Полный текст (2 122 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
بداية التسمي باسم أهل السنة والجماعة
الحمد لله الذي جعل اتباع رسوله على محبته دليلاً، وأوضح طرق الهداية لمن شاء أن يتخذ إليه سبيلاً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة عبد مخلص لم يتخذ من دونه وكيلاً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي اختص أمته بأنه لا تزال فيها طائفة على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله ولو اجتمع الثقلان على حربهم قبيلاً، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه خير الناس هدياً وأقومهم قيلاً.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
سئل الإمام مالك عن أهل السنة فقال: أهل السنة الذين ليس لهم لقب يعرفون به، لا جهمي ولا قدري ولا رافضي.
يقول الدكتور مصطفى حلمي حفظه الله تعالى: إن أهل السنة والجماعة هم الامتداد الطبيعي للمسلمين الأوائل الذين تركهم رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، ولا نستطيع أن نحدد لهم بداية نقف عندها كما نفعل مع باقي الفرق، والسؤال عن نشأة أهل السنة والجماعة سؤال ليس له موضع كما هو الحال إذا تساءلنا عن منشأ الفرق الأخرى، ولذلك الإمام اللالكائي رحمه الله تعالى افتتح كتابه القيم: (شرح أصول اعتقاد أهل السنة) بذكر أئمة السنة الذين ترسموا بالإمامة بعد رسول الله ﷺ ، فبدأ بذكر أبي بكر، ثم الخلفاء الثلاثة بعد أبي بكر، وبقية أهل العلم والدين من الصحابة ومن تبعهم بإحسان إلى زمنه ﵀، وقد ذكر كثيراً من أئمة أهل السنة في معظم الأمصار الإسلامية.
وقال ابن سيرين: لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم، وبداية التميز بين أهل السنة وغيرهم هي الفتنة التي وقعت في آخر عهد عثمان رضي الله تعالى عنه.
إذاً: خلاصة الكلام في هذه النقطة: السؤال عن نشأة مذهب أهل السنة كما يسأل عن نشأة سائر الفرق لا مكان له ولا محل له؛ لأن مذهبهم هو مذهب الصحابة الذين تلقوه عن نبيهم ﷺ ، لكن السؤال ينبغي أن يوجه إلى بداية التسمي بهذا الاسم؛ لا نشأة المسمى وهو المذهب وأهله، فمن الخطأ أن يخلط بين الأمرين، فبداية بروز الاسم غير بداية هذا المنهج.
فالأصل في التسمي بأهل السنة هو ما ورد من النصوص التي تأمرنا باتباع السنة وبلزوم الجماعة، فالتسمية مأثورة في السنة، وواردة في كلام السلف، أما بداية التسمي بهذا الاسم فهذا يعني أمراً آخر؛ لأن بعض الناس يخلط بين بداية التسمية وبين نشأة المسمى وهو المذهب وأهله، حتى رأينا من يتحدث عن السنة كأنها فرقة أو طائفة طارئة في الإسلام كسائر الفرق الأخرى التي انشقت عنها.
فمثلاً: الدكتور مصطفى الشكعا يزعم أن تسمية جمهرة المسلمين بأهل السنة تسمية متأخرة يرجع تاريخها إلى حوالى القرن السابع الهجري، أي: بعد الإمام أحمد بأربعة قرون؛ وهذا كلام لا يثبت أمام التحقيق العلمي كما بينا؛ وإنما كلما هبت أعاصير البدع تجلى وشاع التميز لأهل السنة بسبب جهود علمائهم في المنافحة عن هذه السنة، وهناك رسالة بعث بها إلى المأمون نائبه على بغداد إسحاق بن إبراهيم الخزاعي يكتب تقريراً للمأمون يتكلم عن الإمام أحمد ومن معه، فيقول: ونسبوا أنفسهم إلى السنة أهل الحق والجماعة، فواضح أن الاصطلاح كان بارزاً جداً في تلك المرحلة.
والعلاقة بين كلمة (أهل السنة) وبين كلمة (الجماعة) كالعلاقة بين الإسلام والإيمان، يعني: إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا؛ إذا ورد واحد منهما في النص فإنه يشمل المعنيين، وإذا اجتمعا في نص واحد افترقا، فيقال: أهل السنة والجماعة، فمعنى السنة: الاعتقاد الحق؛ والجماعة: أهل الاعتقاد الحق، فإذا قلت: الجماعة فقط، ففي هذه الحالة فإنها تجمع الاعتقاد الحق وأصحابه، وإذا قلت: السنة فقط، فإنها تجمع الاعتقاد الحق وأصحابه، فإذا اجتمعا معاً افترقا في المعنى، فدل كل لفظ على معناه الخاص به.
стр. 947
خصائص أهل السنة والجماعة
стр. 948
من خصائص المنهج السلفي: شيوع الاستدلال بالآيات والأحاديث
من خصائص المنهج السلفي الضبط الدقيق للعلاقة بين العقل والنقل، وهذا بحث كبير جداً لا نستطيع أن نوفيه حقه، لكن هذه من خصائصهم على سبيل الاختصار: الضبط الدقيق للعلاقة بين العقل والنقل.
رفض التأويل الكلامي.
كثرة الاستدلال بالآيات والأحاديث.
يبين الدكتور الأشقر حفظه الله تعالى في كتابه: (العقيدة في الله) أن هذه الخصلة ينبغي أن تشيع وتنتشر بين السلفيين، وهي: موضوع شيوع الاستدلال بنصوص القرآن والسنة، فهي التي ترطب القلب: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] وتلينه من قساوته.
والحقيقة -وللأسف الشديد- أنه يشيع بين كثير من السلفيين مفهوم مؤلم جداً، وهو أنهم أحياناً ينزلقون إلى أساليب المتكلمين عند الاستدلال، يعني: نحن نذم الكلام والفلسفة ثم نكتب أحياناً بأساليب المتكلمين! ولعلكم تلاحظون هذا في بعض الكتب كشرح العقيدة الطحاوية، مثل مسألة التسلسل والدور ونحو هذا الكلام الكلامي الذي يتعذر على كثير من العقول فهمه؛ لأنه غير موافق للمنهج السلفي؛ وهذه الأساليب الكلامية الخالية من القرآن والسنة هي التي تجفف وتنشف القلوب، وهناك عبارة نطق بها بعض الدعاة -وهو ينتقد بعض كتب العقيدة- فقال: إن هذه النصوص فيها جفاف، ولا يمكن أن يظن بواحد من عوام المسلمين وجهلتهم أنه يقصد أن نصوص القرآن والسنة جافة، وأقل قدر من حسن الظن يقتضي أن تحمل هذه الكلمة على أنه لا يقصد القرآن والسنة، فإن هذا كفر، ولا تليق بعامي من عوام المسلمين، ولذلك بعض الناس أساءوا فهم هذه العبارة، وظلموا صاحبها ظلماً بيناً.
الذي يسبب الجفاف في القلب -وهو الذي نتكلم فيه- هو الوقوف مع ضوابط العقيدة، وتناولها بأسلوب كلامي متناقض تماماً مع منهج السلف، حتى إن بعض الدعاة أراد انتقاد السلفيين يوماً فكان مما قال: إن السلفيين يعتمدون في تناول العقيدة على علم الكلام؛ وذلك من كثرة ما شاع في الكتب من علم الكلام وأسلوب أهل الكلام في تناول قضايا العقيدة، حتى إن هذا الشخص الجاهل بحقيقة المنهج السلفي شنع على السلفيين بأنهم أهل كلام، فالسلفية تقوم أساساً على محاربة أهل الكلام والفلسفة، الإمام الشافعي ﵀ يقول: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في العشائر، وينادى: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة إلى ما عداهما أو كما قال ﵀.
فإذاً: السلفية تتميز بمحاربة علم الكلام، وتبديع أهله، وهجرهم وذمهم، والمشكلة أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى كان يناظر هذه الفرق كلها، فاستلزم الأمر أن يقاتلهم بأسلحتهم في كثير جداً من الأحيان، فبعض السلفيين يأخذ من شيخ الإسلام مثل هذه الأساليب في حين أنهم ليسوا في وضع مثل وضع شيخ الإسلام، حتى إن طلبة العلم الصغار يتدارسون هذه القواعد، وهذا خطأ، فهذه فرض كفاية على طائفة معينة من المتخصصين، أما أن نجعل الأصل هو تناول العقيدة بطريقة كلامية فهذا لا يمكن، وهذا هو الذي أحوج شرح الطحاوية إلى كثير من الاختصار لكي يحرر من هذه النصوص الجافة، ونعني بها أساليب علم الكلام التي تؤثر على قلوب الناس، والتي تقسي القلب وتجففه.
فالسلفية قائمة على نبذ الفلسفة، ونبذ علم الكلام، يقول بعض العلماء: يا أيها الرجل الذي هو جاهد في الفلسفة ماذا يروقك من تعلمها وأكثرها سفه فالفلسفة أو علم الكلام كلاهما مرفوض تماماً، ولا يجوز أبداً أن يسمى علم العقيدة أو مسائل الإيمان أو التوحيد بعلم الكلام، هذا نوع من العدوان، والشيخ الجديع في كتابه: العقيدة السلفية في كلام رب البرية له كلام رائع في الرد على من يسمون العقيدة بعلم الكلام.
стр. 949
من خصائص المنهج السلفي: أنه وسط بين الفرق
من خصائص السلفية أنها المنهج الوسط بين الفرق، كما أن الإسلام وسط بين الأديان؛ في كل قضية من قضايا العقيدة تجد السلفية وسط، في قضايا الكفر والإيمان هم وسط بين إفراط الخوارج وتفريط المرجئة، في مسألة القضاء والقدر هم وسط بين المرجئة وبين القدرية، وهكذا في عامة قضايا الإيمان نجد أن مذهب أهل السنة والجماعة ومذهب السلف وسط بين هؤلاء الفرق النارية، كما أن الإسلام وسط بين الأديان.
ومن هنا نضع تعريفاً للمتطرف؛ فالمتطرف: هو الذي يأخذ بأطراف الأمور، فيتطرف إلى الغلو أو الجفاء.
يقول الشاعر: كانت هي الوسط المحمي فاكتنفت بها الحوادث حتى أصبحت طرفاً والخلاف في تعريف كلمة المتطرف ناشئ عن تحديد ما هو الوسط؟ نحن نقطع جزماً أن الوسطية والاعتدال هو ما كان عليه النبي ﷺ ، وأن خير الهدي هدي محمد ﷺ ، فهذا هو الوسط، فكل من حاد عنه يمنةً أو يسرةً فهو متطرف، من حلق لحيته فهو متطرف؛ لأنه انحرف عن هديه ﵊، ومن صافح النساء فهو متطرف؛ لأنه خالف هدي النبي ﵊ وأمره.
إذاً: المتطرف هو كل من ليس مسلماًَ من أهل السنة والجماعة، (كل من ليس مسلماً) يعني: كل يهودي أو نصراني أو مجوسي أو بوذي، كل من ليس مسلماً فهو متطرف، فلا تصدقوا ما تسمعونه في نشرات الأخبار: قام بعض المتطرفين اليهود بفعل كذا وكذا، فكل يهودي متطرف؛ لأنه ليس من الأمة الوسط الذين هم أهل الاعتدال.
كذلك: كل مسلم ليس من أهل السنة والجماعة فهو أيضاً متطرف من حيث بعده عن منهج السلف.
يقول تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران:١٠٦] قال ابن عباس: تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل البدع والافتراق، والآن كلما ازددت ارتباطاً بأصول السلف الصالح زاد حظك من وصف التطرف، فهذا هو التطرف عندهم! إن كان الاقتداء بالنبي ﵊ تطرفاً فليشهد الثقلان بأني متطرف، إذا كان التمسك بالإسلام تطرفاً -قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾ [الأعراف:١٧٠]- فنحن متطرفون قطعاً، لكن في الحقيقة المتطرف: هو من حاد عن الإسلام أو عن منهج أهل السنة والجماعة؛ لذلك كلما زاد ارتباطك بالأصول زاد قدر الأعداء، بعض الجماعات المتسيبة تفرح عندما يصفها بعض الصحفيين العلمانيين أو أعداء الإسلام بأنها جماعة معتدلة، وهذا الوصف منهم لا يشرف في الحقيقة، فيجب عليها أن تراجع منهجها، وتراجع أصولها، يغازلون هذا الجماعات بأنها معتدلة، فلماذا السلفيون -عندهم- متطرفون؟ لأنهم يتمسكون بالفهم الصحيح للإسلام.
السلفية هي دعوة العلم والبصيرة، موقف السلفية من العلم الصحيح مشهور، يهتمون بالتحقيق واتباع الدليل، وهذه القضايا كلها موقف السلفيين منها معروف ومشهور لا نفيض في ذكره.
стр. 950
من خصائص المنهج السلفي: أنه عاصم من الحيرة والتلون
من خصائص السلفية ما يعبر عنه قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨]، السلفية عاصمة من الحيرة والتلون، وهي سبب من أسباب الثبات على الدين، فالسلفي هو من حفظه الله وعصمه، ومن نشأ على المنهج السلفي فقد وفر كثيراً من عمره، أما غير السلفي فدائماً يتلون: كل يوم تتلون غير هذا بك أجمل فالسلفي الحق لا يتلون، تعطيه السلفية نوعاً من الثبات، الثبات على المنهج، والوضوح في الانتماء، فطريق السلفية غالباً طريق في اتجاه واحد، قد يرتد بعض الناس لا عن السلفية فقط لكن عن الإسلام كله والعياذ بالله! هذا وارد، لكن القاعدة أنه طريق ذو اتجاه واحد، من مشى فيه لا يرجع إلى الوراء، مثال ذلك: ما جاء في حديث هرقل لما قال لـ أبي سفيان: (وسألتك هل يرتد أحد منهم سخطةً لدينه بعد أن يدخل فيه، فذكرت أن لا، قال هرقل: وكذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب).
ولذلك لا تجدون أبداً عالماً سلفياً يرتد ويرجع إلى الأشعرية أو الاعتزال أو مذهب الخوارج أو غيره، لكن نجد كثيراً جداً من رءوس هذه الفرق يهديهم الله إلى الحق، ويلحقون بقافلة السلفيين، والأمثلة كثيرة جداً، وأشهرها على الإطلاق الإمام أبو الحسن الأشعري الذي مر بمرحلة الاعتزال، ثم مرحلة التأويل -وهو المذهب الشائع الآن- ثم بمرحلة التزام المنهج السلفي.
ووالد إمام الحرمين عبد الله بن يوسف أبو محمد الواسطي الشافعي ألف رسالة يقول فيها: كنت برهة من الدهر متحيراً في مسألة الصفات والفوقية والكلام في القرآن الكريم، وكنت متحيراً في كذا وكذا، وحكى رحلته مع المنهج، وأنه كان في حيرة وتردد وصراع نفسي ما بين هذا الكلام الذي تعلمه في هذا المذهب غير السلفي وبين نصوص القرآن والسنة، إلى أن هداه الله ، وصار من أئمة أهل السنة، وله رسالة ينصح الناس فيها ويدعوهم إلى مذهب السلف.
ويوجد كتاب: التذكرة والاعتبار والانتصار للأبرار، ألفه الشيخ الإمام عماد الدين أبو العباس أحمد بن إبراهيم الواسطي وفي كتاب آخر غير هذا الكتاب حكى فيه قصة اهتدائه على يد شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو كلام في غاية الروعة في الحقيقة.
هذه النماذج تدل على أن السلفية عصمة من الحيرة والتلون، فالذي ينشأ على المنهج السلفي لا يتلون، بينما تجد جماعة التكفير والخوارج الجدد، يتنقل أحدهم من فرقة إلى فرقة، والفرقة يحصل فيها انشطارات داخلية، فتنقسم الفرقة الواحدة إلى فرقتين، ويكفر بعضهم بعضاً، وقد يقاتل بعضهم بعضاً! وهكذا.
فمن طبيعة المنهج السلفي أنه يجمع، فهذا من خواصه الكامنة فيه، فالمنهج السلفي منهج تجميع، ولذلك دائماً تقترن السنة بالجماعة (أهل السنة والجماعة) السنة في مقابلة أهل البدع، والجماعة في مقابلة الافتراق، الحق واحد، أما الباطل فكثير، والقرآن دائماً يأتي بالنور مفرداً وبالظلمات جمعاً، والنبي ﵊ قال: (فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً -ثم ذكر العلاج- فعليكم بسنتي)، فالسنة هي علاج الفرقة.
وهنا تجربة واحدة أشير إليها باختصار، وهي تجربة الإمام أبي حامد الغزالي رحمه الله تعالى وعفا عنه: الإمام الغزالي تجول في كثير من المناهج المنحرفة والضالة، أمضى معظم عمره في التجول والبحث عن الحق في هذه الفرق، وللأسف الشديد لم ينتبه إلى منهج النجاة الحقيقي -وهو منهج أهل السنة والجماعة والمنهج السلفي- إلا في آخر عمره، وحاول أن يكفر عما مضى بأن ينهل ما استطاع من القرآن والسنة، حتى أنه مات وصحيح الإمام البخاري على صدره! فالإمام الغزالي يعتبر تجربة فريدة تستحق أن تدرس؛ ليتبين فضيلة المنهج السلفي، وكيف أن من أراد الله به خيراً يئول حاله في النهاية إلى الندم على ما مضى، وإلى الانتقال إلى المذهب السلفي، ومن الرسائل التي تناولت تجربة الغزالي كتاب الأخ عبد الرحمن دمشقية: أبو حامد الغزالي وكتابه إحياء علوم الدين، أو أبو حامد الغزالي والتصوف، وهذه الرسالة سبق أن درسناها منذ زمن.
