← Джавами‘

Джавами‘ · id 37018

دروس الشيخ محمد إسماعيل المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (2 122 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

مغفرة الذنوب وعن عثمان رضي الله تعالى عنه أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من توضأ فأسبغ الوضوء، ثم مشى إلى صلاة مكتوبة فصلاها مع الإمام غفر له ذنبه)، والمقصود بإسباغ الوضوء ليس المبالغة في الوضوء، فبدلاً من أن يغسل إلى كعبيه يغسل إلى ركبتيه، أو أمر بأن يغسل إلى المرافق فيغسل إلى الكتف، فهذا ليس إسباغاً، الإسباغ المقصود به أن تصل بالمياه إلى الحدود الشرعية التي حدها النبي ﷺ ، أو تزيد قليلاً كأن تشرع في العضد مثلاً، أو فوق الكعب بقليل، لكن أن تبالغ فهذا مخالفة لهدي النبي ﵊، فإسباغ الوضوء هو مثل الثوب السابغ الذي يغطي الجسم تماماً، قال: (من توضأ فأسبغ الوضوء، ثم مشى إلى صلاة مكتوبة فصلاها مع الإمام غفر له ذنبه)، رواه مسلم.

стр. 317

تبشبش الله ﷻ إلى المصلي في جماعة وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يتوضأ أحدكم فيحسن وضوءه فيسبغه، ثم يأتي المسجد لا يريد إلا الصلاة فيه إلا تبشبش الله إليه كما يتبشبش أهل الغائب بطلعته) يعني: لو أن إنساناً له حبيب أو قريب سافر عنه وغاب غياباً طويلاً ثم أتى إليه فجأة، أو وجد الأب ابنه أو أحب الناس إليه فجأة أمامه فكيف تكون فرحته؟ لا شك أنه يتبشبش له أهله، ويسرون به سروراً عظيماً، فالله يكون منه ذلك -كما يليق به ﷻ مع المؤمن الذي يأتي إلى المسجد. وعن أبي هريرة ﵁ -أيضاً- أن رسول الله ﷺ قال: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قال: إسباغ الوضوء على المكاره) يعني: على الرغم من المكاره. وهي ما يكرهه الإنسان ويشق عليه، مثل شدة البرد حين لا يوجد إلا ماء بارد، وفي شدة البرد قد يضطر إلى أن يتوضأ به، فرغم وجود هذا المكروه لكنه يسبغ الوضوء لوجه الله ، هذا مما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات، قال: (إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذالكم الرباط، فذالكم الرباط، فذالكم الرباط) رواه مسلم.

стр. 318

إعداد الله تعالى النزل للذاهب إلى المسجد غدواً أو رواحاً وعنه أيضاً ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له في الجنة نزلاً كلما غدا أو راح)، والنزل هو ما يعد للضيف من الإكرام والطعام وغيره. فيقول النبي ﵊: (من غدا إلى المسجد) يعني: ذهب إلى المسجد في وقت الغدو الذي هو صلاة الفجر، (أو راح) في العشي (أعد الله له في الجنة نزلاً كلما غدا أو راح). وحينما نذكر كلام الرسول ﵊ في فضائل الأعمال لابد من أن نستحضر القلوب؛ لأننا نسمع قول رسول الله ﵊ لا كلام شخص عادي، فهذا مبلغ عن الله، وهو رسول الله ﵊ الذي لا ينطق عن الهوى ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٤] فليس قوله مجازاً ولا ضرب أمثال، ولا تقريباً للأفهام، ولا مجرد ترغيب ولا ترهيب، كلا، بل هو حقيقة يخبرك عنها الصادق المصدوق، فلابد من أن تستحضر أن هذا واقع قطعاً؛ لأن الصادق المصدوق ﵊ لا ينطق عن الهوى ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٤]، فكل ما ينطق به هو حقيقة لا بد أن تستحضرها، فتستحضر أنك إذا توضأت في البيت وأسبغت الوضوء ومشيت إلى المسجد لتصلي صلاة فريضة تستحضر تماماً وأنت في طريقك إلى المسجد أن الله يتبشبش لك ويسر بمجيئك في بيته كما يسر أهل الغائب بطلعته عليهم. وتستحضر أن مشيك هذه الخطا إلى المسجد وأنك إذا استوفيت هذه الأفعال المذكورة في الأحاديث فإن الله قد أعد لك نزلاً في الجنة كلما غدوت أو رحت إلى المسجد.

стр. 319

البشارة بالنور التام يوم القيامة للمشائين في الظُلَم إلى المساجد وعن بريدة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: (بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة) ولو أن رجلاً كريماً وعدك بهبة أو هدية، أو بشيء عظيم يعطيك إياه فقال لك أحد أصدقائك: هذا الشيء كثير، فهل يعقل أن يعطيك هذا؟! فإنك تقول له: هذا إنسان كريم لا يخلف وعده، ولا يرجع عن كلمته. فمن أصدق من الله حديثاً؟ ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢] ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة:١١١]، فاستحضر دائماً أن كل هذه الوعود سيعطيك الله إياها إذا استوفيت هذه الشروط؛ لأن الله لا يخلف الميعاد. فالكريم يخلف وعيده لكن لا يخلف وعده، كما يقول الشاعر في حق ابن عم له: وإني إذا وعدته أو أوعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي فالكريم يخلف الوعيد الذي هو العذاب، ومن كرمه أن يعفو عنك، لكن الوعد لا بد من أن ينجزه. وهنا انظر إلى هذه البشرى العظيمة واستحضرها كلما خرجت إلى المسجد في الظلام، يقول ﵊: (بشر المشائين) و (المشاء) صيغة مبالغة من الماشي، فالمراد هنا مدح من يكثر المشي إلى المساجد ويصير ذلك عادة له، ولا يصدق هذا الحديث ولا تتحقق هذه البشرى لمن اتفق له المشي مرة أو مرتين، وإنما من يدمن المشي إلى المساجد ويكثر الخطا إلى بيوت الله ﵎، والظاهر أن هذا الحديث في فضيلة صلاتين: صلاة العشاء وصلاة الفجر؛ لأنهما الصلاتان اللتان تؤديان في ظلمة، يقول ﵊: (بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة) والجزاء من جنس العمل، فكما مشوا في الظلام ابتغاء وجه الله مع احتمال وجود آفة في الطريق تؤذيهم لكن مع ذلك أصروا على الذهاب إلى المساجد بشرهم بأن يبدلهم الله هذه الظلمة نوراً كاملاً يوم القيامة.

стр. 320

الحصول على أجر الحاج والكتابة في عليين وعن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: (من خرج من بيته متطهراً إلى صلاة مكتوبة فأجره كأجر الحاج المحرم، ومن خرج إلى تسبيح الضحى -يعني: خرج كي يصلي صلاة الضحى- لا ينصبه إلا إياه فأجره كأجر المعتمر، وصلاة على إثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين)، فإذا استطعت أن تحافظ على أن تصلي صلاة فريضة عقب صلاة فريضة بشرط أن لا ترتكب أي نوع من اللغو ما بين هذه الصلاة والتي تليها، إذا حافظت على هذا يكتب لك كتاب في عليين وهي الجنة، وغالباً هذا اللغو لا يحصل ولا يكون احتماله أكثر إلا عند كثرة المخالطة، أو المخالطة نفسها في بعض الأوقات تكون هي سبب وقوع اللغو، فإما أن تسمع كلمة لا داعي لها، أو تتكلم أنت بكلام أنت في غنىً عنه. فلذلك الإنسان إذا أراد أن يحقق مثل هذا الحديث فعليه أن يذهب إلى المسجد في صلاة المغرب ويمكث بنية انتظار صلاة العشاء؛ لأنه إذا مكث بنية انتظار صلاة العشاء سيكون مرابطاً ويؤجر كأنه لا يزال يصلي، ويجتنب محادثة الناس، ويقرأ القرآن، ويذكر الله إلى أن تأتي الصلاة التي تليها دون أن يرتكب لغواً بينهما، حينها ينال هذا الثواب العظيم. يقول ﵊: (من خرج من بيته متطهراً إلى صلاة مكتوبة؛ فأجره كأجر الحاج المحرم، ومن خرج إلى تسبيح الضحى -والنوافل تسمى تسبيحاً- لا ينصبه إلا إياه؛ فأجره كأجر المعتمر، وصلاة على إثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين).

стр. 321

الضمان على الله بالرزق والكفاية ودخول الجنة وعن أبي أمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ثلاثة كلهم ضامن على الله إن عاش رزق وكفي، وإن مات أدخله الله الجنة)، فالله يضمن لك ويؤمن لك هذا، فإن عشت ترزق وتكفى الهم، ويبارك لك في الرزق، وإن مت يضمن الله لك الجنة، قال: (ثلاثة كلهم ضامن على الله، إن عاش رزق وكفي، وإن مات أدخله الله الجنة: من دخل بيته فسلم فهو ضامن على الله) فهذا فيه استحباب أن يسلم الإنسان على أهله إذا دخل بيته، (ومن خرج إلى المسجد -يعني: ليصلي- فهو ضامن على الله، ومن خرج في سبيل الله -يعني: في الجهاد- فهو ضامن على الله .

