Полный текст (142 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
شرح الحموية لابن تيمية [١]
من عقيدة السلف الإيمان بأسماء الله الحسنى وصفاته العلى من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل، ومن ذلك الإيمان بصفة الاستواء لله تعالى، فهذه الصفة معلومة، وكيفيتها مجهولة، والإيمان بها واجب، والسؤال عن كيفيتها بدعة، وقد خالف هذه العقيدة كثير من أهل البدع، وادعوا أن مذهبهم أحكم من مذهب السلف، والصواب أن مذهب السلف أعلم وأحكم وأسلم.
стр. 2
سائل من بلدة حماة الشام يسأل ابن تيمية
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: [سئل شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية وذلك في سنة ثمان وتسعين وستمائة، وجرى بسبب هذا الجواب أمور ومحن، وهو جواب عظيم النفع جداً].
يسمى جواب هذا
السؤال
الحموية؛ لأن السائل من بلدة حماة الشام.
[فقال السائل: ما قولكم في آيات الصفات كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت:١١]، إلى غير ذلك من الآيات.
وأحاديث الصفات كقوله ﷺ : (إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن)، وقوله: (يضع الجبار قدمه في النار)، إلى غير ذلك من الأحاديث.
وما قالت العلماء؟ وابسطوا القول في ذلك مأجورين إن شاء الله تعالى] قوله: إن شاء الله، من باب الخبر؛ لأن الدعاء لا يستثنى فيه، كما في الحديث: (لا يقول أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ليعزم المسألة، فإن الله لا مكره له)، وجاء في الحديث الآخر: (لا بأس طهور إن شاء الله)؛ لأن هذا من باب الخبر.
стр. 3
مقدمة لابن تيمية بين يدي جوابه على السائل
[فأجاب: الحمد لله رب العالمين، قولنا فيها ما قاله الله ورسوله ﷺ والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، وما قاله أئمة الهدى بعد هؤلاء الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، وهذا هو الواجب على جميع الخلق في هذا الباب وغيره، فإن الله بعث محمداً ﷺ بالهدى ودين الحق؛ ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد، وشهد له بأنه بعثه داعياً إليه بإذنه، وسراجاً منيراً، وأمره أن يقول: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨]، فمن المحال في العقل والدين أن يكون السراج المنير الذي أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور، وأنزل معه الكتاب بالحق؛ ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، وأمر الناس أن يردوا ما تنازعوا فيه من دينهم إلى ما بعث به من الكتاب والحكمة، وهو يدعو إلى الله والى سبيله بإذنه على بصيرة، وقد أخبر أنه أكمل له ولأمته دينهم، وأتم عليهم نعمته، محال مع هذا وغيره أن يكون قد ترك باب الإيمان بالله والعلم به ملتبساً مشتبهاً، فلم يميز بين ما يجب لله من الأسماء الحسنى والصفات العليا وما يجوز عليه وما يمتنع عليه.
فإن معرفة هذا أصل الدين وأساس الهداية، وأفضل ما اكتسبته القلوب، وحصلته النفوس، وأدركته العقول، فكيف يكون ذلك الكتاب وذلك الرسول وأفضل خلق الله بعد النبيين لم يحكموا هذا الباب اعتقاداً وقولاً؟].
لأن باب الأسماء والصفات هو أصل الدين.
стр. 4
تعليمه ﷺ لأمته كل شيء
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن المحال أيضاً أن يكون النبي ﷺ قد علم أمته كل شيء حتى الخراءة] أي: حتى أحكام الاستنجاء وكيفية إزالة النجاسة، فكيف يعلمهم ذلك، ولا يعلمهم باب أصل الدين، وباب الأسماء والصفات، وهذا فيه رد على أهل البدع الذين يتأولون بعقولهم وينفون الصفات، ويقولون: إن هذا متروك للعقول: وهذا محال؛ لأن الرسول قد علم أمته كل شيء حتى أحكام الاستنجاء حتى الخراءة، قال بعضهم لـ سلمان: علمكم نبيكم كل شيء، قال: نعم، علمنا نبينا كل شيء حتى أحكام الاستنجاء، والوضوء.
فلا يمكن أن يعلمهم أحكام الاستنجاء، وأحكام غسل النجاسة، ولا يعلمهم أصل الدين! لا يمكن هذا.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن المحال أيضاً أن يكون النبي ﷺ قد علم أمته كل شيء حتى الخراءة، وقال: (تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك)، وقال فيما صح عنه أيضاً: (ما بعث الله من نبي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم).
وقال أبو ذر ﵁: لقد توفي رسول الله ﷺ وما من طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علماً، وقال عمر بن الخطاب ﵁: (قام فينا رسول الله مقاماً فذكر بدء الخلق، حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم، حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه) رواه البخاري.
محال مع تعليمهم كل شيء لهم فيه منفعة في الدين -وإن دقت- أن يترك تعليمهم ما يقولونه بألسنتهم ويعتقدونه بقلوبهم في ربهم ومعبودهم رب العالمين].
قوله: وإن دقت أن يترك تعليمه أي: وإن كان شيئاً صغيراً، أو شيئاً قليلاً.
وقوله: يقولونه بألسنتهم أي: يقولون مثلاً: إن الله استوى على العرش، والله سميع بصير، والله عليم حكيم، ويعتقدون هذا بقلوبهم، فلا يمكن أن يترك هذا الأمر -الذي يقوله إنسان بلسانه ويعتقده بقلبه- إلى العقول.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويعتقدونه بقلوبهم في ربهم ومعبودهم رب العالمين الذي معرفته غاية المعارف، وعبادته أشرف المقاصد، والوصول إليه غاية المطالب، بل هذا خلاصة الدعوة النبوية، وزبدة الرسالة الإلهية، فكيف يتوهم من في قلبه أدنى مسكة من إيمان وحكمة ألا يكون بيان هذا الباب قد وقع من الرسول ﷺ على غاية التمام].
أي: باب أصول الدين، ومنه الأسماء والصفات.
