجتمع المصري، قامت هذه الثورة ضد الحملة الفرنسية من أجل التصدي لهذا التفسخ وهذا الانحلال الذي يعتبرونه بداية تحرير المرأة.
стр. 205
مفهوم الحجاب الشرعي
وبالنسبة لقضية الحجاب فإن كلمة الحجاب في العرف الذي استعمله قاسم أمين لم يقتصر المقصود به على ما نفهمه الآن، فالحجاب كانوا يفهمونه بالوضع الصحيح، أي أن كلمة (الحجاب) عبارة عن عنوان لمجموعة من الأحكام الشرعية التي تنظم وضعية المرأة في المجتمع الإسلامي، سواء فيما يتعلق بالثياب أو فيما يتعلق بالقرار في البيوت أو غير ذلك من الفروع في هذه القضايا.
فالحجاب ليس المقصود به موضوع ملابس المرأة فقط، ولكن الحجاب بمعناه الأوسع -وهو المعنى الصحيح الذي كان يدركه قاسم أمين هو قرار المرأة في البيت وعدم مخالطتها للرجال، وعند خروجها أيضاً تلتزم بالحجاب الشرعي الكامل، هذا فيما يتعلق بهذا التعريف؛ لأننا سوف نحتاج إليه.
стр. 206
نمو حركة تحرير المرأة في مصر
وبالنسبة لبدايات الحركة -كما قلنا- كانت البذرة الأولى هي أول اصطدام وأول احتكاك حصل بين المصريين وأوروبا في خلال الحملة الفرنسية، ثم خففت هذه الدعوات، وبعد ذلك أصبحت البذرة تنمو أكثر وأكثر حينما بعث محمد علي باشا والي مصر المبعوثين إلى فرنسا ليتلقوا الخبرات والمهارات الفنية، وأخرج معهم شيخاً أزهرياً من أجل أن يحافظ عليهم هناك، ويصلي بهم، وهو المشرف الديني عليهم، وهو الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي، فأقام في باريس خمس سنوات، وما إن عاد إلى مصر حتى بدأ هو يبذر بذور كثير من الدعوات الدخيلة على البيئة المصرية.
فـ رفاعة الطهطاوي هو أول من دعا إلى فكرة الوطنية القومية بمعناها المادي المحدود، فإن المسلمين قبل ذلك ما كانوا يعرفون إلا الرابطة الإسلامية، ولم يعرفوا قومية عربية ولا شعوبية ولا فرعونية، فأول من استورد فكرة الوطنية بمعناها الوثني المحدود وهو التمسك بقطعة معينة من الأرض وغير ذلك من المفاهيم المعروفة عن الوطنية والقومية هو رفاعة الطهطاوي، استوردها من فرنسا حينما رجع من واقع الحياة الفرنسية، وكذلك أخذ طبعة من فرنسا في قضايا جريئة جداً مثل موضوع الكلام على موضوع الطلاق واختلاط الجنسين، وقال: إن السفور والاختلاط ليس داعياً إلى الفساد.
وطالب بأن نقتدي بالفرنسيين في إنشاء المسارح والمراقص، وقال: إن الرقص على الطريقة الأوروبية ليس من الفسق في شيء، بل هو عياقة وسلبنة.
يعني: أناقة وفتوة.
وكان يحرض عليها.
فأول من أثار قضية تحرير المرأة هو رفاعة الطهطاوي في القرن التاسع عشر الميلادي، وسن بذلك أسوأ السنن، حتى إنه حاول أن يضع هذه الأفكار النظرية موضع التنفيذ، وحصلت مقاومة لهذا الأمر.
والمحطة الثانية حصلت بعد ذلك في القرن التاسع عشر، فالقذيفة التي تليها كانت لقس مصري يدعى مورقس فهمي عام (١٨٩٤م) بعد الاحتلال الإنكليزي بحوالي اثنتي عشرة سنة، فظهر أول كتاب في مصر أصدره هذا الرجل مورقس فهمي، وهو من أصدقاء كرومر، أظهره محتمياً بالنفوذ البريطاني، وكتابه هو (المرأة في الشرق)، دعا فيه صراحة -وللمرة الأولى في تاريخ المرأة المصرية- إلى تحقيق أهداف خمسة: أول هذه الأهداف: القضاء على الحجاب الإسلامي.
ثانياً: إباحة اختلاط المرأة المسلمة بالأجانب عنها.
ثالثاً: تقييد الطلاق وإيجاب وقوعه أمام القاضي.
رابعاً: إباحة الزواج بين المسلمات والأقباط.
خامساً: منع الزواج بأكثر من واحدة.
وأصلاً هو نصراني، فلماذا يخاطب المسلمين ويطالبهم أن يتخلوا عن دينهم؟! وما له ولموضوع التعد؟ وهذا الكتاب أحدث ضجة عنيفة، ولم يفق المسلمون من الصدمة التي أحدثها هذا الكتاب حتى ظهر كتاب آخر لفرنسي يدعى الدوق داركير حيث ألف كتاباً اسمه (المصريون)، حمل فيه على نساء مصر، وهاجم المصريين، وتعدى على الإسلام، ونال من الحجاب الإسلامي، وهاجم المثقفين المصريين لأنهم يسكتون على هذه الأوضاع ولا يريدون أن يتمردوا عليها.
