← Джавами‘

Джавами‘ · id 37018

دروس الشيخ محمد إسماعيل المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (2 122 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

الجزاء من جنس العمل وقال أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله تعالى: سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول: سمعت باذان المدايني يقول: رأيت أقواماً من الناس لهم عيوب فسكتوا عن عيوب الناس فستر الله عيوبهم، وزالت عنهم تلك العيوب، ورأيت أقواماً لم تكن لهم عيوب اشتغلوا بعيوب الناس فصارت لهم عيوب. قوله: (فصارت لهم عيوب) يعني: فانكشفت عيوبهم التي كانت مستورة. ولعل في قاعدة (الجزاء من جنس العمل) -هذه القاعدة العدلية الإسلامية- زاجر للذين يخوضون في عيوب الناس، فيكفون عن الاشتغال بها خشية أن يعاملهم الله بما تقتضي هذه القاعدة، وهي أن الجزاء من جنس العمل؛ لأن البلاء -كما يقولون- موكل بالقول. فعن إبراهيم قال: إني لأرى الشيء مما يعاب ما يمنعني من غيبته إلا مخافة أن أبتلى به. أي أنه يرى شيئاً يُعاب، ويخشى أن يغتاب صاحبه، فإذا اغتابه وذمه بهذا العيب يخشى أن يعاقبه الله بأن يُبتلى بنفس هذا الشيء. ويقول الأعمش: سمعت إبراهيم يقول: إني لأرى الشيء أكرهه، فما يمنعني أن أتكلم فيه إلا ما مخافة أن أُبتلى بمثله. وقال عمرو بن شرحبيل ﵀: لو رأيت رجلاً يرضع عنزاً فضحكتُ منه لخشيت أن أصنع مثل الذي صنع. يعني: لخشيت أن يعاقبني الله بأن يجعلني أفعل نفس هذا الشيء الذي صنعه هذا الرجل الذي رضع العنز.

стр. 982

قصة معاوية بن أبي سفيان مع المسور بن مخرمة ﵃ وقال الإمام الزهري رحمه الله تعالى: حدثني عروة أن المسور بن مخرمة أخبره أنه وفد على معاوية أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه، فقضى أمير المؤمنين معاوية حاجة المسور، ثم خلا به -انفرد به- فقال: يا مسور! ما فعل طعنك على الأئمة -يعني: على أمير المؤمنين معاوية وبني أمية- ما فعل طعنك على الحكام المسلمين الأئمة؟ قال: دعنا من هذا وأحسن. أي: دعنا من هذا الموضوع ولا يجوز أن نتكلم فيه دعنا من هذا وأحسن. قال: لا والله! لتكلمني بذات نفسك بالذي تعيب علي. يعني: صارحني بما تعيبه علي، وقل لي مباشرة. فقال المسور: فلم أترك شيئاً أعيبه عليه إلا بينت له. فقال معاوية ﵁: لا أبرأ من الذنب، فهل تعد لنا -يا مسور - ما نلي من الإصلاح في أمر العامة؛ فإن الحسنة بعشر أمثالها، أم تعد الذنوب وتترك المحاسن؟ أي: كما أحصيت هذه العيوب هل تضع بجانبها في الكفة الأخرى المحاسن التي نليها من إصلاح أمر المسلمين، والجهاد في سبيل الله، وفتح البلاد، وتمصير الأمصار، ونشر الإسلام وغير ذلك من المحاسن التي يفعلها أمير المؤمنين معاوية رضي الله تعالى عنه؟ قال: فهل تعد لنا -يا مسور - ما نلي من الإصلاح في أمر العامة؛ فإن الحسنة بعشر أمثالها، أم تعد الذنوب وتترك المحاسن؟ قال: ما تُذكر إلا الذنوب. قال معاوية: فإنا نعترف لله بكل ذنب أذنبناه، فهل لك -يا مسور - ذنوب في خاصتك تخشى بأن تهلك إن لم تُغفر؟ قال: نعم. قال: فما يجعلك برجاء المغفرة أحق مني؟ أي: فما الذي يجعلك أولى مني بأن ترجو مغفرة الله وعفو الله في هذه العيوب أو في هذه الذنوب؟ قال معاوية: فوالله! ما ألي من الإصلاح أكثر مما تلي. أي: الإصلاح الذي يحصل على يدي بصفتي أميراً للمؤمنين أكثر مما تلي أنت باعتبارك واحداً من الرعية. قال: ولكن -والله- لا أخير بين أمرين بين الله وبين غيره إلا اخترت الله على ما سواه، وإني على دين يُقبل فيه العمل، ويُجزى فيه بالحسنات، ويُجزى فيه بالذنوب إلا أن يعفو الله عنها. قال المسور: فخصمني. يعني: غلبني. قال عروة: فلم أسمع المسور ذكر معاوية إلا صلى عليه. يعني: دعا له بعد هذه المناظرة.

стр. 983

هدي السلف فيما شجر بين الصحابة ﵃ وعن أبي راشد قال: جاء رجل من أهل البصرة إلى عبيد الله بن عمر، فقال: إني رسول إخوانك من أهل البصرة إليك، فإنهم يقرئونك السلام ويسألونك عن أمر هذين الرجلين: علي وعثمان، وما قولك فيهما؟ فقال: هل غير؟ قال: لا. قال: جهزوا الرجل -أي: أعدوا له متاعه كي يسافر فوراً في الحال إلى حيث أتى- فلما فُرغ من جهازه قال: (اقرأ ﵈، وأخبرهم أن قولي فيهم: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:١٣٤]). وعن شريك قال: سألت إبراهيم بن أدهم عما كان بين علي ومعاوية رضي الله تعالى عنهما، فبكى، فندمت على سؤالي إياه، فرفع رأسه فقال: إنه من عرف نفسه اشتغل بنفسه، ومن عرف ربه اشتغل بربه عن غيره. وقال الشافعي: قيل لـ عمر بن عبد العزيز: (ما تقول في أهل صفين؟ قال: تلك دماء طهر الله يدي منها، فلا أحب أن أخضب لساني بها).

стр. 984

هدف أعداء الإسلام من إثارة ما وقع من خلاف في زمن الصحابة والسلف قال الرياشي رحمه الله تعالى: لعمرك إن في ذنبي لشغلاً لنفسي عن ذنوب بني أمية على ربي حسابهم جميعاً إليه تناهى علم ذلك لا إليه وليس بضائري ما قد أتوه إذا ما الله يغفر ما لديه يعني: أنت في القبر لن تُسأل، ويوم القيامة لن تُحاسب على ذنوب بني أمية، فهذا لا يعنيك في شيء، (ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)، فكون الناس -حتى الآن- يشتغلون بذم بني أمية هذا الانخراط وقوف في خندق واحد مع أعداء الإسلام؛ لأن لهم غرضاً خبيثاً من وراء إبراز هذه المآخذ والمبالغة فيها، بل وحشو هذه الأخبار بالكذب، كل هذا هو من أجل تنفير الناس من ماضي المسلمين، ومحاولة تصوير التاريخ الإسلامي أنه ما هو إلا عبارة عن صراع على السلطة فحسب، وأنه ليس دعوة ربانية ولا هداية إلهية، وإنما هو أغراض شخصية ومطالب دنيوية، فمن أجل ذلك يحاولون إبراز السلف الصالح رحمهم الله تعالى في هذه الصورة المنفرة للتنفير وللصد عن سبيل الله ﵎، فينخدع الأغرار ممن يجارون هذا المنهج الخبيث، ويسمون الخوض في شأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم وما وقع منهم بحثاً علمياً، والعلم منه براء، بل هم مزورون كذابون. ولذلك نجد هذه الظاهرة لا يهتم بها أساساً ولا يسقي شجرتها الخبيثة إلا أعداء الإسلام من اليهود والنصارى والمستشرقين وتلامذتهم وأذنابهم من أعداء الإسلام كـ طه حسين، وغيرهم ممن وضعوا السموم في الآبار الإسلامية، حتى يسمم شباب المسلمين بهذه المفاهيم، فإذا صوروا الصحابة أنهم كانوا طلاب دنيا فقدت الثقة بهم، وبالتالي لا يرغب الناس في إعادة هذا المجد وهذا التاريخ الإسلامي. وكون هذا إذا صدر من أعداء الإسلام فهذا وضع طبيعي ومتوقع منهم، لكن الأمر الشنيع أن يصدر هذا ممن ينتسب زوراً إلى الإسلام! في حين أن من أصول أهل السنة والجماعة الإمساك عما شجر بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين؛ لأن هذا مقتضى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠]، فالعجيب أن هناك بعض المنتسبين لبني البشر بل للإسلام يتعبدون بالغل على الصحابة، كالشيعة الروافض في إيران وغيرهم، فإنهم يتعبدون بذلك، ويعتبرون أن الاشتغال بلعن معاوية وبلعن أبي بكر وعمر عبادة يثاب عليها أكثر من ذكر الله -والعياذ بالله- كما لبس الشيطان عليهم، وهذا من الأمور العجيبة! وأعجب منه أيضاً أنا نرى بعد هذه الحملة التي حصلت ضد التنظيم الشيعي الذي اكتشف يخرج أيضاً أعداء الإسلام من بين البحور في الإعلام يدافعون عن الشيعة، ويقولون: ينبغي أن نذكر محاسن الشيعة وكذا وكذا. المهم أنهم في كل معركة بين أهل السنة وأهل الإسلام وبين أعدائهم ينضمون إلى الصف المعادي؛ لأجل إضعاف المسيرة الإسلامية، فالله حسيبهم.

стр. 985

حكم سب الحجاج بن يوسف الثقفي عن الهيثم بن عبيد الصيدلاني قال: سمع ابن سيرين رجلاً يسب الحجاج، فقال: مه أيها الرجل -أي: انصت وتعقل وتفكر-! إنك لو وافيت الآخرة كان أصغر ذنب عملت قط أعظم عليك من أعظم ذنب عمله الحجاج. أي أنه يقول له: كف عن هذا، ولا تضيع وقتك بالاشتغال بسب الحجاج، مع أن الحجاج رجل ظالم فعل ما فعل من الكبائر، لكن انظر إلى هنا إلى طريقة تفكير ابن سيرين، حيث إنه يدل الإنسان على أن يشتغل بعيب نفسه حتى لو كان في غيره من العيوب ما الله به عليم. فيقول: مه أيها الرجل! إنك لو وافيت الآخرة -أي: إذا قامت القيامة ووقفت بين يدي الله فأيهما أخطر عليك: أقل ذنب أنت عملته بنفسك، أم أعظم ذنب عمله الحجاج؟ الجواب ما عملته أنت بنفسك، فلهذا ينبغي أن تخاف من ذنبك أكثر من ذنوب غيرك؛ لأن هذا سوف يضرك إن لم يتب الله عليك. قال ابن سيرين: إنك لو وافيت الآخرة كان أصغر ذنب عملته قط أعظم عليك من أعظم ذنب عمله الحجاج، واعلم أن الله حكم عدل، إن أخذ من الحجاج لمن ظلمه شيئاً فشيئاً أخذ للحجاج ممن ظلمه، فلا تشغلن نفسك بسب أحد. أي أن الله حكم عدل، فإذا أنت جاوزت الحد وبغيت على الحجاج نفسه -مع أن الحجاج كان ظالماً وباغياً- فالله حكم عدل، وإن أخذ من الحجاج لمن ظلمه - الحجاج - شيئاً فشيئاً للمظلومين الذين ظلمهم الحجاج؛ لأنه سوف ينتقم الله من الحجاج إن شاء ذلك، ويأخذ من الحجاج بقدر ظلمه لهؤلاء الناس، لكن بجانب ذلك أيضاً الله لأنه حكم عدل سوف يأخذ للحجاج ممن ظلم الحجاج، فإذا أنت اشتغلت بذنبه وسبه وبغيت في ذلك فلا تأمن أن الله سوف يعاقبك بأن ينتقم منك من أجل الظلم الذي ظلمته الحجاج، فلا تشغلن نفسك بسب أحد.

стр. 986

واجب الإنسان تجاه نفسه تلك بعض الفوائد التي استقيناها من مشكاة قول رسول الله ﵌: (يبصر أحدكم القذى في عين أخيه وينسى الجذع في عينه)! وجاء في بعض الروايات: (وينسى الجذع معترضاً في عينه) أي: كأن جذع شجرة موجود في عينه من العيوب، ومع ذلك ينسى هذا الذي أمام عينه من عيوب نفسه، ويشتغل بأبسط شيء في عيوب أخيه، ففي تدبر هذا الحديث الشريف والتفكر فيه ما يزجر الإنسان عن التمادي في الاشتغال بعيوب غيره؛ لأن أوجب الواجبات أن يصلح الإنسان نفسه؛ لأنه لن يلي إصلاحها غيره، فهذا متعين عليه، ومن سنة القتال أن يبدأ المقاتل بالعدو الأقرب فالأقرب، ومن أقرب الأعداء بالنسبة للإنسان نفسه التي بين جنبيه، فهي أقرب عدو قريب منه، فينبغي أن يشتغل الإنسان بهذا العدو أولاً، ولا يشتغل بغيره في حين يدع العقارب والحيات والآفات تنهش في جسمه وتؤذيه في دينه. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. والحمد لله رب العالمين.

стр. 987

الالتزام بالسنن فضل الله على الإنسان كبير، ومن فضله عليه أنه شرع له باب التطوع والتنفل؛ حتى يزيد حسناته، ويسد القصور في واجباته، فعلى المرء المسلم أن يجتهد في المحافظة على النوافل والسنن، وألا يفرط فيها.

стр. 988

فضل صلاة التطوع الحمد لله كثيراً كما أنعم علينا كثيراً، وصلى الله على رسوله محمد الذي أرسله شاهداً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، وعلى آله الذين أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، وعلى جميع المؤمنين الذين أمر الله نبيه أن يبشرهم بأن لهم من الله فضلاً كبيراً. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

стр. 989

الدرجات وحط الخطايا وعن معدان بن أبي طلحة اليعمري قال: لقيت ثوبان مولى رسول الله ﷺ فقلت: أخبرني بعمل أعمله يدخلني الله به الجنة -أو قال: قلت: أخبرني بأحب الأعمال إلى الله- فسكت، ثم سألته فسكت، ثم سألته الثالثة، فقال: سألت عن ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: (عليك بكثرة السجود لله؛ فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحط بها عنك خطيئة). قال معدان: ثم لقيت أبا الدرداء فسألته، فقال لي مثل ما قال لي ثوبان. وهذا الحديث أخرجه مسلم واللفظ له، والنسائي وابن ماجة والترمذي. هذا الحديث يدل على فضيلة عظيمة لصلاة التطوع، وإنما استدللنا به على فضيلة صلاة التطوع رغم أنه يشمل الفرائض، بسبب قوله ﷺ هنا (عليك بكثرة السجود لله)، فالفرائض غير قابلة للزيادة على ما شرع الله فيها، أما التطوع فمنه ما هو مقيد، ومنه ما هو مطلق، فهذا ترغيب في كثرة التطوع لله . فقول النبي ﷺ : (عليك بكثرة السجود لله)، المقصود به: عليك بالإكثار من صلاة التطوع، وفي بعض الأحاديث يقول ﵊: (الصلاة خير موضوع، فمن شاء فليستقل ومن شاء فليستكثر)، وهنا قال: (عليك بكثرة السجود لله)، فالمراد بالسجود صلوات التطوع؛ لأن السجود لغير صلاة أو السجود بلا سبب غير مرغب فيه على انفراده، ومن العلماء من يجيز التعبد بالسجدة المفردة، لكن عامة العلماء يمنعون ذلك. والسجود وإن كان يصدق على الفرض لكن الإتيان بالفرائض لابد منه لكل مسلم، وإنما أرشده الرسول ﷺ هنا في هذا الحديث إلى شيء يختص به، وينال به ما طلبه من دخول الجنة؛ حيث ذكر له أحب الأعمال إلى الله . والسر في التعبير عن الركعة بالسجود: أن السجود أكثر أعمال الصلاة تحققاً في العبودية لله ، فإنه مظهر لانكسار النفس وذلها لربها ﵎. وفيه يتحقق معنىً من أعظم معاني العبودية، وهو الخضوع لله ؛ حيث إن حقيقة العبادة تمام الحب مع تمام الخضوع والذل. وأي نفس انكسرت وذلت لله استحقت الرحمة. وأيضاً ورد في فضيلة السجود قول النبي ﷺ : (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد؛ فأكثروا الدعاء)، يعني: أكثروا الدعاء في السجود.