стр. 5
استحالة كون أصحاب القرون المفضلة يجهلون تلك الأمور أو يتكلمون فيها بغير الحق
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [إذا كان قد وقع ذلك منه فمن المحال أن يكون خير أمته وأفضل قرونها قصروا في هذا الباب زائدين فيه أو ناقصين عنه، ثم من المحال أيضاً أن تكون القرون الفاضلة، القرن الذي بعث فيهم رسول ﷺ ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم كانوا غير عالمين وغير قائلين في هذا الباب بالحق المبين؛ لأن ضد ذلك إما عدم العلم والقول، وإما اعتقاد نقيض الحق، وقول خلاف الصدق، وكلاهما ممتنع].
أي: إما كونهم يجهلون باب أصل الدين، أو يتكلمون فيه بغير الحق، وهذا ممتنع، ومن الممتنع أيضاً أن يكون الرسول ﷺ لم يبين أصل الدين، وإذا كان ممتنعاً فممتنع كذلك أن تكون خير الأمة وأفضل الأمة، وهم القرون المفضلة بعده ﷺ لم يحكموا هذا الأصل، أو جهلوه، أو تكلموا فيه بغير الحق؛ لأن النبي ﷺ يقول: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)، فلابد أن يحكموا هذا الباب، ويتكلموا فيه بالحق.
وعلى هذا تكون أقوال أهل البدع الذين جاءوا بعد تلك القرون المفضلة، كلها أقوال باطلة ومردودة، ومناقضة لما عليه السلف الصالح.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أما الأول فلأن من في قلبه أدنى حياة وطلب للعلم أو نهمة في العبادة، يكون البحث عن هذا الباب والسؤال عنه، ومعرفة الحق فيه أكبر مقاصده وأعظم مطالبه، أعني بيان ما ينبغي اعتقاده لا معرفة كيفية الرب وصفاته.
وليست النفوس الصحيحة إلى شيء أشوق منها إلى معرفة هذا الأمر].
وهذا الكلام مقدمة عظيمة للمؤلف ﵀.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذا أمر معلوم بالفطرة الوجدية، فكيف يتصور مع قيام هذا المقتضي].
قوله: المقتضي أي: الموجب.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فكيف يتصور مع قيام هذا المقتضي -الذي هو من أقوى المقتضيات- أن يتخلف عنه مقتضاه في أولئك السادة في مجموع عصورهم؟! هذا لا يكاد يقع من أبلد الخلق، وأشدهم إعراضاً عن الله، وأعظمهم إكباباً على طلب الدنيا والغفلة عن ذكر الله، فكيف يقع من أولئك؟!].
أي: إن كونهم لا يتكلمون بهذا الدين، ولا يحكمون أصل الدين، ولا يعرفونه، ولا يتكلمون به، هذا مستحيل، والأمر الثاني أنه يستحيل أيضاً أن يتكلموا بغير الحق، إذ يستحيل ألا يفهموا أصل الدين ولا يحكموه ولا يتكلموا به، ولا يتكلم فيه إلا المتأخرون.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما كونهم كانوا معتقدين فيه غير الحق، أو قائليه، فهذا لا يعتقده مسلم ولا عاقل عرف حال القوم.
ثم الكلام عنهم في هذا الباب أكثر من أن يمكن سطره في هذه الفتوى أو أضعافها، يعرف ذلك من طلبه وتتبعه، ولا يجوز أيضاً أن يكون الخالفون أعلم من السالفين، كما قد يقوله بعض الأغبياء -ممن لم يقدر قدر السلف، بل ولا عرف الله ورسوله والمؤمنين به حقيقة المعرفة المأمور بها-: من أن طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم].
الخالفون: هم الخلف المتأخرون، الذين جاءوا بعد السلف الصالح.
وهذه مقالة معروفة عن أهل البدع، وهي أن طريقة السلف أسلم والخلف أعلم وأحكم، وهذا باطل، فالسلف أسلم وأعلم وأحكم، والخلف ليس عندهم شيء من العلم والحكمة، وإنما هم على جهل واعتماد على العقول والآراء وزبالة الأذهان ومحادثة الأفكار، فطريقة السلف أسلم وأعلم وأحكم.
стр. 6
ضلال المبتدعة بتفضيل طريقة الخلف على طريقة السلف
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن هؤلاء المبتدعة، الذين يفضلون طريقة الخلف من المتفلسفة ومن على طريقة السلف، إنما أتوا من حيث ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث، من غير فقه لذلك بمنزلة الأميين الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة:٧٨]، وأن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات وغرائب اللغات.
فهذا الظن الفاسد أوجب تلك المقالة التي مضمونها نبذ الإسلام وراء الظهر، وقد كذبوا على طريقة السلف، وضلوا في تصويب طريقة الخلف، فجمعوا بين الجهل بطريقة السلف في الكذب عليهم، وبين الجهل والضلال بتصويب طريقة الخلف، وسبب ذلك اعتقادهم أنه ليس في نفس الأمر صفة دلت عليها هذه النصوص بالشبهات الفاسدة].
إذاً: فالسبب أنهم قرروا في أنفسهم أن النصوص لا تدل على الصفات، فقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤]، لا يدل على صفة الاستواء، وقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم:٢]، لا يدل على صفة العلم والحكمة، هذا هو قصدهم، فلما قرروا هذا الأمر صاروا تجاه نصوص الصفات بين أمرين: الأمر الأول: أن يصرفوها إلى معان ابتدعوها من عند أنفسهم: يقولون: استوى معناها: استولى.
والأمر الثاني: التصوير، يقولون: نصورها ولا ندري ما معناها، مع أننا نجزم بأنها لا تدل على إثبات الصفات، فهم بين طريقة التصوير وبين طريقة التأويل والتحريف، نسأل الله العافية.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وسبب ذلك اعتقادهم أنه ليس في نفس الأمر صفة دلت عليها هذه النصوص بالشبهات الفاسدة، التي شاركوا فيها إخوانهم من الكافرين، فلما اعتقدوا انتفاء الصفات في نفس الأمر، وكان مع ذلك لابد للنصوص من معنى، بقوا مترددين بين الإيمان باللفظ وتفويض المعنى -وهي التي يسمونها طريقة السلف- وبين صرف اللفظ إلى معان بنوع تكلف -وهي التي يسمونها طريقة الخلف- فصار هذا الباطل مركباً من فساد العقل والكفر بالسمع، فإن النفي إنما اعتمدوا فيه على أمور عقلية ظنوها بينات وهي شبهات].