وهذه مقارنة بين الغزالي وابن تيمية كتبها رجل هو من أخبر الناس بتراث ابن تيمية وهو الدكتور محمد رشاد سالم رحمه الله تعالى، يقول: لا شك أن الغزالي وابن تيمية من أكبر علماء هذه الأمة، وهما من الرجال الذين ملئوا الدنيا، وشغلوا الناس، فقد أحب كلاً منهما فريق من المسلمين، حتى وصلوا في محبته إلى درجة التعصب، والواقع أنني لا أقصد بالمقارنة بين شخصية وآراء الرجلين مجرد المتعة الذهنية، بل إنني أقصد بذلك الموازنة والمفاضلة بين أكبر تيارين فكريين يؤثران على المسلمين حتى أيامنا هذه، فـ الغزالي يمثل التيار الأشعري الصوفي، وابن تيمية يمثل التيار السني السلفي، ولكل من التيارين أنصاره ورجاله، إلى أن يقول الدكتور رحمه الله تعالى عبارة قوية جداً يقول: ولن أحاول أن أدعي حيازاً كاذباً بين الاتجاهين، بل إنني أحدد موقفي بوضوح فأقول: إنني أعتقد أن نهضة المسلمين وانبعاثهم من رقدتهم وغفوتهم إنما تتوقف إلى حد كبير على مدى أخذهم بهذا التيار السلفي السني، أخذاً قائماً على الفهم والدراسة والعلم والعمل بالعلم، لا أخذاً قائماً على التعصب الفارغ والحماسة العاطفية.
ثم يختم بنصيحة رائعة جداً يقول: فليحرص المسلمون على بداية أبنائهم، وتنقية ثقافة شبابهم؛ حتى نعود إلى أصالتنا، ونتحرر من الآثار المدمرة للغزو الفكري الدخيل القديم والحديث.
انظر إلى كلمة: (على بداية أبنائهم) فهو ينبه على أن البداية مهمة جداً، ومن رحمة الله أن يقيض لك أهل السنة والجماعة عند نقطة البداية.
ونماذج الحيرة والتلون بسبب البعد عن المنهج السلفي كثيرة، وكثير من أهل الكلام كـ الرازي والجويني وعامة علماء الكلام ندموا بعدما أنفقوا عمرهم في لا شيء.
الدكتور محمد خليل هراس رحمه الله تعالى -وهو من أفاضل علماء السلفيين المعاصرين، ومن علماء أنصار السنة- كان له قصة مع السلفية، فهو أراد أن يقدم دراسة عليا ينتقد فيها شيخ الإسلام ابن تيمية، فقال له أستاذه: ما وجدت أحداً أعفش -هذه عبارته- من ابن تيمية حتى تقدم فيه دراسة؟ قال له: أنا أعمل دراسة حتى أبين عفاشته! وأنا لا أدري هل هي كلمة فصيحة أم لا؟! لكن هذا هو اللفظ الذي سمعته، فذهب إلى الشيخ محمد منير آغا الدمشقي رحمه الله تعالى، وكان عالماً سلفياً، وكانت عنده مكتبة قيمة جداً، فشرح له مراده، فالشيخ محمد منير آغا تلطف بالدكتور خليل هراس ﵀، وما اشتد عليه، مع أنه قال: أنا أريد أن أبين عورات منهج ابن تيمية، وكان عنده فراسة وبصيرة، فماذا فعل؟ وفر للدكتور خليل هراس رحمه الله تعالى كتب شيخ الإسلام فأخذ ينهل منها وينهل، وإذا به ينتهي بالبحث المشهور المتداول الذي اسمه: ابن تيمية السلفي، وقد كان عنوان بحثه: ابن تيمية ليس سلفياً، فتحولت الرسالة إلى: ابن تيمية السلفي، فأصبح مدافعاً عن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى.
стр. 951
من خصائص المنهج السلفي: أنه يحتكر مهمة تجديد الدين
من خصائص السلفية: أن السلفية تحتكر مهمة تجديد الدين، لا يمكن أبداً أن يكون شخص يصدق عليه وصف مجدد وهو خارج من أهل السنة والجماعة، يشترط في المجدد أن يكون منتمياً إلى المنهج السلفي، وإلى منهج أهل السنة والجماعة، يقول النبي ﷺ : (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها)؛ لأنه إذا لم يكن المجدد من أهل السنة والجماعة فماذا سيجدد؟ لو كان المجدد خارجياً -مثلاً- فإنه سيضيع الدين، فمن شروط المجدد أن يكون ممتثلاً دعاء المؤمنين: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان:٧٤] اجعلنا نقتدي بمن قبلنا فنصلح لأن يقتدي بنا من بعدنا.
عندما نتكلم عن معجزات النبي ﵌ يكثر الكلام على معجزة هي من أقوى معجزاته ﵊، وهي آثار الرسول ﷺ في البشرية، فقد أحيا أمةً ميتة، وأخرجها من الهوان والذل والجهل إلى أن صيرها خير أمة أخرجت للناس.
стр. 952
المنهج السلفي طريق عزة المسلمين
قال النبي ﵇: (إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد؛ سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم) فالعز مرتبط بالرجوع إلى الدين.
وتعلمون قصة عمر لما ذهب إلى بيت المقدس، فاستقبله أبو عبيدة بن الجراح ﵁، ولما اقترب عمر من بحيرة صغيرة نزل عن الناقة وخلع نعليه ووضعهما على عاتقه، وأخذ بزمام الناقة وخاض في الماء فقال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين! أنت تفعل هكذا؟! ما يسرني أن أهل الشام وبطارقة الشام استقبلوك، فقال ﵁: أوه! لو قال ذا غيرك يا أبا عبيدة لجعلته نكالاً لأمة محمد ﷺ ! وفي هذا فائدة: وهي مراعاة أقدار الرجال، قال: لو قال ذا غيرك لجعلته نكالاً، لكنه لم يفعل مراعاة لقدر أمين الأمة أبي عبيدة بن الجراح: قال: أوه! لو قال ذا غيرك يا أبا عبيدة لجعلته نكالاً لأمة محمد ﷺ ، إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بهذا الدين، فمهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله، جملة شرطية وهي من صيغ العموم، مهما نبتغي العزة في غيره أذلنا الله، والله يقول: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء:١٠]، فما دمنا نكفر بنعمة الله فإننا سنعود إلى ما كنا عليه أذل قوم، حتى إن أخبث خلق الله وأرذل خلق الله -وهم اليهود لعنهم الله- يذلوننا هذا الذل، ولا مخرج لنا منه إلا بالعودة إلى التماس العزة في كتاب الله، وفي سنة رسوله ﵌، إن الباطل قد يعلو لكنه علو الزبد والاستكبار، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ [الرعد:١٧].
قال ﵊: (ثم تكون خلافة على منهاج النبوة) وهذا أوضح دليل على أن التمكين لا يقع إلا بهذا المنهج، وتأملوا القضية! ليست قضية إقامة دولة، فهناك دولة تدعي زوراً أنها جمهورية إسلامية -وهي إيران- ولكنها وبال على الإسلام والمسلمين، وهناك صراع الآن يجري في أفغانستان بين هذه الفصائل المعروفة في أفغانستان، يقتل ويدمر بعضهم بعضاً كالوحوش الضارية ولا حول ولا قوة إلا بالله! وتأملوا موقفهم! ماذا كان موقفهم من العقيدة السلفية؟ قتل الشيخ جميل الرحمن بسبب منهجه السلفي، فهل هؤلاء يصلحون لأن يكونوا دولة إسلامية؟ لا بد أن يبنى البناء على أساس العقيدة والفهم الصحيح؛ الإمام مالك يقول: لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: لم يظهر دين محمد ﷺ على غيره من الأديان إلا بأهل السنة، فالصحابة جاهدوا وانتشروا في آفاق الأرض ينشرون نور الله في ربوع العالمين، وأحسنوا إلى البشرية هذا الإحسان.
إذاً: كلمة الله هي المتمثلة في المنهج السلفي أحسن تمثل، ونحن لسنا الذين نرفعها، إنما نحن نرتفع بها؛ نحن نرتفع بهذا المنهج، وإذا سلكناه فإننا نكون مستحقين للتمكين الذي وعده الله للمؤمنين، فكلمة الله لا يرفعها البشر؛ لأن كلمة الله مرفوعة على كل حال، ولذلك قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٣]؛ ويقول في الآية الأخرى: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى﴾ [التوبة:٤٠] وإعراب: (السفلى) يكون مفعولاً به ثاني، والمفعول الأول (كلمة)، هذا في قوله: (وجعل كلمة) أما قوله: ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة:٤٠] فهذا استئناف وليست معطوفة على ما قبلها وإلا لكانت منصوبة؛ لأن كلمة الله عليا في كل الأحوال، والباطل يرتفع مثلما يرتفع الزبد أو الفقاعات الهوائية على سطح الماء لفترة محدودة، لكن لا تلبث أن تتلاشى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ [الرعد:١٧]، الله لا يحتاج إلينا كي نرفع كلمته، لكننا نرتفع بكلمة الله، ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر:١٠].
فمنهج أهل السنة والجماعة هو الدواء الأمثل الذي يستطيع التعامل بنجاح مع الأجواء التي انتشرت في واقع المسلمين المعاصر تماماً كما فعل من قبلنا، فهذا الواقع الأليم ليس له حل إلا أن نرفع شعارين: الأول مع بعض التجوز: الإسلام هو الحل، الثاني: السلفية هي الحل.
وقد سبق أن بينا أن الإسلام وحده لا يكون هو الحل، فالإسلام هو قرآن وسنة بفهم سلف الأمة، فإذاً: هناك شعار آخر، وحتمية الحل السلفي ليست مسألة اختيار، ولكنها طريق متعينة للتمكين لدين الله في الأرض، وأهمية ذلك تكمن في النماذج التي نراها.
الدولة الشيعية في إيران دولة تدعي أنها إسلامية، وفيها شيء كثير من الأشياء الطيبة -إذا سمعت عن أحوالهم- لكنها على غير أساس من العقيدة الصحيحة، فهي وبال على الإسلام في الحقيقة، وهذا موضوع طويل وكبير جداً لا نستطيع أن نخوض فيه الآن، والأفغان ضيعوا منهاج النبوة، وانتشرت فيهم الشركيات، ولم يهتموا بتصحيح العقيدة، وحاربوا السلفيين الذين دعوهم إلى العقيدة، فكان ما كان وما نراه الآن من هذه المآسي.
وأقول أخيراً: المنهج الوحيد الذي قدر على أن يقيم دولة في هذه العصور المتأخرة، وهو المنهج الوحيد الذي قام على منهج السلف: دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، والتي لا زالت أصداؤها وبركاتها إلى اليوم وإلى ما شاء الله تتردد في ربوع العالمين.
стр. 953
من خصائص المنهج السلفي: أنه الميزان الحقيقي لكل الناس
من خصائص المنهج السلفي أنه الميزان لجميع الناس، البشر غير معصومين، وهم الذين يوزنون به، فليس لأحد الحق في أن يحتكر مفتاح الدخول إلى السلفية عن طريقه، كأن يقول لك: وافقني وتابعني وإلا فأنت كذا وأنت كذا من هذه الألقاب التي يتنابزون بها، ويكفي للتدليل على أصالة هذه القاعدة أن أعظم من خدم المنهج السلفي من بعد القرن السابع هو شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن تيمية مع أنه أعظم من خدم هذا المنهج هو نفسه حوكم بالمنهج السلفي، فإذا افترضنا جدلاً صحة ما نسب إلى شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم من القول بفناء النار، فماذا كان موقف علماء السلف من هذه القضية؟ مع أن منهم من يقول: هو لم يقل ذلك؛ لأن هذا كلام في غاية الخطورة، ففيه خرق للإجماع، ومنهم من اعتذر عنه، ومنهم من أول كلامه بأنه يقصد فناء طبقة معينة من النار وهي طبقة عصاة الموحدين.
لكن هل يوجد أحد من علماء السلفيين وافق ابن تيمية لأنه ابن تيمية؟ لا نعرف هذا، فهذا يدل على أصالة هذا المنهج، وأن هذا المنهج هو الميزان، وأن السلفية لا تعرف صكوك غفران ولا بابيه، لا يوجد في السلفية: إن فلاناً هو باب إلى السلفية لا يمر إليها إلا من خلاله، ولا يتشرف بالمنهج أحد إلا إذا أعطاه الصك، فنحن لا نجزع إذا صدرت مخالفة أو اجتهاد خاطئ من بعض أعلام السلفية؛ لأننا نثق أن المنهج يعلو فوق الأشخاص، حتى إذا وجد خطأ من بعض من ينتسبون إلى السلفية فنكون مطمئنين تماماً؛ لأنه ما دامت الأرضية واحدة، والأصول التي يتحاكم إليها واحدة؛ فيسهل جداً حسم أمثال هذه القضايا.
стр. 954
علاقة المنهج السلفي بالتوحيد والعقيدة
تعتبر العقيدة قطب رحى المنهج السلفي، وهي المحور الذي تدور عليه، وهذا من أعظم مناقب المنهج السلفي على الإطلاق، وهو القيام بصيانة جناب التوحيد، وتعظيم قدره، والتصدي لجميع المظاهر الشركية، ولا يعرف أحد يهتم بالتوحيد كما يهتم به علماء السلفيين في كل العصور، ويصح فيهم العبارة التي قالها البعض: ليس التوحيد علماً ينتقل منه إلى غيره، ولكنه علم ينتقل معه إلى غيره.
فاهتمام السلفيين بقاعدة التوحيد، وإعطاء الأولوية المطلقة لدعوة التوحيد، هذا متوائم تماماً مع رسالة القرآن؛ لأن القرآن كله أمر بالتوحيد، والقرآن إما إخبار بالتوحيد، أو أمر بالتوحيد، أو تحذير من الشرك الذي يضاد التوحيد، أو بيان لدعوة الرسل للتوحيد، وموقف أممهم من التوحيد، وجزاء الذين يتبعون التوحيد، وجزاء الذين انحرفوا عن التوحيد، وحقوق التوحيد من الأحكام الفقهية والعبادة وغير ذلك، إذاً: كل القرآن في التوحيد.
وأيضاً السلفية تعتبر أعمق مظاهر التغيير العقدي، لا تحتقروا هذه الوظيفة، كونك تأخذ بيد شخص وتخرجه من عقيدة زائفة صوفية شركية باطلة إلى عقيدة السلف هذا إنجاز في غاية الخطورة، فبعض الناس إذا ذكرت عنده كلمة التغيير يصرفها إلى مفهوم الانقلابات، وإلى إقامة حكم إسلامي، ويحتقر كل ما عدا ذلك من التغيير، فأعمق صور التغيير هي تصحيح عقيدة الناس، وهي بلا شك من أعظم وأقدس الوظائف التي يقوم بها المنهج السلفي.
стр. 955
الرد على من يزعم أن قضايا العقدية قضايا نظرية
بعض الناس يسمون قضايا العقيدة قضايا نظرية، ويقولون: مالكم تحيون معارك تاريخية عفا عليها الزمان، ونحتاج إلى توضيح هذه الشبهة.
أولاً: قولهم إنها قضايا نظرية.
نقول: كيف تكون قضايا نظرية والاعتقاد والتصديق أساساً هو عمل القلب؟! الله يقول: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة:٢٢٥] فالقلب يكسب ويعمل، ويبغض ويحب، ويوالي ويعادي، فهذا كله عمل قلبي، وهو ركن من أركان العبادات القلبية، والعبادات القلبية أخطر من كل أنواع العبادات الأخرى، وكبائر القلب أخطر من كبائر الجوارح، فنقول: ليست كل القضايا العقدية هي عبارة عن ردود أفعال تجاه معارك تاريخية، لا، أنتم تعرفون أن أي مذهب شيوعي أو ماركسي له جانب نظري اعتقادي أو أكاديمي كما يقولون، ثم هناك جانب تطبيقي بعد ذلك، فلا يوجد مذهب إلا ويلزم أن يكون له ميثاق نظري يضبط أصوله وقواعده.
فكذلك هنا بالنسبة للمنهج السلفي أنت لا تستحق وصف الإيمان إلا إذا آمنت بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره من الله ، وهذا قول مجمل كما في حديث جبريل، وفسره القرآن والسنة، وأنت مطالب باستيعاب هذه النصوص بقدر استطاعتك حتى يصح وصفك بالإيمان.
فإذا تأملنا مثلاً أعظم آية في كتابة الله، هل سيسميها هؤلاء القوم آية نظرية لا داعي للاهتمام بها، مع ما لها من الفضائل؟ أعظم آية في كتاب الله هي آية الكرسي، ليس فيها إلا صفات الله ، نفي وإثبات، نفي النقص، وإثبات الكمال قال تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] إلى آخر الآية.
ما هي السورة التي هي تعادل ثلث القرآن؟ سورة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] تعدل ثلث القرآن، ليس فيها إلا صفة الله ، فالعقيدة ليست قضية نظرية، وهذا من جهل هؤلاء الناس الذين يزهدون في تعلم التوحيد بحجة أنها قضايا نظرية ينبغي الاشتغال بما وراءها.
ثانياً: إن الاهتمام بالقضايا العقدية إحياء لمعارك تاريخية.
نقول: نعم، إذا كانت الفرقة قد انقرضت، وقامت مساجلات ومعارك بين أهل البدع وبين علماء السلفيين فيما مضى، وانقرضت هذه الفرقة الآن؛ فعموم الناس وعموم طلبة العلم لا يحتاجون إلى الخوض وتجديد وإحياء معارك قديمة، لكن إذا كانت الانحرافات والضلالات والبدع الضالة سائدة وموجودة فيتعين على المسلم أن يتعلم ما يدفع به هذه الشبهات، فمثلاً: من خصائص السلفية صيانة التاريخ السلفي، وتحديد موقفنا مما شجر بين الصحابة كما هو منصوص عليه في متون الاعتقاد، فهل هذه قضية تاريخية؟ انظروا في كتب التاريخ التي تدرس لعامة الطلبة في المدارس، بكافة مراحلها، كيف تتناول الصحابة رضوان الله تعالى عنهم؟ كيف تتناول معاوية ﵁؟ كيف تتناول عمرو بن العاص؟ عمرو بن العاص الذي له في عنقنا -أهل مصر- أعظم المنة، عمرو بن العاص الذي قيضه الله لأن ينقذنا من الكفر إلى الإيمان، ومن الظلمات إلى النور، عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه ماذا يقال عنه في كتب التاريخ؟ تجد فيها سب بعض الصحابة، وهذا موجود، فهل يقال: هذا إحياء لمعارك تاريخية؟! دولة الرافضة موقفها من الصحابة لا يخفى، ولابد من توعية حتى لا يلتبس الأمر على الشباب.