стр. 990

كثرة التطوع سبب لمرافقة النبي ﷺ في الجنة وورد حديث قريب من معنى هذا الحديث الذي ذكرناه، وهو حديث ربيعة بن كعب بن مالك الأسلمي رضي الله تعالى عنه قال: (كنت أبيت مع رسول الله ﷺ ، فآتيه بوضوئه وحاجته -وضوئه: يعني الماء الذي يتوضأ به- فقال لي: سل -يعني: أراد أن يجزيه عن هذه الخدمة- فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة. فقال: أو غير ذلك؟ قلت: هو ذاك. قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود)، وهذا أخرجه مسلم وأصحاب السنن، والشاهد فيه أنه سمت همته وارتقت إلى أن يطلب هذه المرتبة الخطيرة حيث قال: (أسألك مرافقتك في الجنة)، فلما قال له النبي ﵊: (أو غير ذلك؟) يعني: اطلب شيئاً أخف من ذلك، أصر، ولو قيل لغيره أو فتحت هذه الفرصة لشخص آخر ربما طلب من أعراض الدنيا، أو حتى لو طلب من الآخرة لربما طلب مجرد النجاة من النار، لكن انظر كيف رباهم النبي ﷺ على الارتقاء بهمتهم لنيل أعلى المراتب، كما علمهم ذلك أيضاً في قوله: (إذا سألتم الله تعالى فاسألوه الفردوس؛ فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة، وفوقه عرش الرحمن)، أو كما قال ﵌. فلما قال له: (أو غير ذلك؟ قال: هو ذاك)، يعني: لا أتنازل، وأنت الذي أعطيتني هذه الفرصة وقلت لي: (سل) وأطلقتها، فقال ﵊: (فأعني على نفسك بكثرة السجود). إذاً: هذا يدل على أن الوسيلة لنيل هذه المرتبة العالية كثرة السجود لله ، وهذا الأصل أنه يكون في الصلاة، والذي يقبل الكثرة هو صلوات التطوع بخلاف الفريضة؛ فإنه لابد لكل مسلم من الإتيان بها. إذاً: هذه من فضائل صلوات التطوع.

стр. 991

التطوع يجبر النقص الذي يطرأ على الفريضة ومنها أيضاً: ما رواه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (إن أول ما يحاسب الناس به يوم القيامة من أعمالهم الصلاة، يقول ربنا جل وعز للملائكة وهو أعلم: انظروا في صلاة عبدي أتمها أم نقصها، فإن كانت تامة كتبت له تامة، وإن كان انتقص منها شيئاً قال: انظروا هل لعبدي من تطوع؛ فإن كان له تطوع قال: أتموا لعبدي فرضيته من تطوعه، ثم تؤخذ الأعمال على ذاكم)، أخرجه الإمام أحمد وأصحاب السنن الأربعة. فهذه إحدى الحكم أيضاً من وراء مشروعية صلاة التطوع: أن بالتطوع يجبر النقص أو الخلل الذي يطرأ على صلاة الفريضة، يقول ﵊: (إن أول ما يحاسب الناس به يوم القيامة من أعمالهم الصلاة)، والمقصود (من أعمالهم) يعني: المتعلقة بحق الله ﵎، وهذا لا يتعارض مع الروايات الأخرى التي فيها: (إن أول ما يقضى فيه بين الناس الدماء)؛ باعتبار أن ذلك متعلق بحقوق العباد، أما قوله: (أول ما يحاسب الناس به يوم القيامة من أعمالهم الصلاة) فيعني: الحقوق المتعلقة بحق الله ، وهي الصلاة. وقوله: (يقول ربنا جل وعز لملائكته وهو أعلم: انظروا في صلاة عبدي: أتمها أم نقصها) قال القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى: يحتمل أن يكمل له ما نقص من فروض الصلاة وأعدادها بفضل التطوع. أي: إما أن النقص يكون من صلاة لم يصلها، أو نقص عددها، أو يحتمل أن يكون هذا النقص هو ما نقص من الخشوع الواجب عليه في الصلاة، فيحتمل أنه يكمل النقص الذي يطرأ في الخشوع. يقول القاضي أبو بكر بن العربي: والأول عندي أظهر. يعني: أنه يكمل به نقص عددها أو فرضها؛ لقول النبي ﷺ : (ثم الزكاة كذلك، وسائر الأعمال)، وليست في الزكاة إلا فرض أو فضل، فكما يكمل فرض الزكاة بفضلها كذلك الصلاة، وفضل الله تعالى أوسع، ووعده أنفذ، وعزمه أهم وأتم. وقال العراقي: يحتمل أن يراد به ما انتقصه من السنن والهيئات المشروعة فيها من الخشوع والأذكار والأدعية، وأنه يحصل له ثواب ذلك في الفريضة وإن لم يفعله فيه وإنما فعله في التطوع. أي: أنه يكون قد صلى صلاة تطوع خاشعة، أتى فيها بأذكار كثيرة، وأتى بهذه الآداب كلها، ويكون نقص ذلك من فريضة، فيكمل النقص الذي في الفريضة بما فعله وأتى به في التطوع. يقول العراقي: ويُحتمل أن يُراد به ما انتقص أيضاً من فروضها وشروطها، ويُحتمل أن يُراد ما ترك من الفرائض رأساً فلم يصله، فيُعوض عنه من التطوع، والله يقبل من التطوعات الصحيحة عوضاً عن الصلوات المفروضة. فهذا فيما يتعلق ببعض الأحاديث في فضيلة صلوات التطوع ذكرناها في معرض كلامنا على حديث معدان بن أبي طلحة اليعمري قال: لقيت ثوبان مولى رسول الله ﷺ فقلت: أخبرني بعمل أعمله يدخلني الله به الجنة -أو قال: بأحب الأعمال إلى الله- فسكت، ثم سألته، فسكت، ثم سألته الثالثة، فقال: سألت عن ذلك رسول الله ﷺ فقال: (عليك بكثرة السجود لله؛ فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحط بها عنك خطيئة) قال معدان: ثم لقيت أبا الدرداء رضي الله تعالى عنه فسألته، فقال لي مثل ما قال لي ثوبان. فهذا فيما يتعلق بما ورد في صلوات التطوع.

стр. 992

أنواع التطوع والتطوع -كما هو معلوم- نوعان: تطوع مطلق، وتطوع مقيد. أما التطوع المطلق: فهو الذي لم يأت فيه الشرع بحد، فلم يحدده بعدد أو يربطه بوظيفة أو وقت، فمثلاً: صدقة التطوع لك أن تتبرع في سبيل الله بما شئت، ولو نصف تمرة، ولك أن تتطوع بالصلاة في الليل والنهار مثنى مثنى، لكن التطوع المطلق لا يداوم عليه الإنسان مداومته على السنن الرواتب. أما التطوع المقيد: فهو التطوع الذي جاء له حد في الشرع، فمثلاً: من أراد أن يأتي بسنة الفجر الراتبة فلا يتحقق منه الإتيان بها إلا بركعتين قبل صلاة الفجر، ولابد من مراعاة عدد الركعات أنها اثنتان، ووقتها بعد دخول وقت الفجر، وأن يصليها بنية راتبة الفجر. كذلك مثلاً: من أراد أن يصلي صلاة الكسوف لا تتحقق صلاته إلا بالصفة المشروعة، وكذا صلاة العيدين، وهكذا غيرها من السنن التي جاء الشارع بوصف محدد ومعين لها.

стр. 993

الحث على التمسك بالسنة لكن كلامنا على التطوع المطلق بصفة أساسية، ونلخص لكم رسالة مباركة من تأليف الشيخ عبد السلام بن برجس بن ناصر آل عبد الكريم بعنوان: (ضرورة الاهتمام بالسنن النبوية). والشيخ ابن برجس كتبه مباركة وعظيمة النفع جداً، ككتابه (التمني) وكتابه الآخر (عوائق الطلب)، يعني: عوائق طلب العلم، وهذا أيضاً من كتبه التي فيها فوائد مهمة، إن شاء الله نلخصها فيما يأتي:

стр. 994

الآيات الحاثة على التمسك بالسنة عقد فصلاً في الحث على التمسك بالسنة، فقال: السنة هي الجنة الحصينة لمن تدرعها، والشرعة المعينة لمن تشرعها، درعها صافٍ، وظلها ضاف، وبيانها وافٍ، وبرهانها شافٍ، وهي الكافلة بالاستقامة، والكافية في السلامة، والسلم إلى درجات المقامة، والوسيلة إلى الموافاة بصروف الكرامة، حافظها محفوظ، وملاحظها ملحوظ، والمقتدي بها على صراط مستقيم، والمهتدي بمعالمها صائر إلى محل النعيم المقيم، ولقد تواصلت النصوص الشرعية وأقوال الصحابة والتابعين المرضية على الترغيب فيها، والحث على التمسك بها، فمن الكتاب قوله ﵎: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١]، وقال أيضاً: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١]. وهذا لا شك أنه في الاتباع المطلق، وذلك بأن يتبع الرسول ﷺ اتباعاً مطلقاً، لا يُقيد بفرض مثلاً، بل اتباع في الفريضة وفي النافلة وفي العادات؛ فالإنسان كلما ازداد اقتداؤه بالنبي ﵊ في جميع موارده ومصادره وأحواله، كان ذلك علامة على رسوخ المحبة في قلبه. ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور:٥٤]، وقال أيضاً: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:١٥٨].

стр. 995

الحث على التمسك بالسنة من السنة ومن السنة: ما رواه مسلم بسنده عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: (كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه؛ كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم، ويقول: أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة). ولا شك أن قول النبي ﵊: (خير الهدي هدي محمد ﷺ ينبغي أن يكون شعاراً لكل مسلم، فكل مسلم لابد أن يرفع هذا الشعار في كل أحواله وفي كل ما يعرض له من مسائل يشك فيها أو يرتاب فيها، فيسأل نفسه: هل هذا يوافق هدي النبي ﷺ أم يصادمه؟ بحيث تحسم له كثير من الأمور التي يتشكك فيها أو يرتاب في الإقدام عليها، فهذا هو المخرج مما وصل إليه المسلمون، سواء كانوا أفراداً أو جماعات أو أمماً وشعوباً، فإنهم محتاجون إلى هذا لكي يعودوا إلى ما كانوا عليه من العز والتمكين، فعليهم أن يرفعوا هذا الشعار من جديد: (خير الهدي هدي محمد ﷺ ، وكل ما خالفه فهو شر كما قال: (وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة)، ومن ثمَّ كان ﷺ دائماً ما يستفتح خطبه بهذه الخطبة -خطبة الحاجة- التي تتضمن هذا الشعار المقدس: (وخير الهدي هدي محمد ﷺ . وفي المسند عن العرباض بن سارية ﵁ قال: (وعظنا رسول الله ﷺ موعظة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقلنا: يا رسول الله! إن هذه لموعظة مودع، فما تعهد إلينا؟ فقال: قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها -يعني: ليلها أبيض كنهارها- لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، ومن يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين). إذاً: النبي ﷺ يخبر مسبقاً بما وقعت فيه هذه الأمة بالفعل من افتراقها إلى الفرق المعروفة، ولهذا قال: (من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً)، ووصف الداء ثم وصف الدواء، فأخبر بالداء، وهو داء الفرقة، ثم لم يدعنا حتى وصف لنا العلاج الذي نداوي به هذا الداء وهو السنة؛ فإن السنة هي التي تجمع المختلفين، والعلاج ينبغي أن يكون على معتقد سنة رسول الله ﵌؛ ولذلك قال: (ومن يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ). وقوله: (بالنواجذ)؛ فيه كناية عن شدة التمسك بها؛ ولذلك يُربط في تسمية أهل السنة لفظ (السنة) بلفظ (الجماعة) فيقال: (أهل السنة والجماعة)؛ لأن السنة تجمع وتؤلف القلوب، أما البدع فيقال: أهل البدع والافتراق، فطريق الحق واحد، والباطل هو الذي يتعدد. و (الجماعة)، يعني: التي تجتمع على السنة في مقابلة البدع فإنها كثيرة الافتراق، فهي التي تشتت الأمة، فهذا أيضاً دواء لكل أدوائنا، وخاصة داء الفرقة والاختلاف الكثير، ولذا قال: (ومن يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين). وفي سنن ابن ماجة عن أبي الدرداء ﵁ قال: (خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نذكر الفقر ونتخوفه، فقال: آلفقر تخافون؟! والذي نفسي بيده! لتصبن عليكم الدنيا صباً حتى لا يزيغ قلب أحدكم إزاغة إلا هي، وايم الله! لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء). وعن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: (لقد تركنا رسول الله ﷺ وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علماً)، وهذا الحديث رواه أحمد والطبراني، وزاد: (قال النبي ﷺ : ما بقي شيء يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بُين لكم)، ورجال الطبراني رجال الصحيح غير محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، وهو ثقة، وفي إسناد أحمد من لم يُسم. يعني: هذا الحديث فيه كلام.