قوله: بالسمع أي: بالأدلة السمعية، كفروا بالنصوص واعتمدوا على عقولهم الفاسدة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والسمع حرفوا فيه الكلام عن مواضعه.
فلما ابتنى أمرهم على هاتين المقدمتين الكفريتين كانت النتيجة: استجهال السابقين الأولين واستبلاههم، واعتقاد أنهم كانوا قوماً أميين، بمنزلة الصالحين من العامة، لم يتبحروا في حقائق العلم بالله، ولم يتفطنوا لدقائق العلم الإلهي، وأن الخلف الفضلاء حازوا قصب السبق في هذا كله].
أي: ظنوا أن السلف قوم سذج، لا يفهمون إلا مجرد التلاوة فقط، وليس عندهم عقول يفهمون بها النصوص ويعرفون بها اللغة، بل يؤمنون بمجرد اللفظ، فلهذا قالوا: طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم، وعندهم أن طريقة السلف هي التفويض، وطريقة الخلف هي التحريف.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم هذا القول إذا تدبره الإنسان وجده في غاية الجهالة، بل في غاية الضلالة، كيف يكون هؤلاء المتأخرون لاسيما والإشارة بالخلف إلى ضرب من المتكلمين الذين كثر في باب الدين اضطرابهم، وغلظ عن معرفة الله حجابهم، وأخبر الواقف على نهايات إقدامهم بما انتهى إليه من مرامهم حيث يقول: لعمري لقد طفت المعاهد كلها وسيرت طرفي بين تلك المعالم فلم أر إلا واضعاً كف حائر على ذقن أو قارعاً سن نادم وأقروا على نفوسهم بما قالوه متمثلين به أو منشئين له فيما صنفوه من كتبهم كقول بعض رؤسائهم: نهاية إقدام العقول عقال وأكثر سعي العالمين ضلال وأرواحنا في وحشة من جسومنا وغاية دنيانا أذى ووبال ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلاً ولا تروي غليلاً، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، أقرأ في الإثبات: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:١٠]، وأقرأ في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠]، ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي].
هذا كله من كلام الرازي، وانظر السير والفتاوى وطبقات الشافعية، وفيه زيادة، ثم قال: وأقول من صميم القلب، من داخل الروح: إني مقر بأن كل ما هو الأكمل الأفضل الأعظم الأجل فهو لك، وكل ما هو عيب ونقص فأنت منزه عنه.
يقول شيخ الإسلام تعليقاً على عبارته التي جاءت في النص: [وهو صادق فيما أخبر به، أنه لم يستفد من بحوثه في الطرق الكلامية والفلسفة، سوى أن جمع قيل وقالوا، وأنه لم يجد فيها ما يشفي عليلاً ولا يروي غليلاً، فإن من تدبر كتبه كلها لم يجد فيها مسألة واحدة من مسائل أصول الدين موافقة للحق الذي يدل عليه المنقول والمعقول، بل يذكر في المسألة عدة أقوال، والقول الحق لا يعرفه فلا يذكره!] انتهى من منهاج السنة.
[ويقول الآخر منهم: لقد خضت البحر الخضم، وتركت أهل الإسلام وعلومهم، وخضت في الذي نهوني عنه، والآن إن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لفلان، وهأنذا أموت على عقيدة أمي].
هذه مقالة أبي محمد الجويني وهو من الأشاعرة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويقول الآخر منهم: أكثر الناس شكاً عند الموت أصحاب الكلام].
أشار شيخ الإسلام في موضع إلى أن قائل هذا الكلام هو أبو حمزة الغزالي.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم هؤلاء المتكلمون المخالفون للسلف إذا حقق عليهم الأمر لم يوجد عندهم من حقيقة العلم بالله وخالص المعرفة به خبر، ولم يقفوا من ذلك على عين ولا أثر، كيف يكون هؤلاء المحجوبون المفضولون المنقوصون المسبوقون الحيارى المتهوكون أعلم بالله وأسمائه وصفاته، وأحكم في باب آياته وذاته من السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان.
من ورثة الأنبياء وخلفاء الرسل، وأعلام الهدى ومصابيح الدجى، الذين بهم قام الكتاب، وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب، وبه نطقوا، الذين وهبهم الله من العلم والحكمة].
وبه قاموا: أي عملوا بالكتاب وتلوه ونفذوه، وطبع الكتاب بهم، والكتاب قام بهم بمدحهم والثناء عليهم، وبهم نطق أي: بفضلهم، وبه نطقوا أي: تلوه وعملوا به.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الذين وهبهم الله من العلم والحكمة ما برزوا به على سائر أتباع الأنبياء، فضلاً عن سائر الأمم الذين لا كتاب لهم، وأحاطوا من حقائق المعارف وبواطن الحقائق بما لو جمعت حكمة غيرهم إليها لاستحيا من يطلب المقابلة.
ثم كيف يكون خير قرون الأمة أنقص في العلم والحكمة -لاسيما العلم بالله وأحكام آياته وأسمائه- من هؤلاء الأصاغر بالنسبة إليهم، أم كيف يكون أفراخ المتفلسفة وأتباع الهند واليونان، وورثة المجوس والمشركين، وضلال اليهود والنصارى والصابئين، وأشكالهم وأشباههم أعلم بالله من ورثة الأنبياء وأهل القرآن والإيمان؟!].
стр. 7
سبب هذه المقدمة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإنما قدمت هذه المقدمة؛ لأن من استقرت هذه المقدمة عنده علم طريق الهدى أين هو في هذا الباب وغيره، وعلم أن الضلال والتهوك إنما استولى على كثير من المتأخرين بنبذهم كتاب الله وراء ظهورهم، وإعراضهم عما بعث الله به محمداً ﷺ من البينات والهدى، وتركهم البحث عن طريق السابقين والتابعين، والتماسهم علم معرفة الله ممن لم يعرف الله بإقراره على نفسه، وبشهادة الأمة على ذلك، وبدلالات كثيرة، وليس غرضي واحداً معيناً، وإنما أصف نوع هؤلاء ونوع هؤلاء].
المقصود وصف النوع، وليس الأشخاص بعينهم.
