← Джавами‘

Джавами‘ · id 37018

دروس الشيخ محمد إسماعيل المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (2 122 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

آداب السفر إلى الحج الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. نشرع في تلخيص المناسك -مناسك الحج والعمرة- ونحيل التفاصيل في الفروع الفقهية إلى درس السبت والخميس إن شاء الله. فالمقصود اليوم تبسيط المناسك بصورة عملية بحيث تسعف من يتعجل للسفر في هذه الأيام. وأول ما ينبغي الكلام فيه: آداب السفر إلى هذه الفريضة.

стр. 72

آداب التهيؤ للسفر فأول آداب السفر: أن يشاور الإنسان من يثق بدينه وعلمه وتقواه في أمر سفره، وأيضاً: أن يستخير الله ﵎ في هذا السفر، وذلك إذا لم يكن السفر فريضة. من آدابه أيضاً: أن يعزم على التوبة والرجوع عن جميع المعاصي والمخالفات، وأن يرد المظالم إلى أصحابها، فإن كان غصب مالاً أو اغتاب رجلاً، أو أخذ أي نوع من المظالم من صاحبها فعليه أن يرد هذه المظالم. ثم أيضاً: يقضي من ديونه ما أمكنه أو يستأذن صاحب الدين عليه. أيضاً من هذه الآداب: أن يرد الودائع إن كان عنده ودائع يحفظها للناس فيردها إلى أصحابها، حتى إذا قبض أو مات في سفره لم يطالب بها أمام الله. أيضاً: يطلب المسامحة خصوصاً ممن كان يكثر مصاحبته ومعاملته من زوجة ووالدين وغيرهما. أيضاً: يكتب وصيته إن كان له مال يوصي به، ويشهد عليها، بشرط ألا تزيد على الثلث، وأن يؤديها إلى أقاربه الذين لا يرثون، أو إلى جهة من جهات الخير. يوكل من يقضي عنه من ديونه ما لم يتمكن من وفائه. أيضاً: يترك لأهله نفقتهم إلى حين عودته، وأن يجتهد في إرضاء والديه، وتجتهد المرأة إذا سافرت في إرضاء زوجها والتوثق من مسامحته. من ذلك أيضاً: الاستكثار من الزاد والنفقة بنية مواساة المحتاجين ممن يصحبونه أو يلقاهم في سفره. كذلك ترك المماحكة والمشاجرة والخلاف، وعدم المسامحة في البيع والشراء. أيضاً من هذه الآداب: أن يختار الصحبة الصالحة كما قال بعض الناس: الرفيق قبل الطريق، فينبغي أن يختار ويتحرى في الصحبة التي تصحبه في الحج، فيختار الرفيق الموافق الذي يؤثر على نفسه، ويحرص على راحة من يرافقه، ويا حبذا لو كان من أهل العلم أو ممن عنده علم بحيث يذكره إذا نسي، ويعينه إذا ذكر. من ذلك أيضاً: أن يؤمر القوم عليهم أميراً للسفر، لقوله ﷺ : (إذا كانوا ثلاثة في سفر فليؤمروا عليهم أحدهم). كذلك أيضاً: أن يحصل وسيلة مواصلات قوية ومريحة.

стр. 73

فقه الحج والعبادات وآداب الرفقة من هذه الآداب: أن يتعلم فقه الحج، وعلى الأقل يتعلم ما يصح به حجه، وما يفسد الحج، وكيف يتجنبه وهكذا، فيجب أن يتعلم من الفقه ما يصحح به عبادته ومناسكه، وأيضاً يتعلم من الفقه ما يحصل به النوافل، وما يزيد الحسنات ويضاعف الثواب في مثل هذه التجارة العظيمة، وفي مثل هذه المواضع المشرفة، فإن عجز عن ذلك فإنه يستصحب كتاباً شاملاً لمناسك الحج؛ بحيث يدمن ويداوم على مطالعته أثناء سفره ما بين الوقت والآخر حتى يستوثق من أداء المناسك على وجهها، أو يصطحب عالماً يرجع إليه كلما احتاج. من ذلك أيضاً: أن يجتهد في العبادة والذكر، وأن يتفرغ لهما في هذه الرحلة. من آداب السفر عموماً: أن يسافر يوم الخميس مبكراً؛ فإن النبي ﷺ كان أكثر ما يسافر يوم الخميس، أما مبكراً فلقوله ﷺ : (اللهم بارك لأمتي في بكورها). ويستحب المشي في السفر ليلاً؛ لقوله ﷺ : (عليكم بالدلجة فإن الأرض تطوى بالليل). من آداب هذا السفر: التقشف والرق، فيتجنب الإنسان تحصيل الشهوات ولو كانت مباحة كالطعام الزائد، والملابس الفخمة، والاهتمام بالمظهر، بل ينبغي أن يكون متقشفاً، ويتجنب الزينة والتبسط في الطعام والشراب وغير ذلك؛ لأن النبي ﷺ قال لأصحابه ﵃: (أتدرون من الحاج؟ الحاج الشعث التفل) الشعث: الذي تفرق شعر رأسه، لأنه لا يهتم بمظهره ولا بهذه الأشياء، والتفل: الذي لا يضع طيباً ولا بخوراً ولا مثل هذه الأمور. أيضاً من آداب السفر: حسن الخلق مع الناس، لقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة:٨٣] ومنها: تجنب المخاصمة والمخاشنة، ومزاحمة الناس، بل ينبغي أن يكون الإنسان منضبطاً، ولا يكون سلوكه في حال إحرامه وفي حال انطلاقه في هذا السفر المبارك مثل سلوكه في دار الإقامة، لأنه صار في حالة تلبس بعبادة من أعظم العبادات ينبغي أن ينزهها عن جميع المخالفات؛ لقوله ﵎: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧] كما سنبين إن شاء الله، فنهى الله ﵎ عن الرفث والفسوق والجدال. والرفث: هو النطق بالكلام الذي يتعلق بالجماع، وقيل: هو ذكر أحوال هذا الأمر ما بين الرجل وبين أهله، ومواجهة النساء بذلك. والفسوق: هو جميع المعاصي من الخروج عن طاعة الله. ((وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ)) أي: لا مماراة ولا مخاصمات ومجادلات تفضي إلى قسوة القلوب وإلى التفرق والشتات، فينبغي على الإنسان أن يكون منضبطاً. والتلبس بالمعاصي ينقص ثواب الحج جداً، ويكفي أن التلبس بالمعاصي يحرم الإنسان من الثواب العظيم على الأقل، وهو الثواب الذي ورد في قوله ﷺ : (من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه) أو كما قال ﷺ ، فإذا وقع في الرفث أو الفسوق أو أي شيء من المعاصي فإنه يقدح في استحقاقه لهذا الثواب العظيم، فينبغي لهذا الإنسان أن يكون متيقظاً حذراً من وقوع المخالفات. بل من العلماء -وهو الإمام ابن حزم ﵀ من أبطل حج من رفث أو فسق في حجه، فينبغي الاحتياط الشديد في ذلك.

стр. 74

أذكار السفر وما يتعلق بذلك من ذلك أيضاً: أن يحافظ على الأذكار؛ سواء الأذكار الموظفة أو الأذكار المطلقة، فإن هناك أذكاراً قيدت بوظيفة معينة ينبغي على الإنسان أن يحافظ عليها، فيستحب للمسافر عموماً أن يواظب على نفس الأذكار التي تستحب للمقيم في الليل والنهار، واختلاف الأحوال، كالأكل والشرب، وعند النوم، وعند الاستيقاظ، وعقب الصلاة، وغيرها من الأذكار الموظفة. أما المسافر فيزيد أذكاراً أخرى منها: أنه يودع حينما يودع من يكونون في وداعه يقول لهم: (أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه)، وفي بعض روايات الحديث: (أستودعكم الله الذي لا تخيب عنده الودائع) ففي الحديث: (إن الله إذا استودع شيئاً حفظه) فلا ينسى الإنسان أن يستودع الله أهله وبنيه وكل من يكونون في وداعه بهذا الدعاء كما كان يفعل النبي ﷺ ، ويقول المقيم للمسافر: (أستودع الله دينك، وأمانتك، وخواتيم عملك). أستودع الله: أي أتركها وديعة عند الله، وهي ثلاثة أشياء: دينك، وأمانتك، وخواتيم عملك. المقصود بالأمانة هنا: أهله ومن يخلفه، وماله الذي يتركه عند أمينه، وذكر الدين هنا، فقال: (أستودع الله دينك) أي: أن يحفظ عليك دينك، ويبقى عنده وديعة لا تضيع في السفر؛ لأن السفر مظنة المشقة، فربما كانت هذه المشقة سبباً لإهمال بعض أمور الدين والتفريط فيها، فلذلك خص هذا الأمر قبل كل شيء. قوله: (وخواتيم) جمع خاتمة، وهي: ما يختم به العمل، أي: يكون آخره، ودعا له بذلك لأن الأعمال بخواتيمها، كما قال ﷺ : (إنما الأعمال بالخواتيم) فلذلك اهتم بهذه الثلاث: دينك، وأمانتك، وخواتيم عملك. وحينما يبعد الإنسان ولا يكون تحت رقابة القوم الذين يعرفونه ويعرفهم، ربما كان الشيطان عليه أقوى، فلذلك سمي السفر سفراً؛ لأنه يسفر عن حقيقة أخلاق الشخص وطباعه، فيحتاج إلى توفيق من الله وعصمة؛ حتى لا يتردى مهاوي المخالفات. أيضاً يقول المودع للمسافر بعد أن يقول: أستودع الله دينك، وأمانتك، وخواتيم عملك؛ يقول له أيضاً: زودك الله التقوى، وغفر ذنبك، ويسر لك الخير حيثما كنت، وقد قال رجل للنبي ﷺ وهو مسافر: (زودني، فقال: زودك الله التقوى. قال: زدني. قال: وغفر ذنبك. قال: زدني. قال: ويسر لك الخير حيثما كنت) ثم يقول المودع للمسافر: (عليك بتقوى الله، والتكبير على كل شرف). الشرف: هو ما علا من الأرض، فهذه أيضاً كانت وصية النبي ﷺ للمسافر. وإذا كان سفر حج أو عمرة يقول له المقيم: ادع الله لنا بخير، فإذا ولى المسافر وانطلق دعا له المقيم قائلاً: اللهم اطوله البعد، وهون عليه السفر؛ لأن السفر قطعة من العذاب كما قال ﷺ . فإذا أراد ركوب دابته، أي: إذا أراد المسافر أن يركب المركوب فوضع رجله في الركاب يقول: باسم الله. وإذا كانت سفينة قال: كما قال نوح ﵇: ﴿بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [هود:٤١] أي: أن مجراها باسم الله ومرساها، وهو منتهى سيرها كذلك. وأيضاً يدعو كما دعا نوح ﵇ لما ركب الفلك: ﴿رَبِّ أَنزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ﴾ [المؤمنون:٢٩]. فإذا استوى واستقر على ظهر ما يركبه يقول: ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ [الزخرف:١٣ - ١٤] (مقرنين) أي: مطيقين أو مقتدرين عليه، فنحن ما كنا نطيق قهر هذه الدابة واستعمالها لولا تسخير الله تعالى إياها لنا. الإنسان إذا ركب جملاً فقوة الجمل لا تخفى، وإذا غضب الجمل وطاش كانت شدته وصعوبته عظيمة، فمن الذي ذلل الجمل بحيث يقوده طفل صغير؟ إن الذي ذلله هو الله ﵎، فنحمد الله على هذه النعمة، خاصة إذا كانت هناك نعم أعظم وأعظم، كركوب الطائرات أو السيارات أو ما إلى ذلك من الوسائل الحديثة التي وفرت الراحة، وهي من نعم الله ﵎ علينا، فنشكر الله على هذه النعمة وهذا التيسير! فيقول: الحمد لله، ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ [الزخرف:١٣ - ١٤]، الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، سبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. النبي ﷺ لما علمهم هذا الدعاء ضحك بعدما قال: (سبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، فقال له أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: يا رسول الله! من أي شيء ضحكت؟ فقال: إن ربك سبحانه يعجب من عبده إذا قال: اغفر لي ذنوبي، يعلم أنه لا يغفر الذنوب غيري). ويقول أيضاً: (اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا هذا، واطو عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم اصحبنا بنصحك واقلبنا بذمة، اللهم اطو لنا الأرض، وهون علنيا السفر) الذمة: العهد، والذمام العهد والأمان، اللهم اقلبنا: أي: أرجعنا إلى أهلنا (بذمة) أي: بعهد وأمان وضمان منك أن نعود آمنين سالمين. ويقول: (اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في المال والأهل)، وعثاء السفر: شدته ومشقته وتعبه. (وكآبة المنظر) الكآبة: هي الحزن والتغير والانكسار من مشقة السفر، وما يحصل على المسافر من الاهتمام بأموره. (وسوء المنقلب) سوء الانقلاب إلى أهله بعد السفر، وذلك بأن يرجع مهموماً أو منقوصاً ومهموماً بما يسوءه، فيتعوذ الإنسان من سوء المنقلب. ويقول أيضاً: (اللهم إني أعوذ بك من الحور بعد الكور، ودعوة المظلوم، وسوء المنظر في الأهل والمال) الحور: هو النقصان والرجوع، والكور أو الكون المقصود به: الرجوع من الإيمان إلى الكفر، ومن الطاعة إلى المعصية، أي: الرجوع من شيء إلى شيء من الشر، أو الرجوع من الاستقامة والزيادة إلى الاعوجاج والنقص، فهذا معنى الكون في قوله: (أعوذ بك من الحور بعد الكون)، ومن رواه بالراء (أعوذ بك من الحور بعد الكور) فالمقصود به هنا: الزيادة، مأخوذ من تكوير العمامة، فكلما كورها زادت، والمقصود التعوذ من الانتقاص بعد الزيادة والاستكمال، ورواية الكون معناها مأخوذ من الاستقرار والثبات، فالمراد التعوذ من النقصان والتغيير بعد الثبات والاستقرار حتى لا يتحول قلبه وينقص في دينه. وإذا علا الثنايا كبر، وإذا هبط سبح: أي: إذا ارتفع فوق جبل يكبر، وإذا هبط في الوديان يسبح، فأولى إذا ركب الطيارة أن يكثر من التسبيح، وإذا عثرت دابته، أو تعطلت السيارة أو شيء من هذا يقول: باسم الله. وإذا نزل منزلاً قال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، فإنه إذا قال ذلك لن يضره شيء، ولما كان لا يجوز وصف أي شيء من كلام الله بالنقصان تعوذ ﷺ بكلمات الله التامة؛ لأنها ليس فيها نقصان ولا عيب كما يكون في كلام الآدميين، وقيل: معنى (التامات) أن ينتفع بها المتعوذ وتحفظه من الآفات. وإذا أتى عليه السحر وهو الجزء الأخير من الليل قال: (سمع سامع بحمد الله وحسن بلائه علينا، ربنا صاحبنا وأفضل علينا؛ عائذاً بالله من النار) كما كان ﷺ يقول ذلك. (سمع سامع): المقصود فليشهد الشاهد، أو ليسمع السامع وليشهد على حمد الله على نعمه وحسن بلائه. وقيل معناه: انتشر ذلك وظهر، وسمعه السامعون أن نعم الله علينا قد ذاعت وكثرت وترادفت بحيث علم بها الجميع، فسمعها السامعون، وشهد الشاهدون. (وحسن بلائه علينا): المقصود بالبلاء: حسن بلاء النعمة، والبلاء: الاختبار والامتحان، فالبلاء بالقول ليتبين به الشكر، والابتلاء بالشر ليظهر الصبر. (ربنا صاحبنا): أي: احفظنا؛ لأن من صحبه الله لم يضره شيء. (عائذاً بالله من النار): تحتمل وجهين: أحدهما أن يريد: أنا عائذ بالله من النار. أو يقول: أنا متعوذ بالله من النار. فعلى المسافر أن يكثر من الدعاء، وهذا من أهم آداب السفر التي يقصر فيها كثير من الناس؛ لأن النبي ﷺ قال: (ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد لولده) جعل منهن ﷺ دعوة المسافر، فالمسافر ينبغي أن يكثر من الدعاء؛ لأن دعوة المسافر مستجابة. وعلى المسافر أن يكون على دراية بأحكام الطهارة والصلاة، وما يحتاج إليه من الرخص أو الفقه الخاص بجمع الصلاة، والمسح على الجورب، وهكذا ما قد يحتاج إليه من الأحكام في سفره. فهذا فيما يتعلق بآداب السفر.