стр. 996

الحث على التمسك بالسنة من أقوال السلف والعلماء أما أقوال الصحابة والتابعين في الحث على السنة فما أكثرها! منها: ما رواه الدارمي عن الذهلي ﵀ قال: (كان من مضى من علمائنا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة). وعن هشام بن عروة عن أبيه ﵀ قال: (السنن السنن! فإن السنن قوام الدين). وعن الأوزاعي ﵀ قال: (كان يقال: خمس كان عليها أصحاب محمد ﷺ والتابعون بإحسان: لزوم الجماعة، واتباع السنة، وعمارة المسجد، وتلاوة القرآن، والجهاد في سبيل الله). وأخرج البيهقي من طريق مالك: (أن رجاء حدثه أن عبد الله بن عمر ﵄ كان يتبع أمر رسول الله ﷺ وآثاره وحاله، ويهتم به؛ حتى كان قد خيف على عقله من اهتمامه بذلك). وفي الصحيحين من حديث أنس بن مالك ﵁ أنه قال: (فرأيت رسول الله ﷺ -لما جلس يأكل مع النبي ﷺ يتتبع الدباء من حوالي الصحفة، فما زلت أحب الدباء من ذلك اليوم)، ولذلك بوب الإمام النووي رحمه الله تعالى في شرح هذا الحديث فقال: باب جواز أكل المرق واستحباب أكل اليقطين. واليقطين: هو الدباء. وعن عبد الله بن الديلمي قال: (بلغني أن أول ذهاب الدين ترك السنن، يذهب الدين سنة سنة كما يذهب الحبل قوة قوة). وعن عبد الله بن عون ﵀ أنه قال: (ثلاث أرضاها لنفسي ولإخواني: أن ينظر الرجل المسلم القرآن فيتعلمه، ويقرأه، ويتدبره، وينظر فيه، والثانية: أن ينظر ذاك الأثر والسنة فيسأل عنه، ويتبعه جهده، والثالثة: أن يدع الناس إلا من خير). وعن الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى قال: (إن لله عباداً يحيي بهم البلاد، وهم أصحاب السنة). وعن أبي العباس أحمد بن محمد بن سهل بن عطاء أنه قال: (من ألزم نفسه آداب السنة عمر الله قلبه بنور المعرفة، ولا مقام أشرف من متابعة الحبيب في أوامره وأفعاله وأخلاقه، والتأدب بآدابه قولاً وفعلاً ونية وعقداً). وعن الجنيد قال: (الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا من اقتفى أثر الرسول ﷺ ، واتبع سنته، ولزم طريقته؛ فإن طريق الخيرات كلها مفتوحة عليه). فمتى ما حافظ المسلم على السنة محافظته على الطعام والشراب الذي به قوام البدن أو أشد غمرته الفوائد الدينية والدنيوية. والحقيقة: أن التشبيه الذي ذكره تشبيه مؤلم، فالإنسان منا إذا راجع نفسه وسأل نفسه: هل يحافظ على السنن -بمعناها الواسع- محافظته على الطعام والشراب؟ فللأسف الشديد قد يكون حال كثير من الناس أنه لا يمكن أن يفرط في الطعام والشراب، لكن يهون عليه أن يفرط في السنة، مع أن حاجة الإنسان إلى هدي النبي ﷺ أهم وأقوى من حاجته إلى الطعام والشراب. يقول الإمام ابن قدامة ﵀: (وفي اتباع السنة بركة موافقة الشرع، ورضا الرب ، ورفع الدرجات، وراحة القلب، ودعة البدن، وترغيم الشيطان، وسلوك الصراط المستقيم). وقال ابن حبان رحمه الله تعالى في مقدمة صحيحه: (وإن في لزوم سنته ﵊ تمام السلامة، وجماع الكرامة، لا تطفأ سرجها، ولا تدحض حجتها، من لزمها عُصم، ومن خالفها ندم؛ إذ هي الحصن الحصين والركن الركين الذي بان فضله، ومتن حبله، ومن تمسك به ساد، ومن رام خلافه باد، فالمتعلقون به أهل السعادة في الآجل، والمغبوطون بين الأنام في العاجل).

стр. 997

انتشار الفهم السيئ والتطبيق الخاطئ لمصطلحات الفقهاء في السنة والمستحب وقال الغزالي ﵀ في كلام له في هذا الصدد: (اعلم أن مفتاح السعادة في اتباع السنة، والاقتداء برسول الله ﷺ في جميع مصادره وموارده، وحركاته وسكناته، حتى في هيئة أكله وقيامه ونومه وكلامه، لست أقول ذلك في آدابه في العبادات فقط؛ لأنه لا وجه لإهمال السنن الواردة في غيرها، بل ذلك في جميع أمور العادات، فبه يتحقق الاتباع المطلق). يعني: حتى يتحقق الاتباع المطلق لابد من الاقتداء بكل ما ثبت من هدي النبي ﵌، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١]، فجاء الأمر بالاتباع اتباعاً مطلقاً. فما أكثر ما نُسيء استعمال ألفاظ العلماء والفقهاء! وموضوع التفريق بين السنة والمستحب والنوافل وهذه الاصطلاحات التي أنشئت متأخرة عن زمن الوحي وعن القرون الأولى، هذا من باب التصنيف والتسهيل على طالب العلم، لكننا اعتدنا الآن أن نرى أناساً يسيئون فهم هذا التصنيف، فهذا التصنيف ما قُصد به أن تأتي بما شئت من الفرائض حتماً ولزوماً، لكن أنت مخير في الإتيان بالسنة أو تركها، فمثل هذه المفاهيم مخالفة لهدي السلف الصالح، فعلى الإنسان ألا ينظر للسنة بأنها شيء يسهل ويهون على الإنسان أن يفرط فيه، ولا يشعر بمصيبة إن فاته. كما يحصل أيضاً في جانب طلب الترك غير اللازم كما في المكروه، فالناس أيضاً تعودوا أن يستعملوا اصطلاح (المكروه)؛ وأن المكروه شيء يمكن فعله، فتكلم أحدهم في السجائر فيقول: بعض العلماء قالوا: مكروه. يعني: مكروه كأنه لا حرج في أن يأتي بمكروه. فمثل هذا التقسيم ما أُريد به أن ينصبغ المسلمون بهذه الصبغة التي يشيع فيها التساهل والتفريط وهوان السنة على قلوبهم، وإنما هو لإعطاء الأمور مراتبها فقط، وما قُصد به هذا الفهم السيئ، يقول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]، فقوله: (ما آتاكم): هذه تفيد العموم، فلا يليق بعاقل بعد ذلك أن يتساهل في امتثال السنة، ولا شك أن غربة الإسلام في زماننا تُعتبر عنصر ضغط على المتبعين لسنة النبي ﵌، لكن الإنسان يصبر، فما هي إلا أيام قلائل ويُطوى هذا العمر، ثم يجني ثمرة صبره على هذه الغربة، ويكفي أن الرسول ﵊ قال: (طوبى للغرباء؛ أناس صالحون في أناس سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم). يقول الغزالي: (فهل بعد ذلك يليق بعاقل أن يتساهل في امتثال السنة، فيقول: هذا من قبيل العادات فلا معنى للاتباع فيه؟! فإن ذلك يغلق عنه باباً عظيماً من أبواب السعادة)، أي: أن هذا يحرم نفسه من باب عظيم جداً من أبواب السعادة وهو الاقتداء بالنبي ﵌ في جميع موارده ومصادره، وفي كل أحواله، وفي حركاته وسكناته. يقول القاضي عياض رحمه الله تعالى في (الشفاء): (وهذه سيرة السلف حتى في المباحات وشهوات النفس، وقد قال أنس حين رأى النبي ﵌ يتتبع الدباء من حوالي القصعة: فما زلت أحب الدباء من يومئذٍ). فانظر إلى شدة المحبة! واتباع السنة ثمرة طبيعية للمحبة، وكلما قرت المحبة في القلب حرص الإنسان على أن يقتدي بمحبوبه، وهذا نراه في أحوال الناس، حتى الذين يقتدون بلاعبي الكرة أو بالممثلين أو بالفنانين، حيث تجد أحدهم يغير شكله لشدة محبته لهذا الشخص بما يتوافق مع هيئته، ويهتم جداً بماذا يأكل وماذا يلبس، وأي الألوان يحب، وأي الطعام يحب، وما هو المشروب المفضل عنده! وكل هذه التفاهات في أمثال هؤلاء الناس، فأولى ثم أولى أن يتحرى المسلمون الاتباع المطلق للنبي ﵌. فهذا الحسن بن علي وعبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وهذا ابن جعفر أيضاً رضي الله تعالى عنهما أتوا سلمى، وسألوها أن تصنع لهم طعاماً مما كان يعجب رسول الله ﷺ ، فالطعام الذي طلبوه لا يريدونه طعاماً أي طعام، وإنما بشرط أن يكون مما كان يحب ويعجب به النبي ﵌. وكان ابن عمر يلبس النعال السبتية، ويصبغ بالصفرة؛ إذ رأى النبي ﷺ يفعل ذلك.

стр. 998

فوائد وثمار الإكثار من السنن والنوافل فلو أن كل فرد من أبناء هذه الأمة نشأ وبين عينيه سيرة رسول الله ﷺ يأخذ منها آدابه وأخلاقه وحركته وسكونه ما استطاع إلى ذلك سبيلاً لنشأ جيل إيمانه كالجبال، يقذف الرعب في قلوب أعدائنا على مسيرة شهر، وينهض بالأمة إلى أعلى ما تصبو إليه من السعادة والسيادة، كما قال تعالى: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٤٠].

стр. 999

من ثمرات النوافل والسنن محبة الله للعبد ونذكر من ثمرات الالتزام بسنة النبي ﵌: أنك إذا حافظت على السنة فإنك ترتقي إلى درجة المحبة، يعني: محبة الله لعبده المؤمن، فليس أنك تحب الله؛ لأن هذا حتم عليك بالعقل قبل الشرع؛ فإنه يجب أن تحب من أحسن إليك وأوجدك من العدم، وأفاض عليك نعمه ظاهرة وباطنة، فهل هذا شأن عظيم أن يحب العبد سيده الذي أنعم عليه، وأوجده من العدم، وأفاض عليه النعم؟! هذا أقل ما يجب، لكن الشأن: أن يحب الرب العبد، أي: أن الله يحب العبد، فما هو الباب المؤدي إلى هذا السبيل؟ وكيف يصل الإنسان إلى هذه المرتبة العظيمة؟ فتخيل أن الله يحبك، وتخيل أنك إذا فعلتك هذا الشيء -وهو المحافظة على السنن- يذكر اسمك في الملأ الأعلى؛ لأنه إذا أحبك الله (ينادي جبريل ﵇: (يا جبريل! إني أحب فلاناً فأحبه. فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في الملأ الأعلى -في الملائكة-: إن الله يحب فلاناً فأحبوه)، فانظر إلى الموالاة كيف يربط هذه المرتبة بين قلوب المؤمنين في الأرض وبين الملأ الأعلى من الملائكة في أعلى السماوات! قال: (ثم ينادي في الملائكة: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، ثم يُوضع له القبول في الأرض)،كل هذا نشأ عن ماذا؟ وبدأ بماذا؟ فإذا أحب الله عبده وضع له هذا القبول في السماوات قبل الأرض، فما أعظمها من منزلة! ولا يبعد عنها إلا دنيء الهمة سافلها. إذاً: هذه أول ثمرة من ثمرات الحرص الشديد على اتباع سنة النبي ﵌. يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: لما كثر المدعون للمحبة طولبوا بإقامة البينة على صحة الدعوى، فلو أعطى الناس بدعواهم لادعى الخلي حرقة الشجي، فتنوع المدعون في الشهود، فقيل: لا تُقبل هذه الدعوى إلا ببينة. وهذا عدل، فمن السهل أن الإنسان يدعي لنفسه أنه يحب الله ، أو أن الله يحبه، لكن لابد من بينة، كما يقول الشاعر: إن كنت تنوح يا حمام البان للبين فأين شواهد الأحزان أي: أين الدليل على أنك حزين؟ أجفانك للدموع أم أجفاني لا يقبل مدعٍ بلا برهان ويقول الآخر: إذا اشتبكت دموع في جفون تبين من بكى ممن تباكى فليست النائحة الثكلى كالمستأجرة، فقيل: لا تقبل الدعوى إلا ببينة، فأنزل الله هذه الآية يمتحن بها الصادق من الكاذب: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١]، فتأخر الخلق كلهم، وعند الامتحان يُكرم المرء أو يُهان. فحينما طالبهم الله بإقامة البينة نكص الخلق كلهم على أعقابهم، وارتدوا وفشلوا في أن يقيموا البينة، وثبت فقط أتباع الحبيب ﷺ في أفعاله وأقواله وأخلاقه ﵌، وهؤلاء فقط هم الذين صدقت لهم دعوى المحبة، وطُرد الباقون من قاعة المحبة، ووقف فقط الذين أتوا بالدليل وبالوثائق التي تثبت صدق المحبة، وأنهم فعلاً عندهم البينة، وهي: اتباع النبي ﷺ : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]. فالله لا يحب إلا من اتبع النبي ﵌.

стр. 1000

الإكثار من النوافل والسنن يجعل المرء من الأولياء روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله تعالى قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه)، هذا الحديث لا شك أنه نص واضح وصريح على أن المثابرة والمداومة والملازمة على الإتيان بسنن النبي ﵌ تكون سبباً من أسباب الحصول على محبة الله للعبد، فالله يتولى من يواليه، ويعادي من عادى هذا الولي، كما قال سبحانه: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب)، فهذا إعلان حرب على من يعادي أولياء الله . وقوله: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه)، هذا يبين أهمية الإتيان بالفرائض أولاً. ثم يقول ﵎: (وما يزال) وتأملوا كلمة (ما يزال) التي تفيد الثبات والاستمرار والمداومة، وقد عبر عنها في الحديث الآخر: (من ثابر على اثنتي عشرة ركعة) إلى آخره، فقوله: (من ثابر)، يعني: من واظب، فالعبرة بأن يواظب الإنسان ويستمر ولا ينقطع؛ لأننا أمرنا بالاستقامة. ولما سأل أبو عمرو سفيان بن عبد الله الثقفي ﵁ النبي ﵌ فقال: (حدثني في الإسلام بأمر لا أسأل عنه أحداً بعدك. فقال: قل آمنت بالله، ثم استقم)، يعني: سأل النبي ﵊ بحسن نظره وحصافته وذكائه أن يلخص له في كلمات وجيزة كل ما أجمله خلال ثلاث وعشرين سنة -وهي مدة البعثة الشريفة- فقال: قل لي في الإسلام قولاً يكفيني، بحيث لا يحوجني إلى أن أسأل عنه أحداً بعدك، فقال: (قل: آمنت بالله، ثم استقم). فقوله: (آمنت بالله) هذا يشمل الإيمان بكل شعبه: القلبية، والعملية، والاعتقادية وكل أمور الإيمان. وقوله: (ثم استقم) هذا شرط الثبات على التقوى، فكلمة (الاستقامة) مركبة من معنيين: تقوى، وثبات على التقوى. وأحياناً النصوص الشرعية يعبر عنها في لفظ واحد هو (الاستقامة)، وأحياناً تُفصل كما في قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، فلابد من تقوى وثبات على التقوى حتى الممات؛ لأن الأعمال بالخواتيم، والخواتيم مغيبة. فإذاً: لابد من التقوى والثبات على التقوى، فهذا هو الشأن؛ ولذلك يهتم الشرع الشريف بموضوع الثبات. وقوله: (وما يزال عبدي يتقرب إلي)، أي: أنه لم يكتف بأداء الفرائض كما أمره الله ، بل من شدة محبته لله هو حريص على أن يتقرب إلى الله، فلما فتح له باب النوافل واجتهد فيها وثابر وثبت عليها أحبه الله. والأصل في المسلم أنه يعبد الله حتى لو قدر له أن يعيش في الدنيا حياة خالدة لا تنتهي؛ لأنه لا يعرف متى يموت، فهو يصبر على طاعة الله إلى الأبد، وينوي الإيمان والثبات على الطاعة إلى الأبد، فمن ثمَّ جوزي بهذه النية بأن يبقى في الجنة خالداً فيها أبداً، فإذاً: التأبيد في الجنة إنما هو جزاء على نية التأبيد على الطاعة في الدنيا. وكذلك بالنسبة للكفار، فالكافر ينوي أن يجلس على الكفر ولو عاش إلى الأبد، فيؤخذ بهذه النية، ويعاقب بالخلود في نار جهنم -والعياذ بالله تعالى- خالداً مخلداً لا يموت فيها ولا يحيى. فإذاً: نية التأبيد والمثابرة أنت تثاب عليها بهذا الخلود في جنة الرضوان. وقوله: (فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به)، أي: يوفقه الله أنه لا يستعمل أذنه إلا فيما يرضي الله ، وهذا من تيسير الطاعات، وتبغيض الكفر والفسوق والعصيان إلى هذا العبد، فالله سبحانه يحبب إليك الإيمان ويزينه في قلبك، حتى لا تستعمل حواسك إلا فيما يرضيه، فمن أعظم أبواب التوفيق أن يوفقه الله إلى أن يستعمل حاسة السمع فيما يرضيه. وقوله: (وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذ بي لأعيذنه)، يعني: أنه يكون مجاب الدعوة، فلا شك أن النوافل في ضوء هذا الحديث من أعظم الأسباب الجالبة لمحبة الله للعبد ولثمرات هذه المحبة وبركاتها. وأيضاً جاء في حديث أبي هريرة ﵁ المتفق عليه: أن النبي ﷺ قال: (إذا أحب الله العبد نادى جبريل: إن الله يحب فلاناً فأحبه. فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض)، وهذا لفظ البخاري، ولا شك أن هذه أيضاً ثمرة عظيمة كان منبعها أن الله أحب هذا العبد، فجعل له هذا القبول.

