Полный текст (142 стр.). Показаны 106–142 · переход к 111.
стр. 106
قبول الأشعري لأحاديث الآحاد الصحيحة في العقائد
قال رحمه الله تعالى: [ونسلم الروايات الصحيحة عن رسول الله ﷺ التي رواها الثقات عدلاً عن عدل حتى ينتهي إلى الرسول ﷺ ].
يعني: نقبل الحديث إذا عدلت رواته واتصل سنده.
يعني: خلافاً لأهل البدع الذين يقولون: أخبار الآحاد لا تقبل في العقائد، أما نحن فنقول: إذا ثبت الحديث بسند صحيح وعدلت رواته واتصل سنده قبل في العقائد والأعمال والأخلاق وفي كل شيء، خلافاً للمعتزلة وأهل البدع القائلين بأن أخبار الآحاد لا تقبل في العقائد، وهذا باطل، ويعللون قولهم بأن خبر الآحاد ظني الثبوت ظني الدلالة، وهذا كله مما أحدثه أهل البدع، فقولهم: ظني الثبوت، يعني: مشكوك في ثبوته، فلا يقبل، وإذا كان الدليل من القرآن أو كان متواتراً قالوا: هذا قطعي الثبوت، لكنه ظني الدلالة، فلا نجزم بأن قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤] يفيد الاستواء، لجواز أن يكون معناها استولى.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [إلى أن قال: ونصدق بجميع الروايات التي يثبتها أهل النقل من النزول إلى السماء الدنيا، وأن الرب يقول: هل من سائل؟ هل من مستغفر؟ وسائر ما نقلوه وأثبتوه خلافاً لما قال أهل الزيغ والتضليل.
ونعول فيما اختلفنا فيه على كتاب ربنا وسنة نبينا وإجماع المسلمين، وما كان في معناه، ولا نبتدع في دين الله ما لم يأذن لنا به، ولا نقول على الله ما لا نعلم.
ونقول: إن الله يجيء يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢].
وأن الله يقرب من عباده كيف شاء، كما قال تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦]].
وهذا الأصل فيه أن الضمير يعود إلى الله، فقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ﴾ [ق:١٦] يعني: أقرب إليه بالعلم والقدرة والإحاطة.
والقول الثاني: أن المراد قرب الملائكة، والمعنى: قرب الملائكة من قلب العبد، بحيث تكون ذوات الملائكة أقرب إلى العبد من حبل الوريد، ولهذا قيده بالظرف، فقال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ﴾ [ق:١٦ - ١٧].
يعني: أقرب إليه من حبل الوريد وقت تلقي المتلقيان، ولو كان المراد قرب الرب لكان عام التعلق ولم يخصص ولم يقيد بوقت تلقي المتلقيان، هكذا ذهب إلى هذا القول شيخ الإسلام ﵀ وجماعة.
وآخرون من أهل العلم كمثل أبي الحسن الأشعري قالوا: إن القرب يعود إلى الله، والمراد قرب الله في العلم، مثل قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق:١٦]، فهو قرب بالعلم.
وبعضهم قال: قرب بالعلم والقدرة والرؤية والإحاطة.
قال رحمه الله تعالى: [وأن الله يقرب من عباده كيف شاء، كما قال تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦]، وكما قال ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم:٨ - ٩]].
هذا القول بأن هذا يعود إلى الله، والراجح أنه يعود إلى جبريل، فقوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا﴾ [النجم:٨] أي: جبريل ﴿فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم:٨ - ٩].
وجاء في حديث الإسراء أنه يعود إلى الله لكن قال العلماء: إن هذا من أفراد شريك بن أبي نمر وله أوهام وأغلاط في حديث الإسراء، ولهذا لما روى مسلم في الصحيح حديث شريك قال: فقدم وأخر وزاد ونقص، وهذا أبو الحسن يقرر أن قوله: (ثم دنى فتدلى) يعود إلى الله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [إلى أن قال: وسنحتج لما ذكرناه من قولنا وما بقي مما لم نذكره باباً باباً.
ثم تكلم على أن الله يرى، واستدل على ذلك، ثم تكلم على أن القرآن غير مخلوق واستدل على ذلك، ثم تكلم على من وقف في القرآن وقال: لا أقول: إنه مخلوق ولا غير مخلوق].
هذا التوقف باطل، وهو أحد مذاهب أهل البدع إذ بعضهم يقول: القرآن مخلوق، وبعضهم يقول: أتوقف فلا أقول مخلوق ولا غير مخلوق، وهذا مذهب الواقفة قال بعضهم: الواقفة شر من الجهمية، فعلى الإنسان أن يجزم بأن القرآن كلام الله، غير مخلوق، أما التوقف فبدعة.
стр. 107
بيان عقيدة الإمام الأشعري في الاستواء
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم قال: باب ذكر الاستواء على العرش.
إن قال قائل: ما تقولون في الاستواء؟ قيل له: إن الله مستو على عرشه، كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وقد قال الله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠]، وقال: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٨]، وقال: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة:٥]، وقال تعالى حكاية عن فرعون: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ﴾ [غافر:٣٦]].
كل هذا فيه إثبات العلو، إذ الصعود يكون من أسفل إلى أعلى، وفرعون لما أعلمه موسى بأن الله في العلو أمر وزيره هامان أن يبني صرحاً ليكذب موسى فيما ادعاه بزعمه من أن الله في العلو، وليس المراد أن فرعون أثبت العلو، إذ بعض الجهمية يغالط ويقول: إن فرعون أثبت العلو، ومن أثبت العلو فهو على مذهب فرعون، وهذا باطل، ففرعون منكر للعلو، وهو منكر للرب، ولذلك يقول: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] فكيف يثبت العلو؟! قال رحمه الله تعالى: [وقال تعالى حكاية عن فرعون: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر:٣٦ - ٣٧]، كذب موسى في قوله: إن الله فوق السماوات، وقال: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ﴾ [الملك:١٦]، فالسماوات فوقها العرش، فلما كان العرش فوق السماوات قال: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦]؛ لأنه مستو على العرش الذي فوق السماوات، فكل ما علا فهو سماء، فالعرش أعلى السماوات، وليس إذا قال: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] يعني: جميع السماء، وإنما أراد العرش الذي هو أعلى السماوات، ألا ترى أن الله ذكر السماوات فقال: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح:١٦]، فلم يرد أن القمر يملأهن وأنه فيهن جميعاً، ورأينا المسلمين جميعاً يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء؛ لأن الله على العرش الذي هو فوق السموات، فلولا أن الله على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش، كما لا يحطونها إذا دعوا إلى الأرض].
стр. 108
رد الإمام الأشعري على منكري الاستواء
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم قال: فصل، وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية].
الحرورية هم الخوارج، سموا بذلك؛ لأنهم سكنوا بلدة تسمى حروراء.
[إن معنى قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، أنه استولى وملك وقهر، وأن الله في كل مكان، وجحدوا أن يكون على عرشه كما قال أهل الحق، وذهبوا في الاستواء إلى القدرة، فلو كان كما ذكروه كان لا فرق بين العرش والأرض السابعة؛ لأن الله قادر على كل شيء، والأرض فالله قادر عليها وعلى الحشوش وعلى كل ما في العالم، فلو كان الله مستوياً على العرش، بمعنى: الاستيلاء، وهو مستوياً على الأشياء كلها، لكان مستوياً على العرش وعلى الأرض وعلى السماء وعلى الحشوش والأقذار؛ لأنه قادر على الأشياء مستول عليها، وإذا كان قادراً على الأشياء كلها، ولم يجز عند أحد من المسلمين أن يقول: إن الله مستو على الحشوش والأخلية، لم يجز أن يكون الاستواء على العرش بمعنى الاستيلاء الذي هو عام في الأشياء كلها، ووجب أن يكون معنى الاستواء يخص العرش دون الأشياء كلها.
وذكر دلالات من القرآن والحديث والإجماع والعقل.
ثم قال: باب الكلام في الوجه والعينين والبصر واليدين.
وذكر الآيات في ذلك، ورد على المتأولين بكلام طويل لا يتسع هذا الموضع لحكايته، مثل قوله: فإن سئلنا: أتقولون ذلك: لله يدان؟ قيل: نقول ذلك.
وقد دل عليه قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]، وقوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله مسح ظهر آدم بيده، واستخرج منه ذريته)، وقد جاء في الخبر المأثور عن النبي ﷺ : (أن الله خلق آدم بيده، وخلق جنة عدن بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس شجرة طوبى بيده)، وليس يجوز في لسان العرب ولا في عادة أهل الخطاب أن يقول القائل: عملت كذا بيدي ويريد به النعمة].
والمؤلف ﵀ قصده من هذا تبيين أن أهل السنة كلهم متفقون على إثبات الصفات لله ، وأن إنكار الجهمية والأشاعرة والمعتزلة في الصفات مخالفة لما أجمع عليه أهل السنة والجماعة والعلماء والأئمة.
قال رحمه الله تعالى: [وليس يجوز في لسان العرب ولا في عادة أهل الخطاب أن يقول القائل: عملت كذا بيدي ويريد به النعمة، وإذا كان الله إنما خاطب العرب بلغتها، وما يجري مفهوماً من كلامها ومعقولاً في خطابها، وكان لا يجوز في خطاب أهل اللسان أن يقول القائل: فعلت بيدي ويعني به النعمة، بطل أن يكون معنى قوله تعالى: (بيدي) النعمة، وذكر كلاماً طويلاً في تقرير هذا ونحوه].
стр. 109
إثبات الإمام الباقلاني للصفات
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني المتكلم، وهو أفضل المتكلمين المنتسبين إلى الأشعري ليس فيهم مثله، لا قبله ولا بعده].
يعني: أن الباقلاني من الأشاعرة المعتدلين، ولهذا أثنى عليه المؤلف ﵀.
قال: [وهو أفضل المتكلمين المنتسبين إلى الأشعري، ليس فيهم مثله لا قبله ولا بعده، قال في كتاب الإبانة تصنيفه: فإن قال: فما الدليل على أن].
الأشعري له كتاب الإبانة، والباقلاني له كتاب الإبانة أيضاً.
قال: [فإن قال: فما الدليل على أن لله وجهاً ويداً؟ قيل له: قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]، وقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، فأثبت لنفسه وجهاً ويداً].
والأشاعرة المتأخرون لا يثبتون هذه الصفات لله وهو يثبتها الآن؛ لأنه ليس كالأشاعرة المتأخرين، بل هو من المعتدلين، ولذا تراه يثبت كثيراً من الصفات.
قال: [فإن قال: فما أنكرتم أن يكون وجهه ويده جارحة إذا كنتم لا تعقلون وجهاً ويداً إلا جارحة؟ قلنا: لا يجب هذا، كما لا يجب إذا لم نعقل حياً عالماً قادراً إلا جسماً أن نقضي نحن وأنتم بذلك على الله سبحانه، وكما لا يجب في كل شيء كان قائماً بذاته أن يكون جوهراً؛ لأنا وإياكم لا نجد قائماً بنفسه في شاهدنا إلا كذلك، وكذلك الجواب لهم إن قالوا: فيجب أن يكون علمه وحياته وكلامه وسمعه وبصره وسائر صفاته عرضاً واعتلوا بالوجود.
قال: فإن قال: تقولون: إنه في كل مكان؟ قيل له: معاذ الله! بل هو مستو على العرش، كما أخبر في كتابه فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠]، وقال: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك:١٦]، قال: ولو كان في كل مكان، لكان في بطن الإنسان وفمه والحشوش والمواضع التي يرغب عن ذكرها، ولوجب أن يزيد بزيادة الأمكنة إذا خلق منها ما لم يكن، وينقص بنقصانها إذا بطل منها ما كان، ولصح أن يرغب إليه إلى نحو الأرض].
يعني: يدعى من جهة الأرض ولا يدعى من جهة السماء لعلة كونه في كل مكان، نعوذ بالله.
قال: [ولصح أن يرغب إليه إلى نحو الأرض، وإلى خلفنا وإلى يميننا وإلى شمالنا، وهذا قد أجمع المسلمون على خلافه وتخطئة قائله.
وقال أيضاً في هذا الكتاب: صفات ذاته التي لم يزل ولا يزال موصوفاً بها، وهي: الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والإرادة والبقاء والوجه والعينان واليدان والغضب والرضا، وقال في كتاب التمهيد كلاماً أكثر من هذا].