стр. 75

تنبيهات تتعلق بالمناسك

стр. 76

اجتناب الوقوع في الشرك هناك بعض التنبيهات تتعلق بالمناسك، وهي بعض المخالفات التي يقع فيها كثير من الناس، أعظمها بلا شك الوقوع في بعض الشركيات التي لا تليق بالمسلم الموحد، فيستغيث بعض الناس بغير الله، ويستعينون بالأموات من الأنبياء أو الصالحين ويدعونهم من دون الله، أو يحلفون بهم تعظيماً لهم؛ فيبطلون بذلك حجهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥]. ينبغي أن يعبد الله وحده لا شريك له، لا يشرك الإنسان مع الله أي شيء من الملائكة أو النبيين أو الصالحين؛ لقوله تعالى، ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٤٨]، ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١]، ويقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، فإذا كنا بصدد التحذير من المعاصي في الحج، فأولى ثم أولى أن يحذر المسلمون الوقوع في الشرك، للأسف كثير من المسلمين يقعون في أشياء وهذا مشتهر ومعروف، وهو من الشرك، وقد يكون شركاً أكبر كهذه النماذج التي ذكرناها.

стр. 77

اجتناب حلق اللحى كذلك بعض الناس يتزينون بحلق اللحية، وهذه معصية، والإصرار عليها يجعلها من الكبائر؛ لأنها ضمن الفسق: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ﴾ [البقرة:١٩٧] الفسوق ذكرنا أنه يدخل فيه جميع المعاصي، فمن المعاصي المحرمة في الحج وفي غير الحج، وفي حالة الإحرام وفي غير الإحرام: أن يحلق الإنسان لحيته مضادة لأمر الله ﵎، فهذا مما يشيع أيضاً في المسلمين في هذا الزمان، معاندة لأمر الله ﵎. والأدلة باختصار شديد جداً على تحريم هذه المعصية: أولاً: أمر النبي ﷺ بها حيث قال: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) ويقول تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٣٦]، فأمر النبي ﵊ ظاهره الوجوب، فينبغي امتثاله، وعدم التحذلق والتنطع والتفلسف لإبطال أمر النبي وتعطيله. الأمر الثاني: أن في حلق اللحية تغييراً لخلق الله بدون إذن من الشرع، فالهيئة التي خلقك الله عليها ينبغي أن تحافظ عليها فلا تغيرها، إلا ما ورد الدليل باستثنائه، فهذا يجوز تغيير خلق الله فيه، بل قد يجب. من ذلك مثلاً: نتف الإبط، وحلق العانة، والختان، وتقليم الأظفار، كل هذا تغيير لخلق الله، لكنه تغيير بأمر من الشارع؛ لأنه من خصال الفطرة. والذي يأمر بتغيير خلق الله هو الشيطان قال تعالى عنه: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء:١١٩]، فحلق اللحية فيه تغيير لخلق الله. وأيضاً فإن الرسول ﷺ لعن النساء، فقال: (لعن الله النامصات والمتنمصات، والواشمات والمستوشمات، والمتفلجات بالحسن المغيرات خلق الله) فإذا كان قد حرم على النساء أن يتزين بهذه الأنواع من الزينة المحرمة التي فيها تغيير لخلق الله، فأولى أن يحرم ذلك على الرجال. الأمر الثالث: أنها من سنن الفطرة، فسنن الفطرة بعضها واجب، وبعضها في وجوبه خلاف، ولكن على الأقل ينبغي الاستمساك بالفطرة وسنن الأنبياء، وما كانوا عليه أجمعون. ومن ذلك أن في حلق اللحية تشبهاً بالنساء، فالله خص الرجال على النساء بوجود اللحية في وجوههم، بل اللحية من نعم الله ﵎ على الرجال، فحلقها كفر بهذه النعمة؛ لأنها من خصال الذكورة والفحولة والرجولة، وقد (لعن النبي ﷺ المتشبهين من النساء بالرجال، والمتشبهات بالرجال من النساء). أيضاً: في حلق اللحية تشبه بالكفار، لقول النبي ﷺ (خالفوا المجوس -أو خالفوا المشركين أعفوا اللحى وأحفوا الشوارب). ورد الأمر بإعفاء اللحية بخمس صيغ: (أعفوا اللحى، أوفوا اللحى، أرجوا اللحى، أرخوا اللحى، وفروا اللحى)، ومعناها كلها تركها على حالها لا يقربها، والأدلة في هذا الأمر كثيرة، والكلام في هذا يطول، لكن مما يؤسف له أن المسلم قد يموت قريبه، فإذا أراد أن يظهر الجزع والحزن ترك لحيته، إظهاراً للجزع لا طاعة لله ورسوله، أو انصياعاً وراء الآراء والتقاليد الفاسدة.

стр. 78

اجتناب لبس خاتم الذهب أيضاً من ذلك شيوع لباس خاتم الذهب: كثير من الرجال يلبسون خاتماً من ذهب أو ساعة أو نظارة ذهب، فهذا الأمر شائع جداً، وبالذات ما يعرف بدبلة الخطوبة أو خاتم الزواج، هذا بجانب أنه محرم على الرجل أن يلبس خاتماً من الذهب ففيه تشبه بالنصارى من الكفار، فيحرم على الرجل لبس خاتم الذهب؛ لقوله ﵊ في الذهب والحرير: (هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثها). أيضاً: لما رأى في إصبع رجل خاتماً من ذهب نزعه من إصبعه ﷺ وألقاه في الأرض، وقال: (يعمد أحدكم إلى جمرة من النار فيضعها في إصبعه، فألقاها، فبعدما انصرف النبي ﷺ قال الناس للرجل: خذه فانتفع به، قال: لا آخذه وقد طرحه رسول الله ﷺ .

стр. 79

ذكر ما يجوز للمحرم مما قد يتحرج منه بعض الناس

стр. 80

غسل المحرم رأسه إن في الحج أفعال يجوز للمحرم فعلها، ويظن بعض الناس أنها ممنوعة، ومنها: الاغتسال للإحرام، ودلك الرأس، ففي الصحيحين وغيرهما عن عبد الله بن حنين أن عبد الله بن عباس والمسور بن مخرمة: (اختلفا بالأبواء، فقال عبد الله بن عباس ﵄: يغسل المحرم رأسه، وقال المسور: لا يغسل المحرم رأسه، قال: فأرسلني ابن عباس إلى أبي أيوب الأنصاري أسأله عن ذلك، فوجدته يغتسل بين القرنين وهو يستتر بثوب، قال: فسلمت عليه فقال: من هذا؟ قلت: أنا عبد الله بن حنين أرسلني إليك عبد الله بن عباس أسألك كيف كان رسول الله ﷺ يغسل رأسه وهو محرم؟ فوضع أبو أيوب ﵁ يده على الثوب الذي كان يتخذه ستارة وهو يغتسل فطأطأه حتى بدا لي رأسه، ثم قال لإنسان: اصبب، فصب على رأسه، ثم حرك رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، ثم قال: هكذا رأيته ﷺ يفعل) فقال المسور لـ ابن عباس: لا أماريك أبداً، يعني: لا أجادلك بعد ذلك أبداً؛ لأن الحجة والعلم معك. وعن ابن عباس ﵄ قال: ربما قال لي عمر بن الخطاب ﵁: تعال أباقيك في الماء أينا أطول نفساً! ونحن محرمون. وكأنهما كانا في البحر أو نحوه، فينظر أيهما أطول بقاء في الماء إذا غطس، كنوع من الترفيه أو المزاح. وعن عبد الله بن عمر ﵄: أن عاصم بن عمر وعبد الرحمن بن زيد وقعا في البحر يتناقلان -يعني: يتغاطسان يغوص أحدهما رأس صاحبه- وعمر ينظر إليهما فلم ينكر ذلك عليهما.

стр. 81

حك الرأس ولو سقط منه شعرات ومن الأمور التي لا حرج فيها حك الرأس ولو سقط منه بعض الشعر، ويدل عليه حديث أبي أيوب الذي ذكرناه في اغتساله أنه جعل الرجل يصب على رأسه وهو يحرك رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، مع احتمال أن تسقط شعرة أو عدة شعرات. وروى مالك عن أم علقمة بن أبي علقمة أنها قالت: سمعت عائشة زوج النبي ﷺ تسأل عن المحرم: أيحك جسده؟ فقالت: نعم، فليحككه وليشدد، ولو ربطت يداي ولم أجد إلا رجلي لحككت، يعني: برجلها. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وله أن يحك بدنه إذا حكه، وكذلك إذا اغتسل وسقط شيء من شعره بذلك لم يضره.