ولجأ بعد ذلك الاستعمار الإنكليزي إلى الأميرة نضلي فاضل، وهي أم الملك فاروق، وطلب منها أن تساند مورقس فهمي من خلال صالونها الذي كانت تقابل فيه الرجال.
стр. 207
ترجمة قاسم أمين وكتابه تحرير المرأة
قبل أن نذكر الدور الذي فعله قاسم أمين في هذه المرحلة نشير إلى أن قاسم أمين -للأسف الشديد- إسكندراني، ولد في (١ ديسمبر ١٨٦٣) في الإسكندرية، والتحق بمدرسة رأس التين الابتدائية بالإسنكدرية، وكانت تقع بحي رأس التين، وقيل: إن أباه من أصل كردي.
وقيل: إن الأصل للأسرة تركي.
سافر إلى فرنسا ليتم تعليمه هناك، وتأثر جداً بالإقامة في فرنسا، حتى إنه صرح بأن أكبر الأسباب في انحطاط الأمة المصرية تأخرها في الفنون الجميلة والتمثيل والتصوير والموسيقى، فبعدما كان الناس يقولون: مصر أم الدنيا.
أصبح في باريس يقول: مصر خادمة الدنيا يعني أنها تستحق أن تسمى خادمة الدنيا، وتعرف على صديقة فرنسية تدعى سلافا، فكانت تصحبه إلى المجتمعات الفرنسية، وتقرأ معه في كثير من الكتب.
وكان هناك حركة نسائية في ذلك الوقت تأثر بها قاسم أمين، ومن هنا بدأ يضطرب قاسم أمين، وكانت أول خطوات قاسم أمين -وهي المحطة الأولى- أنه تألم من كتاب داركير عن المصريين، فألف رداً باللغة الفرنسية في نبرة دفاعية تبريرية ضد هذا الكتاب، فكان فيه نوع من الاستخزال؛ حيث كان يخاطب هذا الرجل الفرنسي ويدافع عن الإسلام، فيقول له: إن الإسلام دين خلقي لا يقل عن المجوسية ولا عن المسيحية، وإن روح القرآن لا تختلف عن الروح الإنجيلية! يقول: ولهذا كان أمام مصر طريقان: العودة إلى تقاليد الإسلام، أو محاكاة أوروبا، وقد اختارت الطريق الثاني، إنها قد خطت اليوم بعيداً في هذا الطريق حتى ليصعب عليها الارتداد عنه، إن مصر تتحول إلى بلد أوروبي بطريقة تثير الدهشة، وقد أخذت إدارتها وأبنيتها وآثارها وشوارعها وعاداتها ولغتها وأدبها وذوقها وغذاءها وثيابها تتسم كلها بطابع أوروبي، لقد اعتاد المصريون قضاء الصيف في أوروبا كما اعتاد الأوروبيون قضاء الشتاء في مصر، فلعل أوروبا تقدر لمصر مسيرتها، ولعلها ترد لها يوماً بعض هذا الود الكبير الذي تكنه لها مصر! وقاسم أمين في أثناء الكتاب انتقد بعض النساء اللائي يخالطن الرجال ويبرزن أمام الرجال، فاصطدم في هذه الحالة بالأميرة نضلي فاضل؛ لأنه لم يكن في هذا الوقت من يتشبه بالنساء الأوروبيات ويخالط الرجال غيرها في صالونها الذي اتخذت منه مركزاً للتغريب، وإلى دعوة تحرير المرأة بصفة خاصة، وكان من رواد هذا الصالون سعد زغلول والشيخ محمد عبده وغيرهم.
فغضبت جداً من كلام قاسم وقالت قولاً شديداً بعد أن تهددت وتوعدت، وأمرت جريدة المقطم الناطقة بلسان الإنكليز أن ترد على قاسم أمين وتفند أخطاءه، لكن اقتنع قاسم أمين بضرورة تصحيح خطئه، واتفق معه سعد زغلول ومحمد عبده على أن ينشر كتاباً يصحح فيه خطأه، ويؤيد فيه الدوق داركير، ويواصل مناصرته لكتاب (المرأة في الشرق) لـ مورقس فهمي.