وهكذا قضية الاعتقاد في صفات الله، ما هو المذهب المعتمد الآن في مصر وفي كثير جداً من بلاد العالم الإسلامي؟ المذهب المعتمد هو منهج الأشاعرة أساساً، وفي بعض البلاد مذهب الماتريدية.
يوجد الآن في عمان وبقاع من الجزائر وليبيا مذهب الإباضية من الخوارج، فضلاً عن الفرق التي ظهرت كفرقة التكفير والهجرة أو الخوارج الجدد.
مذهب المعتزلة الآن منهج محترم تماماً، ويدرس منهجهم في الجامعة، ويتحدث عن أبطال المعتزلة، ومآثرهم في الإسلام وكذا وكذا!! وهذا موجود في كراسي الجامعة.
فإذاً: الضلالات منتشرة في الحقيقة، ونحن نحتاج إلى المناعة من هذه الضلالات، وليست القضية قضية إحياء قضايا تاريخية كما يزعم هؤلاء الناس.
стр. 956
التفريق بين العقيدة وضوابطها
هنا نقطة مهمة جداً، وهي تهتم ببذل النصيحة للسلفيين أسداها فضيلة الدكتور عمر الأشقر حفظه الله تعالى، وهي بعنوان: ضرورة التفريق بين العقيدة وبين ضوابطها، يقول الدكتور الأشقر حفظه الله تعالى: هنا أمر عظيم لا بد أن يتنبه إليه، ألا وهو الفارق بين العقيدة وبين القواعد والضوابط التي وضعها علماؤنا في تمييز معتقد أهل السنة حماية لهم من أن يلتمس بغيره، ومخافة أن يضل المسلمون في باب الاعتقاد، والاعتقاد: هو العلم بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر، وقد تكفل الكتاب والسنة بتوضيح هذه الأصول توضيحاً ليس عنه بديل.
لا بد من أجل أن تدرس العقيدة وتكون مؤمناً مستحقاً لوصف الإيمان أن تعرف كيف تؤمن بالله؟ كيف تؤمن بأركان الإيمان الستة؟ أما ضوابط الاعتقاد: فهي تلك القواعد المنهجية التي تعصم صاحبها من الضلال في باب الاعتقاد، وقد وضع علماء أهل السنة والجماعة هذه القواعد في مقابل انحرافات الفرق الإسلامية في مجال الاعتقاد، فإن عامة المتون التي ألفت أو الكتب التي ألفت في شرح عقيدة أهل السنة والجماعة هي تدور حول قضايا أصول الدين في مقابلة الانحراف في هذه القضايا، وهي أحياناً لا تستوعب جميع القضايا، إنما فقط تخص القضايا التي تحقق اختلافاً في العقيدة، فيأتي بعقيدة أهل السنة والرد على البدع الضالة في نفس هذه العقيدة، فهذه الضوابط في غاية الأهمية لأنها تعصم من الانحراف في مجال الاعتقاد، وتحصن المسلم ضد تلك الانحرافات وذلك الضلال، فالعالم بهذه الضوابط يعرف كيف يرد على شبهات الخصوم ودحضها، وتحتاج دراستها إلى وقت طويل، لكن يقول الدكتور الأشقر: وأحب أن أقرر هنا أن هذه الضوابط والقواعد مع عظيم أهميتها لا يمكن أن توجد العقيدة الحية النابضة الدافعة إلى العمل والجهاد والمجاهدة، إن العقيدة التي ننشد إقرارها في أعماق النفوس وخفايا القلوب لا يمكن أن تبنيها القواعد الجافة، والضوابط المقننة، إن هذه الضوابط كالحائط الذي يوضع على حافة الطريق ليمنع السالكين من الخروج عن الجادة السوية، ولكن الحواجز التي تحجز السالكين عن الانحراف لا يمكن أن تمنح السالكين القوة الدافعة التي تجعلهم ينطلقون في مسارهم بالسرعة المطلوبة؛ إن الذي يوجد القوة الدافعة النابضة في أعماق النفوس لون آخر من العقيدة، وأعني بذلك العقيدة التي تقوم على العلم الذي يسوقه القرآن والسنة في الحديث عن الله وعظمته وقدرته، ورحمته وهدايته، وأفعاله في خلقه.
وهو نقل هذه المسألة عن السفاريني حيث يقول: فما ينبغي أن يعلم أن القواعد الكلامية ما رتبت هذا الترتيب وبوبت هذا الترتيب لتؤخذ منها الاعتقادات الإسلامية والقواعد الدينية، بل المقصود منها ليس إلا دفع شبه الخصوم، ودحض نهج أهل البدع والضلال.
ثم يقول الدكتور الأشقر: وإذا كان الأمر على ما بينت فإن مسايرة العاملين بالإسلام تحتاج إلى شيء من المراجعة والتدقيق، فليس العقائديون هم الذين يعلمون ضوابط العقيدة وحدها، ويعنون بها عنايةً كبيرة، ثم يظنون أنهم حققوا المطلوب، وأصبحوا الفئة المختارة المتميزة عن غيرها، إن معرفة الضوابط والعلم بها أمر ضروري ولكنه لا يكفي، والذي يجب أن تشغل به الجماعات ويشتغل به الأفراد شغلاً كبيراً هو بناء المعرفة الواسعة بالله، وملائكته، ورسله، وكتبه، واليوم الآخر، والقدر.
تعرفون مجموعة الدكتور الأشقر (العقيدة في ضوء الكتاب والسنة) هذه هي العقيدة، وبعض كتب التوحيد تفصل الاعتقاد مثل معارج القبول مثلاً، وبعض الكتب العقدية فيها بعض الزلل، وهي لا تكفي في استيعاب العقيدة التي تتفاعل مع الخلق كما قال ﵎ في شأن المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المعارج:٢٦ - ٢٧] فالإشفاق يحصل من التصديق الذي يترتب عن التأثر بهذه النصوص.
стр. 957
من خصائص المنهج السلفي المهمة
من خصائص السلفية سد ذرائع الشرك، والكلام في هذا طويل جداً.
كذلك: السلفية درع الأمة الواقي من الضلالات القديمة والمعاصرة، ومعروف كلام السلف في ذم أهل الهوى والبدع، وكيف حذروا منهم، وهذا موضوع مستقل، وهناك مواقف محددة للسلفية من هذه الفرق مثل الأشاعرة الماتريدية الشيعة الخوارج المعتزلة الصوفية وأيضاً الفرق المعاصرة.
كذلك من خصائص السلفية: التزكية التي هي وظيفة النبي ﷺ قال تعالى: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة:١٢٩]، فالسلفية لا بد أن ينعكس فيها السلوك العملي، فنحن لا نجزئ هدي محمد ﷺ ، فإن هدي محمد ﷺ شامل في كل أحواله، في عقيدته في عبادته في جهاده في سلوكه، فالسلفية لها منهج شامل لكل نواحي الحياة.
عن عاصم بن عصام البيهقي قال: بت ليلةً عند أحمد بن حنبل فجاءني بماء فوضعه، فلما أصبح نظر إلى الماء بحاله، فقال: سبحان الله! رجل يطلب العلم لا يكون له ورد بالليل! هذا هو المنهج السلفي، فيحتاج الأمر للمقارنة بين منهج التزكية -تصفية النفوس وتزكيتها- عند أهل السنة الجماعة والصوفية، لكن نحيل إلى مصادر تتتبع أحوال السلف في جانب العبادة مثل كتاب حلية الأولياء وسير أعلام النبلاء.
كذلك من خصائص السلفية: الاتباع، فإن الاتباع هو ثمرة محبة النبي ﷺ ، وهو الذي أمرنا به في القرآن، قال تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:١٥٨]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]، فالسلفية موقفها معلوم من التقليد والمذهبية والاتباع، وجهود السلفية كبيرة في تطهير الأمة من أدران البدع بأنواعها، وبلا شك فإن السلفية أبعد الجماعات من البدع، وهذا أمر لا يجادل فيه أحد.
كذلك من خصائص السلفية: أنها علاج لمرض الفرقة، بل هي العلاج الوحيد الناجع لمرض الفرقة، ويكفي أنها دائماً تقترن بأهل السنة والجماعة، فالسلفية تجمع على الحق، وليست تجمعاً على حساب الحق، بعض الناس العاطفين يتألمون لفرقة المسلمين، لكنهم لا ينهجون منهجاً علمياً في التجميع، بل قد يكون تجمعهم على حساب الحق، يقول لك: نتعاون فيما اتفقنا فيه، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه، فهل نعذر الشيعة في اعتقادهم بتحريف القرآن؟! هل نعذر الخوارج بتكفيرهم الصحابة؟ نقد هذه القاعدة موضوع مهم وكبير، ولكن كما قلنا: السلفية تجمع على الحق، التجمع شبه كلمة (الجماعة)، على الحق شبه كلمة (السنة)، فهم أهل السنة والجماعة، تجمعوا على الحق، وليس تجمعهم على حساب الحق.
يقول تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ [البقرة:١٣٧]؛ فإذا خرجنا عن المثلية وقعنا في الشقاق، ويقول: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٠٣]، وقال ﵇ لما أخبر بوقوع الفرقة: (فعليكم بسنتي) فهذا هو علاج الفرقة، (وإياكم ومحدثات الأمور!) فالبدع تفرق كما ذكرنا.
стр. 958
منهج السلف هو المنهج الوحيد الذي يتبنى مبدأ إصلاح ذات البين
منهج أهل السنة والجماعة هو المنهج الوحيد الذي يتبنى بحق مبدأ إصلاح ذات البين، قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال:١].
مما يمارسه علماء السلفيين ودعاة أهل السنة والجماعة من تنقية العقيدة من الشوائب، وتطهير المنهج من الأدران، وتوضيح المنهج الصحيح؛ كل هذا الجهاد هو عين إصلاح ذات البين، أما أن نقول: إن إصلاح ذات البين أن نؤلف رابطة مشتركة بين الشيعة والسنة والخوارج والجهمية والقدرية والقرآنيين وكل هؤلاء الضلال، فهذا تجمع على حساب الحق، وليس تجمعاً على الحق.
إصلاح ذات البين مارسه أئمة السلفيين في كل العصور، مارسه ابن عباس حينما حاور الخوارج، فإصلاح ذات البين: أن تنقذهم من الفرق النارية، وأن تعيدهم إلى الفرقة الناجية، هذا هو إصلاح ذات البين، وهذا هو الفهم الصحيح لإصلاح ذات البين.
الإمام أحمد أصلح ذات البين عندما صبر أمام البدعة رغم امتحانه، وشيخ الإسلام ابن تيمية أصلح ذات البين بجهاد الفرق الضالة.
يوجد كلام طيب جداً للدكتور سفر الحوالي في كتابه: منهج الأشاعرة في العقيدة، فيه الرد على الذين يطالبون بالتجميع العاطفي بين أهل السنة والجماعة وغيرهم، وهو كلام في غاية القوة، وفيه رد على قاعدة المنار التي يسمونها القاعدة الذهبية، ويبدو أنها ذهب مزيف! فبعض الناس يقول: أنتم تفرقون بين المسلمين، والكلام في التوحيد يفرق بين المسلمين! فنقول: إذا كان الكلام في التوحيد هو الذي يفرق فهذا تفرق مطلوب؛ لأن محمداً ﵊ فرق بين الناس، يفرق بين الحق وبين الباطل.
ونقول: من أراد توحيد المسلمين فأيدينا في يده، والباب مفتوح على مصراعيه، ونشترط عليه فقط أن يرجع إلى منهج أهل السنة والجماعة، ويتبنى المنهج السلفي، فلا طريق لتوحيد المسلمين إلا أن يتجمعوا على هذا المنهج.
والسلفية: عبارة عن فكر واحد لكل العقول، وهذا يؤدي إلى حل واحد لكل المشاكل في الغالب، إذا توحدت العقيدة والمواقف فإنك تجد أن هناك أشياء لا يمكن أن يتورط فيها سلفي، لما قامت ثورة الخميني عليه من الله ما يستحقه، تورط كثير من قادة العمل الإسلامي للأسف الشديد، وإلى الآن لا يستحون من مدح الخميني ويسمونه إمام المسلمين! والسلفيون على غير تواطؤ منهم في شتى بقاع العالم لم يقعوا في هذه الزلة، لا يعرف أن سلفياً واحداً تورط في موالاة الخميني ودولته الشيعية، هل هناك تواطؤ؟ وهل عملوا مؤتمراً ووحدوا فيه الموقف؟ لا، إذا توحدت المفاهيم والأفكار والموازين ينشأ عنها تلقائياً توحد المواقف، فالنجاة من النار بأن تكون على مثل ما كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه، وهؤلاء يلعنون أصحابه، ويكفرونهم، ويشتمون جميع أصحابه رضي الله تعالى عنهم، فكيف تكون النجاة سالمةً مع هؤلاء المجرمين؟ هذه قضية كبيرة، لكن نقول باختصار شديد: التجميع العاطفي هو إضافة أمراض إلى أمراض الأمة، وتضليل للأمة، والتجميع الصحيح هو قوله ﷺ : (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين)، وهذا هو الحل الصحيح لهذه المشكلة.
стр. 959
نقد بعض القواعد المشاعة في العصر
هناك قواعد مضادة للسلفية يتحاكم إليها بعض الناس ينبغي التحذير منها، من هذه القواعد: تقديم العقل على النقل.
وقولهم: منهج السلف أسلم ومنهج الخلف أعلم وأحكم، ومعناه: أن الخلف أعلم من السلف، وحجتهم في ذلك: أن الخلف ألفوا مئات المجلدات، والسلف ما ألفوا، ويظنون أن كثرة الكلام تدل على كثرة العلم، وهذا جهل، وقد تصدى لبيان هذا الأمر الإمام ابن رجب الحنبلي في كتابه: فضل علم السلف على الخلف.
ومن هذه القواعد قول البوطي: السلفية فترة زمنية مباركة، وهذا ضلال، لا، السلفية ليست فترة زمنية مباركة، السلفية منهج شامل وممتد إلى آخر الزمان: (لا تزال طائفة من أمتي) أي: باستمرار.
وتوجد عبارة يقولها بعض الإخوة الأفاضل، وينبغي التحرز منها وهي قولهم: سلفية المنهج عصرية المواجهة، السلفية ينبغي ألا تعطى بعداً زمنياً، ونحن نتسلح بقواعد المنهج السلفي، ونتعامل مع كل المتغيرات ومع كل العصور، بمعنى آخر: نتعامل مع المستجدات بالأسلوب الذي كان سيتعامل به الصحابة وأئمة السلف لو عاشوا في عصرنا.
وهذه قاعدة يساء تطبيقها: (من لم يكفر الكافر فهو كافر)، فيستعملها بعض الخوارج الجدد لإرغامك على أن تتبنى تكفير المسلمين، ولا يطبقونها في موضعها الصحيح.
يبقى الكلام على مجدد القرن الثاني عشر الهجري شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، وأعلام السلفية في العصر الحديث كالشيخ محمود شكري الألوسي والقاسمي والشيخ محمد بهجت البيطار والإمام عبد الحميد بن باديس والعلامة أحمد شاكر والشيخ محمد حامد الفقي والدكتور هراس والشيخ عبد الرزاق عفيفي وهناك كثير من العلماء المعاصرين معلومون لدينا جمعياً.
أيضاً هناك بحث حول السلفية في مواجهة التحديات، والصراعات في شتى أحقاب التاريخ بين السلفيين ومخالفيهم، وهذا موضوع طويل.
وهناك مناقشة للموقف من العلماء الذين أولوا بعض الصفات أو خالفوا المنهج السلفي في بعض القضايا، هذه المسائل نرجو إن شاء الله أن نبينها فيما بعد.
стр. 960
هل نحن سلفيون حقاً ؟
هل نحن سلفيون حقاً؟ قد عرضنا بحسب الاستطاعة، ولكن نحن مطالبون بالنقد الذاتي حتى لا نظلم السلفية ونسيء إليها، وعلينا أن نراجع أنفسنا كثيراً جداً، والآن ينتشر إهمال دارسة التوحيد، وإهمال ضبط ضوابط العقيدة السلفية، وقد حصل من إهمال العقيدة نفسها نتوءات موجودة في بعض السلفيين ومنها: تطاول البعض على الأئمة والعلماء، وادعاء أن هذا من ملامح السلفية.
تسرب المظاهر الحزبية العصبية الجاهلية في التعامل مع الآخرين، بل وظهور التحزب.
عدم التثبت في النقل، ولا بد من احترام المنهج السلفي في كثير من الاتهامات، والتشنيع على كثير من الدعاة ما حصل إلا بسبب عدم احترام المشنعين للمنهج السلفي الذي ينتمون إليه، فالتحقق والتثبت في النقل قل التورع فيه عند كثير من الدعاة.
كذلك موضوع الجدل والمراء، والتنطع بكثرة الأسئلة، وتشديق الكلام، فهذا كله يخالف المنهج السلفي، وغير ذلك من الأشياء التي نرجو إن شاء الله تعالى فيما بعد أن نفصلها.
стр. 961
أبرز علماء الجماعة السلفية ابن تيمية
نختم الحديث عن أبرز أعلام السلفية بعد الإمام أحمد، ونحن نحتاج إلى دراسة تراجم للأئمة السلفية، وبالذات المحطات الرئيسية، مثل أحمد بن حنبل ابن تيمية محمد بن عبد الوهاب لكن ابن تيمية أنا أسميه: رجل كل العصور، وشيخ الإسلام ابن تيمية يعتبر نادرة الزمان في الحقيقة، وهو باعث النهضة السلفية، ومجدد الدين بلا نزاع رحمه الله تعالى، شيخ الإسلام ترك آثاراً في كل العصور التي جاءت بعده إلى اليوم، وكثير من القضايا الدعوية والعلمية في شتى مجالات المعرفة الإسلامية نحتاج فيها إلى أن نغترف من مائدة شيخ الإسلام ونقتبس من أنوار كلماته، وهي قضايا معاصرة كثيرة جداً مثل: قضية الحزبية الجاهلية، وقضايا تصنيف الناس، وقضايا البرلمانات، وقضايا العمل الجماعي يعني: قضايا كثيرة جداً من القضايا الحيوية والواقعية، ونتعامل مع كتب شيخ الإسلام كأنه يعيش معنا في نفس الواقع، ونستفيد جداً من كتبه، أنا أقتبس عبارة قالها الأستاذ مالك بن نبي المفكر الجزائري المعروف رحمه الله تعالى، عبارة لو أنصف الناس لانتبهوا لها جيداً يقول: اجتهاد ابن تيمية وتراثه يمثل الترسانة الفكرية التي لا زالت تمد الحركات الإصلاحية بالأفكار النموذجية إلى اليوم.