стр. 82

الاحتجام وشم الريحان وطرح الظفر المنكسر ونحوه أيضاً: يجوز الاحتجام ولو بحلق الشعر التي في مكان الحجم؛ لحديث ابن بحينة ﵁ قال: (احتجم النبي ﷺ وهو محرم في موضع بطريق مكة في وسط رأسه). أيضاً من ذلك: شم الريحان، وطرح الظفر إذا كان طويلاً فانكسر؛ لكن لا يستأنف هو قص أظافره. قال ابن عباس ﵄: المحرم يدخل الحمام، وينزع ضرسه، ويشم الريحان، وإذا انكسر ظفره طرحه، ويقول: أميطوا عنكم الأذى فإن الله لا يصنع بأذاكم شيئاً. وعن محمد بن عبد الله بن أبي مريم أنه سأل سعيد بن المسيب عن ظفر له انكسر وهو محرم، فقال سعيد: اقطعه.

стр. 83

الاستظلال بالخيمة ونحوها أيضاً من الأمور الجائزة للمحرم: الاستظلال بالخيمة أو المظلة، وأيضاً يستظل بالسيارة، وبعض المتنطعين وهم الرافضة الشيعة يتنطعون في هذا الأمر، فتجد (الأتوبيسات) التي يسافرون فيها قد أزالوا منها السقف، وهذا من ضلالهم وتنطعهم وابتداعهم في الدين، فهذا لم يأذن به الله ؛ لأنه صح أن النبي ﷺ أمر بنصب القبة له بنمرة، ثم نزل بها وهو محرم. وعن أم الحصين ﵂ قالت: (حججت مع النبي ﷺ حجة الوداع، فرأيت أسامة وبلالاً ﵄ أحدهما بخطام ناقته، والآخر رافعاً ثوبه يستره من الحر، حتى رمى جمرة العقبة).

стр. 84

شد المنطقة والحزام على إزاره وله أن يشد المنطقة والحزام على إزاره، فلا بأس أن يضع حزاماً في وسطه، وله أن يعقده عند الحاجة، وأن يتختم، وأن يلبس ساعة اليد، ويضع النظارة لعدم النهي عن ذلك: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤]، وعن عائشة ﵂: (أنها سئلت عن الهميان للمحرم -وهو شيء مثل الحزام توضع فيه النقود- فقالت: لا بأس به ليستوثق من نفقته) أي: حتى يستوثق ويضمن أنه حافظ على نفقته وماله، فيحتاج المحرم لمثل هذا حتى يحافظ على المال. وعن عطاء قال: (يتختم المحرم ويلبس الهميان). رواه البخاري تعليقاً، فلا شك أن الساعة والنظارة في معنى الخاتم والمنطقة، مع عدم ورود ما ينهى عنه، قال الله : ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:١٨٥]. فهذه بعض التنبيهات على أشياء يتحرج منها بعض الناس.

стр. 85

أمور ينبغي على المحرم الانتباه لها

стр. 86

الغسل للإحرام وصفة لباس الإحرام قبل الإحرام ينبغي للإنسان أيضاً أن يلاحظ هذه الأمور. أولاً: يستحب لمن عزم على الحج أو العمرة المفردة أن يغتسل للإحرام، ولو كانت حائضاً أو نفساء، فهذه أسماء بنت عميس ولدت محمد بن أبي بكر فأمرها النبي ﷺ أن تغتسل وأن تستثفر، وهذا مجرد تنظف وليست طهارة، لأنها إذا حاضت أو نفست واغتسلت فهذا الغسل لا يطهرها ولا يجيز لها الصلاة، لكن مع ذلك أمرها عند الإحرام أن تغتسل، فغير الحائض والنفساء أولى. فيستحب للإنسان أن يغتسل غسل الإحرام قبل أن يحرم، ثم يلبس الرجل ما شاء من الألبسة التي لم تفصل على قدر الأعضاء، وهي التي يسميها الفقهاء الثوب المحيط، وهو الشيء الذي يفصل على قدر العضو، كأن تقول: هذا كم، وهذا سروال، وهذا كذا. فعلى المحرم أن يلبس أشياء غير مفصلة على قدر العضو، وذلك كالإزار والرداء في هيئته، ويلبس النعلين، وهو هنا: كل ما يلبس على الرجلين لوقايتهما مما لا يستر الكعبين فهو جائز، والكعبان: هما العظمان الناتئان في جانبي القدم، فهذا هو الأولى؛ لكن إذا لم يجد نعلين فإنه يلبس خفين. ولا يغطي الرجل رأسه بشيء مما يستر الرأس بطريقة مباشرة لا قلنسوة ولا عمامة، أما المرأة فلا تنزع شيئاً من لباسها، إلا أنها تمنع من أمرين: من النقاب، ومن القفاز، كما قال ﷺ ، في الحديث: (لا يلبس المحرم القميص ولا العمامة، ولا البرنس، ولا السراويل، ولا ثوباً مسه ورس ولا زعفران، ولا الخفين إلا ألا يجد نعلين فليلبس الخفين)، وقال: (لا تنتقب المحرمة، ولا تلبس القفازين)، لكن ليس معنى هذا أن المرأة تكشف وجهها، فهذا النهي ليس عن تغطية الوجه والكفين مطلقاً، وإنما هو عن تغطيتهما بلباس معين وهو النقاب أو القفاز، لكن إذا مر بها الرجال فلتستتر بأن تسدل جلبابها على وجهها وأن تسدل كمها حتى يستر كفها. فلا يفهم من الحديث أن المرأة تكشف الوجه والكفين أمام الأجانب وهي محرمة، وإنما المقصود أن إحرام المرأة في الوجه والكفين، وأن وجه المرأة مثل بدن الرجل لا مثل رأسه، فلو قلنا: إن وجه المرأة وكفيها مثل رأس الرجل لوجب عليها أن تكشفه في كل وقت في الإحرام، لكن الصحيح أن وجه المرأة وكفيها مثل بدن الرجل يغطى لكن لا بمخيط، كذلك وجه المرأة وكفاها يغطيان لكن لا بمخيط وهو القفاز؛ لأن القفاز مخيط، وكذلك النقاب يقطع على قدر الوجه، فهذا أيضاً لا يلبس، لكن ستر وجهها كما كانت النساء يفعلن في صحبة عائشة ﵂ في الإحرام. تقول أسماء: (كنا إذا مر بنا الركبان سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفنا) فيفهم من هذا أنها تسدل سدلاً، لكن لا تستعمل النقاب، والنقاب: هو قطعة تغطي الجبهة، وقطعة تأتي على عظمة الأنف وما تحته، فبالتالي تظهر العينان، فالنقاب من النقب، وهو: الثقب ويسمى أيضاً: البرقع، أما إذا جعلت النقاب على طرف الأنف فيسمى اللثام، فالمقصود أنها تستر وجهها وكفيها، لكن لا بالنقاب، وتغطي يديها لكن ليس بالقفاز، هذا بالنسبة لإحرام المرأة، والله أعلم.

стр. 87

متى يصير المرء محرماً وللمرء أن يلبس الإحرام قبل الميقات ولو في بيته، لكن ليس معنى ذلك أنه يصير محرماً، لأنه لا يكون محرماً إلا بالنية، فالإزار والرداء يلبسه الإنسان في أي حالة عادية، كذلك امتناعه عن محظورات الإحرام ليس إحراماً، فلابد من النية، فله أن يلبس الإحرام قبل الميقات ولو في بيته كما فعله النبي ﷺ وأصحابه ﵃، فهذا فيه تيسير على الذين يحجون بالطائرة، فلا يحتاجون إلى تغيير الملابس، ولبس الإزار والرداء فيها، فلا بأس أن يلبس في المطار الإزار والرداء، لكن لا يحرم إلا قبل أن يصل الميقات بيسير حتى لا يفوت الميقات وهم غير محرمين. أيضاً المحرم بعدما يغتسل غسل الإحرام يدّهن ويتطيب في بدنه لا في ثوبه، وطيب الرجل في بدنه يكون في اللحية والرأس، لكن الرجل لا يضع الطيب في جبهته ووجنتيه هذا للنساء، أما الرجل فيضع الطيب في شعره وفي لحيته أو في بدنه عامة بأي طيب شاء له رائحة ولا لون له، أما النساء فطيبهن ما له لون ولا رائحة له، هذا كله قبل أن ينوي الإحرام. فهو في الحقيقة سوف يستديم الطيب ولم يستأنف الطيب، لأنه بعد اغتسال غسل الإحرام يضع الطيب، ثم يحرم بعد قليل، فيبقى أثر الطيب بعد إحرامه؛ وهذا لا يعد محظوراً، لكن لو أنه مسح الطيب من رأسه ووضعه في أي موضع آخر، فإنه يعتبر قد ارتكب محظوراً من محظورات الإحرام وعليه دم؛ لأنه بهذا النقل كأنه استأنف تطييب هذه المنطقة، لكنه لو سال بفعل العرق أو نحوه فلا بأس. فاستبقاء أثر الطيب الذي وضعه وهو حلال قبل أن يحرم لا حرج فيه، بدليل حديث عائشة ﵂ قالت: (كأني أرى وبيص الطيب في مفرقه ﷺ وهو محرم) أي: كان يلمع طيب المسك في مفرقه وهو محرم، فدل على أن أثر الطيب يبقى، وكان هذا استدامة وليس استئنافاً للطيب، لكن متى ما أحرم يحرم عليه أن ينقل الطيب من موضع إلى موضع.

стр. 88

الإحرام من الميقات المكاني إذا وصل الميقات المكاني وجب عليه أن يحرم، ولا يكون ذلك بمجرد ما في قلبه من قصد الحج ونيته؛ لأن نية الحج موجودة وهو خارج من بيته، فالمقصود أن توجد نية الإحرام بجانب التلبس بالأمور المختصة بالإحرام وبالذات التلبية، فالقصد مازال في القلب منذ خرج من بلده، فلابد مع القصد من قول أو عمل يصير به محرماً، فإذا لبى قاصداً للإحرام انعقد إحرامه اتفاقاً، وذلك أنه بمجرد أن يصل الميقات يقول: لبيك اللهم لبيك! ويستمر في التلبية ناوياً الإحرام. ولا يقول بلسانه شيئاً بين يدي التلبية من البدع والعبادات المخترعة التي يقولها الناس في ذلك الموطن، مثل قولهم: اللهم إني أريد الحج أو العمرة فيسره لي وتقبله مني إلى آخره؛ لعدم وروده عن النبي ﷺ ، ولا يقول: إني نويت الحج والعمرة، وبعض العلماء يستحبها حتى لا ينسى، ولكن الأقرب أن هذا التلفظ بالنية لم يثبت من فعله ﷺ قبل الصلاة والطهارة والصيام وغيرها. أما المواقيت المكانية فهي خمسة مواقيت: ذو الحليفة، والجحفة، وقرن المنازل، ويلملم، وذات عرق، (هن لأهلهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن يريد الحج أو العمرة، ومن كان منزله دونه فمهله من منزله، حتى أهل مكة يهلون من مكة). هذه المواقيت حددها النبي ﷺ فلا يجوز لمن قصد مكة للنسك أن يتجاوزها بدون إحرام. أما ذو الحليفة فهو مكان معروف يبعد عن المدينة المنورة حوالى أحد عشر كيلو متراً، ويبعد عن مكة أربعمائة وخمسين كيلو متر، وهو أبعد ميقات. الجحفة كانت تسمى من قبل المهيعة، وهي تبعد عن مكة حوالى مائتي كيلو متر، والجحفة الآن قد انقرضت، وأصبح الناس يحرمون من مكان قبلها بقليل يسمى (رابغ)، وهو ميقات أهل المغرب والقادمين من مصر. وقرن المنازل يبعد عن مكة حوالى أربعة وتسعين كيلو متراً، ويلملم يبعد أربعة وخمسين كيلو متراً، وذات عرق تبعد حوالى أربعة وتسعين كيلو متراً. فهذه المواقيت لأهلهن، أي: لمن يدخل هذه الأماكن، ولمن مر عليهن من غير أهلهن، أي: بغض النظر عن جنسيته، مثلما لو أن مصرياً يعيش في اليمن فذهب للعمرة من اليمن فإنه يحرم من يلملم. والذي يكون في مكان أقرب لمكة من الميقات فميقاته من مكانه، وهو معنى قوله: (وأهل مكة يهلون من مكة). أما ذو الحليفة فهو مكان قريب من المدينة المنورة بينه وبينها أحد عشر كيلو متراً، ويسمى وادي العقيق، والمسجد هناك يسمى مسجد الشجرة، وفيها بئر، ويسميها جهال العامة: أبيار علي يزعمون أن علي بن أبي طالب قاتل الجن في هذا المكان، وهذا من خرافاتهم وأكاذيبهم.

