← Акыда

Акыда · id 37019

شرح الحموية لابن تيمية - الراجحي

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (142 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

إباحة المكاسب والتجارات، والرد على من حرم ذلك، أو اعتقد أن الأرض تخلو من الحلال قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومما نعتقده: أن الله أباح المكاسب والتجارات والصناعات، وإنما حرم الله الغش والظلم وأما من قال بتحريم تلك المكاسب فهو ضال مضل مبتدع، إذ ليس الفساد والظلم والغش من التجارات والصناعات في شيء، إنما حرم الله ورسوله الفساد، لا الكسب والتجارات]. ولهذا سئل النبي ﷺ : (أي الكسب أفضل؟ قال: كسب الرجل بيده، وكل بيع مبرور) كسب الرجل بيده مثل الصناعات، فالصناعات كلها مباحة، كالصناعات الحديثة الآن: البناء والدهان والسباك والكهرباء، كل هذه صناعات جديدة، والنجار والحداد والجزار والخياط، كلها الأصل فيها الإباحة، والبيوع كذلك. قال: [وأن من قال بتحريم المكاسب فهو ضال مضل مبتدع]. لأنه أنكر ما دلت عليه السنة، وما دلت عليه النصوص، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٢٩]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة:٢٨٢]. قال: [إذ ليس الفساد والظلم والغش من التجارات والصناعات في شيء، وإنما حرم الله ورسوله الفساد لا الكسب والتجارة، فإن ذلك على أصل الكتاب والسنة جائز إلى يوم القيامة. وأن مما نعتقده: أن الله لا يأمر بأكل الحلال ثم يعدمهم الوصول إليه من جميع الجهات]. فالله تعالى أمر بالكسب الحلال، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) [البقرة:١٧٢]، ((وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا﴾ [المائدة:٨٨]. فالله تعالى يأمر بالأكل الحلال، فلابد أن يكون الحلال موجوداً، ولا يمكن أن يأمر الله بشيء يستحيل وجوده، فالحلال موجود والحرام موجود، وكسب الحلال في الصناعات والأجور، فمن حرم الصناعات معناه أنه صادم النصوص. قال: [لأن ما طالبهم به موجود إلى يوم القيامة، والمعتقد أن الأرض تخلو من الحلال والناس يتقلبون في الحرام فهو مبتدع ضال، إلا أنه يقل في موضع ويكثر في موضع، لا أنه مفقود من الأرض]. لا يمكن أن يفقد من الأرض، وجاء في الحديث: (في آخر الزمان من لم يأكل الربا ناله من غباره) لكن هذا لا ينفي وجود الحلال.

стр. 72

جواز أكل طعام من لا يتهم في مكسبه قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومما نعتقده: أنا إذا رأينا من ظاهره جميل لا نتهمه في مكسبه وماله وطعامه، جائز أن يؤكل طعامه والمعاملة في تجارته، فليس علينا الكشف عن ماله، فإن سأل سائل على سبيل الاحتياط جاز إلا من داخل الظلمة]. فلا نقول: إن هذا مظهره جميل؛ لأنه يكسب مكاسب محرمة، لا نتهمه. [جائز أن يؤكل طعامه والمعاملة في تجارته، فليس علينا الكشف عن ماله، فإن سأل سائل على سبيل الاحتياط جاز إلا من داخل الظلمة]. ولا ينبغي السؤال في مثل هذا، إلا إذا عرف أن هذا الطعام أو هذا الشيء الذي أعطاك إياه مسروق حرام، فهذا لا تأخذه، أو رأيته يتعامل بالربا فأعطاك منه فلا تأخذه، مثل ما فعل الغلام لـ أبي بكر، أتى غلام له وأعطاه الطعام، قال: أتدري ممن هذا؟ تكهن لرجل في الجاهلية وأعطاه ثمن الكهانة، هذا حرام، ولهذا أدخل أبو بكر أصبعه في حلقه حتى قاء ما في بطنه وقال: كدت أن تهلكنا. وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أنه إذا اختلط الحلال بالحرام فلا بأس، إذا كانت له مكاسب من حلال وحرام فتأكل لا بأس، والنبي أكل طعام اليهود وقبل هديتهم وهم يأكلون السحت، وأخبر أنهم يأكلون السحت، يعني: إذا لم تعلم أن هذا الشيء بعينه حرام فلا بأس. [ومما نعتقده: أنا إذا رأينا من ظاهره جميل لا نتهمه في مكسبه وماله وطعامه، جائز أن يؤكل طعامه والمعاملة في تجارته، فليس علينا الكشف عن ماله]. في نسخة المجموع: [فليس علينا الكشف عما قاله، فإن سأل سائل على سبيل الاحتياط جاز إلا من داخل الظلمة]. إلا من داخل الظلمة يعني: يتهم في مكسبه، وهذا فيه نظر، مداخل الظلمة إذا كان مكسبه محرماً، فهذا له حكم آخر، وإذا عرف أن هذا المال بعينه محرم فلا يأكله، أو هذا الطعام محرم فلا يأكله. قال رحمه الله تعالى: [ومن لا يزغ عن الظلم وأخذ الأموال بالباطل ومعه غير ذلك فالسؤال والتوقي كما سأل الصديق غلامه]. الظاهر أنه إذا كان معه غير ذلك فالسؤال والتوقي، يعني: كما حصل لـ أبي بكر، يعني: إذا لم تعلم أن هذا الطعام الذي قدمه بعينه مسروقاً أو مأخوذاً ظلماً فإنك تأكل إذا اختلط، مثل بيت المال الآن، فإن بيت المال يختلط فيه الحلال والحرام، ومع ذلك لا بأس في أخذ المرتبات وغيرها، كما قال شيخ الإسلام، لكن لو كان شيء بعينه تعرف أنه حرام وأنه مسروق، فإذا سرق سلعة من شخص وذهب يبيعها، لا يجوز أن تشتريها؛ لأنك تعرف أن هذا حرام، أما إذا لم تعلم فالإثم عليه. وقوله: [ومن لا يزغ عن الظلم وأخذ الأموال بالباطل ومعه غير ذلك فالسؤال والتوقي، كما سأل الصديق غلامه]. أي: عرف أبو بكر قصة الغلام عندما تكهن لرجل في الجاهلية وأعطاه أجرة الكهانة. قال: [فإن كان معه من المال سوى ذلك مما هو خارج عن تلك الأموال فاختلطا، فلا يطلق عليه اسم الحلال ولا الحرام إلا أنه مشتبه، فمن سأل استبرأ لدينه كما فعل الصديق، وأجاز ابن مسعود وسلمان وقالا: كل منه وعليه التبعة]. أي: كل منه وعليه الإثم، إذا لم تعلم يكون عليه الإثم.

стр. 73

شرح الحموية لابن تيمية [٩] بعث الله نبيه بالحنيفية السمحة، ولا يسقط التكليف عن العبد ما دام حياً، والناس طبقات في التمسك بهذا الدين كما أنهم طبقات في الذكاء والفراسة، وكم من ذكي غير زكي، مثل بعض من يجادل في تحريم استماع الأغاني المصحوبة بآلات اللهو، ويجيز الرقص تعبداً وتنسكاً.