стр. 962
ثناء ابن شيخ الحزامي على ابن تيمية
ممن حثوا على الاحتفال بتراث شيخ الإسلام ابن تيمية الشيخ عماد الدين أحمد بن إبراهيم الواسطي المعروف بابن شيخ الحزاميين رحمه الله تعالى، فهذه بعض العبارات التي يقولها في هذه الرسالة: إلى فلان وفلان وفلان وغيرهم من اللائذين بحضرة شيخهم، وشيخنا السيد إمام الأمة الهمام، محيي السنة، وقامع البدعة، ناصر الحديث، مفتي الفرق، الفائق عن الحقائق وموصلها بالأصول الشرعية للطالب الذائق، الجامع بين الظاهر والباطن، فهو يقضي بالحق ظاهراً وقلبه في العلا قاطن، أنموذج الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين، الذين غابت عن القلوب سيرهم، ونسيت الأمة حذوهم، فذكرهم بها الشيخ، فكان لدارس نهجهم سالكاً، ولموات حذوهم محيياً، ولأعنة قواعدهم مالكاً، الشيخ الإمام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية رحمه الله تعالى.
وابن تيمية نشأ في بيت علم، أبوه وجده أئمة، وجده هو المجد بن عبد السلام يقولون فيه: كان إماماً جليلاً، وكان نجماً لكنه لم يظهر بسبب نور الشمس وضوء القمر، نور الشمس يعني: حفيده شيخ الإسلام، وضوء القمر والد شيخ الإسلام رحمه الله تعالى؛ لأن شيخ الإسلام سطع نوره بحيث غطى على أبيه وجده رحمهم الله تعالى أجمعين.
ثم يقول مخاطباً السلفيين في عصره: واعلموا أيدكم الله -وهو من تلامذة شيخ الإسلام - أنه يجب عليكم أن تشكروا ربكم تعالى في هذا العصر، حيث جعلكم بين جميع أهل هذا العصر كالشامة البيضاء في الحيوان الأسود، لكن من لم يسافر إلى الأقطار، ولم يتعرف أحوال الناس، لا يدري قدر ما هو فيه من العافية، فأنتم إن شاء الله تعالى في حق هذه الأمة الأولى، كما قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]، وكما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ [الحج:٤١]، أصبحتم تحت سنجق -يعني: لواء وراية- رسول الله ﷺ إن شاء الله تعالى، مع شيخكم وإمامكم، وشيخنا وإمامنا، فقد تميزتم عن جميع أهل الأرض -فقهائها وفقرائها، وصوفيتها وعوامها- بالدين الصحيح.
ثم ظل يسرد الفروق بينهم وبين هذه الطوائف التي ذكرها في كلام رائع جداً في الحقيقة فقال: ثم اعرفوا -إخواني- حق ما أنعم الله عليكم من قيامكم بذلك، واعرفوا طريقكم إلى ذلك، واشكروا الله تعالى عليه، وهو أن الله أقام لكم ولنا في هذا العصر مثل سيدنا الشيخ الذي فتح الله به أقفال القلوب، وكشف به عن البصائر عمى الشبهات، وحيرة الضلالة، حيث تاه العقل بين هذه الفرق، ولم يهتد إلى حقيقة دين الرسول ﵌، إلى أن يقول أيضاً: فاشكروا الله الذي أقام لكم في رأس السبعمائة من الهجرة من يبين لكم أعلام دينكم وهداكم الله به وإيانا إلى نهج شريعته، وبين لكم بهذا النور المحمدي ضلالات العباد وانحرافتهم إلى آخره.
ثم يقول: ثم إذا علمتم ذلك فاعرفوا حق هذا الرجل -الذي هو بين أظهركم- وقدره، ولا يعرف حقه وقدره إلا من عرف دين الرسول ﷺ وحقه وقدره، فمن وقع دين الرسول ﷺ من قلبه بموقع يستحقه عرف حق ما قام به هذا الرجل بين أظهر عباد الله، يقوم معوجهم، ويصلح فسادهم، ويلم شعثهم جهد إمكانه في الزمان المظلم الذي انحرف فيه الدين، وجهلت السنن، وعهدت البدع، وصار المعروف منكراً والمنكر معروفاً، والقابض على دينه كالقابض على الجمر، فإن أجر من قام بإظهار هذا النور في هذه الظلمات لا يوصف، وخطره لا يعرف.
ثم يقول: فالله الله في حفظ الأدب معه، والانفعال لأوامره، وحفظ حرماته في الغيب والشهادة، وحب من أحبه، ومجانبة من أبغضه وتنقصه، ورد غيبته والانتصار له في الحق.
ثم يقول أيضاً في شيخ الإسلام: واعلموا -رحمكم الله- أن هنا من سافر إلى الأقاليم، وعرف الناس وأذواقهم، وأشرف على غالب أحوالهم، فوالله ثم والله لم ير تحت أديم السماء مثل شيخكم علماً وعملاً، وحالاً وخلقاً، واتباعاً، وكرماً وحلماً في حق نفسه، وقياماً في حق الله عند انتهاك حرماته، أصدق الناس عقداً، وأصحهم عزماً، وأنفذهم وأعلاهم في انتصار الحق وقيامه همة، وأسخاهم كفاً، وأكملهم اتباعاً لنبيه ﷺ ، ما رأينا في عصرنا هذا من تستجلى النبوة المحمدية وسنتها من أقواله وأفعاله إلا هذا الرجل، بحيث يشهد القلب الصحيح أن هذا هو الاتباع حقيقةً، إذا علمتم ذلك -أيدكم الله تعالى- فاحفظوا قلبه، فإن مثل هذا قد يدعى عظيماً في ملكوت السماء، واعملوا على رضاه بكل ممكن، واستجلبوا وده لكم وحبه إياكم بمهما قدرتم عليه، فإن مثل هذا يكون شهيداً، والشهداء في العصر تبع لمثله.
ثم يقول أيضاً: فإني أستخير الله تعالى، وأجتهد رأيي في مثل هذا الرجل وأقول انتصاراً لمن ينصر دين الله بين أعداء الله في رأس السبعمائة، فإن نصرة مثل هذا الرجل واجبة على كل مؤمن كما قال ورقة بن نوفل: لئن أدركني يومك لأنصرنك نصراً مؤزراً.
стр. 963
ثناء ابن القيم على ابن تيمية
ابن القيم نفسه رحمه الله تعالى ما هو إلا شعاع من نور ابن تيمية، وإلا فأشعة شيخ الإسلام كثيرة كـ ابن القيم وابن عبد الهادي وابن كثير والذهبي وغيرهم من الأئمة، كلهم أشعة من نور شيخ الإسلام، وقد حكى ابن القيم قصته مع شيخه في شعره المشهور فقال: يا قوم بالله العظيم نصيحةً من مشفق وأخ لكم معوان جربت هذا كله ووقعت في تلك الشباك وكنت ذا طيران حتى أتاح لي الإله بفضله من ليس تجزيه يدي ولساني حبراً أتى من أرض حران فيا أهلاً بمن قد جاء من حران أخذت يداه يدي وسار فلم يلن حتى أراني مطلع الإيمان وأبصرت أسوار المدينة حولها نزل الهدى وعساكر القرآن وأبصرت آثاراً عظيماً شأنها محجوبةً عن زمرة العميان إلى آخر كلامه في النونية المعروفة.
стр. 964
ثناء ابن مري على ابن تيمية
آخر شيء نختم به الكلام هذه الرسالة القيمة، وهي عبارة عن قطعة من مكتوب الشيخ الإمام الزاهد شهاب الدين أحمد بن مري الحنبلي أحد تلامذة شيخ الإسلام ابن تيمية كتبه إلى حنابلة دمشق يعزيهم بالمصاب بعد وفاة الشيخ، ويوصيهم بنسخ تآليفه من المسودات والاحتفاظ بها، وبمراجعة الإمام ابن القيم، ويبشرهم بالعاقبة الحسنة، ويذكرهم بأخلاق الشيخ عليه الرحمة والرضوان.
وقد تعجبت من فراسة هذا الرجل، لما بلغه موت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أرسل يعزي أصحاب الشيخ رحمه الله تعالى، وعلى رأسهم ابن القيم في المصيبة الجلل التي وقعت بوفاة شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وأوصاهم وقال عبارات هي في غاية الروعة.
فيقول مثلاً: وكما انتفع بكلام الأئمة قبله، فكذلك ينتفع بكلامه ممن بعده إن شاء الله تعالى، أي: كما أن ابن تيمية أسس مذهبه على اتباع الأئمة الماضين فسوف يكافئه الله بأن يجعله إماماً يقتدي به من يأتي بعده.
تعرفون أن الدعوة الوهابية ما هي إلا صدى تطبيقي لدعوة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وأنتم تعرفون الآن الاهتمام العجيب بتراث شيخ الإسلام ابن تيمية مما يدل على أن هذا بركة إخلاصه والقبول الذي وضع لعلمه رحمه الله تعالى، رغم الحرب الضروس التي حوربت به مؤلفات شيخ الإسلام؛ حتى إن الأمير عبد القادر الجزائري هذا كان أخذ على نفسه أن يستأصل كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وكان يبحث عن كتب شيخ الإسلام، فمن كان عنده شيء منها أحرقه، ولعلكم تعرفون أن شارح الطحاوية أبهم اسمه، وكتاب: غاية الأماني في الرد على النبهاني طبع بغير اسم المؤلف محمود شكري الألوسي؛ لشدة الاضطهاد الذي كان يمارس في زمن الدولة العثمانية لكتب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، والعجيب أنه إلى اليوم يوجد في تركيا مراكز تنشر كتباً ومطبوعات توزعها مجاناً، وبعض هذه الكتب تشتم شيخ الإسلام، وتشتم الدعوة الوهابية بطريقة مضحكة، إلى الآن تركيا التي وصلت إلى ما وصلت إليه ما زالت بعض الهيئات هناك تقوم بمحاربة الدعوة السلفية.
فالشيخ محمود شكري الألوسي أبهم اسمه خوفاً من الاضطهاد الذي كان سيتعرض له لو جهر باسمه على أنه سلفي؛ كذلك شرح الطحاوية لـ ابن أبي العز بقي الكتاب مدة كبيرة لا يعرف مؤلفه؛ وعلة ذلك أن السلفيين كانوا مضطهدين في ذلك الزمن.
فانظر سبحان الله! كيف مرت العصور والأجيال، وها نحن اليوم نشاهد الأمة تنتفع الآن بتراث شيخ الإسلام.
ثم يقول: ووالله -وتأملوا هذه العبارة العجيبة- إن شاء الله ليقيمن الله لنصر هذا الكلام ونشره، وتدوينه وتفهمه، واستخراج مقاصده، واستحسان عجائبه رجالاً هم إلى الآن في أصلاب آبائهم! وهذه هي سنة الله الجارية في عباده وبلاده، والذي وقع من هذه الأمور في الكون لا يحصي عدده غير الله تعالى، ومن المعلوم أن البخاري مع جلالة قدره أخرج طريداً ثم مات بعد ذلك غريباً، وعوضه الله سبحانه عن ذلك بما كان لا يخطر في بال، وشيخ الإسلام مات وهو في السجن، والدولة كانت ضده، لكن انظر إلى احتفال الأمة به وبتراثه.
وقد ذكر هنا أن البخاري طرد ومات غريباً رحمه الله تعالى، وعوضه الله عن ذلك بما لا خطر في باله ولا مر في خياله، من عكوف الهمم على كتابه، وشدة احتفالها به، وترجيحها له على جميع كتب السنن؛ وذلك لكمال صحته، وعظمة قدره، وحسن ترتيبه وجمعه، وجميل نية مؤلفه، وغير ذلك من الأسباب، ونحن نرجو أن يكون لمؤلفات شيخنا أبي العباس من هذه الوراثة الصالحة نصيب كثير إن شاء الله تعالى؛ لأنه كان بنى جملة أموره على الكتاب والسنة، ونصوص أئمة سلف الأمة، وكان يقصد تحرير الصحة بكل جهده، ويدفع الباطل بكل ما يقدر عليه، لا يهاب مخالفة أحد من الناس في نصرة هذه الطريقة، وتبيين هذه الحقيقة، وتسهيل العبارات، وجمع أشتات المتفرقات، والنطق في مضايق الأبواب بحقائق فصل الخطاب ما ليس لأكثر المصنفين في أبواب مسائل أصول الدين وغيرها من مسائل المحققين.
يقول: فكانت مقاصده وتحقيقاته في هذا الباب العظيم عجباً من عجائب الوجود.
ثم يوصيهم بشيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله تعالى فيقول لهم: تلميذه ابن القيم حافظوا عليه، هو أعلم الناس بعلم شيخ الإسلام.
ولو قرأتم الرسالة فهي شيء عجيب يقول لهم: انتبهوا! كتاب شيخ الإسلام في الفلسفة كتاب لا نظير له في الرد على الفلاسفة، توجد منه نسخة عند الشيخ فلان، وناقصة منها الورقة الأخيرة، فابحثوا عنها في المكان الفلاني، يعني: كان يعطيهم تعليمات على الرغم من البعد، ويبين لهم كيف يحصلون على هذا التراث لشيخ الإسلام ابن تيمية، ثم يوصيهم بـ ابن القيم وكنيته أبو عبد الله يقول: والشيخ أبو عبد الله سلمه الله فهو بلا تردد واسطة نظام هذا الأمر العظيم فأعدوه، وأزيلوا ضرورته، واجمعوا همته، واغتنموا بقية حياته، واقبلوا نصيحتي فيمن الحقيقة من هذا كله كما كنت أتحقق، إن اغتنام أوقات الشيخ وجمعها على التأليف والإتقان والمقابلة خير من صرفها في مجرد المفاكهة اللذيذة والمنادمة، النفوس فرطت كثيراً في ذلك الحال، والله المسئول بأن يكفها مضرة كمال الفوت الذي لا يعوض عنه بحال إنه رءوف رحيم جواد كريم؛ فإن يسر الله تعالى وأعان على هذه الأمور العظيمة صارت إن شاء الله مؤلفات شيخنا ذخيرة صالحة للإسلام وأهله، وخزانة عظيمة لمن يؤلف منها وينقل الطريقة السلفية على قواعدها، ويستخرج ويختصر إلى آخر الدهر إن شاء الله تعالى؛ قال ﷺ : (لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرساً يستعملهم فيه بطاعة الله).
فهو يقول لهم: حافظوا على تراث شيخ الإسلام حتى تأتي أجيال فيما بعد تنتفع بهذا التراث؛ لأن الرسول قال: (لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرساً يستعملهم فيه بطاعة الله) وقال ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة)، والله يقول في كتابه: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٨].
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 965
دور المرأة في التربية والدعوة إلى الله
لقد كرم الدين الإسلامي المرأة، وجعل لها حقوقاً وجعل عليها واجبات، وأناط بها أعظم وأهم وظيفة، ألا وهي القيام على إعداد الأجيال الذين سيكونون هم حملة هذا الدين، فأنعم بها من مهمة وأنعم به من قائم بها حق القيام.
إن دور المرأة في التربية لهو النواة الأساسية لقيام المجتمعات القوية المترابطة المتماسكة، وكذلك في مجال الدعوة إلى الله .
стр. 966
ضرورة المحافظة على الفطرة منذ الصغر وأهميتها
الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، لاسيما عبده المصطفى، وعلى آله وصحبه.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
إن المسلمين لما صحوا من غفلتهم رأوا الهوة بينهم وبين الإسلام عميقة، فقد علموا أن خير الهدي هدي محمد ﷺ ، وقد أيقنوا أن هدي رسول الله ﷺ يرشدنا لمنع هذه الفجوة، ويقودنا في المقام الأول -كي نصلح أحوالنا- إلى أن نسلك نفس النهج الذي سلكه رسول الله ﵌، وهو الاهتمام بتربية الجيل الأول -الجيل القرآني الفريد- ببناء المجتمع المسلم، وبناء النواة الأساسية له، ألا وهي الفرد المسلم، وكثرت بعد ما يسمى بالصحوة الإسلامية البيوت الإسلامية، وتضاعف عددها عن ذي قبل عشرات، بل مئات المرات، هذه البيوت ينتظر منها أن تقدم اللبنات، أولئك الأفذاذ الذين يشكلون أعمدة رأسية في البناء؛ كي تحمل ثقل هذا البناء فيما بعد، واليوم يعد البيت من أهم المؤسسات التربوية، ودوره أخطر من دور المدرسة والشارع والمجتمع بإعلامه وأنديته وأجهزته، فالبيت يتسلم الطفل من البداية في أهم وأخطر مراحل حياته، فالطفل يولد على الفطرة كما قال ﵊: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه)، فإذا قدر لهذا المولود بيئة سليمة نقية حافظت على هذه الأمانة، وهي نقاء الفطرة وصفاؤها، ورسخت في قلبه العقيدة والتوحيد والولاء لله ولرسوله.
وأذكر هنا قصة ذكرها أستاذنا الدكتور محمد الصبار حفظه الله تعالى عن الشيخ مالك بن نبي الفيلسوف الجزائري المعروف، فقد جاءه رجل ولدت له بنت، فسأله عن نصائحه وتوجيهاته في تربية البنت، فقال: كم عمرها؟ قال: ثلاثة أشهر.
قال: فاتك القطار، فاتك القطار.