стр. 89

كيفية الإحرام فإذا أتى الميقات وأراد الإحرام نوى بقلبه العمرة أو الحج، فإذا استوى على الدابة وابتدأ السير استقبل القبلة وحمد الله وسبح وكبر ثم قال: لبيك اللهم بعمرة إن كان معتمراً أو متمتعاً، أو: لبيك اللهم بحجة وعمرة إذا كان قارناً قد ساق الهدي، أو: لبيك اللهم بحجة إذا كان مفرداً. وللمرء أن يشترط إذا كان مريضاً يخشى الوجع، ويخاف أن صحته لا تساعده فيضطر للرجوع، فيقول: لبيك اللهم لبيك! ومحلي من الأرض حيث تحبسني، ويقول: اللهم هذه عمرة، أو اللهم هذه حجة لا رياء فيها ولا سمعة، ثم يرفع صوته ملبياً بتلبية النبي ﷺ وهو ينوي النسك: لبيك اللهم لبيك! لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك. فيكررها، ويستحب ألا يزيد عليها، لكن يجوز أن يزيد زيادات أخرى كما كان بعض الصحابة يقولون: لبيك إله الحق لبيك. أو يزيد مثلاً: لبيك ذا المعارج، ولبيك ذا الفواضل، أو: لبيك اللهم لبيك، لبيك وسعديك، والخير في يديك، والرغباء إليك والعمل، فهذا جائز فقط لا مستحب، فلا تنكر على من فعل هذا، لكن الأفضل أن تلزم تلبية النبي ﵌، وهي الصيغة المشهورة المعروفة، فيلزم التلبية ويحافظ عليها؛ لأنها من شعائر الحج. والتلبية مأخوذة من لبى، بمعنى: أجاب، فكلمة (لبيك) معناها تلبية بعد تلبية، فمعناها هنا المسمى، وتسميتها للتكثير أي: إجابة لك بعد إجابة ولزوماً بطاعتك، يقول الإمام النووي ﵀: اتفق العلماء على استحباب التلبية، ويستحب الإكثار منها في دوام الإحرام، وتستحب قائماً وقاعداً وراكباً وماشياً وجنباً وحائضاً، ويتأكد استحبابها في كل صعود وهبوط، وحدوث أمر من ركوب أو نزول أو اجتماع رفقة أو فراغ من صلاة، وعند إقبال الليل والنهار، ووقت السحر، وغير ذلك من تغاير الأحوال. وليس للإحرام صلاة تخصه كما يتوهم كثير من الناس، لكن السنة أن تحرم بالحج أو العمرة عقب صلاة فرض أو نافلة؛ لكن ليس هناك سنة مستقلة للإحرام، فإذا كان الإحرام في وقت من أوقات النهي عن الصلاة فلا تصلي ركعتين تنفلاً بنية الإحرام؛ لأنهما ليستا من ذوات الأسباب، لكن السنة أن يكون الإحرام عقب صلاة فرض أو نافلة؛ لأن النبي ﷺ أحرم عقب صلاة الظهر، لكن إذا كان ميقات الشخص من ذي الحليفة استحب له أن يصلي في هذا المكان عند ذي الحليفة لا لخصوص الإحرام وإنما لخصوص المكان وبركته. فقد روى البخاري عن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ بوادي العقيق يقول: (أتاني الليلة آت من ربي فقال: صل في هذا الوادي المبارك وقل: عمرة في حجة، أو عمرة وحجة). وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ : (أنه رأي -وفي رواية: أري- وهو معرس بذي الحليفة ببطن الوادي، قيل له: إنك ببطحاء مباركة) فلذلك أمر بالصلاة في هذا المكان. فمن كان ميقاته من ذي الحليفة فلا بأس أن يصلي في هذا الوادي لخصوص الوادي المبارك وليس لسنة الإحرام.

стр. 90

محظورات الإحرام

стр. 91

الرفث والفسوق والجدال وحلق الشعر ما هي الأشياء التي تحرم على الإنسان بالإحرام حتى يحل من إحرامه؟ أول ذلك ما جاء في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧]، والرفث كامن في أمرين: مباشرة النساء بالجماع ومقدماته والكلام بذلك. والفسوق في الآية كامن بجميع أنواع الخروج عن طاعة الله ﵎، فأي معصية فسق. والجدال: المخاصمة والمراء حتى يغضب صاحبه. من ذلك أيضاً ما صرح الله بالنهي عنه في كتابه من حلق شعر الرأس: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة:١٩٦] فحلق شعر الرأس أو شعر البدن عموماً من المحظورات.

стр. 92

ما يحرم من اللباس على المحرم من ذلك أيضاً تغطية المحرم الذكر رأسه، فهذا أيضاً لا يحل له في الإحرام. ومن ذلك أن يلبس أي شيء يحيط بالبدن أو بعضه، وأي شيء يغطي الرأس، فلا يجوز للمحرم لبس القميص، ولا العمامة، ولا السراويل، ولا الخف أيضاً، إلا إذا لم يجد نعلاً فإنه يجوز له لبس الخفين. كذلك إذا لم يجد إزاراً فيجوز له لبس السراويل. كذلك لا يجوز له أن يلبس ثوباً مسه ورس أو زعفران، والزعفران: هو صبغة صفراء، وهذا في حق الرجال، وكما ذكرنا أن النساء يلبسن ما شئن من أنواع الثياب إلا أنه لا يجوز لهن أن ينتقبن، ولا أن يلبسن القفازين، وهذا هو معنى قولنا: إحرام المرأة في وجهها وكفيها. من ذلك أيضاً: عقد النكاح، فلا يجوز للمحرم أن يتزوج، ولا أن يزوج غيره في حالة الإحرام، سواء كان بوكالة أو بولاية، وهذا ما عليه أكثر أهل العلم.

стр. 93

صفة التلبية وذكر فضلها بعد ذلك يستقبل القبلة ثم يلبي بالعمرة أو بالحج كما ذكرنا، فيقول: اللهم حجة لا رياء فيها ولا سمعة، ويلبي بتلبية النبي ﷺ ، ويؤمر المحرم برفع صوته بالتلبية، لقول النبي ﷺ : (أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي ومن معي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية) وقوله ﷺ : (أفضل الحج العج والثج) وهو رفع الصوت بالتلبية. والثج هو: ثوران دماء الهدي والأضاحي، فهذا من أفضل مناسك الحج، ولذلك كان أصحاب النبي ﷺ في حجته يصرخون بالتلبية صراخاً يرفعون أصواتهم. قال أبو حازم: كان أصحاب النبي ﷺ إذا أحرموا لم يبلغوا الروحاء حتى تبح أصواتهم. لكن لا تكون التلبية بصوت جماعي كما يفعل الناس، القاعدة أنه حيثما شرع الجهر بالذكر فلا يكون بصورة جماعية، سواء في ختام الصلاة أو غيرها كما هو أقرب للأدلة. كذلك في تكبيرات العيد كل إنسان يكبر وحده، وليس بالصورة الجماعية الموجودة الآن، فهذه من البدع. كذلك أيضاً التلبية شرع فيها الجهر بالذكر، فليس من السنة أن يلبي الناس بصوت واحد في جماعة، لكن السنة أن كل شخص يلبي وحده. والنساء يلبين كما يلبي الرجال، لكن لا يشرع للمرأة أن ترفع صوتها خشية الفتنة، وإن كان قد وردت آثار أن عائشة ﵂ سمعت وهي تلبي. ويواظب على التلبية ولا يقصر فيها؛ لأن ثواب التلبية عظيم جداً، والتلبية من شعائر الحج، ومن تعظيم شعائر الله أن تواظب على التلبية طوال فترة الإحرام، يقول ﷺ : (ما من ملب يلبي إلا لبى ما عن يمينه وعن شماله من شجر وحجر حتى تنقطع الأرض من هنا وهنا)، يعني: عن يمينه وشماله؛ وبخاصة كلما علا شرفاً أو هبط وادياً؛ لقوله ﷺ : (كأني أنظر إلى موسى ﵇ هابطاً من الثنية له جؤار إلى الله تعالى بالتلبية) وفي حديث آخر: (كأني أنظر إليه إذ انحدر في الوادي يلبي). ويجوز أن تخلط التلبية بالتهليل، أي: بلا إله إلا الله وحده لا شريك له إلى آخره، يقول ابن مسعود ﵁: (خرجت مع رسول الله ﷺ فما ترك التلبية حتى رمى جمرة العقبة إلا أن يخلطها بتلبية أو تهليل، فإذا بلغ الحرم المكي ورأى بيوت مكة أمسك عن التلبية). وبعض العلماء يقول: إن من كان محرماً بالعمرة قطع التلبية عند وصوله إلى الحجر الأسود، أما الحج فيلبي باستمرار ولا تنقطع التلبية إلا عند رمي جمرة العقبة.

стр. 94

آداب دخول مكة من السنة أن يغتسل لدخول مكة قبل الدخول، ويدخلها نهاراً أسوة بالنبي ﷺ ، ويدخل من الناحية العليا التي فيها اليوم باب المعلا، فإنه ﷺ دخلها من الثنية العليا، ثنية كداء المشرفة على المقبرة عند الحجون، ودخل المسجد من باب بني شيبة، فإن هذا أقرب الطرق إلى الحجر الأسود، فيتحرى أن يدخل من باب يوصله مباشرة إلى الحجر الأسود، وله أن يدخل مكة من أي طريق شاء؛ لقوله ﷺ : (كل فجاج مكة طريق ومنحر) وفي حديث آخر: (مكة كلها طريق، يدخل من هاهنا، ويخرج من هاهنا). فإذا دخل المسجد فيراعي آداب دخول المسجد الحرام، فيقدم رجله اليمنى ويقول: (اللهم صل على محمد وسلم، اللهم افتح لي أبواب رحمتك، أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم)، فإذا رأى الكعبة يجوز أن يرفع يديه؛ لأن ذلك ثبت عن ابن عباس ﵄، ويستحضر عند رؤية الكعبة ما أمكنه من الخشوع والتذلل والخضوع والمهابة والإجلال، ويدعو بما تيسر له أو يدعو بدعاء عمر ﵁ حينما رأى الكعبة قال: (اللهم أنت السلام، ومنك السلام، فحينا ربنا بالسلام). قوله: (اللهم أنت السلام) أي: أنت الذي اسمك السلام، وهو من أسماء الله الحسنى. (ومنك السلام) أي: منك تأتي السلامة من الآفات والبلايا. (فحينا ربنا بالسلام) أي: اجعل تحيتنا في وفودنا عليك السلامة من الآفات. فإذا أتى الحجر الأسود أمسك عن التلبية، بعض العلماء كما ذكرنا يقول: إذا أتى بيوت مكة قطع التلبية؛ لأنه حينئذ ينشغل بأمور أخرى حيث يعتني بمتاعه وإيداعه في مكان أمين إلى غير ذلك. بعد ذلك يبدأ في طواف القدوم، وإذا كان معتمراً فإنه ينوي طواف العمرة، والقارن أيضاً ينوي طواف العمرة.