стр. 74

عدم سقوط التكليف عن العاقل المستطيع قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والناس طبقات والدين الحنيفية السمحة. وإن مما نعتقده: أن العبد ما دام أحكام الدار جارية عليه فلا يسقط عنه الخوف والرجاء]. وتكون أحكام الدار جارية عليه إذا كان حياً ولم تصل الروح إلى الحلقوم، فأحكام الدار جارية عليه، فإذا كان عقله ثابتاً لا يسقط عنه الخوف والرجاء، فيخاف من الله، ويخاف من عقابه ويرجو، ويجمع بين الخوف والرجاء. فالقنوط واليأس من روح الله هذا شؤم، فالمؤمن بين الخوف والرجاء، يعبد الله بالخوف والرجاء، فهو يخاف؛ حتى لا يسترسل في المعاصي، فيمنعه الخوف من ارتكاب المعاصي، وهو أيضاً يرجو رحمة الله وثوابه؛ حتى لا يتشاءم ولا يقنط ولا يسيء الظن بالله، فهو خائف غير مرتكب المعاصي، وراج غير قانط وغير متشائم وغير مسيء الظن بالله، بل يكون يرجو رحمة الله، فلا يطغى به الأمن حتى يرتكب المعاصي، ولا يزيد في الخوف حتى يقنط ويتشاءم ويسيء الظن بالله، بل بين الخوف والرجاء، يعبد الله بين الخوف والرجاء كجناحي الطائر، قال تعالى عن عباده المؤمنين: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة:١٦]، وقال عن أنبيائه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء:٩٠]، وقال سبحانه: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء:٥٧]. قال: [وكل من ادعى الأمن فهو جاهل بالله وبما أخبر به عن نفسه، ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩]، وقد أفردت كشف عورات كل من قال بذلك. ونعتقد: أن العبودية لا تسقط عن العبد ما عقل وعلم ما له وما عليه]. وهذا أجمع عليه المسلمون، وهو مقتضى النصوص: أن كل عاقل عالم لا تسقط عنه التكاليف؛ لقول الله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩]، وإذا مات سقط عنه التكاليف، ولا تسقط التكاليف إلا بأحد أمرين: إما رفع العقل، فإذا رفع العقل سواء كان صغيراً لم يبلغ أو مجنوناً أو مغمى عليه، فهذا تسقط عنه التكاليف، والثاني: الموت إذا مات، أما ما دام العقل ثابتاً والحياة موجودة، فإنه يكلف ولا تسقط عنه التكاليف، وقالت الصوفية بترك التكاليف عن بعض الخواص الذين وصلوا إلى مرتبة عالية، وتجاوزوا مرتبة العوام، وزعموا بأن التكاليف تسقط عنهم، واستدلوا بقوله: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] قالوا: اليقين: العلم، لو وصل العلم فقد رفع عنه التكاليف، وهذا كفر وضلال، أن يقسم الناس إلى طبقات، فالعامة عليهم التكاليف، ومن العامة الأنبياء والرسل، والخاصة تسقط عنهم التكاليف؛ لأنه وصل إلى الله، وتجاوز مرتبة العوام، وخاصة الخاصة عندهم والعياذ بالله الملاحدة الذين يقولون بالحلولية، وهذا كفر وضلال. وقد أجمع العلماء كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على أن من قال: هناك أحد تسقط عنه التكاليف وعقله ثابت في زمن الحياة يستتاب، فإن تاب وإلا قتل مرتداً نعوذ بالله، إلا إذا فقد العقل فهو معذور لأنه قد رفع عنه القلم، قال الله: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] يعني: الموت. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ونعتقد: أن العبودية لا تسقط عن العبد ما عقل وعلم ما له وما عليه، فيبقى على أحكام القوة والاستطاعة، إذ لم يسقط الله ذلك عن الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين]. والأنبياء هم خير الناس، ومع ذلك هم أعظم الناس عبودية لله، وهم الذين وفوا مقام العبودية حقها عليهم الصلاة والسلام، وأشرف مقامات نبينا ﷺ العبودية خاصة والرسالة، ولهذا وفى الله بالعبودية في المقامات العالية في مقام التحدي: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة:٢٣]. وفي الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء:١]. وفي مقام الدعوة: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن:١٩]. فأشرف مقامات النبي ﷺ العبودية خاصة والرسالة، فكيف بغيره؟! فإن قيل: ما حكم تزويج الأب ابنته من شخص يعتقد اعتقاداً كفرياً؟ الجواب إذا زوج الأب شخصاً يعتقد اعتقاداً كفرياً فالزواج باطل، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة:١٠]، فالمؤمنات لسن حلاً للكافرين ولا هم يحلون لهن، قال الله: ﴿وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة:٢٢١] يعني: المشرك لا يزوج بمؤمنة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [إذ لم يسقط ذلك عن الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، ومن زعم أنه قد خرج من رق العبودية إلى فضاء الحرية بإسقاط العبودية والخروج إلى أحكام الأحدية المبدئية بعلائق الآخرية فهو كافر لا محالة]. هذا اعتقاد الصوفية، يخرج إلى الفضاء ويتحرر من الدين، ويتحرر من الأوامر والنواهي؛ لأن الصوفية يزعمون أنه وصل إلى الله، فقد تحرر وخرج من العبودية والرق إلى فضاء الحرية، فيعمل ما يشاء، وتسقط عنه التكاليف: فيزني، ويسرق، وهكذا، ولهذا بعض الصوفية والعياذ بالله يعملون مع شيوخهم الصوفية ما يشاءون، وشيخ الصوفية لا يمنع من شيء، قد يدخل على ابنته ولا يمنعه، يدخل على بيته وعلى أهله ويفعل ما يشاء ولا يمنع؛ لأنه سقطت عنه التكاليف، وهذا كفر وضلال، وإذا كانوا يزعمون أنه يصل إلى الأحدية، يعني: الأحد، يكون واحداً، يعني: يتحد مع الله، هذا قول الاتحادية، وهذا كفر، يقول: الموحد في الوجود، الرب عبد والعبد رب، أنت الرب وأنت العبد، لا فرق بينهما، ورئيس الاتحادية هو ابن عربي الذي يقول: الرب عبد والعبد رب يا ليت شعري من المكلف إن قلت عبد فذاك ميت أو قلت رب أنى يكلف يقول: لا أدري أيهما العبد وأيهما الرب، العبد هو الرب والرب هو العبد، إن قلت: رب كيف يكلف، وإن قلت: عبد فهو ميت، فالعبد هو الرب والرب هو العبد، ويقول: رب مالك وعبد هالك وأنتم ذلك. والعبد فقط هو كثرة الوهم، يقول: هذا توهم التعبد لله ويقول عن الله: الله العلي الأعلى، يقول: علي على من؟ العلي على من؟ وما ثم إلا هو، وما هو إلا هو، نسأل الله العافية، ويقول: سر حيث شئت فإن الله ثم وقل ما شئت فالواسع الله أي: فكل شيء تراه في هذا الوجود هو الله، نعوذ بالله، ويقول هؤلاء الملاحدة: هذا التعدد وهم، وأنت لا تفهم مذهب الاتحادية إلا إذا خرقت العقل، وخرقت الشرع، وخرقت الحس، يعني: ألغ هذه، ألغ عقلك حتى تكون مجنوناً، وألغ الشرع حتى تفهم الأبيات ثم تفهم مذهب الاتحادية، نسأل الله السلامة والعافية، نعوذ بالله من زيغ القلوب. والعامة على الفطرة وفي عافية من هذه الأشياء، لكن لما ذكر محمد بن خفيف ﵀ ذلك، لابد أن نبين لطلبة العلم، وهذا موجود الآن، والاتحادية موجودون الآن، ولهم من يدافع عنهم، وابن عربي له كتب، له: الفتوحات المكية، وفصوص الحكم، وله أيضاً معارضة في القرآن في قصصه، يأتي بقصة قوم نوح ويعارضها ويفسرها بتفسيرات وإشارات ورموز إلحادية، ثم يأتي بقصة هود وهكذا، نسأل الله السلامة والعافية. فقوله: [ومن زعم أنه قد خرج من رق العبودية إلى فضاء الحرية بإسقاط العبودية]. يعني: سقطت عنه التكاليف، فليس عليه تكاليف ولا هو برقيق لله، إذاً: رقيق للشيطان، خرج من رق العبودية لله فيكون عبداً للشيطان، ولابد. خرج إلى فضاء الحرية بإسقاط العبودية، فلا يتعبد لله بأي عبودية: لا صلاة ولا صيام ولا زكاة ولا حج ولا اجتناب محرمات. وقوله: [والخروج إلى أحكام الأحدية المبدئية]. أي: الاتحاد بالله نعوذ بالله. قوله: [لعلائق الآخرية فهو كافر لا محالة، إلا من اعتراه علة أو رأفة فصار معتوهاً أو مجنوناً أو مبرسماً]. هذا معذور، رفع عنه القلم، معتوه يعني: نقص في العقل، أو مجنون معروف، أو مبرسم: يهذي هذياناً لخلل في رأسه. قال: [وقد اختلط عقله أو لحقه غشية ارتفع عنه بها أحكام العقل، وذهب عنه التمييز والمعرفة، فذلك خارج عن الملة مفارق للشريعة]. هذا مرفوع عنه التكاليف. فإن قيل: ما حكم المدافع عن مثل هؤلاء الاتحادية؟ الجواب: إذا كان المدافع عنه يعلم حقيقة حاله فهو كافر مثله نعوذ بالله، ومن دافع عن الكفرة فهو كافر مثلهم، نسأل الله العافية. وإن قيل: ما الفرق بين الحلولية والاتحادية؟ فالجواب: الفرق واضح، الحلولية: شيء حل محل الآخر، كالماء حل في الكوب، والاتحادية يقولون: الوجود شيء واحد، ولهذا يقال عن الاتحادية إنها لم تتعدد، ولم تقل باثنين أحدهما حل في الآخر، لا اثنينية ولا تعددية، الوجود واحد، وأما الحلولية تقول: اثنان حل أحدهما في الآخر، كالماء في الكوب، والاتحادية أشد كفراً من الحلولية، وكلهم كفرة وكلهم من الصوفية، وأصلهم منبثق عن مذهب الجهمية الذين أنكروا الأسماء والصفات، وأتوا بالقول بالحلول، ثم القول بالاتحاد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن زعم الإشراف على الخلق: يعلم مقاماتهم ومقدارهم عند الله -بغير الوحي المنزل من قول الرسول ﷺ فهو خارج عن الملة]. من زعم أنه يشرف على الخلق ويعلم أحوال الناس، بدون الوحي وبدون شيء أخبر به النبي فهذا كافر؛ لأن هذا من دعوى علم الغيب، والذي يزعم أنه يشرف على الناس، وأنه يعلم أحوالهم، ويعلم المؤمن وغير المؤمن، ويعرف الصحيح من

стр. 75

الفراسة وأنواعها قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والفراسة حق على أصول ذكرناها، وليس ذلك مما سميناه في شيء]. الفراسة يعني: خاطر يهجم على الإنسان هجوم الأسد على الفريسة، وتشتق الفراسة من الفريسة، يعني: يهجم عليه فيعطيه الله نوراً، وفي الحديث: (اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله) وسببه نور يقذفه الله في قلب عبده المؤمن، وهناك فراسة رياضية، وهذه يعملها الصوفية والفلاسفة، وهي أن يجوع نفسه ويقلل من الأكل؛ حتى يصح بدنه، وكذلك يقلل من النوم، مثل ما يسميه بعض الناس: رجيماً، وهذه يفعلها كثيروا الوهم والأطباء. وهناك فراسة أيضاً خلقية، وهي: الاستدلال بالخلق على الخلق، وهذه أيضاً دائرة بين المدح والذم، وهناك فراسة إيمانية وهي التي ذكرها المؤلف، وهي نور يقذفه الله في قلب العبد، فالفراسة الرياضية دائرة بين المدح والذم، وقد تصدق وقد لا تصدق، وهي مشتركة بين المؤمن والكافر، بأن يقلل الأكل ويقلل النوم؛ حتى يصح بدنه، والفراسة الخلقية: الاستدلال بالخلق على الخلق، كأن يقول: طول الرقبة دليل على الغباوة وقصر الرقبة على الحماقة، وجمود العينين على بلادة صاحبها، وسعة الصدر على سعة الخلق، وهذه الفراسة قد تصيب وقد لا تصيب، ومشتركة بين المؤمن والكافر، ويقال لها: فراسة خلقية، والمهم الفراسة الإيمانية، فقد ورد الحديث: (اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله) والحديث ذكره الألباني ﵀ وقال: إنه ضعيف، ولكن الحديث له طرق ساقها الحافظ ابن كثير ﵀ في سورة الحجر، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر:٧٥] وساق له عدة طرق يشد بعضها بعضاً لا بأس بها، وإن ضعفه الشيخ الألباني ﵀، وهو محدث كبير، فالحديث معروف عند أهل العلم وهو حسن. قال في التحقيق: [وأشهر دليل يستدل به على الفراسة حديث ابن عمر وأبي سعيد وأبي أمامة عن النبي ﷺ قال: (اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله) رواه الترمذي، وقال الترمذي: وهذا حديث غريب إنما نعرفه من هذا الوجه، وقد روي عن بعض أهل العلم، ورواه ابن جرير في تفسيره، والطبراني في المعجم الكبير، وأبو نعيم في الحلية، والعقيلي في الضعفاء، وذكره الهيثمي في المجمع وحسن إسناده، وذكره الكناني في تنزيه الشريعة وحسنه، وذكره أيضاً العجلوني في كشف الخفاء وحسن إسناده. وقال الشوكاني في الفوائد المجموعة بعد ذكر الحديث: وعندي أن الحديث حسن لغيره، وأما صحيح فلا، وذكر بعض الشواهد، وذكره ابن حجر في الفتح، وسكت عنه، هذا مجمل ما قيل في هذا الحديث الذي يعتبر أشهر الأدلة على الفراسة، وقد علق ابن القيم على هذا الحديث بقوله: وهذه الفراسة نشأت له من قربه من الله]. وفات على المحقق ما ذكره الحافظ ابن كثير في تفسير آية: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر:٧٥]. وقال أيضاً: [ومما يستدل به على الفراسة قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر:٧٥] قال مجاهد وغيره: أي للمتفرسين. وإلى هذا القول ذهب ابن جرير وأبو عيسى الترمذي، ونسب ابن القيم هذا القول لـ ابن عباس، وقد علق ابن القيم على هذا الحديث بقوله: وهذه الفراسة نشأت له من قربه من الله، فإن القلب إذا قرب من الله انقطعت عنه معارضات السوء المانعة من معرفة الحق وإدراكه، وكان تلاقيهم من مشكاة قريبة من الله؛ بحسب قربه منه، وأضاء له النور بقدر قربه، فرأى في ذلك النور ما لم يره البعيد والمحجوب. وقسم الفراسة إلى ثلاثة أقسام: الأولى: الفراسة الإيمانية، وهي التي سبقت الإشارة إليها. الثانية: فراسة الرياضة، والجوع، والسهر والتخلي. وقال: فإن النفس إذا تجردت عن العوائق صار لها من الفراسة والكشف بحسب تجردها، وذكر أن هذا القسم مشترك بين الكافر والمؤمن، وهي ليست دليلاً على إيمان أو ولاية. الثالثة: فراسة خلقية: وهي التي يستدل بالخلق على الخلق، نحو قولهم: من كان كثير لحم الخدين فهو غليظ الطبع، ومن كان عنقه قصيراً جداً فهو ذو مكر ونحو ذلك]. ومن كان طويل الرقبة فهو غبي، ومن كان قصيرها فهو ذكي يعني: كل هذه استدلالات قد تصيب وقد تخطئ، فهي مشتركة دائرة بين المدح وبين الذم، وبين الصدق والكذب. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والفراسة حق على أصول ذكرناها وليس ذلك مما سميناه في شيء، ومن زعم أن صفاته قائمة بصفاته ويشير في ذلك إلى غير آية العصمة والتوفيق والهداية، وأشار إلى صفاته القديمة فهو حلولي]. قوله: (ومن زعم أن صفاته قائمة بصفاته). يعني: صفات المخلوق قائمة في صفات الخالق، فهو حلولي. قال: [ومن زعم أن صفاته قائمة بصفاته، ويشير في ذلك إلى غير آية العصمة والتوفيق والهداية، وأشار إلى صفاته القديمة فهو حلولي قائل باللاهوتية والالتحام، وذلك كفر لا محالة]. يعني: شابه قول النصارى الذين يقولون: اللاهوت حل في الناسوت، بمعنى: حل جزء من الله في جزء من الناس، وقالوا: إن الله حل في عيسى نعوذ بالله، وهذا هو معنى أن اللاهوت حل في الناسوت كحلول الماء في الإناء، وكذلك قول غلاة الرافضة: إن الله حل في علي أو في أئمة آل البيت، وهذا حلول خاص، والحلول العام كقول الحلولية: إن الله حل بالناس وبكل مكان، وهناك اتحاد خاص، وهو قول النصارى: إن الرب اتحد بعيسى.

стр. 76

بيان اعتقاد ابن خفيف

стр. 77

بيان حال الروح قال المؤلف رحمه الله تعالى ناقلاً عن ابن خفيف قال: [ونعتقد أن الأرواح كلها مخلوقة، فمن قال: إنها غير مخلوقة فقد ضاهى قول النصارى النسطورية في المسيح؛ وذلك كفر بالله العظيم، ومن قال: إن شيئاً من صفات الله حال في العبد، أو قال بالتبعيض على الله فقد كفر].