فقال بعد ذلك: ظننت أني كنت مبالغاً في هذا الجواب الذي أجبت به ذلك المستنصح.
يقول: لكنني لما تأملت حال الناس وجدت أن ما قلته عين الإصابة، وأنني لم أخطئ ولم أبالغ في قولي لهذا الرجل: فاتك القطار؛ لأنه تأخر عن الاستعداد لتربية ابنته لمدة ثلاثة شهور أو تزيد.
يقول: وذلك أن الأم إذا عودت طفلها من اللحظات الأولى على أنه كلما صرخ تلقمه الثدي كي يرضع وتسكته بذلك فإن هذا يشب على نفس هذا الأسلوب التربوي، فكلما ضربه اليهود تراه يفزع إلى مجلس الأمن صارخاً وباكياً! ففي الحقيقة أن الطفل شديد الصلة ولصيق الصلة بأمه التي تعد العماد الأساسي للعملية التربوية، وأي خطأ ترتكبه الأم الجاهلة خاصة في هذه المراحل الأولى فإنه ينعكس في مراحل بعيدة جداً من حياة هذا الصغير.
والغربيون نجحوا أيما نجاح في دراسة هذه الأمور وتحليلها ودراستها من الناحية النفسية، حتى عرف عنهم أن الأم تبدأ في تربية الطفل قبل أن يولد، فإن الأم في فترة معينة من مراحل نمو الجنين وهو في بطنها تبدأ تمرنه وتعوده على حركات معينة تفعلها، بل إنها تكلمه حتى يتعود على صوتها وهو في داخل رحمها، وتعوده على بعض التعبيرات حتى إذا ما خرج يكون قد ألف هذا الصوت، وتقفز لذلك مراحل كثيرة.
أما نحن فنظل ننظر إلى الطفل في أغلب أحوالنا على أنه مضغة لحم، وأنه لعبة ملهية نتسلى بها ونضحك بها، ويشب على المبالغة في التدليل الذي يفسده، ونعامله دائماً على أنه طفل، وعلى أنه صغير، نحقره ونهمله ولا نهتم به، وهذه من التربية المنحرفة.
فالطفل يبدأ حينما يولد بالتعرف على الأم، فأول ما يبدأ يتعرف على أمه برائحتها، ثم بعد ذلك يتعرف على أمه بصوتها، وتكون لغة الأم هي أول ما يخلده ذلك الطفل.
ومن المعلوم أيضاً أن أثر غياب الأم بالذات في هذه المراحل الأولى من التغذية يفوق أثر غياب الأب على الأطفال، ونلمح ذلك من حكمة الشريعة الحنيفية حينما شرعت حق الحضانة في هذه المراحل الأولى للأم؛ لأن الأب لا يستطيع أن يقدم ما تقدمه هذه الأم.
ومما يدل على خطورة هذه المرحلة طول الفترة التي يقضيها الطفل في البيت أطول من غيرها، كذلك الوالدان هما أقرب الناس إلى الطفل، وينحصر الطفل في مصادر التلقي التي يتلقى منها القيم والمفاهيم والآداب والأخلاق فقط بصفة أساسية في والديه، ويكون أبواه في عينيه أعظم إنسانين في الوجود، فيتلقى كل ما يلقيان إليه بقبول مطلق، لذلك فإن مهمة الأبوين ومهمة الأم المسلمة والأسرة المسلمة في المقام الأول هي المحافظة على هذه الفطرة التي فطر الله ﵎ عليها الطفل.
стр. 967
وظيفة البيت في التربية وأهميتها
مرحلة الطفولة الإنسانية في بني الإنسان أطول منها في سائر الكائنات الحية الأخرى، وما كان ذلك كذلك إلا من أجل أن تتوافر فترة أطول لتربية هذا الكائن المتميز، مما يؤكد خطورة وظيفة البيت في التربية؛ لأن المدارس الإسلامية في العالم الإسلامي الآن قليلة مع وجود كثير من القيود، وفي بعض البلاد تقوم المدارس التي تصنع المستقبل عن طريق صياغة عقول هذه الأجيال وهؤلاء الأبطال، فهي في الحقيقة لا تقصر فقط في تربيتهم التربية الإسلامية التي تؤهلهم كي يكونوا جنوداً لدين الله ﵎، ولكي يحملوا الرسالة التي حملها أجدادهم وآباؤهم، وإنما تقوم بالعكس، تقوم بدور تخريبي لإفساد فطرة الأبناء عن طريق المناهج المسمومة، ومن ذلك ما يحصل من بذر بذور الشك في الدين والإيمان، والطعن في الإسلام، وتحطيم حاجز الولاء والبراء بين المسلمين والكافرين، ونسف أخلاق الإسلام نسفاً، وزرع الأفكار العلمانية والأفكار الشركية، ونفخ روح النعرات الإقليمية -خصوصاً الوطنية منها- كالنعرة الفرعونية، وغير ذلك من النعرات، وكذلك تهوين المعاصي على الأبناء.
فنشاهد أن مناهج التعليم تقوم أساساً بدور تخريبي هدام، وكان حرياً بمن شاركوا في فتح هذا الشر المستطير وأعلنوا المؤامرة على التعليم، كان الأولى -لو أن هذه الأمة بقي فيها حياة وغيرة على دينها- أن يحاكموا محاكمة مجرمي الحرب بتهمة الخيانة العظمى؛ لأنهم يدمرون الدين في نفوس الأجيال، ويقتلون الرابطة بينهم وبين دينهم، ويريدون أن يخرجوا أجيالاً تكره الله وتكره رسول الله ﵌، فكان أولى من أن يصعد أحدهم إلى منصب أعلى أن يحاكم بتهمة الخيانة العظمى لله ولرسوله وللمؤمنين، ولن نستطرد، وأذكر مثلاً واحداً على موضوع المؤامرة على التعليم والمناهج التعليمية التي يدرسها الآن أبناؤنا: فهناك كتاب (قواعد اللغة العربية للصف الثالث الإعدادي) وهو تابع لوزارة التربية والتعليم بمصر، وفي هذا الكتاب فقرة يقرؤها الطلاب والطالبات، ويطلب منهم استخراج بعض الأحكام النحوية واللغوية منها، هذه الفقرة مقتبسة من كتاب (إلى ولدي) لـ أحمد أمين، يقول فيها: قال الأب لأحد أصدقائه متحسراً على الماضي: رحم الله زماناً كان فيه الأب آمر الأسرة وناهيها، فلا راد لقوله، ولا مناهض لرأيه، ينادي فإذا كل من في البيت يتسابقون إلى ندائه، تحدثه الزوجة ويحدثه الابن في إذلال، أما البنت فتحدثه وهي غاضة طرفها من الحياء.
فأجابه ذلك الصديق قائلاً: إن أبناءك خلقوا لزمان غير زمانك، لقد نشأت في جو الخيل والطاعة والتقليد، ونشئوا في جو الحرية والتطور والتجديد، فأنت ابن الماضي، وهم رجال المستقبل! هذا أنموذج عابر؛ لأنه ليس من صلب موضوعنا الآن حتى نكثر ذكر الأمثلة، لكن الشاهد أن أبناءنا يربون على العقوق، على التمرد على الأبوين، على التحرر من سلطان الدين، على إفساد هذه الفطرة التي يودعها الله ﵎ أمانة في أعناق الآباء وأعناق هذه الأمة.
فهذا مما يجسد أهمية حماية الأجيال والأبناء من هذه اللوثة العقائدية الخطيرة.
وبعض المناهج في بعض البلاد الإسلامية لا توجد فيها أصلاً مقررات دينية، أو بعضها الآخر قد يقدم للطلاب مقررات تعليمية دينية، لكن بعد أن يحصل لها عملية تحريف وتبديل، وتسخير الدين من أجل خدمة قيم هذه النظم وأهدافها.
وحينما نتأمل واقعنا اليوم فنحن نجزم أن كل انحراف موجود فينا إنما منشؤه البعد عن هذه التربية الإسلامية، وأن هذا الانحراف لا يمكن تصحيحه إلا بالتربية الإسلامية، مصداق ذلك في قوله ﵎: ﴿ِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١].
إن لم نتدارك خطورة مناهج التعليم فسيخرج من أصلابنا ملاحدة، هذه المناهج تخرج أناساً لا علاقة لهم بالدين، فإن لم يستدرك المسلمون والدعاة إلى الله والأمهات بشكل خاص ثم الآباء هذه الأشياء فإننا على خطر عظيم، وهو أن يخرج من أصلابنا ملاحدة وزنادقة يبغضون الله ورسوله، ويصير الإسلام أشد غربة مما هو عليه الآن، فواجب البيت إزاء هذا الخطر هو في شكل من أشكاله وقائي، وفي الشكل الآخر هو علاجي فالوقائي قبل الالتحاق بالمدرسة، يأتي دور البيت في التربية قبل أن يلتحق الطفل بالمدرسة.
والعلاجي حيث يجب أن يطعم في البيت كما نفعل في تطعيم الأطفال ضد الأمراض والأوبئة، كذلك ينبغي أن يقوم البيت بإعطاء مضادات لهذه السموم التي تعطى لأبنائنا، والتي يتجرعها في المدرسة.
إن تربية الأطفال التربية الوقائية والعلاجية بجانب تربيتهم على القيم الإسلامية التي يستقونها من الأسرة تعين على أن يتغلب على كثير من هذه العقبات.
ثم أيضاً يجب التحذير من قرناء السوء، وقبل ذلك على الرجل إذا أراد أن يتزوج أن يسأل عن العائلة، فيقول: ما شأن عائلتها؟ كيف عائلتها؟ هل هم أناس طيبون؟ ولا ينبغي أن يسأل عن المال ولا الحسب، لكن يسأل عن دور العائلة في الأخلاق والآداب والتربية.
فعلى أي الأحوال إذا استمر الأمر على هذا الإهمال الموجود في الخلية الأولى التي هي الأسرة والأطفال فنخشى أن يخرج من أصلاب المؤمنين ملاحدة، كهؤلاء الملاحدة الذين يخرجون الآن ويعملون معاولهم في عقول الأمة، في الإعلام، وفي الصحافة، وفيما يسمى بالأدب وغير ذلك، فهؤلاء يحملون أسماء إسلامية، وآباؤهم كانوا مسلمين، لكنهم حرموا من هذه التربية، وربوا على أعين أعداء الإسلام، فخرجوا أعداء لله ورسوله والمؤمنين.
ولقد وصل أمر إهمال الدين في التعليم إلى حد أن خريج الجامعة في الغالب لا يتقن قراءة القرآن، وقد يلحن في فاتحة الكتاب إن كان يصلي، علاوة على جهله بالوضوء وبالصلاة والفرائض المتعينة عليه، لماذا؟ لأنه حرم من هذا التعليم.
ومعلوم أنه إذا لم يتعلمه في البيت أو المدرسة فإنه يخرج بهذه الصورة الشوهاء.
стр. 968
أهمية دور الأم في تربية الأبناء
حينما نتحدث عن موضوع التربية وخطورة موقع الأسرة يجب أن نكون صرحاء مع أنفسنا، ولا بد من أن نكون أكثر تحديداً في ألفاظنا، وفي ربط المهام وإناطتها بالمسئولين عنها، فإذا كنا نقول: إنه لا مخرج من الوضع الذي نحن فيه إلا بالتربية فإننا نتدرج إلى القول بأن البيت هو أول مؤسسة تربوية، ثم لا بد أن نكون صرحاء، ونجزم أيضاً بأن الأم هي العماد في العملية التربوية، فإن الواقع الذي نعيشه يؤكد خطورة موقع الأم اليوم في عملية التربية أكثر من الرجل، وفي الواقع الذي نعيشه ربما بعض الناس تكون نفوسهم مهيأة لأن يتبوأ الرجل منصبه الطبيعي، وذلك بقوامته وأنه القيم على كل شيء، بما في ذلك تربية الأولاد، هذا هو المطلوب، وربما بعض الناس يحظون بمثل هذا، لكن الواقع الذي تعيشه عامة الأمة الآن هو أن عملية التربية صارت بسبب أن الأب في الغالب في خارج البيت يكابد مشاق الحياة ويكدح بحثاً عن الرزق الحلال من أجل أن يوفر نفقة البيت ونفقة الأولاد، ويغلب على الأسر الآن في العام الأغلب إهمال الآباء لمسئولياتهم التربوية، فمن حيث الواقع صارت الأم هي المتولية لعملية التربية.
إذاً إذا لم تكن الأم من الأمهات الهاربات، والأم الهاربة هي التي يسمونها الأم العالمة العاملة، فالأم هذه في الحقيقة ليست عاملة؛ لأن عملها في بيتها، وهذه الوظيفة هي أخطر وأقدس وظيفة على الإطلاق، فهذه امرأة هاربة من محل وظيفتها الأساسية وليست امرأة عاملة.
ومما يرشح وظيفة الأم ويؤكد خطورتها أن الأم أكثر ملازمة للطفل من الأب، كذلك الأم أقدر من الأب على معايشة الطفل وتلبية احتياجاته بحب وحنان فطري غرسه الله في قلبها، فهي تضحي بكل شيء حتى بحياتها في سبيل ولدها الذي هو قطعة من بدنها، ولذلك يلاحظ عندما يرجع الأب من العمل منهك القوى مكدوداً من سعيه في طلب الرزق الحلال أن كل همه أن تكف الأم الضوضاء التي يحدثها الأولاد؛ لأنه يريد أن يستريح أو ينام أو يأكل، فتراه يقول: كفي عني شر هؤلاء الأولاد وضوضاءهم.
بخلاف الأم فإنها تكون راضية مطمئنة، فالأم طول عمرها لا تشتكي أبداً، بل تضحي بكل أنواع التضحية، أما الأب فربما إذا كلفته الأم أن يحمل الرضيع -مثلاً- لدقائق معدودات فإنه يضج، وليس عنده صبر في الغالب على مثل هذا، إلا من شاء الله أن يرزقه الصبر، ومن أجل ذلك نوه القرآن بمكانة الأم، كما في قوله : ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان:١٤]، فالأم عبارة عن موظف متفرغ تماماً لهذه الوظيفة الخطيرة، والوظيفة الأساسية للأم بعد عبادة الله وطاعته هي رعاية الأطفال وتربيتهم.
стр. 969
ضرورة الاهتمام بالمرأة المسلمة وإعدادها
مما يجسد خطورة هذه القضية أيضاً في الحقل الإسلامي أنه إذا لم توجد الأم المسلمة أو الأخت التي ربيت تربية إسلامية أنه إذا أراد شخص ملتزم أو داعية أن يتزوج فتزوج امرأة غير ملتزمة فإنها تؤثر عليه بالسلب إذا تزوجها ولم تكن على نفس المستوى من القوة في الدين، فإنه ربما تجذبه إلى الوراء، وتشده إلى الأرض حتى يتراجع عن دعوته، ويسقط بتأثير هذه الفتنة على الدرب كثير من الأزواج، وهذه إحدى سلبيات عدم الاهتمام بتربية الأخت أو الأم المسلمة.
وعلى أي الأحول كل هذه الاعتبارات تؤكد ضرورة إعداد الأم إعداداً يتناسب مع مهمتها، فإنشاء الأم المسلمة الواعية الفاهمة هو شيء خطير وعظيم؛ لأنه يعطي النموذج العملي لإعادة الفطرة إلى حقيقتها، مما يؤكد خطورة موقع الأم المسلمة في بناء المجتمع المسلم.
لقد اهتم أعداء الإسلام بدارسة الأم المسلمة، فهذا قائد الطيران الإسرائيلي في حرب عام سبعة وستين وستمائة وألف من الميلاد أعد رسالة ماجستير، أو رسالة في دراسة عليا، هذه الدراسة كانت حول المرأة العربية، فلماذا يهتمون بالمرأة العربية؟ لماذا تعقد هذه الدراسات؟! إنه من أجل إفسادها، ومن أجل تعطيلها عن وظيفتها الحقيقية والخطيرة، ولأنها تدير داخل البيت مصنع الأبطال والمجاهدين، مصنع الأمهات الصالحات والزوجات التقيات، فهي التي تهز المهد بيمينها، فربما كان هذا الذي يركض في المهد هو الذي سيهز العالم فيما بعد بقوته وعلمه وبأسه وسطوته، ليس هو قطعة لحم ملهية، بل يمكن أن تكون هناك أمم تنتظر أن ينقذها هذا الولد أو هذا الابن مما هي فيه من الذل والهوان.
لقد أدرك الغرب أهمية دور المرأة في بناء الأسرة، فالآن تجد الإعلانات في العالم الغربي كله، في أمريكا وأوروبا تنادي بعود المرأة إلى البيت بمنتهى الصراحة والقوة، بعد أن ثبت فشل هذا الاتجاه وهذه النظرية التي تدعو إلى هروب المرأة من البيت.
ولقد اعتاد بعض الأطباء الأمريكيين -وهو طبيب أطفال- أنه إذا أتته أم من الأمهات الأمريكيات بطفلها المريض أن يكتب في ورقة العلاج: العلاج هو العودة إلى الأم الحقيقية.
إن فطر القوم قد فسدت بسبب هروب المرأة من وظيفتها الأساسية وخوضها فيما ليس من مجالها.
وعلى أي الأحوال فهروب المرأة من بيتها وتخليها عن وظيفة التربية مع انشغال الأب الذي يدفع ثمنه هم الأولاد، ثم المرأة نفسها، ثم زوجها، ثم الأمة بأسرها.
يقول الشاعر: ليس اليتيم من انتهى أبواه من هم الحياة وخلفاه ذليلا إن اليتيم هو الذي تلقى له أماً تخلت أو أباً مشغولا
стр. 970
أهمية التربية في التغيير
إن التربية هي وسيلة التغيير الأساسية؛ لأن الوسائل الأخرى لإحداث التغيير في المجتمعات إنما تتعامل فقط مع أمور نظرية بصفة أساسية، أعني التغيير الاجتماعي أو العسكري أو الثورة الاجتماعية، إنما تتعامل مع أمور ظاهرية، أما النصوص فلا تتغير بهذه الأساليب، النصوص لا تتغير إلا عن طريق التربية، كما فعل رسول الله ﷺ .