стр. 95

صفة الطواف وآدابه وصفة الطواف: أن يبتدئ طوافه من الركن الذي فيه الحجر الأسود، وهناك شيء يسهل الطواف وهو أنه يوجد خط بني من الرخام مقابل الجهة التي عندها الحجر الأسود، فيبدأ الشوط منها، فيستقبل الحجر الأسود، فيحاذي بجميع بدنه جميع الحجر، فإذا واجهه استلمه بيديه، يقول: باسم الله والله أكبر ثم يقبله، ثم إن شاء سجد عليه، هذه هي الصورة المثلى لاستلام الحجر الأسود، فيستقبله ويستلمه بيديه ثم يقبله إن لم يؤذ الناس بالمزاحمة، فيحاذي بجميع بدنه جميع الحجر، وذلك بحيث يكون جميع الحجر عن يمينه ويكون منكبه الأيمن عند طرف الحجر، ويتحقق أنه لم يبق وراءه جزء من الحجر، ثم يبتدئ طوافه ماراً بجميع بدنه على جميع الحجر جاعلاً يساره إلى جهة البيت، ثم يمشي طائفاً بالبيت، ثم يمر وراء الحِجْر، ويدور بالبيت فيمر على الركن اليماني، ثم ينتهي إلى ركن الحجر الأسود وهو المحل الذي بدأ منه طوافه، فتتم له بهذا طوفة واحدة، ثم يفعل ذلك حتى يتمم سبعة أشواط، وكلما مر بالحجر الأسود يستلمه ويقبله ويسجد عليه إن استطاع، وإن لم يستطع فيستلمه ويقبله، فإن لم يستطع يستلم بيديه ويقبل يديه، فإن لم يستطع فيشير إليه من بعيد ويقول: باسم الله والله أكبر. أما في الركن اليماني فليس عنده ذكر معين، لكن يستلمه فقط بدون ذكر، وإذا لم يستطع فلا يشير إليه، هذا بالنسبة للركن اليماني الذي من الجهة اليمانية. ويقول الشنقيطي ﵀: أصح أقوال أهل العلم أنه لابد أن يكون جميع بدنه حال طوافه خارجاً عن شاذوران الكعبة؛ لأنه منها، وكذلك لابد أن يكون جميع بدنه حال طوافه خارجاً عن جدار الحجر؛ لأن أصله من البيت، ولكن لم تبنه قريش على قواعد إبراهيم؛ لأجل ذلك لم يشرع استلام الركنين الشاميين، وإذا صليت داخل الحجر فأنت تصلي داخل الكعبة. وهناك سنن في طواف القدوم أو طواف العمرة الذي تفعله أول ما تقدم إلى مكة: فيسن حينما تقترب من الكعبة وقبل ما تبدأ الطواف الاضطباع، والاضطباع هو كشف الضبع وهو أعلى الذراع أو أعلى الكتف، بأن يرد الرداء على كتفه الأيسر ويكشف الأيمن. بعض الناس حينما يحرمون من الميقات يضطبعون، وهذه بدعة مخالفة للسنة، فلا يتصورون إحراماً إلا بكشف الكتف، والاضطباع إنما يكون عند طواف القدوم فقط، وفيما عدا ذلك لا اضطباع، فإذا فرغ من الطواف فلابد أن يغطي كتفه؛ لأنه سيصلي. ويسن أيضاً في الثلاثة الأشواط الأولى من طواف القدوم الرمل، والرمل: هو عبارة عن تقارب الخطا مع الإسراع في المشي. وحكمة تشريع الرمل أن الصحابة لما أتوا للعمرة منعوا في الحديبية، وفي العام المقبل أتوا ليعتمروا، فكان المشركون يتهمونهم بالضعف حتى قالوا: أتاكم قوم قد أنهكتهم حمى يثرب، فكانوا يظهرون الشماتة في الصحابة أن حمى المدينة قد أنهكتهم وأمرضتهم، فأراد النبي ﵊ أن يظهر الجلد والقوة حتى لا يشمت المشركون، فأمرهم أن يسرعوا في الخطا حتى يظهروا الجلد والقوة، وأنهم في عافية، ثم بقي هذا الحكم مع أن علته قد زالت بتمكين المسلمين من الفتح، فهذا لا ينافي أن هناك علة أخرى لهذا الحكم، وهذه العلة هي أن يتذكر المسلمون نعمة الله عليهم بالقوة بعد الضعف، وبالكثرة بعد القلة. ويشترط للطواف الطهارة من الحدث والخبث وستر العورة.

стр. 96

مجمل ما يفعله الطائف بالبيت مجمل ما يفعله في طواف القدوم: أن يبادر إلى الحجر الأسود فيستقبله ويكبر، والسنة أن يقول: الله أكبر، وهذا قد ثبت في الحديث المرفوع، أما التسمية فهي ليست في حديث مرفوع، ولكنه موقوف على ابن عمر، فلا بأس أن يقول: باسم الله، والله أكبر، ثم يستلمه بيده فيمسحه ويقبله بفمه، ويسجد عليه أيضاً، فقد فعله رسول الله ﷺ وعمر وابن عباس، فإن لم يمكنه تقبيله مسحه ثم قبل يده، فإن لم يمكنه الاستلام أشار إليه من بعيد بيده، ويفعل ذلك في كل طوفة ولا يزاحم عليه؛ لأمر النبي ﷺ : (يا عمر إنك رجل قوي فلا تؤذ الضعيف، وإذا أردت استلام الحجر فإن خلا لك فاستلمه وإلا فاستقبله وكبر) وفي استلام الحجر فضل كبير؛ لقول النبي ﷺ : (ليبعثن الله الحجر يوم القيامة وله عينان يبصر بهما ولسان ينطق به، ويشهد على من استلمه بحق) وهذا حديث صحيح. وقال ﷺ : (مس الحجر الأسود والركن اليماني يحطان الخطايا حطّاً). وقال ﷺ : (الحجر الأسود من الجنة) أي: ليس على وجه الأرض شيء من الجنة غير الحجر الأسود، (الحجر الأسود من الجنة، وكان أشد بياضاً من الثلج حتى سودته خطايا أهل الشرك). ثم يبدأ الطواف حول الكعبة يجعلها عن يساره، فيطوف من وراء الحِجْر سبعة أشواط يضطبع فيها كلها، ويرمل في الثلاثة الأول منها، ويمشي في سائرها، ويستلم الركن اليماني بيده في كل طوفة دون أن يقول: باسم الله والله أكبر، وإذا عجز عن استلامه من بعيد لا يشير إليه، ولا يقول شيئاً؛ لكن السنة بين الركنين أن يقول: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، فهذا هو الدعاء المأثور مع التسمية في الطواف، وما عدا ذلك فلا يوجد دعاء مأثور. لكن الركنين الشاميين لا يستلمهما، وبعض العلماء يقول: لو تم بناء الكعبة لاستلمنا الركنين الشاميين أيضاً. بعد ذلك يجوز له أن يلتزم ما بين الركن والباب، وهي مسافة قدر أربعة أذرع بين الحجر الأسود وبين الباب، ومعنى الالتزام: أن يقترب من الكعبة فيضع صدره ووجهه وذراعيه عليه ويدعو عنده. وقد روي ذلك عن النبي ﷺ من طريقين يرتقي بهما الحديث إلى مرتبة الحسن، ويزداد قوة بثبوت العمل به عن جمع من الصحابة منهم ابن عباس ﵄ قال: هذا الملتزم بين الركن والباب، وقال شيخ الإسلام: وإن أحب أن يأتي الملتزم بين الحجر الأسود والباب فيضع عليه صدره ووجهه وذراعيه، وكفيه، ويدعو ويسأل الله تعالى حاجته؛ فعل ذلك، وله أن يفعل ذلك قبل طواف الوداع، فإن هذا الالتزام لا فرق بين أن يكون حال الوداع وغيره، وقد كان الصحابة يفعلون ذلك حين يدخلون مكة. ولو وقف عند الباب ودعا هناك من غير التزام للبيت كان حسناً، فإذا ولى فلا يقف ولا يلتفت ولا يمشي القهقرى. ليس للطواف ذكر خاص، فله أن يقرأ من القرآن أو من الذكر ما شاء؛ لقول النبي ﷺ : (الطواف بالبيت صلاة ولكن الله أحل فيه النطق، فمن نطق فلا ينطق إلا بخير) وفي رواية: (فأقلوا فيه الكلام). قال شيخ الإسلام: وليس فيه ذكر محدود عن النبي ﷺ لا بأمره ولا بقوله ولا بتعليمه، بل يدعو فيه بسائر الأدعية الشرعية، وما يذكره كثير من الناس من دعاء معين تحت الميزاب ونحو ذلك فلا أصل له. ومن آداب الطواف: أن يكون في طوافه خاشعاً حاضر القلب، ملازماً للأدب بظاهره وباطنه، في هيئته وحركته ونظره، فإن الطواف صلاة فيتأدب بآدابها، ويستشعر بقلبه عظمة من يطوف ببيته، ويخفض صوته، ويقل الكلام، فإن نطق فلا ينطق إلا بخير، ويصون نظره عما لا يحل النظر إليه. ولا يجوز أن يطوف بالبيت عريان ولا حائض؛ لقوله ﷺ : (لا يطوف بالبيت عريان) وقال لـ عائشة ﵂ لما حاضت: (افعلي كما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت، ولا تصلي حتى تطهري) فلا يجوز للحائض أن تطوف بالبيت. فإذا انتهى من الشوط السابع غطى كتفه الأيمن، وانطلق إلى مقام إبراهيم وقرأ ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:١٢٥] فجعل المقام بينه وبين البيت وصلى عنده ركعتين يقرأ في الأولى بعد الفاتحة سورة الكافرون وفي الثانية بعد الفاتحة سورة الإخلاص، ثم إذا فرغ من الصلاة ذهب إلى زمزم فشرب منها وصب على رأسه؛ لقول النبي ﷺ : (ماء زمزم لما شرب له) وقال أيضاً: (إنها مباركة، وهي طعام طعم، وشفاء سقم). وقال ﷺ : (خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم، فيه طعام من الطعم، وشفاء من السقم). وبعدما يصلي الركعتين ويشرب زمزم يعود إلى الحجر الأسود فيكبر ويستلمه على التفصيل الذي ذكرناه، وهذه نقطة ينساها كثير من الناس.