стр. 322

الحصول على حق الزيارة والبراءة من النار والنفاق وعن سلمان ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من توضأ في بيته فأحسن الوضوء ثم أتى المسجد فهو زائر الله، وحق على المزور أن يكرم الزائر). وعن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الله ﵎ ليعجب من الصلاة في الجمع) يعني: في الجماعة. وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (من صلى لله أربعين يوماً في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كتب له براءتان: براءة من النار وبراءة من النفاق)، فمن أراد أن يكتب له براءة من النار وبراءة من النفاق فليجتهد في تحقيق هذا الحديث، لكن الحديث بشروط: أولاً: (من صلى)، فأول شيء أن تكون صلاة فريضة. ثانياً: (من صلى لله) وهذا شرط إخلاص النية، أي: لا يكون رياءً ولا سمعةً، وإنما لله. ثالثاً: (أربعين يوماً في جماعة) يعني: يصلي أربعين يوماً متصلة دون انقطاع في صلاة جماعة. رابعاً: (يدرك التكبيرة الأولى) فلابد من أن يكون حاضراً وقت تكبيرة الإحرام. وعن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه قال: (صلى بنا رسول الله ﷺ يوماً الصبح فقال: أشاهد فلان؟) و (شاهد) بمعنى: حاضر (قالوا: لا. قال: أشاهد فلان؟ قالوا: لا. قال: إن هاتين الصلاتين -يعني: صلاة العشاء والصبح- أثقل الصلوات على المنافقين). يقول ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: إنما كانت هاتان الصلاتان أثقل على المنافقين لقوة الداعي إلى ترك حضور الجماعة فيهما، وقوة الصارف عن الحضور. يعني: الداعي إلى ترك الحضور قوي، والصارف عن الحضور أيضاً قوي، فهي فتنة من الجانبين. يقول: إنما كانت هاتان الصلاتان أثقل على المنافقين لقوة الداعي إلى ترك حضور الجماعة فيهما، وقوة الصارف عن الحضور، أما العشاء فلأنها وقت الإيواء إلى البيوت، والاجتماع مع الأهل، واجتماع ظلمة الليل، وطلب الراحة من متاعب السير بالنهار. وأما الصبح فلأنها وقت لذة النوم، فإن كانت في زمن البرد ففي وقت شدته لبعد العهد بالشمس لطول الليل، وإن كانت في زمن الحر فهو وقت البرد والراحة من أثر حر الشمس لبعد العهد بها، فلما قوي الصارف عن الفعل ثقلت على المنافقين، وأما المؤمن الكامل الإيمان فهو عالم بزيادة الأجر لزيادة المشقة، فتكون هذه الأمور داعية له إلى الفعل كما كانت صارفة للمنافقين، فهي تصرف المنافقين عن الحضور، وهي -أي: نفس الأسباب- تدفع المؤمن إلى الحضور لما يرجو من ثواب الله . ولهذا قال رسول الله ﷺ : (لو يعلمون ما فيهما - يعني: من الأجر والثواب- لأتوهما ولو حبواً) يعني: لو يعلم المنافقون الثواب الذي يترتب على صلاة الفجر والعشاء لأتوا إلى المساجد ولو حبواً، أي: يخرج أحدهم من بيته إلى المسجد حبواً كما يحبو الطفل الرضيع على يديه وركبتيه، ولحرصوا على تحصيل هذا الثواب الكبير إذا كشف لهم عظم هذا الثواب. ولذلك المؤمن لا يأتي حبواً لكن يأتي اشتياقاً لهذا الأجر العظيم، فيكون هذا الأجر داعية له إلى تحصيله لما عنده من يقين من حصول هذا الأجر، ويستحضر أنه سينال وعد الله . وانظر إلى ذي القرنين، قال تعالى عنه: ﴿قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا * قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ * إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى﴾ [الكهف:٨٦ - ٨٨] فالمؤمن لا يطلب ثواباً في الدنيا ﴿فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى﴾ [الكهف:٨٨] يعني الجنة في الآخرة، فالمؤمن قدم ثواب الآخرة، وهذا هو المحرك والدافع لعمله ﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾ [الكهف:٨٨] أما في الدنيا فسنقول له قولاً حسناً. فهكذا المؤمن يحركه ويدفعه دائماً الطمع فيما عند الله من الثواب في الآخرة. والصحابة لما بايعوا النبي ﵊ ما بايعوه على وظائف أو مناصب، أو دنيا، وإنما بايعوه على الجنة، وقالوا: ربح البيع، لا نقيل ولا نستقيل. فعن أبي بن كعب ﵁ قال: (صلى بنا رسول الله ﷺ يوماً الصبح فقال: أشاهد فلان؟ قالوا: لا. قال: أشاهد فلان؟ قالوا: لا. قال: إن هاتين الصلاتين أثقل الصلوات على المنافقين، ولو تعلمون ما فيهما لأتيتموهما ولو حبواً على الركب؛ فإن الصف الأول على مثل صف الملائكة، ولو علمتم ما فضيلته لابتدرتموه -يعني: لتسابقتم عليه- وإن صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وكلما كثر فهو أحب إلى الله ، فإذاً: هذه أحد مرجحات صلوات الجماعة إذا تعددت في الحي الذي أنت فيه. وهناك مرجحات عديدة، منها: أن يكون المسجد أقدم. ومنها: أن يكون المصلون أكثر عدداً، فكلما كثر العدد كلما زادت البركة ونزلت الرحمات، فلذلك هنا في الحديث يقول ﵊: (وكلما كثر فهو أحب إلى الله ، فأحد المرجحات كثرة عدد المصلين في المسجد.

стр. 323

الحصول على أجر قيام الليل بشهود صلاتي العشاء والفجر وعن عثمان بن عفان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله) يعني الصبح نصف والعشاء نصف، فإذا صلى العشاء جماعة والصبح في جماعة يجتمع النصفان فكأنه قام الليل كله. وفي لفظ: (من صلى العشاء في جماعة كان كقيام نصف ليلة، ومن صلى العشاء والفجر في جماعة كان كقيام ليلة). وعن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من توضأ ثم أتى المسجد فصلى ركعتين قبل الفجر ثم جلس حتى يصلي الفجر كتبت صلاته يومئذ في صلاة الأبرار، وكتب في وفد الرحمن)، وهذا في صحيح الترغيب برقم أربعمائة وستة عشر.

стр. 324

مصلي الفجر في ذمة الله وعن سمرة بن جندب ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من صلى الصبح في جماعة فهو في ذمة الله) يعني: في أمان الله وعهده. وفي بعض الأحاديث: (فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء)، فما معنى هذا؟ معناه أن من صلى صلاة الصبح في جماعة في المسجد فهو في حماية الله وفي جوار الله وفي جناب الله، فإياك أن تؤذي رجلاً صلى الصبح في جماعة لأنه في حماية الله، فأنت إذا آذيته أو اعتديت عليه أو ظلمته فإن الله سينتقم له منك (فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء)، وهذا فيه تعظيم حرمة المسلم الذي يصلي الفجر في جماعة فأي واحد يؤذي من يصلي الفجر في جماعة فسوف يطلبه الله لأنه نقض عهد الله، واعتدى على من هو في حماية الله وفي جوار الله .

стр. 325

مباهاة الله تعالى ملائكته بالماكثين في المساجد بعد المغرب وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: (صلينا مع رسول الله ﷺ المغرب فرجع من رجع وعقب من عقب -يعني: تأخر من تأخر- فجاء رسول الله ﷺ مسرعاً قد حفزه النفس -يعني: أتعبه النفس من شدة جريه وسعيه- قد حسر -أي: كشف- عن ركبتيه، فقال: أبشروا أبشروا! هذا ربكم قد فتح باباً من أبواب السماء يباهي بكم الملائكة، يقول: انظروا إلى عبادي قد قضوا فريضة وهم ينتظرون أخرى)، فهذا الحديث في فضل الرباط والمكث في المسجد بعد الانتهاء من صلاة انتظاراً للصلاة التي تليها، وهو من أعظم الأعمال الصالحة، وأغلب الناس في هذا الزمان في غفلة عن هذا الثواب العظيم. وانظر إلى انفعال الرسول ﵊ بهذه البشرى، وكيف أتى يبشر أمته على هذه الهيئة؟ وتخيل مشهده ﵊ وهو يبشرهم؛ إذ إنه كان رءوفاً رحيماً بهم ﵊! فقوله: (قد حسر عن ركبتيه) أي: كشف ركبتيه من شدة احتياجه لأن يكشف عنهما حتى يستطيع الجري بسرعة أكثر، يبشر الذين تخلفوا بعد صلاة المغرب؛ لأن الناس انقسموا إلى فريقين: فريق انصرف بعد الصلاة وفريق ظل ماكثاً يذكر الله إلى أن تأتي صلاة العشاء. والآن لو نكلم الناس بهذه الأحاديث فإنهم يقولون: نحن في زمن السرعة، والعمل عبادة. وهم يقضون الساعات الطوال أمام التلفزيون والمسرحيات والأفلام، ويقرءون الجرائد التي تكاد أن لا يكون فيها حرف يُقرأ، ويقول لك أحدهم: إن العمل عبادة. فهو لا يعرف أن العمل عبادة إلا إذا أمرته بذكر الله. فيبشر الرسول الصحابة: (أبشروا أبشروا! هذا ربكم قد فتح باباً من أبواب السماء، يباهي بكم الملائكة، يقول: انظروا إلى عبادي قد قضوا فريضة وهم ينتظرون أخرى). وعن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فقد سليمان بن أبي حثمة في صلاة الصبح -يعني: لم يحضر صلاة الفجر- وأن عمر غدا إلى السوق ومسكن سليمان بين المسجد والسوق، فمر على الشفاء أم سليمان فقال لها: لم أر سليمان في الصبح؟! فقالت: إنه بات يصلي فغلبته عيناه. قال عمر ﵁: لأن أشهد صلاة الصبح في جماعة أحب إلي من أن أقوم ليلة).