ونحن حينما نخاطب بهذا المستوى من الأعمار أعمار شباب الصحوة الإسلامية فمن الخطأ أن نقول: نحن نحتاج إلى تربية مع التعاون مع مثل هذا السن فمما يؤسف له أننا بحاجة إلى إعادة تربية الشباب الذي ينتقل من مرحلة عدم الالتزام بالدين إلى الالتزام بالدين، فهو بالفعل قد ربي طبقاً لما نشأ عليه منذ الصغر في بيته، ثم في المدرسة، ثم في الجامعة، ثم في اختلاطه بالمجتمع.
فنحن الآن -فيما يتعلق بالكبار- نحتاج إلى إعادة تربيتهم من جديد، نحتاج أولاً إلى هدم ركام الأفكار المضادة المستقرة منذ فترة، ثم إعادة بناء الشخصية وفق المنهج الرباني كما فعل رسول الله ﵌، تصفية العقيدة والقيم والمفاهيم، وبالتالي يتغير السلوك، ثم تأتي الابتلاءات والمحن التي هي سنة كونية من الله ، فيصلب عود المرء ويثبت أمره على دينه ويشغل بذلك، لكننا لا نريد أن نغفل هذا الأمر، وصحيح أننا ننشغل الآن كثيراً بطلب العلم، وبأمور الدعوة، ولكن في الحقيقة ينبغي أن يكون نظرنا إلى الأساس أكثر، أن نعطي الأمور أولوياتها التي تستحقها، ولا ينبغي أن ننظر إلى هذا نظرة احتقار أو ازدراء، أو أن هذا الكلام مثل الواجب في التربية الوطنية، أو التربية القومية، أو كلام صحف، إنما نقول: الأطفال هم المستقبل، وهذه الحقيقة.
لقد كنا في يوم من الأيام أطفالاً، وأي إنسان أدى دوراً من الأدوار فقد كان طفلاً، وظهر حسب التربية فيما بعد، كما هو معلوم أن المستقبل الحقيقي للدعوة والأمة الإسلامية إنما يصنعه هؤلاء الأطفال إن أحسنا تربيتهم من الآن.
стр. 971
مراحل التغيير في التربية
لابد من المضي في عدة خطوط: تربية مستمرة للدعاة إلى الله علماً وعملاً، فينبغي أن يكون لك تربية علمية منهجية ومرحلية ويكون فيها العلم بجانب العمل جنباً إلى جنب، ثم تربية أطفال الدعاة والمنتمين إلى الدعوة، فهم يأتون في المرتبة الثانية بعد الدعاة.
فلابد من الاهتمام الشديد بأطفال الدعاة، وليس هذا نوعاً من التمييز العنصري، كلا؛ لأن الغالب أن أطفال الدعاة والمنتمين إلى الدعوة قد توافرت لهم بيئة صالحة غير معادية للإسلام أو جاهلة بالإسلام، بل المفروض أن تكون البيئة التي ربينا نحن أبناءنا فيها أفضل من الأجيال الماضية؛ لأن الأخ الملتزم والأخت الملتزمة صارا ركنين أساسين في الأسرة، ولن يعانيا ما عانته من قبل أسرتاهما، وكذلك الملتزم إذا التحى والتزم بصلاة الجماعة وغير ذلك فإنه لن يتلوث ببعض الأمور التي نشأنا عليها من الاختلاط والمفاهيم الخاربة في مناهج التعليم أو في الأسر، وإنما هذا المفترض أن يكون حظه أسعد من غيره؛ لأن هناك أباً مسلماً وأماً مسلمة يوفران عليه كثيراً من العناء، ويوفران عليه كثيراً من المراحل التي قطعها الجيل السابق.
إن عملية تربية الطفل -كما قال مالك بن نبي رحمه الله تعالى- لا تبدأ بالولادة، وإنما تبدأ بانتقاء الزوجة، وإيثار ذات الدين على غيرها، تبدأ عند إتيان الأهل، وذلك بذكر الله حتى لا ينالهما الشيطان بسوء، أو الولد إن قدر بينهما ولد لم يمسه الشيطان، تبدأ إذا كان الولد نطفة في رحم أمه أو مضغة، وذلك بالدعاء ليل نهار أن يخرج الله من صلبهما من يجعل عز الإسلام على يديه، كما حصل من الأئمة الأجلاء من قبل، فقد كانوا يستعدون للذرية الصالحة كما حكى الله عن عباد الرحمن: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان:٧٤]، فإذاً العملية بالفعل تبدأ قبل ذلك وقت اختيار الزوجة.
فالشاهد أن أطفال الدعاة المفترض أن العقبات الموجودة في الأسر الأخرى ليست موجودة أمامهم؛ لأنهم متشبعون بروح الدعوة، ومتشبعون بمفاهيمها، فالمفترض أن يكون هؤلاء أجدر من الآخرين، أن يكونوا امتداداً لآبائهم؛ لأن فرصتهم -كما ذكرنا- أحسن من غيرهم.
المرحلة الثالثة: الاهتمام عموماً بتربية أطفال المسلمين، عن طريق المساجد والمدارس ووسائل الإعلام إن أتيح، فإذا نشأ الطفل منذ الصغر على التربية الإسلامية تغلغلت فيه، وأصبحت جزءاً من كيانه، وشكلت سمات ومميزات شخصيته البارزة والثابتة.
стр. 972
المرأة والطفل في نظر الأعداء ونظر الشريعة
يقول أحد المنصرين: يجب نؤثر وأن يدور التفكير في جانب العمل بين الصغار، ونجعله عمدة عملنا في البلاد الإسلامية.
إذا أردتم أن تفسدوا أولاد المسلمين فخططوا بأن تبدءوا مبكرين جداً.
يعني: منذ الصغر.
والحقيقة أن كل هذه المقدمة ليست بعيدة عن الموضوع الأساسي الذي قصدنا الحديث فيه، وهو دور المرأة في التربية والدعوة؛ فإننا جميعاً متهمون -ونحن نستحق هذا الاتهام فعلاً- بالتقصير الشديد جداً في حق الأخوات المسلمات، فأغلب خطط الدعوة تهدر حق الأخوات من الاهتمام اللائق بخطورة منصبهن، هذه الأخت هي التي تمارس العملية التربوية واقعياً وحقيقياً، وفي الغالب تجد الإخوة يشتغلون بالأنشطة الخارجية الكثيرة التي تستهلك طاقتهم، ويتركون الجبهة الداخلية خاوية، وإذا تركت خاوية فإنهم سيدفعون الثمن بلا شك.
ونحن حينما نتكلم عن حق الأخوات المسلمات في الاهتمام بهن عند التخطيط في التربية والدعوة فإن هذه ليست منة، وليست لأننا نخاف على الأبناء وليس لهن أهمية في المقام الأول، كلا، بل سنرى كيف كرم الإسلام المرأة وأعطاها من الحقوق ما لم تحظ به المرأة في أي شريعة من الشرائع ولا دين من الأديان.
هؤلاء يقولون: إن المرأة نصف الأمة.
ونحن لا نقول: المرأة نصف الأمة.
بل المرأة هي الأمة بسائرها، من منا ليس له أم أو أخت أو بنت أو زوجة، هذه هي العلاقات بيننا وبين النساء المسلمات.
درج أعداء الدين على أن يسموا كل من لا يسايرهم في أهوائهم وضلالتهم يسمونه (عدو المرأة)، فكل من لا يمشي في ركابهم يعتبر عدواً للمرأة، ويوصم بهذا اللقب المكذوب.
فمن الذي يعادي المرأة؟! كيف للمسلم أن يعادي المرأة والمرأة هي أمه أو أخته أو زوجته أو ابنته؟! فكيف يعاديها؟! وإذا كانوا يقولون: المرأة نصف المجتمع فنحن نقول للمرأة: أنت نصف الأمة، ثم إنك تلدين لنا النصف الآخر، فأنت أمة بأسرها.
ومن ثم تهتم الشريعة هذا الاهتمام بالمرأة، وقد لاحظنا ذلك كثيراً في الشريعة الإسلامية.
فانظر إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ [البقرة:٢٣٣]، أي أنه عندما ينفصل الزوجان بالطلاق يحصل تنظيم لعملية الرضاع ويجعل للمرأة دورٌ في موضوع الشورى في مثل هذه العملية؛ لأن عملية الرضيع مسئولية الزوجين معاً.
قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾ [البقرة:٢٣٣] أي: من الأب والأم مع وقوع الطلاق.
كذلك هناك مواقف كثيرة تبين احترام الشرع لرأي المرأة وتعظيم قدرها، كما سنبين إن شاء الله ﵎ فيما بعد، لكن في موضة العصر المرأة تطالب بالحقوق قبل أن تؤدي الواجبات، والمقصود المرأة غير الصالحة وغير الملتزمة التي تعتني غالباً بالمظهر وتهمل الجوهر، أو تعتني بالجسم قبل الروح، أو تعتني بزينتها في الشارع وتهمل ذلك في البيت، ولا يجوز خارج البيت.
خرجت المرأة في الغرب للعمل وزاحمت الرجال وهي مضطرة غير مختارة؛ لأنها إن لم تفعل ذلك في الغرب ستهلك وتموت جوعاً، فلا تجد من يؤويها وينفق عليها، فالبنت في الغرب إذا بلغت سن الثامنة عشرة تطرد من البيت إلى الشارع، ويمكن أن تقيم في البيت، لكن بشرط أن تدفع فاتورة الهاتف، وفاتورة المياه، وتدفع إيجاراً، وتدفع كذا وكذا وكذا، لكن أين هذا من تكريم الإسلام للمرأة؟! وبعبارة أخرى: أين هذا من تفريغ الإسلام المرأة من أجل اشتغالها بالوظيفة التي كلفها الله بها؟! فالمرأة في الإسلام هي مكفولة الحاجات ليس عليها نفقة، فإما أنها بنت في بيت أبيها، فأبوها يجب عليه أن ينفق عليها، وإما زوجة تحت رعاية زوجها، فالنفقة مسئولية زوجها، ففرغت من كل ما يشغلها عن وظيفتها الأساسية كما سنبين.
ونحن نحتاج قبل أن نستطرد في بحثنا إلى أن نشير إشارات عابرة إلى تكريم الإسلام للمرأة بعد الإهانة التي تعرضت لها في الجاهلية، فمعروف ما كان يحصل من كراهة الجاهليين للبنات، قال : ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [النحل:٥٨ - ٥٩].
ولما أشرقت شمس الإسلام على المرأة ما نظر الإسلام إلى المرأة كما نظر إليها الآخرون، فالنصارى -مثلاً- نظروا إلى المرأة على أنها عبارة عن جرثومة خبيثة.
وفي الديانة اليهودية والنصرانية المرأة عدو لدود للرجل، وهي شيء خبيث ونجس يجب الابتعاد منه، بل بعض الناس كان يتمدح بأنه يهرب من ذل المرأة لأنه لم يتزوج، ويسوغ فعله ذلك بقوله: إن المسيح لم يتزوج، فهذا يدل على أن الزواج دنس ينبغي على الإنسان أن يتطهر منه ويتنزه عنه.
كذلك عقد في العصر الذي كان يقابل فترة شباب النبي ﷺ مجلس عن المرأة في فرنسا، كان هذا المؤتمر مجتمعاً كي يناقش: هل المرأة إنسان فيه روح أم ليس فيه روح؟ وإذا كانت فيها روح فهل هي جديرة بالخلاص أم ليست جديرة بذلك؟ ونحو ذلك من الكلام.
وفي آخر المؤتمر قرروا أن المرأة إنسان فيه روح، ولكنها أقل من روح الرجل.
стр. 973
تكريم الإسلام للمرأة ومساواتها بالرجل في كثير من الأحكام
شرع الله تكريم المرأة بقوله : ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة:٢٢٨].
ويقول عمر: (ما كنا في الجاهلية نعد النساء شيئاً، حتى أنزل الله فيهن ما أنزل، وقسم لهن ما قسم) فسوى الإسلام بين الرجل والمرأة في الإنسانية، فقال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ﴾ [الحجرات:١٣]، وقال رسول الله ﷺ : (إنما النساء شقائق الرجال)، و (شقائق): جمع شقيقة.
كذلك سوى الإسلام بينهما في أغلب تكاليف الإيمان، وفي الأهلية كأهلية الوجوب وأهلية الأداء، فهذه ثابتة في حق الرجل وفي حق المرأة.
ويقول ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾ [الممتحنة:١٠] إلى آخر الآيات.
وقال : ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٥٨].
ومما يعلم من دين الإسلام بالضرورة أن المرأة عليها ما على الرجل من أركان الإسلام، إلا الصلاة فإنها تسقط عنها في زمن الحيض والنفاس، وتتركها ولا تعيدها لأنها كثيرة، أما الصيام فيسقط عنها في زمنهما فقط كما هو معلوم ثم تقضي، أما الحج فيصح منها في كل حال، إلا الطواف فلا يصح منها حال الحيض.
وكذلك هناك مساواة بين الرجل والمرأة في المسئولية المدنية والحقوق المدنية، قال : ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ [النساء:٣٢].
ويقول ﵎ أيضاً: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة:٣٨] فالمسئولية واحدة.
كذلك هناك مساواة بين الرجل والمرأة في جزاء الآخرة وثواب الآخرة، يقول ﵎: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧]، وقال ﵎: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران:١٩٥].
وفي مشاهد القيامة يقول ﵎: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الحديد:١٢].
فالإسلام سوى بين الرجل والمرأة في الإنسانية وفي التكاليف، وفي الجزاء والثواب في الآخرة، فالقضية التي نناقشها اليوم ليست هي قضية المساواة بين الرجل والمرأة وتفاصيل ذلك، وإلا فهناك مجالات ليس فيها مساواة، هناك أحكام تخص الرجل وأحكام تخص المرأة ليس هذا أوان الكلام فيها، لكننا نريد الكلام على موضوع المساواة في قضية بعينها، وهي أن للمرأة حقاً بأن تتعلم وأن تعلم، خصوصاً داخل المنظومة الإسلامية، فلها حق التعليم في ضوء قول رسول الله ﷺ : (إنما النساء شقائق الرجال)، فنخص قضية المساوة في الحقوق التعليمية والتربوية والدعوية دون ما عداها؛ لأنها ألصق بموضوعنا، فيقول الله ﵎: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٧١] واضح من هذه الآية أن للمرأة دوراً في الدعوة، في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغاية ما في الأمر أن هناك ضوابط لعملها، وأولويات في وظائفها تختص بها عن الرجل.
ونحن عندما نبدأ بهذه القضية يجب أن نطرحها موثقة بأدلتها الشرعية، بأن نزيل عنها ما لحق بها من سوء فهم، ونزيل الشبهات التي أثيرت حولها، فبعض الناس يزعمون أن الدعوة هي واجب الرجال دون النساء، والرد عليهم واضح في قوله ﵎: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [التوبة:٧١] إلى آخر الآية، ويقول : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨].
فقوله: (ومن اتبعني) تشمل كل من آمن بالنبي ﷺ ، سواء أكان من الرجال أم من النساء؛ لأن (من) تشمل كل العقلاء رجالاً كانوا أو نساءً.
كذلك قال النبي ﵊: (نضر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلغها، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)، وقال أيضاً: (ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة أئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم، فإن دعوتهم تحيط من وراءهم) أو كما قال ﵌.
стр. 974
دور المرأة في الإسلام وعظمته
المرأة المسلمة مارست دوراً في الدعوة، وكان لها أبلغ الأثر في تدعيم هذه الدعوة كما سنبين إن شاء الله تعالى.
فمن هو أول قلب خفق بالإسلام؟ أول قلب خفق بالإسلام واستجاب لدعوة الرسول ﷺ كان قلب خديجة بنت خويلد ﵂.
وما أول دم أريق في سبيل الله؟ إنه دم سمية بنت خياط ﵂.
ومن هي أول فدائية في الإسلام؟ إنها أسماء بنت أبي بكر.
وهكذا فإن للنساء فضائل عظيمة جداً في عامة مسيرة الدعوة.
والتاريخ الإسلامي في هذا الجانب لم يكن مغفلاً أو مهملاً من تاريخ المسلمين الأوائل دور المرأة في الدعوة إلى الله.
يذكر الإمام الذهبي رحمه الله تعالى في كتابه ((ميزان الاعتدال في نقد أحوال الرجال)) آلافاً من الرجال، ثم ختم كتابه بهذه الشهادة، وهي شهادة تزكية للنساء يفخرن بها على طول الزمن.
يقول: ولم أجد من النساء من اتهمت ولا من تركوها.
فالمرأة كان لها دور رائع في بناء الصرح الإسلامي، وانتفعت الأمة من سلاح المرأة، فكان ما كان من المجد والخير.
حتى إذا ما تخلت المرأة عما خلقت له تحول الأمر عما كان عليه، ومصداق ذلك في قوله ﵌: (فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء).
стр. 975
الحكمة والغاية من وجوب نفقة الزوجة على الزوج ورفع بعض التكاليف عنها
وفّر الإسلام للمرأة كل ما يمكن من الأسباب والظروف التي تؤهلها وتمكنها من القيام بالوظيفة الأساسية بعد عبادة الله ، ألا وهي تربية الأولاد وحسن التبعل للزوج، فرفع عنها مئونة العيش والاكتساب، فلا يجب عليها النفقة والاكتساب والشغل والعمل؛ لأنه فرض على الزوج أن ينفق عليها وعلى أولادها، فلم تعد لها حاجة إلى العمل خارج البيت؛ لأن العمل يقصد به الكسب وتحصيل الرزق، وكفيت هي ذلك لقاء أنها منصرفة ومتفرغة لعمل خطير جليل هو تربية الأولاد في البيت.
كذلك رفع الإسلام عنها إيجاب بعض ما فرضه على الرجال تحقيقاً للغرض ذاته؛ لأن المرأة عبارة عن موظفة متفرغة، وفي الحقيقة هي موظفة كثيراً ما يهدر حقها، وهي ليس لها معاشات ولا مرتبات، وأحياناً كلمة الشكر لا توجد إن لم تكن الأذية والاضطهاد.
