← Джавами‘

Джавами‘ · id 37018

دروس الشيخ محمد إسماعيل المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (2 122 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

حديث: (إن الله أمر يحيى بن زكريا) وعن الحارث بن الحارث الأشعري ﵁ عن رسول الله ﷺ : (إن الله أمر يحيى بن زكريا ﵉ أن يأمر بني إسرائيل بخمس كلمات) منها: ذكر الله . وفي نص الحديث: أن يحيى قال لهم: (وآمركم بذكر الله كثيراً، ومثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعاً في أسره) يعني: أعداؤه لحقوه، وأخذوا يطاردونه بسرعة شديدة (فأتى على حصن حصين فأحرز نفسه فيه) فدخل الحصن وأغلق الأبواب جيداً وأوثقها وأحكم إغلاقها، وتحصن بذلك من هذا العدو الذي كان يريد أن يفتك به، يقول: (فأتى على حصن حصين فأحرز نفسه فيه، فإن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله تعالى) فهذا أعظم ما يحمي الإنسان من كيد الشيطان، سواء بستويل المعاصي، أو بالوساوس، أو غير ذلك من الآفات والأمراض التي تفسد على الإنسان حياته، فإن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله تعالى.

стр. 282

حديث: (أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه) وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يقول الله : أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه) وهذه المعية معية خاصة، وليست المعية العامة التي تكون مع البشر أجمعين، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤] بعلمه وسمعه وبصره، وإنما هذه هي المعية الخاصة التي هي معية النصر والتأييد والتسديد والتوفيق، مثل قوله ﵎: ﴿قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦]، ومثل قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨] فمعنى (أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه): أنا مع عبدي زمان ذكره لي مادام يذكرني، فأنا معه بالحفظ والكلاءة. وليس المقصود أن الله يحل حيث يحل العبد، وإنما المقصود أن الله معه بالحفظ والكلاءة والحراسة والحماية.

стр. 283

حديث: (طوبى لمن طال عمره وحسن عمله) وعن عبد الله بن بسر المزني ﵁ قال: (جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال: أي الناس خير؟ فقال: طوبى لمن طال عمره، وحسن عمله). فهذه من أعظم نعم الله ، أن يمد في عمر الإنسان فيعمره بالطاعات والأعمال الصالحة، أما من طال عمره وقبح وساء عمله فطول العمر في حقه مصيبة عظمى؛ لأنه كلما ارتكب معاصي أكثر استوجب عقاباً أكثر، فطول العمر لمثل هذا وبالٌ عليه. وجاء رجلان إلى النبي ﷺ فسأله أحدهما قائلاً: (أي الناس خير؟ قال: طوبى لمن طال عمره وحسن عمله، وقال الآخر: يا رسول الله! أي الأعمال أفضل؟ قال: أن تفارق الدنيا ولسانك رطب من ذكر الله).

стр. 284

حديث: (لا يزال لسانك رطباً بذكر الله) وعنه ﵁ أن رجلاً قال: (يا رسول الله! إن أبواب الخير كثيرة ولا أستطيع القيام بكلها، فأخبرني بشيء أتشبث به ولا تكثر علي، فأنسى فقال ﷺ : لا يزال لسانك رطباً بذكر الله ﵎، وفي رواية: أن الرجل قال: (إن شرائع الإسلام قد كثرت، وأنا قد كبرت، فأخبرني بشيء أتشبث به، ولا تكثر علي فأنسى. فقال ﷺ : لا يزال لسانك رطباً بذكر الله ﵎.

стр. 285

حديث: (من قعد مقعداً لم يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة) وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من قعد مقعداً لم يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة، ومن اضطجع مضجعاً لا يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة، وما مشى أحد ممشىً لا يذكر الله فيه إلا كانت عليه من الله ترة). ومعنى الترة لغة: النقص، يقول : ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٥]. يعني: لن ينقصكم، لكن المقصود بالترة هنا في هذا الحديث التبعة، يقال: وترك الرجل يترك ترة، على وزن: وعدك يعدك عدة. يعني: إلا كانت عليهم تبعة. أي: حسرة ومسئولية يسألون عنها ويحاسبون عليها. يقول ﵊: (من قعد مقعداً لم يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة، ومن اضطجع مضجعاً لا يذكر الله تعالى فيه كانت عليه من الله ترة، وما مشى أحد ممشىً لا يذكر الله فيه إلا كانت عليه من الله ترة) وفي رواية: (ما جلس قوم مجلساً لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على نبيهم ﷺ إلا كان عليهم ترة، فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم). ففي هذا الحديث وجوب الصلاة على النبي ﵌، وذكر الله في أي مجلس يجلسه الإنسان، فإذا جلس الإنسان مجلساً -سواءٌ مع إخوانه في درس علمي أو محاضرة في أي موضوع- فإنه يجب أن يراعى هذا الأدب، والدليل على وجوبه قوله ﵊: (فإن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم) وهذا لا يقال إلا في الواجب، قال: (ما جلس قوم مجلساً لم يذكروا الله فيه، ولم يصلوا على نبيهم ﷺ إلا كان عليهم ترة، فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم). وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله فيه إلا قاموا عن مثل جيفة حمار، وكان عليهم حسرة) يعني: كأنهم كانوا يجلسون في وليمة يأكلون فيها جثة حمار منتنة متعفنة يتعاطونها ويأكلونها. فهذا مثل كل من يجلس مجلساً لا يذكر الله ﵎ فيه، وما أكثر هذه المجالس -للأسف- في هذا الزمان! مجالس أمام الفيديو والتلفاز، وفي المسارح والسينماء وعلى المقاهي، وفي أماكن كثيرة جداً كما نعلم يجلسون فيها لا يذكرون الله ، وليتهم يكتفون بعدم الذكر إن لم يكن فيها اللغو والآفات الأخرى من آفات اللسان.

стр. 286

حديث الثلاثة الذين أسلموا فكان آخرهم موتاً أكثرهم أجراً وعن عبد الله بن شداد: (أن نفراً من بني عذرة أتوا النبي ﷺ فأسلموا، قال: فقال النبي ﷺ : من يكفنيهم -يعني من يقوم بضيافتهم-؟ قال طلحة: أنا. قال: فكانوا عند طلحة ضيوفاً، فبعث النبي ﷺ بعثاً، فخرج فيه أحدهم فاستشهد، قال: ثم بعث بعثاً فخرج فيه آخر فاستشهد، ثم مات الثالث على فراشه، قال طلحة: فرأيت هؤلاء الثلاثة الذين كانوا عندي في الجنة، فرأيت الميت على فراشه أمامهم في منزلة أعلى من منزلتهم، ورأيت الذي استشهد أخيراً يليه، ورأيت الذي استشهد أولهم آخرهم). فالأول سبق إلى الشهادة، والثاني كان يليه في الشهادة، والثالث مات على فراشه ولم يكن شهيداً في الجهاد، فكيف بهذا الثالث الذي مات على فراشه يكون في منزلة أعلى من منزلة أخويه؟ يقول: (فدخلني من ذلك، فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له. قال: فقال رسول الله ﷺ : وما أنكرت من ذلك؟) يعني: ما الذي أثار استغرابك؟ ولماذا تتعجب؟ قال: (وما أنكرت من ذلك؟ ليس أحد أفضل عند الله من مؤمن يعمر في الإسلام لتسبيحه وتكبيره وتهليله) يعني أن الثاني استشهد بعد الأول بفترة، وهذه الفترة عمرها بذكر الله، فزادت في ميزان عمله من تسبيح وتكبير وتهليل وقراءة قرآن وصلاة وذكر، فهذه ثقلت ميزانه حتى تفوق على أخيه الذي استشهد أولاً بسبب أنه عاش عمراً أطول منه، فعمره بذكر الله فارتفع على درجة أخيه الذي مات دون هذا الوقت، وليس هذا فحسب، بل إن الثالث الذي مات على فراشه ولم ينل الشهادة في سبيل الله أثناء القتال بلغ من استثماره لوقته بعد موت الأول والثاني أنه -أيضاً- عمر هذا الوقت بذكر الله ، فارتفعت درجته على مقام الشهيدين اللذين سبقاه، مع أنه مات على فراشه، وهذا لفضيلة الذكر. فالذكر عبادة أجرها عظيم جداً فوق ما نتصوره، ولا تستطيع أن تتخيل أبداً فضيلة الذكر، ولو أن البشر كشف لهم الحجب واطلعوا على ما يترتب على الكلمات السهلة الخفيفة على اللسان الثقيلة في الميزان لقطعوا أنفسهم حسرة على كل ساعة غفلوا فيها عن ذكر الله ، كما يقول ﵊: (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم). ومثلاً: (من قرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] عشر مرات بنى الله له بيتاً في الجنة) وكيف يكون البيت في الجنة؟ ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ومع ذلك انظر كيف يكد الإنسان ويكدح في هذه الدنيا من أجل أن يحصل على شقة مكونة من غرفتين! يكد ويكدح ويجمع المال ويهتم وينشغل جداً حتى يبني بيتاً يستقر فيه، فكيف نضيع ذكر الله إن كان عندنا يقين بأن هذا خبر الصادق المصدوق، وأن الرسول ﵊ لا ينطق عن الهوى؟! هذا خبر حقيقي، وعندما تنكشف الحجب يقطع أناس أنفسهم من الغم والهم والحسرة على أنهم لم يغتنموا هذه اللحظات. ويقول ﵊: (من بخل بالمال أن ينفقه، وبالليل أن يكابده، فعليه بسبحان الله وبحمده). شيء سهل جداً، تقول: سبحان الله وبحمده. ولا أحد يعطلك عن شيء، تذكر الله وأنت تمشي في الطريق، وربما إذا ما ذكرت الله في الطريق ورآك رجل غافل فرأى شفتيك تتحرك بذكر الله فإنه يذكر الله اتباعاً لك واقتداءً بك، فتأخذ ثوابه أيضاً، وكل من رآك واستفاد بمنظرك وأنت تذكر الله انتبه من الغفلة وفعل مثلك، فأنت تثاب هذا الثواب، ولذلك هذه كانت من أعظم علامات أولياء الله، ولما سئل النبي ﵌ عن أولياء الله قال: (أولياء الله الذين إذا رءوا ذكر الله . فإذاً لا ينبغي أن يقصر عاقل أبداً في الذكر، والله يمد في عمر الإنسان ويقبض روحه في كل يوم وليلة، فأنت تتوفى وتخرج روحك من بدنك، وصحيح أنها ليست مفارقة كبرى كالموت، لكنه أخو الموت، وكم من رجل وضع خده على الوسادة وما استيقظ ثانية، فأرواحنا لا تكون بأيدينا، فهي تعود إلى الله ، وهو الذي يعيدها إلينا، فهذه نعمة متجددة -أيضاً- نحن في غفلة عنها، فمن أعظم النعم أن يعطيك الله عمراً أطول: (خيركم من طال عمره وحسن عمله) أو كما قال ﷺ . فهنا هذا الصحابي - طلحة - لما حكى هذه الرؤيا للنبي ﵌ يقول: (فدخلني من ذلك، فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له، فقال رسول الله ﷺ : وما أنكرت من ذلك؟ ليس أحد أفضل عند الله من مؤمن يعمر في الإسلام لتسبيحه وتكبيره وتهليله).