كتاب التمهيد هو كتاب الباقلاني، وهناك التمهيد لـ ابن عبد البر وهذا غير ذاك.
قال: [فقال في كتاب التمهيد كلاماً أكثر من هذا، لكن ليست النسخة حاضرة عندي، وكلامه وكلام غيره من المتكلمين في هذا الباب].
هذا يدل على أن المؤلف ينقل حرفياً، ويدل على أن المؤلف ﵀ كانت عنده كتب كثيرة من المتقدمين والمتأخرين ينقل منها.
قال: [وقال في كتاب التمهيد كلاماً أكثر من هذا لكن ليست النسخة حاضرة عندي، وكلامه وكلام غيره من المتكلمين في هذا الباب مثل هذا كثير لمن يطلبه، وإن كنا مستغنين بالكتاب والسنة وآثار السلف عن كل كلام].
لكن من باب الرد على الخصوم بأقوال أئمتهم وعلمائهم، وإلا فالكتاب والسنة وأقوال الصحابة والعلماء كافية، لكن لا ينقل عن أهل الكلام، إلا لإقناع الخصوم من الأشاعرة، فيقال: هذا القاضي منكم، وهذا الأشعري تنتسبون إليه، فانظروا إلى كلامه، إذ كلامه يبطل ما تدعونه من إنكار الصفات وتأويلها.
стр. 110
مخالفة متأخري الأشاعرة لأئمتهم المتقدمين
قال: [وملاك الأمر: أن يهب الله للعبد حكمة وإيماناً بحيث يكون له عقل ودين حتى يفهم ويدين].
ومن كان كذلك تمت النعمة عليه.
قال: [وملاك الأمر: أن يهب الله للعبد حكمة وإيماناً بحيث يكون له عقل ودين؛ حتى يفهم ويدين، ثم نور الكتاب والسنة يغنيه عن كل شيء، ولكن كثيراً من الناس قد صار منتسباً إلى بعض طوائف المتكلمين ومحسن للظن بهم دون غيرهم، ومتوهماً أنهم حققوا في هذا الباب ما لم يحققه غيرهم، فلو أوتي بكل آية ما تبعها حتى يؤتى بشيء من كلامهم].
ولهذا أكثر المؤلف ﵀ من النقول عنهم للرد على الخصوم بأقوال أئمتهم وأتباعهم.
قال: [ثم هم مع هذا مخالفون لأسلافهم غير متبعين لهم].
يعني: مثل الأشاعرة الآن، فهم مخالفون لأتباعهم، فهذا القاضي الباقلاني وأبو الحسن الأشعري وهذه أقوالهم، والأشاعرة يخالفونهم.
قال: [ثم هم مع هذا مخالفون لأسلافهم غير متبعين لهم، فلو أنهم أخذوا بالهدى الذي يجدونه في كلام أسلافهم لرجي لهم مع الصدق في طلب الحق أن يزدادوا هدى، ومن كان لا يقبل الحق إلا من طائفة معينة ثم لا يستمسك بما جاءت به من الحق ففيه شبه من اليهود الذين قال الله فيهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٩١]، فإن اليهود قالوا: لا نؤمن إلا بما أنزل الله علينا، قال الله لهم: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٩١] بما أنزل عليكم].
أي: أن هؤلاء يقولون: لا نقبل إلا أقوال أئمتنا، ومع ذلك لا يقبلون الحق الذي مع أئمتهم.
فهذا الأشعري أثبت الوجه واليدين، فلماذا تنكرونها؟ ففيكم شبه من اليهود، فإن اليهود يقولون: لا نقبل إلا ما أنزل علينا، ومع ذلك خلفوا ما أنزل عليهم، وأنتم تقولون: لا نقبل إلا أقوال أئمتنا، وهذه أقوال القاضي والأشعري قد أثبتت اليد والوجه وغيرها وأنتم لم تثبتوا شيئاً، فلم لا تقولون الحق الذي مع أئمتكم؟! قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول سبحانه: لا لما جاءتكم به أنبياؤكم تتبعون، ولا لما جاءتكم به سائر الأنبياء تتبعون، ولكن إنما تتبعون أهواءكم، فهذا حال من لم يتبع الحق لا من طائفته ولا من غيرهم، مع كونه يتعصب لطائفة دون طائفة بلا برهان من الله ولا بيان].
стр. 111
بيان رأي الجويني في آيات الصفات
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك قال أبو المعالي الجويني في كتاب الرسالة النظامية: اختلفت مسالك العلماء في هذه الظواهر، فرأى بعضهم تأويلها والتزم ذلك في آي الكتاب].
يعني: ظواهر النصوص وآيات الكتاب كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤]، وقوله تعالى: (يحبهم ويحبونه)، هل تؤول أو لا تؤول؟ وأبو المعالي الجويني من متأخري الأشاعرة، وهو الذي تكلم في مسألة الاستواء وقرر نفي استواء الرب على عرشه بين تلاميذه، حيث يقول: إن الرب كان قبل أن يخلق العرش وهو الآن على ما كان، وقصده بذلك إنكار الاستواء، فلما أكثر من هذا قام إليه أحد تلاميذه وقال: يا أستاذ! دعنا من هذا الكلام، لكن كيف ندفع هذه الضرورة على المسلم؟ ما قال أحد قط: يا الله! إلا اتجه إلى العلو وجهه وقال: حيرني الهمداني حيرني الهمداني والهمداني هذا هو من تلاميذه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال في كتاب الرسالة النظامية: اختلفت مسالك العلماء في هذه الظواهر، فرأى بعضهم تأويلها والتزم ذلك في آي الكتاب].
وهؤلاء هم الأشاعرة والمعتزلة والجهمية، أما أهل السنة فلم يؤولونها، بل أجروها على ظاهرها، وأمروها كما جاءت، كما قال الإمام أحمد رحمه لله.
قال: [فرأى بعضهم تأويلها والتزم ذلك في آي الكتاب وما يصح من السنن، وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل، وإجراء الظواهر على مواردها، وتفويض معانيها إلى الرب].
وهذا غلط، فإن أئمة السلف يفوضون الكيفية ولا يفوضون المعاني.
أما مذهب المفوضة فقال بعض العلماء عنهم: المفوضة أشر من الجهمية، فالمفوضة يقولون: لا نعرف المعنى، بل هي حروف تجري على اللسان ولا يعرف معناها، وهذا غلط، فإن الله تعالى أمر بتدبر القرآن، فقال: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء:٨٢] وقال: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧]، ولم يقل: لا تفسروها ولا تدبروها فإنها غير معلومة المعنى، بل قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩]، فقوله ذاك إنما قاله ظناً منه أن السلف يفوضون المعنى، مثل ما قال النووي ﵀ في صحيح مسلم: مذهب الخلف التأويل، ومذهب السلف تفويض المعنى، وهذا غلط، إذ ليس من مذهب أهل السنة والجماعة تفويض المعنى، بل عندهم تفويض الكيفية، والمعنى معلوم كما قال الإمام مالك: الاستواء معلوم -أي: في اللغة العربية- والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل وإجراء الظواهر على مواردها وتفويض معانيها إلى الرب.
قال: والذي نرتضيه رأياً وندين الله به عقداً اتباع سلف الأمة، والدليل السمعي القاطع في ذلك: أن إجماع الأمة حجة متبعة، وهو مستند معظم الشريعة، وقد درج صحب رسول الله ﷺ على ترك التعرض لمعانيها].
شيخ الإسلام ينقل هذه النصوص ليبين أن مذهب السلف وأهل السنة والجماعة هو إثبات الصفات وتفويض الكيفية، ونقل الشيخ كلام أبي المعالي ولم يرد عليه، فيحمل كلام أبي المعالي في تفويض المعنى على أن المقصود معنى الكيفية، لكن المعروف من أبي المعالي غير ذلك، ولهذا فهذا إشكال من نقل الشيخ ﵀ هذا الكلام ضمن نقولات العلماء في إثبات مذهب السلف.
قال: [وكانوا لا يألون جهداً في ضبط قواعد الملة، والتواصي بحفظها، وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها، فلو كان تأويل هذه الظواهر مسوغاً أو محتوماً لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة، وإذا انصرم عصرهم وعصر التابعين على الإضراب عن التأويل كان ذلك هو الوجه المتبع، فحق على ذي الدين أن يعتقد تنزيه الله عن صفات المحدثين، ولا يخوض في تأويل المشكلات، ويكل معناها إلى الرب، فليجر آية الاستواء والمجيء، وقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]، وقوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤]، وما صح من أخبار الرسول ﷺ كخبر النزول وغيره على ما ذكرنا].
стр. 112
نقل الصواب من الآخرين ليس قبولاً بكل أقوالهم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قلت: وليعلم السائل أن الغرض من هذا الجواب ذكر ألفاظ بعض الأئمة الذين نقلوا مذهب السلف في هذا الباب، وليس كل من ذكرنا شيئاً من قوله من المتكلمين وغيرهم يقول بجميع ما نقوله في هذا الباب وغيره].
يعني: هذا الكلام تعقيب من المؤلف على جميع النصوص لا خاصاً بالنقل هذا، فيقول: نقلنا عنهم؛ لنبين أن هذا مذهب السلف، لكن في بعض النقول التي ننقلها عنهم أشياء لا نوافقهم عليها، فمقصود المؤلف ﵀ النقل عن السلف في أنهم يجرون الصفات على ظاهر الكتاب.
أما قوله: نفوض المعنى، فهذا ليس بصحيح، فالمعنى لا يفوض، وهذا لا يقول به المؤلف ﵀، لكن قصده من النقل عن أبي المعالي الجويني هو قوله: أن السلف لا يتعرضون للتأويل، بل يجرونها على ظاهرها، ولا يلزم من هذا أنهم يفوضون المعنى، بل هذا من الأغلاط عليهم.
ويقول الشيخ: ليس كل من نقلنا عنه نوافقه في كل ما يقول؛ لأن الاستفادة من نقوله لكلام العلماء، أما ما يعتقده فلا نوافقه في كل ما يقول.
وقوله: (وليس كل من ذكرنا شيئاً من قوله من المتكلمين وغيرهم يقول بجميع ما نقوله في هذا الباب وغيره.
في نسخة: (نقول بجميع ما يقوله) الأولى بالنون والثانية بالياء، وهي الصواب.
قال: [وليس كل من ذكرنا شيئاً من قوله من المتكلمين وغيرهم نقول بجميع ما يقوله في هذا الباب وغيره، ولكن الحق يقبل من كل من تكلم به].
أي: من تكلم بكلام الحق قبلناه منه ورددنا الباطل الذي معه؛ لأن الحق يقبل ممن جاء به.
فإذا تكلم أبو المعالي الجويني بكلام الحق قبلنا منه ورددنا الباطل الذي معه.
قال: [كان معاذ بن جبل يقول في كلامه المشهور عنه الذي رواه أبو داود في سننه: اقبلوا الحق من كل من جاء به، وإن كان كافراً أو قال: فاجراً، واحذروا زيغة الحكيم، قالوا: كيف نعلم أن الكافر يقول الحق؟ قال: إن على الحق نوراً.
أو كلاماً هذا معناه].
هذا الأثر في سنن أبي داود من كتاب السنة حيث قال: باب لزوم السنة.
عن ابن شهاب: أن أبا إدريس الخولاني أخبره: أن يزيد بن عميرة وكان من أصحاب معاذ بن جبل أخبره قال: كان لا يجلس مجلساً للذكر حين يجلس إلا قال: الله حكم قسط، هلك المرتابون، فقال معاذ بن جبل يوماً: إن من ورائكم فتناً يكثر فيها المال، ويفتح فيها القرآن، حتى يأخذه المؤمن والمنافق، والرجل والمرأة، والصغير والكبير، والعبد والحر، فيوشك قائل أن يقول: ما للناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآن؟ ما هم بمتبعي حتى أبتدع لهم غيره، فإياكم وما ابتدع، فإن ما ابتدع ضلالة، وأحذركم زيغة الحكيم، فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق، قال: قلت لـ معاذ: ما يدريني رحمك الله إن كان الحكيم قد يقول كلمة الضلالة، وأن المنافق قد يقول كلمة الحق؟ قال: بلى، اجتنب من كلام الحكيم المشتهرات التي يقال لها: ما هذه؟! ولا يثنيك ذلك عنه، فإنه لعله أن يراجع، وتلق الحق إذا سمعته، فإن على الحق نوراً.
وأخرجه الحاكم في مستدركه مع اختلاف يسير في الألفاظ.