стр. 1001

من ثمرات المحافظة على السنن والنوافل جبر نقص الفرائض وأيضاً من ثمرات النوافل والسنن: أنها تجبر كسر الفرائض: كما ذكرنا الحديث، وهو قول النبي ﷺ : (إن أول ما يحاسب الناس عليه يوم القيامة من أعمالهم الصلاة. قال: يقول ربنا جل وعز لملائكته وهو أعلم: انظروا في صلاة عبدي: أتمها أم نقصها، فإن كانت تامة كُتبت له تامة، وإن كان انتقص منها شيئاً قال: انظروا هل لعبدي من تطوع؛ فإن كان له تطوع قال: أتموا لعبدي فريضته من تطوعه، ثم تُؤخذ الأعمال على ذاكم)، يعني: سائر الأعمال، فينظر مثلاً الزكاة فيها صدقة فريضة وصدقة تطوع، فإذا كان هناك نقص في الفريضة يجبر من التطوع، وكذلك الحج، وكذلك العمرة على القول بوجوبها، وهكذا الصيام وغيره. ومما لا ينكره منكر أن الإتيان بالفرائض كما أراد الله متعذر على أكثر الناس؛ لأنه لا يكاد أن تخلو العبادة من نقص؛ كترك الخشوع، أو ترك الطمأنينة في الصلاة، ولا يكاد يخلو أحد من اللغو، أو الغيبة حال الصيام مثلاً والعياذ بالله، أو الجدال والفسوق في الحج إلى آخر ذلك مما يعتبره العبد من النقائص والتفريط بصفته البشرية، ولا شك أن هذه الأشياء تنقص ثواب فرضه ويؤاخذ بها، لكن الله فتح لنا باباً يجبر هذا الكسر، ويقوم هذا الخلل، ويتمم هذا النقص في الفرائض بالمحافظة على ما شرعه من السنن والنوافل. والمندوب إذا اعتبرته اعتباراً أعم من الاعتبار المتقدم وجدته خادماً للواجب؛ لأنه إما مقدمة له بين يديه، أو تكميل له، أو تذكار به إن كان من جنس الواجب.

стр. 1002

من ثمرات المحافظة على السنن مضاعفة الأجر ومن ثمرات التمسك بالسنة والمحافظة عليها: ما رواه المروزي في كتاب (السنة) عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن عتبة بن غزوان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن من ورائكم أيام الصبر، للمتمسك فيهن يومئذٍ بما أنتم عليه أجر خمسين. قالوا: يا نبي الله! منا أو منهم؟ قال: بل منكم)، وهذا أخرجه الترمذي وغيره. وأيضاً عن جاء أبي ثعلبة الخشني ﵁، أن النبي ﷺ قال: (فإن من ورائكم أياماً الصبر فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عملكم)، قال عبد الله بن المبارك: وزادني غير عتبة: (قيل: يا رسول الله! أجر خمسين منا أو منهم؟ قال: بل أجر خمسين منكم)، قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وصححه أيضاً الحاكم، ووافقه الذهبي. فالشاهد في هذا الحديث الشريف أولاً: أن الرسول ﵊ سمى أيام الفتن والإعراض عن الدين بأنها أيام الصبر، ونسبت إلى الصبر للمشقة التي يلقاها الإنسان في الاستقامة على طاعة الله ، فيحتاج إلى قدر أقوى من المجاهدة؛ لأن البيئة من حوله تثبطه وتخذله عن الثبات؛ فلذلك هاهو رسول الله ﷺ يبين لنا أنه يشاركنا الإحساس بهذه الغربة، ويشاركنا بهذه الآلام، ويبشرنا بأنها لن تضيع سدى؛ لأن الإنسان إذا وُجد في بيئة صالحة تعينه على البر وعلى الطاعة فهذا يسهل عليه الطاعة، فإذا انتقل إلى بيئة معاندة تصده عن طاعة الله وتحرضه على الانحراف، فإذا ثبت وقاوم فالله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، إنما يحتاج هنا إلى مجاهدة أقوى وأكثر، فبالتالي إذا ثبت على الطريق فإنه يثاب. قوله ﵊: (إن من ورائكم أيام الصبر، للمتمسك فيهن يومئذ بما أنتم عليه أجر خمسين)، فتأملوا كلمة (بما أنتم عليه)؛ لأنها تتضمن فضيلة لمنهج من يتبع السلف اتباعاً صحيحاً، كما قال ﵎ في الآية الأخرى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ﴾ [البقرة:١٣٧]، تأمل كلمة (مثل)! ففيها أيضاً إشارة إلى عصمة هذا المنهج الذي يقوم على الكتاب والسنة وإجماع الأمة، فلا هداية إلا بأن نكون على مثل ما كان عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وكما جاء في بعض الروايات أيضاً لما سئل عن الفرقة الناجية قال: (هي من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي). فإذاً: هذه المثلية ليست أمراً اختيارياً، بل هي أمر محتم علقت عليه الهداية، وعلقت عليه النجاة من النار. وقوله: (للمتمسك فيهن يومئذ بما أنتم عليه أجر خمسين منكم)، يعني: أن المسلم الذي يعيش في مثل هذه الأزمان -أزمان الغربة- ويعمل نفس الطاعة التي كان يعملها الصحابي يؤجر مثل خمسين صحابياً كانوا يفعلون نفس العبادة، فاستكثروا ذلك وقالوا له: (يا نبي الله! منا أو منهم -أي: هل تقصد منا أو منهم- قال: بل منكم)؛ لأنه روي في بعض الزيادات: (لأنكم تجدون على الخير أعواناً، ولا يجدون على الخير أعواناً)، فهذه وإن لم تصح فهي تفسير صحيح لظاهرة الغربة. فمن هو الغريب؟ الغريب: هو الذي يعيش في مكان ليس له أهل، أو له أهل قليلون، فهكذا المتمسك بالسنة، وقد قال: سفيان الثوري رحمه الله تعالى: (استوصوا بأهل السنة خيراً؛ فإنهم غرباء)، وشأن الغريب أن يرفق به، فهنا الغرباء متمسكون ومسئولون على التمسك بهدي النبي ﵊ رغم أنهم غرباء في هذا المحيط الهادر من الفتن. وقوله في الحديث الآخر: (فإن من ورائكم أياماً الصبر فيهن مثل القبض على الجمر)، أي: أن الصبر فيهن على الدين مثل القبض على الجمر، ليس فقط مجرد الاقتراب من الجمر أو إمساك الجمر، وإنما عبر عنه بكلمة (القبض)، يعني: التمسك مع الألم الذي يحس به نتيجة القبض على الجمر والتمسك بالسنة، لكن الجزاء: (للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عملكم).

стр. 1003

العمل بالسنن عصمة من الوقوع في البدع وأيضاً العمل بالسنة فيه عصمة من الوقوع في البدعة، يقول أبو محمد عبد الله بن منازل ﵀: لم يضيع أحد فريضة من الفرائض إلا ابتلاه الله بتضييع السنن، ولم يُبتل بتضييع السنن أحد إلا يوشك أن يُبتلى بالبدع. فهذا هو تدرج الشيطان بالإنسان؛ إذا ضيع فريضة لابد أن يُبتلى بتضييع السنة؛ لأنه إذا هانت عليه الفريضة فأولى أن تهون عليه السنة، فلم يضيع أحد فريضة من الفرائض إلا ابتلاه الله بتضييع السنن، ولم يُبتل بتضييع السن أحد إلا يوشك أن يُبتلى بالبدع؛ ولذلك قال بعض السلف: (الاعتصام بالسنة نجاة)، يعني: النجاة من كل ما يعيقك عن الله وبالذات البدع. ولذلك نجد البدع تفشو في المجتمعات التي لا ينتشر فيها نور السنة، فلم تر جاهراً بالسنة ولا داعياً إليها ولا حاثاً على امتثالها، ولذلك يقول ابن عباس ﵄: (ما يأتي على الناس من عام إلا أحدثوا فيه بدعة، وأماتوا فيه سنة؛ حتى تحيا البدع وتموت السنن).

стр. 1004

الحرص على إقامة السنن من تعظيم شعائر الله أيضاً: الحرص على إقامة السنن هو من تعظيم شعائر الله : وهذا داخل في قوله ﵎: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢]، وهذا مظهر خارجي يعكس وجود التقوى في القلوب، فتقوى القلب تنضح على الظاهر بالتمسك بسنة النبي ﵌، والشعائر جمع شعيرة، وهي كل ما أشعر الله بتعظيمه والترغيب فيه. وقوله: (ومن يعظم شعائر الله) يشمل ما هو أعم من المناسك والهدايا والقربان للبيت، فكل ما أشعر الله تعالى بتعظيمه وإجلاله والقيام به وتكميله على أكمل ما يقدر عليه العبد داخل في ذلك، فمثلاً: تعظيم الهدايا التي تهدى إلى البيت ينبغي مراعاة السنة فيها أن تكون ثمينة حسنة، كما قال ابن عباس ﵄ وغيره. ومثل هذه الأشياء لا يقوى عليها إلا من كان ذا قلب تسنم ذروة التقوى، فلذلك تجود نفسه بأن يخرج لله من ماله طيبة بذلك نفسه أحسن ما يقدر عليه؛ لأن هذا يوجهه إلى الله . ومن أعظم شعائر الله : السنن التي سنها رسول الله ﵌، فالمحافظة عليها والوصية بها من إجلال هذه الشعائر وتعظيمها المنبعث من تقوى القلوب.

стр. 1005

أجر من اُقتدي به في العمل بالسنة أيضاً من فضائل التمسك بالسنة: أن الإنسان إذا عمل بالسنة ثم اُقتدي به في العمل بهذه السنة فإنه يؤجر مثل أجر كل من اتبعه لا ينقص ذلك من أجرهم شيئاً: والدليل حديث جرير بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: (كنا عند رسول الله ﷺ في صدر النهار، فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار أو العباء، متقلدي السيوف، عامتهم من مضر؛ بل كلهم من مضر، فتمعر -تغير- وجه رسول الله ﷺ لما رأى بهم من الفاقة -أي: لما رأى من آثار الفقر الشديد عليهم- فدخل ثم خرج -يبدو أنه دخل يبحث عن شيء في بيوته فما وجد- فأمر بلالاً فأذن وأقام، فصلى ثم خطب فقال ﵊: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء:١] إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، والآية التي في الحشر: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحشر:١٨]، ثم قال ﵊: تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره، حتى قال: ولو بشق تمرة -يعني: ليتصدق ولو بشق تمرة- قال: فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها بل قد عجزت،)، ووضعها أمام النبي ﵊، فالصحابة لما رأوا هذا الرجل الأنصاري يفعل ذلك اقتدوا به فيما فعل، فيقول: (ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله ﷺ يتهلل كأنه مذهبة -يعني: كأنه فضة- حينئذٍ قال رسول الله ﷺ : من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء) إلى آخر الحديث. قوله: (ولو بشق تمرة) فيه حث على الابتداء بالخيرات، فالإنسان يحرص دائماً على أن يبتدئ بالخيرات، فإما أن يفعل هو خيرات ابتداءً فيقتدي به الناس، أو يحرضهم؛ لأن: (الدال على الخير كفاعله). وقوله: (من سن) يعني: من أحيا. وليس المقصود: من اخترع أو ابتدع؛ لأنه يتصادم مع عموم قوله: (كل بدعة ضلالة)، فلا يمكن أبداً أن يقبل ما يقوله أهل البدع حين يخترعون في الدين، ثم يقولون: (من سن)، فهل الصدقة اختراع؟ وهل هذا الصحابي الأنصاري الذي تصدق اخترع الصدقة أم أنه أحيا سنة الصدقة فاقتدى الناس به في ذلك؟ فإذاً قوله: (من سن) لا يمكن أن يكون معناه: من أحدث في الدين ما ليس منه، بل هذا بدعة وضلالة كما نعلم. وسبب ورود هذا الحديث هو ما جاء في أوله (فجاء رجل أنصاري كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت، فتتابع الناس) إلخ. فإذاً: كان لهذا الرجل فضل فتح هذا الباب من الإحسان، وهذا طبعاً يفيد التحريض على أن المسلم حيث ما كان ينبغي أن يحرض الناس على اتباع سنة النبي ﵌.

стр. 1006

اتباع السنة أمان من الفرقة أيضاً من فضائل اتباع السنة: أن في التزامها أمناً من الافتراق: لأن الاجتماع على عمل بالسنة يسد باب الاختلافات والافتراقات التي تؤدي إلى العداوات والبغضاء، كما في الحديث: (فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً؛ فعليكم بسنتي). إذاً: لا يصلح أبداً أي علاج للفرقة إلا إذا كان على وفق سنة النبي ﵌؛ لذلك كلما كان المجتمع أكثر تمسكاً بالسنة انقطعت فيه البدع وأهلها، يقول شيخ الإسلام: والبدعة مقرونة بالفرقة، كما أن السنة مقرونة بالجماعة، فيقال: أهل السنة والجماعة، في مقابلة: أهل البدع والافتراق، وقد قال تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران:١٠٥]، قال قتادة في تفسيرها: يعني أهل البدع. وقال عبد الرحمن بن مهدي: سئل مالك بن أنس عن السنة؟ فقال: (هي ما لا اسم له غير السنة، وتلا: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣])، ولذلك أهل السنة لا ينسبون إلى أحد خلاف رسول الله ﷺ . والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.