стр. 287

فضائل حِلق الذكر هناك فضائل عظمى لحلق الذكر، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: (خرج معاوية على حلقة في المسجد فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله. قال: آلله ما أجلسكم إلا ذلك -يستحلفهم بالله ما جلسوا إلا لذكر الله-؟ قالوا: آلله ما أجلسنا غيره. قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، وما كان أحد بمنزلتي من رسول الله ﷺ أقل عنه حديثاً مني، وإن رسول الله ﷺ خرج على حلقة من أصحابه فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومن به علينا. فقال: آلله ما أجلسكم إلا ذلك؟ قالوا: آلله ما أجلسنا إلا ذلك، قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة). وعن سهل بن الحنظلية ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ما اجتمع قوم على ذكر فتفرقوا عنه إلا قيل لهم: قوموا مغفوراً لكم). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده). وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً) والباع مسافة ما بين اليدين ممدودتين يميناً وشمالاً. فإذا بسطت ذراعيك فما بين الأصابع هو الباع، (وإن أتاني يمشي أتيته هرولة). يعني: أسرع من مجيئه. وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لأن أقعد مع قوم يذكرون الله تعالى من صلاة الغداة حتى تطلع الشمس أحب إلي من أن أعتق أربعة من ولد إسماعيل، ولأن أقعد مع قوم يذكرون الله من صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس أحب إلي من أن أعتق أربعة من ولد إسماعيل). والسر في قوله: (لأن أقعد مع قوم يذكرون الله تعالى من صلاة الغداة حتى تطلع الشمس أحب إلي من أن أعتق أربعة) السر في التفضيل على هذا العدد أن المفضل هو مجموع أربعة أشياء، فما هي هذه الأشياء المفضلة؟ ذكر الله، والقعود له، والاجتماع عليه، والاستمرار فيه إلى الطلوع وإلى الغروب. وخص بني إسماعيل لشرفهم وإنافتهم على غيرهم، وقربهم منه، ومزيد اهتمامه بحالهم ﷺ ، فإذا رأى الإنسان أن الله ييسر له أمر الذكر فعليه أن يستشعر أن هذه نعمة من الله ، فتوفيقك للذكر هو نعمة جديدة تحتاج إلى شكر لله . فعلينا أن نحمد الله أن سخرنا لطاعته، واستضافنا في بيته؛ لأنه إذا كنت ضيفاً لله في حلق الذكر في المساجد فحق على المزور أن يكرم زائره، وإذا ذهبت إلى رجل كريم وزرته في بيته أليس يكرمك ويقدم لك النزل؟ فإذا كان هذا في حق بشر فكيف في حق الله ؟! فأنت ضيف الله، فأحسن الظن بالله فإنه حق على المزور أن يكرم زائره، وفي حين أن الله هيأ لك أن تكون في المساجد في حلق الذكر وفي حلق العلم ففي نفس الوقت خذل الله قوماً آخرين هم في نفس اللحظة أو في نفس الساعة إما موجودون في داخل السينما أو في البارات أو النوادي يلهون ويلعبون، أو أمام التلفاز في بيوتهم، أو غير ذلك من أماكن الفساد، كمن يشتغل بالمقهى، أو بالشطرنج، أو بلعب الورق ونحو ذلك من هذه الآفات، فالله عافاك من أن تكون في مجالس اللغو واللهو والمعصية حين أدخلك المسجد. ولقد رأى ابن مسعود رضي الله ﵎ عنه قوماً في المسجد يتعلمون، فقال رجل: علام اجتمع هؤلاء؟ فقال ابن مسعود رضي الله ﵎ عنه: على ميراث محمد ﷺ يقتسمونه. يقتسمون ميراث محمد ﵊، فما هو ميراث محمد؟! إنه العلم والذكر، وقراءة القرآن والأحاديث وغير ذلك. وخرج أبو هريرة إلى السوق فقال لأهل السوق: تركتم ميراث محمد ﷺ يقتسم في المسجد وأنتم هاهنا! فهرعوا إلى المسجد يظنون أنه ميراث مال أو شيء من هذا، فما وجدوا إلا حلقة ذكر، فبين لهم أن هذا هو ميراث رسول الله ﵌، فإن الأنبياء لا تورث إلا العلم والحكمة والذكر، كما قال ﵎: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل:١٦].

стр. 288

حث الشارع على حضور مجالس الذكر وهجر مجالس اللغو

стр. 289

قوله تعالى: (والذين لا يشهدون الزور) كما حث الشارع على حضور مجالس الذكر فقد حذر من مجالس الخاطئين، حيث يقول ﵎: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً﴾ [الفرقان:٧٢] فقوله تعالى: (يَشْهَدُونَ الزُّورَ) يعني: يحضرون (وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ) يعني: لا يحضرون مجالس اللغو. وضرب العلماء أمثلة لمجالس الزور التي ينبغي أن لا نشهدها، فمنها -مثلاً- أعياد المشركين، فلا تحضر أبداً أعياد المشركين، ولا تحضر صلواتهم التي يشتمون فيها الله ، ولا تجلس مع الغافلين اللاهين العابثين الصادين أو المصدودين عن ذكر الله ﵎. وقوله: (وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً) يفهم منه أن من يمر باللغو ويتعاطى منه شيئاً فقد أهان نفسه، لكن الكريم يمر دون أن يؤذي نفسه بسماع هذا اللغو والفساد، فلا ينبغي حضور مجالس الكذابين أو الخاطئين أو العصاة ولا قربها تنزهاً عن مخالطة الشر وأهله، وصيانة لدينك عما يشينه؛ لأن مشاهدة الباطل فيه شركة، فبحضورك مجالس الباطل تصير شريكاً، كما قال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء:١٤٠]، ويقول ﵎: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [الكهف:٢٨]. فانظر في هذا الذي يدعوك إلى مجلسه، أو الذي يدعوك إلى النادي، أو إلى السينما، أو المسرح، أو إلى مشاهدة التلفاز أو غير ذلك هل هذا الشخص الذي يدعوك إلى هذه المجالس ينطبق عليه أنه قد أغفل الله قلبه عن ذكره؟ وتأمل في حال هذا الشخص: هل هو ممن ينطبق عليه قوله: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [الكهف:٢٨] أم أن قلبه عامر بذكر الله ومتبع للشرع لا للهوى؟

стр. 290

قوله تعالى: (ولا تكونوا كالذين نسوا الله) ويقول ﵎: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر:١٩] إذا نسيت الله أنساك نفسك، وإذا ذكرت الله ذكرك بالخير وفتح عليك هذه الأبواب. ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر:١٩] وفي الآية الأخرى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة:٦٧] يعني: تركهم. ومعنى: ﴿أَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر:١٩] أغفل قلوبهم عن ذكره ﵎، وألهاهم عن ذكر الله، وشغلهم بغير ذكر الله، فهم لا يلتفتون إلى ما هم فيه من القبائح، ولا يسعون في إصلاح أحوالهم مع الله ، فالواحد منهم لا يفكر في التوبة؛ لأنه عوقب بأن زين له سوء عمله فرآه حسناً، فمم يتوب؟! وإذا كان الإنسان يرى حياته كما يقال: أعيش حياتي بالطول والعرض. ويتمتع بكل شيء يريده من الدنيا، ويرى أن هذه هي العصرية والمدنية، وهذا هو التقدم والحضارة فقد زينت له هذه الأشياء في عينه وهي ليست قبيحة، ويراها شيئاً من أعظم الإنجازات، ويفرح جداً إذا يسرت له المعصية. فأخطر عقوبة يسلطها الله على عبد من عباده أن ينسيه نفسه، فلا يسعى في إصلاحها ولا يشعر بالندم؛ لأنه يرى القبيح حسناً، كما قال : ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ [الكهف:١٠٣ - ١٠٤] وهذا مشاهد وواقع يحكيه القرآن ويصفه، فأهل الباطل والفساد في كل مجال الآن تجد أنهم فرحون بما هم عليه، سعداء به، حريصون على أن لا يحرفهم أحد عن هذا المنهج، وكل منهم يقول قولة فرعون: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر:٢٩]. وفرعون نفسه الذي كان يدعوهم إلى عبادته يقول: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر:٢٦] فموسى في نظر فرعون هو المفسد، وفرعون يخاف من نشر الفساد في الأرض! وأي فساد بعد أن دعا قومه لعبادته من دون الله ﵎؟! وأي فساد بعد أن يقول هذا الذي كان ينام ويأكل ويشرب ويقضي حاجته: ﴿أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]؟! بل يقول: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨] بصيغة تنكير! أنساه الله نفسه، ولو أراد الله به خيراً لنبهه من غفلته. ولذلك فالشخص الذي يتمادى في المعاصي والبعد عن الله لعله إذا أراد الله به خيراً يجعله يفيق بمصيبة تحصل له أو حادثة، أو أي شيء ينبهه فيفيق وينتبه، وإذا به يراجع نفسه ويتوب إلى الله ، فالعقوبات على الذنوب تتفاوت، فهناك العقوبات الكونية القدرية المعروفة مثل القذف والخسف والزلازل وغير ذلك من العقوبات العامة المعروفة. وهناك عقوبات شرعية كقطع يد السارق، ورجم الزاني أو جلده، وجلد شارب الخمر، وغير ذلك من حدود الله الشرعية. لكن أخطر عقوبة على الإطلاق يعاقب الله بها عبداً من عباده أن يسلط الغفلة على قلبه؛ لأن العقوبة الخطيرة هي التي لا يحس بها صاحبها حين يعاقب، فلا يصل إلى التنبيه ولا التحذير، فهذا هو داء السرطان، والسرطان إذا بدأ في بعض خلايا الجسم فإنه ينمو ويكبر بصورة مذهلة والمريض لا يشعر بألم، فهو يرى ورماً ولا يشعر بأي ألم، وما يكون فيه أية مشكلة، حتى إنه لا يسعى في العلاج؛ لأنه يرى شيئاً طبيعياً، لكنه قد يفيق بعدما يكون قد فات الأوان وانتشرت الخلايات السرطانية إلى سائر أجزاء الجسد، وبالتالي لا يبقى أمل في نجاته. فكذلك هذا الداء خطورته أنك لا تحس به، فالغفلة إذا سلطها الله على قلب عبد لا يسعى في إصلاح حاله، بل يتمادى ويتلذذ بمزيد من الصد عن سبيل الله ﵎، فهؤلاء هم الذين نسوا الله فنسيهم، أي: أنساهم أنفسهم كما بينتها الآية الأخرى، فلا يسعون في إصلاح حالهم، ولا يفكرون في توبة، فمم وكيف يتوب؟! إنه يرى القبيح حسناً والحسن قبيحاً، والتدين تطرفاً ورجعية وتزمتاً وإرهاباً، فينظر إلى طاعة الله بهذه الصفات المنفرة، وينظر إلى المعاصي على أنه إنسان يعيش حياته ويتمتع بها، وينفتح على الناس ولا يكون معقداً، وغير ذلك من تلبيس الشيطان وتسويله لهؤلاء القوم.