стр. 113
سبيل النجاة في باب الصفات
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال: فأما تقرير ذلك بالدليل وإماطة ما يعرض من الشبه وتحقيق الأمر على وجه يخلص إلى القلب ما يبرد به من اليقين، ويقف على مواقف آراء العباد في هذه المهامه، فما تتسع له هذه الفتوى.
وقد كتبت شيئاً من ذلك قبل هذا، وخاطبت ببعض ذلك بعض من يجالسنا، وربما أكتب إن شاء الله في ذلك ما يحصل المقصود به].
стр. 114
شرح الحموية لابن تيمية [١٢]
لقد وردت النصوص الكثيرة الصريحة التي تدل بما لا يدع مجالاً للشك أن الله عالٍ علواً يليق بجلال قدره وعظمته، وأنه مع الخلق بمعية خاصة وعامة بعلمه، ومعيته جل في علاه لا يلزم منها مخالطة ومماسة ومحاذاة، وهذا ما يثبته النص الصريح، واللسان العربي الفصيح، وهو سبحانه على العرش استوى، فسبحان من علا فارتفع، وعز فامتنع
стр. 115
نصوص المعية لا تنافي نصوص العلو والفوقية
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وجماع الأمر في ذلك: أن الكتاب والسنة يحصل منهما كمال الهدى والنور لمن تدبر كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ].
وما يدل على أن الكتاب والسنة فيهما الكفاية والهدى والنور قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء:٩] وقوله: ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢].
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وجماع الأمر في ذلك: أن الكتاب والسنة يحصل منهما كمال الهدى والنور لمن تدبر كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وقصد اتباع الحق، وأعرض عن تحريف الكلم عن مواضعه، والإلحاد في أسماء الله وآياته.
ولا يحسب الحاسب أن شيئاً من ذلك يناقض بعضه بعضاً البتة، مثل أن يقول القائل: ما في الكتاب والسنة من أن الله فوق العرش يخالفه في الظاهر قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤]، وقوله ﷺ : (إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الله قبل وجهه) ونحو ذلك].
أي: أن نصوص المعية ونصوص العلو والفوقية لا يتنافيان ولا يتناقضان، فهو فوق العرش، وهو مع عباده بعلمه وقدرته وإحاطته، ومع المؤمنين بنصره وتأييده، فلا منافاة؛ لأن المعية ليس معناها: الاختلاط والامتزاج، والمعية لا تقتضي المماسة والمحاذاة، وإنما هي لمطلق المصاحبة، فالمعية معناها المصاحبة، وعليه فيصح القول بأن الله تعالى فوق العرش وهو مع عباده.
تقول العرب: ما زلنا نسير والقمر معنا والنجم معنا أي: وهو فوقهم، وليس هناك اختلاط ولا امتزاج ولا محاذاة ولا مماسة.
ويقال: فلان زوجته معه، وقد تكون في المشرق وهو في المغرب، والمقصود: أنها في عصمته، فهذه المعية المقصودة وهي بمعنى المصاحبة، ولهذا يقول الأحناف: إذا تزوج مشرقي مغربية ولم يثبت أنهما التقيا، ثم أتت بولد في ستة أشهر يلحق الولد بأبيه، أي: بالنسب، في جواز أن يكون من أهل الخطوة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله ﷺ : (إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الله قبل وجهه) ونحو ذلك.
فإن هذا غلط].
يعني: القول بأن هناك منافاة بين العلو والمعية غلط كبير؛ لأن المعية معناها: المصاحبة، والله تعالى فوق العرش.
قال المصنف ر حمه الله تعالى: [وذلك أن الله معنا حقيقة، وهو فوق العرش حقيقة، كما جمع الله بينهما في قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد:٤] فأخبر أنه فوق العرش يعلم كل شيء، وهو معنا أينما كنا، كما قال النبي ﷺ في حديث الأوعال: (والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه).
وذلك أن كلمة (مع) في اللغة إذا أطلقت فليس ظاهرها في اللغة إلا المقارنة المطلقة من غير وجوب مماسة أو محاذاة عن يمين وشمال، فإذا قيدت بمعنى من المعاني دلت على المقارنة في ذلك المعنى، فإنه يقال: ما زلنا نسير والقمر معنا، أو النجم معنا، ويقال: هذا المتاع معي بمجامعته لك، وإن كان فوق رأسك، فالله مع خلقه حقيقة وهو فوق عرشه حقيقة].
стр. 116
اختلاف المعية باختلاف مواردها
قال المصنف ﵀: [ثم هذه المعية تختلف أحكامها بحسب الموارد، فلما قال: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤]، دل ظاهر الخطاب على أن حكم هذه المعية ومقتضاها أنه مطلع عليكم، شهيد عليكم، ومهيمن عالم بكم، وهذا معنى قول السلف: إنه معهم بعلمه].
ولا يعتبر هذا تأويل؛ لأن الله تعالى نص على هذا المعنى فقال: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ﴾ [الحديد:٤]، ثم قال: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد:٤]، فدل على معية علم، وكما في سورة المجادلة: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة:٧]، فافتتح الآيات بالعلم وختمها بالعلم، فدل على أنها معية العلم بنص الكتاب لا كما يزعمه البعض أن هذا تأويل.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذا معنى قول السلف: إنه معهم بعلمه، وهذا ظاهر الخطاب وحقيقته، وكذلك في قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة:٧]، إلى قوله: ﴿هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة:٧]، ولما قال النبي ﷺ لصاحبه في الغار: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]، كان هذا أيضاً حقاً على ظاهره، ودلت الحال على أن حكم هذه المعية هنا معية الاطلاع والنصر والتأييد].
أي: أن قوله: (لا تحزن إن الله معنا) يدل على المعية الخاصة وهي معية نصر وتأييد وحفظ وكلاءة مع العلم والإحاطة، ويجتمع في المؤمن معيتان: معية عامة، وهي معية الإحاطة والعلم، ونفوذ القدرة والمشيئة، وهذه عامة للمؤمن والكافر، يقول تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد:٤] وقال تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ﴾ [المجادلة:٧]، وقوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ [النساء:١٠٨]، وقد تأتي المعية العامة في سياق المحاسبة والمجازاة والتخويف، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة:٧].
أما المعية الخاصة فهي خاصة بالمؤمنين وتأتي في سياق المدح والثناء، كقوله تعالى: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨] وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:١٥٣].
وتجتمع المعيتان في حق المؤمن، فالله تعالى مع المؤمنين بنصره وتأييده، وهو معهم بعلمه وإحاطته، وينفرد الكافر بالمعية العامة فقط.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨]، وكذلك قوله لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦]، هنا المعية على ظاهرها، وحكمها في هذه المواطن: النصر والتأييد.
وقد يدخل على صبي من يخيفه فيبكي، فيشرف عليه أبوه من فوق السقف ويقول: لا تخف أنا معك، أو أنا حاضر ونحو ذلك، ينبهه على المعية الموجبة بحكم الحال دفع المكروه، ففرق بين معنى المعية وبين مقتضاها، وربما صار مقتضاها من معناها، فتختلف باختلاف المواضع.
فلفظ المعية قد استعمل في الكتاب والسنة في مواضع يقتضي في كل موضع أموراً لا يقتضيها في الموضع الآخر، فإما أن تختلف دلالتها بحسب المواضع، أو تدل على قدر مشترك بين جميع مواردها -وإن امتاز كل موضع بخاصية- فعلى التقديرين ليس مقتضاها أن تكون ذات الرب مختلطة بالخلق حتى يقال: قد صرفت عن ظاهرها].
لكن بعض أهل البدع فهموا فهماً معكوساً من عند أنفسهم، فهم لا يدل عليه دليل لا من العقل، ولا من الكتاب، ولا من السنة، ولا من مدلولات المعية ودلالتها، فقالوا: إن معنى (وهو معكم) أي: مختلط بكم وهؤلاء هم الجهمية، حيث أبطلوا نصوص العلو والفوقية بنصوص المعية، وضربوا النصوص بعضها ببعض، وقالوا: معنى (وهو معكم) أي: أنه مشتق من مخلوقاته، وأن ذاته في كل مكان، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.
стр. 117
أنواع قرب الله من عباده
واختلف أهل العلم في أنواع القرب الوارد في الآيات فذكر الإمام شيخ الإسلام ﵀ أنه لا يأتي إلا خاصاً، أما قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦]، فهذا قرب ذوات الملائكة من العبد، بدليل أنه قيدها بوقت تلقي الملكين، فقال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ﴾ [ق:١٦ - ١٧] يعني: حين وقت تلقي الملكين، ولو كان المقصد قرب الرب لم يتقيد بوقت تلقي الملكين، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة:٨٥]، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: لم يرد القرب إلا خاصاً، وهو نوعان: قرب من الداعين بالإجابة، وقرب من العابدين بالإثابة.
وقال آخرون: إن القرب يكون عاماً وخاصاً، وذهب إلى هذا بعض العلماء، وفسروا قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦] يعني: أقرب إليه بالعلم.
وقال بعضهم: بالقدرة.
وقال بعضهم: بالقدرة والرؤية.
ومن أمثلة تقسيم شيخ الإسلام: تقسيم القرب الخاص إلى نوعين: فقوله تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق:١٩]، فالساجد قريب من الله، والنوع الثاني: القرب من الداعي بالإجابة، كقوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦]، فلم يقل: قريب من كل أحد، ولكن قريب لإجابة الداعي، ومثله حديث أبي موسى الأشعري في الصحيح لما قال: (كنا في سفر فارتفعت أصواتنا بالتكبير، فقال النبي ﷺ : أربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصماً ولا غائباً، إن الذي تدعونه سميع قريب، أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته)، قوله: (إن الذين تدعونه سميع قريب) أي: قريب من الداعي، ومثل قوله تعالى على لسان نبي الله صالح: ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود:٦١] يعني: قريب لإجابة الداعي.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ونظيرها من بعض الوجوه الربوبية والعبودية، فإنهما وإن اشتركتا في أصل الربوبية والتعبيد، فلما قال: ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف:١٢١ - ١٢٢]، كانت ربوبية موسى وهارون لها اختصاص زائد على الربوبية العامة للخلق، فإن من أعطاه الله من الكمال أكثر مما أعطى غيره: فقد ربه ورباه ربوبية وتربية أكمل من غيره].
стр. 118
أقسام الألفاظ باعتبار غيرها
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك قوله: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان:٦] و ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء:١]، فإن العبد تارة يعني به المعبد فيعم الخلق، كما في قوله: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٩٣]].
العبد يراد به العبودية العامة والعبودية الخاصة، فالعبودية العامة هي أن كل الناس عبيد لله ومعبدون مربوبون مقهورون مذللون، تنفذ فيهم قدرة الله، مؤمنهم وكافرهم، أما العبودية الخاصة فهي خاصة بالمؤمن الذي يعبد الله باختياره.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وتارة يعنى به العابد فيخص، ثم يختلفون: فمن كان أعبد علماً وحالاً كانت عبوديته أكمل، فكانت الإضافة في حقه أكمل مع أنها حقيقة في جميع المواضع، ومثل هذه الألفاظ يسميها بعض الناس مشكِكة لتشكيك المستمع فيها].
الألفاظ المشكِكة: هي أن تكون الألفاظ متفقة المعنى، لكن المعنى متفاضل، مثل اتفاق زيد وعمرو في أن كلاً منهما إنسان، لكن زيد يزيد عن عمرو في بعض الخواص الإنسانية.
فإن كان المعنى متفق في الشيئين يقال له: مترادف، وإن كانا متفاضلين يقال: مشكِك، وإن كان المعنى مختلف عن الآخر يقال: مشترك.
فالمشترك: هو أن يتفقا في اللفظ ويختلفا في المعنى، مثل العين، فإنها تطلق على العين الباصرة، وتطلق على عين الذهب، وتطلق على الجاسوس، وكلها بلفظ واحد والمعنى مختلف.
ومثال المترادف: قام ووقف، فاللفظان مختلفان والمعنى واحد.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومثل هذه الألفاظ يسميها بعض الناس مشككة لتشكيك المستمع فيها، هل هي من قبل الأسماء المتواطئة، أو من قبيل المشتركة في اللفظ فقط؟].
يعني: يشكك السامع، هل هي من قبيل الألفاظ المتواطئة المتفقة في المعنى، أو من قبيل المتفقة في اللفظ دون المعنى؟ قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والمحققون يعلمون أنها ليست خارجة عن جنس المتواطئة].