стр. 78

حكم القول بخلق القرآن قال رحمه الله تعالى: [والقرآن كلام الله ليس بمخلوق ولا حال في مخلوق]. اعتقاد أن كلام الله منزل غير مخلوق ولا حال في مخلوق هو قول أهل السنة والجماعة. قال: [وأنه كيفما تلي وقرئ وحفظ فهو صفة الله ]. أي: إن تلي فهو كلام الله نتلوه، وإن حفظ فكلام الله محفوظ، وإن سمع فكلام الله مسموع، وإن كتب ونسخ فكلام الله منسوخ، هو في هذه الحقائق كلها حقيقة ليس مجازاً. قال: [وليس الدرس من المدروس، ولا التلاوة من المتلو؛ لأنه بجميع أسمائه وصفاته غير مخلوق]. أي: أن الدرس: القراءة، والمدروس: كلام الله، كما قال تعالى: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران:٧٩]. فالدرس غير المدروس، والتلاوة غير المتلو، فالتلاوة: فعلك أنت، والمتلو: كلام الله، والدرس: درسك أنت، والمدروس: كلام الله. قال: [وليس الدرس من المدروس، ولا التلاوة من المتلو؛ لأنه بجميع أسمائه وصفاته غير مخلوق، ومن قال بغير ذلك فهو كافر، ونعتقد أن القراءة الملحنة بدعة وضلالة، وأن القصائد بدعة]. قوله: (القراءة الملحنة) يعني: من يلحنها ويطرب بها كتلحين الغناء والأذان، فإن تلحين الأذان مكروه وبدعة، والقراءة الملحنة كتمطيط القراءة وتلحينها بما يشبه ألحان الغناء من لحون الأعاجم بدعة أيضاً، فقد ثبت في البخاري أن عمر بن عبد العزيز ﵀ قال لمؤذن: أذن أذاناً سمحاً وإلا فاعتزلنا، أي: لا تطرب ولا تلحن، فتلحين الأذان والقراءة مكروه ومثله التطريب. وعلى من يرى مثل ذلك أن ينبه على هذا الخطأ، فإن انتهوا وإلا فقد أدى واجبه.

стр. 79

حكم تلحين القراءة قال رحمه الله تعالى: [ونعتقد أن القراءة الملحنة بدعة وضلالة، وأن القصائد بدعة ومجراها على قسمين: فالحسن من ذلك من ذكر آلاء الله ونعمائه، وإظهار نعت الصالحين وصفة المتقين فذلك جائز، وتركه والاشتغال بذكر الله والقرآن والعلم أولى به، وما جرى على وصف المرئيات ونعت المخلوقات فاستماع ذلك على الله كفر، واستماع الغناء والربعيات على الله كفر، والرقص بالإيقاع ونعت الراقصين على أحكام الدين فسق، وعلى أحكام التواجد والغناء لهو ولعب]. قوله: (وأن القصائد بدعة) يعني: كالقصائد التي يفعلها الصوفية وهي ما تسمى الآن بالأناشيد، والناس اليوم صاروا يتشبهون بالصوفية. وقوله: (وأن القصائد بدعة ومجراها على قسمين: فالحسن من ذلك من ذكر آلاء الله ونعمائه، وإظهار نعت الصالحين وصفة المتقين فذلك جائز، وتركه والاشتغال بذكر الله والقرآن والعلم أولى به]. يعني: النوع الأول من القصائد هي التي فيها ذكر آلاء الله ونعمه، وذكر أخبار الصالحين، وصفات المتقين، فكل هذا جائز ولا بأس به، لكن كلام الله أفضل من ذلك، وتعلم العلم أيضاً أفضل، لكن لا بأس به بشرط أن يكون خالياً من الدف، فإن الدف ممنوع على الرجال، وإنما هو للنساء في الأعراس أو يوم العيد، وكذلك للجواري الصغار، كما حصل مع الجاريتين اللتين كانتا تغنيان في بيت النبي ﷺ . قوله: (وما جرى على وصف المرئيات ونعت المخلوقات فاستماع ذلك على الله كفر) وكون ذلك كفراً؛ لأنه وصف لله بصفات المخلوقات من المرئيات وغيرها، وهذا هو قول الاتحادية القائلين بأن الأوصاف المخلوقة هي أوصاف لله، وهو قول الحلولية أيضاً، فاستماع ذلك مع اعتقاد أنها وصف لله كفر أكبر. قوله: (واستماع الغناء والرباعيات على الله كفر) الرباعيات: هي منظومة شعرية تتألف من وحدات كل وحدة منها أربعة أشطر، تستقل بقافيتها فقط. فاستماع مثل هذه القصائد واعتقاد أنها كلام الله، أو أنها من صفات الله كفر.

стр. 80

حكم الرقص والإيقاع والأناشيد قوله: (والرقص بالإيقاع ونعت الراقصين على أحكام الدين فسق) أي: أن الرقص بالإيقاع كالعود مثلاً فسق. وقوله: (على أحكام الدين) أي: وصف أهل الرقص بالتقى والزهد والإيمان، وهذا موجود عند بعض الصوفية. قوله: (وعلى أحكام التواجد والغناء لهو ولعب). التواجد والغناء من طرق الصوفية، والتواجد من وجد وجداً بالفتح يطلق على الحب، وبالكسر على الحزن، والتواجد عند الصوفية: استجلاب الوجد بالذكر والتفكر، أي: ادعاء المحبة عن طريق ترديد الأذكار، ويزعمون أن هذا وجد، وأنه محبة، وهو من الفسق. ويقولون: الوجد ما يرد على الباطن من الله يكسبه فرحاً أو حزناً ويغيره عن هيئته ويتطلع إلى الله تعالى، وهو فرحة يجدها المغلوب عليه بصفات نفسية يأمر منها إلى الله تعالى. وهو من كلام الصوفية الباطل. وفي نسخة قال: (وعلى أحكام التواجد والنغام لهواً ولعب). والنغام من النغمة وجمعها أنغام. فترى بعضهم يتعبد الله بالرقص والغناء، وينسب هذا إلى الدين، مثلما يتدين الخوارج بحلق الرأس، ويبالغون في حلقه، ومثل هذا لم يثبت في دين الله، فالتدين به فسق. والغناء والرقص عبادة عند الصوفية، وبعض الشباب اليوم يعملون القصائد الجماعية وصاروا يتلذذون بها، وبعضهم يلحنها ويتأوه، ثم يسمونه بعد ذلك بالأناشيد الجماعية، ولا يعجبهم منها إلا النغمات فقط مثل الصوفية، فترى بعضهم ينظر متى يرفع المنشد صوته أو يخفضه، ولا يهتم بالمعنى، فهذا صار تلذذاً بالصوت فقط، وليس المقصود المعنى، وهذه هي طريقة الصوفية، وصاروا أيضاً يتوسعون في هذا حتى إن بعضهم يلحن تلحيناً لا تشك أنه مثل التلحين الذي يسمع في الإذاعة، وهذا من إسدال الشيطان عليهم بالتدرج، ولربما سمعت من يسمع مثل هذا في الطريق فتقول له: هذا غناء؟ فيرد مسرعاً: هذه أناشيد، وقد أجازها فلان وفلان. وأمثال هذه الأناشيد لا تفرق بينها وبين الغناء أبداً، ومع ذلك تجد من يرد عليك قولك، مستظهراً قوته وشجاعته، وكل هذا بسبب انتشار هذه القصائد، نسأل الله السلامة والعافية، وليس وراء ذلك كله من فائدة أو نفع إلا إضاعة الأوقات والتلذذ بالأصوات، بل وجد بعض الناس يغني: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] والعياذ بالله، وترى بعض الفسقة يقلد فلاناً وفلاناً من القراء، فتراه مرة يقرأ ومرة يغني، وتراه يطيل الصوت في الغناء والقراءة سواء بلا فرق! ومثل هذا الذي يغني بالقرآن يخشى عليه من الردة، فإذا كان ساخراً مستهزئاً ومستهيناً بالقرآن، فهو ردة والعياذ بالله. ولا يصح الاستدلال على مثل هذه الأناشيد بالحدو المذكور في الأحاديث؛ لأن ذلك مذكور في حدو الإبل وهو شيء واحد وبألفاظ خاصة، ولا يصح بالشعر أيضاً؛ لأن هذه الأناشيد يقصد منها الأنغام والأصوات فقط، والشعر يقصد منه المعنى والفائدة. ولا يدخل في ذلك تحسين الصوت بالقراءة، سواء كانت قراءة قرآن أو غيره، فتحسين الصوت مطلوب، وتلحينه غير مطلوب.

стр. 81

حكم سماع القصائد والربعيات الملحنة قال رحمه الله تعالى: [وحرام على كل من سمع القصائد والرباعيات الملحنة الجاري بين أهل الأطباع على أحكام الذكر، إلا لمن تقدم له العلم بأحكام التوحيد، ومعرفة أسمائه وصفاته، وما يضاف إلى الله تعالى من ذلك مما لا يليق به بما هو منزه عنه، فيكون استماعه كما قال: ﴿يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾ [الزمر:١٨] الآية]. يعني: ليس له أن يستمع إلا إذا عظم الله وميزه فهذا كلام فيه إجمال. قال رحمه الله تعالى: [وكل من جهل ذلك وقصد استماعه على الله على غير تفصيله فهو كفر لا محالة، فكل من جمع القول وأصغى بالإضافة إلى الله فغير جائز إلا لمن عرف بما وصفت من ذكر الله ونعمائه، وما هو موصوف به ما ليس للمخلوق فيه نعت ولا وصف، بل ترك ذلك أولى وأحوط، والأصل في ذلك أنها بدعة، والفتنة بها غير مأمونة على استماع الغناء والربعيات بدعة، وذلك مما أنكره المطلبي -أي: الشافعي - ومالك والثوري ويزيد بن هارون وأحمد بن حنبل وإسحاق، والاقتداء بهم أولى من الاقتداء بمن لا يعرفون في الدين، ولا لهم قدم عند المخلصين، وبلغني أنه قيل لـ بشر بن الحارث: إن أصحابك قد أحدثوا شيئاً يقال له القصائد، قال: مثل أيش؟ قال: مثل قوله: اصبري يا نفس حتى تسكني دار الجليل فقال: حسن، وأين يكون هؤلاء الذين يستمعون ذلك؟ قال: قلت: ببغداد، فقال: كذبوا، والله الذي لا إله غيره لا يسكن بغداد من يسمع ذلك. يقول ياقوت الحموي: ذم بغداد قد ذكره جماعة من أهل الورع والصلاح والزهاد والعباد، ووردت فيه أحاديث خبيثة وعلتهم في الكراهية ما عاينوه بها من الفجور والظلم والعسف، وكان الناس وقت كراهيتهم للمقام ببغداد غير ناس زماننا، فأما أهل عصرنا فأجلس خيارهم في الحش وأعطهم فلساً فما يبالون بعد تحصيل الحطام أين كان المقام، وكان بعض الصالحين إذا ذكرت عنده بغداد يتمثل: قل لمن أظهر التنسك في الناس وأمسى يعد في الزهاد الزم الثغر والتواضع فيه ليس بغداد منزل العباد إن بغداد للملوك محل ومناخ للقارئ الصياد]. بغداد كانت في أزمان محل العباد والعلماء، وفي أزمان محل الرقص والغناء والصوفية.