стр. 97

قصيدة في الحج للصنعاني نختم الكلام بأبيات طيبة من نظم العلامة الصنعاني ﵀ ذكر فيها الحج وبركته وتكلم على المناسك، يقول: فشدّوا مطايانا إلى الربع ثانياً فإن الهوى عن ربعهم ما ثنيناه ثم يتكلم حينما رأى البيت والطواف، يقول: ففي ربعهم لله بيت مبارك إليه قلوب الخلق تهوي وتهواه يطوف به الجاني فيغفر ذنبه ويسقط عنه جرمه وخطاياه فكم لذة كم فرحة لطوافه فلله ما أحلى الطواف وأهناه نطوف كأنا في الجنان نطوفها ولا هم لا غم فذاك نفيناه فياشوقنا نحو الطواف وطيبه فذلك شوق لا يحاط بمعناه فمن لم يذقه لم يذق قط لذة فذقه تذق يا صاح ما قد أذقناه فوالله ما ننسى الحمى فقلوبنا هناك تركناها فيا كيف ننساه ترى رجعة هل عودة لطوافنا وذاك الحمى قبل المنية نغشاه ووالله ما ننسى زمان مسيرنا إليه وكل الركب قد لذ مسراه وقد نسيت أولادنا ونساؤنا وأموالنا فالقلب عنهم شغلناه تراءت لنا أعلام وصل على اللوى فمن أجلها فالقلب عنهم لويناه جعلنا إله العرش نصب عيوننا ومَنْ دونه خلف الظهور نبذناه وسرنا نشق البيد للبلد الذي بجهد وشق للنفوس بلغناه رجالاً وركبانا على كل ضامر ومن كل ذي فج عميق أتيناه نخوض إليه البر والبحر والدجى ولا قاطع إلا وعنه قطعناه ونطوي الفلا من شدة الشوق للقا فتمسي الفلا تحكي سجلاً قطعناه ولا صدنا عن قصدنا بعد أهلنا ولا هجر جار أو حبيب ألفناه وأموالنا مبذولة ونفوسنا ولم نبق شيئاً منهما ما بذلناه عرفنا الذي نبغي ونطلب فضله فهان علينا كل شيء بذلناه فمن عرف المطلوب هانت شدائد عليه ويهوى كل ما فيه يلقاه فيا لو ترانا كنت تنظر عصبة حيارى سكارى نحو مكة وُلاه فلله كم ليل قطعناه بالسرى وبر بسير اليعملات بريناه وكم من طريق مفزع في مسيرنا سلكنا وواد بالمخوفات جزناه ولو قيل إن النار دون مزاركم دفعنا إليها والعذول دفعناه فمولى الموالي للزيارة قد دعا أنقعد عنها والمزور هو الله ترادفت الأشواق واضطرم الحشا فمن ذا له صبر وفي النار أحشاه وأسرى بنا الحادي فأمعن في السرى وولى الكرى نوم الجفون نفينا ولما بدا ميقات إحرام حجنا نزلنا به والعيس فيه أنخناه ليغتسل الحجاج فيه ويحرموا فمنه نلبي ربنا لا حرمناه ونادى مناد للحجيج ليحرموا فلم يبق إلا من أجاب ولباه وجردت القمصان والكل أحرموا ولا لبس لا طيب جميعاً هجرناه ولا لهو لا صيد ولا نقرب النسا ولا رفث لا فسق كُلاً رفضناه وصرنا كأموات لففنا جسومنا بأكفاننا كل ذليل لمولاه لعل يرى ذل العباد وكسرهم فيرحمهم رب يرجّون رحماه ينادونه: لبيك لبيك ذا العلا وسعديك كل الشرك عنك نفيناه فلو كنت يا هذا تشاهد حالهم لأبكاك ذاك الحال في حال مرآه وجوههم غبر وشعث رءوسهم فلا رأس إلا للإله كشفناه لبسنا دروعاً من خضوع لربنا وما كان من درع المعاصي خلعناه وذاك قليل في كثير ذنوبنا فيا طالما رب العباد عصيناه إلى زمزم زُمَّت ركاب مطينا ونحو الصفا عيس الوفود صففناه نؤم مقاماً للخليل معظماً إليه استبقنا والركاب حثثناه ونحن نلبي في صعود ومهبط كذا حالنا في كل مرقى رقيناه وكم نشزٍ عالٍ علته وفودنا وتعلو به الأصوات حين علوناه نحج لبيت حجه الرسل قبلنا لنشهد نفعاً في الكتاب وعدناه دعانا إليه الله قبل بنائه فقلنا له لبيك داع أجبناه أتيناك لبيناك جئناك ربنا إليك هربنا والأنام تركناه ووجهك نبغي أنت للقلب قبلة إذا ما حججنا أنت للحج رمناه فما البيت ما الأركان ما الحجر ما الصفا وما زمزم أنت الذي قد قصدناه وأنت منانا أنت غاية سؤلنا وأنت الذي دنيا وأخرى أردناه إليك شددنا الرحل نخترق الفلا فكم سدَّ سَدٌّ في سواد خرقناه كذلك ما زلنا نحاول سيرنا نهارا وليلاً عيسنا ما أرحناه إلى أن بدت إحدى المعالم من منى وهبّ نسيم بالوصول نشقناه ونادى بنا حادي البشارة والهنا فهذا الحمى هذا ثراه غشيناه رؤية البيت وما زال وفد الله يقصد مكة إلى أن بدا البيت العتيق وركناه فضجت ضيوف الله بالذكر والدعا وكبرت الحجاج حين رأيناه وقد كادت الأرواح تزهق فرحة لما نحن من عظم السرور وجدناه تصافحنا الأملاك من كان راكبا وتعتنق الماشي إذا ثم تلقاه طواف القدوم فطفنا به سبعاً رملنا ثلاثة وأربعة مشينا كما قد أمرناه كذلك طاف الهاشمي محمد طواف قدوم مثلما طاف طفناه وسالت دموع من غمام جفوننا على ما مضى من إثم ذنب كسبناه ونحن ضيوف الله جئنا لبيته نريد القرى نبغي من الله حسناه فنادى بنا أهلاً ضيوفي تباشروا وقروا عيونا فالحجيج قبلناه غداً تنظروني في جنان خلودكم وذاك قراكم معْ نعيم ذخرناه فأي قرى يعلو قرانا لضيفنا وأي ثواب مثل ما قد أثبناه وكل مسيء قد أقلنا عثاره ولا وزر إلا عنكم قد وضعناه ولا نصب إلا وعندي جزاؤه وكل الذي أنفقتموه حسبناه سأعطيكم أضعاف أضعاف مثله فطيبوا نفوساً فضلنا قد منحناه فيا مرحباً بالقادمين لبيتنا إليّ حججتم لا لبيت بنيناه علي الجزا مني المثوبة والرضا ثوابكم يوم الجزاء ضمناه فطيبوا سروراً وافرحوا وتباشروا وتيهوا وهيموا بابنا قد فتحناه ولا ذنب إلا قد غفرناه عنكم وما كان من عيب عليكم سترناه فهذا الذي نلنا بيوم قدومنا وأول ضيق للصدور شرحناه أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 98

آفات اللسان إن اللسان نعمة من نعم الله العظيمة ولطائف صنعه الغريبة، فإنه صغير جَرْمه، عظيم طاعته وجُرْمه، إذ لا يستبين الكفر والإيمان إلا بشهادة اللسان، وهما غاية الطاعة والعصيان، ثم إنه ما من موجود أو معدوم، خالق أو مخلوق، متخيل أو موهوم، إلا واللسان يتناوله ويتعرض له بإثبات أو نفي، وبثناء أو قدح إما بحق أو بباطل، وهذه خاصية لا توجد في سائر الأعضاء إلا في اللسان، فيجب على المسلم الحذر من آفات اللسان ومكائده.

стр. 99

المؤمن هو الذي ينتفع بالذكرى الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: (ما من عبد مؤمن إلا وله ذنب يعتاده الفينة بعد الفينة، أو ذنب هو مقيم عليه لا يفارقه، إن المؤمن خلق مفتناً تواباً نسياً؛ إذا ذُكر ذكر). فقول النبي ﷺ في شأن المؤمن: (إذا ذُكر ذكر)، إشارة إلى ما بينه الله ﵎ في قوله: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى:٩]. ثم بين في آية أخرى من الذين ينتفعون بالذكرى، فقال : ﴿وَذَكِّر ْفَإِنّ َالذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥]، فقد يقع المؤمن في الأخطاء، لكنه إذا ذكر بآيات الله فإنه يتذكر وينتفع بهذه الذكرى، كما قال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠١]. وهناك فرق بين التعليم وبين التذكير؛ فالإنسان يتعلم ما كان جاهلاً إياه من قبل، أما الذكرى فقد يكون عند الإنسان معلومات، لكنه يحتاج إلى التذكير بها، وإلى إيقاظ معانيها في قلبه، فكلنا يعلم أنه يموت، لكن ليس كلنا يعتبر ويتذكر حقيقة الموت، ولا ينفعل بها إلا إذا ذُكر بذلك.

стр. 100

الإسلام دين يتعامل مع الواقع البشري الحي ومن نعمة الله علينا أن هذا الإسلام ليس ديناً يتعامل مع النظريات المثالية أو الخيالية، وإنما هو دين يتعامل مع الواقع البشري الحي، وإذا كلفنا الإسلام بشيء فهو لابد داخل طوقنا، وفي استطاعتنا؛ إذ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها. ومن رحمة الله أنه أرسل إلينا من أنفسنا رسولاً من البشر، ولو كان أرسل إلينا ملكاً -بفرض وقوع ذلك- فربما إذا ندب الملك هؤلاء البشر إلى أن يغيروا أخلاقهم ويتمثلوا الحق في سلوكهم ربما قالوا: أنت ملك، وأما نحن فبشر، ولابد من أن نقع في الذنوب والتقصير. أما وقد جاءنا رسول من أنفسنا وهو بشر مثلنا تمثل فيه وتحقق فيه النموذج الأعلى والأكمل للبشرية على الإطلاق، وليس هذا فحسب، بل جعله الله قدوة لنا وأسوة نقتدي بها، فقال : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١]، ثم انفعل صحابته الأبرار رضي الله تعالى عنهم بهذه الأسوة الحسنة وتأثروا بها، وبذلك استحقوا أن يكونوا خير أمة أخرجت للناس، فخير أمة وأفضل أمة وأكمل الأمم على الإطلاق هم الصحابة الأطهار، ثم من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ونحن المسلمين دائماً ننظر إلى السلف الصالح وإلى الصحابة ﵃ وتابعيهم بإحسان على أنهم قمة شامخة عالية، وكل ما نرجوه هو أنا نحاول أن نرتقي بقدر الاستطاعة ونرتفع إلى مستواهم؛ فالاقتداء بالسلف وبالصحابة ليس رجوعاً إلى الوراء، وليس رجعية، لكنه تسامٍ وترقٍ وصعود إلى أعلى. فينبغي محاولة اللحاق بهم في أخلاقهم وفي عباداتهم وفي جهادهم رضي الله تعالى عنهم.

стр. 101

أهمية تزكية النفوس وإذا كان من الوظائف الأساسية للرسول ﷺ تزكية النفوس، كما قال الله عنه: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة:١٢٩] فإنه ﵊ بين أيضاً أن من مقاصد بعثته الأساسية ما شرحه وفسره بقوله: (إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق)، فهذا من المقاصد الرئيسية لبعثة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. وقد بين ﷺ أن الإنسان مهما كان فيه من العيوب فبفضل الله وبمجاهدة النفس وبالاستهداء بنور الوحيين، فإنه يستطيع أن يتغير إلى أكمل صورة؛ وباب الفضائل مفتوح على مصراعيه، وكل من عنده همة وعزيمة على أن يلجه فإنه يستطيع أن يلجه، ولن يكبله أحد، وفي ذلك يقول الشاعر: إذا أعجبتك خصال امرئٍ فكنه يكن منك ما يعجبك فليس لدى المجد والمكرما ت إذا جئتها حاجب يحجبك يقول ﵌: (إنما العلم بالتعلم، والحلم بالتحلم، ومن يتحر الخير يعطه، ومن يتوق الشر يوقه) يعني: أنه مهما كان عند الإنسان صعوبة في أخلاقه أو في طباعه، وهو غير راضٍ عنها، فإنه يستطيع بالاستعانة بالله سبحانه وبالاقتداء بالرسول ﷺ فعليه أن يغيرها إلى أحسن الأخلاق؛ وبالتالي ينال أعلى الدرجات؛ فإن العبد ينال بحسن الخلق ما لا يناله بالعبادة والصيام والقيام.

стр. 102

استغلال شهر رمضان في التخلص من العادات السيئة والحقيقة أننا نطرق كثيراً باب الموسم العظيم المبارك موسم شهر رمضان المعظم، والذي فيه كثير من الفضائل والخيرات التي لا يحرم منها إلا محروم، وهو فرصة لتحسين الأخلاق، وشهر رمضان إذا نظرنا إليه من أي زاوية نجد أنه شهر البركات والخيرات العامة والخاصة على جميع الناس، حتى نجد أن الإنسان مهما كان شريراً فبمجرد أن يدخل عليه شهر رمضان نجد أن ذروة الشر تقل عنده، وعند الناس جميعاً، فالحقيقة أنه فرصة عظيمة، فنقول للمدخنين: هذه فرصتكم للإقلاع عن التدخين، وكذا نقول للنهمين الشرهين في الطعام: هذه فرصتكم لمكافحة شهوة الطعام. وفي مجتمع الملتزمين ما زلنا جميعاً نشكو من آفات خطيرة جداً نحتاج إلى استغلال هذا الشهر من أجل مقاومتها ومجاهدتها. وما أكثر ما نسمع أسئلة حينما يحل شهر رمضان: هل البخور يؤثر في الصيام؟ وهل الطيب يؤثر في الصيام؟ هل كذا يؤثر في الصيام؟ ونهتم دائماً بما يؤثر في الصيام من هذه الأمور، وقلَّ أن نجد من يصرف همه إلى هذا العضو الخطير في بدنه وهو اللسان الذي هو بلا شك يؤثر في الصيام تأثيراً شديداً جداً بنقصان الأجر، حتى وصل الأمر أن بعض العلماء يفتي -وفتواه شاذة- أن من اغتاب الناس فقد أفطر وبطل صيامه بذلك، ونحن لا نقول بهذا بالضبط، لكن نقول: هي تؤثر في الصيام بلا شك، وقد قال النبي ﵌: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه). إذاً: هذا حديث يبين لنا أنه ينبغي أن يصاحب الصوم تزكية للنفس وتطهير للسان من آفاته.