وهي متفقة في المعنى مثل الربوبية، قال تعالى: ﴿عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان:٦]، فالعبودية يتفق فيها المؤمنون ولكنهم يتفاوتون فيها.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والمحققون يعلمون أنها ليست خارجة عن جنس المتواطئة، إذ واضع اللغة إنما وضع اللفظ بإزاء القدر المشترك، وإن كانت نوعاً مختصاً من المتواطئة فلا بأس بتخصيصها بلفظ، ومن علم أن المعية تضاف إلى كل نوع من أنواع المخلوقات كإضافة الربوبية مثلاً، وأن الاستواء على الشيء ليس إلا للعرش، وأن الله يوصف بالعلو والفوقية الحقيقية، ولا يوصف بالسفول ولا بالتحتية قط، لا حقيقة ولا مجازاً علم أن القرآن على ما هو عليه من غير تحريف].
стр. 119
معنى كون الله في السماء
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم من توهم أن كون الله في السماء، بمعنى: أن السماء تحيط به وتحويه، فهو كاذب إن نقله عن غيره، وضال إن اعتقده في ربه، وما سمعنا أحداً يفهمه من اللفظ، ولا رأينا أحداً نقله عن أحد].
قوله: (ما سمعنا أحداً يفهمه من اللفظ) أي: من أمثال آية: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦]، وهذه الآية وأمثالها إن أريد بالسماء الطباق المبنية فـ (في) بمعنى على، ويكون المعنى: من على السماء، وإن أريد بـ (في) الظرفية فالسماء معناها: العلو، والأصل أن (في) للظرفية فيكون معنى قوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] يعني: من في العلو، والله تعالى في أعلى العلو وهو ما فوق العرش.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم من توهم أن كون الله في السماء، بمعنى: أن السماء تحيط به وتحويه فهو كاذب إن نقله عن غيره، وضال إن اعتقده في ربه، وما سمعنا أحداً يفهمه من اللفظ، ولا رأينا أحداً نقله عن أحد، ولو سئل سائر المسلمين: هل تفهمون من قول الله تعالى ورسوله ﷺ : إن الله في السماء أن السماء تحويه؟ لبادر كل أحد منهم إلى أن يقول: هذا شيء لعله لم يخطر ببالنا، وإذا كان الأمر هكذا، فمن التكلف أن يجعل ظاهر اللفظ شيئاً محالاً لا يفهمه الناس منه، ثم يريد أن يتأوله، بل عند المسلمين أن الله في السماء، وهو على العرش واحد، إذ السماء إنما يراد به العلو، فالمعنى: أن الله في العلو لا في السفل، وقد علم المسلمون أن كرسيه سبحانه وسع السماوات والأرض، وأن الكرسي في العرش كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وأن العرش خلق من مخلوقات الله لا نسبة له إلى قدرة الله وعظمته، فكيف يتوهم بعد هذا أن خلقاً يحصره ويحويه، وقد قال سبحانه: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:٧١]، وقال تعالى: ﴿فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [آل عمران:١٣٧] بمعنى: على ونحو ذلك].
قوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:٧١] أي: على جذوع النخل، ويقال: فلان في السطح، وإن كان أعلى شيء.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهو كلام عربي حقيقة لا مجازاً، وهذا يعلمه من عرف حقائق معاني الحروف، وأنها متواطئة في الغالب لا مشتركة].
يعني: أن الحروف متفقة في أصل المعنى، وإن كان المعنى متفاوت.
стр. 120
مقابلة الشيء لا تنفي علوه
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك قول النبي ﷺ : (إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الله قبل وجهه، فلا يبصق قبل وجهه)، الحديث.
حق على ظاهره، وهو سبحانه فوق العرش، وهو قبل وجه المصلي، بل هذا الوصف يثبت للمخلوقات، فإن الإنسان لو أنه ينادي السماء وينادي الشمس والقمر لكانت السماء والشمس والقمر فوقه، وكانت أيضاً قبل وجهه وقد ضرب النبي ﷺ المثل بذلك، ولله المثل الأعلى، ولكن المقصود بالتمثيل بيان جواز هذا وإمكانه، لا تشبيه الخالق بالمخلوق].
أي: بيان أن من فوقك هو أمامك، فلا منافاة، فقوله ﵊: (إن أحدكم إذا قام يصلي فإن الله قبل وجهه) لا ينافي أن الله في العلو، وأنه فوق المخلوقات كما يظن بعض الناس.
ومثَّل المؤلف على ذلك بأن الإنسان إذا نادى السماء أو الشمس فهما فوقه وأمامه، والمقصود من هذا التقريب لا التشبيه، فالله تعالى لا يشابه أحداً من خلقه، لا الشمس ولا القمر ولا غيرها، وإنما المراد أن من كان فوقك فهو أمامك، وقوله ﵊: (إن الله قبل وجهه)، لا ينافي العلو، فهو فوق العرش، وهو قبل المصلي .
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال النبي ﷺ : (ما منكم من أحد إلا سيرى ربه مخلياً به، فقال له أبو رزين العقلي: كيف يا رسول الله وهو واحد ونحن جميع؟ فقال النبي ﷺ : سأنبئك بمثل ذلك في آلاء الله، هذا القمر كلكم يراه مخلَياً به وهو آية من آيات الله، فالله أكبر) أو كما قال النبي ﷺ ].
يصح مخلِياً على أنه اسم فاعل، ويصح مخلَياً بالفتح، ومخلِياً بالكسر هو الأقرب.
يعني: إذا كان الإنسان يستطيع أن يرى القمر وحده، ويستطيع أن يراه وهو مع قوم دون أن يزاحمهم، فكذلك المؤمنون يرون ربهم يوم القيامة دون مزاحمة، وكذلك يرى الإنسان ربه مخلياً به كما أنه يرى القمر مخلياً به.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال: (إنكم ترون ربكم كما ترون الشمس والقمر) فشبه الرؤية بالرؤية، وإن لم يكن المرئي مشابهاً للمرئي].
يعني: ليس المراد أن الله تعالى يشابه القمر والشمس، فالله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، ولكن المراد تشبيه الرؤية بالرؤية، يعني: كما أن الإنسان في الدنيا يرى الشمس والقمر رؤية واضحة، فكذلك سيرى الله يوم القيامة فهذا هو المراد.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فشبه الرؤية بالرؤية وإن لم يكن المرئي مشابهاً للمرئي، فالمؤمنون إذا رأوا ربهم يوم القيامة وناجوه كل يراه فوقه قبل وجهه كما يرى الشمس والقمر ولا منافاة أصلاً ومن كان له نصيب من المعرفة بالله والرسوخ في العلم بالله يكون إقراره للكتاب والسنة على ما هما عليه أوكد].
стр. 121
حكم القول: بأن ظاهر النصوص مراد أو القول بأنه غير مراد
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واعلم أن من المتأخرين من يقول: مذهب السلف إقرارها على ما جاءت به مع اعتقاد أن ظاهرها غير مراد].
وهذا الكلام مجمل يحتمل الحق ويحتمل الباطل.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذا اللفظ مجمل، فإن قوله: ظاهرها غير مراد، يحتمل أنه أراد بالظاهر نعوت المخلوقين وصفات المحدثين، مثل: أن يراد بكون الله قبل وجه المصلي أنه مستقر في الحائط الذي يصلي إليه].
وهذا غير مراد فعلاً، بل هو باطل، فليس المراد من هذا أن الله مستقر في الجدار.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأن الله معنا ظاهره أنه إلى جانبنا ونحو ذلك، فلا شك أن هذا غير مراد.
ومن قال: إن مذهب السلف: أن هذا غير مراد فقد أصاب في المعنى، لكن أخطأ بإطلاق القول بأن هذا ظاهر الآيات والأحاديث، فإن هذا هو المحال ليس هو الأظهر على ما قد بيناه في غير هذا الموضع، اللهم إلا أن يكون هذا المعنى الممتنع صار يظهر لبعض الناس، فيكون القائل بذلك مصيباً بهذا الاعتبار معذوراً في هذا الإطلاق].
أي: من أجل هؤلاء الناس الذين يظنون أن هذا هو الظاهر، وإن كان هذا ليس هو الظاهر من النصوص، لكن هم فهموا هذا الفهم الخاطئ، فلما فهموا فهماً خاطئاً قال لهم: إن الظاهر غير مراد، فهو معذور في هذه الحالة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن الظهور والبطون قد يختلف باختلاف أحوال الناس، وهو من الأمور النسبية، وكان أحسن من هذا أن يبين لمن اعتقد أن هذا هو الظاهر أن هذا ليس هو الظاهر؛ حتى يكون قد أعطى كلام الله وكلام رسوله ﷺ حقه لفظاً ومعنى.
وإن كان الناقل عن السلف أراد بقوله الظاهر غير مراد عندهم أن المعاني التي ظهرت من هذه الآيات والأحاديث مما يليق بجلال الله وعظمته لا يختص بصفة المخلوقين، بل هي واجبة لله أو جائزة عليه جوازاً ذهنياً أو جوازاً خارجياً غير مراد فقد أخطأ فيما نقله عن السلف أو تعمد الكذب، فما يمكن أحد قط أن ينقل عن واحد من السلف ما يدل لا نصاً ولا ظاهراً أنهم كانوا يعتقدون أن الله ليس فوق العرش، ولا أن الله ليس له سمع وبصر ويد حقيقة].
يعني: إذا قال: الظاهر غير مراد، وقصد بالظاهر ما يليق بجلال الله وعظمته، وأنه فوق العرش، وأنه لا يماثل المخلوقين، فقوله هذا باطل، بل ظاهرها مراد، فالله متصف بالصفات التي تليق بجلاله وعظمته، وهو تعالى لا يماثل أحداً من مخلوقاته، وهو فوق العرش حقيقة، وهو مع عباده حقيقة، وليس المراد اختلاطه بالمخلوقات، وليس المراد بفوقيته واستوائه على العرش، مماثلة المخلوقين، وإنما ما يليق بجلال الله وعظمته هو المراد.
стр. 122
بيان ضلال من ينسب طريقة تأويل الصفات إلى السلف
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد رأيت هذا المعنى ينتحله بعض من يحكيه عن السلف، ويقولون: إن طريقة أهل التأويل هي في الحقيقة طريقة السلف -بمعنى: أن الفريقين اتفقوا على أن هذه الآيات والأحاديث لم تدل على صفات الله ولكن السلف أمسكوا عن تأويلها، والمتأخرون رأوا المصلحة في تأويلها لمسيس الحاجة إلى ذلك، ويقولون: الفرق بين الطريقين أن هؤلاء يعينون المراد بالتأويل، وأولئك لا يعينون؛ لجواز أن يراد غيره].
وهذا يعني: أن هناك مذاهب في صفات الله ذكر المؤلف منها: الأول: مذهب المفوضة، والثاني: مذهب المؤولة، وهذا هو الذي يذكره النووي وغيره في شرح صحيح مسلم بقوله: والعلماء لهم في هذا طريقتان: الطريقة الأولى: الإمساك والسكوت عن المعنى، يعني: تفويض المعنى إلى الله.
والطريقة الثانية: طريقة الخلف، وهي: تأويل الصفات بمعانٍ تليق بالنصوص، فيقول: هذه طريقة السلف وهذه طريقة الخلف، وهذا في الحقيقة ليس مذهب السلف.
فهو يقول: والعلماء لهم طريقتان: طريقة السلف وهي طريقة المفوضة الذين يفوضون المعاني، وطريقة الخلف وهي التأويل، وطريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم، وكل منهما مذهب باطل، بل طريقة الصحابة والتابعين هي إثبات المعاني، فمعاني النصوص والصفات معروفة، لكن الكيفية هي التي ليست معلومة لنا.