فهذه هي الظروف التي ولد فيها كتاب قاسم أمين (تحرير المرأة)، وكان الذي توسط بين الأميرة وبين قاسم أمين هو -للأسف الشديد- الشيخ محمد عبده! فتقدم قاسم أمين بالاعتذار إلى الأميرة وقبلت اعتذاره، وظل يتردد على صالونها، ووضع كتابه الأول الذي هو (تحرير المرأة)، وفي هذا الكتاب ألغى الأفكار الدفاعية التي دافع فيها عن الإسلام في كتابه (المصريون) واتجه منحىً آخر، فيقول مثلاً: فالتركي نظيف صادق شجاع، والمصري على ضد ذلك، إلا أنك تراهما رغماً عن هذا الاختلاف متفقين في الجهل والكسل والانحطاط، إذاً لابد أن يكون بينهما أمر جامع وعلة مشتركة هي السبب الذي أوقعهما معاً في حالة واحدة، ولما لم يكن هناك أمر يشمل المسلمين جميعاً إلا الدين ذهب جمهور الأوروبيين وتبعهم قسم عظيم من نخبة المسلمين إلى أن الدين هو السبب الوحيد في انحطاط المسلمين وتأخرهم عن غيرهم! وقد تناول في كتابه مسألة الحجاب، واشتغال المرأة بالشئون العامة، وتعدد الزوجات، والطلاق، وفي كل هذه المسائل يأخذ بما يذهب إليه الغربيون! وهو في المرحلة الأولى كانت النبرة عنده هادئة في قضية الحجاب، وجعل كل المعركة منصبة حول حكم كشف الوجه، وأنه يجوز للمرأة أن تكشف وجهها، فكان يقول في هذا الكتاب: الحجاب أصل من أصول الأدب يلزم التمسك به، ولكني أطالب بأن يكون منطبقاً على الشريعة الإسلامية.
ثم قال: إن الشريعة ليس فيها نص يوجب الحجاب على الطريقة المعهودة، وإنما هي عادة عرضت لهم من مخالطة بعض الأمم فاستحسنوها، وألبسوها لباس الدين كسائر العادات الضارة التي تمكنت في الناس باسم الدين، والدين منها براء.
وظل يتكلم كلاماً فقهياً، غير أنه من المعلوم والمشهور أنه كان ضحلاً جداً في الناحية الشرعية، ولم يكن عنده أي علم على الإطلاق، ولذلك اتفق كل من أرخ للكتاب على أن الفصول التي تناولت مناقشة القضايا الشرعية كتبها له الشيخ محمد عبده! وقد علق الشاعر أحمد شوقي على دعوة قاسم أمين فقال: في مطلب خشن كثير في مزالقه العثور ولك البيان الجذل في أثنائه العلم الغزير حتى لنسأل هل تغار على العقائد أم تغير؟ ما بالكتاب ولا الحديث إذا ذكرتهما نكير يقول قاسم أمين في بعض المواضع: في البلاد الحرة قد يجاهر الإنسان بأن لا وطن له، ويكفر بالله ورسله، ويطعن على شرائع قومه وآدابهم وعاداتهم، ويقول ويكتب ما شاء الله في ذلك، ولا يفكر أحد أن ينقص شيئاً من احترامه لشخصه متى كان قوله صادراً عن نية حسنة واعتقاد صحيح! يعني أن من يكفر بالله ورسله ويشتم الأنبياء ليس هناك مشكلة معه ما دام الاعتقاد عنده صحيحاً والنية حسنة! يقول: كم من الزمن يمر على مصر قبل أن تبلغ هذه الدرجة من الحرية؟ فنقول: لم تمر مائة سنة حتى سمعنا هؤلاء الذين يكفرون بالله ورسله.
والغريب أن في نهاية كتاب قاسم أمين "تحرير المرأة" شاء الله تعالى أنه ختم آخر سطر في الكتاب بقوله: تم كتاب (تجريد المرأة)، وهو خطأ مطبعي، لكن معناه صحيح، وبعد ذلك حورب قاسم أمين وقوبل باعتراضات شديدة جداً، إلا أن سعد زغلول في هذه المرحلة وقف يسانده، واتهمه المعارضون بالهذيان، وهاجمه علماء الدين، وحكم الفقهاء بأنه خرق في الإسلام ومروق من الدين وضرب من المبالغة في تقليد الغربيين، وأنه يمالئ الإنكليز على ضياع البلاد، وأنه ينفذ أمنية من أماني الأمم الصليبية التي تريد أن تهدم الإسلام وتقوض البلاد والأخلاق.
وفي الهند ترجم الكتاب، وانتشر فيها انتشاراً كبيراً جداً.
وممن ناصروا قاسم أمين وبادروا إلى تأييد دعوته في كتاب "تحرير المرأة" جورجي نيقولا باذ، حيث ألف كتابين يؤيد فيهما قاسم أمين هما: "إكليل الغار على رأس المرأة" والآخر " النسائيات".
стр. 208
بعض الذين ردوا على قاسم أمين
ولم يكتف دعاة الحق بالمقالات العنيفة، بل ألفوا حوالي مائة كتاب رداً على كتاب "تحرير المرأة" منها: "السنة والكتاب في حكم التربية والحجاب" لـ محمد إبراهيم القاياتي، و"الجليس الأنيس في التحذير عما في تحرير المرأة من التلبيس" للبولاقي، و"خلاصة الأدب" لـ حسين الرفاعي، و"نظرات في السفور والحجاب" للغلاييني، و" قولة المرأة" لـ مصطفى صبري شيخ الإسلام في الدولة العثمانية، و"رسالة في نشرات الحجاب" لـ مصطفى ندى، و"رسالة الفتى والفتاة" والعديد من هذه الكتب والرسائل التي يتعمد إخفاؤها.