стр. 8
إثبات صفة العلو لله
стр. 9
صفة العلو في كتاب الله
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإذا كان كذلك، فهذا كتاب الله من أوله إلى آخره وسنة رسوله ﷺ من أولها إلى آخرها، ثم عامة كلام الصحابة والتابعين، ثم كلام سائر الأمة، مملوء بما هو إما نص وإما ظاهر في أن الله فوق كل شيء، وهو على كل شيء، وأنه فوق العرش، وأنه فوق السماء، مثل قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠]، ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران:٥٥]].
يصعد أي: يرفع، والرفع يكون من أسفل إلى أعلى، والصعود يكون من أسفل إلى أعلى، فدل على ثبوت العلو.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ﴾ [الملك:١٦]، ﴿أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ [الملك:١٧]].
ومن في السماء: أي في العلو.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٨]، ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج:٤]].
الشيخ: والعروج يكون من أسفل إلى أعلى.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة:٥]، ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل:٥٠]، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤]، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يونس:٣]، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الرعد:٢]، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الفرقان:٥٩]، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة:٤]، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد:٤]، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر:٣٦ - ٣٧]، ﴿تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢]، ﴿مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الأنعام:١١٤] إلى أمثال ذلك مما لا يكاد يحصى إلا بكلفة].
والنزول يكون من أعلى إلى أسفل، فدل على أن الله في العلو.
стр. 10
صفة العلو في سنة رسول الله
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي الأحاديث الصحاح والحسان ما لا يحصى إلا بكلفة، مثل قصة معراج رسول الله ﷺ إلى ربه، ونزول الملائكة من عند الله وصعودها إليه، وقول الملائكة الذين يتعاقبون فيكم بالليل والنهار: (فيعرج الذين باتوا فيكم إلى ربهم فيسألهم وهو أعلم بهم)].
والعروج يكون من أسفل إلى أعلى.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي الصحيح في حديث الخوارج: (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحاً ومساء؟!).
وإذا أطلق لفظ (السماء) كان المراد به: العلو.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي حديث الرقية الذي رواه أبو داود وغيره: (ربنا الله الذي في السماء، تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء اجعل رحمتك في الأرض، اغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت رب الطيبين، أنزل رحمة من رحمتك، وشفاء من شفائك على هذا الوجع)، قال ﷺ : (إذا اشتكى أحد منكم، أو اشتكى أخ له فليقل: ربنا الله الذي في السماء) وذكره.
وقوله في حديث الأوعال: (والعرش فوق ذلك، والله فوق عرشه، وهو يعلم ما أنتم عليه)، رواه أحمد أبو داود وغيرهما.
وهذا الحديث مع أنه قد رواه أهل السنن، كـ أبي داود وابن ماجة والترمذي وغيرهم، وهو مروي من طريقين مشهورين، فالقدح في أحدهما لا يقدح في الآخر، وقد رواه إمام الأئمة ابن خزيمة في كتاب التوحيد الذي اشترط فيه: ألا يحتج فيه إلا بما نقله العدل عن العدل موصولاً إلى النبي ﷺ ].
أي: إن هذا أن الحديث وإن كان فيه ضعف إلا أنه مروي من طريقين يشد بعضهما بعضاً، فيكون حسناً لغيره، وله أيضاً شواهد كثيرة من الكتاب والسنة؛ لأن بعض الناس يطعن في حديث الأوعال.
ولو فرضنا أنهم طعنوا فيه، أو أنه لم يصح فنصوص العلو كما قال ابن القيم: تزيد أفرادها على ثلاثة آلاف، ومع ذلك فله طريقان وله شواهد كثيرة من الكتاب والسنة كثيرة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله في الحديث الصحيح للجارية: (أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: رسول الله، قال: اعتقها فإنها مؤمنة)].
دل على السؤال عن الله بأين، وأين إنما يسأل بها عن المكان، ولما قالت: في السماء، أقرها على ذلك، ولهذا فإن أهل البدع يجلبون بخيلهم ورجلهم على كلمة أين، ويقولون: هذا خطأ من الجارية، والرسول ﷺ أقرها على الخطأ مراعاة لعقلها، وخاطبها على مقدار عقلها؛ لأنها لن تفطن لكلامه.
يقولون: لأن السؤال عنه بأين معناه: أنه في مكان، وإذا كان في مكان يكون محدوداً متحيزاً، وهذا كفر عند أهل البدع، ومن قال: إن الله في السماء كفروه، وإذا رفعت أصبعك إلى السماء قطعها الجهمي؛ لأنه يقول: هذا تنقص لله.
فهم يخطئون الجارية، ويقولون: إن الرسول ﷺ أقرها على جواب فاسد، وسألها سؤالاً فاسداً؛ وذلك مراعاة لعقلها، فهكذا اتهموا النبي ﷺ ! فمقصود الرسول ﷺ -كما يزعمون- بقوله: (أين الله؟) أي: من الله، فخاطبها على مقدار عقلها.
والرسول كان أفصح الناس فهل من المعقول أنه لم يستطع أن يقول: من الله؟ أو لم يفرق بين (من) المكونة من حرفين وبين (أين) المكونة من ثلاثة أحرف؟ ولكن لما أرادوا الفرار قالوا: لا يسأل عن الله بكلمة أين.
وهذا حديث ثابت في صحيح مسلم، لكن غلبة الهوى، ومتابعة أهل البدع والضلال حملهم على هذا.
هذا يخشى أن يكون كفراً، لكن قد يقال: إنهم متأولون، وقد كفر الجهمية بعض أهل العلم كما ذكر ابن القيم، والمعتزلة كفرهم أيضاً جمع من أهل العلم، ومن العلماء من قال: إنهم مبتدعة متأولون.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله في الحديث الصحيح: (أن الله لما خلق الخلق كتب فى كتاب موضوع عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبى)].
فدل على أن الله فوق العرش.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله فى حديث قبض الروح: (حتى يعرج بها إلى السماء التي فيها الله) إسناده على شرط الصحيحين.
وقول عبد الله بن رواحة ﵁، الذى أنشده للنبي ﷺ ، وأقره عليه.
شهدت بأن وعد الله حق وأن النار مثوى الكافرينا وأن العرش فوق الماء طاف وفوق العرش رب العالمينا].
فأثبت أن الله فوق العرش، وأقره النبي ﷺ على ذلك.