стр. 291

قوله تعالى: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً) يقول ﵎: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤] معنى ذلك: لا تحسبن أن من أعرض عن ذكر الله وهرب من مشقة التكاليف والانقياد لأمر الله بحثاً وراء السعادة في الحياة الدنيا ووراء الفرحة والتمتع بالدنيا لا تحسب أن هذا سوف يصفو له عيشه، بل بالعكس، سينغص الله عيشه، فقد قضى الله قضاءً محكماً لا يرد أن من آثر عليه غيره عذبه الله به ولا بد، وكل من أحب شيئاً ضد محبة الله ، أو فضل شيئاً على محاب الله لا بد من أن يجعل الله نفس هذا الشيء سبباً في عذابه، فمثلاً: من أطاع زوجته في معصية الله كي يرضيها وكي لا يتكدر عيشه، فإذا طاوعها في معصية الله فإنه يعاقب بأن الله يجعلها سبباً في عذابه ونكده. كذلك من آثر مصلحة أو محبة ولده على محبة الله يجعل الله ابنه هذا سبباً في عذابه، من أحب أو عشق امرأة بحيث أفسدت عليه دينه ودنياه كما هو معلوم ومتواتر فتكون نفس هذه المحبوبة سبباً في شقائه وعذابه، وصده عن سبيل الله ﵎، فكل من أحب شيئاً غير الله عذب به ولا بد. كذلك من سعى وراء الدنيا ليسعد بها تجد نفس الدنيا تكون سبباً في شقائه، فكم من رجل سعى إلى زواج ابنته مثلاً بالحسب والنسب والتفاخر بمظاهر الدنيا، فيزوج ابنته -مثلاً- برجل من عائلة كبيرة جداً، ثم يشاء الله أن تحصل الخلافات، ويذوق الويل والدمار والوبال على يد نفس هذه العائلة، وتكون قوة هذه العائلة ومراكزها وجاهها سبباً في زيادة النكال حينما يحصل بينهم خصومة. فالشاهد أن الإنسان إذا أعرض عن ذكر الله بنية أن يتمتع بالدنيا أكثر ويأمن أكثر فإنه لن ينال الأمن ولا الراحة، ولا السعادة، ولا ينال إلا المعيشة الضنك كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ [طه:١٢٤]. أي: القرآن ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه:١٢٥ - ١٢٦]. وقال في المنافقين: ﴿وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [النساء:١٤٢]. وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون:٩].

стр. 292

آداب ذكر الله تعالى هناك في الحقيقة كثير من الآداب التي ينبغي مراعاتها عند التلبس بذكر الله .

стр. 293

طهارة مكان الذكر أول هذه الآداب: أن يكون المكان الذي يذكر الله فيه نظيفاً خالياً؛ لأن التنزه عن ملابسة النجاسة مطلقاً مندوب إليه في كل الأحوال، فتدخل حالة الذكر والدعاء تحت ذلك دخولاً أولياً، والإنسان إذا أراد ذكر الله فينبغي أن يكون في مكان خال طيب لا نجاسة فيه ولا قاذورات. وصحيح أنه لم يرد دليل يدل بخصوصه على هذا الحكم، لكن هذا الذكر -بلا شك- عبادة للرب ، والنظافة على العموم ورد الشرع بالترغيب فيها، كما قال : ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر:٤ - ٥] فمن هنا مدح الذكر في المواضع الشريفة وفي المساجد، فعن أبي ميسرة ﵁ قال: (لا يذكر الله تعالى إلا في مكان طيب) أي: لا يذكر الله تعالى باللسان إلا في مكان طيب. ولذلك فإن من الآداب أن الإنسان في الخلاء لا يذكر الله بلسانه، وإنما يذكر الله بقلبه، ولذلك كان ﵌ إذا خرج من الخلاء قال: (غفرانك). وبعض العلماء قالوا: يستغفر لتوقف لسانه عن الذكر في هذا الوقت؛ لأن هذا المكان لا يليق أن يذكر فيه الله . كذلك يكون المكان الذي يذكر الله فيه خالياً عن كل ما يشغل البال ويحصل من وجوده الوساوس والأشغال، فذلك أقرب إلى حضور القلب، وأبعد عن الرياء والمباهاة، وأكثر عوناً على تدبر ما يذكر الله به، فهذه الحالة -بلا شك- هي أكمل مما يخالفها.

стр. 294

كمال طهارة الذاكر ثانياً: ينبغي أن يكون الذاكر على أكمل الصفات، فيكون فمه نظيفاً، فإن كان في فمه تغير أزاله بالسواك؛ لأن الذكر عبادة لسانية، فتنظيف الفم عند ذلك أدب حسن، ومن هنا جاءت السنة المتواترة بمشروعية السواك للصلاة؛ لأجل تنظيف المحل الذي يكون الذكر به في الصلاة، وهو الفم. وعن أبي الجهيم ﵁ قال: (أقبل النبي ﷺ من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه فلم يرد عليه النبي ﷺ ، حتى أقبل على الجدار فمسحه بوجهه ويديه، ثم رد ﵇ لأنه ما كان يستطيع أن يتوضأ في ذلك الوقت، فأراد أن يخفف الحدث بالتيمم، فاتجه إلى الجدار وتيمم، ثم رد ﵇ حتى يكون على ما يستيطعه من طهارة ليذكر الله في السلام، ولأن السلام اسم من أسماء الله، ولفظ (وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته) فيه ذكر لفظ الجلالة، فاستحب لذلك أن يكون على طهارة بقدر المستطاع، فإذا كان هذا في مجرد رد السلام فلم يرد عليه حتى تيمم ﵊ فكيف بذكر الله الذي هو أولى بذلك؟! وفي رواية عن ابن عباس ﵄ أنه ﷺ قال لذلك الرجل: (كرهت أن أذكر الله إلا على طهر).

стр. 295

استقبال القبلة الأدب الثالث: أن يستقبل القبلة، فإنها الجهة التي يتوجه إليها العابدون لله والداعون له والمتقربون إليه، وقد ورد النهي عن أن يبصق الرجل إلى جهة قبلته، معللاً بمثل هذه العلة، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: لو ذكر الله على غير هذه الأحوال لجاز. لأنه لو ذكرت الله وأنت غير متوضئ أو في مكان فيه شيء يشغلك فهذا ذكر جائز بلا شك، لكن ليس هو الأكمل، قال: ولا كراهة في حقه، لكن إن كان بغير عذر كان تاركاً للأفضل. والدليل على عدم الكراهة قول الله : ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩١] يعني: في كل أحوالهم. وعن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يتكئ في حجري وأنا حائض فيقرأ القرآن). وفي رواية: (ورأسه في حجري وأنا حائض). وعنها ﵂ قالت: (كان ﷺ يذكر الله تعالى على كل أحيانه).

стр. 296

من آداب الذكر التدبر والتعقل من الآداب -أيضاً- أن يتدبر ما يقول ويتعقل معناه، وإن جهل شيئاً تبين؛ لأن المقصود بالذكر هو حضور القلب، ولا سبيل إلى حضور القلب إلا إذا كنت تفقه هذا الذكر الذي تقوله وتتدبره، يقول علي ﵁: (لا خير في عبادة لا فقه فيها، ولا قراءة لا تدبر فيها). يقول الشوكاني رحمه الله تعالى: لا ريب أن تدبر الذاكر لمعاني ما يذكر به أكمل؛ لأنه بذلك يكون في حكم المخاطب والمناجي، وإن كان أجر هذا أتم وأوفى فإنه لا ينافي ثبوت ما ورد الوعد به من ثواب الأذكار لمن جاء بها، فإنه أعم من أن يأتي بها متدبراً لمعانيها. حتى لو كان لا يستطيع أن يتدبر معانيها فإنه ينال الثواب أيضاً، وأيضاً الشخص الذي لا يتدبر ولا يكون حاضر القلب تماماً فهو -أيضاً- لن يحرم من الثواب؛ فإنه لم يرد دليل يشترط أو يقيد هذا الثواب بحصول التدبر والتفهم، يقول الشيخ صديق حسن خان في (نزل الأبرار) معلقاً على كلام الشوكاني: وهذا تقرير حسن، فيه توسيع دائرة الرحمة التي وسعت كل شيء.

стр. 297

تنبيهات ونصائح تتعلق بذكر الله تعالى نذكر بعض التنبيهات والفوائد التي تتعلق بذكر الله :

стр. 298

الإخلاص لله تعالى أولها: الإخلاص في ذكر الله ، يقول تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة:٥]. وقال : ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج:٣٧] أي: النيات والإخلاص، فهذا الذي يصل إلى الله . وعن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) يقول الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى: ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل لأجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما. فقوله: (ترك العمل لأجل الناس رياء)؛ لأن بعض الناس يفتح عليه بالذكر أو قراءة القرآن فيقول: لا؛ أخشى إن فعلت ذلك أن أكون مرائياً. فـ الفضيل هنا يقول: إنك إذا تركت العمل خوفاً من الرياء فهذا هو عين الرياء؛ لأنك راعيت رؤية الناس لك، ونظرهم إليك، فضيعت هذه الوظيفة العظيمة أو الشريفة. (والعمل لأجل الناس شرك)، كذلك إذا فعلت العمل الصالح حتى يراك الناس فهذا هو الشرك الأصغر، أما الإخلاص فهو أن يعافيك الله منهما، فلا تضيع العمل خوفاً من الناس أن يظنوا بك الرياء أو أن ترائي الناس، ولا تعمل العمل مراءاة للناس، لكن الإخلاص أن يعافيك الله منهما. فافترض أنك الوحيد في هذا الوجود المكلف باتباع الحق وبذكر الله، ولا تبال بالناس، ولا تلق لهم بالاً، فإن الإنسان لو فتح على نفسه باب ملاحظة الناس والاحتراز من تطرق ظنونهم لانسد عليه أكثر أبواب الخير؛ لأنه لا يمكن إرضاء جميع الناس أبداً، فإنك إذا أرضيت فئة تسخط فئة أخرى، وإذا أسخطت هذه الفئة رضيت تلك، وإرضاء الناس غير مطلوب، فهذا شيء أنت غير مكلف به، فلم يأمرك الله أن ترضي الناس. ثانياً: لم يحصل أبداً أن العبد يرضي الناس ويجتمع عليه الناس، فالأنبياء ما اجتمع البشر عليهم، فأنت اجعل همك هماً واحداً، وهو إرضاء الله ، ولا تبال بالناس، فإنه سيرضى الله عنك بعد ذلك. فالإنسان لا يفتح على نفسه باب ملاحظة الناس، ولو فتح الإنسان على نفسه باب ملاحظة الناس والاحتراز من ظنونهم لانسدت عليه أكثر أبواب الخير، وضيع على نفسه شيئاً عظيماً من مهمات الدين، وليست هذه طريقة الصالحين، فإذا أراد الإنسان أن يذكر الله ﵎ باللسان مع القلب فليس له أن يمتنع من ذلك خوف الرياء، بل يذكر الله بهما جميعاً، ويقصد بذلك وجه الله وحده.