وهناك شخصية مشهورة جداً قامت مع تأييد الحجاب، وهو محمد طلعت حرب الاقتصادي المعروف الذي اقترن اسمه -للأسف الشديد جداً- بشئون الاقتصاد الربوي، فإنه ألف أول كتاب في الرد على قاسم أمين، واسم الكتاب (تربية المرأة والحجاب) استنكر عليه دعوته وقال: إن رفع الحجاب والاختلاط كلاهما أمنية تتمناها أوروبا من قديم الزمان لغاية في النفس يدركها كل من وقف على مقاصد أوروبا في العالم الإسلامي.
ثم يقول: إنه لم يبق حائل دون هدم المجتمع الإسلامي في المشرق ولا في مصر وحدها إلا أن يطرأ على المرأة المسلمة التحويل، بل الفساد الذي عم الرجال في المشرق.
وهناك شخصية أخرى هامة جداً في هذا الموضوع، وهذا أيضاً مما يتعمد إخفاؤه، ونحن نحفظ من المدرسة عند أن كنا ندرس كتب التاريخ عيوب مصطفى كامل، فمن المشهور من عيوبه أنه كان يدافع عن الرابطة بالدولة العثمانية، وينادي ببقاء مصر ولاية عثمانية تحت حكم الخلافة العثمانية، هذا هو العيب المشهور عنه، لكن له عيب ثانٍ إن جاز التعبير، وهو أنه كان أشد أنصار الحجاب على الإطلاق في الساحة السياسية، ولم يتصد أحد لدعوة قاسم أمين بمراحله المختلفة مثلما فعل مصطفى كامل ﵀ وعفا عنه، حيث كان مصطفى كامل يتحسس الأصابع الإنكليزية وراء حركة قاسم أمين التي يديرها النادي المشبوه، وهو صالون الأميرة نضلي، والذي كان يضم أذناب الاستعمار الإنكليزي، وقد قاوم مصطفى كامل هذه الدعوة المسمومة بشدة، حتى إنه أعلن عن فتح جريدة، وجعل صدر صحيفته (اللواء) منذ أول ظهورها لكل من يريد أن يطعن على قاسم أمين وأفكاره، وكان ينشر أي رد على قاسم أمين.
стр. 209
قاسم أمين يعزز دعوته بكتاب المرأة الجديدة
والشعراء كان لهم موقف، فهذا الشاعر محرم كان له قصيدة جميلة جداً يقول فيها: أغرك يا أسماء ما ظن قاسم أقيمي وراء الخدر فالمرء واهم تضيقين ذرعاً بالحجاب وما به سوى ما جلت تلك الرؤى والمزاعم سلام على الأخلاق في الشرق كله إذا ما استبيحت في الخدور الكرائم قاسم لا تقذف بجيشك تبتغي بقومك والإسلام ما الله عالم لنا من بناء الأولين بقية تلوذ بها أعراضنا والمحارم أسائل نفسي إذ دلفت تريدها أأنت من البانين أم أنت هادم؟ ولولا اللواتي أنت تبكي مصابها لما قام للأخلاق في مصر قائم نبذت إلينا بالكتاب -كتاب"تحرير المرأة".
نبذت إلينا بالكتاب كأنما صحائفه مما حملن ملاحم ففي كل سطر منه حتف مفاجئ وفي كل حرف منه جيش مهاجم إلى أن يقول رداً عليه: لنا في كتاب الله مجد مؤثل وملك على الحدثان والدهر دائم إذا نحن شئنا زلزل الأرض نابنا ودانت لنا أقطارها والعواصم هممنا بربات الحدالي نريدها أقطيع ترعى العيش وهي سوائم وإن امرأً يلقي بليل نعاجه إلى حيث تستن الذئاب لظالم وكل حياة تثلم العرض سبة ولا كحياة جللتها المآثم أتأتي الثنايا الغر والطرر العلا بما عجزت عنه اللحى والعمائم فلا ارتفعت سفل الجواء بصاعد إذا حلقت فوق النسور الحمائم عفا الله عن قوم تمادت ظنونهم.
يعني الذين يحسون الظن بـ قاسم أمين.
عفا الله عن قوم تمادت ظنونهم فلا النهج مأمون ولا الرأي حازم ألا إن بالإسلام داءً مخامراً وإن كتاب الله للداء حاسم.