فنعرف أن الاستواء معناه: الاستقرار والصعود والعلو والارتفاع، ونعرف أن العلم ضد الجهل، والسمع ضد الصمم، والحياة ضد الموت، فالمعاني معروفة، كما قال الإمام مالك: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وكثير من الشُرَّاح يذكرون هذين المذهبين، فيقولون: للعلماء مذهبان، ويذكرون مذهب المفوضة ومذهب المؤولة، ولا يذكرون مذهب السلف ﵃.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن كان الناقل عن السلف أراد بقوله: (الظاهر غير مراد عندهم): أن المعاني التي ظهرت من هذه الآيات والأحاديث مما يليق بجلال الله وعظمته، ولا يختص بصفة المخلوقين، بل هي واجبة لله أو جائزة عليه جوازاً ذهنياًَ أو جوازاً خارجياً غير مراد، فقد أخطأ فيما نقله عن السلف أو تعمد الكذب، فما يمكن أحد قط أن ينقل عن واحد من السلف ما يدل - لا نصاً ولا ظاهراً - أنهم كانوا يعتقدون أن الله ليس فوق العرش، ولا أن الله ليس له سمع ولا بصر ولا يد حقيقة، وقد رأيت هذا المعنى ينتحله بعض من يحكيه عن السلف، ويقولون: إن طريقة أهل التأويل هي في الحقيقة طريقة السلف، بمعنى: أن الفريقين اتفقوا على أن هذه الآيات والأحاديث لم تدل على صفات الله سبحانه، ولكن السلف أمسكوا عن تأويلها، والمتأخرون رأوا المصلحة في تأويلها؛ لمسيس الحاجة إلى ذلك، ويقولون: الفرق أن هؤلاء يعينون المراد بالتأويل].
هؤلاء هم الخلف المتأخرون الذين تأولوا صفاته سبحانه فقالوا: بأن المراد مثلاً بالمحبة: الإرادة، والمراد بالرحمة: النعمة، والمراد بالغضب: الانتقام، والمراد بالرضا: الثواب، فهم يعينون، والأولون أولئك قالوا: لا نعين.
ففوضوا، وهؤلاء خصصوا.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويقولون: الفرق أن هؤلاء يعينون المراد بالتأويل، وأولئك لا يعينون؛ لجواز أن يراد غيره.
وهذا القول على الإطلاق كذب صريح على السلف، أما في كثير من الصفات فقطعاً، مثل: أن الله تعالى فوق العرش، فإن من تأمل كلام السلف المنقول عنهم - الذي لم نحك هنا عشره - علم بالاضطرار أن القوم كانوا مصرحين بأن الله فوق العرش حقيقة، وأنهم ما اعتقدوا خلاف هذا قط، وكثير منهم قد صرح في كثير من الصفات بمثل ذلك].
يقول المؤلف: إن ما ذكره من النقول الكثيرة التي ذكرها لا يصل إلى عشر ما نقل عن العلماء، فهناك نُقُول كثيرة لا حصر لها.
стр. 123
إثبات السلف للصفات ومعانيها وبعدهم عن التشبيه والتفويض
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والله يعلم أني بعد البحث التام ومطالعة ما أمكن من كلام السلف ما رأيت كلام أحد منهم يدل - لا نصاً ولا ظاهراً ولا بالقرائن - على نفي الصفات الخبرية في نفس الأمر، بل الذي رأيته أن كثيراً من كلامهم يدل - إما نصاً وإما ظاهراً - على تقرير جنس هذه الصفات، ولا أنقل عن كل واحد منهم إثبات كل صفة، بل الذي رأيته أنهم يثبتون جنسها في الجملة، وما رأيت أحداً منهم نفاها، وإنما ينفون التشبيه وينكرون على المشبهة الذين يشبهون الله بخلقه مع إنكارهم على من نفى الصفات، كقول نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري: من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيهاً.
وكانوا إذا رأوا الرجل قد أغرق في نفي التشبيه من غير إثبات الصفات قالوا: جهمي معطل، وهذا كثير جداً في كلامهم].
يعني: أنه إذا غلا الرجل في نفي التشبيه أوصله هذا الغلو إلى نفي الصفات؛ فالمعطلة غالوا في التنزيه حتى نفوا الصفات، والمشبهة غالوا في الإثبات حتى شبهوا الله بخلقه، وهذا باطل، والمذهب الحق بين هذين الباطلين هو إثبات الصفات من غير تشبيه، وتنزيه الرب عن مماثلة المخلوقات من غير نفي للصفات ولا تعطيل لها، فلا تغلوا في التنزيه حتى تصيروا إلى تعطيل الصفات، ولا تغلو في الإثبات حتى تشبهوا، بل إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل.
стр. 124
تسمية الجهمية والمعتزلة لمن أثبت شيئاً من الصفات مشبهاً
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن الجهمية والمعتزلة إلى اليوم يسمون من أثبت شيئاً من الصفات مشبهاً؛ كذباً منهم وافتراءً].
أي: أن من أثبت الصفات قالوا: هذا مشبه؛ لأجل التنفير عنه، وهكذا من نهى عن دعاء الرسول ﵊ وعن الزيارة البدعية قالوا: هذا وهابي لا يحب الرسول؛ لأجل التنفير عنه، فالذي ينهى عن التعطيل يقولون: هذا لم ينزه الله جل وعلا، ومن أثبت الصفات فهو عند الجهمية والمعتزلة مشبه، وقصدهم من ذلك تنفير الناس من إثبات الصفات، فالذي يثبت ما أثبته الله ورسوله يصير من المشبهة عندهم.
стр. 125
خطر عقيدة الجهمية وقدحهم في الأنبياء
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حتى إن منهم من غلا ورمى الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم بذلك، حتى قال ثمامة بن الأشرس من رؤساء الجهمية: ثلاثة من الأنبياء مشبهة: موسى حيث قال: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾ [الأعراف:١٥٥] وعيسى حيث قال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:١١٦] ومحمد حيث قال: (ينزل ربنا)!].
فوصل بهم الحال إلى هذا الحد والعياذ بالله! فوصفوا الأنبياء بالتشبيه، فهذا ثمامة بن الأشرس قبحه الله من المعتزلة يقول: ثلاثة من الأنبياء مشبهة: موسى حيث قال: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾ [الأعراف:١٥٥]، وعيسى حينما قال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:١١٦] فأثبت لله نفساً، ومحمد حين قال (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا) فأثبت النزول وهو من صفات المخلوقين كما يدعون، ولهذا أكثر هؤلاء زنادقة، فقد تمنى الجهم بن صفوان أن هذه الآية لم تنزل، وهي قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] وهذا يدل على نفاقهم وزندقتهم، ولذلك يكثر النفاق والزندقة في المعتزلة، نسأل الله السلامة والعافية.
وثمامة بن الأشرس هو أبو معن النميري البصري من كبار المعتزلة بل من غلاتهم قبحه الله، وتروى عنه بعض الأقوال الجسيمة، كقوله: المقلدون من أهل الكتاب وعبدة الأوثان لا يدخلون النار، بل يصيرون تراباً، أما من مات مسلماً وهو مصرٌّ على كبيرته خلد في النار! ويقول إن أطفال المؤمنين يصيرون تراباً، إلى غير ذلك من الأقوال الشنيعة.
وقال عنه ابن قتيبة: ثم نصير إلى ثمامة فنجده من رقة الدين، ونقص الإسلام، والاستهزاء به، وإرساله لسانه على ما لا يكون على مثله رجل يعرف الله ويؤمن به، وقال عنه ابن حجر: ثمامة بن الأشرس من كبار المعتزلة ومن رءوس الضلالة، توفي سنة (٢١٣هـ).
وهو معتزلي، ولكن المؤلف ﵀ يسمي الجميع جهمية، ويقسمهم إلى الجهمية المحضة، وجهمية المعتزلة، وجهمية الأشاعرة، فكلهم جهمية عنده ﵀.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وحتى إن جل المعتزلة تدخل عامة الأئمة مثل مالك وأصحابه والثوري وأصحابه والأوزاعي وأصحابه والشافعي وأصحابه وأحمد وأصحابه وإسحاق بن راهويه وأبي عبيد وغيرهم في قسم المشبهة].
والمؤلف يسميهم جهمية؛ لأنهم وافقوا الجهم في إنكار بقية الصفات؛ لأن أصل هذا المذهب لـ الجهم، فنفي الصفات أتى منه، لكن منهم من غلا في نفي الأسماء والصفات كـ الجهم، فمن أثبت الأسماء ونفى الصفات عنده من نوع التجهم، ومن أثبت سبع صفات وأنكر باقي الصفات فعنده نوع تجهم، وكل من أنكر شيئاً من الصفات ففيه نوع من التجهم، يعني: نوع من موافقة لـ الجهم في مذهبه.
стр. 126
نعت الفرق الضالة لأهل السنة بالنعوت الكاذبة والشنيعة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد صنف أبو إسحاق إبراهيم بن عثمان بن درباس الشافعي جزءاً سماه: (تنزيه أئمة الشريعة عن الألقاب الشنيعة) وذكر فيه كلام السلف وغيرهم في معاني هذه الألقاب، وذكر أن أهل البدع كل صنف منهم يلقب أهل السنة بلقب افتراه، يزعم أنه صحيح على رأيه الفاسد، كما أن المشركين كانوا يلقبون النبي ﷺ بألقاب افتروها، فالروافض تسميهم نواصب].
والروافض يكفرون الصحابة ويعبدون آل البيت، ويسمون أهل السنة نواصب، ويقولون: إنهم نصبوا العداوة لأهل البيت، وهم كذبة؛ فأهل السنة يتولون ويحبون أهل البيت والصحابة جميعاً، لكن لما كان أهل السنة يوالون الصحابة سموهم نواصب؛ لأنهم يقولون: لا ولاء إلا ببراء، وهذه قاعدة عندهم، فلا يتولى أحد آل البيت إلا بعد أن يتبرأ من أبي بكر وعمر، فمن لم يتبرأ منهما سموه ناصبياً، وأهل السنة لا يتبرءون منهما بل يوالون الصحابة وأهل البيت، وهذه الآن طريقة الروافض، فكل طائفة الآن ترمي أهل السنة بلقب، فالنفاة من المعطلة يسمون أهل السنة مشبهة؛ لأنهم يثبتون الأسماء والصفات، والروافض يسمون أهل السنة نواصب؛ لأنهم نصبوا العداوة لأهل البيت كما يزعمون؛ ولأنهم والوا الصحابة، فالذي يوالي الصحابة لا بد أن يعادي أهل البيت عندهم، والذي يوالي أهل البيت ويوالي الصحابة فهو ناصبي ولا ينتفي عنه هذا الوصف إلا إذا تبرأ من الصحابة، وأهل السنة يقولون: نتولى هؤلاء جميعاً، فنحب أهل البيت ونحب الصحابة جميعاً.
فمن طريقة أهل البدع أنهم يرمون أهل السنة، وينبزونهم بالعيوب والألقاب تنفيراً للناس عن الحق والعياذ بالله! والروافض فئة واحدة، لكن الشيعة طبقات كثيرة قد تصل إلى أربع وعشرين طبقة منهم الكافر ومنهم المؤمن على حسب الاعتقاد، فالزيدية مثلاً يفضلون علياً على عثمان، وهم مبتدعة، لكن الروافض يسبون الصحابة ويكفرونهم، ويعبدون آل البيت، ويدعون أن القرآن ناقص، وهناك طائفة من طوائف الرافضة وهم أشدهم وأخطرهم وهم المخطئة الذين يخطئون جبريل ويقولون: إنه أخطأ في الرسالة فأوصلها إلى محمد وقد أرسله الله إلى علي، وهؤلاء كفرة، وهم غلاة النصيرية الذين يعبدون آل البيت ويؤلهون علياً ويقولون: إن الله حل في علي، والعياذ بالله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والقدرية يسمونهم مجبرة].
القدرية هم الذين ينفون القدر، ويقولون: إن الله لم يخلق أفعال العباد، وهؤلاء يسمون أهل السنة مجبرة، أي: أنهم يقولون: إن العبد مجبور، فكيف يفعل شيئاً مجبوراً عليه ثم يعذبه الله عليه؟ قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والمرجئة تسميهم شكاكاً].
المرجئة هم الذين يقولون: إن الإيمان هو التصديق والأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان، ويقولون: إن الذي يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، ويستثني في إيمانه فهو شاك؛ لأنه لا يجزم بأن عنده إيماناً كاملاً، فيسمونهم الشكاك، وأهل السنة يقولون: إن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، والإنسان حينما قال: أنا مؤمن إن شاء الله، فإنه لا يزكي نفسه؛ ولأن شعب الإيمان متعددة، وهو لا يجزم بأنه أدى ما عليه، فيقول: إن شاء الله، يعني: إن شاء الله أني أديت ما أوجب الله علي، أما هم فيقولون: إن الإيمان هو: التصديق بالقلب فقط، وأما الأعمال فليست من الإيمان.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والجهمية تسميهم مشبهة، وأهل الكلام يسمونهم حشوية ونوابت وغثاءً وغثراً، إلى أمثال ذلك].