стр. 82

بيان منزلة الفقير الصابر والفقير السائل قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال أبو عبد الله -أي: ابن خفيف -: ومما نقول وهو قول أئمتنا: أن الفقير إذا احتاج وصبر ولم يتكفف إلى وقت يفتح الله له كان أعلى، فمن عجز عن الصبر كان السؤال أولى به على قوله ﷺ : (لأن يأخذ أحدكم حبله) الحديث]. يعني: الفقير إذا صبر ولم يسأل الناس فهذا خير له وأفضل؛ لقول النبي ﷺ في الحديث: (ومن يتصبر يصبره الله، ومن يستعفف يعفه الله)، فإذا استعف وتصبر وصبر فهو أفضل، وإن عجز واستعان فله أن يسأل؛ لأن الوعيد إنما جاء فيمن سأل من غير حاجة، يقول النبي ﷺ : (من سأل الناس تكثراً فإنما يسأل جمراً) وهذا سأل لضرورة فلا بأس بذلك. ومما جاء في ذلك قول النبي ﷺ : (لأن يأخذ أحدكم أحبله فيحتطب فيبيع فيكف الله به وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أم منعوه) أو كما قال ﵊. وجاء في حديث آخر: (لا يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم). ويشير الله تعالى إلى المضطر لذلك بقوله: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج:٢٤ - ٢٥]. وأما ما حدث في زماننا هذا من وقوف السائل في المساجد فهذا فيه تفصيل: إن كان يُعلم أنه ليس محتاجاً فيجب أن يمنع ويزجر ويؤدب، وإن كان يعلم أنه محتاج فلا يمنع، وإن كان يجهل حاله ترك؛ لاحتمال أن يكون محتاجاً، لكن لا ينبغي له أن يشوش على الناس في المسجد بوقوفه وسؤال الناس بعد الصلاة، بل الأفضل أن يجلس عند الباب أو في مكان ما؛ حتى يبتعد عن التشويش. فإن قال قائل: وهل يجوز السؤال في المسجد؟ قلنا: نعم، يجوز؛ لأنه قد لا يجد حاجته إلا في المسجد، ولما جاء عن أبي بكر ﵁ أن النبي ﷺ قال ذات يوم: (من تصدق منكم اليوم على مسكين، قال أبو بكر: أنا، دخلت المسجد فوجدت سائلاً أو مسكيناً فأعطيته رغيفاً).

стр. 83

حكم ترك التكسب قال رحمه الله تعالى: [ونقول: إن ترك المكاسب غير جائز إلا بشرائط مرسومة من التعفف والاستغناء عما في أيدي الناس]. يعني: ترك المكاسب لوجود شبهة أو ما شابهها تورعاً من ذلك لا بأس به، فإن الورع لا حد له، أما الوجوب فلا يجب عليه الترك إلا إذا علم أن هذا الشيء محرم. ولا شك أن التكسب مع العبادة أفضل من العبادة وحدها، وذلك لما جاء عن النبي ﷺ في قصة الأخوين، حيث كان أحدهما يتعبد والآخر يكسب فينفق على نفسه وعلى أخيه، فقال النبي ﷺ للمتعبد: (إنه أفضل منك). قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ونقول: إن ترك المكاسب غير جائز إلا بشرائط مرسومة من التعفف والاستغناء عما في أيدي الناس. ومن جعل السؤال حرفة وهو صحيح فهو مذموم في الحقيقة خارج]. أي: خارج عن الطرق المستقيم، أو خارج عما عليه أهل الحق أهل السنة والجماعة. ومثل هذا الرجل لا شك أنه مذموم، ويجب عقوبته ومنعه من قبل ولاة الأمور بالسجن، ويضرب أيضاً حتى يترك حرفة السؤال.

стр. 84

حكم استماع الغناء والملاهي قال رحمه الله تعالى: [ونقول: إن المستمع إلى الغناء والملاهي فإن ذلك كما قال ﷺ : (الغناء ينبت النفاق في القلب)، وإن لم يكفر فهو فسق لا محالة]. الغناء لا شك أنه ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل، وأن السامع له فاسق. وهذا الأثر روي مرفوعاً بألفاظ متقاربة، وروي موقوفاً على عبد الله بن مسعود وغيره، ولعل الموقوف أصح من المرفوع، أما المرفوع فروي عن ابن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (الغناء ينبت النفاق في القلب) رواه أبو داود والبيهقي وابن أبي الدنيا. ونقل المناوي في فيض القدير عن العراقي قوله: وصله غير صحيح؛ لأن في إسناده من لم يسم. وذكره ابن حجر الهيثمي في كف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع. وروي عن أنس مرفوعاً بلفظ: (الغناء واللهو ينبتان النفاق في القلب كما ينبت الماء العشب) رواه الديلمي في الفردوس، وروي أيضاً مرفوعاً نحواً من هذا عن جابر وعائشة وأبي هريرة ﵃، ولعل المرفوع لا يخلو من مقال. وروي موقوفاً على ابن مسعود، ورواه البيهقي في السنن الكبرى وابن أبي الدنيا، والخلال في السنة، قال العراقي في كلامه على هذا الأثر: روي مرفوعاً من عدة طرق كلها ضعيفة، قال البيهقي: والصحيح أنه من قول ابن مسعود.

стр. 85

حكم الجدال في الدين قال رحمه الله تعالى: [والذي نختاره قول أئمتنا: ترك المراء في الدين، والكلام في الإيمان مخلوق أو غير مخلوق، ومن زعم أن الرسول ﷺ واسط يؤدي وأن المرسل إليهم أفضل فهو كافر بالله]. قوله: (والذي نختاره قول أئمتنا: ترك المراء في الدين) يعني: الجدال، وينبغي على الناس أن يتركوا الجدال في الدين، فقد جاء في بعضها الوعيد، ومن تلك الأحاديث: (والمراء في الدين كفر) فأصل الجدال في الدين كفر، لكن الجدال يختلف، فإن كان في أصل العقيدة والتوحيد، مع الشك في تلك الأمور فهو كفر وردة، أما إن كان جدالاً في أمور شرعية فهذا هو الذي عليه الوعيد. وقوله: (والذي نختار قول أئمتنا ترك المراء في الدين والكلام في الإيمان مخلوق أو غير مخلوق) يعني: يسأل هل الإيمان مخلوق أو غير مخلوق؟ لما في ذلك من الإيهام، وإلا من المعلوم أن أعمال العباد أفعالهم وأقوالهم مخلوقة. فهو يقول: نختار السكوت عن هذا، وغيره يختار التفصيل في هذا، ويقول: أعمال العباد مخلوقة، وأما كلام الله فهو منزل غير مخلوق.

стр. 86

حكم من فضل الولي على النبي قال رحمه الله تعالى: [ومن زعم أن الرسول ﷺ واسط يؤدي وأن المرسل إليهم أفضل فهو كافر بالله]. ذهب بعض أهل وحدة الوجود وعلى رأسهم ابن عربي الطائي وابن الفارض وغيرهم إلى تفضيل الأولياء على الأنبياء! ولا شك أنه إن كان المراد أن الرسول واسطة بين الله حتى يؤدي عنه ويبلغ عنه فهذا صحيح. أما أن يكون واسطة بين الله بمعنى: يدعى مع الله، أو أنه يتصرف في الكون، فهذا كفر والعياذ بالله. ومن قال إن المتقين أفضل من الأنبياء فقد كفر؛ لأنه فضل الناس على الأنبياء، وهذا يقوله الصوفية الذين يرون أن الفلاسفة أفضل من الأنبياء والرسل؛ لأن النبي نبي العامة، والفيلسوف نبي الخاصة، فهو أفضل. وهذا كفر وضلال نعوذ بالله. ويقول الصوفية: إن الأنبياء ختموا بمحمد ﵊، وأما الولاية فلم تختم، وبعضهم ادعى أنه خاتم الأولياء، وقال: إن خاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء؛ وذلك أن خاتم الأولياء تابع لخاتم الأنبياء في الظاهر، وخاتم الأنبياء تابع لخاتم الأولياء في الباطن، ويقول بعضهم: ابن عربي تابع لمحمد في الأمور الظاهرة، ولذلك يظهر الأحكام حتى لا يقتل، فتراه في الظاهر يصلي أمام الناس، وفي الباطن محمد تابع له؛ لأن محمداً يأخذ الوحي بواسطة جبريل، أما هو فهو يأخذ عن الله مباشرة أو عن نفسه ولا يحتاج إلى واسطة! نسأل الله السلامة والعافية. قال رحمه الله تعالى: [ومن قال بإسقاط الوسائط على الجملة فقد كفر].

стр. 87

شرح الحموية لابن تيمية [١٠] عقيدة أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات مأخوذة من القرآن والسنة، وهي عقيدة السلف الصالح، وتبعهم عليها أئمة الخلف من بعد القرون الثلاثة المفضلة كالجيلاني وابن عبد البر والبيهقي وأبي يعلى وأبي الحسن الأشعري وغيرهم ممن لا يحصون لكثرتهم.

стр. 88

اعتقاد عبد القادر الجيلاني في العلو قال المصنف رحمه الله تعالى: [ومن متأخريهم الإمام أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح الجيلي قال في كتاب الغنية:]. يقال الجيلي والجيلاني وكلاهما واحد. وهو عبد القادر بن أبي صالح عبد الله الجيلي الحنبلي أبو محمد مولده بجيلان سنة إحدى وسبعين وأربع مائة، اشتهر بالزهد والعبادة، وكان يأكل من عمل يده، ذاع صيته واشتهر، من كبار الصوفية حتى نسبت له الطريقة القادرية، وهي من طرق الصوفية المشهورة، قال عنه الذهبي: الشيخ الإمام العالم الزاهد العارف القدوة شيخ الإسلام علم الأولياء. وقال في نهاية ترجمته: وفي الجملة الشيخ عبد القادر كبير الشأن وعليه مآخذ في بعض أقاويله ودعاويه، والله الموعد، وبعض ذلك مكذوب عليه. انتهى. وهو حنبلي معروف يثني عليه شيخ الإسلام كثيراً، له كتاب الغنية، وله قبر في العراق يعبد ويدعى من دون الله إلى الآن نسأل الله السلامة. وقد نقل شيخ الإسلام عنه -أي: عبد القادر - أنه سئل: هل كان لله ولي على اعتقاد أحمد بن حنبل؟ فقال: لا كان ولا يكون. انتهى. وقال عنه ابن كثير: ويذكرون عنه أقوالاً وأفعالاً ومكاشفات أكثرها مغالاة، وقد كان صالحاً ورعاً، إلى أن قال: وبالجملة كان من سادات المشايخ. وقال الشيخ عبد الله بن جبرين: إن أكثر ما ينقل عن مثل هؤلاء من أمور لا تتوافق مع الشرع فهو لم يقلها ولم يفعلها وما هي إلا من تلاميذهم وأتباعهم. وقال عنه ابن رجب بعد أن ذكر أن بعض ما ينقل عنه لا يصح، قال: وللشيخ عبد القادر رحمه الله تعالى كلام حسن في التوحيد والصفات والقدر، وفي علوم المعرفة موافق للسنة. انتهى. توفي سنة إحدى وستين وخمسمائة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن متأخريهم الإمام أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح الجيلي قال في كتاب الغنية: أما معرفة الصانع بالآيات والدلالات على وجه الاختصار فهو أن يعرف ويتيقن أن الله واحد أحد]. قوله: (الصانع) هو من باب الخبر لا من باب التسمية كما أطلق ذلك شيخ الإسلام. قال: [أما معرفة الصانع بالآيات والدلالات على وجه الاختصار فهو أن يعرف ويتقين أن الله واحد أحد إلى أن قال: وهو بجهة العلو مستو على العرش، محتو على الملك، محيط علمه بالأشياء، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠]، ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة:٥]]. الشاهد أنه يثبت الصفات، وأثبت الاستواء على العرش، وفيه الرد على أهل البدع من الجهمية وغيرهم. قال: [ولا يجوز وصفه بأنه في كل مكان]. لأن هذا قول الحلولية وهو كفر نعوذ بالله. قال: [بل يقال: إنه في السماء على العرش، كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] وذكر آيات وأحاديث إلى أن قال: وينبغي إطلاق صفة الاستواء من غير تأويل، وأنه استواء الذات على العرش، قال: وكونه على العرش مذكور في كل كتاب أنزل على كل نبي أرسل بلا كيف]. هذا يدل على أن له كلاماً جيداً في الاعتقاد والعلو ﵀. قال: [وذكر كلاماً طويلاً لا يحتمله هذا الموضع، وذكر في سائر الصفات نحو هذا، ولو ذكرت ما قال العلماء في ذلك لطال الكتاب جداً].