وهذا الشاعر جواد الشبيبي أيضاً رد مستنكراً هذه الدعوة الآثمة يقول: منع السفور كتابنا ونبينا فاستنطق الآثار والآيات تلك الوجوه هي الرياض بها ازدهت للناظرين شقائق الوجنات كانت تكتم في البراقع خفية من أن تمس حصانة الخطرات واليوم فتحها الصبا فتساقطت بعواصف الألحاظ والقبلات صوني جمالك بالبراقع إنها ستر الحسان ومظهر الحسنات ويقول الشاعر أيضاً: أولم يروا أن الفتاة بطبعها كالماء لم يحفظ بغير إناء من يكفل الفتيات بعد ظهورها مما يجيش بخاطر السفهاء ومن الذي ينهى الفتى بشبابه عن خدع كل خريدة حسناء نص الكتاب على الحجاب ولم يبح للمسلمين تبرج العذراء ماذا يريبك من حجاب ساتر ميز المهاة وطلعة الزلفاء ماذا يريبك من إزار مانع وزر الفؤاد وظلة الأهواء ما في الحجاب سوى الحياء فهل من التهذيب أن يهتكن ستر حياء هل في مجالسة الفتاة سوى الهوى لو أصدقتك ضمائر الجلساء شيد مدارسهن وارفع مستوى أخلاقهن لصالح الأبناء أسفينة الوطن العزيز تبصري بالقعر لا يغررك سطح الماء ويقول أيضاً الشاعر حسيب علي حسيب شاعر سوداني -أيضاً- راداً على قاسم أمين بقوله: دعوا في خدرها ذات الدلال فقد أرهقتموها بالجدال رأيت شعورها الحساس مضنى على هذا الجمود عن المعالي تذوب وقد تناظرتم حياءًَ بفحش اللفظ أو هجر المقال ويعلو خدها خطر ينادي أيا للنساء من الرجال! زعمتم تعشقون لها صلاحاً فظني أن ذا عشق الجمال ومسألة السفور غدت قديماً لدى الكتاب مشكلة النضال وما أحد لها يدعو فماذا يريد الناس من قيل وقال أحباً في مناجاة الغواني ترى أم ذاك زهداً في المعالي بلى فالعلم عندهم كريم ولكن المتيم غير تالي دعوها فهي تؤلمها كثيراً سهام المصلحين بالاعتدال عجبت لحلمهم في كل خطب وإن ذكر البنات دعوا نزال أي أنه يتعجب ويقول: المصائب عندما تنزل بالأمة تكونون حلماء لا تحركون ساكناً، ولكن إذا جاءت دعوة تحرير المرأة وخروج المرأة وتبرجها دعوا نزال -أي: المعركة- كي يخوضوا فيها.
стр. 210
الهدف الحقيقي من دعوة قاسم أمين
ولم يلبث قاسم أمين حينما أحرج بهذه المواجهة الصارمة أن أسفر عن وجهه الحقيقي وكشف في جرأة وصراحة عن أهدافه المغرضة، فأظهر في العام الثاني مباشرة قاسم أمين كتاباً رفع فيه شعاراً في غاية الصراحة (خير الهدي هدي أوروبا) وهو لم يقلها باللفظ لكن هذا معنى كلامه، وهو كتاب "المرأة الجديدة" بدت فيه بصمات الفكر الغربي واضحة، حيث حمل فيه على المدنية الإسلامية، وادعى أنه لا سبيل إلى الإصلاح الاجتماعي سوى اقتفاء آثار الغرب وقطع الصلة بماضي أمتنا.
يقول: لأن تمسكنا بالماضي إلى هذا الحد هو من الأهواء التي يجب أن ننهض جميعاً لمحاربتها؛ لأنه ميل إلى التدني والتقهقر، هذا هو الداء الذي يلزم أن نبادر إلى علاجه، وليس له من دواء إلا أن نربي أولادنا على أن يعرفوا شئون المدنية الغربية، ويقفوا على أصولها وفروعها وآثارها! وفي الكتاب السابق كان متمسكاً بالحجاب، لكن يقول بكشف الوجه، وفي هذا الكتاب قطع بأن الحجاب عادة لا يليق استعمالها في عصرنا.
وحاله كما قال الشاعر: يرمرم من فتات الكفر قوتاً ويلعق من كئوسهم الثماله يقبل راحة الطاغوت حيناً ويلثم دونما خجل نعاله وقد حصلت ردود فعل شديدة جداً بالنسبة للكتاب الثاني الذي هو (المرأة الجديدة)، حيث تصدى له من جديد مصطفى كامل، وكتب يقول: هذا الكتاب أخرجه أخيراً قاسم أمين ليدعم به أمر كتابه الأول، ويفتح به آفاقاً جديدة لتحلل المسلمين من دينهم وأخلاقهم.
وفي هذه الحال أيضاً أعلن الخديوي عباس حلمي عن رأيه في مسألة الحجاب، وصدر بيان من الخديوي يقول: يرى الجناب العالي حفظه الله في مسألة الحجاب وإطلاق حرية النساء ما يراه الشرع الشريف، ويأمر به.
ولما حضر قاسم أمين إلى المعية السنية، والتمس تقديم الكتاب إلى سموه أبى الخديوي قبول كتاب "المرأة الجديدة"، وفي نفس الوقت قبل كتاب "الاحتجاب" لأحد العلماء الذين يدعون إلى الحجاب، وأعرب عن عظيم امتنانه لنشره إلى آخره، وأصدر الخديوي أمراً بمنع قاسم أمين من دخول القصر في أية مناسبة.
стр. 211
دور الإنكليز في الدعوة إلى تحرير المرأة
وفي عام (١٩٠٨م) مات قاسم أمين، فأوحى الإنكليز إلى شيعته أن يقيموا له ما يسمى بحفل تأبين، وأرادوا أن لا تنقطع الدعوة بموته.
وفي المقابل قام الرجال في الحزب الوطني بقيادة مصطفى كامل فأقاموا احتفالاً كبيراً بالدعوة إلى الحجاب، ولإبراز أصابع الإنكليز في فتنة السفور.