أورد هذه الأبيات ابن عبد البر في الاستيعاب وقال: وقصته مع زوجته حين وقع على أمته مشهورة، رويناها من وجوه صحاح، ورواه الدارمي في الرد على الجهمية وابن عساكر في تهذيب دمشق، والذهبي في السير وفي العلو، وقال: روي من وجوه مرسلة، منها: يحيى بن أيوب المصري قال: حدثنا عمارة بن غزية عن قدامة بن محمد بن إبراهيم الحطابي فذكره، فالمعروف أنه منقطع.
وقصته مع زوجته ذكرها ابن قدامة في العلو، وانظر اجتماع الجيوش الإسلامية، وشرح العقيدة الطحاوية، وروى القصة الدارقطني في سننه، مع اختلاف الأبيات، فمجمل قصته مع زوجته (أنه كان لـ عبد الله ﵁ جارية، فأبصرته زوجته يوماً وقد خلا بها، فقالت: لقد اخترت أمتك على حرتك! فأنكر ذلك، قالت: إن كنت صادقاً فاقرأ آية من القرآن، وكانت تعلم أن الجنب لا يقرأ القرآن على هذه الحالة، قال: فأسمعها البيت الأول من الأبيات الواردة في النص، وكانت لا تعرف القرآن، فظنت أن ما قرأه قرآناً، قالت: فزدني آية، فقال: وأن العرش فوق الماء طاف وفوق العرش رب العالمينا وتحمله ملائكة كرام ملائكة الإله مقربينا.
فقالت: آمنت بالله وكذبت بصري، فأخبر الرسول ﷺ بذلك، فضحك من صنيعه).
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقول أمية بن أبي الصلت الثقفي الذي أنشد للنبي ﷺ هو وغيره من شعره فاستحسنه، وقال: (آمن شعره وكفر قلبه).
مجدوا الله فهو للمجد أهل ربنا في السماء أمسى كبيراً بالبناء العالي الذي سبق الناس وسوى فوق السماء سريراً شرجعاً ما يناله بصر العين يرى دونه الملائك صوراً].
فقوله: شرجعاً أي: مرتفعاً.
ورد هذا الأثر في البداية والنهاية، والتهذيب.
والظاهر من قوله: (آمن شعره وكفر قلبه) أن أمية لم يؤمن، والحديث بهذا اللفظ رواه ابن عبد البر في التمهيد، وابن عساكر في تاريخ دمشق، والقرطبي في التفسير، والحافظ في الفتح، وسكت عنه، وابن كثير في التفسير، وفي البداية والنهاية، وقال عقبه: لا أعرفه والله أعلم.
وذكره العجلوني في كشف الخفا، وقال: قال المناوي: وسند الحديث ضعيف، والحديث له شاهد في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: (قال النبي ﷺ : أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل، وكاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم) رواه البخاري ومسلم].
فالظاهر أن أمية كاد أن يسلم لكنه ما أسلم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله في الحديث الذي في السنن: (إن الله حيي كريم، يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراً)].
وهذا الحديث رواه أبو داود، والترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب، وابن ماجة، وابن أبي شيبة، وابن حبان، والحافظ في المستدرك، وقال: هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، والبغوي في شرح السنة، وابن عدي في الكامل، والخطيب في تاريخ بغداد، وقال عنه الحافظ في الفتح: سنده جيد، وصححه الألباني.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: (يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب)، إلى أمثال ذلك مما لا يحصيه إلا الله، مما هو من أبلغ المتواترات اللفظية والمعنوية، التي تورث علماً يقينياً من أبلغ العلوم الضرورية، أن الرسول ﷺ المبلغ عن الله ألقى إلى أمته المدعوين أن الله سبحانه على العرش، وأنه فوق السماء، كما فطر الله على ذلك جميع الأمم، عربهم وعجمهم في الجاهلية والإسلام، إلا من اجتالته الشياطين].
أي أن هذه النصوص من الكتاب والسنة تفيد العلم واليقين بأن الله تعالى في السماء، كما تفيد المسلم اعتقاداً وتيقناً أن الله تعالى في العلو، إلا من اجتالتهم الشياطين عن فطرتهم وأفسدتها بسبب انحرافهم فلا عبرة بهم.
وكما ذكر ابن القيم أن النصوص كثيرة لا حصر لها، بحيث تزيد أفرادها على ثلاثة آلاف.
стр. 11
طريقة السلف في إثبات صفة العلو، وذكر شبهات المبتدعة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم عن السلف في ذلك من الأقوال ما لو جمع لبلغ مئات أو ألوفاً.
ثم ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ ، ولا عن أحد من سلف الأمة -لا من الصحابة ولا من التابعين لهم بإحسان ولا عن أئمة الدين الذين أدركوا زمن الأهواء والاختلاف- حرف واحد يخالف ذلك لا نصاً ولا ظاهراً، ولم يقل أحد منهم قط: إن الله ليس في السماء، ولا إنه ليس على العرش، ولا إنه بذاته في كل مكان، ولا إن جميع الأمكنة بالنسبة إليه سواء، ولا إنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل ولا منفصل، ولا إنه لا تجوز الإشارة الحسية إليه بالأصابع ونحوها].
وكل هذه الأقوال لأهل الكلام.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [بل قد ثبت في الصحيح عن جابر بن عبد الله ﵁ (أن النبي ﷺ لما خطب خطبته العظيمة يوم عرفات، في أعظم مجمع حضره رسول الله ﷺ ، جعل يقول: ألا هل بلغت؟ فيقولون: نعم، فيرفع أصبعه إلى السماء وينكتها إليهم، ويقول: اللهم فاشهد، غير مرة)، وأمثال ذلك كثير.
فإن كان الحق فيما يقوله هؤلاء السالبون النافون للصفات الثابتة في كتاب الله وسنة رسوله من هذه العبارات ونحوها، دون ما يفهم من الكتاب والسنة إما نصاً وإما ظاهراً، فكيف يجوز على الله ثم على رسوله ﷺ ، ثم على خير الأمة أنهم يتكلمون دائماً بما هو نص أو ظاهر في خلاف الحق؟ ثم الحق الذي يجب اعتقاده لا يبوحون به قط، ولا يدلون عليه لا نصاً ولا ظاهراً، حتى يجيء أنباط الفرس والروم، وفروخ اليهود والنصارى والفلاسفة يبينون للأمة العقيدة الصحيحة، التي يجب على كل مكلف أو كل فاضل أن يعتقدها!].