стр. 326

الأسئلة

стр. 327

حكم حلق اللحية بسبب مرض ما السؤال أعاني من (حب الشباب) وهو يظهر تحت لحيتي، ويسبب لي الكثير من الألم، وذلك لأن هذه الحبوب تمتلئ بالصديد الكثير، فأقوم بحلق اللحية كي أعالجها، فعندما أترك لحيتي مرة أخرى تعود الحبوب كما كانت من قبل، وتكرر ذلك الوضع أكثر من مرة بل كثيراً، فما حكم حلق اللحية بالنسبة لي؟ الجواب نقول: ما يدريك أن حلق اللحية هو الذي يسبب هذه التقيحات وهو الذي يلوث هذه الجروح؟ لكن لو ابتلي الإنسان بمرض جلدي معين علاجه في حلق اللحية. فهذه من الرخص النادرة، ويجوز له أن يحلق لحيته للتداوي، ويحرم حلق اللحية إلا لتداو كما قال بعض العلماء، ففي حالة التداوي إذا كان لا سبيل للتداوي إلا الحلق كانت هذه حالة خاصة. والشيء يذكر بالشيء، ولا بأس أن يكون بين وقت وآخر شيء من العتاب لبعض منا، فلو أن أخاً ما ضعف إيمانه أو التزامه بالدين، أو تعرض لضغوط وحلق لحيته، فنجد الشكوى من سوء المعاملة له، ونجد نفوراً شديداً منه، ويصل الأمر إلى إعانة الشيطان عليه، وبالتالي يعتزل تماماً من مجتمع الإخوة حتى يتجنب هذه الأذية. فلنفرض أن الأخ عنده عذر، وقد حصل أن أحد إخواننا -عافاه الله ابتلاه الله بمرض، فبدأ شعر لحيته يتساقط، فما بين قائل له: (نعيماً) وقائل له غير ذلك من السخرية والاستهزاء، والأخ حسن الخلق، فصبر وصبر حتى بلغ السيل الزبى، وكاد أن يهجر جميع المساجد حتى يتجنب هذه الأذية. فالإنسان يكون حسن الخلق، فـ (الكلمة الطيبة صدقة)، حتى مع الكافر، قال الله : ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة:٨٣]، حتى مع فرعون الذي قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، وقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨] قال تعالى لموسى أشرف الأنبياء في زمنه ﵇: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤]، فأين الرفق؟ فينبغي مراعاة آداب الإسلام، فأخ لك له حرمة إذا وقع في حفرة هل توسع له الحفرة وتدفنه فيها أم تأخذ بيده وتجذبه إليك وتنقذه؟! والذي يحصل كأنه تواطؤ من كثير من الإخوة، فالسخرية، والاستهزاء، والاكفهرار في وجهه، والتنفير، وإعانة الشيطان عليه، بينما الرسول ﵊ لما كان ذلك الرجل الذي يلقب حماراً -وكان يضحك النبي ﵊ كان يؤتى به قد شرب الخمر، وكان الشيطان يغلبه أحياناً بمعصية شرب الخمر -والعياذ بالله- فكان يقيم عليه الحد، ففي إحدى المرات قال أحد الصحابة بعدما جلد هذا الرجل ﵁ قال: لعنه الله؛ ما أكثر ما يؤتى به! فقال له النبي ﷺ : (لا تلعنه؛ فإنه يحب الله ورسوله)، وقال: (لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم) فلا تنضم بجانب الشيطان ضد أخيك. والذي يسخر من أخيه أو يؤذيه أو يقاطعه أو يكفهر في وجهه وهل قد جرب أن يأخذه على انفراد وينصحه برفق ولين ويذكره لعل عنده عذراً خفياً كما كان حال هذا الأخ؟ فاحمد الله على أن عافاك من البلاء، وإذا كان الله ابتلاه وعافاك فلا تظهر هذه الأذية، فلا تأمن أن يعاقبك الله ويذيقك من نفس هذه الكأس، والجزاء من جنس العمل. فنرجو من الإخوة أن يراعوا هذه الآداب، وإذا ضعف الأخ فلابد من أن نأخذ بيديه وننصحه. فنرجوا التزام هذا الخلق مع الناس، وأنا ألاحظ أحياناً -ولله الحمد- أن بعض أناس يأتون لأول مرة أو غير ملتحين، فأول ما أرى أخاً غير ملتحٍ أقول: يا رب! استر. حتى لا ينفره أحد الإخوة ويشتد عليه وينفره. وبفضل الله نلاحظ كثيراً من المسلمين يسمع أحدهم كلام الله وكلام الرسول ﵊ فنلاحظ مع الوقت كثيراً منهم بدون أن يحصل له أي ضغط أو إرهاب يلتزم بالهدي الظاهر كله، لكن خطوة خطوة؛ لأن الصراع على أشده، وأهل الفساد والإلحاد والزندقة يحاربون ويصدون الناس عن سبيل الله بكل الطرق، حتى إن فيلم (الإرهابي) يصدرونه لكل الدول العربية، ولا توجد دولة ترفضه غير الأردن، وأصدر وزير الثقافة الأردني بياناً يقول فيه: إن هذا الذي تسمونه إرهاباً هو دين الإسلام نفسه، فكيف تسبون الإسلام؟ والهيئات في الأردن كلها كتبت معترضة على مثل هذا، وأنه طعن في الإسلام نفسه وليس طعناً في الإرهاب، وأيضاً لبنان النصرانية ترفضه، وبقية الدول العربية تقبله، وحسبنا الله ونعم الوكيل! فنحن نتصارع مع أعداء الناس لإنقاذهم، فهم يشدون من ناحية ونحن نشد من الناحية الثانية. وأيضاً توجد بعض التصرفات التي كثرت الشكوى بشأنها في الحقيقة، فنحن إذا لم نتصارح بهذه الأشياء سنتمادى فيها، ونحن -المسلمين- أسرة واحدة، فالمفروض أن يكون أحدنا للآخر كاليدين تغسل إحداهما الأخرى، أو كالمرآة ترى فيها عيبك، فهناك أشياء نسمعها ولا نكاد نصدقها، فآخر ما سمعت أن أختاً تزوجت من رجل قد طلق زوجته، فكتبت الأولى خطابات تشتمها وتسخر منها، وتقول: يا خاطفة الرجال. وألفاظاً بذيئة وكلاماً سيئاً جداً، ثم صورت نسخاً من الخطاب، ووضعته أمام كل أبواب الشقق في العمارة، وأخذ أحد النصارى الأوراق وذهب بها لزوج الأخت ليريه ما صنعت، ويقول له: هذه أخلاقكم أيها المسلمون؟! فهل هذا تصرف؟ وهل هذه أخلاق الإسلام؟ نحن محتاجون إلى أن نراجع أنفسنا في أشياء كثيرة جداً، في التقصير في طلب العلم والعبادة، وغير ذلك من أشياء لا أكاد أصدقها فأخت تمضغ العلك -الذي هو اللبان- داخل الصلاة، فتنصحها أخت بأن هذا لا يجوز داخل الصلاة فتجيبها بجواب بارد! وأخت تمشي من آخر المسجد إلى أوله وهي في الصلاة، وتفتح الحقيبة وتدخل أشياء وتخرج أشياء، فهذه الأشياء ما عهدناها مع الملتزمين، فأي التزام هذا؟ فنرجو التخلص من هذه الآفات والالتزام بآداب الإسلام وتحسين صورتنا؛ لأن هذا مما نعاقب عليه، والصد عن سبيل الله بسوء الخلق ذنب، وإذا تأملنا الآية في سورة النحل: ﴿وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل:٩٤] فمعنى الآية: لا تستغلوا اسم الله وتحلفوا بالله وأنتم تنوون الخديعة. ﴿وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ [النحل:٩٤] يعني: للإفساد. فماذا يحصل إذا الإنسان حلف وعاهد ثم غدر أو أخلف أو أساء الخلق؟ قال تعالى: ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾ [النحل:٩٤]، تكون أنت مذنباً في نفسك، وبعدما كنت ثابتاً على الطريق زللت عنه، فهذا انحراف في نفسك أنت، فأنت تعاقب على هذا أولاً، ثم ﴿وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النحل:٩٤]، إذا فعلتم هذه الأخلاق فإنكم تتسببون في تشويه صورة الإسلام، وبالتالي الكفار الذين عاهدتموهم ونقضتم العهود وخدعتموهم باليمين هؤلاء سيقولون: لو كان في دينهم خير لمنعهم من الإخلاف بالوعد. فمدرب نادي الاتحاد الألماني الذي يدعى سيو بكير كانت المشكلة الوحيدة عنده كلما نكلمه عن مبادئ الإسلام ومفاهيم الإسلام وندعوه إلى جمال الإسلام وروائع الإسلام أنه يقول: فأين هذا فيكم؟ أنتم فيكم الكذب والغش والخداع وكذا وكذا. وأكبر من هذا أنهم لما أرادوا أن يتعاقدوا معه أتوا به إلى مبنى الأستاد الرياضي، وقالوا له: هذا مبنى الفريق. فأعجب به جداً، ويبدوا كذلك أنهم أتوا له بفريق آخر يلعب أمامه، وأوهموه أن هذا هو الفريق، وعلى هذا الأساس وقع العقد معهم. فالشاهد أن مثل هذه التصرفات لها أبعاد خطيرة. وأنا أريد أن أقول: سلوكك هو عنوان لهذا الدين وعنوان الالتزام به، فأنت -شئت أم أبيت- ستحاسب على هذا التصرف ﴿وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النحل:٩٤]، فلا تصد الناس عن سبيل الله، فإن بعض الأخوات لا يأتين المساجد خوفاً من تصرفات الأخوات، فنرجوا من الأخت التي تمارس هذه الأشياء أن تمسك عليها لسانها، ولا تأمر إلا بعلم ولا تنه إلا بعلم. ومن شواهد ذلك في القرآن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٤] فسلوكهم بأكل أموال الناس بالباطل يتسبب في صد الناس عن سبيل الله، فكل هذه شواهد على اعتبار حسن الخلق وأهميته، وأنك تراعي تصرفاتك وأنت تعطي صورة للدين وللالتزام، فحافظ على هذه الصورة، وحتى لا تبوء بإثمك وإثم هؤلاء الذين تصدهم عن سبيل الله ﵎.

стр. 328

حكم إقامة رحلات مستقلة للنساء السؤال هل يجوز سفر مجموعة من النساء بغير محرم لكل واحدة منهن، مثل: الرحلات التي تتم في الجامعة، فهم يعملون رحلة للطلبة والطالبات، وهناك سيارة مستقلة للطلبة وأخرى للطالبات، والرحلة إلى القاهرة والفيوم، فهل يجوز ذهاب الطالبات؟ الجواب لا يجوز بلا شك، فكيف تسافر المرأة بدون محرم؟ والنبي ﵊ حرم على المرأة المؤمنة أن تسافر بدون محرم أبداً حتى ولو كانت امرأة كبيرة في السن. وحاصل المسألة أن بعض العلماء اجتهد فأجاز سفر المرأة في حج الفريضة في صحبة آمنة، في حج الفريضة فقط، وليس في أي سفر، فالقاهرة أو الفيوم ومثل هذه البلاد مسافات سفر، فلا يجوز أبداً أن تسافر المرأة إليها بدون محرم.

стр. 329

محو الأمية التربوية قد يفهم كثير من الناس بكافة مستوياتهم الثقافية معنى الأمية التعليمية، لكن الخطأ المشترك بين كل هؤلاء، والذي يقع فيه حتى عِلية القوم من المثقفين، هو جهلهم بمعنى الأمية التربوية، ولذلك يمارسون مع أبنائهم أساليب تربوية خاطئة، سواء كانت تنتهج القسوة أو التدليل، وسواء كانت موروثة أم مستوردة، ولهذا فالواجب على كل أب أن يتعلم أسس التربية، ويلتزم الطريقة الصحيحة في ذلك.

стр. 330

اهتمام الإسلام بتربية النشء الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، لاسيما عبده المصطفى، وآله المستكملين الشرفا، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد: فإن الإسلام كالبناء الجميل، من أي النواحي أتيته أعجبت بجماله وبهائه وروعته؛ فسواء نظرت إليه من جهة عقيدة التوحيد التي تميز بها، أو كمال التشريعات التي شرعها، أو النظام الاقتصادي في الإسلام، أو النظام السياسي، أو الإعجاز العلمي، أو بلاغة وآداب القرآن وهكذا. ومن الجهات التي إذا طرقناها بالنظر والتأمل نجد أن هذه الجهة وهذا الموضوع هو موضوع التربية والاهتمام بتنشئة الأطفال والأجيال التي تشكل الحاضر والمستقبل، ويتميز المنهج التربوي الإسلامي بوسائل معينة توصل إلى أهداف محددة. أما الهدف فهو إنقاذ هذه الذرية من النار، وأن يشبوا أبناء صالحين يعملون لدينهم ودنياهم، ويسعدون في الدارين بالصلاح والتقوى والإيمان والتوحيد. وقد وضح الله ذلك حينما قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦]، قال علي بن أبي طالب: علموهم وأدبوهم. والمعنى: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم:٦]، بالتربية والتعليم والتأديب والتهذيب، فيكفي في بيان خطر هذه المسئولية: أن الخلل فيها يؤدي إلى عقوبة النار. وحينما كانت امرأة من الأسرى تجد في البحث عن ولدها، فحينما رأته بعد بحث وعناء ألصقته ببطنها في حنان شديد، قال النبي ﵌ لأصحابه: (أترون هذه طارحة ولدها في النار؟ قالوا: لا، قال: لله أرحم بعباده من هذه بولدها)، فالله وضع الرحمة في قلوب الآباء الأسوياء، ومن ثم لم تكثر النصوص القرآنية والأحاديث النبوية التي توصي الآباء بالأبناء، وإنما رأينا العكس، فكثير من النصوص توصي الأبناء بالآباء؛ لأن الله تكفل بوضع هذه الرحمة الذي تضمن لهم هذا المعين الذي ينبض بالحب والحنان والعطف. وقد جعل الله من دعاء الصالحين وعباد الرحمن: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان:٧٤]، فحينما يراهم صالحين أتقياء فلا شك أنهم يكونون قرة أعين للعبد الصالح. وقد حذر النبي ﷺ من أن يجني الأب على ولده، فقال ﵊: (ألا لا يجن والد على ولده)، رواه الدارقطني. وهناك كثير من النصوص فيما يتعلق بإعطاء الإسلام أهمية كبرى لموضوع التربية، فتربية الإسلام للطفل ليست كأي تربية أخرى، إنما هي تربية لغاية ولمقصد ولمستقبل في الدارين، فيقول النبي ﵊ للأطفال: (ارموا فإن الرمي أنكأ للعدو)، فمن أول طفولتهم يخاطبهم بهذا الخطاب. فحينما رأينا الإسلام العظيم ربط الهدف التربوي بهذه الغاية العظمى، وهي سعادة الدارين، في نفس الوقت وجدنا جميع تعريفات التربية في المفهوم الغربي الذي يلهج به كثير من المسلمين تركز على إعداد الطفل ليكون قادراً على تحقيق رغباته الدنيوية، بغض النظر عن كون التعريف بالتربية علمانياً ينفصل تماماً عن التربية الإسلامية. وقد اهتم المسلمون اهتماماً شديداً بموضوع تربية الطفل، والحفاظ على نفسيته من التشويه والإعاقة النفسية، أذكر مثالاً عارضاً لذلك: كان المسلمون الأوائل يوقفون الأموال على الأطفال أو العبيد الذين إذا أرسلهم آباؤهم لشراء شيء معين وضاعت منهم الأموال، فمن أجل حماية هؤلاء الأولاد من العقوبة أو القتل التي قد يتعرضون لها أوقفوا أموالاً ليعوض هؤلاء الأطفال من هذه الأموال، حماية لهم من قسوة الآباء الذين قد يعاقبونهم بشدة بسبب ضياع المال منهم.