стр. 1007

رفقاً أيها المربي يعتبر المربي هو حجر الزاوية والمحرك الأساسي في عملية التربية؛ لذا لابد أن يخص بنصائح خاصة مميزة تعطيه ملكة في التعامل مع من يربيهم، ويدرك بها خطورة المهمة الملقاة على عاتقه، والتي سيسأل عنها يوم القيامة. ومما ينصح به المربي: أن العقاب البدني الشديد يجب أن يتجنبه، وإن استخدم فهو للتربية والتوجيه لا للتشفي وإخراج ما في النفس من حنق على المتربي، فالعقاب البدني الأهوج والكلمات المهينة لها أثر نفسي قد لا يزول مدى العمر.

стр. 1008

التربية الإسلامية وأهميتها للأمة إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعد: فإن التربية الإسلامية ربانية المصدر، عالمية الشمول، ثابتة الأصول، مرنة التطبيق، تشمل ميادين الحياة الدنيا وكذلك الحياة الآخرة في توازن واعتدال، فهي تُعد الإنسان لعبادة الله ﵎ حق عبادته، وعمارة الأرض وخلافتها، وفق منهج رضيه الله لعباده، واختاره لهم، تلك التربية التي تؤصل العقيدة في النفوس، وترسخ الإيمان في القلوب، وتحبب شرع الله إلى عباد الله. إلا أن الأمة الإسلامية لما بدأت تتطفل على غير المصادر الإسلامية، أو تطلب الخير من غير ما أنزل الله ، وابتعدت عما أوحاه الله إلى نبيه ﵌؛ انهمكت في تقليد ومحاكاة الأمم الكافرة، فبقدر ما عبت ونهلت من هذه المنابع الأجنبية بقدر ما حصل من الخلل في التربية الإسلامية، والفكر التربوي الإسلامي. وهذا الأمر انعكس بلا شك في العمليات التربوية، ونرى آثاره واضحة في بعض المؤسسات التربوية في العلاقة بين المعلمين والمتعلمين، حيث نرى عدم التوافق وعدم الانسجام، نرى عدم الاحترام، نرى أن الصغير لا يحترم الكبير، وأن الكبير لا يرفق ولا يرحم الصغير، فصارت التربية في مجتمعنا -خاصة في هذا الزمان- تسير باتجاه مخالف لذلك الاتجاه الذي كان عليه سلف الأمة الصالحون، فالتربية صارت عديمة الجذور، تنزوي بسرعة، وتجتاحها أخف الرياح وأقل الأمطار، مثل البناء المقام على أرضية رخوة ينهار لأدنى عامل مضاد؛ وذلك لأن المناهج التربوية الغربية في قسم كبير منها غير موصولة بخالق هذا الإنسان الذي قال عنه: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]، فالله هو الذي خلق هذا الإنسان، وهو الذي يعلم ما يصلحه وما يفسده كي يجتنبه، فإذا طالعنا الصحف كم نرى من الأخبار المؤذية والسيئة التي تعكس انهيار الجانب التربوي في المجتمع حوادث مؤسفة يصل فيها الأمر إلى اعتداء الابن على أبويه، أو قتل الأب لابنه، أو مدرس يضربه التلاميذ إلخ، ونحو ذلك من الحوادث الأليمة المؤسفة، وما ذاك إلا لبعدنا عن هدي منهجه ﷺ الذي هو خير الهدي، وبسبب بعدنا عن الاستفادة منه في معالجة تجاوزات الطلاب.

стр. 1009

مبدأ الرفق في التربية وأثره مبدأ الثواب والعقاب مبدأ أساسي جداً، ومبدأ في غاية الأهمية، ولا يمكن أن تتم أي تربية بغير الثواب والعقاب، أو بغير الترغيب والترهيب، لكن بعض الناس يسيء فهم بعض النصوص، خاصة مثل قول النبي ﵊: (واضربوهم عليها لعشر سنين)، فيتصرف في تطبيق هذا الحديث، فنجد الضرب منذ الثلاث سنوات والأربع، وعلى أمور في غاية البساطة، إن أهم أمر في الدين بعد التوحيد هو الصلاة، فإذا كان لا يضرب على الصلاة حتى سن العاشرة، فما بالك بما دون الصلاة؟! وما بالك بدون ذلك السن بكثير؟! فنجد الضرب أول وسيلة، ولا يشعر الأب أو المربي بالتقصير لأنه يستند إلى فهمه المنحرف لحديث النبي ﵌! الرفق في العملية التربوية مفيد جداً لكثير من الناس، سواء في المساجد أو المنازل أو المدارس؛ ولذلك فإن المربي لا يمكن أن يندم أبداً إذا ترك الرفق بخلاف ما إذا سلك طرقاً أخرى، فكثيراً ما يندم بسبب عواقبها السيئة. إننا نشبه موضوع الرفق مع المربي بحزام الأمان في السيارة، فسائق السيارة يحزم به نفسه حتى إذا ما اصطدمت السيارة فجأة بشيء أو وقع حادث مفاجئ، فإنه لا يخرج منها بدافع القصور الذاتي، وإذا وقفت السيارة بسبب صدمة شديدة فالمفروض أن الجزء الأعلى من السائق ينصدم في الزجاج، كما يحدث في الحوادث المعروفة، فأخذ هذا الإجراء الوقائي مطلوب، حتى إذا ما حصل حادث مفاجئ فإن الحزام من طبيعته أنه يحجز الإنسان عن الاندفاع للأمام، وتجد أن هذا الحزام إذا سحبته برفق فإنه يسير معك، أما إذا سحبته بشدة فإنه يعاند ويشاكس ولا يتحرك، وهكذا إذا أردت ثمرة جيدة للتربية فلا تعدل عن الرفق أبداً، ولا تستبدل به أي وسيلة أخرى. الرفق هو البداية وهو الأصل، فلذلك تجد الطفل -في الغالب- تكسبه إذا رفقت به، أما الشدة فإنها تستخرج منه العناد استخراجاً، وتوجد كثيراً من الآثار السلبية فيما بعد.

стр. 1010

الآثار السلبية للعقاب البدني في التربية إن القفز من التدرج المعروف في العلمية التربوية أو التوجيهية إلى عملية المعاقبة والضرب أو العنف هو اعتراف بالفشل، ولذلك نجد الكاتب سلمان العمري له مقالة في المجلة العربية عنوانها: العقاب البدني، هل هو أبغض الحلال إلى المربين؟ عنوان يحمل معان جميلة جداً في الحقيقة، فالطلاق حلال، ويباح في كثير من الأحوال، لكن هل معنى ذلك أن أي مشكلة يواجهها الزوج مع زوجته يفزع إلى الطلاق؟! الطلاق حلال، لكن هل يفزع إليه كأول حل؟ لا، آخر العلاج الكي والبتر، لكن لا بد أن يواجه الإنسان المشاكل بطريقة متدرجة، حتى الضرب الذي ورد في القرآن له عملية تدرج وشروط وضوابط إلى آخره. فما بال بعض الناس يقصدون مباشرة إلى العنف والشدة مع ما لذلك من آثار جسيمة وخطيرة تنعكس على الأسرة والأبناء؟! يقول أحد الباحثين: إن لجوء الوالد أو المدرس إلى العقاب يعتبر اعترافاً بالهزيمة، لماذا يلجأ إليها فوراً من أول خطوة؟ لأنه في الحقيقة ينسى أن العقاب هو عملية تربوية، فيحول العملية التربوية إلى عملية انتقام وتشفي، وإهدار للقاعدة التي دائماً نكررها: (طفلك ليس أنت). معظم الأخطاء التربوية التي تحصل، وكثرة النقد والعنف والشدة التي تنشأ، هي بسبب أنه يجعل عقله مثل عقل الطفل سواء بسواء، ويوازي خبرته بخبرة الطفل، وفهمه بفهمه، وكأنهما أمام ند، لو أنه تفكر قليلاً سيجد أنه ليس نداً! هذا المسكين هو طفل صغير وليس شخصاً كبيراً، حتى لا يوجد هناك تكافؤ عضلي أو جسدي، فهل من المروءة والقوة أن تضرب طفلاً أو تلميذاً بهذا العنف لأنك أكبر منه؟! ولذلك تجد الطالب المراهق إذا عومل بهذه المعاملة، وعنده عضلات وهو قوي، ربما يضرب المدرس؛ لأنه يجد لديه إحساساً بالكفاءة، وأن له القدرة على ضربه، أما الطفل المسكين فماذا يعمل؟ وكيف يدافع عن نفسه؟ وهكذا رجل يضرب امرأة، فهل هذه مروءة؟! عندما يضرب إنسان امرأة بغاية العنف وغاية القسوة، كأنه يصارع ملاكماً؛ هذه دناءة وخفة عقل وقلة مروءة، لماذا تستعرض عضلاتك على امرأة؟! هل هذا هو الضرب الذي ورد ذكره في القرآن؟! هذه قضية ناقشناها من قبل بالتفصيل، وإذا كانت هناك فرصة ناقشناها أيضاً، وهذه قضية مهمة، وينبغي أن نفهم هذا الموضوع بطريقة صحيحة، لكن لا يمكن أن الشرع يبيح أن تضرب المرأة ضرب غرائب الإبل، أو ضرب العبيد، بهذه الطريقة التي يتصورها بعض الناس. فالشاهد أن العقاب عند بعضهم يتحول من عملية تربوية إلى عملية تشفي، صدره يغلي من خطأ ارتكبه هذا الطفل، أو هذا الصبي، فيفزع إلى الضرب وهو في غاية العصبية لأجل الضرب وليس التربية، هدفه أن يشفي غليله، ويطفئ نار الثورة في قلبه، فيظل يضرب إلى أن تهدأ ناره، ويهدأ هو؛ فيطلق هذه الشحنة في جسد هذا الصبي بالضرب والتعذيب الذي يحصل! وبالتالي يمكن أن يكسر له عظماً، أو يسبب له العمى كبعض الحوادث، أو يكسر له بعض أطرافه كيداه كما حصل في حوادث كثيرة جداً نتيجة إيذاء الأطفال، وبسبب أن الهدف ليس الهدف التربوي، هو لا يضرب لمصلحة الطفل، ولكنه يضرب لكي يشفي غليله. الشرع الشريف يمنع المربي أن يعاقب بالضرب وهو غضبان، وهذا أهم شرط: أنه لا بد أن يكون المربي في غاية الاتزان والرزانة والهدوء بحيث يوقن أن الطفل سوف ينتفع بالعقاب، وأن الهدف هو معالجته ومداواته، وتحسين خلقه أو أدائه، ليس الهدف الانتقام، هناك فرق كبير، فلا نحتج بالنصوص الشرعية ونحن منحرفون عن الشرع في تطبيق هذا الأمر؛ لذلك كان عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى إذا أراد أن يعاقب رجلاً حبسه وتوقف ثلاثة أيام، إلى أن تهدأ أعصابه ثم يصدر الحكم عليه وهو خال من الغضب والثورة، وحتى يضمن أن عنصر التشفي وشفاء الغليل غير موجود عند إصداره هذا الحكم. فلماذا نفزع إلى اختصار الطريق بالضرب؟ لأننا نفشل في الأساليب الحقيقية في مواجهة المشاكل، ولا نسلك المسالك التربوية الصحيحة؛ لذلك يقول بعض الباحثين في بحث بعنوان: (الحب أولى من العقاب): إنك تستطيع أن تعالج اعوجاج الطفل بالمحبة والعطف والحنان، ويأتيك بثمار أعظم بكثير جداً مما تتوقعه من العقاب الذي ربما يأتي بأضرار كثيرة يقول: إن لجوء الوالد أو المدرس إلى العقاب يعتبر اعترافاً بالهزيمة، مؤداه: أنه لم يتمكن من تحقيق أغراضه باستعماله أي وسيلة أخرى، أي: أنه عجز عن توجيهه وجهة حسنة، أو معاونته على تنفيذ ما يتوقع منه بأي طريقة أخرى. لذلك فإن استخدام العقاب ما هو إلا مبرر للفشل، وعدم وجود ما يقوم مقامه لدى المربي معناه: أن جعبة هذا المربي خاوية، وليس عنده علم، ولا خبرة، ولا حكمة، لا بشرع، ولا بآداب شرعية، ولا حتى بآداب تربوية يتفق عليها العقلاء أجمعون؛ ولذلك لجأ إلى آخر وسيلة وهي العنف والشدة؛ لأنه عاجز عن أن يستخدم الوسائل التربوية الأصلية.