وبعد ذلك حصلت طفرة شديدة جداً بالنسبة لقضية تدمير المرأة، وهي قيام ثورة التاسع عشر، فكانت أكبر طفرة حصلت في حركة تحرير المرأة؛ لأن المرأة خرجت للمظاهرات وشاركت فيها، ولا أدري ما هي علاقة المرأة بموضوع المظاهرات، وهل الإنكليز هم الذين فرضوا عليها الحجاب؟ وهل هي تقاوم الإنكليز من أجل أنهم هم الذين أمروها بالحجاب؟ الحجاب فرض عليها منذ ثلاثة عشر قرناً فما هي علاقة خروج النساء في مظاهرات ضد الإنكليز، ويهتفن ضد الإنكليز.
وهذا هو فن صناعة الأبطال، فواجب على البطل أن يكون له مجد وله مآثر وله إنجازات من أجل أن يبرز الناس هذه السموم التي يريد أن يبثها.
стр. 212
محمود عزمي وسعد زغلول في الدعوة إلى تحرير المرأة
ومن ضمن التعبيرات الخطيرة جداً تلك التي صرح بها رجل يدعى محمود عزمي حيث قال: تأثرت بكتب قاسم أمين تأثراً عجيباً جعلني أمقت الحجاب مقتاً شديداً، ويرجع إلى اعتبار خاص هو اعتبار أن الحجاب من أصل غير مصري، ودخوله إلى العادات المصرية كان عن طريق تحكم بعض الفاتحين الأجانب.
قال: فكان حنقي على أولئك الأجانب الفاتحين الإسلاميين يزيد.
وكما قلت في البداية: القضية هي صراع بين إسلام وكفر، هدىً وضلال، حق وباطل، وحي وهوى، ولا يوجد خط وسط أبداً بين الاتجاهين.
وكان لزوجة سعد زغلول صفية مصطفى فهمي دور خطير في هذا الوضع، فحينما رجع سعد زغلول من المنفى قامت صفية زغلول بإلقاء الحجاب من على وجهها، وهذه هي مكافأة المرأة من أجل أنها شاركت في مقاومة الاحتلال، فتدخل علي الشمسي وواصف بطرس، حيث اعترض واصف بطرس غالي وقال لـ سعد زغلول: هذا سيعمل رد فعل شديد في المجتمع، كيف تكون صفية زغلول تكشف وجهها؟ فرد عليه سعد زغلول وقال: المرأة خرجت إلى الثورة بالبرقع، ومن حقها أن ترفع الحجاب اليوم، فرفعت صفية زغلول الحجاب، وطلبت من النساء رفع الحجاب فرفعت الحاضرات الحجاب.
هذه كانت بداية الطفرة في موضوع تحرير المرأة، ولا شك أن كشف الوجه كان ذريعة إلى كثير من المفاسد التي حصلت بعد ذلك، كما ذكرت الأشعار التي تبين أنه كان المصريون في غاية التمسك بالحجاب، كما يقول حافظ إبراهيم: فلو خطرت في مصر حواء أمنا.
لأنه يدعي أن حواء كانت سافرة، وكذلك يدعي أن مريم كانت سافرة، فيقول حافظ إبراهيم: لو جاءت حواء كاشفة وجهها ومريم ﵍ وجاء معهما موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام وجيش من الأملاك ماجت مواكبه، وكل هؤلاء قالوا لنا: رفع النقاب حلال لقلنا لهم: صحيح، لكن سنتجنبه ولن نعمله.
فيقول: فلو خطرت في مصر حواء أمنا يلوح محياها لنا ونراقبه وفي يدها العذراء يسفر وجهها تصافح منا من ترى وتخاطبه وخلفهما موسى وعيسى وأحمد وجيش من الأملاك ماجت مواكبه وقالوا لنا رفع النقاب محلل لقلنا لهم حق ولكن نجانبه
стр. 213
هدى شعراوي وتحرير المرأة
وبعد ذلك خطا الناس إلى أبعد مما نادى به قاسم أمين، فـ قاسم أمين ادعى أنه يريد الوقوف بالحجاب إلى حيث أمرها الله بكشف الوجه والكفين فقط، وكل المعركة في المرحلة الثانية التي هي كتاب "تحرير المرأة" كانت متعلقة بكشف الوجه والكفين، والذي كتب له هذا الكلام هو محمد عبده كما ذكرنا، فلم يدع في هذه المرحلة قط إلى كشف العورات كالأذرع والسيقان وغيرها، ولم يدع إلى الاختلاط بالرجال ومراقصتهم ولا إلى شيء من ذلك.
بل زوجة قاسم أمين كانت محجبة حجاباً كاملاً، بل إنها ظلت ترتدي البرقع والحدرة وقاسم كان ينادي بفكرته، لكنه لم يطبقها في أسرته إلا على النشأ الجديد، ثم قالت زوجة قاسم أمين: إن بنات الجيل الحالي وشبابه قد أخطئوا فهم هذه الدعوة وتجاوزوا مداها، فالمظهر الذي تظهر به الفتاة في هذا العصر ليس سفوراً، بل بهرجة فظيعة لم تخطر على بال قاسم أن ينادي بها أو يدعو إليها، وإنما كان قاسم ينادي بالسفور الشرعي، أي: كشف الوجه، فكلمة السفور تعني الكشف الذي لا يزيد على إظهار الوجه واليدين والقدمين، ولا يتجاوز إلى إظهار العورات وإلى اختلاط المرأة بالرجل بالشكل الحاصل الآن.