стр. 331

مفهوم الأمية التربوية الضائع لا نتصور أن مثل هذه القضية التي هي غاية في الخطورة يمكن أن تناقش وتعطى حقها في هذا الزمن القليل، فليكن كلامنا مجرد مدخل ومقدمة لسلسلة تستمر -إن شاء الله تعالى- فيما بعد عن هذا الموضوع. بالنسبة لمفهوم الأمية التربوية لابد أن يتداعى الناس بين وقت وآخر للحديث عنها، والإعلان عن مراكز محو الأمية وأهمية محو الأمية، بمعنى الجهل بالقراءة والكتابة، لكننا قل أن نجد من يلتفت إلى نوع آخر من الأمية، وهي الأمية في مجال التربية، فضلاً عن أن يفكر في محوها، وسلوك منهج علمي دقيق في محو هذه الأمية.

стр. 332

الفرق بين الأمية التربوية والأمية بالقراءة والكتابة هناك فرق شديد بين أمية القراءة والكتابة وبين أمية التربية؛ إذ أمية القراءة والكتابة من حيث آثارها أخف بكثير جداً من أمية التربية، أما أمية التربية فقد تخرج أجيالاً مشوهة نفسياً تعاني وتتعذب وتنحرف في كل مظاهر الحياة. الأمية في القراءة والكتابة قد نجدها تتفشى في طائفة معينة من الناس، ولكن الأمية التربوية لا ترحم، فإنها قد تتفشى كالداء الوبيل، وقد نجدها في أعلى الناس من حيث المستوى العلمي، كأستاذ الجامعة، أو حتى خواص الناس وليس عوامهم، فهؤلاء بلا شك أعلى الناس من حيث تنزههم عن أمية القراءة والكتابة، ولكن مما يؤسف له: أن الأمية التربوية متفشية فيهم بصورة مؤلمة جداً على أعلى المستويات، بل على مستوى الوزراء وغيرهم من علية القوم، وهذه الظاهرة نلمسها في مناهج التعليم، أو وسائل الإعلام كل هذه تعكس وتشير إلى مدى الأمية التربوية؛ هذا مع حسن الظن بهم! الأمية بالقراءة والكتابة قد تكون ظاهرة، أما الأخرى فهي تتخفى، ثم تظهر لنا فيما بعد آثارها الخطيرة على الأبناء والأولاد، أي: يمكن أن يكون الرجل خبيراً وقائداً في التربية وهو رجل فقير لا يقرأ ولا يكتب، ومع ذلك تجد سلوكه مع أولاده سلوكاً راقياً مهذباً مستنيراً يخرج الأولاد الأصحاء، وقد يكون رجلاً على النقيض من ذلك، ومع ذلك يكون غارقاً في الأمية التربوية. إذاً: ليس المقصود من محاضرتنا هذه محو الأمية التربوية كما هو العنوان، ولكنه تحت عنوان مضمر: أهمية محو الأموية التربوية؛ فإن المحو لهذه الأمية يحتاج زمناً طويلاً وجهوداً مكثفة، والمقصود هو أن ننقل هذه القضية إلى دائرة الاهتمام ليسلط الضوء عليها، ونعطيها القدر الذي تستحقه.

стр. 333

عوائق معالجة الأمية التربوية كان ينبغي معالجة هذه القضايا منذ زمن بعيد، لكن هناك عوائق وعقبات أمام ذلك، وأكبر عقبة أنه كان يفترض في هذه القضايا التربوية أن يقسم الناس فيها إلى شرائح عمرية، ويوجه لكل طائفة كلام غير الكلام الذي يوجه للطائفة الأخرى، إلا أن مشكلاتنا في مجتمع المسجد أنه تتواجد فيه جميع الفئات العمرية من الجنسين، ولا شك أن هذا توجد معه بعض الصعوبة من حيث اختلاف مستويات الناس في فهم الأشياء. أيضاً الكلام الذي يقال للأطفال غير الذي يقال للشباب المراهقين، وهو غير الذي يقال للناضجين، وهو غير الذي يقال للشيوخ، كذلك ما يقال للبنات غير ما يقال للبنين؛ علاوة على أن هناك قضايا لابد من طرقها لكن لا يناسب طرحها بصورة مكشوفة أمام كل هذه المجموعات العمرية، لأنها تناسب طائفة معينة؛ فهناك من الشباب مثلاً من له بعض المشكلات الخاصة جداً التي لا يناسب أن تذكر أمام الجميع، أو تناقش بانفتاح أمام هذه المجموعات كلها. أيضاً: يحتاج هذا الموضوع لتوعية نفسية وصحية، ونحن وإن كنا قد أغنانا الله بنور القرآن ونور السنة وهدي السلف الصالح، لكننا في نفس الوقت نحتاج لتوعية نفسية وصحية في قضايا لا تكون كالقضايا التي نعتاد على دراستها في المسجد، لكننا نرجع فنذكر أنفسنا بأن المسجد طالما كان له دور شامل لجميع مقاصد الحياة، ويشمل كل مجالات الحياة، فلا حرج على الإطلاق إن شاء الله تعالى من تناول هذه الأشياء، من باب تصديق قول النبي ﷺ : (احرص على ما ينفعك)، كما أن هذه الأمور النافعة تفيدنا ديناً ودنيا، فلا حرج إن شاء الله تعالى من ذكرها. أيضاً مما يتخوف منه الإنسان: أن بعض الناس يسيء أحياناً فهم الكلام، وبالتالي تطبيق الإرشادات، لكن مع التفصيل والإيضاح نأمل تجاوز هذه المخاطر. ما دمنا نتكلم عن التربية فمحور هذه القضية هو أهم شريحتين في الأمة: الأطفال والشباب؛ لأنهما الطائفتان القابلتان للتربية والتوجيه، وكلما تقدم السن كلما كان الأمر أصعب.

стр. 334

بعض مظاهر الخلل في التربية من المناسب أن نبدأ بإظهار بعض مظاهر الخلل، وموقفنا نحن من موضوع التربية.

стр. 335

إهمال التربية أو تبني التربية المخالفة للإسلام إذا قلت لشخص: ما هذا؟ فقال: لا أدري، فهذا جهل، لكن لو قلت لآخر عن كوب: ما هذا؟ فقال: هذا كتاب، فقد أخطأ، فهو لا يعرف الكتاب من الكوب، فالخطأ في العلم نوع من الجهل، وقد يكون أخطر من الجهل العادي الذي يعني انعدام العلم. أقصد بذلك أن عندنا بعض الناس لا يخطر الموضوع لهم على بال، والبعض الآخر يتبنى مناهج تربوية خاطئة؛ لأنها مصادمة للمنهج الإسلامي الصحيح والسوي، فهذا أيضاً نوع من المرض والانحراف ينبغي أن يعالج، وأن تقتلع المفاهيم المنحرفة؛ لأنها لا تخرج عن حيز الجهل؛ لأنها مناهج خاطئة تصادم المنهج الصحيح. نحن أقسام: إما أن بعضنا غافل تماماً عن شيء يسمى تربية، فيمارس نوعاً من اللامبالاة، والموضوع لا يخطر له على بال، وكل نظره يتجه إلى نمو الطفل: أنه الآن يحبو الآن بدأ يتكلم الآن كذا وكذا مضغة لحم تنمو وتكبر ويتلهى بها، ويغفل أنواعاً أخرى من النمو ينبغي أن يعتنى بها، وأن يعطى الطفل احتياجاته فيها. فالوعي التربوي لدى أغلب الناس وعي منخفض جداً حتى عند المثقفين منهم، فالتربية لا تأخذ عندهم مأخذاً جاداً كعلم يكتسب، ومهارة تحتاج إلى تدريس، وإنما ينظر إليها أغلب الناس على أنها شيء تلقائي يدركه الفرد بإحساسه العفوي، فإن أراد الاجتهاد فإنه يضيف شيئاً من خبراته المكتسبة وراثياً عن طريق ما تعلمه من الآباء. وغالبية الناس يجهلون كيف يتعاملون بالأسلوب السليم مع أولادهم في هذا العصر الذي صعبت فيه التربية جداً؛ لأنه عصر يكتظ بالمتناقضات، وتتزاحم فيه الأضداد، وأصبح الإنسان تتنازعه جوانب عدة واتجاهات مختلفة؛ فلا يجد الفتى أو الفتاة سوى التخبط والضياع عندما لا يكون هناك من هو كفؤ لقيادته إلى الطريق الصحيح في هذا الخضم المتلاطم من الأفكار والنزعات.

стр. 336

الحديث عن التربية من أبراج عالية لا تناسب بسطاء العقول بعض الناس يتكلمون كثيراً عن التربية لكنهم يتكلمون من برج عاجي، أو دراسات أكاديمية معقدة لا يفقهها إلا من كان على هذا المستوى الأكاديمي، وكما نلاحظ في الدراسات المتخصصة فإنها لا تعطينا وجبة سهلة قابلة للتطبيق، لأن كل الكلام على مستوى أكاديمي يناسب المتخصصين ويستغلق على الإنسان العادي، وربما عقدت بعض المؤتمرات لمناقشة بعض المشكلات، وقد حضرت مرة مؤتمراً يناقش مشاكل المراهقين، وتطرق أساتذة كبار في كلية الطب إلى هذه المشاكل؛ فوجدت أن الكلام كله يدور في إطار مشاكل طبقة المترفين، وفيه تفاصيل لا تمت للأغلبية من الناس بصلة. أيضاً بعض الناس افتتن بالمنهج التربوي الغربي وأراد إسقاطه عشوائياً على بيئتنا، وهذا كقصة المثل الذي يحكي أنه كان هناك سمكة جرفها السيل، وأخذ يدفعها أمامه، وهناك قرد أراد أن ينقذ هذه السمكة، فأخرجها من الماء حتى ينقذها، نحن إذا تم التعامل معنا على أساس ثقافة غير ثقافتنا ومذهب غير ديننا فإن هذا لا يناسبنا؛ لأن صلاحنا لا يكون إلا بما صلح به أمر أول هذه الأمة. وبعض الناس يرون التربية الحسنة، في أن يوفر الأب لأولاده أحسن ملبس وأحسن مأكل، ووسائل الترفيه، والبعض يسلك مسلك التربية القاسية المتسلطة، حتى إن منا من يستحسن ذلك حين يحكي عن شخص أنه حين ينظر لابنه بعينيه فإن الولد يرتجف، فينظر إلى هذا الأب على أنه مرب جيد، وأن هذا الولد متربٍ، وعلى الجهة الأخرى نجد التدليل المفرط الذي يدمر الأطفال ويسيء إليهم.