стр. 1011

الآثار النفسية للعقاب البدني يوضح بعض المربين أن استخدام العقاب له آثار خطيرة في نفسية الطالب فيقول: ولا يمكن أن يؤدي معه هذا العقاب إلى نتيجة ما. هذه هي طريقة العقاب التي يسلكها بعض المربين أو المدرسين، وكان فيما مضى -للأسف الشديد- يستعملها محفظو القرآن الكريم، ونسمع عن بعض المشايخ أنه كان يضرب بعنف، وبعض المشايخ الكبار عندما يقصون علينا مثل هذه الذكريات يقول: ربنا لطف، وكانت سليمة! ثم يأتي الأب ويقول: نحن تربينا بالطريقة هذه، وكنا على خير خلق. هذا خطأ كبير، لطف الله أن نجى ابنك من عواقب هذا الأمر، أو أنك نجوت منه، وليس معنى أنك تعرضت لنفس الأسلوب من آبائك أنه أسلوب صحيح. وهذه من أخطر المزالق في الناحية التربوية: أن الإنسان دائماً يقدس ما كان عليه الأبوان، بما أن أبي رباني بهذه الطريقة لا بد أن تكون هذه هي أفضل طريقة على الإطلاق؛ فيكررها مع أبنائه! فالشاهد أن الكثير من المشايخ في تحفيظ القرآن كان يضرب ضرباً شديداً، ويحكي بعضهم كيف ضربه الشيخ حتى سال الدم على وجهه وثيابه؛ لأن الشيخ ضربه بعصا غليظة على رأسه، ويفخر بوسام شرف موجود في رأسه من أثر هذا الضرب! وهناك أناس من ضحايا هذا الأسلوب التربوي الذين اتجهوا بعد ذلك الاتجاه العلماني، وكتبوا عن هذه الذكريات الأليمة، وأنها كانت السبب في انحرافهم، مثل: طه حسين، حتى سيد قطب ﵀ كان في (كُتّاب) في القرية، وحكى عن نفسه بنفس طريقة طه حسين، وذلك قبل أن يتجه الاتجاه إسلامي، فكان يحكي الذكريات، وما كان يفعله الشيخ، ويتندر من تصرفات بعض المحفظين فيما مضى. وأنا أركز على هذه الوقفة لأني أسمع أن بعض المحفظين ما زال يستعمل نفس الأساليب مع بعض الأطفال، وأطفال اليوم في حاجة إلى معاملة دقيقة جداً؛ لأنهم يختلفون اختلافاً شديداً عن الأجيال الماضية. يقول بعض الباحثين: ولا يمكن أن يؤدي معه هذا العقاب إلى نتيجة ما؛ سوى أن يجعله يحقد على المدرسة، ويتمرد على أهله في سبيل الحضور إليها، ويكره الذهاب إلى المدرسة، وهذه نراها بالذات في الأطفال الصغار في سن الحضانة أو بعدها بقليل، لا يريد أن يذهب إلى المدرسة، ويعاند، وفي كل يوم يصنع مشكلة كبيرة من أجل ألا يذهب إليها؛ وعندما تبحث في الأسباب تجد أن مدرساً يسيء معاملته أو يضربه أو يهينه إلى آخره؛ فيكره الذهاب إلى المدرسة، وهذا بلا شك مما يحطم مستقبله، ويؤدي به في النهاية إلى حياة التشرد، فهذا خلل في التربية، ويسبب أن الأم تحرم من أعز ما تملك من طاقتها؛ لأن عزتها مرهونة بتربية أبنائها التربية السليمة. فركنا العملية التعليمة هما: المربي والمربى، المدرس والتلميذ، الأب والابن، أو الأم والابن، فإذا ساءت العلاقة بين الركنين الأساسيين في العملية التربوية فإن هذا بلا شك سوف يحدث لها الفتور والتوتر والتمزق؛ فبالتالي تنتهي العملية التربوية. الآن الطلبة في المدارس الثانوية -لما زال الاحترام بين المدرس والطالب- نسمع عنهم أشياء تشيب لها الرءوس، ويشيب لها الشعر مما يفعله الطلبة مع المدرسين، وأحياناً يكون المدرس هو المسئول؛ لأنه لم يجعله يحترمه، نتيجة عدد من التصرفات المعروفة، في الأجيال الماضية التلميذ كان إذا رأى المدرس في الشارع يجري حتى لا يجتمع معه في الشارع، أو يهرب أو يدخل في بيت إلى أن يمر المدرس. الآن الله المستعان! نسمع أشياء لا تكاد تصدق أنه وصل التدهور في العلاقة بين هذين الركنين الأساسين في العملية التربوية إلى هذا المستوى. فمن أسوأ آثار العنف: الهروب من المدرسة أو التغيب عنها، ومن الممكن أن تكون هناك صدمات نفسية للأطفال تسبب لهم عقداً في حياتهم، أو بسبب حدوث مصادمات مع المدرسين. أيضاً: إذلال الطفل وإحساسه بالذل والهوان والحقارة، وتعريض شخصيته لكثير من الانحراف الخطير، والاضطراب الأليم، فالعقوبة البدنية بالصورة التي تحصل لا تجدي شيئاً، وتضر بالطالب، وتكون النتيجة بغض الطالب لمعلمه، ولو بغير إرادته وشعوره. يمكن ألا يعبر صراحة عن هذا البغض، إلا أنه يظهره في صورة مقاومة التعليم وكراهية المدرسة، وبالتالي تنهدم علاقة الثقة والمحبة التي ينبغي أن تكون بين المعلم وبين طلابه، فالعقاب يؤدي إلى أن الطالب يشعر بفقدان الأمن. أعرف بعض المدرسين كان مميزاً جداً، كان يأتي إلى الطالب وهو يبتسم، وبمنتهى الهدوء، وفجأة يصفعه صفعة شديدة على وجهه إلى أن يسقط على الأرض من هذه الصفعة! ويصبح حينها كل طالب متوتر يرى أنه سيفاجئ بنفس العمل في المرة القادمة، لأن هذا السلوك فيه من العدوان ما يذهب الشعور بالأمان، فيتكون عند من حضر عدم الأمن وكراهية الآخرين، وينمو فيه شعور بالمقاومة والكذب والمخاوف إلى غير ذلك من العادات الذميمة. فالجو المشحون دائماً بالانفعال والتوتر له أسوأ الأثر على الشخصية في سنوات الطفولة والمراهقة؛ لأن هذه المرحلة في غاية الحساسية. المرحلة التي يوضع فيها أساس الشخصية من سن الطفولة الباكرة إلى سن الثامنة عشرة تقريباً، وبعدها يصعب جداً أي تعديل إلا إذا شاء الله، لكن هذه هي فترة التكوين، بعض الناس يقول: إن في الخمس السنوات الأولى تكون النسبة العظمى من تكوين الشخصية ووضع أساسها والباقي يكون إلى هذا السن الذي أشرنا إليه، فإذا حصل خلل في هذه الفترة فسيؤدي إلى الاضطراب النفسي والانفعالي والاجتماعي، وممكن أن يؤدي إلى معاناة وليست معاناة على المستوى الفردي بل ممكن أن يكون هذا الشخص عدواً للمجتمع بعد ذلك، أو مضاداً للمجتمع، ويبدأ يؤذي الآخرين بارتكاب الجرائم مثلاً.

стр. 1012

علاقة التربية بالعبادة من أجمل الأشياء في التربية الإسلامية: أن هذه الأمور تدخل في حيز العبادة، أي: أن المنهج التربوي الإسلامي عبادة، وليس مجرد منهج فكري نظري أو منحنى من المناحي، بل هي عبادة، والإنسان مطالب بأدائها على أكمل وجه كما سنبين ذلك من القرآن الكريم، ومن سنة النبي ﵌. يقول ابن خلدون رحمه الله تعالى في مقدمته: فصل في أن الشدة على المتعلمين مضرة بهم، وذلك أن إرهاق الجسد في التعليم مضر بالتعليم، سيما في أصاغر الولد؛ لأنه من سوء الملكة، ومن كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين سطا به القهر، وضيق عن النفس في انبساطها وذهب بنشاطها، ودعاه إلى الكسل، وحمل على الكذب والخبث، وهو التظاهر بغير ما في ضميره، خوفاً من انبساط الأيدي بالقهر عليه، وعلمه المكر والخديعة لذلك، وصارت له هذه عادة وخلقاً، وفسدت معاني الإنسانية التي له. هذه الخبرة التربوية الموجودة في كتابات المؤلفين من المسلمين، تعكس تؤثرهم بالقرآن الكريم وبالسنة النبوية، وخبرتهم ودرايتهم بالأساليب التربوية الملائمة في التعامل مع المتعلمين. وهذا أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى يقول في وظائف المعلم: أن يزجر المتعلم عن سوء الأخلاق بطريق التعريض ما أمكن، ولا يصرح، وبطريق الرحمة لا بطريق التوبيخ. وهذا مأخوذ من السنة النبوية الشريفة، فإن النبي ﵊ ما كان يواجه أحداً في وجهه بالنقد المباشر، إنما كان يقول: (ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا؟!)، دون أن يحرج الذي فعل هذا الشيء، فهذه من الأساليب التربوية الرائعة، وهي التعريض؛ لأن التوبيخ المباشر يهتك حجاب الهيبة، ولن تبقى هناك هيبة بين المربي وبين الطالب أو الابن، ومتى هتك حجاب الهيبة فسيكون الأثر في المرة الأولى فقط، وبعد ذلك يصبح الولد مثلاً يدخن، وانتهى الموضوع بمرور الصدمة الأولى، ثم يتطور الأمر، ويصبح التدخين أمام أبيه أو نحو ذلك من هذه السلوكيات أمراً عادياً، فدائماً ما أمكن الوصول إليه عن طريق التعريض وعدم التصريح والمواجهة المباشرة كلما كان أفضل وأعون للابن على عدم العناد، وبالذات المراهق؛ لأن المراهق لابد من الحساسية الشديدة في التعامل معه، وأقرب طريق هو الإقناع والحوار، مع الحب والحزم والعطف، فالإقناع والحوار ضروري، ولا تلغي شخصيته، ولا تعامله دائماً على أنه هو الطفل الذي كان بالأمس، لا، هو الآن في مرحلة يريد أن يحقق ذاته، ويعترف له بالرجولة، ولو كانت فتاة فيعترف بأنها صارت ناضجة ولم تعد طفلة، فبالتالي لابد أن تتغير المعاملة، وتواكب المعاملة التغيرات التي تحصل فيه؛ لأنه سينمو غصباً عنك، وسيظل ينمو نفسياً واجتماعياً وعقلياً شئت أم أبيت، فبالتالي لابد أن تتغير المعاملة حتى لا تحصل عواقب غير حميدة. إذاً: الغزالي يرى أن من وظائف ودقائق صناعة التعليم أن يزجر المتعلم عن سوء الأخلاق بطريق التعريض ما أمكن، ولا يصرح، وبطريق الرحمة لا بطريق التوبيخ؛ لأن التوبيخ المستمر والنقد اللاذع الذي لا يتوقف على كل سلوك وكل تصرف يرشح الصغير بعد ذلك بكثير من الأمراض النفسية الخطيرة، والتي تنشأ غالباً بسبب عائلة نقادة، كل تصرف منه ينتقد ويعلق عليه، ويوبخ، ويحقر، فيكون الحصاد: أن تدفع كل الأسرة الثمن، وتحصل أمراض ليست بالهينة.

стр. 1013

تربية الأنبياء لأقوامهم إن النبي ﷺ ترك هذه الأمة على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، ما ترك خيراً إلا دلنا عليه، ولا شراً إلا وحذرنا منه ﵌، ولنا في رسول الله ﷺ أسوة حسنة في كل شيء من الأمور، سيما هذه القضية التي نتناولها، وهي قضية الرفق بمن يربيه الإنسان، وليس هذا فحسب، بل هذا طريق سلكه من قبل النبي ﷺ إخوانه الأنبياء والمرسلون، فهذا نوح عليه وعلى نبينا ﵊ يقول لقومه: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [الأعراف:٥٩] انظر بماذا بدأ؟ (يَا قَوْمِ)، أصلها: يا قومي، فهو ينتمي إليهم، ويبين لهم أنه منهم، وأنه حريص عليهم ومشفق بهم، ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف:٥٩] انظر الشفقة! إني أخاف عليكم، وأنت لا تخاف إلا على من تحبه وترجو له الخير، وهذا من رفق نوح ﵇ في الدعوة؛ حيث خاف عليهم من العذاب الأليم، والشقاء السرمدي. وكذلك أيضاً نلاحظ موسى وهارون عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام كيف واجها أعتى وأشد جبابرة الأرض، وهو فرعون الذي طغى وتجبر حتى وصل به الأمر إلى ادعاء الألوهية، يقول تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [القصص:٣٨]، وهذه الآية يستدل بها على مسألة من مسائل العقيدة وهي: أن الله فوق خلقه، عالٍ عليهم؛ لأن موسى ﵇ لابد أنه أخبر فرعون أن الله في السماء، فرد على ذلك بقوله لوزيره: (فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحًا) ابن لي بناء عالياً جداً (لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى) وأنظر، هل موسى صادق أن هناك إلهاً في السماء (لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ). الشاهد: مع عظم الجرم الذي ارتكبه فرعون، وما واجه به موسى وهارون ﵉، ومع ذلك فإن الله أمر موسى وهارون إذا أتيا فرعون أن يخاطباه باللين وأن يترفقا به. إذاً: الشدة والغلظة سلوك مناف للسلوك الإسلامي القويم، وبعض الناس يظن أن هذا من الحماس للدين، ومن النصرة لله ورسوله، لا، أنت لا تتنازل عن الحق، لكن عامل هذا الإنسان بشفقة وبرحمة كي ينجو من عذاب الله ﵎، كالطبيب الذي يعالج الناس بالدواء، والدواء قد يكون في غاية المرارة، لكن يخلط بأشياء حلوة المذاق حتى يستسيغ المريض الدواء وينفعه، ونفس الشيء التلطف في العبارة، مع عدم التنازل عن الحق، يقول الله : ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٣ - ٤٤] هل هناك دليل أعظم من هذا في أهمية الرفق؟! فرعون الذي قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨] وقال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] والذي فعل ما فعل؛ يرسل الله إليه نبيين كريمين ويقول لهما: (فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى). يقول القرطبي رحمه الله تعالى: فإذا كان موسى ﵇ أمر بأن يقول لفرعون قولاً ليناً فمن دونه أحرى بأن يقتدي بذلك في خطابه وأمره بالمعروف. يوسف عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام حصل له الكيد والأذى من أعز الناس وأقربهم إليه، من إخوته، إلى أن وضعوه في البئر، ثم بيع بعد ذلك، وهذا البيع اقترن به نفي إلى مصر، وابتعد عن أبيه، ولحق أباه الحزن الشديد حتى كف بصره ﵇، وسجن يوسف ﵇ بضع سنين، وحصل له الأذى، وكان المتسبب في ذلك إخوته، مع ذلك ضرب أسمى الأمثلة في الإحسان وحسن الخلق، وكمال العفو والصفح، حيث قال لإخوته: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ [يوسف:٩٢] لا لوم ولا عتاب، ولا توبيخ، ﴿قَالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:٩٢] أي: قال لهم يوسف كرماً وجوداً: (لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ)، أي: لا أثرب عليكم ولا ألومكم؛ يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، فسمح لهم سماحاً تاماً من غير تعيير لهم على ذكر الذنب السابق، ودعا لهم بالمغفرة والرحمة، وهذا في نهاية الإحسان الذي لا يتأتى إلا من خواص الخلق وخيار المصطفين. وجميع الأنبياء إذا استعرضنا سيرهم سوف نجد أن جانب الرفق واللين والرحمة استعملوه بكثرة مع قومهم، وهذا سيد الأولين والآخرين ﷺ يضرب أروع الأمثلة في تربية أصحابه رضي الله تعالى عنهم، يقول الله سبحانه تعالى في وصف رسوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]، وقال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] (فَبِمَا رَحْمَةٍ) أي: رحمة عظيمة لهم كائنة من الله، (لِنْتَ لَهُمْ) أي: كنت معهم لين الجانب، وعاملتهم بالرفق والتلطف، حيث لنت لهم بعدما حصل من مخالفة أمرك، وإسلامك للعدو، وكان هذا في غزوة أحد (وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ). وقال تعالى في بيان صفات النبي ﷺ : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]، وقال تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٣]، وقال ﵌ ل عائشة رضي الله تعالى عنها: (إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه)، وقال ﷺ : (من أعطي الرفق فقد أعطي حظه من الخير، ومن حرم الرفق فقد حرم حظه من الخير)؛ فانظر كيف ربط الحصول على الخير بمبدأ الرفق؛ لأن من أراد الخير فلن يحصل عليه إلا بالرفق، فهذا من مكارم الأخلاق ومن معالي الأمور. ولذلك بلغ تعظيم أمر الرفق إلى أن قال النبي ﷺ : (اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم؛ فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم؛ فارفق به) أي شخص يلي أمر أحد من الأمة سواء كان مدير مدرسة مدرساً أباً مع أبنائه حاكماً مع رعيته وهكذا أي إنسان استرعاه الله على أحد من أمة محمد ﷺ ينبغي أن يرفق بالمسلمين، حتى يدخل تحت دعوته ﵌، وينجو من الدعوة عليه على لسان خير البشر ﷺ : (اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم؛ فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم؛ فارفق به). وعن عمر بن أبي سلمة قال: (كنت في حجر رسول الله ﷺ ، وكانت يدي تطيش في الصحفة -يعني: الإناء، فيديه تتحرك في كل أجزاء الإناء ولا يأكل مما يليه- فقال لي: يا غلام! سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك)، رواه مسلم، فلم ينهره ولم يعنفه ولم يزجره، بل أمره برفق ولين وعطف مستخدماً أسلوب النداء (يا غلام)، ففيه ألفة وقرب ورحمة مع أنه أخطأ، مع أنه حاد عن آداب المائدة وآداب الطعام، لكن مع ذلك انظر كيف رفق به وعلمه ﵌، وقد بوب الإمام مسلم رحمه الله تعالى فقال: باب: جواز قوله لغير ابنه: يا بني. واستحبابه للملاطفة، يجوز للإنسان أن يقول لمن ليس ابناً له من صلبه. يا بني. تلطفاً به وتودداً، فعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : (يا بني) وهذا هو الشاهد، وقال النووي ﵀: في هذين الحديثين جواز قول الإنسان لغير ابنه ممن هو أصغر منه سناً منه: يا بُني ويا ولدي. وهذا معناه: التلطف كأنه عندك بمنزلة ولدك في الشفقة، ويقول لمن هو في مثل سن المتكلم: يا أخي! وهذا نوع من التلطف والتودد لنفس هذا المعنى.