أي أنه من المستحيل وغير الممكن على الله ورسوله ثم على سلف الأمة أن يتكلموا بخلاف الحق، أو يكتمونه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [لئن كان ما يقوله هؤلاء المتكلمون المتكلفون هو الاعتقاد الواجب، وهم مع ذلك أحيلوا في معرفته على مجرد عقولهم، وأن يدفعوا بما اقتضى قياس عقولهم ما دل عليه الكتاب والسنة نصاً أو ظاهراً، لقد كان ترك الناس بلا كتاب ولا سنة أهدى لهم وأنفع على هذا التقدير، بل كان وجود الكتاب والسنة ضرراً محضاً في أصل الدين].
إن العقيدة الصحيحة عند هؤلاء الخالفين من أهل البدع: أن ظواهر النصوص كفر، فقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤]، الذي يأخذ بظاهره ويقول: إن الله استوى على العرش في الحقيقة، فقد كفر عندهم، بل يجب أن تتأول هذه النصوص، وأنها وكلت إلى العقول، وأن الواجب تأويلها على ما يليق بالله بزعمهم، فيقولون: معنى (استوى): استولى.
فالمؤلف رحمه الله تعالى يقول: إذا كان لا يعتمد على نصوص الكتاب والسنة وأقوال السلف في بيان العقيدة الصحيحة، كان ترك الناس بلا كتاب ولا سنة أحسن، فعلى كلام هؤلاء: أن نصوص الكتاب والسنة لا تزيد الناس إلا ضلال؛ لأنها تكلفهم تأويلها! قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن حقيقة الأمر على ما يقوله هؤلاء: إنكم يا معشر العباد لا تطلبوا معرفة الله ، وما يستحقه من الصفات نفياً وإثباتاً، لا من الكتاب ولا من السنة، ولا من طريق سلف الأمة، ولكن انظروا أنتم، فما وجدتموه مستحقاً له من الصفات، فصفوه به].
أي: بعقولكم وآرائكم الفاسدة.
ولكن العقول متضاربة، فعقل هذا يخالف هذا، وعقل هذا يخالف هذا، فلا يوجد عقل يعتمد عليه.
نسأل الله السلامة والعافية.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولكن انظروا أنتم فما وجدتموه مستحقاً له من الصفات فصفوه به، سواء كان موجوداً في الكتاب والسنة أو لم يكن، وما لم تجدوه مستحقاً له في عقولكم، فلا تصفوه به].
اهتموا بالأدب واللغة العربية، وبثوا فيها السموم، وأدخلوا فيها الإلحاد والحداثة، وهذه قلة في الأدب، وهذا حسن السقاف جهمي يدعو إلى طريقة الجهمية على طريقته، وهو موجود الآن في الشام، وله مؤلفات في الدعوة إلى الضلال والإلحاد، ويقول: إن الإمام أحمد مؤول، وإن من أثبت العلو فهو على مذهب فرعون! نعوذ بالله.
стр. 12
شرح الحموية لابن تيمية [٢]
قدرات عقل الإنسان محدودة فلا يمكن أن يدرك كل شيء على حقيقته، فصفات الله تعالى يجب على الإنسان أن يؤمن بها كما جاءت، فإن حكم فيها عقله فإنه سوف يضل ويقع في البدعة وربما في الكفر، وليس معنى ذلك أن يفوض معناها، بل المعنى أن يفوض كيفيتها إلى الله ولا يقحم عقله في التفكير في الكيفية، فكثير من أهل البدع كان سبب ضلالهم أنهم أعملوا عقولهم في التفكير في ذات الله وكيفية صفاته.
стр. 13
فريقان حكموا عقولهم في صفات الله
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم هم ههنا فريقان، أكثرهم يقولون: ما لم تثبته عقولكم فانفوه، -ومنهم من يقول: بل توقفوا فيه- وما نفاه قياس عقولكم الذي أنتم فيه مختلفون ومضطربون اختلافاً أكثر من جميع من على وجه الأرض فانفوه].
الشيخ: أي: أن الذين نفوا الصفات حكموا عقولهم، وقالوا: ننظر في عقولنا في قول الله : ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤] فإذا كان العقل يرى أن هذه الصفة تصلح أن تثبت لله نثبتها، وإذا كان يرى أنها لا تصلح وأن فيها تنقص من الله، وأن فيه مشابهة للمخلوق، فالواجب نفيها عن الله تعالى، ولهذا فإنهم يقولون: إن الاستواء فيه مشابهة للمخلوق، ويلزم منه أن يكون الله محدوداً متحيزاً، فلهذا نفوه بعقولهم.
إذاً: فالعقول متضاربة، فأي عقل يرجع إليه؟ ثم لماذا أنزل الله علينا الكتاب؟ وما الفائدة منه إذا كنا لا نعمل به، فنقول في قول الله ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤]: إن العقل يقول: لا يصح أن يوصف الله بالاستواء؟ قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال: ثم هم ههنا فريقان أكثرهم يقولون: ما لم تثبته عقولكم فانفوه -ومنهم من يقول: بل توقفوا فيه- وما نفاه قياس عقولكم الذي أنتم فيه مختلفون مضطربون اختلافاً أكثر من جميع من على وجه الأرض فانفوه، وإليه عند التنازع فارجعوا، فإنه الحق الذي تعبدتكم به، وما كان مذكوراً في الكتاب والسنة مما يخالف قياسكم هذا، أو يثبت ما لم تدركه عقولكم -على طريقة أكثرهم- فاعلموا أني أمتحنكم بتنزيله لا لتأخذوا الهدى منه، لكن لتجتهدوا في تخريجه على شواذ اللغة، ووحشي الألفاظ، وغرائب الكلام].
الشيخ: هذا حال أهل الكلام فأكثرهم ينفون ما تثبته عقولهم، وبعضهم يقول: إن ما نفاه العقل يجب نفيه، وبعضهم يتوقف، فيقول في (استوى): لم يستو، بل نتوقف فيه.