стр. 337

تطبيق طريقة الآباء الخاطئة في التربية أو إيكالها إلى الخادمات من مظاهر الخلل في هذه التربية أيضاً: اعتزاز بعض الناس -إلى حد التقديس- بالطريقة التي ربي هو بها منذ صغره ويعتبرها جزءاًً من كيانه لا يستطيع أن يتخلص عنه، وبالتالي يريد أن يحاكي هذه الطريقة ولا يخضعها أبداً للنقد أو التمحيص أو النقاش أو إعادة النظر فيها. أما مشاكل المترفين: فهم يتركون زمام التربية لغيرهم، كحال الخادمات، فقد أصبحن في هذا الوقت ظاهرة جديدة، حيث يستقدمن من شرق آسيا كافرات لا يعرفن العربية، ويسلطن على الأطفال لتربيتهم، وهذه مصيبة ما بعدها مصيبة؛ لأن لهؤلاء الخادمات دوراً مدمراً لهوية الأطفال الإسلامية.

стр. 338

ندرة وجود المعلم التربوي من هذا أيضاً: تسليم زمام التربية لمعلمات غير تربويات، ولا حظ لهن على الإطلاق في التربية، فنجد بعض المسالك من المعلمة التي لا تعرف شيئاً في التربية؛ لأن هناك فرقاً بين التربية وبين التعليم، فالتعليم جزء من التربية، كما يقول المثل الصيني: إذا أتاك مسكين من أجل أن تتصدق عليه فأن تعطيه شبكة وتعلمه كيف يصطاد السمك أفضل من أن تتصدق عليه بسمكة. فالمدرس الذي يدرس الرياضيات قد يحل لهم المسألة بسهولة، وهو في هذه الحالة ليس معلماً فقط لكنه يكون مربياً إذا علم التلميذ أو الطالب كيف يفكر ويحلها، وكيف يستقل بالإبداع في هذه المجالات؛ فالتربية أعم من التعليم، فقد يوجد معلم لكنه لا يكون مربياً كما لاحظنا، والأمثلة مؤلمة جداً.

стр. 339

تسليم زمام التربية لوسائل الإعلام المفسدة الآن ينتزع زمام التربية ويعطى لوسائل الإعلام التي تدمر الأبناء تدميراً، وفي مقدمتها التلفاز بسلوكه الخطير على نفسية الأطفال بإجماع جميع العقلاء في كل العالم، وفي أمريكا يوجد اقتراح لمنع الفساد عبر أجهزة التلفزيون والفيديو وغيرها، فانضم لهذه الحملة رئيس أمريكا وطالب الناس أن ينضموا ليطالبوا الوسائل التلفزيونية بالحد من النشاط الإجرامي الذي يفسد الأطفال. هذا وهم كفار غير مسلمين، فما بالك بالمسلمين، فلا نشك أن التربية الموازية والمضادة للتربية الإسلامية التي تسلط على الأطفال صباح مساء تصعب المهمة جداً في واقعنا الذي نعيشه.

стр. 340

أهمية التربية المبكرة من المناسب أن نبدأ بإظهار بعض مظاهر الخلل، وموقفنا نحن من موضوع التربية.

стр. 341

تحذير الشريعة من إهمال التربية إن العملية التربوية عملية في غاية الخطورة، ويكفي أن الخلل فيها يؤدي بنا وبأهلينا وأولادنا إلى النار، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦] إلى آخر الآية. ويقول النبي ﷺ : (كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته)، أي أنه واقف أمام الله، وسوف يسأله الله، فاسم مسئول من سأل، فسوف يسأل ويحاسب ويعاقب إن قصر، ويثاب إن أحسن. ويقول النبي ﷺ : (إن الله سائل كل راع عما استرعاه، حتى ليسأل الرجل عن أهل بيته). فلا تظنوا أن عملية التربية نوع من الكماليات أو الرفاهية، أو نوع من الترف العلمي أو الثقافي بل هي مسئولية في غاية الخطورة، (إن الله سائل كل راع عما استرعاه، حتى ليسأل الرجل عن أهله بيته) فسوف تسأل وتحاسب بين يدي الله عن سلوكك مع أولادك وتربيتك إياهم. ويقول النبي ﷺ : (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول)، يعني: لا إثم أعظم من ذلك. فمن القصور أن نتصور أن التضييع إنما يكون بالنفقة، لأن التضييع يكون بأمور هي أخطر من النفقة؛ سواء تركه مع صحبة سيئة، أو توفير أجهزة الفساد له بسهولة، أو سلوك مسالك مدمرة لنفسيته. وقال النبي ﷺ : (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه)، فلابد من إتقان التربية وإحسانها، والاستعانة في ذلك بالله ، يقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩].

стр. 342

كلام الغزالي على أهمية التربية المبكرة يقول الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى: الصبي أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة خالية من كل نقش وصورة، وهو قابل لكل نقش؛ أي أنه مثل العجينة الطرية يمكنك أن تشكله كما تشاء بإذن الله، فإذا أحسنت تشكيله خرج لك قرة عين، وخرجت لك ذرية صالحة، أما إذا أهملتها فهذا ما يبينه الغزالي فيقول: الصبي أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة خالية من كل نقش وصورة، وهو قابل لكل نقش، ومائل إلى كل ما يمال به إليه، فإن عود الخير وعُلِّمَه نشأ عليه؛ فسعد في الدنيا والآخرة أبواه، وكل معلم له ومؤدب، وإن عود الشر وأهمل إهمال البهائم؛ شقي وهلك، وكان الوزر في رقبة القيم عليه والوالي له. يقول النبي ﷺ : (كل مولود يولد على الفطرة، وإنما أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)، فالشر طارئ لكن الفطرة البشرية سليمة وقابلة للخير، وإلى هذا أشار أبو العلاء بقوله: وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان عوده أبوه وما دان الفتى بحجىً ولكن يعلمه التدين أقربوه فالنبي ﷺ حمل الوالدين مسئولية تربية الأبناء؛ لأن بعض الآباء قد تحصل ظروف معينة في أسرته تجعله يقرر أن يهرب من هذه المسئولية، فيكون مثله كمثل ربان السفينة في وسط البحر إذا غضب من بعض البحارة فترك لهم المركب، وأخذ قارباً ولن يستطيع القيادة إلا هو، وقد يكون الأمر أخطر لو تخيلنا أنه قائد الطائرة وينزل بالمظلة، فهل يخلو مثل هذا من المسئولية بضياع هذه الأسرة وهؤلاء الأولاد؟ لا. بل سوف يحاسبه الله ، ويكون حسابه أشد إذا كان سلبياً أو فرر من مواجهة هذه المسئولية.

стр. 343

حث الشريعة على حقوق الأبناء والاهتمام بتربيتهم يقول النبي ﷺ : (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته؛ الإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها)، إلى آخر الحديث. ويروى في بعض الآثار: أن داود ﵇ قال: إلهي كن لبني كما كنت لي، فأوحى الله تعالى إليه: يا داود! قل لابنك يكن لي كما كنت لي، أكن له كما كنت لك. يقول الغزالي في رسالته: أيها الوالد! إن معنى التربية يلزم عمل الفلاح الذي يقلع الشوك ويخرج النباتات الأجنبية من بين الزرع ليحصل نباته ويكمل ريعه. ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: قال بعض أهل العلم: إن الله يسأل الوالد عن ولده يوم القيامة قبل أن يسأل الولد عن والده. أي: فكما أن للأب على ابنه حق فللابن على أبيه حقاً، كما قال الله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت:٨]. وقال تعالى: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦]. وقال علي بن أبي طالب في تفسيرها: علموهم وأدبوهم. وقال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء:٣٦]. وقال النبي ﷺ : (اعدلوا بين أولادكم). وقال الله : ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء:١١]. فإذاً وصية الله للآباء بأولادهم سابقة على وصية الأولاد بآبائهم، والدليل من القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء:٣١]، فهنا وصية لاحترام هذه الروح، وهذه النفس، وهي نفس الأولاد قبل أن يصبح هذا الطفل مكلفاً ببر والديه، ومنذ أن كان جنيناً نفحت فيه الروح والله يشرع له من الحقوق ما يحمي له حياته ويصونها، ويجعل لها حرمة، والأحكام في ذلك كثيرة كما سنشير إن شاء الله تعالى. يقول ابن القيم: فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعه، وتركه سدى؛ فقد أساء غاية الإساءة، وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قبل الآباء، وإهمالهم لهم، وترك تعليمهم فرائض الدين وسننه؛ فأضاعوهم صغاراً فلم ينتفعوا بأنفسهم ولم ينفعوا آباءهم كباراً، كما عاتب بعضهم ولده على العقوق فقال: يا أبت! إنك عققتني صغيراً فعققتك كبيراً، وأضعتني وليداً فأضعتك شيخاً. ويقول سعيد بن العاص: إذا علمت ولدي القرآن وحججته وزوجته فقد قضيت حقه، وبقي حقي عليه.

стр. 344

غفلة الآباء عن التربية المبكرة للأبناء تربية الأولاد تبدأ مبكرة جداً عما نتخيل؛ لأن أغلب الناس تنظر إلى الطفل من ناحية نموه الجسدي، وكثير من الناس يستصحب موقفه هذا مع الطفل الصغير منذ أن يحبو حتى يكبر وهو ما زال ينظر إليه بهذه النظرة. والإسلام في الحقيقة نبه إلى موضوع التربية، وبعض الناس لا يلتفت لها إلا بعدما يكبر الولد ويتعدى الثانية عشرة من عمره، وهذه خسارة ما بعدها خسارة؛ لأن نفسية الطفل وشخصيته تتشكل وتوضع البذرة الأولى لها في الخمس السنوات الأولى، فهذه أخطر مرحلة تشكل كل مستقبل الطفل فيما بعد ذلك، والله تعالى أعلم. وهذه المرحلة حقها أن تحظى بأكبر قدر من العناية، لكنها تحظى بأكبر قدر من اللامبالاة، واللامبالاة لا تساوي عدم التربية، بل تساوي تربية خاطئة، فاللامبالاة في حد ذاتها إساءة.