стр. 103

فضل القول الحسن وحسن الخلق إن الله أمرنا بالقول الحسن فقال : ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء:٥٣]، ففي هذه الآية الأمر بإحسان الكلام، وأن ينطق الإنسان بالخير. وقال ﵎: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة:٨٣]، فانتظمت هذه الآية بعمومها المسلم واليهودي والنصراني وغيرهم. وعن عطاء في قوله: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة:٨٣] قال: للناس كلهم المشرك وغيره. فحتى المشرك عليك أن تحسن خلقك وألفاظك معه. وعن أبي سنان قال: قلت لـ سعيد بن جبير ﵀: المجوسي يوليني من نفسه ويسلم علي -أي: هو الذي يبدأني بالخير ويسلم علي- أفأرد عليه؟ فقال سعيد بن جبير: سألت ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن نحو من ذلك، فقال: لو قال لي فرعون خيراً لرددت عليه. أي: لو قال لي فرعون الذي هو شر البشر في عصر موسى ﵇ خيراً لرددت عليه خيراً مثله، فإن هذا هو أدب القرآن، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء:٨٦]. ففرعون الذي كان شر الخلق في زمن موسى ﵇، ومع ذلك فإن الله أرسل إليه نبيين كريمين وأمرهما باللين معه فقال : ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤]، فإذا كان هذا مع فرعون، فكيف بغيره؟! وبعض الإخوة إذا أحسن خلقه مع الكافر يظن أنه مفرط في دينه، وأن هذا تنازل عن الإيمان وعن مقتضيات الإيمان، وهذا غير صحيح، فأنت لا تواليه بسبب كفره، بل أنت تعاديه وتبغضه، لكنك تعطيه حقه إذا كان قريباً أو جاراً أو إذا تعاملت معه؛ فحسن الخلق مع كل الناس مندوب إليه ومأمور به، وليس في ذلك ما يقدح في الدين. وكان من خلق النبي ﷺ أنه لا يذم أحداً ولا يعيبه ﷺ ، وقال ﷺ : (وخالق الناس بخلق حسن).

стр. 104

تأثير سوء الخلق في الصد عن سبيل الله وبمناسبة هذه الكلمة التي قالها أبو سنان لـ سعيد بن جبير: المجوسي يوليني من نفسه ويسلم علي أفأرد عليه؟ فقال: سألت ابن عباس ﵄ عن نحو من ذلك، فقال: لو قال لي فرعون خيراً لرددت عليه. يعني: فإذا كان الإحسان في مقابلة إحسان كمن أدى إليك خدمة معينة فلا مانع من أن تشكره بأن تقول له: شكراً لك، حتى لا يكون دعاءً وهو لا يستحق ذلك، لكن اذكر له أي عبارة فيها نوع من المجاملة؛ فهذا الخلق هو الذي يليق بالمسلم. وأتذكر حادثة حصلت بسبب سوء فهم بعض الإخوة لهذا الأمر؛ لأنه كان يظن أن حسن الخلق مع الكافر تنازل في الدين أو ضعف في الإيمان، وذلك أني كنت في بريطانيا، فحكى لي بعض الإخوة الأفاضل قصة حصلت من شابين ضلا الطريق في منطقة معينة، وكانا يبحثان عن العنوان، والناس هناك فيهم صفة جيدة في موضوع دلالة الناس الذين يبحثون عن الطريق مثلاً، أو يحتاجون معرفة شيء معين. المهم أنهما سألا رجلاً كبيراً في السن عن العنوان أو المكان الذي يبحثان عنه، فالرجل لم يكتف بأن شرح لهما خريطة المكان أو الموضع الذي يطلبانه، وإنما سار معهما مسافة كبيرة واصطحبهما حتى أوصلهما إلى المكان الذي يريدان، فوقف الرجل فإذا بالأخوين ينصرفان عمداً، فالرجل استنكر هذا الموقف جداً، فأراد أن يعاتبهما عتاباً يسيراً فقال لهما: عندنا نحن معشر الإنكليز أن من أدى إلينا معروفاً فإننا نقول له: نشكرك، وكأنه يريد أن يقول: فماذا عندكم فالأخ قال له: أنا أعرف هذا جيداً، وأنا متعمد ألا أقول لك: شكراً؛ لأنك كافر! إلى آخر هذا الأسلوب، وبلا شك أن هذا تنفير. وأنا لا أريد أن أخرج عن الموضوع؛ لأننا حتى الآن لا نزال في المقدمة، ولكن بلا شك أن سوء الخلق بالذات يكون له تأثير ضار في الصد عند سبيل الله ، فلا تظن أنك إذا فعلت ذلك أنك في عافية، قال الله في أواخر سورة النحل: ﴿وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل:٩٤]، فهذه آية في غاية الروعة في الحث على حسن الخلق حتى مع الكفار، فقوله: (وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ)، أي: إياكم أن تستغلوا الأيمان والحلف باسم الله وتجعلوها وسيلة لخداع الناس، فالناس حينما يرونكم تحلفون وتعظمون اسم الله يثقون أنكم صادقون فيما تريدون، وأنكم ملتزمون بما تحلفون عليه، فإياكم أن تستغلوا الأيمان والحلف وتجعلوها سبيلاً للإفساد بينكم ونقض العهود والمواثيق. وقوله: (فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا)، أي: أن أول ضرر أنه تزل قدم بعد ثبوتها، فبعدما كنتم ثابتين على الصراط المستقيم تزلون وتنحرفون عنه، وهذا انحراف يخصكم أنتم في أنفسكم، وليس هذا فحسب، بل تفقدون اسم الإيمان والتقوى والاستقامة إلى الاعوجاج والزلل، وأيضاً تذوقون السوء، ولكم عقاب عند الله ؛ لأنكم بسوء خلقكم ونقضكم العهود واتخاذ الأيمان للإفساد وخداع الناس تنفرون عن الدين، فالكفار إذا رأوكم تفعلون ذلك قالوا: لو كان في دينهم خيراً لأدبهم، ولزجرهم عن هذا الشر الذي فعلوه وعن هذه الخديعة والخيانة، فهذا يترتب عليه تشويه الدين في نظر هؤلاء الناس الذين يفترض أنكم تدعونهم بسلوككم وأخلاقكم أكثر مما تدعونهم بأقوالكم، فيترتب على ذلك أن ينفر هؤلاء الناس عن الإسلام، وبالتالي ستبوءون أنتم بوزر صدهم عن سبيل الله؛ ولذلك يقول ﵎: ﴿وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل:٩٤] أي: بسوء الخلق. وفي واقعة ثمامة بن أثال رضي الله تعالى عنه ما يدل على أثر حسن الخلق؛ فإنه كان شديد العداوة للإسلام وللنبي ﷺ ، وكان النبي ﵊ خير معلم على وجه الأرض، فأتي بـ ثمامة بعد أن أسر، فأمر به أن يوثق ويقيد في سارية من سواري المسجد، وبقي على ذلك ثلاثة أيام. إنها حكمة عظيمة من خير معلم وخير مربٍ في تاريخ البشر كلهم أجمعين ﵊، هذه الحكمة هي أن ثمامة بن أثال ربط في المسجد حتى يعلم أن المسجد هو مجلس الوزراء وهو مجلس الشعب ومجلس الشورى وغرفة العمليات ومكان العبادة ومكان التدريب على الجهاد، وكل شيء كان يتم في المسجد، فأراد أن يلقنه درساً في كيفية أخلاق المسلمين، وفي كيفية تعامل الصحابة مع بعضهم البعض، وكيف يعبدون الله؟ وكيف يحيي بعضهم بعضاً؟ وهكذا، فإنه إذا رأى هذا فسيكون سبيلاً إلى اقتناعه بالإسلام. وبالفعل أن هذا هو الذي تم، (فلما سأله أول يوم: كيف تجدك يا ثمامة! قال: إن تعف تعف عن شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وفي اليوم الثاني قال: إن تعف تعف عن شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وفي اليوم الثالث عفا عنه النبي ﵊ وأطلقه، فذهب ثمامة إلى مكان معين فاغتسل، ثم أتى وشهد شهادة الحق، رضي الله تعالى عنه). الشاهد من هذا: أنه لولا أنه عاش وانغمس في مجتمع الصحابة ورأى أخلاقهم وسلوكياتهم لما كان انجذب إلى الإسلام. يقول ﵊: (وخالق الناس بخلق حسن) أي: كل الناس، وليس فقط المسلمين؛ فحسن خلق المسلم -كما سنتناوله إن شاء الله تعالى- يتعدى حتى يشمل البهائم والحيوانات.

стр. 105

أعظم حقوق المسلم صيانة عرضه ونحن سنركز على آفات اللسان، وبالذات آفات اللسان المتعلقة بالغيبة التي هي آفة شائعة ومتوغلة في المجتمعات، ولا نكاد نستثني أحداً، حتى مجتمعات الملتزمين والملتزمات. فلا شك أن أعظم حقوق المسلم على الإطلاق هي صيانة عرضه ورعاية حرمته، فإن تحريم النيل من عرض المسلم أصل شرعي متين واجب بالضرورة من دين الإسلام، وحفظ العرض واحد من الضرورات الخمس التي جاءت من أجلها الشرائع. خطب رسول الله ﷺ في أعظم حشد تم في الإسلام على الإطلاق، وكان يزيد عن مائة ألف نفس من الصحابة الكرام ﵃ في حجة الوداع فقال: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟). والأعراض: جمع عرض، والعرض هو كل موضع يقبل المدح أو الذم في الإنسان، فأي شيء من صفات الإنسان يمكن أن يمدح أو يذم سواء كان في نفسه أو في سلفه من آبائه وأجداده أو من يلزمه أمره، أو هيئة مشيته أو طريقة كلامه أو ملابسه أو أي شيء يخص المسلم مما إذا ذكر فيه بسوء يسوءه ذلك، فهذا هو عرضه. وقيل: هو جانبه الذي يصونه من نفسه وحسبه، ويحامي عنه أن ينتقص ويثلم. قال ﷺ : (كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه). وقال ﷺ : (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) ويده تشمل أشياء كثيرة: تشمل الضرب، وتشمل الكتابة، وتشمل كل شيء يمكن أن يترتب عليه أذية مسلم. قال سفيان بن حصين: كنت جالساً عند إياس بن معاوية، فمر رجل فنلت منه، فقال لي: اسكت، ثم قال لي: يا سفيان! هل غزوت الروم؟ قلت: لا، قال: غزوت الترك؟ قلت: لا، قال: سلم منك الروم وسلم منك الترك ولم يسلم منك أخوك المسلم؟! قال: فما عدت إلى ذلك بعد. وقال ﷺ : (من يضمن لي ما بين لحييه وما بين فخذيه أضمن له الجنة)، ومثل هذه الضمانة على لسان رسول الله ﷺ لم تعلق إلا على أمر عظيم جسيم. ونظر عبد الله بن عمر يوماً إلى الكعبة فقال: (ما أعظمك وأعظم حرمتك! والمؤمن أعظم حرمة منك). أي: أن حرمة المؤمن عند الله أعظم من حرمة الكعبة المشرفة. وقال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات:١١ - ١٢] يعني: هل منكم من يطيق ذلك من الناحية الطبيعية؟ وطبع الإنسان هل يقبل أن يكون أخوه المسلم ميتاً وهو يأتي بسكين ويقطع من لحم أخيه ويأكله؟! فأنتم لا تحبون ذلك، وأنتم تكرهونه طبعاً، فكما كرهتموه طبعاً فاكرهوه شرعاً.