الحشوية: مأخوذة من الحشو، وحشو الكلام هو: الفضل الذي لا يعتمد عليه، فيعنون بذلك أن كلام أهل السنة لا قيمة له، وحشو الناس أرذلهم.
معنى نوابت: أي الصغار، يقال: نبتت لهم نابتة إذا نشأ لهم نشء صغار.
والغثاء في الأصل: ما يحتمله السيل من القماش والقمائم، ويشبه به كل شيء رديء من الناس وغيرهم، وغثراً: الغثرة الجماعة الجهال، يقال: رجل أغثر إذا كان جاهلاً، وقد قال عثمان ﵁ حينما دخل عليه القوم ليقتلوه: إن هؤلاء رعاع غثرة.
أي: جهالاً، وفي أثر أويس: (أكون في غثراء الناس) إلى أمثال ذلك، كما كانت قريش تسمي النبي ﷺ ، فيعنون أن أهل السنة جهالاً لا يعرفون المعاني، ولهذا تجدهم يأخذون بالظاهر فقط لجهلهم.
стр. 127
وسطية منهج أهل السنة والجماعة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كما كانت قريش تسمي النبي ﷺ تارة مجنوناً وتارة شاعراً وتارة كاهناً وتارة مفترياً، قالوا: فهذه علامة الإرث الصحيح والمتابعة التامة؛ فإن السنة هي ما كان عليه رسول الله ﷺ اعتقاداً واقتصاداً وقولاً وعملاً].
قوله: (اقتصاداً) يعني: توسطاً من غير غلو في الأمور، بخلاف غيرهم من أهل البدع؛ لأنهم بين غالٍ وجافٍ، فالمعطلة غلوا حتى نفوا الصفات، والمشبهة جفوا حتى شبهوا صفات الله بصفات المخلوقين، وأهل السنة توسطوا واقتصدوا فأثبتوا الصفات من غير مماثلة المخلوقات، ونزهوا من غير تعطيل للصفات، فالتوسط والاقتصاد هو مذهب أهل السنة والجماعة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فكما أن المنحرفين عنه يسمونه بأسماء مذمومة مكذوبة - وإن اعتقدوا صدقها بناءً على عقيدتهم الفاسدة - فكذلك التابعون له على بصيرة الذين هم أولى الناس به في المحيا والممات باطناً وظاهراً.
وأما الذين وافقوه ببواطنهم وعجزوا عن إقامة الظواهر، والذين وافقوه بظواهرهم وعجزوا عن تحقيق البواطن، والذين وافقوه ظاهراً وباطناً بحسب الإمكان، فلا بد للمنحرفين عن سنته أن يعتقدوا فيهم نقصاً يذمونهم به].
يعني: وافقوا السنة ببواطنهم وعجزوا عن العمل بها في الظاهر.
стр. 128
قاعدة عقيدة الولاء والبراء عند الروافض
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويسمونهم بأسماء مكذوبة وإن اعتقدوا صدقها كقول الرافضي: من لم يبغض أبا بكر وعمر فقد أبغض علياً].
وهذه قاعدة عندهم: لا ولاء إلا ببراء، فلا تتولى علياً إلا إذا تبرأت من أبي بكر وعمر، ولهذا يقول بعض السلف: الشهادة بدعة، والبراءة بدعة، أي: الشهادة لمعين بالجنة ممن لم يشهد له النبي ﷺ بدعة، والبراءة بدعة، يعني: البراءة من أبي بكر وعمر فقولهم هذا بدعة وباطل، وأهل السنة يتولون الجميع، فيتولون أبا بكر وعمر، ويتولون الصحابة، ويتولون أهل البيت جميعاً، فيوالونهم كلهم ويحبونهم ويترضون عنهم وينزلونهم منازلهم التي أنزلهم الله تعالى إياها بالعدل والإنصاف لا بالهوى والتعصب، وهذا هو الحق، وهذا هو طريق الصحابة والتابعين وأتباعهم والأئمة والعلماء.
والرافضة حجتهم في هذا النفاق الذي وقر في قلوبهم، نسأل الله السلامة والعافية.
والوَلاية بالفتح تعني: المحبة، والوِلاية بالكسر تعني: الإمارة، هذا هو الأفصح، وقد يطلق أحدهما على الآخر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كقول الرافضي: من لم يبغض أبا بكر وعمر فقد أبغض علياً؛ لأنه لا ولاية لـ علي إلا بالبراءة منهما، ثم يجعل من أحب أبا بكر وعمر ناصبياً بناءً على هذه الملازمة الباطلة التي اعتقدها صحيحة أو عاند فيها، وهو الغالب].
وهذه ملازمة باطلة، وهم يلقنونهم إياها منذ الصغر، فينشأ الرافضي وهو لا يشك في هذا أبداً، فعندهم أن كل من أحب أبا بكر وعمر لا بد أن يبغض علياً فينشئون على هذا، نسأل الله السلامة والعافية.
وهم لجهلهم يعتقدون أنها صحيحة، والغالب على رؤسائهم وكبارهم أنهم يعلمون أن اعتقادهم هذا باطل ولكنه العناد.
стр. 129
بيان فساد عقيدة القدرية
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكقول القدري: من اعتقد أن الله أراد الكائنات وخلق أفعال العباد فقد سلب العباد القدرة والاختيار، وجعلهم مجبورين كالجمادات التي لا إرادة لها ولا قدرة].
القدرية هم مجوس هذه الأمة، وهم يرون أن العباد خالقون لأفعالهم، وأحدهم يقول: من اعتقد أن الله خلق العباد وخلق أفعالهم فقد سلب العباد قدرتهم واختيارهم، أي: قال بالجبر فمن قال: إن الله خلق أفعال العباد فقد قال بأنهم مجبورون، وهذا باطل؛ لأنه لا ملازمة، فالمؤمنون وأهل السنة والجماعة يقولون: إن الله تعالى خالق كل شيء، كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦] فخلق العباد وخلق أفعالهم، ولكن الله سبحانه أعطى العباد مشيئة وقدرة واختياراً، وجعل مشيئتهم تابعة لمشيئته، فالإنسان يعلم من نفسه أنه قادر يستطيع أن يأكل ويستطيع أن يمتنع عن الأكل ولا أحد يمنعه، ولكنك إذا شئت شيئاً فلا بد أن تكون مشيئتك تابعة لمشيئة الله كما قال سبحانه: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٩].
стр. 130
بيان فساد عقيدة الجهمية والمعتزلة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكقول الجهمي: من قال: إن الله فوق العرش فقد زعم أنه محصور، وأنه جسم مركب، وأنه مشابه لخلقه].
هذه ملازمة باطلة، فالجهمي يقول: من قال: إن الله فوق العرش فقد تنقص الرب بأن جعله جسماً محدوداً ومتحيزاً، فلا تقل: إن الله فوق العرش؛ لأنك إذا قلت: إنه فوق العرش فقد جعلته جسماً؛ لأنه لا يمكن أن يكون شيء فوق شيء إلا أن يكون جسماً، وإذا كان جسماً صار مركباً من أجزاء، وهذا باطل، وكل جسم مركب فهو مشابه للمخلوقات، والأجسام متماثلة، وقد جعلته أيضاً محصوراً في جهة واحدة، وهذا تنقص لله؛ لأن هذا المحصور هو المخلوق الضعيف الذي يكون في جهة واحدة! أما هو فهو ذاهب في جميع الجهات! ونقول: إن هذا من أبطل الباطل، فالعرش هو سقف المخلوقات ونهايتها، والله تعالى فوق العرش، وهو سبحانه ليس كالمخلوقات، فهو أعظم من كل شيء وأكبر من كل شيء ، وليس مماثلاً للمخلوقات، فهذه الملازمة باطلة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكقول الجهمية والمعتزلة: من قال: إن لله علماً وقدرة فقد زعم أنه جسم مركب وهو مشبه؛ لأن هذه الصفات أعراض والعرض لا يقوم إلا بجوهر متحيز، وكل متحيز جسم مركب أو جوهر فرد، ومن قال ذلك فهو مشبه؛ لأن الأجسام متماثلة].
عند المعتزلة والجهمية وغيرهم أن من أثبت الصفات لله فهو مشبه؛ لأن الصفات تكون أعراضاً، والعرض لا يقوم إلا بجسم، والأجسام لا بد أن تكون مركبة ومتشابهة، فيلزم من إثبات الصفات أن يكون الرب مشابهاً للمخلوقات؛ لأن الصفات عرض، والعرض لا يقوم إلا بجوهر أو بجسم، والجوهر أو الجسم هو: الشيء القائم بنفسه مثل الجدار، والصفات مثل البياض في الجدار وهي الأعراض، فالبياض لا يمكن أن يقوم وحده، بل لا يقوم إلا بجسم، والأجسام يشبه بعضها بعضاً، فلو كان الله متصفاً بصفات لكان جسماً، ولو كان جسماً لكان مشابهاً للمخلوقات، والله ليس كمثله شيء، إذاً ليس له صفات، هكذا يقولون! وهذا من أبطل الباطل.
فنقول: من قال لكم: إنه يلزم من الصفات التشبيه؟! فالله تعالى لا يماثل أحداً من المخلوقات، بل له صفات تخصه، والمخلوق له صفات تخصه، فهذه الملازمة إنما هي في المخلوقات، فالمخلوقات متصفة بصفات لا شك أنها أجسام وذوات يشبه بعضها بعضاً، لكن الله تعالى لا يماثل أحداً من مخلوقاته، فالمخلوق له ذات تخصه وله صفات تخصه، والخالق له ذات تخصه وله صفات تخصه.
والجوهر الفرد هو: الذي لا يقبل الانقسام، وأهل البدع بنوا دينهم على الجوهر الفرد، ولم يثبتوا وجود الله إلا من جهة الجوهر الفرد، فدينهم مبني على الجوهر الفرد، والجوهر الفرد من أهل النظر من قال بأنه لا وجود له كما ذكر المؤلف ﵀، وهم يقولون بأن الجوهر الفرد هو: الجسم الذي لا يقبل الانقسام، إذ كل شيء الآن من الممكن أن يتجزأ حتى يصل إلى جسم صغير، وقد دلت النصوص على أن جسم الإنسان يبلى، وأنه لا يبقى منه إلا عجب الذنب، وقد ذكر شيخ الإسلام عن بعض العقلاء بأنه لا وجود لشيء اسمه الجوهر الفرد وهم مختلفون في هذا.
стр. 131
تفويض شأن من طعن في أهل السنة إلى الله
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن حكى عن الناس المقالات وسماهم بهذه الأسماء المكذوبة -بناءً على عقيدته التي هم مخالفون له فيها- فهو وربه والله من ورائه بالمرصاد، ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله].
يعني: أن من قال: إن من أثبت الصفات مشبه، ومن قال: إن من أثبت القدر فهو من المجبرة، يعني بذلك أهل السنة فهو وربه، يعني: أن الله سيحاسبه وهذا تهديد له، فهؤلاء الذين يلبسون على الناس وينبزون أهل السنة بهذه الألقاب الله تعالى رقيب عليهم، وسيجازيهم يوم القيامة، وسيوقفهم بين يديه سبحانه، فالواجب على العاقل أن يتأمل وينظر في هذه الأقوال المنحرفة ولا يسعى وراءها، بل يتأمل وينظر بعين بصيرته، ولا ينظر في أقوال أهل البدع.
قوله: (ومن حكا هذه المقالات) أي: سمى أهل السنة بالمشبهة أو الحشوية أو النوابت أو النواصب، فالله وراءه بالمرصاد ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله، وهذا تهديد ووعيد.
стр. 132
شرح الحموية لابن تيمية [١٣]
انقسم الناس في صفات الله إلى عدة أقسام، والصواب ما كان على منهج أهل السنة والجماعة والسلف من قبلهم، وأهل الكلام والفلاسفة والمعطلة والمشبهة ممن أضلهم الله بسبب أهوائهم الضالة، وعقولهم الفاسدة.
стр. 133
أقسام أهل القبلة في آيات الصفات
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وجماع الأمر: أن الأقسام الممكنة في آيات الصفات وأحاديثها ستة أقسام، كل قسم عليه طائفة من أهل القبلة: قسمان يقولان: تجُرى على ظواهرها.
وقسمان يقولان: هي على خلاف ظاهرها.
وقسمان يسكتان].