стр. 89

بيان اعتقاد الإمام ابن عبد البر في الصفات الإلهية

стр. 90

اعتقاد ابن عبد البر في العلو قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال أبو عمر بن عبد البر: روينا عن مالك بن أنس وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة والأوزاعي ومعمر بن راشد في أحاديث الصفات أنهم كلهم قالوا: أمروها كما جاءت، قال أبو عمر: ما جاء عن النبي ﷺ من نقل الثقات أو جاء عن الصحابة ﵃ فهو علم يدان به، وما حدث بعدهم ولم يكن له أصل فيما جاء عنهم فهو بدعة وضلالة. وقال في شرح الموطأ لما تكلم على حديث النزول قال: هذا حديث ثابت من جهة النقل صحيح الإسناد، لا يختلف أهل الحديث في صحته، وهو منقول من طرق سوى هذه، من أخبار العدول عن النبي ﷺ ]. الظاهر أن حديث النزول من الأحاديث المتواترة. قال: [وفيه دليل على أن الله في السماء على العرش استوى من فوق سبع سماوات كما قالت الجماعة، وهو من حجتهم على المعتزلة في قولهم: إن الله في كل مكان. قال والدليل على صحة قول أهل الحق قول الله وذكر بعض الآيات إلى أن قال: وهذا أشهر وأعرف عند العامة والخاصة من أن يحتاج إلى أكثر من حكايته؛ لأنه اضطرار، لم يوقفهم عليه أحد ولا أنكره عليهم مسلم]. قوله: (لم يوقفهم عليه أحد) في نسخة يتبعهم، ونسخة يوافقهم، ونسخة يؤنبهم، وكل هذا جيد. قال: [وقال أبو عمر بن عبد البر أيضاً: أجمع علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم التأويل قالوا في تأويل قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة:٧] هو على العرش وعلمه في كل مكان، وما خالفهم في ذلك من يحتج بقوله]. أي: كون قوله تعالى: (إلا هو معهم) يعني: بعلمه وهو فوق العرش ، وبهذا يجمع بين النصوص.

стр. 91

اعتقاد ابن عبد البر في الصفات قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال أبو عمر أيضاً: أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز]. وهذا معتقد أهل السنة والجماعة، حيث يقرون بالصفات، ويؤمنون بها، ويعتقدون معناها، أما الكيفية فيفوضونها إلى الله، ويؤمنون بها على حقيقتها، كما قال الإمام مالك ﵀: الاستواء معلوم والكيف مجهول، فيؤمنون بالاستواء باللفظ والمعنى على حقيقته وأنه استواء حقيقي، أما الكيفية فلا يعلمها إلا الله. قال: [وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئاً من ذلك]. أما أهل البدعة فيقولون: الاستواء مجاز، ومعناه الاستيلاء وهذا باطل. قال: [إلا أنهم لا يكيفون شيئاً من ذلك، ولا يحدون فيه صفة محصورة. وأما أهل البدع من الجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرونها ولا يحملون شيئاً منها على الحقيقة]. بل يحملوها على المجاز، والخوارج يغلب عليهم اتباع المعتزلة، ولاسيما المتأخرون. قال: [ويزعمون أن من أقر بها مشبه]. هكذا يزعمون، أن من أثبت الاستواء والعلم والقدرة فهو مشبه. قال: [ويزعمون أن من أقر بها مشبه، وهم عند من أقر بها نافون للمعبود]. وهم -يعني: المعطلة- عند من أقر بها -وهم أهل السنة- نافون للمعبود أي: الله، والمعنى: أن المعطلة هم عند أهل السنة نافون للرب واصفوه بالعدم؛ لأنهم لما نفوا الأسماء والصفات أنتج النفي أنهم نفوا الرب فلم يثبتوا معبودهم. نسأل الله السلامة والعافية. قال: [والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وهم أئمة الجماعة. هذا كلام ابن عبد البر إمام أهل المغرب].

стр. 92

بيان اعتقاد الحافظ أبي بكر البيهقي في الصفات قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي عصره الحافظ أبو بكر البيهقي مع توليه للمتكلمين من أصحاب أبي الحسن الأشعري وذبه عنهم قال في كتاب الأسماء والصفات: باب ما جاء في إثبات اليدين صفتين لا من حيث الجارحة لورود خبر الصادق به. قال الله تعالى: ﴿يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، وقال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤]، وذكر الأحاديث الصحاح في هذا الباب، مثل قوله في غير حديث في حديث الشفاعة: (يا آدم! أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه)، ومثل قوله في الحديث المتفق عليه: (أنت موسى اصطفاك الله بكلامه، وخط لك الألواح بيده -وفى لفظ- وكتب لك التوراة بيده) ومثل ما في صحيح مسلم: (وغرس كرامة أوليائه في جنة عدن بيده)، ومثل قوله ﷺ : (تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده كما يكتفأ أحدكم خبزته في السفر؛ نزلاً لأهل الجنة)]. هذه النصوص كلها تثبت اليدين لله ، وأبو بكر البيهقي يتولى أهل الكلام الأشاعرة ومع ذلك أثبت اليدين، ومعروف أن الأشاعرة لا يثبتون اليدين، بل يثبتون الصفات السبع، لكن أبو بكر البيهقي كان يميل لأهل السنة وإن كان يوافق الأشاعرة في بعض ما يقررونه، لكنه هنا وافق أهل السنة وأثبت أن اليدين من صفات الله، لكن قوله: (ليستا جارحتين) مما يؤخذ عليه. والمؤلف ﵀ ينقل عن العلماء النقول وقد لا يوافقهم في كل ما يقولون، لكنه يبين موافقتهم أهل السنة والجماعة، فقوله: لا على الجارحتين، لا ينبغي التكلم به لا نفياً ولا إثباتاً، فلا يقال: جارحة، ولا يقال: غير جارحة؛ لعدم ورود النص بذلك. قال: [وذكر أحاديث مثل قوله: (بيدي الأمر)، (والخير في يديك)، (والذي نفس محمد بيده) (إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل)، وقوله: (المقسطون عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين)]. هذه النصوص فيها إثبات اليدين من الكتاب والسنة. قال: [وقوله: (يطوي الله السماوات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله، ثم يقول: أنا الملك. أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟)]. وهذا الحديث فيه إثبات اليمين والشمال. والحديث رواه مسلم، لكن بعضهم طعن في قوله: (بشماله)؛ لتفرد بعض الرواة فيها. والصواب أنها ثابتة، وهو معروف من الأحاديث الأخرى أيضاً، يعني: إثبات اليمين يدل على إثبات الشمال، فله يمين وله شمال ، أما حديث (كلتا يديه يمين) يعني: في الفضل والشرف والبركة وعدم النقص، بخلاف المخلوق، فإن يده الشمال فيها نقص عن اليمين، أما الرب فكلتا يديه يمين في الشرف والفضل والبركة وعدم النقص. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: (يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض؟ فانه لم يغض ما في يمينه، وعرشه على الماء، وبيده الأخرى القسط يخفض ويرفع)]. وجاء في رواية بلفظ: (بيده الأخرى القبض) وفي الأخرى بلفظ: (بيده الخير). وفي الأصل القسط، وكذا في نسخة الفتاوي وغيرها، وما أثبت من الصحيحين والأسماء والصفات للبيهقي. وفيه: إثبات صفة القبض والبسط. قال: [وكل هذه الأحاديث في الصحيح. وذكر أيضاً قوله: (إن الله لما خلق آدم قال له ويداه مقبوضتان: اختر أيهما شئت قال: اخترت يمين ربى يمين مباركة)]. والحديث أخرجه الترمذي في كتاب التفسير، قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة. انتهى. وابن أبي عاصم في السنة، ورواه الحاكم في المستدرك وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم وذكر له شاهداً ووافقه الذهبي والبيهقي في الأسماء والصفات وابن حبان. قال: [وحديث: (إن الله لما خلق آدم مسح ظهره بيده) إلى أحاديث أخر ذكرها من هذا النوع. ثم قال البيهقي: أما المتقدمون من هذه الأمة فإنهم لم يفسروا ما كتبنا من الآيات والأخبار في هذا الباب، وكذلك قال في الاستواء على العرش وسائر الصفات الخبرية، مع أنه يحكي قول بعض المتأخرين]. قوله: (لم يفسروا ما كتبنا من الآيات والأخبار). يعني: لم يفسروا الكيفية ولم يتأولوها، أما المعنى ففسروه ووضحوه.

стр. 93

بيان اعتقاد القاضي أبي يعلى في الصفات الإلهية قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال القاضي أبو يعلى في كتاب إبطال التأويل: لا يجوز رد هذه الأخبار ولا التشاغل بتأويلها، والواجب حملها على ظاهرها، وأنها صفات الله لا تشبه صفات سائر الموصوفين بها من الخلق]. وهذا الكلام من أبي يعلى جيد، وهو من الحنابلة، وقد يؤول أحياناً. قال: [وقال القاضي أبو يعلى في كتاب إبطال التأويل: لا يجوز رد هذه الأخبار ولا التشاغل بتأويلها، والواجب حملها على ظاهرها، وأنها صفات الله لا تشبه بسائر الموصوفين بها من الخلق -وفي نسخة مجموع الفتاوي: لا تشبه صفات سائر الموصوفين بها من الخلق- ولا يعتقد التشبيه فيها، لكن على ما روي عن الإمام أحمد وسائر الأئمة، وذكر بعض كلام الزهري ومكحول ومالك والثوري والأوزاعي والليث وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وابن عيينة والفضيل بن عياض ووكيع وعبد الرحمن بن مهدى والأسود بن سالم وإسحاق بن راهويه وأبي عبيد ومحمد بن جرير الطبري وغيرهم في هذا الباب، وفى حكاية ألفاظهم طول إلى أن قال: ويدل على إبطال التأويل أن الصحابة ومن بعدهم من التابعين حملوها على ظاهرها ولم يتعرضوا لتأويلها ولا صرفوها عن ظاهرها، فلو كان التأويل سائغاً لكانوا إليه أسبق لما فيه من إزالة التشبيه ورفع الشبهة]. ولأن الصحابة هم أعرف الناس بما يجب على الله، وأدرى بمعاني هذه النصوص، فهم شاهدوا التنزيل، وهم أهل اللغة، وعندهم رسول الله ﷺ يسألونه عما أشكل عليهم. ولو كان في هذا تشبيه لبينوا ذلك، فالشبهة تختلف عند بعض الناس.

стр. 94

بيان اعتقاد أبي الحسن الأشعري قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال أبو الحسن علي بن الحسن الأشعري المتكلم صاحب الطريقة المنسوبة إليه في الكلام في كتابه الذي صنفه في اختلاف المصلين ومقالات الإسلاميين: ذكر فرق الروافض والخوارج والمرجئة والمعتزلة وغيرهم]. وكان قد رجع عن قول المعتزلة حيث كان على مذهبهم، وقال: إنه مكث أربعين سنة ثم أعلن رجوعه، وخلع ثوباً في الجامع على المنبر، وقال: إني رجعت عن أقوال المعتزلة، خلعتها كما أخلع هذا الثوب، ثم تحول إلى مذهب وسط وهو مذهب الأشاعرة، ثم تحول إلى مذهب أهل السنة والجماعة، إلا أنه بقي عليه أشياء يسيرة من المذهب السابق، له كتاب الإبانة في أصول الديانة، قال فيه: إنه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵀. قال: [وذكر فرق الروافض والخوارج والمرجئة والمعتزلة وغيرهم، ثم قال: مقالة أهل السنة وأصحاب الحديث جملة. قول أصحاب الحديث وأهل السنة: الإقرار بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وبما جاء عن الله، وما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ ، لا يردون شيئاً من ذلك، وأن الله واحد أحد فرد صمد لا إله غيره، لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأن الله على عرشه كما قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وأن له يدين بلا كيف كما قال تعالى: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، وكما قال تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤]، وأن له عينين بلا كيف؛ كما قال تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤]، وأن له وجهاً كما قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]]. إثباته لصفة العينين من آية: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾، غير سديد، فإن معنى الآية: بمرأى منا، والمعروف أن إثبات العينين لله مأخوذ من حديث الدجال: (إن ربكم ليس بأعور، وإن الدجال أعور العين اليمنى)، ففيه إثبات أن لله عينان سليمتان، وأن الله ليس بأعور، وأن الدجال أعور، والأعور هو الذي له عين واحدة، وغير الأعور هو الذي له عينان. قول البخاري في قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]: إلا ملكه، هذا من التأويل، والبخاري لم يقل هذا، بل يمكن أنه نقل قولاً من الأقوال، وفي هذه الآية إثبات الوجه لله تعالى، وجهه وذاته . قال رحمه الله تعالى: [وأن أسماء الله تعالى لا يقال أنها غير الله، كما قالت المعتزلة والخوارج، وأقروا أن لله علماً كما قال تعالى: ﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء:١٦٦]، وكما قال تعالى: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر:١١]، وأثبتوا له السمع والبصر، ولم ينفوا ذلك عن الله كما نفته المعتزلة، وأثبتوا لله القوة، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت:١٥]، وذكر مذهبهم في القدر إلى أن قال: ويقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق، والكلام في اللفظ والوقف، من قال باللفظ وبالوقف فهو مبتدع عندهم]. على مذهب أهل السنة والجماعة أن من قال: القرآن مخلوق فقد كفر.