стр. 345

بداية التربية من اختيار الأم الصالحة لا ينظر للتربية على أنها تبدأ عندما يكلف الطفل، فهذا غير صحيح، ولن أقول: إنها تبدأ من ساعة خروجه من بطن أمه، لكنها تبدأ من حين اختيار الأب لزوجته؛ هذه هي البداية الصحيحة، أي: أن حق الأولاد يتقرر في عنقك منذ اختيار أمهم؛ لأن هذا الاختيار يكون له أعظم الأثر فيما بعد على الأولاد، وهذا موضوع في غاية الأهمية، لكننا سنختزله ونذكر أهم ما فيه، فأقول: إن من المهم اختيار الأبوين؛ لأن الرسول ﵊ نبهنا إلى كلا الأمرين حينما قال في الرجل: (إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير)، وقال في المرأة: (فاظفر بذات الدين تربت يداك). فإذاً من حق الولد إحسان اختيار أمه حينما يريد أباه أن يتزوج، ولا خير ولا أحسن من المرأة الصالحة كما بين النبي ﵌. يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله تعالى: إن البيت قلعة من قلاع هذه العقيدة، ولابد أن تكون قلعته متماسكة من داخلها، حصينة في ذاتها، كل فرد منها يقف على ثغرة لا ينفذ إليها، وإلا تكن كذلك سهل اقتحام العسكر من داخل قلاعه؛ فلا يصعب على طارق، ولا يستعصي على مهاجم. وقال النبي ﷺ : (تخيروا لنطفكم؛ فانكحوا الأكفاء، وأنكحوا إليهم).

стр. 346

أهمية حنان الأم في تربية الطفل وتميز نساء قريش بذلك حينما امتدح النبي ﵌ نساء قريش قال: (خير نساء ركبن الإبل صالح نساء قريش) يعني: الصالحات المتدينات من نساء قريش، ثم ذكر المؤهلات اللاتي استحققن بها هذا الثناء من النبي ﵊ فقال: (خير نساء ركبن الإبل صالح نساء قريش؛ أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده)، فهن أكثر الناس حناناً على أولادهن، وهذا أمر في غاية الأهمية؛ لأن الطفل يحتاج إلى الحنان حاجة ماسة، ومع كل وجبة إرضاع ينبغي أن تقدم الأم للطفل وجبة حنان وحب وعطف، وكل هذه الأمور من الاحتياجات الأساسية للطفل. الطفل ينمو، وكما ينمو في جسمه تنمو روحه وعاطفته وإدراكاته، فمما يحتاج إليه الطفل باستمرار: وجبة الحنان، وإلا سهل جداً الإرضاع. فقد تقوم به الزجاجة، أو الخادمة، لكن المرأة التي ترضع ولدها يشتد الالتصاق بينها وبينه، ووجودها أساسي جداً في الإشباع العاطفي والوجداني الذي ينعكس انعكاساً كبيراً عليه، لذا فإن أخطر السنوات في تشكيل شخصية الطفل هي السنوات الخمس الأولى، ثم يليها الثلاث السنوات التالية، فينبغي أن يهتم بتربيته وقتها أشد الاهتمام. إن الأم التي إذا أرادت أن ترضع ولدها تصرخ فيه، وترضعه بطريقة ميكانيكية آلية قد حرمته من وجبة الحنان، وهي تظن أنه قطعة لحم لا يحس بشيء، ونحن نقول: إن الطفل يحس بكل شيء، يحس بأمه وهو في بطنها، فيحس بها إذا كانت سعيدة أو كئيبة، ولذلك فإن الأم أثناء فترة الحمل محتاجة إلى توجيهات كثيرة جداً؛ لأنها تختزل فترة من فترات تربية الطفل عن طريق أنها تكلمه وتقوم بعمل حركات معينة على بطنها بحيث يألفها ويحفظ صوتها، وربما سمعتم أن بعض الأمهات الفاضلات كانت دائماً تسمع القرآن الكريم، والطفل في بطنها، فسرعان ما حفظ القرآن مبكراً جداً؛ وذلك لأن الطفل ليس في غفلة، بل يحس بأشياء كثيرة نتغافل عنها، ونحقر من إمكاناته، والحقيقة غير ذلك تماماً. الشاهد: أن هذا وسام وشرف وضعه النبي ﵊ على نساء قريش، وكافأهن بهذا المديح العظيم على لسانه ﷺ وذلك لسببين. أحدهما: (أحناه على ولد في صغره)، وهذا فيه لفت نظر إلى أهمية الحنان، والأطباء أو الأخصائيون النفسيون حينما يدرسون حالة من حالات الانحراف عند المريض يكون هناك سؤال أساسي جداً: هل الرضاعة تمت في صغرك بطريقة طبيعية أم بطريقة صناعية؟ لأنه لو حرم من الرضاع فسوف ينعكس هذا على نفسه، وهذا نوع من الحرمان. ثم الفطام: كيف فطمت من الرضاع؟ وأغلب الناس لا يتذكر؛ لكن لو أمكن اجترار هذه المعلومات من الأقارب أو الأم فإنها تكون مفيدة. فالأزمات النفسية توضع جذورها في السنوات الخمس الأولى من حياة الطفل، ثم بعد ذلك تليها في الأهمية مرحلة أخرى تستمر إلى ثمان سنين، ثم تنتهي تقريباً عند سن الثامنة عشرة، إلى هنا تكون كل مقومات الشخصية قد تكونت لديه، وما يستقبل فهو انعكاس لما مضى في خلال هذه الفترة، والتجارب التي مر بها، والأسلوب الذي ربي به. هذه لفتة عابرة لخطورة العملية التربوية.

стр. 347

تربية الطفل النفسية من وجهة نظر إسلامية بعض الباحثين وهو طبيب نفسي له كتاب اسمه (تربية الطفل رؤية نفسية إسلامية) كتب كلاماً جيداً في موضوع الأولاد، يقول فيه: من أجل ذرية صالحة لابد للزوج من زوجة صالحة، ولابد للزوجة من زوج صالح، هو يظفر بذات الدين، وهي تتزوج ممن ترضى دينه وخلقه، لكن بعد هذه المرحلة تأتي أهمية وضوح الغاية من أن يكون عندنا أولاد، وبصورة أخرى: ما هي النية من وراء إنجاب الأولاد؟ هل ننجب الأولاد ونتعب في تربيتهم السنين الطويلة حتى يكونوا لنا عوناً عندما نبلغ الشيخوخة؟ ربما كنا مرحومين فكان أولادنا بارين بنا، وعوناً لنا عندما نحتاج إليهم، لكن قد لا يكونون كذلك؛ فيذهب جهد السنين في العناية بهم بلا مقابل. وقد نربي الولد السنين الطويلة، ثم يموت أو يبتلى بعاهة وإعاقة دائمة، وقد وقد كل ذلك يجعل الإنجاب والتربية كوسيلة تأمين ضد الشيخوخة مشروعاً أقرب إلى الخسارة منه إلى الربح، وقد ينجب الأولاد لأنهم مثل الأموال زينة في هذه الحياة الدنيا، كما قال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف:٤٦]، والنفس البشرية تحب امتلاك الزينة، لكن العاقل الذي يدرك مدى المسئولية في ذلك، ومدى العبء الذي يحمله الأبوان في تربية أولادهما، فقد لا تعجبه هذه الزينة؛ لأنها باهظة التكاليف. وقد ننجب لنجبر كسر زواج على حافة الطلاق، ولكن زواجاً محطماً لا يستحق العناء الذي يتطلبه الأولاد، والأولاد قد يزيدون الأمور سوءاً، وقد يعجل ذلك بالطلاق ولا يؤجل. بقي أن ننظر إلى أولادنا على أنهم مشروع رابح، يقول: إن تربية الأولاد ينبغي أن تكون النية والهدف من وراء تربية الأولاد لله، فيقول: إن ما كان لغير الله ينقطع وينفصل، وما كان لله فإنه يدوم ويتصل، فإن أردت بالأولاد مالاً ربما خانوك وضيعوك، وإن أردت زينة فهي مكلفة، وإن أردت كذا إلى آخر هذه الاحتمالات. ثم قال: بقي أن ننظر إلى الأولاد على أنهم تجارة لن تبور، وذلك إذا اتبعنا فيها شرع الله ، يقول: بقي أن ننظر إلى أولادنا على أنهم مشروع رابح لكسب الأجر والثواب، وارتفاع الدرجات عند الله، ولحفظ جهدنا من الضياع؛ لأن الجهد الذي نضيعه على أولادنا قاصدين بذلك تنشئتهم على الإيمان بالله وتوحيده وطاعته جهد باق لا يزول عندما تزول الجبال، ولا يختفي عندما تكور الشمس، أو تكشط السماء، أو تسجر البحار، إنه جهد أودع في إنسان، والإنسان ضمن الله له الخلود بعد أن يبعثه يوم القيامة إلى حياة لا موت بعدها، بينما تزول كل المعاني المادية العظيمة من حولنا، إلا تربية الأولاد. بهذه النية يكون لدينا مشروع لا احتمال للخسارة فيه، فقد قال رسول الله ﷺ : (دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك؛ أعظمها أجراً الذي أنفقته على أهلك). وعن أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: (قلت: يا رسول الله! هل لي أجر في بني أبي سلمة أن أنفق عليهم ولست بتاركتهم هكذا وهكذا إنما هم بني؟ فقال: نعم. لك أجر ما أنفقت عليهم). أي أن هذا عن المال الذي تنفقه في تربية الأولاد لن يضيع سدى، بل تثاب عليه أعظم الثواب، فما بالنا بالجهد الدءوب والتعب وسهر الليالي بعد الحمل وهناً على وهن، أيعقل أن يكون أجر ذلك كله دون أجر المال الذي ينفقه الأب؟ هل ثواب الأم التي تعاني ما تعاني في تربية الطفل يكون دون ذلك؟ يقول ﵎: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران:١٩٥]. وعندما يكبر أولادنا صالحين مؤمنين فيكون لنا -بإذن الله- من الأجر مثلما يكون لهم كلما صلوا صلاة أو صاموا صياماً، أو عملوا عملاً صالحاً ما عاشوا، فالرسول ﷺ يقول: (من دل على خير فله مثل أجر فاعله)، والولد من سعي أبيه، أي: أنك إذا ربيته على الطاعة فكل عمل صالح يفعله يكون لك مثل ثوابه، فإذا ذكر الله وأثيب على ذلك فأنت أيضاً لا تَقِلُّ عنه في شيء، وهكذا إذا صلى أو صام أو فعل أي شيء؛ لأنك أنت الذي تسببت فيه وجوده؛ فإنه لا تعارض بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩]؛ لأن من سعيه إنجاب وتربية هذا الولد. يقول: هذه الطمأنينة على أعمالنا أنها لن تضيع سواء أحسن إلينا أولادنا أو لم يحسنوا عندما يكبرون؛ تجعلنا نبذل ونربي بحماسة ورضا، وعندما نشعر أن أولادنا نعمة من الله لأنهم وسيلتنا إلى زيادة حسناتنا؛ فكم منا من له الجلد والمثابرة على الصلوات الكثيرة في جوف الليل، وكم منا من إذا صلى كانت صلاته كلها خشوع، وكم منا من له الصبر على صوم أكثر الأيام، إن أولادنا وسيلتنا لكسب الأجر العظيم الذي نعجز عن كسبه عن طريق النوافل الكثيرة صلاة وصوماً وصدقة وحجاً وذكراً، فبإخلاص النية لله يصبح سهر الأم على رعاية رضيعها عبادة، ويصبح عمل الأب في مصنعه أو متجره عبادة، والولد الذي يحفظه الله لنا فيعيش يكون مستودعاً يحفظ الله لنا فيه أعمالنا ليكافئنا عليها يوم القيامة، أما الذي يميته الله طفلاً فنصبر فإنه يقف على باب الجنة لا يدخلها حتى يدخل أبويه. أوليس تربية أولادنا على الإسلام تجارة لن تبور إن شاء الله؟ لابد من استغلال الفرص لتحقيق أكبر الأرباح. ثم يلفت النظر إلى أمر في غاية الأهمية، وهو: الدعاء بالصلاح للذرية، يقول الله : ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران:٣٨]. وقال تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء:٨٩ - ٩٠]، إلى آخر الآية. يقول: نحن في حياتنا اليومية إذا أردنا شراء قطعة أثاث أو سيارة أو غير ذلك ذهبنا إلى السوق، وحصلنا على ما تمكننا نقودنا القليلة من شرائه، لكن الثري فينا لا يفعل ذلك، فممكن أن يتصل بشركة مرسيدس في ألمانيا ويطلب سيارة فيها كذا وكذا وكذا، ويدفع فيها الملايين؛ لأنه ثري يمكنه أن يبذل هذا المال ليحصل على سيارة حسب مواصفات معينة يرغب فيها، ثم ترسل إليه خصيصاً مقابل ثمنها. أما إذا أردنا ولداً بمواصفات معينة: أن يكون مقيماً للصلاة، صالحاً، قانتاً، خاشعاً، حتى لو أردنا شيئاً من الدنيا أيضاً، فما علينا إلا أن نرفع أيدينا ندعو الله أن يرزقنا ذلك، وأن نكثر من الدعاء سائلين الله أن يرزقنا ولداً صالحاً ذكياً سوياً جميلاً، والولد قد يكون صبياً وقد يكون بنتاً فندعوه ويكون دعاؤنا من هذه الأسباب، والرسول ﵊ يقول: (أعجز الناس من عجز عن الدعاء)، فالدعاء يمكن أن تحصل به أغلى وأثمن الأشياء سواء في الدنيا أو الآخرة، ولا يكلفك سوى أن تخلص النية لله ، ثم ترفع يديك متذللاً سائلاً، فهذا باب سهل جداً للمؤمن، ولذلك ذم النبي ﵊ من يزهد في الدعاء بقوله: (أعجز الناس من عجز عن الدعاء) وقال ﷺ : (ما يمنع أحدكم أن يقول حين يجامع أهله: باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا)، فهذا كله من الإحسان إلى الأطفال، فليس الدعاء وسيلة العاجز، إنما هو سبب من الأسباب التي يحب الله أن نأخذ بها، فنؤجر على الدعاء نفسه، ثم يتقبل الله منا هذا الدعاء. بعث بعض الخلفاء إلى بعض الناس ممن كانوا محبوسين في السجن وطال بهم المقام فيه، فأرسل إليهم وسألهم: ما أشد ما مر عليكم في هذا الحبس؟ قالوا: ما فقدنا من تربية أولادنا، وكان السلف يهتمون جداً بموضوع التربية حتى وجدت وظيفة اسمها: المؤدب، وكان الإمام ابن أبي الدنيا يلقب بـ: مؤدب أولاد الخلفاء.