قوله: (يسكتان) أي: يفوضون، وكل قسم ينقسم إلى أقسام سيأتي ذكرها.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أما الأولون فقسمان: أحدهما: من يجريها على ظاهرها ويجعل ظاهرها من جنس صفات المخلوقين، فهؤلاء المشبهة، ومذهبهم باطل أنكره السلف، وإليه توجه الرد بالحق].
هذا القسم الأول: الذي يقول أصاحبه: تجرى على ظاهرها، ومقصودهم بظاهرها: أن صفات الله مثل صفات المخلوقين: له سمع كسمع المخلوقين، وبصر كبصر المخلوقين، واستواء كاستوائهم، فهؤلاء مشبهة.
والأدلة على بطلان قول المشبهة كثيرة منها قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] وقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥] وقوله: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ [النحل:٧٤] وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] فكل هذه النصوص دالة على بطلان هذا القول.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والثاني: من يجريها على ظاهرها اللائق بجلال الله، كما يجري ظاهر اسم العليم والقدير، والرب والإله، والموجود والذات، ونحو ذلك على ظاهرها اللائق بجلال الله].
وهؤلاء أهل الحق وهم أهل السنة والجماعة؛ فإنهم يجرونها على ظاهرها اللائق بجلال الله وعظمته، فالذين يقولون: تجرى على ظاهرها قسمان: قسم يفسرون الظاهر بصفات المخلوقين، وهؤلاء هم المشبهة.
وقسم يفسرون الظاهر بما يليق بجلال الله وعظمته، ولا نعلم الكيفية، وهؤلاء هم أهل الحق وأهل السنة والجماعة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن ظواهر هذه الصفات في حق المخلوقين إما جوهر محدث، وإما عرض قائم به].
الجوهر المحدث: هو الجسم الذي أحدثه الله وخلقه، وقوله: (وإما عرض قائم به) أي: صفة قائمة بالجسم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فالعلم والقدرة، والكلام والمشيئة، والرحمة والرضا، والغضب ونحو ذلك في حق العبد أعراض، والوجه واليد والعين في حقه أجسام].
أي: أعراض قائمة بجسمه، فكون الإنسان يغضب ويرضى ويقوم ويقعد ويتحرك هذه صفات قائمة في جسمه، والجسم حادث خلقه الله بعد أن لم يكن، هذا بالنسبة للمخلوق.
أما الخالق فلا يقاس عليه، ولا يقال: إن صفاته أعراض، بل هي صفات تليق بجلاله وعظمته وليست كصفات المخلوقين، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، وهو سبحانه واجب الوجود لذاته قال تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص:٣] ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] ، أما المخلوق فقد خلقه الله بعد أن كان عدماً، والصفات والأعراض قائمة به.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإذا كان الله موصوفاً عند عامة أهل الإثبات بأن له علماً وقدرة، وكلاماً ومشيئة -وإن لم يكن ذلك عرضاً- يجوز عليه ما يجوز على صفات المخلوقين، جاز أن يكون وجه الله ويداه صفاتٍ ليست أجساماً يجوز عليها ما يجوز على صفات المخلوقين].
قوله: (عامة أهل الإثبات) يدخل في ذلك أهل السنة، ويدخل في ذلك الأشاعرة في إثباتهم للصفات السبع: العلم والقدرة والكلام والإرادة والحياة والسمع والبصر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذا هو المذهب الذي حكاه الخطابي وغيره عن السلف، وعليه يدل كلام جمهورهم، وكلام الباقين لا يخالفه، وهو أمر واضح].
يعني: ليست أجسام يجوز عليه، فكلمة (يجوز) منفية، يعني: أن النفي منصب على (أجسام ويجوز) جميعاً، والمعنى: ليست أجساماً موصوفة بأنه يجوز عليها.
стр. 134
بيان كون القول في الصفات كالقول في الذات
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن الصفات كالذات، فكما أن ذات الله ثابتة حقيقة من غير أن تكون من جنس المخلوقات فصفاته ثابتة حقيقة من غير أن تكون من جنس صفات المخلوقات].
هناك قاعدة تقول: القول في الصفات كالقول في الذات، فكما أن لله ذاتاً لا تشبه الذوات فله صفات لا تشبه الصفات.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فمن قال: لا أعقل علماً ويداً إلا من جنس العلم واليد المعهودين، قيل له: فكيف تعقل ذاتاً من غير جنس من غير جنس ذوات المخلوقين؟].
يعني: إذا كنت تثبت لله ذاتاً لا تشبه الذوات وتعقل هذا، فأثبت له صفات لا تشبه صفات المخلوقين واعقل هذا؛ فإن الباب واحد.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن المعلوم أن صفات كل موصوف تناسب ذاته وتلائم حقيقته، فمن لم يفهم من صفات الرب الذي ليس كمثله شيء إلا ما يناسب المخلوق فقد ضل في عقله ودينه].
قوله: (فقد ضل في عقله ودينه) أما في دينه فلأنه خالف الكتاب والسنة، وأما في عقله فلأنه لو تأمل بعقله وكان عقله سليماً لعلم أن الخالق لا يشابه المخلوق، فهو مصاب في عقله ودينه، ولا حول ولا قوة إلا بالله! قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وما أحسن ما قال بعضهم: إذا قال لك الجهمي: كيف استوى؟ أو كيف ينزل إلى سماء الدنيا؟ أو كيف يداه؟ ونحو ذلك، فقل له: كيف هو في نفسه؟ فإذا قال لك: لا يعلم ما هو إلا هو، وكنه الباري تعالى غير معلوم للبشر، فقل له: فالعلم بكيفية الصفة مستلزم للعلم بكيفية الموصوف، فكيف يمكن أن تعلم بكيفية صفة لموصوف لم تعلم كيفيته؟].
أي: كيف لم تعلم كيفية الصفة ولا تعلم كيفية الذات؟! قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإنما تعلم الذات والصفات من حيث الجملة على الوجه الذي ينبغي لك.
بل هذه المخلوقات في الجنة قد ثبت عن ابن عباس أنه قال: (ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء)].
يعني: أن الجنة فيها لبن وفيها خمر وفيها عسل وفيها ذهب وفضة، وفيها نساء وفيها حور لكن الكنه والكيفية على ما هي عليه لا نعلمها، وليست سمائها ما نعلم في الدنيا فإذا كانت المخلوقات الآن بعضها لا نعرف كيفيتها فكيف نعلم كيفية صفات المخلوقات التي في الجنة؟! ففي الجنة لبن، لكنه ليس مثل لبن الدنيا في الكيفية والطعم والحقيقة وإن كنا نعلم أصل المعنى، كذلك خمر الجنة ليس كخمر الدنيا، وأنهار العسل المصفى كذلك وهكذا، بل الروح التي بين جنبي الإنسان لا يعلم كيفيتها ولا كنهها ولا حقيقتها على ما هي عليه، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥] فإن كانت الروح التي بين جنبيك لا تعلم كنهها ولا كيفيتها فكيف يمكنك أن تعلم كيفية صفات الخالق وحقيقتها على ما هي عليه؟ فلا يعلم كيفيتها إلا هو .
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد أخبر الله أنه لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين، وأخبر النبي ﷺ أن في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فإذا كان نعيم الجنة وهو خلق من خلق الله كذلك فما الظن بالخالق ].
إذا كان نعيم الجنة على ما هو عليه، يعني: إذا كان الإنسان لا يدرك الإنسان كيفية الجنة وكنهها فالخالق أولى وأولى ألا يُعلم كيفية صفاته وكنه ذاته .
стр. 135
الكلام في الروح وحقيقتها
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذه الروح التي في بني آدم قد علم العاقل اضطراب الناس فيها وإمساك النصوص عن بيان كيفيتها، أفلا يعتبر العاقل بها عن الكلام في كيفية الله تعالى؟].
اضطرب أهل الكلام في الروح فمنهم من قال: إنها صفة من صفات بني آدم، ومنهم من قال: هي الحياة، ومنهم من قال: هي الدم، ومنهم من قال غير ذلك، فاضطربوا فيها كثيراً، وكما قال الله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥] فإذا كان الإنسان لا يعلم كيفيتها فكيف يمكن أن يعلم كنه صفات الله وكيفيتها؟! قال المؤلف رحمه الله تعالى: [مع أنَّا نقطع بأن الروح في البدن، وأنها تخرج منه وتعود إلى السماء، وأنها تسل منه وقت النزع كما نطقت بذلك النصوص الصحيحة، لا نغالي في تجريدها غلو المتفلسفة ومن وافقهم].
المقصود: القبض والإمساك، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى﴾ [الزمر:٤٢] فتوصف القبض والإرسال والإمساك والتوفي، فالله تعالى يتوفى الأنفس، فكل هذه صفات لها، فدل على أنها ذات، لكن الله أعلم بكيفيتها.
والمتفلسفة يقولون: الروح لا توصف بأي وصف، وأن الملائكة مخلوقات مجردة لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوق ولا تحت، فيصفون الروح بأنها آلة مجردة لا وجود لها، وكذلك الملائكة، وهذا غلو، وبعضهم يزيد ويقول عن الروح: أنها هي نفس دم الإنسان، وهي نفس الحياة، وهذا قول على الله بلا علم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [لا نغالي في تجريدها غلو المتفلسفة ومن وافقهم، حيث نفوا عنها الصعود والنزول والاتصال بالبدن والانفصال عنه، وتخبطوا فيها حيث رأوها من غير جنس البدن وصفاته، فعدم مماثلتها للبدن لا ينفي أن تكون الصفات ثابتة لها بحسبها، إلا أن يفسروا كلامهم بما يوافق النصوص؛ فيكونون قد أخطئوا في اللفظ وأنى لهم بذلك؟].
يعني: أن كونها لا تماثل البدن لا ينفي أن تكون لها صفات تناسبها، لكن لا نعلمها، ولها كنه ولها حقيقة ولها صفات تناسبها، والنصوص وصفتها بالقبض والإمساك والإرسال، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى﴾ [الزمر:٤٢] وقال ﷺ : (إن الروح إذا قبضت تبعها البصر) فهذه كلها تدل على أن الروح حقيقة، والله أعلم بكنهها وكيفيتها.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا نقول: إنها مجرد جزء من أجزاء البدن كالدم والبخار مثلاً، أو صفة من صفات البدن والحياة، وأنها مختلفة الأجساد، ومساوية لسائر الأجساد في الحد والحقيقة، كما يقول طوائف من أهل الكلام، بل نتيقن أن الروح عين موجودة غير البدن، وأنها ليست مماثلة له].
قوله: (عين موجودة) أي: ذات غير البدن، لكنها جسم لطيف، ولا منافاة، فمثلاً: الماء يمشي في العروق وفي الشجر، وكذلك الدم في الجسم، والنار تسري في الفحم وفي الحطب، فهي جسم في جسم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهي موصوفة بما نطقت به النصوص حقيقة لا مجازاً، فإذا كان مذهبنا في حقيقة الروح وصفاتها بين المعطلة والممثلة فكيف الظن بصفات رب العالمين؟].
يعني: أن مذهبنا بين المعطلة الذين عطلوا الروح من الصفات، وبين الممثلة الذين مثلوها بالبدن وجعلوها مثل البدن، فنحن لا نوافقهم كلهم؛ فإن منهم من عطل الروح وقال: إنها مجردة لا داخل العالم ولا خارجه، فوصفها بالمجردات، ومنهم من غلا ووصفها بأنها نفس الدم وهي كذا، ونحن نقول: مذهبنا بين المعطلة والممثلة، وكذلك في صفات الرب نحن بين المعطلة والممثلة، فلا نوافق المعطلة في تعطيلهم، ولا نوافق الممثلة المشبهة في تشبيههم، بل نثبت الصفات لله كما يليق بجلاله وعظمته مع نفي العلم بالكيفية.
стр. 136
تابع أقسام أهل القبلة في آيات الصفات
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما القسمان اللذان ينفيان ظاهرها، أعني: الذين يقولون: ليس لها في الباطن مدلول هو صفة الله تعالى قط، وأن الله لا صفة له ثبوتية، بل صفاته إما سلبية وإما إضافية وإما مركبة منهما].
قوله: (إضافية) أي التي لا تثبت إلا من جهة إضافتها إلى الرب ، كما يقول الفلاسفة - مثلاً -: إن الرب علة لهذا الكون، والفلاسفة لا يثبتون صفات الله إلا من جهة الإضافة وكون الخالق علة لهذه المخلوقات، أو أنه هو المحرك، أو أنه هو المبدئ لهذه المخلوقات، ومبدأ التكاثر- كما تقول الفلاسفة كـ أرسطو وغيره - قائم على نفي الصفات إلا من جهة الإضافة، أما من دون الإضافة فلا، فإذا أضفته إلى المخلوقات كان هو أول المخلوقات ومبدؤها.