стр. 299

الجهر والإسرار بالذكر حسب الأحوال التنبيه الثاني: أنه قد وردت أحاديث تقتضي الجهر بالذكر وأحاديث تقتضي الإسرار به، والجمع بينهما أن ذلك مختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، إلا إذا أتى دليل ينص على الجهر أو على الإسرار، أما حيث لا دليل يطلب فإن الجهر أو الإسرار حسب الحال. فقد يكون الإسرار في بعض الأوضاع أبعد عن التكلف والرياء والتصنع، فإذا كان الإنسان يخشى على نفسه فيذكر الله سراً، فإن لم يكن في الجهر ما يشوش على شخص آخر كمصل -مثلاً- فالجهر أفضل؛ لأن العمل فيه أكثر، ولأن فائدته أيضاً تتعلق بغيره، فلو أن إنساناً يقرأ القرآن وبقراءته هذه أوقظ شخصاً نائماً -مثلاً- ليزيد نشاطه في القراءة ويقوم فيفعل مثلك، ويكون القارئ سبب إحيائه لذكر الله ، أو شخص يراك بطالاً أو غافلاً أو ناسياً فيذكر الله ليذكرك، فإذا كان بهذه النوايا الحسنة فلا حرج في الجهر، وإذا حضرك شيء من هذه النيات فالجهر أفضل، فإذا اجتمعت هذه النيات تضاعف الأجر، وبكثرة النيات تزكو أعمال الأبرار وتتضاعف أجورهم. يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن الأذكار المشروعة في الصلاة وغيرها واجبة كانت أو مستحبة، لا يحسب شيء منها ولا يعتد به حتى يتلفظ به بحيث يسمع نفسه. يعني بذلك الأذكار حتى تنال ثوابها؛ لأن معناها يدل على أن التلفظ باللسان مطلوب، وليس معنى ذلك أن يقولها بقلبه فقط أو يمرها على خاطره، فإن قوله: (من قال سبحان الله وبحمده فله كذا) يعني: يقولها باللسان. وإلا فإنه لا ينال الثواب الموعود في الحديث، ويقول الجزري في (العدة): ولا يعتد له بشيء مما رتبه الشارع على قوله حتى يتلفظ به ويسمع نفسه. فقوله: (من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] عشر مرات بنى الله له بيتاً في الجنة) فلفظ (قرأ) يعني: باللسان، لكن لو أن إنساناً قرأها بقلبه فهذا يعتبر محروم الأجر، والشخص الذي امتثل الحديث بأن تلفظ ونطق بالقرآن الكريم وقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] عشر مرات فله الثواب الموعود في الحديث. أما من ذكر الله في نفسه فثوابه أنه يذكره الله في نفسه: (من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي)، لكن هل ينال نفس الثواب الموجود في الحديث؟ لا. فهذا باب وموضع آخر، فلا تعارض بين الحديثين.

стр. 300

الحرص على قراءة الأذكار مجودة أيضاً من الآداب الشرعية أن يجتهد الإنسان في قراءة الأذكار مجودة، أن يجتهد في التجويد، فبعض الناس إذا سمع بعض الشيوخ يقرأ حديثاً في صحيح البخاري أو مسلم مجوداً يستنكره ويقول: فلان يقرأ الأحاديث تماماً كما يقرأ القرآن! فهذا قصور في الفهم، فإن التجويد أصلاً من الصفات الأساسية للحروف في اللغة العربية، فالعرب ما نطقت حرفاً إلا مجوداً، حتى في الشعر، وكلامهم العادي كان كله مجوداً، وليس ذلك من الأمور التحسينية أو التكميلية، بل هو من الصفات الذاتية للحروف العربية. فقولهم: وليل كموج البحر أرخى سدوله علي بأنواع الهموم ليبتلي فقلت له لما تمطى بصلبه وأردف أعجازاً وناء بكلكل ألا أيها الليل الطويل ألا نجل بصبح وما الإصباح منك بأمثل وأمثاله كانوا يقولونه مجوداً. وهكذا كانت هذه اللغة العربية، والأصل في اللغة العربية أن تنطق مجودة؛ لأن العرب ما نطقت كلاماً إلا مجوداً، فبالأولى إذا نطقت الأحاديث أن تقرأها أيضاً مجودة، وإذا ذكرت الله فأكمل الأحوال أن تكون في ذكرك مراعياً قواعد التجويد في ذكر الله ، يقول الشيخ عطية الأجهوري في حاشيته على شرح الزرقاني للمنظومة البيقونية: فائدة: قال الإمام محمد بن محمد البديري الدمياطي في آخر شرحه لهذه المنظومة المباركة ما نصه: وأما قراءة الحديث مجودة كتجويد القرآن من أحكام النون الساكنة والتنوين والمد والقصر وغير ذلك فهي مندوبة كما صرح به بعضهم، لكن سألت شيخي خاتمة المحققين الشيخ علي الشبراملسي تغمده الله تعالى بالرحمة حالة قراءتي عليه صحيح الإمام البخاري عن ذلك فأجابني بالوجوب -شيخه أفتاه بوجوب التجويد- وذكر لي أنه رأى ذلك منقولاً في كتاب يقال له: (الأقوال الشارحة في تفسير الفاتحة)، وعلل الشيخ حينئذ ذلك بأن التجويد من محاسن الكلام، ومن لغة العرب، ومن فصاحة المتكلم، وهذه المعاني مجموعة فيه ﷺ ، فمن تكلم بحديثه ﷺ فعليه مراعاة ما نطق به ﷺ . وقال العلامة القاسمي رحمه الله تعالى في قواعد التهذيب: ولا يخفى أن التجويد من مقتضيات اللغة العربية؛ لأنه من صفاتها الذاتية، ولأن العرب لم تنطق بكلمة إلا مجودة، فمن نطق بها غير مجودة فكأنه لم ينطق بها، فليس هو في الحقيقة من محاسن الكلام، بل من الذاتيات له، فهو إذاً من طبيعة اللغة، لذلك من تركه وقع في اللحن الجلي؛ لأن العرب لا تعرف الكلام إلا مجوداً. ونحن لا نطالب الإخوة في كلامهم العادي أن يراعوا التجويد حتى في الحوار العادي، لكن على الأقل يجودون الأحاديث والأذكار، فضلاً عن قراءة القرآن الكريم، أو على الأقل لا ينكر على من يفعل هذا ويصور كأنه يأتي ببدع من الأمر.

стр. 301

مراعاة العدد في الذكر المقيد بالعدد هناك بعض الأذكار تأتي مقيدة بعدد، فهذا يقتضي أن الأجر المذكور لفاعلها يحصل بفعلها، فإن نقص من ذلك العدد نقص ذلك من أجره بقدر ما ينقص من العدد؛ لأن الله لا يضيع عمل عامل، وإن زاد على العدد حصل له الأجر بالعدد، واستحق ثواب ما زاد. وقيل: إنه لا يستحق الأجر المرتب على العدد إلا إذا اقتصر عليه من غير زيادة ولا نقصان، وليس ذلك بصواب إلا فيما ورد النهي عن الزيادة عليه، كزيادة عدد غسلات الوضوء ونحو ذلك.

стр. 302

جواز قضاء الأذكار إذا فاتت ينبغي لمن كان له وظيفة من الذكر في وقت من ليل أو نهار، أو عقيب صلاة أو حالة من الأحوال ففاتته أن يتداركها إذا أتت له عوائق، فمثلاً: لم تقل أذكار الصباح ما بين صلاة الفجر والشروق، فهل معنى ذلك أن تضيع الأذكار ولا تقضيها؟ لا. بل تقضيها حتى ولو بعد ذهاب وقتها، فيأتي بها إذا تمكن منها، ولا يهملها، فإنه إذا اعتاد الملازمة لها لم يعرضها للتفويت، وإذا تساهل في قضائها سهل عليه تضييعها في وقتها. فهذا نوع من تربية النفس حتى لا تتساهل، فإن الشيطان يأتي يقول لك: ليست مهمة، فأخرجها عن وقتها، واقضها، فإذا تساهل في الأداء فإنه يتساهل في القضاء فيضيعها أصلاً في وقتها، وتصير عادة سيئة له، فينبغي على الإنسان إذا فاتته الأذكار أن يأتي بها حتى ولو بعد وقتها، لأجل أن يصدق عليه أنه مديم للذكر مواظب عليه، وقد كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يقضون ما فاتهم من الأذكار التي يفعلونها في أوقات مخصوصة، فعن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من نام عن حزبه) وهو ما يجعله الرجل على نفسه من قراءة أو صلاة، وأصله في اللغة النوبة في ورود الماء، قال: (من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل) فهو يعتاد كل ليلة أن يقرأ جزءاً أو جزئين أو يصلي عدد ركعات معينة، ففي يوم أو ليلة من الليالي فاته ذلك حيث نام ولم يستيقظ، فيفتح له باب بديل عنه، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً﴾ [الفرقان:٦٢] فمن يفوته العمل في الليل يخلفه النهار حتى يعوض فيه ما فاته، فهنا يقول ﵊: (من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل). وفي تفسير عبد بن حميد وغيره من التفاسير المسندة عن الحسن في قول الله : ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً﴾ [الفرقان:٦٢] قال: من عجز بالليل كان له من أول النهار مستعتب -فرصة أخرى يعوض ما فاته-، ومن عجز بالنهار كان له من الليل مستعتب. وعن قتادة قال: إن المؤمن قد ينسى بالليل ويذكر بالنهار، وينسى بالنهار ويذكر بالليل. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصل الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 303

فوائد في صلاة الجماعة من نعم الله تعالى علينا أهل الإسلام أن شرع لنا الصلاة في جماعة، وهي مليئة بالحكم والفوائد الدينية والدنيوية، ففيها يتعارف المسلمون ويتراحمون، وفيها يجتمعون ويتعلمون، فأمرها عند الله تعالى عظيم، ويكفي في بيان عظم أمرها أن الله تعالى توعد من تخلفها بالوعيد الشديد، والتهديد الأكيد، فكيف بمن أعرض عنها كلية، ولم يرفع بها رأساً.