стр. 1014

مواقف من رفق النبي بأمته نذكر قصة النبي ﵌ مع الأعرابي الذي بال في المسجد أمام الرسول ﷺ وأمام أصحابه ظناً منه أن أرض المسجد مثل أرض الصحراء والفلاة التي عاش فيها، ويعمل فيها ما يشاء، فبال في المسجد، فقام عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم ليزجروه ويمنعوه، ولكنه ﵌ نهاهم ومنعهم وقال: (لا تزرموه) أي: لا تقطعوا عليه هذا الذي يفعله، وحال بينهم وبين أذية هذا الأعرابي، وتركه حتى فرغ من قضاء حاجته في المسجد، وعالج الموقف الطارئ بأحسن علاج وأكمل منهج كما سنبينه إن شاء الله تعالى. كذلك ضاقت عليه ﷺ مكة بأوديتها وسهولها وجبالها؛ بسبب سفهاء قريش الذين أسرفوا في إيذائه والصد عن دعوته، ولم يجد بداً إلا أن يخرج إلى الطائف لعله يجد من ينصره؛ لكي يبلغ رسالة ربه، ويجد المؤازرة والدفاع، فلم يظفر بشيء من هذا، بل وجد الأذى والتهكم والطرد بالحصى والحجارة، حتى دميت عقباه ﷺ ، وتلطخت نعلاه بالدم، وسال دمه الزكي على أرض الطائف ﵌، لقي كل هذا من سفهاء الطائف وعبيدهم وغلمانهم وأطفالهم، ثم غادر رسول الله ﷺ الطائف وهو مهموم النفس مكلوم الفؤاد؛ فلم يستفق إلا وهو في قرن الثعالب، وهو ميقات أهل نجد تلقاء مكة على يوم وليلة، فرفع رأسه فإذا هو بسحابة قد أظلتهم، يقول ﵊: (فنظرت فإذا فيها جبريل، قال: فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، قال: فناداني ملك الجبال، فسلم عليّ ثم قال: يا محمد! إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين) الأخشبان جبلا مكة: أبو قبيس والذي يقابله، ولو أطبقا عليهم لهلك أهل مكة أجمعون (قال: يا محمد إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين، فقال النبي ﵌: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئاً) رواه البخاري ومسلم. تأمل هنا: هل توجد القدرة على الانتقام أم لا توجد؟ توجد حتى أنه ضامن أن الله راض عما يفعل؛ لأن الله أجاز له ذلك لما أرسل جبريل وملك الجبال معه، فبلا شك أنه يباح له الانتقام، بعض الناس ينتقم شفاء لغليله، ويعرف أن الانتقام محرم عليه، لكن هنا هو مطمئن تماماً أنه لا وزر عليه أبداً في الانتقام، وقادر على الانتقام، وأمره لا يرد؛ لأنه من الله بتسخير الملائكة، كان يقدر أن يرد اعتباره عن هذه الأذية التي تعرض لها من العبيد والغلمان في الطائف والأشراف حتى ضربوه بالحجارة حتى دميت قدماه، وأصابه ما أصابه ﷺ ، فالأسباب والدوافع للانتقام موجودة، ووسيلة الانتقام مضمونة تماماً، وهناك حاجة موجودة إلى رد الاعتبار وإلى شفاء الصدر من الكفار، ولكن الرحمة والشفقة في صدر نبي الله ﷺ للناس عموماً، ورفقه حتى بالذين يعاندونه موجود حتى أنه غلب جانب الانتقام والبطش ﵌. إذاً: الأذية موجودة، للنبي ﵊ وهو من هو، والاستحقاق للانتقام يشتد كلما كان الشخص الذي أخطأت في حقه أشرف وأعظم، فمن في البشرية كلها أشرف وأعظم وأجل من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومع وجود كل الدوافع والقدرة على الانتقام إلا أنه آثر جانب الرحمة، وتمنى أن يخرج الله من أصلابهم من يعبده وحده لا شريك له، فبلا شك أن الصغار هم أولى بهذه الرحمة، وأولى بالرفق، وأولى بأن تتحرر من الدافع للانتقام، تتشفى مِن من؟ من ابنك الذي هو فلذة كبدك، تتشفى فيه وتضره أبلغ الضرر، وتؤذيه أشد الأذية! فلا شك أننا محتاجون إلى إعادة التذكير بسيرة النبي ﷺ وسيرة الأنبياء ومن تبعهم في هذه الناحية التربوية؛ لأن أسلوب التشدد والغلو والعنف والتنطع والقسوة كلها أساليب حذرت منها شريعة الإسلام، يقول الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥] هذا عموم يدخل فيه أي سلوك نسلكه، ولذلك ورد: (ما خير النبي ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً)، فإذا كان إثماً كان أبعد الناس منه ﵌، وقال ﵊: (هلك المتنطعون قالها ثلاثاً) رواه مسلم، وهم المتعمقون الضالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم. وقال ﵊ أيضا كما رواه البخاري: (إن الدين يسر) لم يقل: إن الدين يسير، لكن جعل الدين هو اليسر، (إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة)، فأمر باليسر، وأمر بالأخذ بالأسهل والأرفق في الأمور كلها؛ لأن (الرفق -كما قال ﵌ لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه). إذاً: المربي المسلم سواء كان مدرساً أو مدرسة أو أباً أو أماً ينبغي أن يكون عطوفاً شفوقاً ودوداً محباً لمن يربيهم، مترفقاً بهم، صبوراً عليهم، متأنياً في تعليمهم، حريصاً على نفعهم، وهو في ذلك يقتدي بأسوته وقدوته الذي كان نموذجاً يحتذى وأسوة يقتدى به في هذا الخلق القويم ﵌، حيث كان قمة في الرحمة والشفقة والعطف والرفق واللين لأمته. كانت هذه مقدمة لاستعراض هذا البحث، وهو بحث تربوي، وهو عبارة عن رسالة ماجستير، أعدها الشيخ صالح بن سليمان المطلق البقعاوي بعنوان: مبدأ الرفق في التعامل مع المتعلمين من منظور التربية الإسلامية، وسوف نأخذ بعض المقدمات من الكتاب ثم نكمله إن شاء الله تعالى فيما بعد.

стр. 1015

الرفق في اللغة ومعانيه التربوية الرفق يتضمن عدة معان، وكل ما فيه مادة رفق فهو يدل على موافقة ومقاربة بلا عنف، فالرفق خلاف العنف، وضد العنف، والرفق لين الجانب، أرفق بي، وترفق، ورفق، وفيه رفق، أي: هو لين الجانب، لطيف القول والفعل، واسترفقته فأرفقني بكذا، يعني: نصحني بكذا، وارتفقت به أي: انتفعت، مثل المرافق، سميت بذلك لأننا ننتفع بها، الارتفاق الانتفاع؛ لأن الرفق يؤدي إلى المنفعة، والرفق ما استعين به، واللطف هو الرفق أيضاً، رفق به وعليه رفقاً ومرفقاً، والرفيق ضد الأخرق، ورفق فلان أي: نفعه، يقال: الله رفيق بعباده، من الرفق والرأفة، فهو فعيل بمعنى فاعل، والرفق لين الجانب وهو خلاف العنف. إذاً: خلاصة الكلام في تعريف اللغة والمعاني اللغوية لمادة الرفق: أن الرفق نفع الآخرين، والرحمة والرأفة بهم، والأخذ بالأيسر والأسهل، وعدم التشديد ولين الجانب، واللطف بالقول والفعل، والرفق ضد العنف وضد الخرق. وحينما نطبق معنى الرفق على هذا البحث نقول: إن الرفق بالمتعلم وبالذي نربيه هو: إرادة نفع المتعلم ومعاملته بالسهولة وعدم التشديد عليه في مادة الدراسة وأعمالها، بحيث لا يحمله المربي ما يشق عليه، ويكون رحيماً به، لين الجانب، لطيف القول والفعل معه، ولا يوقع العقوبة عليه ابتداءً، ولا يكون عنيفاً في التأديب بل في حالة وسط بين العنف وبين الضعف متحملاً ما يصدر من المتعلم برحابة صدر وصبر، غير مكترث لعتابه.

стр. 1016

مواضع ذكر الرفق في القرآن ورد في القرآن الكريم لفظ الرفق ومشتقاته في خمس آيات كريمات: الأولى: قول الله ﵎: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:٦٩] فرفيقاً معناه: صاحباً، لماذا سمي الصاحب رفيقاً؟ لانتفاعك في صحبته؛ وسبق أن الارتفاق: هو الانتفاع؛ لأنك إذا صاحبت هؤلاء تنتفع بصحبتهم، فيسمى الصاحب رفيقاً لارتفاقك بصحبته، ومنه الرفقة لارتفاق بعضهم ببعض؛ لأن الصحبة التي تكون رفقة ينفع بعضهم بعضاً. الثانية: قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦]. الثالثة: قال ﵎: ﴿يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا﴾ [الكهف:١٦] فمرفقاً يعني: يهيئ لكم ما تنتفعون به، قال المهايمي: يرفق بنفوسكم فيعطيها من لذات عبادته ما ينسيها سائر اللذات، على أن لذاتها لم تخل من أذية، وهذه خالية عن الأذيات كلها. ولماذا جزموا بهذا الأمر فقالوا: (ينشر لكم)؟ هذا جواب الأمر، يعني: أن العاقبة إن أويتم إلى الكهف وهجرتم الكفرة الوثنيين ستكون هي الرفق؛ فمن أين جاء هذا الجزم؟ جاء من يقينهم وقوة رسوخهم بفضل الله ﵎، وأنه لن يضيعهم، ومن قوة وشدة توكلهم على الله . إذاً: هذه الآية توضح أحد معاني الرفق: (ويهيئ لكم من أمركم مرفقاً) المرفق هنا: النفع الذي لا أذية فيه، وهذا من كرم الله لهؤلاء الفتية المؤمنين، (ويهيئ لكم من أمركم) الذي أنتم فيه ما ترتفقون به وتنتفعون بحصوله، فهم لجئوا إلى الكهف فراراً من هؤلاء المشركين الذين قد يجبرونهم على الكفر، فنشر الله لهم من رحمته، ووسع عليهم، وسهل لهم الأمر، وجعل لهم الانتفاع والفائدة من هذا اللجوء إلى الكهف حيث أبعدهم عن أعين الكفار، وسلموا من القتل والبطش والفتنة في الدين. الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف:٢٩] (ساءت مرتفقاً) أي: ساءت النار منزلاً ومقيلاً ومجتمعاً وموضعاً للارتفاق، وهذا ذم لحالة النار نفسها، أنها ساءت المحل الذي يرتفق به؛ لأنه ليس فيها ارتفاق، وإذا كانت النار بهذه الوصفة، هل فيها ارتفاق أو منفعة؟ لا، (ساءت مرتفقاً) بمعنى: ليس فيها ارتفاق، وإنما فيها العذاب العظيم الشاق الذي لا يفتر عنهم ساعة، فهذا يجمل ما ورد في الآيات الأخرى من التهكم حيث يقول: (بشر) وكأن البشرى ستكون بخبر عظيم، إلا أنه يفاجأ السامع بأنه عذاب أليم، (وساءت مرتفقاً) يعني: ليس فيها ارتفاق وإنما فيها العذاب العظيم الشاق الذي لا يفتر عنهم ساعة ولا نفع فيها على الإطلاق. الخامسة والأخيرة: قوله ﵎: ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف:٣١] فهذه الدار الجليلة، هي نعم الثواب للعاملين، (وحسنت مرتفقاً) أي: يرتفقون بها، ويتمتعون بما فيها مما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، من الحبرة والسرور والفرح الدائم واللذات المتواترة والنعم المتوافرة، وهذا بلا شك أحد معاني الرفق. إذاً: من هذه الآيات القرآنية الخمس يتضح لنا بعض معاني الرفق ومرادفاته: الآية الأولى هي قوله تعالى: ﴿وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:٦٩] الرفق بمعنى: لين الجانب والصحبة. الآية الثانية قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦] المرافق جمع مرفق، وهو ما يتكئ عليه ويستفاد منه وينتفع به؛ لأن المرافق يتكئ عليها الإنسان، فينتفع بهذا الاتكاء. الآية الثالثة: ﴿يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا﴾ [الكهف:١٦] فالمرفق هنا بمعنى: الانتفاع وسهولة الأمر وتأثيره. أما الآيتان الرابعة والخامسة التي فيها: ﴿وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف:٢٩] ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف:٣١] فالمعنى اختلف بحسب فعل الذم أو المدح، فـ (ساءت مرتفقاً) يعني: ساء المحل والمقام الذي يسكنون فيه، ولا يوجد فيه نفع ولا فائدة، والآخر: (وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا) المراد حسن التمتع والفائدة وحصول النفع لغيره، وهذا أحد معاني الرفق. نكتفي بهذا القدر، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1017

المنهج العلمي [١] طلب العلم درجات ورتب لا ينبغي تعديها، ومن تعداها جملة فقد تعدى سبيل السلف، ومن تعدى سبيلهم عمداً ضلّ، ومن تعداه مجتهداً زل، وأول ما ينبغي الاشتغال به في العلم هو كتاب الله حفظاً وفهماً، وذلك بحفظ وفهم ما يعين عليه من لسان العرب، ومعرفة الأحاديث الواردة في تفسيره، ومعرفة ناسخه ومنسوخه، ودراسة أخباره وأحكامه.