فإن قيل: وماذا نعمل بالنصوص؟ قالوا: نحرفها، ونخرجها على وجوه اللغة الشاذة الغربية، ونحملها على معانيها البعيدة المحتملة، ونفسرها بها.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [لكن لتجهدوا في تخريجه على شواذ اللغة، ووحشي الألفاظ وغرائب الكلام، أو أن تسكتوا عنه مفوضين علمه إلى الله، مع نفي دلالته على شيء من الصفات، هذا حقيقة الأمر على رأي هؤلاء المتكلمين].
الشيخ: أي: أن المتكلمين بين أحد أمرين: إما محرفين أو مؤلين، فبعضهم يحرف ويقول: إن استوى معناه: استولى؛ لأن الاستواء لا يليق بالله؛ لأنه يلزم منه أن يكون محدوداً متحيزاً، وأن يكون مشابهاً للمخلوق فننفيه، ونقول: إن معنى استوى: استولى.
فيجاب عليهم بأن الاستيلاء الذي فررتم إليه كذلك فيه مشابهة للمخلوق، ويلزم محذور آخر، هو أنه كان مغلوباً ثم غلب.
هذا المعنى، المعنى الثاني: السكوت عن معناه، فبعضهم ذهب إلى التفويض -وهو الإيمان باللفظ والسكوت عن المعنى وتفويض المعنى إلى الله- فيقول: لا أدري ما معنى استوى، فأفوض معناها إلى الله.
فكأن الألف والسين والتاء والواو والألف حروف أعجمية لا يفهم معناها.
ولذلك قال بعض العلماء: المفوضة شر من المعطلة، فهم إما أن ينفوا الصفات ويعطلوها ويحرفوها ويفسروها بتفسيرات باطلة، أو يفوضوا المعنى إلى الله ويكتفوا بالإيمان بالله، فهم بين هذين النقيصتين وهذين الداءين، وهذين الباطلين، إما تحريف وإما تفويض.
وهذا هو الذي يذكره النووي في شرح صحيح مسلم وغيره، حيث يقول: للعلماء في صفات الله طريقان: طريقة السلف وهي الإيمان باللفظ، وتفويض المعنى، والطريقة الثانية: طريقة الخلف، وهي التأويل.
ولا يذكرون منهج السلف الصالح وهو إثبات الألفاظ والمعاني وتفويض الكيفية إلى الله.
والتفويض: هو الإيمان باللفظ والسكوت عن المعنى، مع الجزم بأن الصفات منفية عن الله وأهل التفويض يقولون: نؤمن باللفظ، ولكن المعنى لا نجده بل نفوضه إلى الله، مع الجزم بأن الصفات منفية غير مرادة، وغير ثابتة، لما فيها من التنقص من الله بزعمهم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذا الكلام قد رأيته صرح بمعناه طائفة منهم، وهو لازم لجماعتهم لزوماً لا محيد عنه ومضمونه: أن كتاب الله لا يهتدى به في معرفة الله، وأن الرسول ﷺ معزول عن التعليم والإخبار بصفات من أرسله، وأن الناس عند التنازع لا يردون ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، بل إلى مثلما كانوا عليه في الجاهيلة وإلى مثلما يتحاكموا إليه من لا يؤمن بالأنبياء، كالبراهمة والفلاسفة وهم المشركون والمجوس وبعض الصابئين.
وإن كان هذا الرد لا يزيد الأمر إلا شدة ولا يرتفع الخلاف به، إذ لكل فريق طواغيت، يريدون إن يتحاكموا إليهم، وقد أمروا أن يكفروا بهم.
وما أشبه حال هؤلاء المتكلمين بقوله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا * فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء:٦٠ - ٦٢].
فإن هؤلاء إذا دعوا إلى ما أنزل الله من الكتاب وإلى الرسول -والدعاء إليه بعد وفاته هو الدعاء إلى سنته- أعرضوا عن ذلك وهم يقولون: إنا قصدنا الإحسان علماً وعملاً بهذه الطريق التي سلكناها، والتوفيق بين الدلائل العقيلة والنقلية.
ثم عامة هذه الشبهات التي يسمونها دلائل إنما تقلدوا أكثرها عن طواغيت من طواغيت المشركين أو الصابئين، أو بعض ورثتهم الذين أمروا أن يكفروا بهم، مثل فلان وفلان، أو عمن قال كقولهم لتشابه قلوبهم، قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢١٣].
ولازم هذه المقالة: ألا يكون الكتاب هدى للناس ولا بياناً ولا شفاء لما في الصدور ولا نوراً، ولا مرداً عند التنازع؛ لأنا نعلم بالاضطرار أن ما يقوله هؤلاء المتكلفون: أنه الحق الذي يجب اعتقاده، لم يدل عليه الكتاب والسنة لا نصاً ولا ظاهراً، وإنما غاية المتحذلق أن يستنتج هذا من قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤]، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥].
وبالاضطرار يعلم كل عاقل، أن من دل الخلق على أن الله ليس على العرش ولا فوق السموات ونحو ذلك بقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]، قد أبعد النجعة، وهو إما ملغز أو مدلس، لم يخاطبهم بلسان عربي مبين].
الشيخ: استدلالهم بقول الله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤]، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥] فإنهم يريدون به أن الله ليس فوق العرش؛ لأنه لو صار فوق العرش لصار مشابهاً لأحد من الناس، وصار شيئاً على محسوس، ومشابهاً للمخلوق الذي يكون محدوداً على محدود، فيزعمون أن الله إما أن يكون في كل مكان، أو يكون لا داخل العالم ولا خارجه نعوذ بالله.
ولا شك أن الاستدلال بمثل هذا من أبطل الباطل.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولازم هذه المقالة أن يكون ترك الناس بلا رسالة خيراً لهم في أصل دينهم؛ لأن مردهم قبل الرسالة وبعدها واحد، وإنما الرسالة زادتهم عمى وضلالة.
يا سبحان الله! كيف لم يقل الرسول ﷺ -يوماً من الدهر- ولا أحد من سلف الأمة: هذه الآيات والأحاديث لا تعتقدوا ما دلت عليه، ولكن اعتقدوا الذي تقتضيه مقاييسكم، أو اعتقدوا كذا وكذا فإنه الحق، وما خالف ظاهره فلا تعتقدوا ظاهره، أو انظروا فيها فما وافق قياس عقولكم فاعتقدوه، وما لا فتوقفوا فيه أو انفوه.