стр. 304

وعيد الشرع وتهديده للمتهاونين بصلاة الجماعة الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم! صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم! بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : (من سمع المنادي فلم يمنعه من اتباعه عذر -قالوا: وما العذر؟ قال: خوف أو مرض- لم تقبل منه الصلاة التي صلى)، هذا الحديث رواه أبو داود في سننه، وهو -بلا شك- ينذر بالعاقبة الوخيمة لمن يتعمد التخلف عن صلاة الجماعة بعد أن يسمع النداء. يقول ﵊: (من سمع المنادي فلم يمنعه من اتباعه عذر) فقاطعه الصحابة قبل أن يكمل الحديث وقالوا: (وما العذر؟) قال: (خوف أو مرض، لم تقبل منه الصلاة التي صلى). وعنه رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : (من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إلا من عذر)، والنداء: الأذان لصلاة الجماعة. وهذا رواه الحاكم وصححه. وعن أبي الدرداء رضي الله ﵎ عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من ثلاثة في قرية ولا في بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة)، وهذا -أيضاً- رواه الحاكم في المستدرك، والجماعة في هذا الحديث هي صلاة الجماعة، كما هو أحد معاني الجماعة. وعن ابن عباس ﵄ أنه سئل عن رجل يصوم النهار ويقوم الليل لا يشهد جمعة ولا جماعة، فقال: (هذا في النار) رواه الترمذي في سننه. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً، لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار) رواه مسلم في صحيحه. قال الوزير ابن هبيرة رحمه الله تعالى: وأجمعوا على أن صلاة الجماعة مشروعة، وأنه يجب إظهارها في الناس، فإن امتنع من ذلك أهل بلد قوتلوا عليها. فصلاة الجماعة من شعائر الإسلام الظاهرة التي ينبغي أن تكون ملمحاً بيناً من ملامح المجتمع المسلم، وإذا أذن للصلاة فعلى الناس أن يخرجوا من بيوتهم زرافات ووحداناً، فالمحلات تغلق، والذي يمشي بالسيارة يتوقف، ويهرع الجميع إلى المسجد كما نلحظ ذلك في المجتمعات التي ما زالت متمسكة بهذه الشعيرة الإسلامية، فمن خصائص المجتمع الإسلامي تعظيم صلاة الجماعة، وجعلها من شعائر وخصائص وملامح وسمات هذا المجتمع. يقول ابن هبيرة: (وأجمعوا -أي: الفقهاء- على أن صلاة الجماعة مشروعة، وأنه يجب إظهارها في الناس) يعني: لابد من أن تظهر في المجتمع، قال: (فإن امتنع من ذلك أهل بلد) أو تواطأ أهل بلد على الامتناع من صلاة الجماعة، وأصروا على الصلاة في بيوتهم وعدم المناداة بصلاة الجماعة والجهر بها في الناس (قوتلوا عليها)، فالإمام أو الحاكم عليه أن يقاتلهم حتى يعودوا إلى إظهار صلاة الجماعة. وينبغي أن يعلم أن العبارات في هذا السياق إنما يخاطب بها الإمام الممكن، ولا تخاطب آحاد الناس. وللصلاة عموماً منزلة عظيمة جداً في الإسلام، ولصلاة الجماعة خصوصاً مرتبة عالية وفوائد جمة، ولذلك شدد الإسلام في النكير على من يفرط فيها، وهدد الذين يتهاونون بها ويتساهلون فيها، وأنذرهم بالعواقب الوخيمة، واعتبر صلاتهم في البيوت كـ (لا صلاة) كقوله ﵊: (من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إلا من عذر)، وأيضاً قوله ﵊: (من سمع المنادي فلم يمنعه من اتباعه عذر -قالوا: وما العذر؟ قال: خوف أو مرض- لم تقبل منه الصلاة التي صلى). فبإذن الله ﵎ في هذا الموضوع الحيوي المهم نتناصح فيه من باب قول النبي ﵌: (الدين النصيحة!) بل من باب قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣]، وسوف نناقش -إن شاء الله- ونستعرض بالتفصيل أحكام صلاة الجماعة ومتعلقاتها.

стр. 305

الحكمة من مشروعية الصلاة في جماعة من الملامح البارزة جداً للتشريع الإسلامي أن كثيراً من العبادات تشرع في مكان اجتماع المسلمين، وتظهر وكأنها مؤتمرات وتجمعات إسلامية، وذلك لإظهار شعائر الله وتعظيمها، فيتلاقى المسلمون ويتعارفون ويتشاورون في أمورهم، ويتعاونون في حل مشكلاتهم، ويتداولون الرأي فيما بينهم، فلا شك أن هذه التجمعات فيها من المنافع العظيمة والفوائد الجمة ما يفوق الحصر، أعني بركات التجمعات، سواء في صلاة الجماعة في المساجد، أو الأعياد، أو الحج، وغير ذلك من العبادات التي تؤدى في جماعة، فإن في ذلك منافع عظيمة جداً، سواء التجمعات التي هي في الأفراح أو التجمعات التي هي في مواساة المسلمين في آلامهم.

стр. 306

تعليم الجاهل وإظهار عز الإسلام إن الجاهل يتعلم ببركة الجماعات، كما يعلم ذلك قطعاً في دروس العلم، فهذه من المواضع التي يستحب لها الاجتماع، ومن بركاتها بل -أعظم بركاتها- تعليم الجاهل، وإظهار السنن، ومساعدة العاجز، وتليين القلوب، وإظهار عِزِّ الإسلام، حتى إذا كثر في المجتمع المنافقون والملاحدة والزنادقة واليهود والنصارى إذا وجد هؤلاء فلا شك في أن وجود المسلمين بهذا الشكل خاصة مع إظهار التكبير كما في صلاة العيد أو غير ذلك لا شك أن في هذا إظهاراً لعز الإسلام مهما حاول أعداء الدين طمس هذه المعالم وإخفات صوت الإسلام في هذا المجتمع. وقد جاء الخطاب الإلهي مقراً هذا الوضع، فلم يتجه للفرد وحده في الأمر والنهي، لكن نلاحظ أن الأوامر تأتي للجماعة، لذلك نلاحظ قوله مثلاً: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة:٤٣]، والكلام إذا احتمل التأكيد والتوكيد يترجح حمله على التأكيد، فقوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ)، ويحتمل أن يكون (ارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ) يساوي قوله: (أَقِيمُوا الصَّلاةَ)، فيكون هذا التكرار للتأكيد. ولكن يحتمل -أيضاً- احتمال آخر، وهو أن (أَقِيمُوا الصَّلاةَ) مختلف تماماً عن قوله: (ارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ)، فهذا إقامة للصلاة في حد ذاتها، أما (ارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ) فهو إيجاد صلاتها في جماعة، كما قال تعالى في حق مريم ﵍: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران:٤٣].

стр. 307

إقامة الجماعة لما لا يقيمه الفرد إن هذه العبادات التي تؤدى في جماعة أشار القرآن إلى وجود تجمع المسلمين من أجل أدائها؛ لأن الجماعة تقيم ما لا يقيمه الفرد، فمثلاً: يقول ﵎: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ [التوبة:١١٢]، فهذه أمور تتم في جماعة. كذلك أيضاً يقول ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا﴾ [الحج:٧٧] أمر بصيغة الجمع، ﴿وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمُ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج:٧٧ - ٧٨]، فإذا وقف المسلم بين يدي الله ليناجيه ويتضرع إليه لم تجر العبادة على لسانه كفرد منفصل عن إخوانه، بل كطرف من مجموع متفق مرتبط، فجميع المسلمين كل واحد منهم كأنه يتحدث بلسان كل من معه من إخوانه المصلين فيقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، ولا يقول: إياك أعبد. وإنما تكون في جماعة. ثم يسأل الله من خيره وهداه، فلا يختص نفسه بالدعاء، وإنما يعم جميع إخوانه، ويطلب رحمة الله له ولغيره ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧].

стр. 308

إزالة الفوارق الاجتماعية صلاة الجماعة -أيضاً- من أهم وأعظم حكمها: اشتمالها على الوسائل التي تحطم الفوارق الاجتماعية، يقول فيلسوف فرنسي يدعى رينان: إنني كلما رأيت المسلمين وهم يصطفون صفوفاً في صلاة الجماعة تحسرت على أنني لست بمسلم. أو كلاماً هذا معناه، ونقول له: وما كان يمنعك وباب الإسلام مفتوح؟! وكثير من الكفار إنما يسلمون بسبب منظر المسلمين في صلاة الجماعة، ولذلك تلاحظ الإعلام الغربي إذا أراد أن يسخر من المسلمين أو أن يشنع عليهم تجد المصور يتحرى تجنب الصورة الحقيقية للصلاة، فهم يتعمدون تشويه صورة الصلاة عند المسلمين، كأن يظهروهم بصورة من يؤدي حركات لا معنى لها وبصورة منفرة جزئية في نظرهم. بينما أي إنسان عاقل إذا رأى هيئة صلاة المسلمين يعلم أن الله لا ينبغي أن يعبد إلا بهذه الطريقة؛ إذ كلها تعظيم وخشوع ومناجاة لله ، بل أعظم أسباب إسلام العدد الغفير من الكفار أنهم رأوا المسلمين وهم يصلون في صلاة الجماعة، وقد نغفل نحن عن التأمل في هذه الحكم، أما هؤلاء فيتأملونها بدقة. ولقد كان يصلي معنا في شهر رمضان مضى شاب يوناني لا يعرف كلمة واحدة من اللغة العربية، وكان يصبر مع الإخوة إلى الساعات الأخيرة من القيام، ولما سألوه عن سبب إسلامه قال: رأيت المسلمين يصلون فأحسست أن هذه هي الطريقة التي لا يعبد الله إلا بها. فبدأ يصلي، وما دعاه أحد، فلما بدأ يركع ويسجد ويفعل مثلما يفعل المسلمون شعر بالراحة وشعر بسمو روحه وبمعانٍ عظيمة جداً، فأداه ذلك إلى الإسلام، وهو لا يتقن من اللغة العربية أي شيء على الإطلاق! كما أنه دعى غيره للإسلام، وكان مما فعل أنه زار بعض أقاربه اليونانيين في الإسكندرية، فذهب إلى هناك ليدعو إحدى قريباته من النساء إلى الإسلام، فقلت له: ماذا قلت لها؟ قال: أنا ما قلت لها أي شيء، إنما فعلت ما حدث معي، قلت لها: لا تجادلي كثيراً، لكن جربي وصلي مثلما يصلي المسلمون، وانظري كيف ستشعرين؟ والعجب أيضاً أن شقيقته أسلمت بنفس الطريقة لما دعاها إلى الإسلام، فهذا مذهبه في الدعوة إلى الإسلام أن يقول: ادخل في الصلاة مثلنا، وانظر كيف ستشعر؟! والقصص في ذلك كثيرة جداً. ففي صلاة الجماعة والهيئة التي يصطف بها المسلمون تحطيم للفوارق الاجتماعية بين الناس التي لا يجعل لها الإسلام ميزاناً إلا ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]، فتجد الوزير بجانب الملك وبجانب الخادم وبجانب العامل، كلهم الغني مع الفقير، والشاب مع الشيخ يصطفون في صفوف واحدة متساوين أمام الله . أيضاً لا فرق بين لون ولون، ولا بين جنس وجنس، ولا بين عنصر وعنصر، ولا بين مكان ومكان. فركعتا الفجر أو ركعات الظهر لا تنقص أو تزيد شيئاً عندما يؤثر المرء أداءها في جماعة على أدائها في عزلة، فهي أربع في المسجد وبنفس الهيئة وبنفس تفاصيل الصلاة التي في البيت، ولكن مع ذلك ضاعف الإسلام أجرها بضعاً وعشرين مرة أو يزيد عندما يقف الإنسان مع غيره بين يدي الله ، فلا شك أن هذا فيه إغراءً شديداً للانضواء داخل هذه الصفوف، ونبذ العزلة والانسلاخ من المجتمع المسلم، ودعوة إلى اختلاط المسلم بإخوانه والامتزاج بهم.