تقول: وإني أعتقد أن قاسم بيك لو كان حياً لما رضي عن هذه الحال، بل لانبرى إلى محاربتها.
وقد أخذت الأمور تتطور بسرعة شديدة، وقد شل جسم الحياء من المرأة فأفضت تحدث وتجالس وتصافح وتختلط وتضاحك عامة الناس وأصدقاء وأقارب الزوج وإن بعدوا وإن سفلوا، وألقت المرأة بعد ذلك ملاءتها بعيدا ًعن ساحة الحياء، وخرجت في ملابس ملونة ومزخرفة أخذ المقص يجور عليها حتى خرجن كاسيات عاريات.
وقد تتابعت التطورات في سرعة مذهلة، ولم تدع فرصة للمعارضة، وأعان على اندفاعها جو الثورة التي تلت الحرب وما كان يوحي به من جرأة ومن تمرد على كل قديم.
وفي عام (١٩١٩م) حصلت مظاهرة قامت بها النسوة، وكان عددهن ثلاثمائة، وفي بعض الكتب الوثائقية صورة للنساء في هذه المظاهرات.
وكانت هدى شعراوي في صراع شديد مع زوجها لأنها تذهب إلى المظاهرات، وكان يقول لها: هل أنت ستحرجين الإنكليز إذا عملت مظاهرة؟! وإذا ضربوك بالنار تقولين: يا لهوي! ويا لهوتي! وكذا، تقول: فتركته وانصرفت لألحق بزميلاتي الذي كن ينتظرنني في الخارج.
وقد تهكم منهن حافظ إبراهيم حيث يقول في وصف هذه الغزوة: خرج الغواني يحتججن ورحت أرقب جمعهنه فإذا بهن تخذن من سود الثياب شعارهنه وضللن مثل كواكب يسطعن في وسط الدجنه وأخذن يجتزن الطريق ودار سعد قصدهنه يمشين في كنف الوقار وقد أبن شعورهنه وإذا بجيش مقبل والخيل مطلقة الأعنه وإذا الجنود سيوفها قد صوبت لنحورهنه وإذا المدافع والبنادق والصوارم والأسنه والخيل والفرسان قد ضربت نطاقاً حولهنه والورد والريحان في ذاك النهار سلاحنه فتطاحن الجيشان ساعات تشيب لها الأجنه فتضعضع النسوان والنسوان ليس لهن منه ثم انهزمن مشتتات ال شمل نحو قصورهنه فليهنأ الجيش الفخور بنصره وبكسرهنه فكأنما الألمان قد لبسوا البراقع بينهنه وأتوا بهند نبرج مخـ تفياً بمصر يقودهنه فلذاك خافوا بأسهن وأشفقوا من كيدهنه وقد تردت أوضاع المرأة بعد ذلك إلى وضع لم يكن يحلم به قاسم أمين، حيث قامت حركة هدى شعراوي، وكان لها تأثير سيئ جداً، وقد سافرت إلى باريس وأمريكا، وحصل منها تصريحات واجتماعات تدعو فيها إلى تحرير المرأة.
وفي هذه المرحلة أيضاً كتب الشاعر محمد عبد المطلب قصيدة جميلة جداً يصف أحوال المرأة في ذلك الزمان يقول فيها: ما في بنات النيل من أرب لذي غرض نبيل أصبحن عاباً في الزمان وسوءة في شر جيل ما هذه الحضرات تهفو في الخمائل والحقول نكر العفاف ذيولها ومن الخنا قصر الذيول إن ينتسبن إلى الحجاب فإنه نكد الدخيل يختلن أبناء الهوى بالدل والنظر الختول من كل خائنة الحليل تهم في طلب الخليل ما لابنة الخدر المصون وربة المجد الأثيل أودى كثيف نقابها بكرامة الأم البتول يعني: يشتكي من أن النقاب شفاف، هي هذه المشكلة كلها.
يقول: وعلا رنين حجولها أسفاً على الذيل الطويل فإذا مشت هتك النقاب محاسن الوجه الجميل ولقد ينم عبيرها فتحسه من نحو ميل ترتاد خائنة العيون بلحظ فاتنة قتول ثم يعرض بـ قاسم أمين فيقول: يا هل درى ذاك الغيور بما جرى ويح الجهول أهي التي فرض الحجاب لصونها شرع الرسول جعل الحجاب معابها من ذلك الداء الوبيل يا منزل القرآن نوراً للبصائر والعقول عميت بصائر أهل وادي النيل عن وضح السبيل ذهلوا عن الأعراض لو يدرون عاقبة الذهول
стр. 214
هل يستجيب دعاة السفور إلى ما تستلزمه دعوتهم من منكرات
وقد اندفع تيار السفور والتبرج ولم يستطع أحد أن يوقفه، فهذا شكيب أرسلان كتب مقالة يقول فيها: عند إعلان الدستور العثماني سنة (١٩٠٨م) قال أحمد رضا بيك من زعماء أحرار الترك: ما دام الرجل التركي لا يقدر أن يمشي علناً مع المرأة التركية على جسر غلطة أو بلطة -الذي يربط بين آسيا وأوروبا- وهي سافرة الوجه فلا أعد في تركيا دستوراً ولا حرية.