стр. 348

حضانة الأم التربوية مما يجسد خطورة التربية في المراحل الأولى: أن الله جعل الحضانة حقاً للأم، ورتب على الإرضاع أن جعل الأم من الرضاع تماماً كالأم الحقيقية: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء:٢٣]، وقال ﵊: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب). فموضوع مراعاة حق الطفل في رعاية أمه أمر في غاية الأهمية، وانفصال الطفل عن أمه، أو تقصيرها في هذا الأمر يجرنا إلى اليتيم، هل اليتيم هو من كان فقيراً أو من ليس معه مال؟ لا. اليتيم يمكن أن يكون غنياً لكنه يتيم؛ لأنه حرم من أبيه أو من أمه؛ فقد ييتم الآباء أبناءهم وهم على قيد الحياة، كما قال الشاعر: ليس اليتيم من انتهى أبواه من هم الحياة وخلفاه ذليلاً إن اليتيم هو الذي تلقى له أماً تخلت أو أباً مشغولاً ولا يمكن أن يقوم بديل عن الأم في هذه الوظيفة الخطيرة، فالشارع لما جعل حق الحضانة للأم ما قال: يمكن أن تقوم بها دور الحضانة أو الخادمة أو غير ذلك، فعملية هروب المرأة من وظيفتها المقدسة -تربية الأولاد- إلى العمل مصيبة، وأصل هذه العملية إقحامها في حياة المسلمين بطريقة متكلفة، وأصبحت تسمى المرأة: امرأة عاطلة وامرأة عاملة، فالعاطلة ربة بيت، والأخرى عاملة منتجة، أو نصف المجتمع إلى آخره، هذه هي المرأة العاملة التي تمارس هذه الوظيفة المقدسة وهي العاملة بالفعل لأشرف عمل، أما الأخرى فهي هاربة من الوظيفة، وهاربة من العمل إلى الشوارع والمصانع والمحلات إلى آخره. طبيب أمريكي كان كلما جاءته أم بطفل مريض يشتكي، يكتب في كل الإرشادات الخاصة به: العلاج هو العودة إلى الأم الحقيقية، وهذا كاف، فقد كان يرى أن المرض هو نتيجة عن هذا الخروج. وكما أشرت فإن الأم الحقيقية ليست عاطلة، ووظيفتها أصعب من أي موظف في العالم؛ لأن أي موظف يشتغل ثمان أو عشر أو خمس عشرة ساعة في اليوم أو فترة معينة ثم يستريح بعد ذلك، لكن الأم التي تحضن الأطفال وتراعيهم والزوج والأولاد والصغار والكبار، تشتغل أربعاً وعشرين ساعة، وممكن أن تستدعى بصراخ الرضيع في أي وقت، وقد تسهر معه إلى نصف الليل أو معظم الليل كي ترعاه وتحرسه، فهل هذه تسمى عاطلة؟! فموضوع إقحام قضية المرأة العاملة كان لغرض يراد بالمسلمين على يد اشتراكية عبد الناصر، وكان الكلام فيه متكلفاً، وضربوا له مثلاً فقالوا: مثل ذلك كمثل عامل يأتي في الليل بأنقاض بناية متهدمة ويضعها في الشارع فيسد الميدان بالأنقاض، ويرفع عليها مصباحاً، فيأتي من يسأله: لماذا أتيت بهذه الأنقاض؟ فيقول: لأرفع عليها المصباح، فيقال: ولماذا أتيت بالمصباح؟ فيقول: حتى لا يصطدم الناس بالأنقاض، وهذا مثل قضية عمل المرأة، فهي قضية متكلفة زرعت زرعاً وأقحمت إقحاماً لكي يتم إخراج المرأة من قلعتها الحصينة، ولشلها عن هذه الوظيفة المقدسة. قد يقول بعض الناس: نحن نكثر الكلام عن التربية وأهميتها، فهل درس السلف هذه العلوم؟ فنقول: السلف حققوا النموذج العملي الراقي في كل مجالات الحياة، وليس فقط في مجال التربية، لكن الأمر كما في علم النحو والصرف واللغة والبيان والبديع وغيرها، فهل السلف درسوا النحو والصرف وغيره؟ فنقول: لا، ومع ذلك كانوا أفصح الناس؛ لأن ذلك كان عندهم بالسليقة وبالاستعدادات الفطرية بجانب تهذيب الوحي الشريف لهم، كذلك التربية هم مارسوها بالفعل؛ لكن ضبط هذه الأشياء وتبسيطها وتقنينها لا يمكن أن يتصادم مع هذا.

стр. 349

مشاكل تواجه استمرار العملية التربوية للطفل هذا مهم جداً ومما ينبغي أن نلتفت إليه، وهو: أن العملية التربوية هي عملية مستمرة ومتجددة، فلا يوجد وقت معين للتربية بل كل حياتك مع أولادك تربية كل سلوك وكلمة وحركة وسكنة وتعليق وإيماء وتصرف هو تربية، والطفل يقتبس منك ويتمثل كل ما يراه. فإذاً التربية هي علم له قواعد وأصول وله سنن تحكمه، فكل ما يحصل منك هو نموذج عملي يحتذيه الطفل، ويتأثر به طوال حياته، ولا يوجد وقت معين يقول الأب للأولاد: سنعطيكم حصة تربية أربيكم فيها، لا يحصل هذا، فكل تصرف منك هو تربية، فالتربية عملية تستمر آناء الليل وأطراف النهار، التربية عملية تفاعل وتأثر بالبيئة المحيطة، وسنذكر أمثلة لمدى خطورة التصرفات التي لا نتفطن إليها على الإطلاق.

стр. 350

نشوء الطفل على سلوك خاطئ الطفل إذا نشأ في بيئة تحتقر المرأة وتزدريها وتستخف بها؛ فيرى أباه يضرب أمه ويشتمها ويسبها ويفعل بها كذا وكذا؛ فإن هذا يزرع في قلبه أن هذا هو الوضع الطبيعي للمرأة، ثم بعد ذلك يتقمص هذا السلوك حينما يصير زوجاً، ويكرر ما تشربه منذ الطفولة. طفل أمه تضربه بالحذاء، مؤكد أنه سيعيش إنساناً مهدر الكرامة، فكيف يكون عنده كرامة حينما يكبر؟ وكما قلنا: أخطر مرحلة هي السنوات الثمان الأولى، وبخاصة الخمس الأولى منها، ومع ذلك أغلبنا لا يلتفت إليها، ولا ينتبه لها. الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله تعالى أتاه رجل فقال له: قد رزقت بنتاً، وأريد أن تعلمني كيف أربيها، قال له: كم عمرها؟ قال: سنة، قال: فاتك الخطاب، هو في الحقيقة ما فاته، ولكن هذا تجسيد من رجل بصير بفن التربية؛ لخطورة إهمال التربية التي يجب أن تبذل للطفل في وقت مبكر.

стр. 351

إهمال الاضطرابات النفسية للطفل الوقاية من الاضطرابات النفسية أفضل من العلاج؛ لأن العلاج إما ميئوس منه، وإما نسبة النجاح فيه قليلة، وبالتالي فالوقاية تكون بأن ينشأ الطفل سوياً نفسياً من الصغر، وهذا أعظم أسلوب للتعامل مع الاضطرابات النفسية التي قد تحصل إذا حصل خلل في هذا الأمر. فنحن بدلاً من البحث عن حل للمشاكل عند الأطفال نفر من مواجهة ذلك، فمرة نقول: محسود، ومرة: مصروع عليه جن، أو مسحور؛ وهذا كله هروب. فنحن بجانب الأذكار الشرعية والرقية، نراجع أنفسنا ونقتدي بالنبي ﷺ في تربيته ومعاملته للأطفال؛ فإن خير الهدي هدي محمد ﷺ ، والذي أشار إليه الله في قوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١]، أي في كل مجال من مجالات الحياة فهو أب وابن وقائد وزعيم. وفي قصة الصحابي الذي أدبه النبي ﵊ في أحد المواقف، فقال: (فوالله ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه ﵌، فهو المعلم الأول، والنموذج الأكمل لكل البشرية. أكرر: أخطر مراحل التربية هي التي تحظى عندنا بأكبر قدر من اللامبالاة التربوية، وأكرر أيضاً: إن اللامبالاة لا تعني عدم التربية، لأنه لا يمكن أن تتوقف التربية، وسلبيتك في حد ذاتها أو هروبك هو نوع من التربية التي سوف تنعكس على هذا الطفل.