стр. 1018

شهر رمضان، ومواسم الخير فيه الحمد لله الذي جعل العلم النافع حصناً لأوليائه وجنة، وفتح لهم به أبواب الجنة، وعرفهم أن وسيلة الشيطان إلى قلوبهم الأهواء المستكنة، وأن بقمعها تصبح النفس مطمئنة، ظاهرة الشوكة في قصم خصمها قوية المنة، وصلى الله على عبده ورسوله محمد قائد الغر المحجلين وممهد السنة، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فإن حكمة الله ﵎ اقتضت أن يجعل هذه الدنيا مزرعة للآخرة، وميداناً للتنافس، وكان من فضله ﵎ على عباده وكرمه أنه يجزي على القليل كثيراً، ويضاعف الحسنات، ومن فضله ومنته على عباده أن يجعل لهم مواسم تعظم فيها هذه المضاعفة، فالسعيد من اغتنم مواسم الشهور والأيام والساعات، وتقرب فيها إلى مولاه بما أمكنه من وظائف الطاعات، عسى أن تصيبه نفحة من تلك النفحات، فيسعد بها سعادة يأمن بعدها من النار وما فيها من اللفحات. قال الحسن رحمه الله تعالى في قوله : ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان:٦٢]: من عجز بالليل كان له من أول النهار مستعتب، ومن عجز بالنهار كان له من الليل مستعتب. ومن أعظم هذه المواسم المباركة وأجلها شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن المجيد، ولذا فإنه حريٌ بالمؤمن الاستعداد لهذا الشهر الكريم حال قدومه، والتفقه في شروط ومستحبات وآداب العبادات المرتبطة بهذا الموسم الحافل؛ لئلا يفوته الخير العظيم، ولا ينشغل بمفضول عن فاضل ولا بفاضل عما هو أفضل منه. ولو أن كل واحد منا استحضر في قلبه أحب الناس إليه وقد غاب عنه أحد عشر شهراً، ويفترض أنه قد بشر بقدومه وعودته خلال يومين أو ثلاثة أو خلال أيام قلائل وأنه سيعود أحب الناس إليه بعد أن غاب عنه أحد عشر شهراً فكيف ستكون فرحته بقدومه واستبشاره بقربه وبشاشته للقائه؟ إن أول الآداب الشرعية لشهر رمضان أن نتأهب لقدومه قبل الاستهلال، وأن تكون النفس بقدومه مستبشرة، ولإزالة الشك في رؤية الهلال منتظرة، وأن تستشرف لنظره استشرافها لقدوم حبيب غائب من سفره؛ لأن التأهب لشهر رمضان والاستعداد لقدومه من تعظيم شعائر الله ﵎ الذي يقول في محكم كتابه: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢]، فيفرح المؤمنون بقدوم شهر رمضان، ويستبشرون به، ويحمدون الله على أن بلغهم إياه، ويعقدون العزم على عمارته بالطاعات وزيادة الحسنات وهجر السيئات، وأولئك يبشرون بقول الله ﵎: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٨]، وذلك لأن محبة الأعمال الصالحة والاستبشار بها فرع عن محبة الله الذي فرضها علينا، والله ﵎ يقول: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة:١٢٤] هكذا يستبشر الصالحون بقدوم رمضان لما يرون فيه من الفرصة كي يتقربوا إلى الله . وفي حديث الصادق المصدوق ﵊ الذي رواه عنه أبو هريرة رضي الله تعالى قال: قال رسول الله ﷺ : (ما أتى على المسلمين شهر خير لهم من رمضان، ولا أتى على المنافقين شهر شر لهم من رمضان إن الله ليكتب أجره ونوافله ويكتب إصره وشقاءه من قبل أن يدخله، وذلك لما يعد فيه المؤمنون من القوة للعبادة، وما يعد المنافقون من غفلات الناس وعوراتهم، فهو غنم للمؤمن يغتنمه الفاجر).

стр. 1019

الارتباط الوثيق بين شهر رمضان وقراءة القرآن مواسم الخيرات وأنواعها في رمضان كثيرة، ولكن الذي ينبغي أن نبدأ به ونهتم به جداً أن نلاحظ أن رمضان يرتبط ذكره ارتباطاً وثيقاً ليس -فقط- بفريضة الصيام، ولكن أيضاً يرتبط رمضان المعظم بالقرآن ارتباطاً وثيقاً، حتى إن الله ﵎ في آية الصيام قال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة:١٨٥]، فهناك ربط وثيق بين شهر رمضان والقرآن العظيم. ويقول النبي ﵌: (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة) فقرن أيضاً بين الصيام وبين القرآن، إذاً هذا هو شهر القرآن، وينبغي أن تكون علاقتنا فيه بالقرآن علاقة متميزة تختلف عن سائر الشهور، فمن كان يحتفي بالقرآن في كل شهر وفي كل أسبوع وفي كل يوم فليتضاعف احتفاؤه به حتى ولو هجر كل ما عدا قراءة القرآن من الطاعات والعبادات الأخرى، فحقيق وحري بهذا الشهر أن يمحضه العبد لتلاوة القرآن الكريم وتعظيمه والتدبر فيه، يقول ﷺ : (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب! منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: أي رب! منعته النوم بالليل فشفعني فيه. فيشفعان). ففي هذا الشهر خصوصاً السبب الوحيد الذي ينبغي أن يمنعنا من النوم بالليل هو الاحتفاء بالقرآن الكريم، حتى تدخر ذلك عدة لك يوم القيامة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، حتى يشفع لك القرآن، ويقف ويتكلم بين يديك قائلاً لله : (أي رب! منعته النوم بالليل فشفعني فيه) تشفع لك قراءته.

стр. 1020

فضائل القرآن الكريم لقد ثبتت فضائل عظيمة جليلة للقرآن العظيم في كتاب الله وفي سنة النبي ﵌، منها: قوله ﵌: (أبشروا؛ فإن هذا القرآن طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم، فتمسكوا به فإنكم لن تهلكوا ولن تضلوا بعده أبداً). ويقول ﷺ : (أما بعد: ألا أيها الناس! فإنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب وأنا تارك فيكم ثقلين) وإنما سمى الكتاب والسنة ثقلين لأن الأخذ والعمل بهما ثقيل فيحتاج إلى مجاهدة، أو لأن كل واحد منهما ثقيل في الميزان، ومن الأول قول الله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل:٥]. قال ﷺ : (وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، من استمسك به وأخذ به كان على الهدى، ومن أخطأه ضل، فخذوا بكتاب الله تعالى واستمسكوا به، وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي). ويقول ﷺ : (القرآن شافع مشفع وماحل مصدق، من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار). فقوله: (القرآن شافع مشفع) يعني: إذا شفع في شخص تقبل شفاعته (وماحل مصدق) (ماحل) مخاصم مجادل. إذا جادل وخاصم رجلاً أمام الله فإن الله يصدق شهادته في هذا الرجل، ويعاقبه بهجره القرآن. ومنها قوله ﵌: (كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض). ومنها قوله ﵌ -أيضاً- في فضيلة القرآن: (لو جمع القرآن في إهاب ما أحرقه الله بالنار) و (الإهاب) في اللغة هو الجلد، والمقصود به في هذا الحديث الجسم الذي يحفظ القرآن والصدر الذي يعي القرآن، والإشارة هنا إلى أن من وعى قلبه القرآن وعمل به فإنه يأمن من أن يحرق صدره بالنار وهو وعاء لكلام الله ﵎. يقول ﵊: (لو جمع القرآن في إهاب ما أحرقه الله بالنار) فكيف لو جمع القرآن في صدر عبده المؤمن؟! ويقول ﷺ في رواية في أخرى: (لو كان القرآن في إهاب ما أكلته النار). وهناك فضائل كثيرة في فضيلة تعلم القرآن وتلاوته، يقول ﵊: (إذا قام صاحب القرآن فقرأه بالليل والنهار ذكره، وإن لم يقم به نسيه) فهذا فيه توثيق الصلة بالقرآن حتى لا ينساه صاحبه. وقال ﵊: (اقرءوا القرآن فإنكم تؤجرون عليه، أما إني لا أقول: ألم حرف، ولكن ألف عشر، ولام عشر، وميم عشر، فتلك ثلاثون) فكل حرف من القرآن يؤجر عليه الإنسان عشر حسنات، ويضاعف الله ﵎ لمن شاء. ويقول ﵌: (إن الله تعالى يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين) يعني أن موقف كل إنسان من القرآن إما يكون سبباً في رفعته في الدنيا والآخرة، وإما أن يكون سبباً في هبوط منزلته وانحداره. ويقول ﵌: (إن لله تعالى أهلين من الناس. فقيل: من هم يا رسول الله؟ قال: أهل القرآن هم أهل الله وخاصته). ويقول ﵊: (إن جبريل كان يعارضني القرآن كل سنة مرة، وإنه عارضني العام مرتين، ولا أراه إلا حضر أجلي، وإنكِ -يعني فاطمة ﵍ أول أهل بيتي لحاقاً بي، فاتقي الله واصبري؛ فإنه نعم السلف أنا لك). فقوله: (إن جبريل كان يعارضني القرآن كل سنة مرة، وإنه عارضني العام مرتين) يعني: في العام الذي توفي فيه (ولا أراه إلا حضر أجلي) استأنس وفهم من ذلك أن تكرار العرض في هذه العام مرتين لمزيد من الاحتياط في تثبيت القرآن، فعلم بذلك واستأنس أن أجله قد اقترب ﵊، ثم قال لـ فاطمة: (وإنك أول أهل بيتي لحاقاً بي، فاتقي الله واصبري؛ فإنه نعم السلف أنا لك). ومنها أيضاً قوله ﵌: (إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط). فقوله: (إن من إجلال الله) يعني: من تعظيم شعائر الله ﵎ ومن تعظيم الله الاهتمام بهذه الأشياء وتعظيم هذه الأشياء التي ذكرها ﵊ في هذا الحديث، وفي التنزيل الكريم: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢]، فمن تعظيم شعائر الله تعظيم هؤلاء. (إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم) أي: المسلم الذي شاب رأسه في الإسلام ونور الله ﵎ وجهه بالشعر الأبيض الذي يدل على أن هذا الشخص قد عبد الله مدة طويلة في هذا العمر الذي امتد به حتى هذا الوقت. وهذا الذي يستحي الله ﵎ أن يعذبه بعدما شاب رأسه أو شعره في الإسلام وفي طاعة الله ﵎ والصيام والصلاة وذكر الله ، فمن تعظيم الله وإكرام الله وإجلال الله أن تكرم ذا الشيبة المسلم. (وحامل القرآن) وأيضاً من إجلال الله إكرام حامل القرآن، ولم يقيده بسن، فينبغي تعظيم حامل القرآن سواء أكان صغيراً أم كبيراً؛ لأنه في النوع الأول ذكر إكرام ذي الشيبة المسلم لأجل السن فقط، أما هنا فقال: (وحامل القرآن) دون تقييده بسن، لكن اشترط فيه شرطين: الأول: (غير الغالي فيه) وهو الذي لا يتجاوز الحد، والثاني: (ولا الجافي عنه) وهو الذي يهجره ويتركه، فاشترط في حامل القرآن كي يكون مستحقاً لهذا الإكرام وهذا الإجلال أن لا يكون غالياً في القرآن يتجاوز حدود الله فيه ولا جافياً عنه تاركاً له. (وإكرام ذي السلطان المقسط)، وهو الخليفة أو الوزير أو الحاكم إذا كان عادلاً مقسطاً يرضي الله ﵎ ويتقي الله في رعيته. ومما ورد كذلك في بيان فضل القرآن الكريم قوله ﵌ لبعض الصحابة: (أوصيك بتقوى الله تعالى؛ فإنه رأس كل شيء، وعليك بالجهاد؛ فإنه رهبانية الإسلام، وعليك بذكر الله تعالى وتلاوة القرآن؛ فإنه روحك في السماء وذكرك في الأرض). ويقول ﵊: (أيحب أحدكم إذا رجع إلى أهله أن يجد ثلاث خلفات عظام سمان؟) يعني: يجد في بيته ثلاث خلفات قد رزقه الله إياها. والخلفة: هي الحامل من النوق. والناقة الحامل قد يكون فيها أجنة متعددة، فلذلك قال ﵊: (أيحب أحدكم إذا رجع إلى أهله أن يجد ثلاث خلفات عظام سمان -ثلاث نوق حوامل عظام سمان-؟ فثلاث آيات يقرأ بهن أحدكم في صلاته خير له من ثلاث خلفات عظام سمان) وتأمل من الذي يقول هذا ومن الذي يخبر ويبشر به! إنه الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، فحينما يقول ﷺ : إن هذا خير فإنه قطعاً يكون خيراً. ويقول -أيضاً- ﵊: (أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو إلى العقيق فيأتي منه بناقتين كوماوين زهراوين؟) يعني بالكوماء الزهراء عالية السنام ذات البهجة عظيمة الخلقة (في عير إثم ولا قطع رحم، فلأن يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم أو يقرأ آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع، ومن أعدادهن من الإبل) وجعل محل وموضع تعلم القرآن وقراءته المسجد، فالقرآن هو أفضل ذكر على الإطلاق، وهو كلام الله ، فإذا انضاف إليه شرف المكان وهو المسجد كان ذلك سبباً للحصول على ثواب أعظم وأكثر. وفي الحقيقة هذه السنة مهملة إلى حد كبير في مساجدنا، مسألة قراءة القرآن في المساجد خصوصاً في الأوقات التي يتردد فيها المسلمون خمس مرات في اليوم، ونلاحظ أنه في بعض البلاد -كالسعودية مثلاً- عندما تدخل أي مسجد بين الأذان والإقامة تجد للقرآن دوياً كدوي النحل، فالناس يأتون إلى المسجد قبل الأذان أو عند الأذان أو بعد الأذان، وهناك تترك فترة بين الأذان والإقامة، فتجد جميع الناس -تقريباً- منشغلين بالقرآن تماماً إلا من كان يصلي. فالإنسان لو أنه قرأ قبل كل صلاة حتى ولو صفحة واحدة من القرآن فإنه سوف يختم القرآن في مدة وجيزة كما سنبين ذلك إن شاء الله تعالى. يقول ﵊: (أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو إلى العقيق فيأتي منه بناقتين كوماوين زهراوين في غير إثم ولا قطع رحم، فلأن يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم أو يقرأ آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث وأربع خير له من أربع، ومن أعدادهن من الإبل). ويقول ﷺ : (خياركم من تعلم القرآن وعلمه)، وفي رواية: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه). ويقول ﷺ : (الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة -أي: الملائكة-، والذي يقرأه ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران). وكثير من الناس يهجر قراءة القرآن لأنه يشق عليه قراءة الحروف ولا يتمكن من ذلك فيهجر القرآن، فالإنسان لو قرأ القرآن وهو ماهر به يقيم حدوده فهو مع السفرة الكرام البررة، أما إذا كان القرآن شاقاً عليه ويتتعتع فيه ولا يستطيع قراءته فإنه لا يتركه لكن يقرأ؛ لأن له أجرين كما أخبر الصادق المصدوق ﷺ . وقال ﵊: (من سره أن يحب الله ورسوله فليقرأ في المصحف)، ومن الذي لا يحب أن يحب الله ورسوله؟! بل لاشك أن كل إنسان يريد أن ينور قلبه بمحبة الله ومحبة رسوله ﷺ ، والسبيل إلى ذلك هو أن يقرأ في المصحف، كما قال عثمان رضي الله تعالى عنه: (لو طهرت قلوبنا ما شبعت من كلام الله . وقال ﵊: (لا حسد إلا في
следующие страницы →