стр. 95

اعتقاد أبي الحسن الأشعري في القرآن قال رحمه الله تعالى: [ويقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق، والكلام في اللفظ والوقف، من قال باللفظ وبالوقف فهو مبتدع عندهم، لا يقال: اللفظ بالقرآن مخلوق، ولا يقال: غير مخلوق]. وهذا هو الصواب، أن يقال: كلام الله لفظه ومعناه منزل غير مخلوق، ومن قال باللفظ أي: قال: لفظي بالقرآن مخلوق أو قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق فهو مبتدع؛ لأنه لا يخصص اللفظ، كما لو قال إنسان: السبع الطوال من القرآن ليست مخلوقة نقول: هذا بدعة؛ لأنه لا تخصص السبع الطوال، فكلام الله منزل غير مخلوق السبع الطوال وغيرها، وكذلك إذا قال: لفظي بالقرآن مخلوق، فنقول: هذا بدعة؛ لأن التخصيص هذا بدعة، وكذلك التوقف، من قال: أنا أتوقف في اللفظ، فلا أقول: مخلوق ولا غير مخلوق، فهذا مبتدع، فالتوقف بدعة. قال بعض السلف: اللفظية شر من الجهمية، أي: من يقول: لفظي بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق، وكذلك من توقف. فالمقصود أن معتقد أهل السنة والجماعة: أن كلام الله منزل غير مخلوق، ولا يقال في اللفظ، ولا يتوقف، ولا يخصص اللفظ بشيء.

стр. 96

اعتقاد أبي الحسن الأشعري في رؤية الله قال رحمه الله تعالى: [ويقرون أن الله يرى بالأبصار يوم القيامة كما يرى القمر ليلة البدر، يراه المؤمنون ولا يراه الكافرون؛ لأنهم عن الله محجوبون، قال : ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]]. وكما قال الله تعالى عن المؤمنين: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]، وقال ﵊: (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته) فهو أعظم نعيم يعطاه المؤمن في الجنة، فيراه المؤمنون ويحتجب على الكفرة، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]. والمنافقون كفرة محجوبون عن الله، أما في الموقف فهناك اختلاف بين أهل العلم فيهم على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه يراه أهل الموقف كلهم المؤمنون والكافرون ثم يحتجب عن الكفرة. القول الثاني: أنه يراه المؤمنون والمنافقون، كما جاء في الحديث: أنه يقال يوم القيامة لكل من كان يعبد شيئاً: (ليتبع كل من كان يعبد شيئاً من يعبده، فمن كان يعبد القمر يتبع القمر، ومن كان يعبد الشمس يتبعها، ثم يتساقطون في النار، وتبقى هذا الأمة فيتجلى الله لهم) فظاهره أن المنافقين معهم، فيسجد له المؤمنون، والمنافقون يكون ظهر الواحد منهم طبقة لا يستطيع السجود، ثم إذا ساروا انطفأ نور المنافقين وضرب بينهم بسور له باب، وهذا حديث طويل. والقول الثالث: أنه لا يراه إلا المؤمنون في الموقف. وظاهر الحديث الطويل أن المنافقين كانوا مع المؤمنين في الدنيا، وتنزل عليهم أحكام الإسلام في الظاهر، وظاهره أنهم يرون الله في الموقف ثم يحتجب عنهم بعد ذلك، فيكون هذا عذاباً لهم نسأل الله السلامة والعافية.

стр. 97

اعتقاد أبي الحسن الأشعري في الإيمان قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وذكر قولهم في الإسلام والإيمان والحوض والشفاعة وأشياء، إلى أن قال: ويقرون بأن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص]. خلافاً للمرجئة الذين يقولون: إن الإيمان تصديق القلب فقط. قال: [ولا يقولون: مخلوق، ولا يشهدون على أحد من أهل الكبائر بالنار]. قوله: (ولا يقولون: مخلوق) يعني: العمل، وكأن المقصود التخصيص، وإلا فقد قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦] والقول في أن الإيمان مخلوق أو غير مخلوق بدعة، وهذه المسألة أيضاً شبيهة بالمسألتين السابقتين، وهي أنه لما ظهرت مقولة القائلين: لفظنا بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق تكلم الناس حينئذ في الإيمان، فقال طائفة: الإيمان مخلوق، ودخل في ذلك ما تكلم الله به من الإيمان وقول: لا إله إلا الله، فصار مقتضى قولهم: أن نفس هذه الكلمة مخلوقة، ولم يتكلم الله بها، فبدع الإمام أحمد هؤلاء، قال شيخ الإسلام بعد إيراد هذه المسألة والكلام عليها: وهذه الأقوال كلها مبتدعة مخترعة لم يقل السلف شيئاً منها، وكلها باطلة شرعاً وعقلاً، ثم ذكر في نهاية البحث أنه من قال: الإيمان مخلوق أو غير مخلوق فلابد من الاستفصال منه ما يريد بالإيمان؟ فإن أراد بالإيمان شيئاً من صفات الله كقوله: لا إله إلا الله، وإيمانه الذي دل عليه اسم المؤمن فهو غير مخلوق، وإن أراد شيئاً من أفعال العباد وصفاتهم فالعباد كلهم مخلوقون، فجميع أفعالهم وصفاتهم مخلوقة، ولا يكون للعبد المخلوق صفة قديمة.

стр. 98

حكم أهل الكبائر عند الأشعري قال رحمه الله تعالى: [ولا يشهدون على أحد من أهل الكبائر بالنار]. بل هم تحت مشيئة الله عند أهل السنة والجماعة، لا يشهد عليهم بالنار المعين، لكن العموم لا بأس به، فيشهد عليه بما شهدت له النصوص كحديث: (من أكل مال اليتيم فهو في النار) أي: أن من أكل مال اليتيم فهو في النار على العموم، وكذلك اللعن كحديث: (لعن الله شارب الخمر) فهو على العموم، أما فلان ابن فلان الذي أكل مال اليتيم فلا يحكم عليه بالنار، أو فلان ابن فلان السارق فلا نلعنه؛ لأنه قد يكون معذوراً، كأن لم يبلغه النص، أو قد يكون له إيمان عظيم وحسنات تقضي على ما صدر منه. والمسألة فيها خلاف، فبعض العلماء يرى لعن المعين، لكن الصواب عدم لعنه.

стр. 99

حكم الجدال والخصومة في الدين قال: [إلى أن قال: وينكرون الجدال والمراء في الدين والخصومة فيه والمناظرة فيما يتناظر فيه أهل الجدل ويتنازعون فيه من دينهم]. ولا شك أن الجدل والجدال يؤدي إلى الخصومات والشحناء والبغضاء، ولاسيما الجدال في الدين، والمراء في القرآن، فكل هذا ينكره أهل السنة والجماعة وينهون عنه.

стр. 100

قبول أبي الحسن الأشعري للأحاديث الصحيحة في باب العقائد قال: [ويسلمون للروايات الصحيحة، كما جاءت بها الآثار الصحيحة التي جاءت بها الثقات عدلاً عن عدل حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله ﷺ ، لا يقولون: كيف؟ ولا لم؟ لأن ذلك بدعة عندهم]. أي: أن أهل السنة يسلمون ويقبلون النصوص، ويثبتون الصفات التي ثبتت في النصوص الصحيحة التي رواها الشيخان عن الثقات إلى رسول الله ﷺ كحديث النزول: (ينزل ربنا إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر) إذ هذا من الأحاديث المتواترة، ومثل حديث الرؤية، ولا يقولون: كيف؟ ولا لم؟ لا يقولون في الصفات: كيف؟ ولا يقولون في أفعال الله: لم؟ فإنه لا يعترض على الله، قال تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء:٢٣]؛ لأنه حكيم سبحانه، ولا يقال: لم فعل كذا؟ ولا يقال في صفاته: كيف، فلا يقال: كيف نزوله؟ كيف استواؤه؟ كما قال الإمام مالك: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، فهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة.

стр. 101

إثبات أبي الحسن الأشعري صفة المجيء لله قال المؤلف رحمه الله تعالى: [إلى أن قال: ويقرون أن الله يجيء يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢]، وأن الله يقرب من خلقه كيف شاء، كما قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦]]. هذا على أحد القولين. والقول الثاني: أن هذا قرب الملائكة فقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ﴾ [ق:١٦]، يعني: أقرب إليه بملائكتنا من حبل الوريد، بدليل قيده بالظرف؛ لقوله: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق:١٧]، وقال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦]، أي: نحن أقرب إليه بملائكتنا، ولو كان المراد قرب الله لما كان مقيداً بالوصف وهو تلقي الملكين؛ لأن قرب الله عام وليس خاصاً، وهذا هو الذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية. والقول الثالث: أن المراد قرب علم الله، وهو قول مرجوح عند شيخ الإسلام وابن القيم، لكن المؤلف ﵀ ينقل عن أبي الحسن وعن غيره، وقد ينقل عن غيره مسائل فيوافقه في بعضها وقد لا يوافقه، لكن قصده من ذلك تبيين أن السلف والعلماء كلهم يثبتون الصفات ويردون على أهل البدع، ومن ذلك أبو الحسن الأشعري حينما رجع إلى أهل السنة والجماعة وألف هذه المؤلفات القيمة بعد أن هداه الله. فإن قال قائل فقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢] هل هو من هذا الباب أم لا؟ قلنا: معنى قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾، يعني: يجيء الله والملائكة، فإن الواو لا تقتضي الترتيب، بل الواو لمطلق الجمع، والمعنى: أن الملائكة يجيئون كما جاء في الحديث: تشقق السماوات فتنزل الملائكة، ثم يجيء الله لفصل القضاء كما يليق بجلاله وعظمته. فالنصوص دلت على تشقق السماوات على الملائكة، وأنهم يصفون، ثم يجيء الله، كما قال في الآية: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [البقرة:٢١٠]. وفي الآية الأخرى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ [الأنعام:١٥٨]، فالإتيان ثابت لله كما يليق بجلالته وعظمته.

стр. 102

نظرة أبي الحسن الأشعري إلى أهل البدع قال المؤلف رحمه الله تعالى: [إلى أن قال: فيرون مجانبة كل داع إلى بدعة، والتشاغل بقراءة القرآن]. يعني: مجانبة أهل البدع، والبعد عنهم، وعدم الاختلاط بهم ومعاشرتهم وجالستهم؛ لئلا يضروك. ولا شك أن الروافض من أشد الناس بدعاً، فالواجب البعد عنهم، والحذر منهم، وعدم الاختلاط بهم وهجرهم، فإن الزندقة تكثر فيهم كما قال شيخ الإسلام. فإن قيل: وهل يرد على أهل البدع السلام؟ قلنا: كما يرد على أهل الكتاب، فإنه إذا سلم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم، وإن كان مسلماً فترد ﵇. أما المبتدع إذا لم يظهر بدعته، ولا يعلم عن حاله فيعامل بالظاهر مثل المنافقين الذين كانوا على عهد النبي ﷺ حيث كانت تنزل عليهم أحكام الإسلام.