стр. 352

إخراج العلاج النفسي كعامل في العلاج التربوي إذاً: اللامبالاة لا تعني عدم تربية، أو توقفاً عن التربية، وإنما تساوي تربية سيئة مدمرة لهذا الطفل. تألمت جداً حينما كنت أقرأ بعض الأوراق في مقالة بالإنجليزية، وكان يتكلم هذا الرجل التربوي الأمريكي عن معالجة موقف معين من المواقف، فيقول: في هذه الحالة لا يوجد لهذا حل، فقد عملت خطأ جسيماً لا يكفي لحله أن نكتب كلمتين في ورقة، فإما أن تذهب إلى الأخصائي الاجتماعي في المدرسة، وإما إلى رجل من رجال الكنيسة. انظر كيف ساوى رجل الكنيسة بالأخصائي النفسي؛ لأن هؤلاء يهتمون جداً بدراسة النواحي النفسية، والثقافة التربوية، ولذلك ساوى بين رجل الدين وبين الأخصائي النفسي؛ لأنه يدرس هذه الأشياء. ولذلك أقول: إن كل من ينتمي إلى الدعوة بل كل أب، يحتاج إلى أن يفقه في الجانب النفسي في التربية أعظم الفقه، ونحن أولى من الكفار بأن نهتم بهذه الأشياء، بل أحياناً تحدث بعض التصرفات التي تلفت النظر في الأطفال، وكلما انتبهنا إليها مبكراً سهل علاجها. نحن ننكر الحقيقة كي لا نواجهها، كشخص عنده أعراض مرض السكر، والدكتور يقول له: أنا أشعر أن عندك سكراً، فعليك بإجراء تحليل للدم، فلم يجر التحليل، ويقول: أنا خائف أن يكون عندي سكر، وهل هذا سيقطع عنك البلاء؟ لماذا لا تأخذ بالأسباب، وتحرص على ما ينفعك؟ ومفهومه: اجتنب ما يضرك. فالشاهد أنا عندنا مفهوماً في غاية الخطورة، وهو النظر إلى الطب النفسي على أنه وصمة عار، فمن ذهب للأخصائي النفسي لابد أن يختفي عن الأنظار، ويظن من يراه هناك بأنه مجنون. ومن علامات تخلف المجتمعات في هذا العصر، ينظر أن الإنسان هذه النظرة لأناس أفنوا أعمارهم في دراسة هذه الأشياء، والتعامل معها بأساليب علمية لا تتصادم مع ديننا على الإطلاق. لكن ينبغي أن يذهب الإنسان إلى من هو متدين من هؤلاء الأخصائيين لأننا نظل نتهرب ونتهرب، ونضطر بعد ذلك مرغمين إلى اللجوء للطبيب النفسي بعد استفحال الاضطراب في الأطفال، فأي شيء يلفت النظر، ونحن لسنا بغنى عن الاسترشاد بكلام الأخصائيين في هذه الأبواب. في الحقيقة إذا كان هذا الكلام يعم جميع الناس، فإن المسئولية على الملتزمين مضاعفة، فموضوع التكيف مع الواقع أو مع البيئة من حولنا مهم جداً، والناس الذين لا تهمهم معاناة أبنائهم لا يعانون كثيراً، ولكن الإخوة الذين يريدون أن يحافظوا على دينهم وعلى ذريتهم في عصر الغربة الثانية تتضاعف عليهم المسئولية؛ لأنك ستحارب بمجرد خروجك من البيت إلى الشارع، وفي كل مكان تذهب إليه، فما بالك بالطفل أو الصبي أو الشاب الغض الطري الذي يواجه المتناقضات حيثما حل، ويواجه الغربة، فأنت مع الوقت أصبح عندك مناعة من التأثر بالنقد والألفاظ المؤثرة كالمتطرفين والإرهابيين وكذا وكذا، أما هذا الطفل فيحتاج بلا شك إلى عناية خاصة كي يمر بسلام إلى شاطئ الالتزام الحقيقي بالدين، فنحن نواجه كما قلت: صعوبات كثيرة في الواقع، أما الدارسات التربوية والمنهج التربوي فإن الكلام كله أكاديمي لأناس متخصصين، فلا نستطيع أن نتعامل معه.

стр. 353

انشغال الآباء بالكسب عن التربية هذه مشكلة أخرى، وهي أن الآباء يشتغلون بالكسب الحلال للقمة العيش، وبالتالي لا يؤدون أي واجب تربوي، والأم قد تعمل وتهمل أولادها، وكلا الأبوين أو أحدهما جاهل تماماً بأصول التربية، وفاقد الشيء لا يعطيه. وأخطر هذه العقبات وجود اتجاهات شتى تتنازع تربية الطفل وتربيه تربية مباينة، وكل ما تبنيه أنت يهدمه الآلاف، ثم نعاتب أنفسنا حينما يشب الأولاد غير ملتزمين، ونريد أن نقهرهم قهراً على الالتزام، ونحن لم نلتفت للخطورة من البداية. ولو أنك بدأت بداية صحيحة، وكنت يقظاً وراعياً، فإن هذا إن شاء الله تعالى يكون سبباً لسلامة ابنك من الافتتان بهذه الفتن من حوله، لكن أنت لا تؤدي أي دور، بل ربما تحطم هذا الولد بمسالك خاطئة، ثم بعد ذلك تريد منه أن يصمد! كيف يصمد وأنت لم تبذل له ما يقيه ويحميه من هذه التربية الموازية التي هي أشد تأثيراً فيه من تأثيرك أنت؟ سواء الإعلام الفاسد، أو الأقارب وغير ذلك مما يوجد تعارضاً بين تربية الأبوين وتربية الإعلام مثلاً.

стр. 354

الرسائل المتضادة من البيئة المحيطة الصراع الذي يحس به هذا الإنسان؛ صراع في البيت، مع أن المفروض أن جميع المؤسسات التربوية في الدول المحترمة تكون وحدة متكاملة، كالمدرسة مع البيت، وفي البيت نفسه لابد من سياسة تربوية موحدة بين الأبوين، فلا يظهران الخلاف أمام الأولاد، ولا التناقض في التربية. فالواقع أننا نرى كل محضن يسير في طريق معاكس للآخر؛ فالمدرسة بمناهجها الفاسدة المدمرة في طريق، والعلوم الإسلامية في طريق، والإعلام في طريق الشهوات، والتعليم في طريق الشبهات، والأبوان لا توجد عندهما سياسة تربوية متفق عليها، بل قد نجد أن الأب يتعارض مع الأم، الأم تقول: افعل، والأب يقول: لا تفعل، ويتشاجران أمام الولد، ويصير محتاراً في هذه الرسائل المزدوجة، ثم إن الأم نفسها قد تقول له عن شيء: هذا غلط، ثم في وقت آخر تمارسه هي، فأصبح نفس المربي يعطي رسائل متضادة وقدوة متناقضة تحير هذا الابن. في المدرسة أيضاً ما بين المناهج المدمرة والفاسدة، وما بين هيئة التدريس؛ فيوجد تقصير شديد عند كثير من المدرسين من ناحية الاهتمام بالنواحي التربوية، ويكفي أن أذكر مثلاً عابراً لذلك: مراقب في لجنة امتحان الثانوية العامة يغشش الأولاد ويقول لهم: أنا سأقفل لكم الباب، لتتعاونوا مع بعض، وسوف أنبهكم عند حضور أحد، فهذا في حد ذاته نموذج مدمر للسلوك. ثم أيضاً التناقض بين ما توجهه أنت إن كنت توجهه وبين الأصدقاء في الشارع أو النادي أو المدرسة، وهؤلاء يكونون أشد تأثيراً عليه منك، ويتلقن منهم أكثر مما يتلقن منك أنت والمجتمع ككل، فلا شك أن الصراع الذي نعيش فيه يولد كثيراً من الإحباط إذا لم نتخذ معه نوعاً من التوعية والفهم، وكيف نتكيف تكيفاً صحيحاً يحفظ لنا ديننا، ويجعل الأولاد يقتنعون بالرسالة التي نحملها كي يحملوها هم من بعدنا؟ إن لم ندرس هذا الأمر ونتعامل معه بطريقة علمية، فبلا شك أن هذا الصبي أو هذا الشاب يكون أضعف بكثير من أن يصمد أمام هذه التيارات كلها.

стр. 355

أمثلة تطبيقية لسوء معاملة الطفل تربوياً البيت هو أخطر مؤسسة تربوية على الإطلاق، صحيح أن الكل يدمر، لكن تربية البيت هي أخطر ما تكون؛ للأسباب التي أشرنا إليها من قبل. أكبر الأخطاء التي نرتكبها مع أولادنا وأطفالنا تنشأ عن شيء مهم جداً، وهو أننا ننظر إلى الأولاد ونعاملهم ونحاكمهم بعقليتنا نحن. وهذا التصور ينتج عنه كثير من الأخطار، منها أننا نكلفه بشيء فوق طاقته، والصواب أن نعامل ونحاسب هذا الطفل على تصرفاته بعقليته هو، ونراعي أنه ينمو كما كنت أنت تماماً في سنه. مثلاً: الولد في سن معينة يكون له خيال واسع جداً، فيقول لك: أخي رقبته طارت، وطلعت الرأس ونزلت، والتحمت ثانية في الجسم. هذه عبارة عن خيال واسع وليست كذباً، فلا تقل: إنه يكذب، وهو لا يتعمد هذا؛ بل هو نوع من الخيال الواسع، كما سنفصل إن شاء الله تعالى فيما بعد. مثلاً: طفل نشاطه زائد عن المعتاد بصورة ملفتة للنظر، لا تقل: هذا الطفل قليل الأدب، أو أهله لم يربوه، بل عليك أن تعلم أن هذا يلفت النظر إلى أنه يحتاج إلى إرشاد وتوجيه للأبوين للبحث وراء أسباب هذه الظاهرة، أما الولد فليس له ذنب، وإنما هو ضحية لمسالك غير صحيحة من الأبوين، فلا تعاتب الأبوين ولا تعاتب الطفل، واحمد الله على أن عافاك، لأن هذا البلاء قد يأتيك أنت، ففي هذه الحالة لا تقل: هذا قليل أدب بل هو يتفاعل مع ظروف معينة تواجد فيها بهذه الطريقة وبهذا الأسلوب. من هذه الأشياء: كل كلمة تتكلم بها مع الطفل، فأنت تطبع فيه انطباعاً معيناً، سواء شعرت أم لم تشعر، فأحياناً نكون نحن من نمسك الفئوس ونحطم بها أولادنا، وكما قلت: السنوات الأولى بالذات يكتسب فيها الانطباع الذي يبقى معه -والله تعالى أعلم- إلى ما شاء الله، وإلى أن يكبر ويصير رجلاً.
следующие страницы →