فالمرأة تعمل أربعاً وعشرين ساعة في اليوم والليلة يومياً، فهي تحت أمر أي واحد في البيت، الطفل الصغير ليس له مواعيد، الرضيع يوقظها في أي ساعة من ليل أو نهار، إن كانت نائمة فتستيقظ كي تغذيه وكي ترضعه، وتنظفه وترعاه، بينما الأب قد يتأفف من فعل عشر معشار ما تفعله المرأة، لكن انظر إلى الرحمة التي أودعها الله في بيتها، فوفر لها الشرع كل ما أمكن، وذلك لقدسية وظيفتها وخطورة وظيفتها، ولا يصرح لها بالخروج من مكان العمل إلا في أحوال استثنائية، فالأصل أن تظل في مكان العمل مرابطة ليل نهار، ومكان العمل هذا لا يستغني أبداً عنها، ولا يطيق غيابها، وتختل الأمور إذا غابت عنه ساعة من النهار، فلذلك الشرع لأجل هذه الوظيفة الخطيرة رفع عنها كثيراً من الواجبات حتى تظل عاملة في مكان عملها، فهو وفر لها الوقت الكافي للانصراف إلى مهمتها.
فمثلاً: الجهاد في سبيل الله ليس واجباً عليها، فوجوبه على الرجل.
والصلاة في المسجد واجبة على الرجال وليست واجبةً على المرأة.
وصلاة الجمعة غير واجبة على المرأة، إلى غير ذلك من الأحكام التي تدل على أن الإسلام يرغب المرأة في بقائها في بيتها، قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٣]، وفي الحديث: (أما إنه قد أذن لكن أن تخرجن لحوائجكن) يعني: عند الحاجة إلى الخروج.
فالمرأة لها أن تخرج من مكان عملها عند الحاجة، كأن تخرج للعلاج، أو لصلة الرحم، أو لدروس العلم، لكن ليس هذا هو الأصل في المرأة تماماً كما يخرج الرجل.
فأعداء الإسلام دائماً يزيفون الحقائق، وذلك بتسمية الأسماء بغير اسمها، عن طريق تسمية الأسماء بأسماء منفرة، أو أسماء ملبسة، فهم يصفون كل ملتزم بدينه بأنه مفرق أو رجعي أو متخلف أو أصولي أو إرهابي، وغير ذلك من الأسماء.
كذلك في هذه القضية نفس الشيء، فيقولون عمن خرجت للعمل: هي المرأة العاملة، ويكتب في البطاقة (تعمل)، أما التي تعمل في بيتها فيكتبون في البطاقة (لا تعمل) وبالتالي يسمونها (ربة بيت) إذاً ربة البيت حسب مفهوم هؤلاء هي التي لا تعمل، وهذا من التدليس الذي أشار إليه بعض العلماء بقوله: تقول هذا مجاج النحل تمدحه وإن تشأ قلت ذا قيء الزنابير مدحًا وذمًا وما جاوزت وصفهما والحق قد يعتريه سوء تعبير فيخرجون المعاني القبيحة في ألفاظ مقبولة، وبالعكس، ويطلقون على الحق الأسماء المنفرة، فهذه امرأة عاملة، وهذه امرأة عاطلة؛ لأنها ربة بيت، ولأنها متفرغة لرعاية زوجها وأولادها، فهذه مغالطة مكشوفة.
والمرأة في القديم في الحقيقة كان لها عدة وظائف، فالمرأة خياطة، وهي تخدم البيت وتنظفه، والمرأة ممرضة تمارس التمريض وتعالج، وتسهر على راحة أي عضو من أعضاء الأسرة، فهي في حالة رباط دائم ليل نهار، تخدم الجميع، تسهر على المريض، تعد الطعام للجائع، تذاكر لأبنائها التلاميذ، ومع ذلك لا تنتظر جزاءً، وربما حرمت من كلمة الشكر ومن العرفان.
وكانت نهضة المؤمنين أو المسلمين في القرون الأولى سببها المرأة، فنحن ننظر إلى النتائج ونغفل الأسباب، فنفخر بـ الشافعي، ونفخر بـ سفيان الثوري، ونفخر بالصحابة ونفخر بالمجاهدين والعلماء والمجددين وننسى من كان وراء هؤلاء.
فهل هؤلاء خرجوا من فراغ؟ لا، بل هؤلاء كان وراءهم من يربيهم، كان وراءهم من يتعاهدهم منذ الصغر وهم أطفال، إنها الأم بصفة أساسية، وكذلك إذا قدر غياب الأب بموت أو غير ذلك كسفر من الأسفار فالأم هي التي تتولى زمام التربية.
وصحيح أننا نتحدث عن عمر بن عبد العزيز وشخصية عمر بن عبد العزيز، لكن لا ينبغي أن نهمل التربية التي ترباها عمر بن عبد العزيز، كذلك حينما نتحدث عن الإمام الشافعي -وما أدراك ما الشافعي رحمه الله تعالى- فليس من الإنصاف أن نهمل من صنع الشافعي، الذي صنع الشافعي ورباه هي أمه التي اجتهدت جداً في تربيته ورعايته ودفعه إلى العلم.
فينبغي حينما نتحدث عن المرأة أن نتذكر الأعمال المهمة الجليلة التي تدور خلف الخدور، أن نتذكر ذلك النشاط المكثف الذي يحصل من المرأة في تربية الأولاد وتغذيتهم بالعقيدة الإسلامية وحمياتهم بها، لا ينبغي أن نغفله ونهمله حتى نعطي المرأة حقها، ونعطيها الآن نفس الدور ونفس الأهمية ونشعر بخطورة موقعها.
فوثب المسلمون الأوائل وثبةً ملئوا بها الأرض قوة وبأساً، وفطنةً وعلماً، فقادوا الأمم، وهابهم الملوك، وركزوا ألويتهم في قلب آسيا، وهامات أفريقيا، وأطراف أوروبا، وتركوا دينهم وشرعهم ولغتهم وعلمهم وأدبهم تدين لها القلوب وتتقلب بها الألسنة، بعد أن كانوا طرائق قدداً، لا نظام، ولا قيام، ولا علم، ولا شريعة.
فمن أين تخرج الجيل الأول؟ في أي المدارس درسوا؟ ومن أي المعاهد خرجوا؟ لقد قطع المسلمون تلك المرحلة التي شهد لها الدهر ووجم لنوعيتها التاريخ ولم يبنوا معهداً ولم يبنوا جامعة، بل كانت دورهم وقصورهم معاهد ومدارس، وتولى أمر هذه المدارس التي تربى فيها الجيل الأول أمهات صدق، أقامهن الله على نشئه، واستخلفهن على صنائعه، وائتمنهن على دعاة حقه ورعاة خلقه، فكن أقوم خلفائه بواجبه، وأثبتهن على عهده، وأمهرهن للفادح الشديد من أمره.
لقد كان الله أبر بهذه الأجيال من أن يخرجهم مخرجاً سيئاً.
стр. 976
نقد الآخرين
على المرء المسلم أن يهتم بإصلاح نفسه وتزكيتها من العيوب والآفات، كما أن عليه أن يكف عن تتبع عورات الآخرين والخوض في أعراضهم؛ فإن هذا مما لا يجوز فعله، والإنسان سوف يحاسب بين يدي الله عن ذنوبه لا عن ذنوب غيره، فالأولى اشتغاله بها.
стр. 977
أهمية اشتغال الإنسان بعيب نفسه عن عيوب الآخرين
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم! صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم! بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (يبصر أحدكم القذى في عين أخيه وينسى الجذع في عينه!)، وهذا الحديث رواه ابن حبان في صحيحه، وأبو نعيم في الحلية، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم (٣٣).
فقوله ﷺ : (يبصر أحدكم القذى في عين أخيه) القذى: هو ما يقع في العين أو في الماء والشراب من نحو تراب ووسخ أيَّ قاذورات أو أذى أو تراب يقع، سواء في العين أو في الماء أو في الشراب، فيطلق عليه القذى.
إذاً المقصود به الأشياء الهينة الصغيرة التي تكاد لا تدرك، يبصرها الإنسان ويفتح عينيه لها ما دامت في عين أخيه -يعني: أخاه في الإسلام- وفي نفس الوقت ينسى الجذع في عينه، والجذع هو واحد جذوع النخل، وهذه من المبالغة، وكأن جذع شجرة موجود في عينه من العيوب، ثم هو يتجاهله ولا يشتغل بإصلاحه، في حين أنه يدقق ويتحرى مع الآخرين بحيث يدرك عيوبهم مع خفائها.
فيؤخذ من هذا الحديث أن الإنسان لنقصه ولحب نفسه يدقق النظر في عيب أخيه، فيدرك عيب أخيه مع خفائه، فيعمى به عن عيب في نفسه ظاهر لا خفاء به، ولو أنه اشتغل بعيب نفسه عن التفرغ لعيوب الناس وتتبعها لكف عن أعراض الناس، ولسد باب آفات اللسان وأعظمها الغيبة، يقول الشاعر: عجبت لمن يبكي على موت غيره دموعاً ولا يبكي على موته دما وأعجب من ذا أن يرى عيب غيره عظيماً وفي عينيه عن عيبه عمى وقال الإمام أبو حاتم بن حبان رحمه الله تعالى: الواجب على العاقل لزوم السلامة بترك التجسس عن عيوب الناس مع الاشتغال بإصلاح عيوب نفسه؛ فإن من اشتغل بعيوبه عن عيوب غيره أراح بدنه، ولم يتعب قلبه، فكلما اطلع على عيب لنفسه هان عليه ما يرى مثله من عيب أخيه، وإن من اشتغل بعيوب الناس عن عيوب نفسه عمي قلبه، وتعب بدنه، وتعذر عليه ترك عيوب نفسه، وإن من أعجز الناس من عاب الناس بما فيهم، وأعجز منه من عابهم بما فيه، ومن عاب الناس عابوه، ومن ذمهم ذموه.
يقول الشاعر: المرء إن كان عاقلاً ورعاً أشغله عن عيوب غيره ورعه كما العليل السقيم أشغله عن وجع الناس كلهم وجعه كما أن العليل السقيم أو المريض يشغله الألم الذي يجده في مرضه عن ألم غيره، فكذلك ينبغي للإنسان أن يشتغل بعيب نفسه عن عيب غيره على حد قول الشاعر: أي: الجراح التي في غيري لا تداوي الجراح التي فيَّ، وقوله (ما به به وما بي بي) يعني: الأولى أن يشتغل الإنسان بالعيوب التي في نفسه.
وعن مجاهد قال: ذكروا رجلاً -يعني: كأنهم ذكروا عيوب هذا الرجل- فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: (إذا أردت أن تذكر عيوب صاحبك فاذكر عيوبك).
وهذا علاج لهذا الداء على الإنسان أن لا يسهو ولا يغفل عنه، وهو أنه إذا هم أن يتكلم في عيوب الآخرين فليفكر أولاً وليذكر عيوب نفسه وينشغل بها، فسيجد فيها غنية عن أن يشتغل بعيوب الآخرين، فهذا من أدوية هذا الداء (إذا أردت أن تذكر عيوب صاحبك فاذكر عيوبك)، فإذا فتشت سوف تجد كثيراً جداً يشغلك إصلاحه في نفسك عن الاشتغال بذم غيرك.
وقال أحد السلف: إن من تصرف في نفسه فعرفها صحت له الفراسة في غيره وأحكمها.
وعن بكر قال: تساب رجلان، فقال أحدهما: محلمي عنك ما أعرف من نفسي.
يعني: تشاتما وسب أحدهما الآخر، فرد الشخص المسبوب فقال له: محلمي عنك -يعني: الذي يجعلني أتحلم وأصبر عن أن أرد عليك بالمثل- ما أعرف من نفسي.
يعني: أنا أعرف أن في نفسي من العيوب الكثير، فهذا يجعلني عوناً لك عليها، ولست أتخذ موقف الدفاع عنها؛ لأن فيها من العيوب ما تستحق به أن تُذم، ولذلك قال له: محلمي عنك ما أعرف من نفسي.
وقيل للربيع بن خثيم رحمه الله تعالى: ما نراك تغتاب أحداً؟ فقال: لست عن حالي راضياً حتى أتفرغ لذم الناس ثم أنشد: لنفسي أبكي لست أبكي لغيرها لنفسي من نفسي عن الناس شاغل ولقي زاهد زاهداً فقال له: يا أخي! إني لأحبك في الله.
فقال له الآخر: لو علمت مني ما أعلم من نفسي لأبغضتني في الله -يعني: بدل أن تحبني في الله- فقال له الأول: لو علمت منك ما تعلم من نفسك لكان لي فيما أعلم من نفسي شغل عن بغضك.
يقول الشاعر: قبيح من الإنسان أن ينسى عيوبه ويذكر عيباً في أخيه قد اختفى ولو كان ذا عقل لما عاب غيره وفيه عيوب لو رآها قد اكتفى وعن عون بن عبد الله رحمه الله تعالى قال: لا أحسب الرجل ينظر في عيوب الناس إلا من غفلة قد غفلها عن نفسه.
يعني: هذا يدل على أنه إنسان غافل؛ حيث يشتغل بتراب وقع على ثوب غيره أو نملة تمشي على ثوبه، في حين أن داخل ثيابه هو العقارب والحيات والآفات تنهش فيه، فيشتغل بهذا الذي لا يعنيه -وهو أمر يسير مهما كان- عن هذا الأمر الخطير الذي يحدث به.
وعن محمد بن سيرين رحمه الله تعالى قال: (كنا نحدث أن أكثر الناس خطايا أفرغهم لذكر خطايا الناس) أي: لأنه إذا اشتغل الإنسان بخطايا وبعيوب الناس لا شك أن هذا سيشغله عن إصلاح نفسه، وبالتالي تكثر خطاياه، ولا يتوب منها، ولا يعاتب نفسه؛ لأنه غير متفرغ لإصلاح نفسه.
стр. 978
بعض أسباب الحسد والبغي وتتبع عيوب الناس
وقال الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى: ما من أحد أحب الرياسة إلا حسد وبغى، وتتبع عيوب الناس، وكره أن يُذكر أحد بخير.
وهذه إشارة إلى أسباب هذا الداء، وهو حب وتتبع عيوب الناس، وتصيد أخطاء الآخرين، وسبب الحسد والبغي هو حب الرياسة وشهوة الرياسة، وهي الشهوة الخفية، فما من أحد أحب الرياسة إلا حسد -يحسد الآخرين- وبغى، وتتبع عيوب الناس؛ لأنه يكره أن يُذكر الآخرون بخير، وبالتالي يحاول دائماً أن يهزمهم ويحطمهم ويكشف عيوبهم من أجل أن تكون له الرياسة والعلو.
стр. 979
تتبع الإنسان لعيوب غيره دليل على عيبه ونقصه
وكان مالك بن دينار رحمه الله تعالى يقول: كفى بالمرء إثماً أن لا يكون صالحاً، ثم يجلس في المجالس ويقع في عرض الصالحين.
فقوله: (كفى بالمرء إثماً أن لا يكون صالحاً) أي: هو في نفسه ليس من الصالحين، وليس رجلاً صالحاً.
وقوله: (ثم يجلس في المجالس ويقع في عرض الصالحين) أي: يغتابهم ويذكر عيوبهم.
وقال أبو عاصم النبيل: لا يذكر الناس بما يكرهون إلا سفلة لا دين لهم.
وقال الشاعر: لا تكشفن مساوي الناس ما ستروا فيهتك الله ستراً عن مساويك واذكر محاسن ما فيهم إذا ذكروا ولا تعب أحداً منهم بما فيك وسمع أعرابي رجلاً يقع في الناس والأعراب هم البدو الرحل الذين لا يعيشون في المدن، ولا يسمعون القرآن، ولا يحضرون دروس العلم، والأصل فيهم الجهل والجفاء إلا ما استثني، كما ذكر الله ﵎ في سورة التوبة، لكن هذا الأعرابي مع ذلك نطق بالحكمة، ونطق بما تدل عليه أحدث الاتجاهات في علم النفس الحديث، حيث إنهم يفرحون بهذه الأشياء، ويظنون أنهم هم الذين أوجدوا هذه العلوم، لكن انظر هذا الأعرابي مع بساطته عبر بما يطلقون عليه الآن: (الحيل الدفاعية) التي يسلكها الإنسان ليدفع عن نفسه العوص والعيب، ومنها حيلة الإسقاط، أي: يسقط أخطاءه على الآخرين، فهو يشعر بعيب معين في نفسه، فكي يلفت النظر بعيداً عن أن ينتبه الناس إلى هذا العيب الذي هو في نفسه يرمي الناس بما فيه من العيوب، وكلما كثرت فيه هذه العيوب كلما كثر تتبع هذه العيوب في الناس، فهي حيلة من الحيل الدفاعية بالاصطلاح الحديث في علم النفس، فهذا الأعرابي سمع رجلاً يقع في أعراض الناس، فقال: قد استدللت على عيوبك بكثرة ذكرك لعيوب الناس؛ لأن الطالب لها -أي: للعيوب- يطلبها بقدر ما فيه منها.
أي: فكثرة الاشتغال بعيوب الناس تدل على وجود نفس هذه العيوب في نفسه هو، فهي عبارة عن عملية دفاعية بكونه يسقط هذه العيوب على الآخرين.
يقول: قد استدللت على عيوبك بكثرة ذكرك لعيوب الناس؛ لأن الطالب لها يطلبها بقدر ما فيه منها.
وأجرأ من رأيت بظهر غيب على عيب الرجال أخو العيوب أي: صاحب العيوب.