стр. 103

صفات أهل السنة عند أبي الحسن الأشعري قال: [ويرون مجانبة كل داع إلى بدعته، والتشاغل بقراءة القرآن وكتابة الآثار]. ينبغي الاشتغال بكتابة القرآن وكتابة الأحاديث والآثار؛ لأنها هي الطريق إلى ثبوت السنة. قال: [وكتابة الآثار، والنظر في الفقه، مع الاستكانة والتواضع وحسن الخلق، مع بذل المعروف، وكف الأذى، وترك الغيبة والنميمة والسعاية]. كل هذا من معتقد أهل السنة والجماعة ويأمرون به. قوله: (والسعاية) في مجموع الفتاوي: وترك الغيبة والنميمة والشكاية. وعلى الأول يكون المعنى: يسعى في الباطل، وعلى الثاني يكون المعنى: الشكاية إلى المخلوق. قال: [وتفقد المآكل والمشارب]. أي: حتى لا يكون فيها شبهة أو حرام، فمن معتقد أهل السنة والجماعة أنه ينبغي للإنسان أن يتفقد مأكله ومشربه ومركبة، ويبتعد عن المكاسب الخبيثة كالقمار، أو الربا، أو الغش، أو تنفيق السلع بالحلف الكاذب، فهذه الصفات الخبيثة والرديئة يبتعد عنها المسلم. قال: [قال: فهذه جملة ما يأمرون به، ويستسلمون إليه ويرونه، وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول]. قوله: (ويستسلمون إليه) في المقالات: ويستعملونه، ولعلها أحسن. قال: [وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول، وإليه نذهب، وما توفيقنا إلا بالله، وهو المستعان]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال الأشعري أيضاً في اختلاف أهل القبلة في العرش: قال أهل السنة وأصحاب الحديث: إن الله ليس بجسم، ولا يشبه الأشياء، وأنه استوى على العرش]. هذا الكلام من الأشياء التي بقيت على الأشعري، فإن إثبات الجسم ونفيه ليس له أصل، وأهل السنة والجماعة لا ينفون هذه الأشياء ولا يثبتونها، فلا يقال: إن الله جسم، ولا يقال: إن الله ليس بجسم؛ لأنه لم يرد في النصوص. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال أهل السنة وأصحاب الحديث: إن الله ليس بجسم، ولا يشبه الأشياء، وأنه استوى على العرش، كما قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، ولا نتقدم بين يدي الله في القول]. عملاً بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات:١]. قال: [بل نقول: استوى بلا كيف، وأن له وجهاً، كما قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]، وأن له يدين، كما قال تعالى: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، وأن له عينين، كما قال: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤]]. وهذا كله ثابت بالأدلة، ولكن الدليل على صفة العينين حديث الدجال: (إن ربكم ليس بأعور))، وهو استدل عليهما بآية: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤] لكن معناها: بمرأى منا. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأنه يجيء يوم القيامة هو وملائكته، كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢]]. يعني: في الآية إثبات صفة المجيء لله تعالى. قال: [وأنه ينزل إلى السماء الدنيا، كما جاء في الحديث]. أي: نزولاً يليق بجلاله وعظمته. قال: [ولم يقولوا شيئاً إلا ما وجدوه في الكتاب وجاءت به الرواية عن رسول الله ﷺ ، وقالت المعتزلة: إن الله استوى على العرش، بمعنى: استولى، وذكر مقالات أخرى].

стр. 104

شرح الحموية لابن تيمية [١١] أبو الحسن الأشعري ﵀ رجع إلى مذهب السلف وصرح بكونه على عقيدة أحمد بن حنبل وألف في ذلك كتابه الإبانة في أصول الديانة، ومع هذا فالأشاعرة المنتسبون لأبي الحسن باقون على ما كان عليه قبل رجوعه إلى مذهب السلف، والعجيب أن بعض أئمتهم أثبتوا جميع الصفات ومنهم الباقلاني وأبو محمد الجويني.

стр. 105

موافقة الأشعري لمعتقد أحمد بن حنبل في الصفات قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال أيضاً أبو الحسن الأشعري في كتابه الذي سماه الإبانة في أصول الديانة]. وهو من آخر كتبه، ألفه لما رجع إلى معتقد أهل السنة والجماعة. قال: [وقد ذكر أصحابه أنه آخر كتاب صنفه، وعليه يعتمدون في الذب عنه عند من يطعن عليه، فقال: فصل في إبانة قول أهل الحق والسنة]. ومعنى إبانة يعني: إظهار. قال رحمه الله تعالى: [فإن قال قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة، فعرفونا قولكم الذي به تقولون وديانتكم التي بها تدينون؟ قيل له: قولنا الذي نقول به وديانتنا التي ندين بها: التمسك بكلام ربنا وسنة نبينا وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول أبو عبد الله أحمد بن حنبل نضر الله وجهه ورفع درجته وعجل مثوبته قائلون، ولما خالف قوله مخالفون؛ لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل، الذي أبان الله به الحق، ودفع به الضلالة، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين، وزيغ الزائغين، وشك الشاكين]. يقصد الإمام أحمد إمام السنة والجماعة، وقوله: (الكامل) فيه مبالغة بالكمال، وإنما هذا وصف للنبي ﷺ ، فهو الرئيس الكامل، يعني: الكمال البشري، فالكمال لله ، لكن الكمال البشري رئيسه وصاحبه هو الرسول ﷺ ، والإمام أحمد هو إمام السنة والجماعة، لكن ليس بمعصوم. قال: [فرحمة الله عليه من إمام مقدم، وجليل معظم، وكبير مفهم]. وكبير مفهم أي: فهمه الله تعالى. قال: [وجملة قولنا: أنا نقر بالله وملائكته وكتبه ورسله، وبما جاءوا به من عند الله، وبما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ ، لا نرد من ذلك شيئاً، وأن الله واحد لا إله إلا هو، فرد صمد، لم يتخذ صاحبة ولا ولداً]. قوله: (فرد) ليس من أسماء الله، وإنما هو من باب الخبر. قال: [وأن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وأن الجنة حق، والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور. وأن الله مستو على عرشه، كما قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]. وأن له وجهاً، كما قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]. وأن له يدين بلا كيف، كما قال تعالى: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، وكما قال تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤]. وأن له عينين بلا كيف، كما قال: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤]. وأن من زعم أن أسماء الله غيره كان ضالاً، وذكر نحواً مما ذكر في الفرق]. يعني: لا يجوز أن يقال: أسماء الله منفصلة أو صفات منفصلة، فالله تعالى بذاته وأسمائه وصفاته هو الخالق وغيره مخلوق. قال: [وذكر نحواً مما ذكر في الفرق إلى أن قال: ونقول: إن الإسلام أوسع من الإيمان، وليس كل إسلام إيماناً]. الإسلام أوسع من الإيمان، فالعاصي يقال له: مسلم ولا يقال له: مؤمن بإطلاق، وإذا قلت: مؤمن وسكت فتكون قد أخطأت، وإذا قلت: ليس بمؤمن فقد أخطأت، بل لا بد من القيد، فتقول: مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وفي النفي لا تقول: ليس بمؤمن، فإنك إن قلت: مؤمن بإطلاق وافقت المرجئة، وإذا قلت: ليس بمؤمن وافقت الخوارج والمعتزلة، بل تقول في النفي: ليس بصادق الإيمان، أو ليس بمؤمن حقاً. قال: [وندين بأن الله يقلب القلوب بين أصبعين من أصابع الله ]. وذلك كما جاء في الحديث: كان النبي ﷺ يكثر أن يقول: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك)، تقول له عائشة: (يا رسول الله تكثر أن تدعو بهذا فهل تخاف؟ قال: وما يؤمني يا عائشة وقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف شاء؟)، فإذا أراد أن يقلب قلب عبد قلبه، هذا وهو سيد الخلق ﵊، وهو المعصوم ﵊. والأصابع لله ثابتة كما يليق بالله العظيم، وهي كسائر الصفات، جاء في الحديث: (إن الله يضع السموات على أصبع، والأرضين على أصبع، والماء والثرى على أصبع، والشجر على أصبع، وسائر الخلق على أصبع، ثم يهزهن بيده ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟) فهناك خمسة أصابع ثابتة لله كما يليق بجلاله وعظمته. قال رحمه الله تعالى: [وأنه يضع السماوات على أصبع، والأرضين على أصبع، كما جاءت الرواية الصحيحة عن النبي ﷺ إلى أن قال: والإيمان قول وعمل، يزيد وينقص]. وهذا خلافاً للمرجئة الذين يقولون: إن الإيمان تصديق بالقلب فقط، فقوله: الإيمان قول وعمل، أي: قول اللسان وقول القلب، فاللسان بالنطق والقلب بالإقرار، والعمل: عمل القلب وعمل الجوارح، والمرجئة يقولون: الأعمال ليست من الإيمان، وإنما الإيمان هو تصديق القلب فقط. وقوله: (يزيد وينقص) أي: يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، والمرجئة يقولون: الإيمان لا يزيد ولا ينقص، بل إيمان أهل السماء وأهل الأرض واحد.

стр. 106

قبول الأشعري لأحاديث الآحاد الصحيحة في العقائد قال رحمه الله تعالى: [ونسلم الروايات الصحيحة عن رسول الله ﷺ التي رواها الثقات عدلاً عن عدل حتى ينتهي إلى الرسول ﷺ ]. يعني: نقبل الحديث إذا عدلت رواته واتصل سنده. يعني: خلافاً لأهل البدع الذين يقولون: أخبار الآحاد لا تقبل في العقائد، أما نحن فنقول: إذا ثبت الحديث بسند صحيح وعدلت رواته واتصل سنده قبل في العقائد والأعمال والأخلاق وفي كل شيء، خلافاً للمعتزلة وأهل البدع القائلين بأن أخبار الآحاد لا تقبل في العقائد، وهذا باطل، ويعللون قولهم بأن خبر الآحاد ظني الثبوت ظني الدلالة، وهذا كله مما أحدثه أهل البدع، فقولهم: ظني الثبوت، يعني: مشكوك في ثبوته، فلا يقبل، وإذا كان الدليل من القرآن أو كان متواتراً قالوا: هذا قطعي الثبوت، لكنه ظني الدلالة، فلا نجزم بأن قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤] يفيد الاستواء، لجواز أن يكون معناها استولى. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [إلى أن قال: ونصدق بجميع الروايات التي يثبتها أهل النقل من النزول إلى السماء الدنيا، وأن الرب يقول: هل من سائل؟ هل من مستغفر؟ وسائر ما نقلوه وأثبتوه خلافاً لما قال أهل الزيغ والتضليل. ونعول فيما اختلفنا فيه على كتاب ربنا وسنة نبينا وإجماع المسلمين، وما كان في معناه، ولا نبتدع في دين الله ما لم يأذن لنا به، ولا نقول على الله ما لا نعلم. ونقول: إن الله يجيء يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢]. وأن الله يقرب من عباده كيف شاء، كما قال تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦]]. وهذا الأصل فيه أن الضمير يعود إلى الله، فقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ﴾ [ق:١٦] يعني: أقرب إليه بالعلم والقدرة والإحاطة. والقول الثاني: أن المراد قرب الملائكة، والمعنى: قرب الملائكة من قلب العبد، بحيث تكون ذوات الملائكة أقرب إلى العبد من حبل الوريد، ولهذا قيده بالظرف، فقال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ﴾ [ق:١٦ - ١٧]. يعني: أقرب إليه من حبل الوريد وقت تلقي المتلقيان، ولو كان المراد قرب الرب لكان عام التعلق ولم يخصص ولم يقيد بوقت تلقي المتلقيان، هكذا ذهب إلى هذا القول شيخ الإسلام ﵀ وجماعة. وآخرون من أهل العلم كمثل أبي الحسن الأشعري قالوا: إن القرب يعود إلى الله، والمراد قرب الله في العلم، مثل قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق:١٦]، فهو قرب بالعلم. وبعضهم قال: قرب بالعلم والقدرة والرؤية والإحاطة. قال رحمه الله تعالى: [وأن الله يقرب من عباده كيف شاء، كما قال تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦]، وكما قال ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم:٨ - ٩]]. هذا القول بأن هذا يعود إلى الله، والراجح أنه يعود إلى جبريل، فقوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا﴾ [النجم:٨] أي: جبريل ﴿فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم:٨ - ٩]. وجاء في حديث الإسراء أنه يعود إلى الله لكن قال العلماء: إن هذا من أفراد شريك بن أبي نمر وله أوهام وأغلاط في حديث الإسراء، ولهذا لما روى مسلم في الصحيح حديث شريك قال: فقدم وأخر وزاد ونقص، وهذا أبو الحسن يقرر أن قوله: (ثم دنى فتدلى) يعود إلى الله. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [إلى أن قال: وسنحتج لما ذكرناه من قولنا وما بقي مما لم نذكره باباً باباً. ثم تكلم على أن الله يرى، واستدل على ذلك، ثم تكلم على أن القرآن غير مخلوق واستدل على ذلك، ثم تكلم على من وقف في القرآن وقال: لا أقول: إنه مخلوق ولا غير مخلوق]. هذا التوقف باطل، وهو أحد مذاهب أهل البدع إذ بعضهم يقول: القرآن مخلوق، وبعضهم يقول: أتوقف فلا أقول مخلوق ولا غير مخلوق، وهذا مذهب الواقفة قال بعضهم: الواقفة شر من الجهمية، فعلى الإنسان أن يجزم بأن القرآن كلام الله، غير مخلوق، أما التوقف فبدعة.