стр. 309

معرفة أحوال الناس وقدرهم إن الإنسان إذا ألف أن يرى إخوانه دائماً في المسجد فإذا ما تخلف أحدهم اكتشف تخلفه، فربما مرض أو أصابته أي مصيبة وما شعر به أحد، فما هو المقياس الذي يعرفون حاله به؟ إنه صلاة الجماعة، فإذا تخلف فهناك شيء ما، فيبدءون يسألون عنه ويتتبعون أحواله، وإذا أراد الشيطان أن يغتاله وينفرد به ويقصيه عن إخوانه يحس إخوانه بذلك من البداية فيتداركون ذلك بزيارته ونصيحته وغير ذلك. وفي هذا التجمع يعرف الكبير في المجتمع الإسلامي فيقدر، والفقير فيعطى، والعالم فيسأل، والجاهل فيتعلم. وفي صلاة الجماعة يعرف من كان في صلاته أي نوع من التقصير أو الخلل، فيجد من ينصحه من إخوانه ويعلمه كيفية الصلاة الصحيحة، كذلك المتكاسل ينبه إلى نبذ هذا التكاسل. كما أن أحد مواضع إجابة الدعاء هي مواضع تجمع المسلمين، لذلك النبي ﵊ أمر بإخراج العواتق وذوات الخدور في صلاة العيد، وقال عن الحُيِّض: (يعتزلن المصلى، ويشهدن الخير ودعوة المسلمين)؛ لأن هذه المواضع التي يجتمع فيها المسلمون من مواطن إجابة الدعاء. وكذلك تنزل البركة حيث يجتمع الموحدون والمصلون خاصة في مجال الذكر، وحلق العلم، وهذه العبادات المباركة تنزل فيها البركات والرحمات من عند الله ، فتنشأ بهذه التجمعات الوحدة والمحبة والإخاء بين المسلمين، وتجعل منهم كتلة متراصة تنشِّئ فيهم المواساة والتراحم وائتلاف القلوب، وتربيهم على النظام والانضباط، والمحافظة على الأوقات.

стр. 310

تاريخ مشروعية صلاة الجماعة إن الصلوات المكتوبة في جماعة شرعت في مكة بعد فرضية الصلاة، ولكنها لم تكن مؤكدة، فالاجتماع للصلاة المكتوبة كان في أول الأمر غير واجب، ثم بعد أن فرض الله جل ذكره الصلوات الخمس ليلة الإسراء والمعراج أرسل جبريل ﵇ صبيحة تلك الليلة، ففرض الصلاة ثم في صبيحة تلك الليلة أرسل الله جبريل ليعلم النبي ﷺ أوقاتها وكيفية أدائها؛ حيث أَمَّ جبريل النبي ﷺ عند البيت مرتين، مرة صلى فيها الظهر حين زالت الشمس، وروى عبد الرزاق في مصنفه عن ابن جريج قال: قال نافع بن جبير وغيره: (لما أصبح النبي ﷺ من الليلة التي أسري به فيها لم يرعه إلا جبريل يتدلى حين زاغت الشمس) ولذلك سميت صلاة الظهر الصلاة الأولى (فأمر فصيح في الناس بـ: (الصلاة جامعة))، ولم يكن شرع الأذان بعد. صيح في الناس: (الصلاة جامعة) أي: هيا اجتمعوا. فاجتمعوا، فصلى جبريل بالنبي ﷺ ، وصلى النبي ﷺ بالناس وطول الركعتين الأوليين ثم قصر الباقيتين، ثم سلم جبريل على النبي ﷺ ، وسلم النبي ﷺ على الناس. أي أن جبريل لما قال: (السلام عليكم)، كان يقصد بذلك السلام على الرسول ﵊، والرسول ﷺ لما قال: (السلام عليكم) كان يسلم على الناس. ثم في العصر ففعلوا كما فعلوا في الظهر. ثم نزل أول الليل فصيح: (الصلاة جامعة) فصلى جبريل بالنبي ﷺ ، وصلى النبي ﷺ بالناس، فقرأ في الأوليين وطول وجهر -أي: في العشاء- وقصر الباقيتين -يعني: صلاهما بالفاتحة فقط- ثم سلم جبريل على النبي ﷺ ، ثم سلم النبي ﷺ على الناس. قال السهيلي في (الروض الأنف): أهل الصحيح متفقون على أن هذه القصة -يعني قصة إمامة جبريل- كانت في الغد من ليلة الإسراء، وذلك بعد ما نبئ بخمسة أعوام، وقد صلى النبي ﷺ الجماعة مع بعض أصحابه في مكة في بعض الأحيان، والغالب أنه لم يكن يصلي بهم جماعة، وصلى بـ علي بن أبي طالب ﵁ في دار الأرقم، ومع أم المؤمنين خديجة ﵂، وذلك بعد إمامة جبريل له ﵊. ومع وقوع صلاة الجماعة بهذه الصورة لم تكن مشروعيتها متأكدة، إنما أوجبت بالمدينة وصارت فيها شعيرة بارزة من شعائر الإسلام، فقد روى البخاري عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: (كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلاة ليس ينادى لها -أي: يترقبون مواقيت الصلاة ويصلون، ولم يكن هناك نداء للصلاة- فتكلموا يوماً في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا ناقوساً مثل ناقوس النصارى. وقال بعضهم: بل بوقاً مثل قرن اليهود. فقال عمر: أو لا تبعثون رجلاً ينادي بالصلاة؟! فقال رسول الله ﷺ : يا بلال قم فناد بالصلاة). وروى أبو داود في سننه بسنده عن أبي عمير بن أنس عن عمومة له من الأنصار قال: (اهتم النبي ﷺ في الصلاة كيف يجمع الناس لها؟)، أي: ما هي الطريقة التي يجمع بها الناس كي يحضروا صلاة الجماعة؟ (فقيل له: انصب راية عند حضور الصلاة، فإذا رأوها آذن بعضهم بعضاً. فلم يعجبه ذلك) لأن هذا سيبنى على حاسة البصر فقط، الذي يرى الراية سيعرف وقت الصلاة، فلابد من أن يكون الإنسان متوجهاً إلى المسجد حتى يرى الراية، أما الاعتماد على السمع فالإنسان حتى لو لم يكن ناظراً للمسجد فإنه سيسمع، والسمع مجاله أرحب وأوسع من البصر، فالمهم أنه لم يعجبه ذلك ﵊ (فذكر له القمع) أي: بوق اليهود. فاليهود- ينادون لصلاتهم في بوق، (-وقال زياد: شبور اليهود فلم يعجبه ذلك، وقال: من أمر اليهود) حتى لا يتشبه باليهود (قال: فذكر له الناقوس - أي: الجرس - قال: هو من أمر النصارى. فانصرف عبد الله بن زيد بن عبد ربه وهو مهتم لهم رسول الله ﷺ ، فأخبره فقال: يا رسول الله! إني لبين نائم ويقظان -كنت في حالة بين النائم واليقظان- إذ أتاني آت فأراني الأذان. قال: وكان عمر بن الخطاب ﵁ قد رآه قبل ذلك فكتمه عشرين يوماً، قال: ثم أخبر النبي ﷺ فقال له: ما منعك أن تخبرني؟ فقال: سبقني عبد الله بن زيد فاستحييت. فقال رسول الله ﷺ : يا بلال! قم فانظر ما يأمرك به عبد الله بن زيد فافعله) يعني: سيلقنك ألفاظ الأذان التي أريها في منامه، فافعل مثلما يقول لك. قال أبو بشر: (فأخبرني أبو عمير أن الأنصار تزعم أن عبد الله بن زيد لولا أنه كان يومئذ مريضاً لجعله رسول الله ﷺ مؤذناً له)، وهذا الحديث قال الحافظ عن إسناده: صحيح الإسناد. وبهذا يتبين أن الصلاة لم يكن ينادى لها منذ فرضت في مكة حتى بعد هجرة النبي ﷺ إلى المدينة، فكان المسلمون في تلك الفترة يتحينون أوقات الصلاة فيجتمعون ويصلون بدون أن يجمعهم جامع. ثم إن النداء للصلاة بألفاظ الأذان المشروعة إنما استقر الأمر عليه بعد الرؤيا التي رآها عبد الله بن زيد رضي الله تعالى عنه، وشرع الأذان للصلوات الخمس بصوت إنسان داعية للصلاة لا راية ولا نار ولا ناقوس ولا بوق، وإنما هو منطق بشر يجلجل في الآفاق فيميز المسلمين بمظهر مستقل؛ لأن النداء للصلوات في الأديان الأخرى هو كما عند النصارى بالجرس الآلة جامدة، وعند اليهود بالبوق، وعند غيرهم بالراية، لكن الإسلام جعل نداء الصلاة صوتاً يصدر من بشر يجهر بتكبير الله وتوحيده حتى يتميز المسلمون في هديهم عن سائر الأديان في كل شأنهم. فعلى المسلم حين يسمع النداء للصلاة أن يلبيه مهما كان الوقت من ليل أو نهار، وعليه أن يجيب داعي الله مهما عرضت له الأعذار.