стр. 106

حد الغيبة وحرمتها وبين ﷺ أن حد الغيبة أن تذكر الرجل بما فيه من خلفه، وقال ﷺ : (الغيبة: ذكرك أخاك بما يكره). وبعض الناس يلبس الشيطان عليهم؛ لأن الشيطان واقف لهم بالمرصاد، وكل باب من أبواب الخير يريد أن يغلقه عليهم، وكل باب من أبواب الشر يريد أن يفتحه ويوسعه لهم بالتبريرات والتسويغات والمعاذير، فمثلاً تسمع واحداً يتكلم على واحد فتقول له: اتق الله! فهذه غيبة، فيقول لك: أنا مستعد أن أقول هذا الكلام أمامه! فيقال لهذا المسكين: حتى لو كنت مستعداً أن تقوله أمامه فهذه هي الغيبة التي حرمها الله، وإنما الفارق أنك إذا قلته أمامه وقعت في خطأ آخر وهو أذية أخيك المسلم ومواجهته بما يكره، وإذا كان أمام ناس فتكون قد فضحته وأسأت إليه أكثر ولم تستر عليه، وإذا كان في غيبته فهذه هي الغيبة، فإنه لم يستثن الرسول ﵊ شئياً، ولم يقل مثلاً: الغيبة أن تذكر الرجل بما فيه من خلفه إلا إذا كنت تقوى على أن تواجهه بذلك، فحتى لو كنت تزعم أن هذه من الشجاعة وأنك تستطيع أن تواجهه بذلك فهي غيبة، وليس لها اسم آخر غير الغيبة، وهي الذنب المحرم الذي أجمع العلماء على تحريمه، فحد الغيبة: أن تذكر الرجل بما فيه من خلفه. والفرق بين الغيبة والبهتان هو كما بين ذلك النبي ﷺ لما قال له الصحابي: (أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته)، أي هذا هو البهتان. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (أنهم ذكروا عند رسول الله ﷺ رجلاً فقالوا: لا يأكل حتى يُطعم، ولا يرحل حتى يرحل له) قوله: (لا يأكل) يعني: ليس هو الذي يعد طعامه، فإنه لا يأكل حتى يُعد له الطعام، وقوله: (ولا يرحل حتى يرحل له) أي: وإذا أراد أن يركب الدابة فإن غيره يضع الرحل الذي يوضع على الدابة، ويقوم بخدمته، فقال النبي ﷺ : (اغتبتموه)، فالمفروض أنك أيها الإنسان! تكون منتبهاً في أي مجلس تجلسه، وإذا كان سيقع من أحد غيبة فعليك أن تنصحه وتبين له أنها غيبة، وقد يقع بينك وبينه نوع من الوحشة في أول جلسة، لكنه سوف يعرف أنك لست ممن يحب المشاركة في أكل لحوم الناس، فعلى الأقل سيكفيك شره إن لم يتب إلى الأبد؛ لأنه إذا وجد في كل مجلس فيه غيبة من يزجره وينبهه إلى خطورة هذه المعصية فسيراجع نفسه بلا شك، أو يكف عن أعراض الناس، لكن الذي يحصل أنها توافق أهواء الجالسين، وقد يسوغونها في مصلحة الدعوة، وهذه من الأبواب الشيطانية، وبالتالي يحصل تمكن من هذه الآفة في هذا المجتمع، قالوا: (لا يأكل حتى يُطعم، ولا يرحل حتى يرحل له، فقال النبي ﷺ : اغتبتموه، فقالوا: يا رسول الله! حدثنا بما فيه؟ فقال: حسبك إذا ذكرت أخاك بما فيه) أي: حسبك من الشر أن تغتابه بأن تذكر ما فيه، فهل تريد كذلك أن تبهته، وتفتري عليه الكذب أيضاً؟ بل يكفيك حظاً من الإثم أن تذكر أخاك بما فيه، وأن تغتابه. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قلت للنبي ﷺ : (حسبك من صفية كذا وكذا)، قال بعض الرواة: تعني: أنها قصيرة، مع أن عائشة ضرتها، وقد يقع من التحاسد والتنافس بين الضرائر ما يغتفر، لكن مع ذلك ما سكت؛ رعاية لحرمة المسلمة، فقال ﵊: (لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته!) أي: لو أن هذه الكلمة تجسدت وخلطت بماء البحر لعكرت ماء البحر وأفسدته، إنها كلمة واحدة، لكنها غيبة.

стр. 107

أحكام الغيبة وأثرها على الفرد والمجتمع

стр. 108

التوبة من الغيبة روى الضياء في الأحاديث المختارة بإسناد صحيح عن أنس بن مالك ﵁ قال: (كانت العرب يخدم بعضهم بعضاً في الأسفار، وكان مع أبي بكر وعمر ﵄ رجل يخدمهما، فاستيقظا ولم يهيئ لهما طعاماً، فقال أحدهما لصاحبه: إن هذا لا يوائم نوم بيتكم)، يعني: وجدوا أن هذا الخادم تأخر في النوم أو أطال النوم حتى استيقظا ولم يكن قد أعد الإفطار أو الطعام، فقالا: إننا الآن في حالة سفر، والإنسان في السفر لا يتمادى في تعاطي راحة البدن؛ لأن حالة السفر تحتاج نوعاً من الأهبة والاستعداد، والإنسان لا يتصرف كأنه في بيته، فمعناه: أن النوم يكون خفيفاً، فقالا: (إن هذا لا يوائم -يعني: يوافق- نوم بيتكم) أي: أنه نائم نوماً واحداً سواء كان قاعداً في البيت أو مسافراً، (فأيقظاه فقالا: ائت رسول الله ﷺ فقل له: إن أبا بكر وعمر يقرئانك السلام، وهما يستأدمانك)، يعني: يطلبان منك الإدام، والإدام هو كل ما أكل به الخبز، فلما ذهب الرجل وأخبر الرسول ﵊ قال: (قد ائتدما، ففزعا، فجاءا إلى النبي ﷺ ، فقالا: يا رسول الله! بعثنا إليك نستأدمك، فقلت: قد ائتدما، فبأي شيء ائتدمنا؟ فقال: بلحم أخيكما، والذي نفسي بيده إني لأرى لحمه في أنيابكما -وفي رواية: ثناياكما- قالا: فاستغفر لنا قال: هو فليستغفر لكما) أي: صاحب الحق. فالإنسان إن كان لابد مصراً أن يعصي الله فليختر معصية يسهل عليه أن يتوب منها، لكن عند أن تختار معصية تتعلق بحق الغير فمعنى ذلك أنه لن تبرأ ذمتك إلا أن يسامحك هذا الشخص، وإذا لم يسامحك فسترد القيامة وفي عنقك حق العباد؛ لأن المعصية إذا كانت بينك وبين الله فإذا تبت إلى الله فالله يقبل التوبة عن عباده، أما إذا كانت المعصية في حق من حقوق العباد فلابد أن تستحل من صاحبها، وإما أن يستوفي حقه منك، والعملة هناك في الآخرة ليست الدينار ولا الدرهم، إنما هي الحسنات والسيئات، فيأخذ من حسناتك حتى يقضي عليها، فإذا لم يبق معك حسنات يؤخذ من سيئاته فتطرح عليك، فلماذا الإنسان يتعب في العبادة ويتعب في الحفظ والصيام والأعمال الصالحة ثم يجدها في ميزان الآخرين؟! فلذلك سماه النبي ﷺ : المفلس. الشاهد أيضاً من هذا الحديث قول النبي ﵊: (قد ائتدما) والخطاب موجه إلى الاثنين، مع أن واحداً منهما هو الذي تكلم، فنسب الوزر إليهما جميعاً. إذاً: القاعدة: أن مستمع الغيبة والمغتاب شريكان في الإثم والوزر. يقول الشاعر: وسمعك صن عن سماع القبيح كصون اللسان عن النطق به فإنك عند سماع القبيح شريك لقائله فانتبه

стр. 109

حكم استماع الغيبة ومن الأمور المهمة جداً أن مستمع الغيبة والمغتاب كلاهما شريك في الإثم، فإذا تواجدت في مجلس تدور فيه الغيبة كما يدار بالفاكهة على رواد المجلس فلا تظن أنك تبرأ من مثل هذا المنكر، بل لابد أن تزيله أو تزول عنه، أما أن تجلس ساكتاً فمجرد استماعك يجعلك شريكاً في هذه الغيبة. فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: (جاء الأسلمي -يعني: ماعزاً - إلى رسول الله ﷺ ، فشهد على نفسه بالزنا أربع شهادات، يقول: أتيت امرأة حراماً، وفي كل ذلك يعرض عنه رسول الله ﷺ إلى أن قال في الحديث: إن الرسول ﵊ قال له: فما تريد بهذا القول؟ قال: أريد أن تطهرني، فأمر به رسول الله صلى الله ﷺ أن يرجم فرجم، فسمع رسول الله ﷺ رجلين من الأنصار يقول أحدهما لصاحبه: انظر إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم يدع نفسه حتى رُجم رجم الكلب، فسكت رسول الله ﷺ ، ثم سار ساعة فمر بجيفة حمار شائل برجله)، وجثة الحمار لما تتعفن وتتجيف تزيد الغازات في داخل البطن، والعضلات تشتد جداً وتتيبس، والجثة ملقاة في الأرض، والحمار رافع رجليه من التعفن، كل هذا كناية عن شدة التعفن والنتن في هذه الجيفة، قال: (فسكت رسول الله ﷺ ، ثم سار ساعة فمر بجيفة حمار شائل برجله، فقال: أين فلان وفلان -يعني: هذين الرجلين اللذين تكلما بهذا الكلام- قالوا: نحن ذان يا رسول الله! فقال لهما ﵊: كلا من جيفة هذا الحمار! فقالا: يا رسول الله! غفر الله لك، من يأكل من هذا؟ فقال رسول الله ﷺ : ما نلتما من عرض هذا الرجل آنفاً أشد من أكل هذه الجيفة، فوالذي نفسي بيده! إنه الآن في أنهار الجنة ينغمس فيها)، فالشاهد من هذا الحديث قول النبي ﵊: (ما نلتما من عرض هذا الرجل آنفاً أشد من أكل هذه الجيفة). فأول شيء نسب الوزر إليهما جميعاً، مع أن الذي تكلم هو واحد؛ كان يحدث الذي بجواره، والذي بجواره سكت، فمعناه أنه صار شريكاً له في الإثم؛ لأن السكوت علامة الرضا. فلو قلت للمغتاب: اتق الله، فستكون قد برئت من المعصية، لكن حين تسكت أو تستحي فأنت شريك في الوزر، ومثلك مثله ولا فرق، ولذلك قال لهما: (كلا من جيفة هذا الحمار!)، وقال لهما: (ما نلتما من عرض هذا الرجل آنفاً أشد من أكل هذه الجيفة)، يعني: أن الأكل من الجيفة أخف؛ لأن الإنسان لو أكل من جيفة الحمار المنتن لم يؤذ مسلم، ولم ينتهك عرض مسلماً، ولم تتعلق بذمته حقوق العباد، فلا شك أن أكل لحوم الحمر المتجيفة والمنتنة خير من أكل لحوم البشر؛ لأن أكل لحوم البشر يترتب عليه هذه الأشياء التي ذكرنا.

стр. 110

تنجيس الغيبة والأمر بالتطهر منها وعن ابن عمر ﵄ قال: إن أحق ما طهر الرجل لسانه، وأي واحد منا إذا أصابت النجاسة ثيابه فإنه ينظفه ويطهره، فإذا اغتاب الناس فإن هذه النجاسة تكون في لسانه، فأي الأشياء أولى أن تطهر؟ لا شك أن اللسان أولى بالتطهير، ولذا قال ابن عمر ﵄: إن أحق ما طهر الرجل لسانه. بل إن بعض السلف كان إذا أراد التنفير من هذه المعصية أمر فاعلها بالطهارة الحقيقية، فيأمره بالمضمضة وبالوضوء تشبيهاً لها بالنجاسة الحسية، وإرشاداً إلى التحرز منها، كما يتحرز من النجاسات. فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: يتوضأ أحدكم من الطعام الطيب، ولا يتوضأ من الكلمة الخبيثة يقولها؟ وهذه العبارة من أم المؤمنين تحتمل أكثر من معنى، فإذا كانت على حقيقتها فربما كانت تقصد الوضوء من أكل ما مسته النار قبل أن ينسخ، كأنها تقول لهم: أنتم تتوضئون من هذه الكلمة قبل أن ينسخ الوضوء ما مسته النار، وتحتمل الوضوء من أكل لحم الإبل، فكأنها تقول لهم: إذا توضأ أحدكم من الطعام الطيب الحلال سواء كان مما مسته النار قبل أن ينسخ أو من أكل لحم الإبل ولا يتوضأ من الكلمة الخبيثة يقولها، وهي أولى أنك تمضمض فمك بعدها. فإذا ما ابتليت بالغيبة فهذا أولى من أن تتمضمض من أكل لحم الإبل أو غيره. ومثله قول عبد الله بن مسعود ﵁: (لأن أتوضأ من كلمة خبيثة أحب إلي من أن أتوضأ من طعام طيب). وعن إبراهيم قال: الوضوء من الحدث وأذى المسلم، أي: كما تتوضأ من الحدث توضأ من أذى المسلم. ويحمل هنا الوضوء على غسل الفم وتطهير اللسان. وعن محمد بن سيرين قال: كان رجل من الأنصار يمر بمجلس لهم فيقول: توضئوا فإن بعض ما تقولون شر من الحدث. يعني: اغسلوا وطهروا ألسنتكم، فإن بعض ما تقولون من الغيبة والنميمة شر من الحدث ومن النجاسة. وجاء حديث في هذا، لكنه مرسل وإن كان رجاله ثقات، أخرجه ابن سعد، وهو ما رواه معن عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم: (أن نبي الله ﷺ في وجعه الذي توفي فيه، قالت صفية بنت حيي: والله يا نبي الله! لوددت أن الذي بك بي، فغمزها أزواجه) أي: أن ضرائرها غمز بعضهن لبعض أن انظرن صفية ماذا تقول للرسول ﵊: (فأبصرهن، فقال: مضمضن، فقلن: من أي شيء؟ قال: من تغامزكن بها، والله إنها لصادقة)، هنا الحديث مرسل في الحقيقة، وإذا صح ففيه إشارة أيضاً إلى موضوع المضمضة كما بينا.
следующие страницы →