وقوله: (وإما مركبة منهما) أي: مركبة من هذه وهذه، فهؤلاء المبتدعة إما أن يصفوا الله بالسلب؛ فلا يثبتون الصفات إلا من جهة السلب أي: النفي، أو يثبتونها من جهة الإضافة، أي: إذا أضافوا الخالق إلى المخلوقات، أو مركبة من النفي والإضافة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أو يثبتون بعض الصفات وهي الصفات السبعة أو الثمانية أو الخمسة عشر].
قوله: (الصفات السبعة): يشير إلى الأشاعرة الذين لا يثبتون إلا سبع صفات فقط.
стр. 137
ماهية الأحوال وحقيقتها
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أو يثبتون الأحوال دون الصفات].
الأحوال لا وجود لها، بل تعد من الأشياء المحالة والمعدومة، وهذا مذهب أبي هاشم عبد السلام بن محمد الجبائي أحد كبار المعتزلة، وإليه تنسب فرقة البهشمية من فرق المعتزلة، وأبو هاشم هو أول من قال بأن الصفات أحوال، وقد أثبت الأحوال من الأشاعرة إمام الحرمين الجويني والباقلاني، قال الآمدي: والأحوال عبارة عن صفات إثباتية غير متصفة بالوجود ولا بالعدم.
يعني: أنها تثبت في الذهن فقط، وقد يمكن أن يُعبر عنها بما به الاتفاق والافتراق بين الذوات، وهذا لا وجود له إلا في الجنة، وعرفها الإيجي: بأنها الواسطة بين الموجود والمعدوم.
وأما الشهرستاني فقد ذكر أنه ليس للحال حد حقيقي يذكر حتى تعرف بحدها وحقيقتها على وجه يشمل جميع الأحوال، وقال: بل لها ضابط وحاصر بالقسمة، وهي تنقسم إلى ما يعلل وإلى ما لا يعلل، وما يعلل هي أحكام لمعانٍ قائمة بذوات، وما لا يعلل هي صفات ليس أحكاماً للمعاني.
وقال: ابن حزم: وأما الأحوال التي ادعتها الأشعرية فإنهم قالوا: إنها هنا أحوال ليست حقاً ولا باطلاً، ولا هي مخلوقة ولا غير مخلوقة، ولا هي موجودة ولا معدومة، ولا هي مجهولة ولا معلومة، ولا هي أشياء ولا هي لا أشياء، وقالوا: ومن هذا علم العالم بأن له علماً.
وهذا مثل قولهم: لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته، ولا مباين له ولا محايد له، ولا متصلاً به ولا منفصلاً عنه، وهكذا الجهمية المتأخرون فإنهم يصفون الرب بهذا، فيقولون: الرب لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته، ولا متصل به ولا منفصل عنه، ولا مداخل ولا محايد، ولا يمكن أن يتصور شيء بهذا الوصف إلا العدم، وهم يقولون: إن البنوة تنطبق عليها هذه الصفات، وهذا من باب المغالطة.
وأسهب أبو محمد في الرد عليهم وعد هذا سفسطة وهذياناً محضاً.
وقد أشكلت على العلماء أحوال أبي هاشم هذه وجهلوه بها وشنعوا عليه، يقول البغدادي في كلامه عن هذه الأحوال: وزعم أن الله عالم لكونه على حال، وقادر لكونه على حال، وزعم أنه لكونه عالماً بكل معلوم حالاً دون الحال التي لأجلها كان عالماً بالمعلوم الآخر، وكذلك لكونه قادراً على المقدور الحال، ولا يقال: إنها الحال التي بكونها عليها كان قادراً على المقدور الآخر.
والمقصود: أن هذه من المحالات الثلاث المعروفة وهي: طفرة النظام، وكسب الأشعري، وأحوال أبي هاشم الجبائي؛ لأنه لا وجود لها، ومنها كسب الأشعري؛ لأن الأشعري يقول: العبد لا قدرة له، والله تعالى هو الخالق، فكيف يكون العبد لا قدرة له وله كسب؟ هذا غير معقول، وقد بين شيخ الإسلام في التدمرية أن هذه الأحوال لا وجود لها.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أو يثبتون الأحوال دون الصفات، كما عرف من مذاهب المتكلمين، فهؤلاء قسمان: قسم: يتأولونها ويعينون المراد، مثل قولهم: استوى بمعنى: استولى، أو بمعنى: علو المكانة والقدر، أو بمعنى: ظهور نوره للعرش، أو بمعنى: انتهاء الخلق إليه، إلى غير ذلك من معاني المتكلفين.
وقسم: يقولون: الله أعلم بما أراد بها، لكنا نعلم أنه لم يرد إثبات صفة خارجة عما علمناه].
يعني: أنهم يقولون: الله أعلم بالمراد بها، مع أنهم يجزمون بأنها بنفس المعنى الحق، فيقولون: نجزم بأن الله لا يتصف بالصفات حقيقة، لكننا نعلم أن ظاهره غير مراد، لكن نجزم بأنه لا يتصف بصفات حقيقة، نسأل الله العافية، فهم يفوضون مع نفيهم للمعنى الحق.
ونحن لا يفوتنا المعنى، فإنه سبحانه لم يذكر لنا صفة لا نعلمها نحن، بل ما ذكر صفة إلا وهو يتصف بها كما يليق بجلاله وعظمته.
стр. 138
مذهب الواقفة في آيات الصفات
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما القسمان الواقفان فقسم يقولون: يجوز أن يكون المراد ظاهرها الأليق بجلال الله، ويجوز ألا يكون المراد صفة لله ونحو ذلك، وهذه طريقة كثير من الفقهاء وغيرهم.
وقوم يمسكون عن هذا كله ولا يزيدون على تلاوة القرآن وقراءة الحديث، معرضين بقلوبهم وألسنتهم عن هذه التقديرات.
فهذه الأقسام الستة لا يمكن أن يخرج الرجل عن قسم منها].
أي: أن هذه الأقسام الستة التي يحصرها العقل لا بد لأي إنسان أن يدخل ضمن هذه الأقسام المحصورة.
стр. 139
الصواب في التعامل مع آيات الصفات
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والصواب في كثير من آيات الصفات وأحاديثها: القطع بالطريقة الثابتة كالآيات والأحاديث الدالة على أن الله سبحانه فوق عرشه، وتعلم طريقة الصواب في هذا وأمثاله بدلالة الكتاب والسنة والإجماع على ذلك؛ دلالة لا تحتمل النقيض، وفي بعضها قد يغلب على الظن ذلك مع احتمال النقيض، وتردد المؤمن في ذلك هو بحسب ما يؤتاه من العلم والإيمان ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠] ومن اشتبه عليه ذلك أو غيره فليدع بما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا قام يصلي من الليل يقول: اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك؛ إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم) وفي رواية لـ أبي داود (كان يكبر في صلاته ثم يقول ذلك).
فإذا افتقر العبد إلى الله ودعاه وأدمن النظر في كلام الله وكلام رسوله ﷺ وكلام الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين انفتح له طريق الهدى، ثم إن كان قد خبر نهاية إقدام المتفلسفة والمتكلمين في هذا الباب، وعرف أن غالب ما يزعمونه برهاناً هو شبهة].
أي: أن نهايتهم كانت الحيرة والاضطراب؛ فقد تمنى كثير منهم أن يموت على عقيدة العجائز، فقال: يا ليتني أموت على عقيدة أمي، وقال بعضهم: يا ليتني أموت على عقيدة عجائز نيسابور.
وهم من كبار المتكلمين، نسأل الله العافية.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعرف أن غالب ما يزعمونه برهاناً هو شبهة، ورأى أن غالب ما يعتمدونه يئول إلى دعوى لا حقيقة لها، أو شبهة مركبة من قياس فاسد، أو قضية كلية لا تصلح إلا جزئية، أو دعوى إجماع لا حقيقة له، أو التمسك في المذهب والدليل بالألفاظ المشتركة.
ثم إن ذلك إذا ركب بألفاظ كثيرة طويلة غريبة عمن لم يعرف سلاحهم أوهمت الغر].
الغر هو: الإنسان ضعيف البصيرة، الذي ليس عنده تمعن في الأمور.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أوهمت الغر ما يوهمه السراب للعطشان، ازداد إيماناً وعلماً بما جاء به الكتاب والسنة، فإن الضد يظهر حسن الضد وكل من كان بالباطل أعلم كان للحق أشد تعظيماً وبقدره أعرف إذا هدي إليه.
فأما المتوسط من المتكلمين فيخاف عليه ما لا يخاف على من لم يدخل فيه، وعلى من قد أنهاه نهايته، فإن من لم يدخل فيه هو في عافية، ومن أنهاه قد عرف الغاية، فما بقي يخاف من شيء آخر].
يعني: أنه إذا وصل إلى النهاية، فقد عرف غاية هذا العلم، ومن لم يدخل في هذا فهو في عافية.
стр. 140
خطر التعالم والقول على الله بلا علم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن ظهر له الحق وهو عطشان إليه قبله، وأما المتوسط فمتوهم بما تلقاه من المقالات المأخوذة تقليداً لمعظمه تهويلاً.
وقد قال بعض الناس: أكثر ما يفسد الدنيا نصف متكلم، ونصف متفقه، ونصف متطبب، ونصف نحوي، هذا يفسد الأديان، وهذا يفسد البلدان، وهذا يفسد الأبدان، وهذا يفسد اللسان].
لأن هذا النصف متفقه يفتي بلا علم وبدون بصيرة فيفسد البلدان، والمتطبب المتعالم يفسد الأبدان، والنحوي المتعالم كذلك يفسد اللسان.
стр. 141
فساد عقيدة المتفلسفة المتكلمين
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن علم أن المتكلمين من المتفلسفة وغيرهم -في الغالب- في قول مختلف يؤفك عنه من أفك يعلم الذكي منهم والعاقل أنه ليس هو فيما يقوله على بصيرة، وأن حجته ليست ببينة، وإنما هي كما قيل فيها حجج تهافت كالزجاج تخالها حقاً وكل كاسر مكسور].
أي: أن كل واحد راد ومردود عليه، فهناك من يرد عليه ويبطل مذهبه، وهو يرد على غيره، فهو يرد وهو مردود عليه أيضاً.
стр. 142
حكم الشافعي على أهل الكلام
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويعلم العليم البصير بهم أنهم من وجه مستحقون ما قاله الشافعي ﵁ حيث قال: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في القبائل والعشائر، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام].
يعني: أن الإنسان ينظر إليهم بالمنظارين: منظار إذا نظر إليهم وجد أنهم أعرضوا عن الكتاب والسنة وأقبلوا على الكلام فيستحقون التأديب والضرب كما قال الإمام الشافعي ﵀: حكمي أن يضربوا بالجريد والنعال.
ومنظار آخر: أن ينظر إليهم بعين الرحمة والشفقة، وأنهم مبتلون ومصابون، فنسأل الله لنا ولهم الهداية، فالإنسان ينظر بهذين المنظارين: نظر الرحمة فيرحمهم؛ لأنهم مبتلون بهؤلاء الأئمة والشيوخ الذين أضلوهم، ومن جهة أخرى ينظر إليهم نظر العقوبة والتأديب؛ لأنهم أعرضوا عن الكتاب والسنة، فهم يحتاجون إلى زجر وتأديب.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن وجه آخر إذا نظرت إليهم بعين القدر - والحيرة مستولية عليهم والشيطان مستحوذ عليهم - رحمتهم ورفقت عليهم؛ أوتوا ذكاءً وما أوتوا زكاءً، وأعطوا فهوماً وما أعطوا علوماً، وأعطوا سمعاً وأبصاراً وأفئدة ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون﴾ [الأحقاف:٢٦] ومن كان عليماً بهذه الأمور تبين له بذلك حذق السلف وعلمهم وخبرتهم؛ حيث حذروا عن الكلام ونهوا عنه وذموا أهله وعابوهم، وعلم أن من ابتغى الهدى في غير الكتاب والسنة لم يزدد من الله إلا بعداً.
فنسأل الله العظيم أن يهدينا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
آمين والحمد لله رب العالمين، وصلاته وسلامه على محمد خاتم النبيين، وآله وصحبه أجمعين].