стр. 311

تعظيم شعائر الدين وتقديمها على ما عداها من أمور الدنيا في هذا الكلام أقوى وأوضح رد على هؤلاء الضالين الذين يعطلون شعائر الله ، بل يمتحنون الناس ويبتلونهم في دينهم بسبب محافظتهم على شعائر صلاة الجماعة، فنجد أن بعض الكليات -والعياذ بالله- وجدت في الأسبوع كله وقتاً تعقد فيه امتحانات البكالوريوس إلا ساعة صلاة الجمعة، قلوب منكوتة، وفطر منسوخة، ضاق عليهم الوقت ولم يبق إلا وقت صلاة الجمعة، كما يحصل في كلية التجارة أو غيرها في مصر، ويقول الجاهل منهم: إن العمل عبادة فهل العمل عبادة والصلاة ليست عبادة؟! ففي غير مواعيد الصلاة عندك ساعات كثيرة في اليوم يمكن أن تنظم فيها أمورك، فلماذا تزاحم حقوق الله ؟ والله ﵎ يقول: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ [النور:٣٦ - ٣٨]. فالشاهد أن العمل عبادة باعتبار معين، أما الاعتبار المطلق فالعبادة هي الصلاة والصيام وذكر الله، وهكذا. انظر كيف أثنى الله عليهم، إن الذي يسميه أولئك عبادة لم يلههم عن تعمير مساجد الله، بل قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة:١٨]، فجعل تعمير المساجد علامة الإيمان بالله واليوم الآخر، وغير ذلك من شعائر الإسلام. وانظر أيضاً إلى قوله ﵎ في سورة الجمعة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩]، فنحن أغنياء عن هذه العبادة، وما يصح البيع ساعة صلاة الجمعة، ويأثم الإنسان إذا اكتسب مالاً من بيع أو شراء ساعة صلاة الجمعة (وَذَرُوا الْبَيْعَ)، فهذا هو حكم الله ، فأولئك يسمونها عبادة والله يقول: اتركوا هذه العبادة وانبذوها وهلموا إلى العبادة الحقيقية. ثم قال ﵎ بعد ذلك ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:١٠]، فهذا جواب مجمل على هؤلاء الضالين. فهم يقولون: العمل عبادة. وهذه الكلمة كأنها آية منزلة في القرآن يتواصون بها ويلقونها في آذان بعضهم، ويرددونها بلا فهم وبلا وعي، فالعمل عندهم عبادة، وكأن الصلاة ليست عبادة! وأصبح العمل عبادة والصلاة ليست عبادة، فلماذا لا تنظمون الأمور بحكمة حتى لا تتعارض مع دين هذه الأمة، فهذه الأمة أغلبها -ولله الحمد- مسلمون، فلماذا لا نحترم دين هذه الأمة؟ لماذا لا نحترم عباداتها؟ لماذا لا توضع جداول للجامعات والمصانع والشركات والمستشفيات وكل شيء؟ لماذا لا ترتب طبقاً لمواعيد الصلاة حتى لا يفتن الناس في دينهم؟ فلا يصل الأمر إلى إهمال هذا الأمر عند التخطيط لهذه الأشياء، بل يصل إلى حد معاقبة من يتخلف عن الطوابير أحياناً أو عن شيء من هذه الأنشطة التي يسمونها عبادة، ويعاقب وقد يفصل ويمتحن ويوضع في هذه الفتنة الشديدة، وإلا فما الذي يعنيه دخول إنسان لامتحان ما في ساعة صلاة الجمعة، والعياذ بالله، قلوب سوداء رانت عليها الذنوب والمعاصي. يقول النبي ﷺ : (من ترك الجمعة ثلاث مرات تهاوناً طبع الله على قلبه) والعياذ بالله! ويقول النبي ﷺ : (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبواً) رواه البخاري.

стр. 312

اهتمام السلف بصلاة الجماعة اهتم السلف أعظم الاهتمام بصلاة الجماعة، سواء في ذلك في الحضر أو السفر، في العسر أو اليسر، في المنشط أو المكره، مع أن الله عذر المرضى، كما جاء في الحديث: (خوف أو مرض) هذا هو عذر التخلف عن صلاة الجماعة، ومع أن الأبدان قد عذرت ولكن القلوب لم تطق أن تحرم نفسها من صلاة الجماعة. فنجد ابن مسعود رضي الله تعالى عنه يقول: (ولقد رأيتنا يجاء بالرجل يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف) يعني أن الرجل المريض كان يحمل من بيته حملاً على رجلين، ويسند إلى أن يقام في الصف لشدة حرصه على صلاة الجماعة، مع أنه مريض ومعذور؛ لأن قلبه لم يطق ولا يتحمل أن يتخلف عن صلاة الجماعة. يقول ابن مسعود ﵁ وهو يصف الرعيل الأول من الصحابة رضي الله تعالى عنهم: (لقد رأيتنا وما يتخلف عن الصلاة إلا منافق قد علم نفاقه أو مريض، وإن كان المريض ليمشي بين رجلين حتى يأتي الصلاة) أخرجه مسلم. ويقول الفقيه الكوفي إبراهيم النخعي رحمه الله تعالى: كان الأسود بن يزيد إذا فاتته الجماعة في مسجد قومه، علق النعلين بيديه وتتبع المساجد حتى يصيب جماعة. لأن السنة للإنسان أن يصلي في مسجد قومه ولا يتتبع المساجد البعيدة، لما فيه من سلبيات كثيرة، منها -مثلاً- أن الإمام قد يظن أنك تفسقه أو تكفره أو تبدعه، فكونك تتجاوز المسجد إلى مسجد آخر بدون عذر شرعي فهذا مما يذم. فـ الأسود بن يزيد -وكان من الصالحين رحمه الله تعالى- كان إذا فاتته الجماعة في مسجد قومه علق النعلين بيديه؛ لأنه إذا مشى حافي القدمين فهذا يكون أسرع له، ثم يظل يتتبع المساجد ويبحث عن مسجد لم تصل فيه الجماعة بعد حتى يدرك الجماعة. وقال بعض السلف: من حافظ على الصلوات الخمس في جماعة فقد ملأ البر والبحر عبادة. يعني: حظي بنصيب وافر جداً من الثواب العظيم والجزيل. ويقول الحافظ الجهبذ شمس الدين الذهبي رحمه الله تعالى في كتابه الحافل (سير أعلام النبلاء) وهو يترجم للإمام الرباني أبي الحارث عامر بن عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي المدني قال: قال مصعب: سمع عامر المؤذن وهو يجود بنفسه -وهو يحتضر- فقال: خذوا بيدي، أسندوني حتى أذهب إلى المسجد وأصلي في الجماعة. فقيل: إنك عليل -أي مريض-! قال: أسمع داعي الله فلا أجيبه! فأخذوا بيده فدخل مع الإمام في المغرب، فركع ركعة ثم مات رحمه الله تعالى. يقول الشوكاني رحمه الله تعالى: ولكن المحروم من حرم صلاة الجماعة؛ فإن صلاة يكون أجرها أجر سبع وعشرين صلاة لا يعدل عنها إلى صلاة ثوابها ثواب جزء من سبعة وعشرين جزءاً منها إلا مغبون. فلو أن أحداً يبيع سلعة يكسب فيها جنيهاً واحداً، ونفس السلعة يمكن أن يبيعها في مكان آخر ينتقل إليه بسبعة وعشرين فلا شك أن التاجر الذي يضحي بمثل هذا المكسب الوفير لأجل انتقال يسير جداً من محله إلى مكان قريب لا شك أنه مغبون، وإنسان خاسر بكل المقاييس، فما بالك بمن يفوت سبعة وعشرين ضعفاً من الصلاة ويصلي في بيته ويضحي بهذا الأجر العظيم. لذلك كان بعض السلف إذا تخلف عن الجماعة تكون بالنسبة له مصيبة كبيرة، ويأتي إخوانه من أهل المسجد يعزونه في هذه المصيبة، ويبدو أنه بعد ذلك حصل تراخٍ في هذا الأمر، حتى إن بعض السلف أنكر على أصحابه حينما قال: لو مات لي ولد فعزاني لعزاني عشرة آلاف إنسان، وفاتتني تكبيرة الإحرام فلم يعزني أحد. فهو يستدل بذلك على أنهم ليسوا فقهاء، وليسوا معظمين لأمر الله . يقول الشوكاني رحمه الله تعالى: ولكن المحروم من حرم صلاة الجماعة؛ فإن صلاة يكون أجرها أجر سبع وعشرين صلاة لا يعدل عنها إلى صلاة ثوابها ثواب جزء من سبعة وعشرين جزءاً منها إلا مغبون، ولو رضي لنفسه في المعاملات الدنيوية بمثل هذا لكان مستحقاً لحجره عن التصرف في ماله. فلو أن تاجراً ضحى في تجارته بمثل هذا الربح لاعتبر سفيهاً؛ لأنه يضيع سبعةً وعشرين ضعفاً من سعر السلعة! فإن أعطي المال ليتاجر به لقال له المالك: أنت سفيه لا تصلح، كيف تفوت علي سبعة وعشرين ضعفاً من الربح؟! وربما يحجره عن التصرف في ماله. يقول: ولو رضي لنفسه في المعاملات الدنيوية بمثل هذا لكان مستحقاً لحجره عن التصرف في ماله لبلوغه من السفه إلى هذه الغاية، والتوفيق بيد الرب : ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء:٥]، فهذه من السفاهة، فما بالك بمن يفوت سبعاً وعشرين درجة من درجات الآخرة؟!