стр. 107

بيان عقيدة الإمام الأشعري في الاستواء قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم قال: باب ذكر الاستواء على العرش. إن قال قائل: ما تقولون في الاستواء؟ قيل له: إن الله مستو على عرشه، كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وقد قال الله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠]، وقال: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٨]، وقال: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة:٥]، وقال تعالى حكاية عن فرعون: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ﴾ [غافر:٣٦]]. كل هذا فيه إثبات العلو، إذ الصعود يكون من أسفل إلى أعلى، وفرعون لما أعلمه موسى بأن الله في العلو أمر وزيره هامان أن يبني صرحاً ليكذب موسى فيما ادعاه بزعمه من أن الله في العلو، وليس المراد أن فرعون أثبت العلو، إذ بعض الجهمية يغالط ويقول: إن فرعون أثبت العلو، ومن أثبت العلو فهو على مذهب فرعون، وهذا باطل، ففرعون منكر للعلو، وهو منكر للرب، ولذلك يقول: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] فكيف يثبت العلو؟! قال رحمه الله تعالى: [وقال تعالى حكاية عن فرعون: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر:٣٦ - ٣٧]، كذب موسى في قوله: إن الله فوق السماوات، وقال: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ﴾ [الملك:١٦]، فالسماوات فوقها العرش، فلما كان العرش فوق السماوات قال: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦]؛ لأنه مستو على العرش الذي فوق السماوات، فكل ما علا فهو سماء، فالعرش أعلى السماوات، وليس إذا قال: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] يعني: جميع السماء، وإنما أراد العرش الذي هو أعلى السماوات، ألا ترى أن الله ذكر السماوات فقال: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح:١٦]، فلم يرد أن القمر يملأهن وأنه فيهن جميعاً، ورأينا المسلمين جميعاً يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء؛ لأن الله على العرش الذي هو فوق السموات، فلولا أن الله على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش، كما لا يحطونها إذا دعوا إلى الأرض].

стр. 108

رد الإمام الأشعري على منكري الاستواء قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم قال: فصل، وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية]. الحرورية هم الخوارج، سموا بذلك؛ لأنهم سكنوا بلدة تسمى حروراء. [إن معنى قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، أنه استولى وملك وقهر، وأن الله في كل مكان، وجحدوا أن يكون على عرشه كما قال أهل الحق، وذهبوا في الاستواء إلى القدرة، فلو كان كما ذكروه كان لا فرق بين العرش والأرض السابعة؛ لأن الله قادر على كل شيء، والأرض فالله قادر عليها وعلى الحشوش وعلى كل ما في العالم، فلو كان الله مستوياً على العرش، بمعنى: الاستيلاء، وهو مستوياً على الأشياء كلها، لكان مستوياً على العرش وعلى الأرض وعلى السماء وعلى الحشوش والأقذار؛ لأنه قادر على الأشياء مستول عليها، وإذا كان قادراً على الأشياء كلها، ولم يجز عند أحد من المسلمين أن يقول: إن الله مستو على الحشوش والأخلية، لم يجز أن يكون الاستواء على العرش بمعنى الاستيلاء الذي هو عام في الأشياء كلها، ووجب أن يكون معنى الاستواء يخص العرش دون الأشياء كلها. وذكر دلالات من القرآن والحديث والإجماع والعقل. ثم قال: باب الكلام في الوجه والعينين والبصر واليدين. وذكر الآيات في ذلك، ورد على المتأولين بكلام طويل لا يتسع هذا الموضع لحكايته، مثل قوله: فإن سئلنا: أتقولون ذلك: لله يدان؟ قيل: نقول ذلك. وقد دل عليه قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]، وقوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله مسح ظهر آدم بيده، واستخرج منه ذريته)، وقد جاء في الخبر المأثور عن النبي ﷺ : (أن الله خلق آدم بيده، وخلق جنة عدن بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس شجرة طوبى بيده)، وليس يجوز في لسان العرب ولا في عادة أهل الخطاب أن يقول القائل: عملت كذا بيدي ويريد به النعمة]. والمؤلف ﵀ قصده من هذا تبيين أن أهل السنة كلهم متفقون على إثبات الصفات لله ، وأن إنكار الجهمية والأشاعرة والمعتزلة في الصفات مخالفة لما أجمع عليه أهل السنة والجماعة والعلماء والأئمة. قال رحمه الله تعالى: [وليس يجوز في لسان العرب ولا في عادة أهل الخطاب أن يقول القائل: عملت كذا بيدي ويريد به النعمة، وإذا كان الله إنما خاطب العرب بلغتها، وما يجري مفهوماً من كلامها ومعقولاً في خطابها، وكان لا يجوز في خطاب أهل اللسان أن يقول القائل: فعلت بيدي ويعني به النعمة، بطل أن يكون معنى قوله تعالى: (بيدي) النعمة، وذكر كلاماً طويلاً في تقرير هذا ونحوه].

стр. 109

إثبات الإمام الباقلاني للصفات قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني المتكلم، وهو أفضل المتكلمين المنتسبين إلى الأشعري ليس فيهم مثله، لا قبله ولا بعده]. يعني: أن الباقلاني من الأشاعرة المعتدلين، ولهذا أثنى عليه المؤلف ﵀. قال: [وهو أفضل المتكلمين المنتسبين إلى الأشعري، ليس فيهم مثله لا قبله ولا بعده، قال في كتاب الإبانة تصنيفه: فإن قال: فما الدليل على أن]. الأشعري له كتاب الإبانة، والباقلاني له كتاب الإبانة أيضاً. قال: [فإن قال: فما الدليل على أن لله وجهاً ويداً؟ قيل له: قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]، وقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، فأثبت لنفسه وجهاً ويداً]. والأشاعرة المتأخرون لا يثبتون هذه الصفات لله وهو يثبتها الآن؛ لأنه ليس كالأشاعرة المتأخرين، بل هو من المعتدلين، ولذا تراه يثبت كثيراً من الصفات. قال: [فإن قال: فما أنكرتم أن يكون وجهه ويده جارحة إذا كنتم لا تعقلون وجهاً ويداً إلا جارحة؟ قلنا: لا يجب هذا، كما لا يجب إذا لم نعقل حياً عالماً قادراً إلا جسماً أن نقضي نحن وأنتم بذلك على الله سبحانه، وكما لا يجب في كل شيء كان قائماً بذاته أن يكون جوهراً؛ لأنا وإياكم لا نجد قائماً بنفسه في شاهدنا إلا كذلك، وكذلك الجواب لهم إن قالوا: فيجب أن يكون علمه وحياته وكلامه وسمعه وبصره وسائر صفاته عرضاً واعتلوا بالوجود. قال: فإن قال: تقولون: إنه في كل مكان؟ قيل له: معاذ الله! بل هو مستو على العرش، كما أخبر في كتابه فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠]، وقال: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك:١٦]، قال: ولو كان في كل مكان، لكان في بطن الإنسان وفمه والحشوش والمواضع التي يرغب عن ذكرها، ولوجب أن يزيد بزيادة الأمكنة إذا خلق منها ما لم يكن، وينقص بنقصانها إذا بطل منها ما كان، ولصح أن يرغب إليه إلى نحو الأرض]. يعني: يدعى من جهة الأرض ولا يدعى من جهة السماء لعلة كونه في كل مكان، نعوذ بالله. قال: [ولصح أن يرغب إليه إلى نحو الأرض، وإلى خلفنا وإلى يميننا وإلى شمالنا، وهذا قد أجمع المسلمون على خلافه وتخطئة قائله. وقال أيضاً في هذا الكتاب: صفات ذاته التي لم يزل ولا يزال موصوفاً بها، وهي: الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والإرادة والبقاء والوجه والعينان واليدان والغضب والرضا، وقال في كتاب التمهيد كلاماً أكثر من هذا]. كتاب التمهيد هو كتاب الباقلاني، وهناك التمهيد لـ ابن عبد البر وهذا غير ذاك. قال: [فقال في كتاب التمهيد كلاماً أكثر من هذا، لكن ليست النسخة حاضرة عندي، وكلامه وكلام غيره من المتكلمين في هذا الباب]. هذا يدل على أن المؤلف ينقل حرفياً، ويدل على أن المؤلف ﵀ كانت عنده كتب كثيرة من المتقدمين والمتأخرين ينقل منها. قال: [وقال في كتاب التمهيد كلاماً أكثر من هذا لكن ليست النسخة حاضرة عندي، وكلامه وكلام غيره من المتكلمين في هذا الباب مثل هذا كثير لمن يطلبه، وإن كنا مستغنين بالكتاب والسنة وآثار السلف عن كل كلام]. لكن من باب الرد على الخصوم بأقوال أئمتهم وعلمائهم، وإلا فالكتاب والسنة وأقوال الصحابة والعلماء كافية، لكن لا ينقل عن أهل الكلام، إلا لإقناع الخصوم من الأشاعرة، فيقال: هذا القاضي منكم، وهذا الأشعري تنتسبون إليه، فانظروا إلى كلامه، إذ كلامه يبطل ما تدعونه من إنكار الصفات وتأويلها.

стр. 110

مخالفة متأخري الأشاعرة لأئمتهم المتقدمين قال: [وملاك الأمر: أن يهب الله للعبد حكمة وإيماناً بحيث يكون له عقل ودين حتى يفهم ويدين]. ومن كان كذلك تمت النعمة عليه. قال: [وملاك الأمر: أن يهب الله للعبد حكمة وإيماناً بحيث يكون له عقل ودين؛ حتى يفهم ويدين، ثم نور الكتاب والسنة يغنيه عن كل شيء، ولكن كثيراً من الناس قد صار منتسباً إلى بعض طوائف المتكلمين ومحسن للظن بهم دون غيرهم، ومتوهماً أنهم حققوا في هذا الباب ما لم يحققه غيرهم، فلو أوتي بكل آية ما تبعها حتى يؤتى بشيء من كلامهم]. ولهذا أكثر المؤلف ﵀ من النقول عنهم للرد على الخصوم بأقوال أئمتهم وأتباعهم. قال: [ثم هم مع هذا مخالفون لأسلافهم غير متبعين لهم]. يعني: مثل الأشاعرة الآن، فهم مخالفون لأتباعهم، فهذا القاضي الباقلاني وأبو الحسن الأشعري وهذه أقوالهم، والأشاعرة يخالفونهم. قال: [ثم هم مع هذا مخالفون لأسلافهم غير متبعين لهم، فلو أنهم أخذوا بالهدى الذي يجدونه في كلام أسلافهم لرجي لهم مع الصدق في طلب الحق أن يزدادوا هدى، ومن كان لا يقبل الحق إلا من طائفة معينة ثم لا يستمسك بما جاءت به من الحق ففيه شبه من اليهود الذين قال الله فيهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٩١]، فإن اليهود قالوا: لا نؤمن إلا بما أنزل الله علينا، قال الله لهم: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٩١] بما أنزل عليكم]. أي: أن هؤلاء يقولون: لا نقبل إلا أقوال أئمتنا، ومع ذلك لا يقبلون الحق الذي مع أئمتهم. فهذا الأشعري أثبت الوجه واليدين، فلماذا تنكرونها؟ ففيكم شبه من اليهود، فإن اليهود يقولون: لا نقبل إلا ما أنزل علينا، ومع ذلك خلفوا ما أنزل عليهم، وأنتم تقولون: لا نقبل إلا أقوال أئمتنا، وهذه أقوال القاضي والأشعري قد أثبتت اليد والوجه وغيرها وأنتم لم تثبتوا شيئاً، فلم لا تقولون الحق الذي مع أئمتكم؟! قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول سبحانه: لا لما جاءتكم به أنبياؤكم تتبعون، ولا لما جاءتكم به سائر الأنبياء تتبعون، ولكن إنما تتبعون أهواءكم، فهذا حال من لم يتبع الحق لا من طائفته ولا من غيرهم، مع كونه يتعصب لطائفة دون طائفة بلا برهان من الله ولا بيان].
следующие страницы →