وكانت هذه هي المرحلة الأولى، يقول شكيب أرسلان: وفي هذه الأيام بلغني أن أحد مبعوثي مجلس أنقرة الكاتب رفقي بيك الذي كان كاتباً عند جمال باشا في سوريا كتب: إنه ما دامت الفتاة التركية لا تقدر أن تتزوج بمن شاءت ولو كان من غير المسلمين، بل ما دامت لا تعقد مقاولة مع رجل تعيش وإياه كما تريد مسلماً كان أو غير مسلم فإنه لا يعد تركيا قد بلغت رقياً.
هذه هي المرحلة الثانية، يقول شكيب أرسلان: فأنت ترى أن المسألة ليست منحصرة في السفور، ولا هي بمجرد حرية المرأة المسلمة في الذهاب والمجيء كيفما تشاء، بل هناك سلسلة طويلة حلقاتها متصل بعضها ببعض لابد أن ينظر الإنسان إليها كلها من أولها إلى آخرها، فإذا كان ممن يرى حرية المرأة المطلقة فعليه أن يقبلها بحذافيرها، أما أن نجمع بين حرية المرأة وعدم حريتها، وأن نطلق لها الأمر تذهب حيث أرادت وتحادث من أرادت وتضاحك من أرادت وتغامز من أرادت ثم إذا صبا قلبها إلى رجل من غير جنسنا فذهبت وساكنته وكان بينها وبينه ما يكون بين الرجل وزوجه أقمنا القيامة ودعونا بالمسدس وقلنا: يا للحمية! يا للأنفة! يا للغيرة! يا للعرض! فهذا لا يكون، وليس من العدل ولا من المنطق أن يكون.
ثم يقول: والنتيجة التي نريدها قد حصلت، وهي أن سلوكنا مسلك الأوروبيين حذو القذة بالقذة في هذه المسألة له توابع ولوازم لابد أن نقبلها، ولا يبقى معها محل لكلمة (أعوذ بالله) كلا! لا يوجد هناك: (أعوذ بالله) بل تلك مدنية وهذه مدنية، تلك نظرية وهذه نظرية، فعلينا أن نختار إحدى المدنيتين أو إحدى النظريتين مهما استتبعت من الأمور التي كان يقال في مثلها عندنا: (أعوذ بالله)! ولم تمض إلا سنوات قليلة حتى ارتفع صوت الصحفي الكاثوليكي إبراهيم المصري في مصر فكتب مقالة سنة (١٩٢٥م) يقول فيها: إننا لم نخط بعد الخطوة الحاسمة في سبيل تطبيق روح الحضارة العصرية على عاداتنا وأخلاقنا وأساليب حياتنا، إن نساءنا العصريات المتعلمات اللواتي يطالعن الصحف ويقرأن القصص ويغشين المسارح ودور السينما لا يزال يحال بينهن وبين الظهور في المجتمعات البيتية أمام رجل غريب، فنحن قد سلمنا بمبدأ تعليم نسائنا، ولكنا لم نسلم بعد بقدرة هؤلاء النساء على الانتظام في حفل كبير يضم عدداً مختاراً من أفراد الجنسين، ويتألف منه مجتمع مصري مختلط أشبه بالمجتمعات الأوروبية التي نشهدها في مصر، ونحسد الأجانب عليها! يقول: إن هذا راجع إلى أن ثقة الرجل المصري بالرجل المصري لا تزال معدومة، وقد تركز على ذلك أنك أصبحت ترى امرأة صديقك السافرة في الشارع وفي المحل التجاري وفي دار المسرح أو السينما، ثم لا تستطيع أن تراها في بيتها لتتفهم حقيقة شخصيتها، وتعرف كيف تعيش وكيف تشعر وكيف تفكر، أصبحت تبصرها في الحياة العامة وتعجب بها، ولكنك متى أردت تهذيب عواطفك وصقل إحساساتك ومشاعرك بالجلوس إليها والتحدث معها وإشراكها في المسائل التي تشغل عقلك وعقل باطنك حيل بينك وبينها، واتهمت بفساد النية وسوء القصد! ثم يقول: إن المجتمع المختلط هو الذي يقرب مسافة الخلف بين الجنسين، ويقيم علاقات الرجل والمرأة على قاعدة التفاهم الفكري العاطفي! ثم يقول: على المصريين أن يخرجوا من عقولهم، فالاعتقاد الشرقي الشائع بأن الرجل والمرأة متى التقيا فلابد أن ينهض الشيطان بينهما وينفث في نفسيهما سموم الرذيلة والشر هذا هو سر تأخرنا، وهو بقايا عصور الجهل والخوف والظلام! ولا حول ولا قوة إلا بالله! يقول الإمام ابن دقيق العيد: من عذيري من معشر هجروا العقل وحادوا عن طرقه المستقيمة لا يرون الإنسان قد دان حظاً من صلاح حتى يكون بهيمة
стр. 215
ردود بعض الشعراء على دعاة التحلل والسفور
следующие страницы →