стр. 313

فضل صلاة الجماعة

стр. 314

مضاعفة أجرها وصلاة الملائكة عليه لا شك أن صلاة الجماعة في المساجد من أوكد العبادات، وإقامتها في بيوت الله من أجل الطاعات، والمحافظة عليها في الحضر أو السفر من أعظم القربات، ولذلك وردت الأحاديث النبوية الصحيحة تترى مبينة ما أعد لشاهدها من أجر عظيم، وثواب جسيم، ونعيم مقيم، جاءت هذه الأحاديث تشحذ همم السالكين، فتبعث في نفوسهم روح العبادة واليقين، من هذه الأحاديث حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمساً وعشرين ضعفاً، وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة) وهذا من آداب الخروج للمسجد، وهذه أكمل الأحوال، لئلا يكون الدافع وراء خروجك إلى المسجد أي شيء آخر غير الصلاة، وليس معنى هذا أن الإنسان إذا خرج ليصلي وليؤدي بعض الأشياء أنه آثم، لكن نقول: أكمل الأحوال أن تجرد نيتك لمحض التعبد، لما في بعض الروايات: (ما تنهزه إلا الصلاة)، يعني: ما يريد أن يذهب للمسجد ليقابل أحداً أو يقضي بعض الحاجات في الطريق، ولا لأي غرض آخر، بل يخرج تعظيماً لأمر الله، وتلبية لداعي الصلاة. يقول ﷺ : (وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه الذي يصلي فيه ما دامت الصلاة تحبسه لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة، تقول الملائكة: اللهم! صل عليه -وفي بعض الروايات-: اللهم! اغفر له، اللهم! ارحمه ما لم يحدث فيه، ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة)، ومن طريق أخرى بلفظ: (ما كان في المسجد ينتظر الصلاة ما لم يحدث). فقال رجل أعجمي: ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: الصوت. يعني الضراط، وهذا الحديث متفق عليه.

стр. 315

كثرة حسنات خطاه وبقاؤه في حكم المصلي حتى يرجع وعن عقبة بن عامر ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إذا تطهر الرجل ثم أتى المسجد يرعى الصلاة كتب له كاتباه -أو قال: كاتبه-) يعني الملك الذي يكتب الحسنات، قال: (كتب له كاتباه بكل خطوة يخطوها إلى المسجد عشر حسنات، والقاعد يرعى الصلاة -يعني القاعد في المسجد ينتظر الصلاة- كالقانت) والقنوت يطلق على عدة معانٍ، يطلق على السكوت، والدعاء، والطاعة والتواضع، وإدامة الحج والغزو، والقيام في الصلاة وهو المقصود هنا. (والقاعد يرعى الصلاة كالقانت) يعني الشخص الذي يصلي ويطيل الصلاة وقراءة القرآن في الصلاة، قال: (ويكتب من المصلين من حين يخرج من بيته حتى يرجع إليه)، وبالنسبة للحديث المتقدم الذي ذكرناه في مضاعفة أجر صلاة الجماعة فإن حكم صلاة الجماعة موضوع ومضاعفة الثواب موضوع آخر، فالأفضلية لا تنافي الفرضية، أي أن أفضلية صلاة الجماعة على صلاة الفرد بخمس وعشرين درجة أو سبع وعشرين درجة لا تعارض بينها مع كونها فريضة، فليس معنى ذلك أنه يباح للإنسان أن يترك الجماعة بدون عذر، فلا منافاة بين الأفضلية والفرضية والوجوب.

стр. 316

مغفرة الذنوب وعن عثمان رضي الله تعالى عنه أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من توضأ فأسبغ الوضوء، ثم مشى إلى صلاة مكتوبة فصلاها مع الإمام غفر له ذنبه)، والمقصود بإسباغ الوضوء ليس المبالغة في الوضوء، فبدلاً من أن يغسل إلى كعبيه يغسل إلى ركبتيه، أو أمر بأن يغسل إلى المرافق فيغسل إلى الكتف، فهذا ليس إسباغاً، الإسباغ المقصود به أن تصل بالمياه إلى الحدود الشرعية التي حدها النبي ﷺ ، أو تزيد قليلاً كأن تشرع في العضد مثلاً، أو فوق الكعب بقليل، لكن أن تبالغ فهذا مخالفة لهدي النبي ﵊، فإسباغ الوضوء هو مثل الثوب السابغ الذي يغطي الجسم تماماً، قال: (من توضأ فأسبغ الوضوء، ثم مشى إلى صلاة مكتوبة فصلاها مع الإمام غفر له ذنبه)، رواه مسلم.

стр. 317

تبشبش الله ﷻ إلى المصلي في جماعة وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يتوضأ أحدكم فيحسن وضوءه فيسبغه، ثم يأتي المسجد لا يريد إلا الصلاة فيه إلا تبشبش الله إليه كما يتبشبش أهل الغائب بطلعته) يعني: لو أن إنساناً له حبيب أو قريب سافر عنه وغاب غياباً طويلاً ثم أتى إليه فجأة، أو وجد الأب ابنه أو أحب الناس إليه فجأة أمامه فكيف تكون فرحته؟ لا شك أنه يتبشبش له أهله، ويسرون به سروراً عظيماً، فالله يكون منه ذلك -كما يليق به ﷻ مع المؤمن الذي يأتي إلى المسجد. وعن أبي هريرة ﵁ -أيضاً- أن رسول الله ﷺ قال: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قال: إسباغ الوضوء على المكاره) يعني: على الرغم من المكاره. وهي ما يكرهه الإنسان ويشق عليه، مثل شدة البرد حين لا يوجد إلا ماء بارد، وفي شدة البرد قد يضطر إلى أن يتوضأ به، فرغم وجود هذا المكروه لكنه يسبغ الوضوء لوجه الله ، هذا مما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات، قال: (إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذالكم الرباط، فذالكم الرباط، فذالكم الرباط) رواه مسلم.

стр. 318

إعداد الله تعالى النزل للذاهب إلى المسجد غدواً أو رواحاً وعنه أيضاً ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له في الجنة نزلاً كلما غدا أو راح)، والنزل هو ما يعد للضيف من الإكرام والطعام وغيره. فيقول النبي ﵊: (من غدا إلى المسجد) يعني: ذهب إلى المسجد في وقت الغدو الذي هو صلاة الفجر، (أو راح) في العشي (أعد الله له في الجنة نزلاً كلما غدا أو راح). وحينما نذكر كلام الرسول ﵊ في فضائل الأعمال لابد من أن نستحضر القلوب؛ لأننا نسمع قول رسول الله ﵊ لا كلام شخص عادي، فهذا مبلغ عن الله، وهو رسول الله ﵊ الذي لا ينطق عن الهوى ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٤] فليس قوله مجازاً ولا ضرب أمثال، ولا تقريباً للأفهام، ولا مجرد ترغيب ولا ترهيب، كلا، بل هو حقيقة يخبرك عنها الصادق المصدوق، فلابد من أن تستحضر أن هذا واقع قطعاً؛ لأن الصادق المصدوق ﵊ لا ينطق عن الهوى ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٤]، فكل ما ينطق به هو حقيقة لا بد أن تستحضرها، فتستحضر أنك إذا توضأت في البيت وأسبغت الوضوء ومشيت إلى المسجد لتصلي صلاة فريضة تستحضر تماماً وأنت في طريقك إلى المسجد أن الله يتبشبش لك ويسر بمجيئك في بيته كما يسر أهل الغائب بطلعته عليهم. وتستحضر أن مشيك هذه الخطا إلى المسجد وأنك إذا استوفيت هذه الأفعال المذكورة في الأحاديث فإن الله قد أعد لك نزلاً في الجنة كلما غدوت أو رحت إلى المسجد.

стр. 319

البشارة بالنور التام يوم القيامة للمشائين في الظُلَم إلى المساجد وعن بريدة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: (بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة) ولو أن رجلاً كريماً وعدك بهبة أو هدية، أو بشيء عظيم يعطيك إياه فقال لك أحد أصدقائك: هذا الشيء كثير، فهل يعقل أن يعطيك هذا؟! فإنك تقول له: هذا إنسان كريم لا يخلف وعده، ولا يرجع عن كلمته. فمن أصدق من الله حديثاً؟ ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢] ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة:١١١]، فاستحضر دائماً أن كل هذه الوعود سيعطيك الله إياها إذا استوفيت هذه الشروط؛ لأن الله لا يخلف الميعاد. فالكريم يخلف وعيده لكن لا يخلف وعده، كما يقول الشاعر في حق ابن عم له: وإني إذا وعدته أو أوعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي فالكريم يخلف الوعيد الذي هو العذاب، ومن كرمه أن يعفو عنك، لكن الوعد لا بد من أن ينجزه. وهنا انظر إلى هذه البشرى العظيمة واستحضرها كلما خرجت إلى المسجد في الظلام، يقول ﵊: (بشر المشائين) و (المشاء) صيغة مبالغة من الماشي، فالمراد هنا مدح من يكثر المشي إلى المساجد ويصير ذلك عادة له، ولا يصدق هذا الحديث ولا تتحقق هذه البشرى لمن اتفق له المشي مرة أو مرتين، وإنما من يدمن المشي إلى المساجد ويكثر الخطا إلى بيوت الله ﵎، والظاهر أن هذا الحديث في فضيلة صلاتين: صلاة العشاء وصلاة الفجر؛ لأنهما الصلاتان اللتان تؤديان في ظلمة، يقول ﵊: (بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة) والجزاء من جنس العمل، فكما مشوا في الظلام ابتغاء وجه الله مع احتمال وجود آفة في الطريق تؤذيهم لكن مع ذلك أصروا على الذهاب إلى المساجد بشرهم بأن يبدلهم الله هذه الظلمة نوراً كاملاً يوم القيامة.

стр. 320

الحصول على أجر الحاج والكتابة في عليين وعن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: (من خرج من بيته متطهراً إلى صلاة مكتوبة فأجره كأجر الحاج المحرم، ومن خرج إلى تسبيح الضحى -يعني: خرج كي يصلي صلاة الضحى- لا ينصبه إلا إياه فأجره كأجر المعتمر، وصلاة على إثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين)، فإذا استطعت أن تحافظ على أن تصلي صلاة فريضة عقب صلاة فريضة بشرط أن لا ترتكب أي نوع من اللغو ما بين هذه الصلاة والتي تليها، إذا حافظت على هذا يكتب لك كتاب في عليين وهي الجنة، وغالباً هذا اللغو لا يحصل ولا يكون احتماله أكثر إلا عند كثرة المخالطة، أو المخالطة نفسها في بعض الأوقات تكون هي سبب وقوع اللغو، فإما أن تسمع كلمة لا داعي لها، أو تتكلم أنت بكلام أنت في غنىً عنه. فلذلك الإنسان إذا أراد أن يحقق مثل هذا الحديث فعليه أن يذهب إلى المسجد في صلاة المغرب ويمكث بنية انتظار صلاة العشاء؛ لأنه إذا مكث بنية انتظار صلاة العشاء سيكون مرابطاً ويؤجر كأنه لا يزال يصلي، ويجتنب محادثة الناس، ويقرأ القرآن، ويذكر الله إلى أن تأتي الصلاة التي تليها دون أن يرتكب لغواً بينهما، حينها ينال هذا الثواب العظيم. يقول ﵊: (من خرج من بيته متطهراً إلى صلاة مكتوبة؛ فأجره كأجر الحاج المحرم، ومن خرج إلى تسبيح الضحى -والنوافل تسمى تسبيحاً- لا ينصبه إلا إياه؛ فأجره كأجر المعتمر، وصلاة على إثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين).
следующие страницы →