وقال الشاعر: شر الورى من بعيب الناس مشتغلاً مثل الذباب يراعي موضع العلل فالإنسان لو في جسمه جروح مكشوفة، وفيها الدم وفيها كذا وكذا، فتجد الذباب يحب أن يتتبع مواضع العلل والداء كي يقف عليها، فكذلك هناك أناس لهم هواية التفتيش في القمامة، فترى أحدهم عنده هذه الهواية، ويحب التفتيش في القمامة، فما يقع إلا على العلل، ولا يذكر محاسن الآخرين، لكن دائماً يفتش في القمامة، ويقلب هذه الأشياء، وهذا ما يعبر عنه الشاعر بقوله: شر الورى من بعيب الناس مشتغلاً مثل الذباب يراعي موضع العلل وهذا التفتيش في القمامة ليس فقط على مستوى العلاقات الفردية، لكن يوجد أيضاً فيما يُسمى زوراً بالبحوث التاريخية، يزعمون أنهم يكتبون أو يبحثون بحوثاً علمية وتاريخية، ثم هم ما يقعون إلا على مواضع المؤاخذة في التاريخ الإسلامي، فمثلاً: ما يعرفون عن معاوية رضي الله تعالى عنه إلا كذا وكذا وكذا، وينسون أنه صحابي، وأنه خال المؤمنين، وأنه كاتب الوحي، وأنه المجاهد في سبيل الله، وأنه الحاكم بشريعة الله، كل هذا يُنسى، ويُركز فقط على المآخذ، سواء على معاوية رضي الله تعالى عنه مثلاً، أو على الدولة الأموية، أو على الدولة العباسية، وينسون أن واجب كل مسلم من أهل السنة أن يكون له ولاء لكل هذه الولايات الإسلامية أو الخلافات الإسلامية، سواء أكانت راشدة -بلا شك- أو أموية أو عباسية؛ لأنها في الجملة كانت خلافة إسلامية ترفع راية الشريعة، وتحكم بكتاب الله ﵎، فينشغلون بذم تاريخ بعض السابقين وبعض الصور التاريخية السابقة بهدف التنفير من هذا التاريخ، وقطع اعتزاز الخلف بهذا السلف بالتركيز فقط على عيوبهم، ولو سلكوا المنهج المثيل لأمسكوا عما شجر بينهم، ولأمسكوا عن هذه العيوب، ولقالوا ما سنذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى.
стр. 980
وجوب احتراس الإنسان من لسانه
وقال ابن السماك: سبعك بين لحييك.
يعني أن كل إنسان يجب أن ينظر إلى لسانه هذا المحبوس في قفصين: قفص من عظم وقفص من لحم، فالعظم هو الأسنان، واللحم هو الشفتان، فلا يتمكن اللسان من أن ينطق ويخرج الكلام إلا بأن يخرج من بين هذين القفصين وهذين السجنين.
فشبهه بالسبع بأنه يوجد داخل هذا الفم سبع -أي: أسد- لو فتحت له الباب لخرج ولأكل الناس، ونال من أعراضهم، وأهلك صاحبه، ولذلك يقول ابن السماك: سبعك بين لحييك -يعني: بين فكيك- تأكل به كل من مر عليك، قد آذيت أهل الدور في الدور حتى تعاطيت أهل القبور.
أي: فرغت من غيبة الأحياء وغيبة الرائح والجائي، وبعد أن انتهيت من الأحياء انتقلت إلى الأموات، فأخذت أيضاً تنبش الموتى، وتذكر عيوب الموتى، فأنت تؤذي الموتى في قبورهم، وتؤذي أقرباءهم من الأحياء، وتؤذي نفسك.
قال: قد آذيت أهل الدور في الدور حتى تعاطيت أهل القبور، فما ترثي لهم وقد جرى البلى عليهم.
(فما ترثي لهم) أي: ألا تشفق عليهم؟ وقد انقطع عملهم وفنيت أجسادهم وتحللت وانتهوا، والآن هم في دار الجزاء؟ فلذلك أدبنا النبي ﷺ مع الأموات -حتى لو كانوا من الظلمة أو الفسقة أو المقصرين- أننا لا نذكر عيوبهم، قال ﵊: (اذكروا محاسن موتاكم -يعني: أمسكوا عن عيوبهم-؛ فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا) أي: ما عملوه في فترة الحياة الآن هم يحاسبون عليه، فأنت دعه وربه، ولا داعي أن تنشغل أيضاً بذم الموتى.
قال: قد آذيت أهل الدور في الدور حتى تعاطيت أهل القبور، فما ترثي لهم وقد جرى البلى عليهم، وأنت هاهنا تنبشهم، إنما نرى نبشهم أخذ الخرق عنهم.
فهل تعتقدون أن نبش الموتى فقط هو حفر القبر من جديد وسرقة الأكفان؟ وهل هذا هو النبش؟
الجواب
لا بل النبش له معنىً آخر لا يقتصر على الاستيلاء على الكفن كما يفعل النباشون، ولذا قال ابن السماك: وأنت هاهنا تنبشهم، إنما نرى نبشهم أخذ الخرق عنهم، فإذا ذكرت مساويهم فقد نبشتهم، إنه ينبغي أن يدلك على ترك القول في أخيك ثلاث خلال.
هنا يرشد ابن السماك إلى ثلاثة أشياء وثلاث صفات وخصال إذا التزمها الإنسان منعته من إطلاق لسانه بذكر عيوب الآخرين.
قال: أما واحدة فلعلك أن تذكره بأمر هو فيك، فما ظنك بربك إذا ذكرت أخاك بأمر هو فيك؟! أي: فيك نفس العيب الموجود في هذا الشخص، وأنت تذمه بسببه، فمن أولى بالذم؟ قال: ما ظنك بربك -يعني: أن يفعل بك- وأنت تذكر أخاك بأمر هو فيك؟! الثانية: ولعلك تذكره بأمر فيك أعظم منه، فذلك أشد استحكاماً لمقته إياك.
الثالثة: ولعلك تذكره بأمر قد عافاك الله منه، فهذا جزاؤه إذ عافاك؟! أما سمعت: (ارحم أخاك واحمد الذي عافاك).
يعني: إما أنك مبتلىً بشيء مثل الذي فيه، وإما أن تفعل شيئاً أشر مما يفعله هو فالعيب عندك أشد، وإما أن يكون الله قد عافاك من هذا العيب، فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟! إذا كان الله قد عافاك من هذا العيب وبرأك منه، فهل جزاء هذه النعمة أن تشتغل بذم الآخرين، أم أنك تحمد الله ، وترحم العصاة؟! روي عن المسيح ﵇ أنه قال: (لا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب، ولكن انظروا فيها كأنكم عبيد، إنما الناس رجلان: مبتلىً ومعافىً، فارحموا أهل البلاء، واحمدوا الله على العافية).
يقول الشاعر: لسانك لا تذكر به عورة امرئ فكلك عورات وللناس ألسن وعينك إن أبدت إليك مساوئاً فصنها وقل يا عين للناس أعين
стр. 981
الجزاء من جنس العمل
وقال أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله تعالى: سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول: سمعت باذان المدايني يقول: رأيت أقواماً من الناس لهم عيوب فسكتوا عن عيوب الناس فستر الله عيوبهم، وزالت عنهم تلك العيوب، ورأيت أقواماً لم تكن لهم عيوب اشتغلوا بعيوب الناس فصارت لهم عيوب.
قوله: (فصارت لهم عيوب) يعني: فانكشفت عيوبهم التي كانت مستورة.
ولعل في قاعدة (الجزاء من جنس العمل) -هذه القاعدة العدلية الإسلامية- زاجر للذين يخوضون في عيوب الناس، فيكفون عن الاشتغال بها خشية أن يعاملهم الله بما تقتضي هذه القاعدة، وهي أن الجزاء من جنس العمل؛ لأن البلاء -كما يقولون- موكل بالقول.
فعن إبراهيم قال: إني لأرى الشيء مما يعاب ما يمنعني من غيبته إلا مخافة أن أبتلى به.
أي أنه يرى شيئاً يُعاب، ويخشى أن يغتاب صاحبه، فإذا اغتابه وذمه بهذا العيب يخشى أن يعاقبه الله بأن يُبتلى بنفس هذا الشيء.
ويقول الأعمش: سمعت إبراهيم يقول: إني لأرى الشيء أكرهه، فما يمنعني أن أتكلم فيه إلا ما مخافة أن أُبتلى بمثله.
وقال عمرو بن شرحبيل ﵀: لو رأيت رجلاً يرضع عنزاً فضحكتُ منه لخشيت أن أصنع مثل الذي صنع.
يعني: لخشيت أن يعاقبني الله بأن يجعلني أفعل نفس هذا الشيء الذي صنعه هذا الرجل الذي رضع العنز.
стр. 982
قصة معاوية بن أبي سفيان مع المسور بن مخرمة ﵃
وقال الإمام الزهري رحمه الله تعالى: حدثني عروة أن المسور بن مخرمة أخبره أنه وفد على معاوية أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه، فقضى أمير المؤمنين معاوية حاجة المسور، ثم خلا به -انفرد به- فقال: يا مسور! ما فعل طعنك على الأئمة -يعني: على أمير المؤمنين معاوية وبني أمية- ما فعل طعنك على الحكام المسلمين الأئمة؟ قال: دعنا من هذا وأحسن.
أي: دعنا من هذا الموضوع ولا يجوز أن نتكلم فيه دعنا من هذا وأحسن.
قال: لا والله! لتكلمني بذات نفسك بالذي تعيب علي.
يعني: صارحني بما تعيبه علي، وقل لي مباشرة.
فقال المسور: فلم أترك شيئاً أعيبه عليه إلا بينت له.
فقال معاوية ﵁: لا أبرأ من الذنب، فهل تعد لنا -يا مسور - ما نلي من الإصلاح في أمر العامة؛ فإن الحسنة بعشر أمثالها، أم تعد الذنوب وتترك المحاسن؟ أي: كما أحصيت هذه العيوب هل تضع بجانبها في الكفة الأخرى المحاسن التي نليها من إصلاح أمر المسلمين، والجهاد في سبيل الله، وفتح البلاد، وتمصير الأمصار، ونشر الإسلام وغير ذلك من المحاسن التي يفعلها أمير المؤمنين معاوية رضي الله تعالى عنه؟ قال: فهل تعد لنا -يا مسور - ما نلي من الإصلاح في أمر العامة؛ فإن الحسنة بعشر أمثالها، أم تعد الذنوب وتترك المحاسن؟ قال: ما تُذكر إلا الذنوب.
قال معاوية: فإنا نعترف لله بكل ذنب أذنبناه، فهل لك -يا مسور - ذنوب في خاصتك تخشى بأن تهلك إن لم تُغفر؟ قال: نعم.
قال: فما يجعلك برجاء المغفرة أحق مني؟ أي: فما الذي يجعلك أولى مني بأن ترجو مغفرة الله وعفو الله في هذه العيوب أو في هذه الذنوب؟ قال معاوية: فوالله! ما ألي من الإصلاح أكثر مما تلي.
أي: الإصلاح الذي يحصل على يدي بصفتي أميراً للمؤمنين أكثر مما تلي أنت باعتبارك واحداً من الرعية.
قال: ولكن -والله- لا أخير بين أمرين بين الله وبين غيره إلا اخترت الله على ما سواه، وإني على دين يُقبل فيه العمل، ويُجزى فيه بالحسنات، ويُجزى فيه بالذنوب إلا أن يعفو الله عنها.
قال المسور: فخصمني.
يعني: غلبني.
قال عروة: فلم أسمع المسور ذكر معاوية إلا صلى عليه.
يعني: دعا له بعد هذه المناظرة.
стр. 983
هدي السلف فيما شجر بين الصحابة ﵃
وعن أبي راشد قال: جاء رجل من أهل البصرة إلى عبيد الله بن عمر، فقال: إني رسول إخوانك من أهل البصرة إليك، فإنهم يقرئونك السلام ويسألونك عن أمر هذين الرجلين: علي وعثمان، وما قولك فيهما؟ فقال: هل غير؟ قال: لا.
قال: جهزوا الرجل -أي: أعدوا له متاعه كي يسافر فوراً في الحال إلى حيث أتى- فلما فُرغ من جهازه قال: (اقرأ ﵈، وأخبرهم أن قولي فيهم: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:١٣٤]).
وعن شريك قال: سألت إبراهيم بن أدهم عما كان بين علي ومعاوية رضي الله تعالى عنهما، فبكى، فندمت على سؤالي إياه، فرفع رأسه فقال: إنه من عرف نفسه اشتغل بنفسه، ومن عرف ربه اشتغل بربه عن غيره.
وقال الشافعي: قيل لـ عمر بن عبد العزيز: (ما تقول في أهل صفين؟ قال: تلك دماء طهر الله يدي منها، فلا أحب أن أخضب لساني بها).
стр. 984
هدف أعداء الإسلام من إثارة ما وقع من خلاف في زمن الصحابة والسلف
قال الرياشي رحمه الله تعالى: لعمرك إن في ذنبي لشغلاً لنفسي عن ذنوب بني أمية على ربي حسابهم جميعاً إليه تناهى علم ذلك لا إليه وليس بضائري ما قد أتوه إذا ما الله يغفر ما لديه يعني: أنت في القبر لن تُسأل، ويوم القيامة لن تُحاسب على ذنوب بني أمية، فهذا لا يعنيك في شيء، (ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)، فكون الناس -حتى الآن- يشتغلون بذم بني أمية هذا الانخراط وقوف في خندق واحد مع أعداء الإسلام؛ لأن لهم غرضاً خبيثاً من وراء إبراز هذه المآخذ والمبالغة فيها، بل وحشو هذه الأخبار بالكذب، كل هذا هو من أجل تنفير الناس من ماضي المسلمين، ومحاولة تصوير التاريخ الإسلامي أنه ما هو إلا عبارة عن صراع على السلطة فحسب، وأنه ليس دعوة ربانية ولا هداية إلهية، وإنما هو أغراض شخصية ومطالب دنيوية، فمن أجل ذلك يحاولون إبراز السلف الصالح رحمهم الله تعالى في هذه الصورة المنفرة للتنفير وللصد عن سبيل الله ﵎، فينخدع الأغرار ممن يجارون هذا المنهج الخبيث، ويسمون الخوض في شأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم وما وقع منهم بحثاً علمياً، والعلم منه براء، بل هم مزورون كذابون.
ولذلك نجد هذه الظاهرة لا يهتم بها أساساً ولا يسقي شجرتها الخبيثة إلا أعداء الإسلام من اليهود والنصارى والمستشرقين وتلامذتهم وأذنابهم من أعداء الإسلام كـ طه حسين، وغيرهم ممن وضعوا السموم في الآبار الإسلامية، حتى يسمم شباب المسلمين بهذه المفاهيم، فإذا صوروا الصحابة أنهم كانوا طلاب دنيا فقدت الثقة بهم، وبالتالي لا يرغب الناس في إعادة هذا المجد وهذا التاريخ الإسلامي.
وكون هذا إذا صدر من أعداء الإسلام فهذا وضع طبيعي ومتوقع منهم، لكن الأمر الشنيع أن يصدر هذا ممن ينتسب زوراً إلى الإسلام! في حين أن من أصول أهل السنة والجماعة الإمساك عما شجر بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين؛ لأن هذا مقتضى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠]، فالعجيب أن هناك بعض المنتسبين لبني البشر بل للإسلام يتعبدون بالغل على الصحابة، كالشيعة الروافض في إيران وغيرهم، فإنهم يتعبدون بذلك، ويعتبرون أن الاشتغال بلعن معاوية وبلعن أبي بكر وعمر عبادة يثاب عليها أكثر من ذكر الله -والعياذ بالله- كما لبس الشيطان عليهم، وهذا من الأمور العجيبة! وأعجب منه أيضاً أنا نرى بعد هذه الحملة التي حصلت ضد التنظيم الشيعي الذي اكتشف يخرج أيضاً أعداء الإسلام من بين البحور في الإعلام يدافعون عن الشيعة، ويقولون: ينبغي أن نذكر محاسن الشيعة وكذا وكذا.
المهم أنهم في كل معركة بين أهل السنة وأهل الإسلام وبين أعدائهم ينضمون إلى الصف المعادي؛ لأجل إضعاف المسيرة الإسلامية، فالله حسيبهم.
стр. 985
حكم سب الحجاج بن يوسف الثقفي
عن الهيثم بن عبيد الصيدلاني قال: سمع ابن سيرين رجلاً يسب الحجاج، فقال: مه أيها الرجل -أي: انصت وتعقل وتفكر-! إنك لو وافيت الآخرة كان أصغر ذنب عملت قط أعظم عليك من أعظم ذنب عمله الحجاج.
أي أنه يقول له: كف عن هذا، ولا تضيع وقتك بالاشتغال بسب الحجاج، مع أن الحجاج رجل ظالم فعل ما فعل من الكبائر، لكن انظر إلى هنا إلى طريقة تفكير ابن سيرين، حيث إنه يدل الإنسان على أن يشتغل بعيب نفسه حتى لو كان في غيره من العيوب ما الله به عليم.
فيقول: مه أيها الرجل! إنك لو وافيت الآخرة -أي: إذا قامت القيامة ووقفت بين يدي الله فأيهما أخطر عليك: أقل ذنب أنت عملته بنفسك، أم أعظم ذنب عمله الحجاج؟
الجواب
ما عملته أنت بنفسك، فلهذا ينبغي أن تخاف من ذنبك أكثر من ذنوب غيرك؛ لأن هذا سوف يضرك إن لم يتب الله عليك.
قال ابن سيرين: إنك لو وافيت الآخرة كان أصغر ذنب عملته قط أعظم عليك من أعظم ذنب عمله الحجاج، واعلم أن الله حكم عدل، إن أخذ من الحجاج لمن ظلمه شيئاً فشيئاً أخذ للحجاج ممن ظلمه، فلا تشغلن نفسك بسب أحد.
أي أن الله حكم عدل، فإذا أنت جاوزت الحد وبغيت على الحجاج نفسه -مع أن الحجاج كان ظالماً وباغياً- فالله حكم عدل، وإن أخذ من الحجاج لمن ظلمه - الحجاج - شيئاً فشيئاً للمظلومين الذين ظلمهم الحجاج؛ لأنه سوف ينتقم الله من الحجاج إن شاء ذلك، ويأخذ من الحجاج بقدر ظلمه لهؤلاء الناس، لكن بجانب ذلك أيضاً الله لأنه حكم عدل سوف يأخذ للحجاج ممن ظلم الحجاج، فإذا أنت اشتغلت بذنبه وسبه وبغيت في ذلك فلا تأمن أن الله سوف يعاقبك بأن ينتقم منك من أجل الظلم الذي ظلمته الحجاج، فلا تشغلن نفسك بسب أحد.
следующие страницы →