стр. 14
نشأة الفرق وصفات الفرقة الناجية
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم الرسول ﷺ قد أخبر أن أمته ستفترق ثلاثاً وسبعين فرقة، فقد علم ما سيكون، ثم قال: (إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله)، وروي عنه ﷺ أنه قال في صفة الفرقة الناجية: (هو من كان على مثلما أنا عليه اليوم وأصحابي)، فهلا قال: من تمسك بظاهر القرآن في باب الاعتقاد، فهو ضال، وإنما الهدى رجوعكم إلى مقاييس عقولكم].
الشيخ: وفي نسخة: فهلا قال: من تمسك بالقرآن، أو بدلالة القرآن، أو بمفهوم القرآن، أو بظاهر القرآن.
أي: إن الرسول ﷺ لم يقل: من تمسك بالقرآن فهو ضال، وإنما قال في وصف الفرقة الناجية: (من كان على مثلما أنا عليه وأصحابي).
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فهلا قال: من تمسك بظاهر القرآن في باب الاعتقاد، فهو ضال، وإنما الهدى رجوعكم إلى مقاييس عقولكم، وما يحدثه المتكلمون منكم بعد القرون الثلاثة، وإن كان قد نبغ أصلها في أواخر عصر التابعين.
ثم أصل هذه المقالة -مقالة التعطيل للصفات- إنما هو مأخوذ عن تلامذة اليهود والمشركين، وضلال الصابئين].
стр. 15
أول من تكلم في نفي الصفات
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن أول من حفظ عنه أنه قال هذه المقالة في الإسلام: هو الجعد بن درهم، وأخذها عنه الجهم بن صفوان، وأظهرها فنسبت مقالة الجهمية إليه].
الشيخ: إذاً: فالذي ابتدع عقيدة نفي الصفات: المخترع والمبتدع الجعد بن درهم، والذي نشرها وأظهرها وتوسع فيها: الجهم، فنسبت إليه ولم تنسب إلى الجعد فالأصل أن يقال: الجعدية نسبة للجعد لا الجهمية؛ لأن الجعد هو أول من اخترعها.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد قيل إن الجعد أخذ مقالته عن أبان بن سمعان، وأخذها أبان عن طالوت ابن أخت لبيد بن الأعصم، وأخذها طالوت من لبيد بن الأعصم اليهودي الساحر الذي سحر النبي ﷺ ، وكان الجعد هذا فيما قيل من أهل حران، وكان فيهم خلق كثير من الصابئة والفلاسفة، بقايا أهل دين النمرود، والكنعانيين الذين صنف بعض المتأخرين في سحرهم، والنمرود هو ملك الصابئة الكنعانيين المشركين، كما أن كسرى ملك الفرس والمجوس، وفرعون ملك القبط الكفار، والنجاشي ملك الحبشة النصارى، فهو اسم جنس لا اسم علم].
الشيخ: فيكون الجعد أخذ أصل مقالته عن اليهود والنصارى والوثنين والصابئة عباد الكواكب، فسندها اتصل إليهم.
وقوله: فهو اسم جنس، أي: أن النجاشي والنمرود وكسرى أسماء أجناس وليست علماً على أشخاص، ففرعون جنس لمن ملك مصر، ومن ملك اليمن يقال له تبع، ومن ملك الحبشة يقال له: النجاشي، ومن ملك الروم يقال له: قيصر، من ملك الفرس يقال له: كسرى.
стр. 16
الصابئة وعلماؤهم ومن أخذ من مذهبهم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فكانت الصابئة إلا قليلاً منهم إذ ذاك على الشرك، وعلماؤهم: الفلاسفة، وإن كان الصابئي قد لا يكون مشركاً، بل مؤمناً بالله واليوم الآخر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:٦٢]، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [المائدة:٦٩]، لكن كثيراً منهم أو أكثرهم كانوا كفاراً أو مشركين، كما أن كثير من اليهود والنصارى بدلوا وحرفوا وصاروا كفاراً أو مشركين، فأولئك الصابئون الذين كانوا إذ ذاك كانوا كفاراً مشركين، وكانوا يعبدون الكواكب، ويبنون لها الهياكل، ومذهب النفاة من هؤلاء في الرب: أنه ليس له إلا صفات سلبية أو إضافية أو مركبة منها، وهم الذين بعث إبراهيم الخليل إليهم].
الشيخ: وهذا هو هذا مذهب الصابئة، وهو أنهم يصفون الله بصفات سلبية أو إضافية أو مركبة، والصفات السلبية بالنفي، ليس بجوهر كقولهم: ولا جسم ولا عرض ولا كذا، وليس له كذا، والإضافية هي الأمور المضافة إلى بعضها والتي لا يعقل معناها إلا مع غيرها، كقولهم في الله: هو مبدأ لهذه الكثرة، وعلة لحركة الفلك، هذه أمور متضايفه لا تثبت وجود الله إلا من جهة كونه محرك لهذا الفلك، بالإضافة إلى الفلك، أو لهذه الكثرة، والمركبة من النفي ومن الإضافة، وهذا هو مذهب الفلاسفة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فيكون الجعد أخذها عن الصابئة الفلاسفة].
الشيخ: يصلح أن نقول الصابئة هم فلاسفة، لكن الفلاسفة هم علماء الصابئة، والصابئة عامتهم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك أبو نصر الفارابي دخل حران، وأخذ عن فلاسفة الصابئين تمام فلسفته، وأخذها الجهم أيضاً].
الشيخ: المعلم الأول هو أرسطو، وهو أول من شاع القول بقدم العالم من الفلاسفة المشائين، ثم جاء المعلم الثاني: أبو نصر الفارابي من رؤساء اليونان، ثم المعلم الثالث: أبو علي بن سيناء، والثلاثة كلهم ملاحدة، وابن سيناء هو الذي حاول أن يقرب الفلسفة من الإسلام، وهو في محاولته الشديدة لم يصل إلى ما وصلت إليه الجهمية الغالية في التجهم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك أبو نصر الفارابي دخل حران وأخذ عن فلاسفة الصابئين تمام فلسفته، وأخذها الجهم أيضاً فيما ذكره الإمام أحمد وغيره، لما ناظر السمنة بعض فلاسفة الهند، وهم الذين يجحدون من العلوم ما سوى الحسيات].
الشيخ: السمنة: طائفة من فلاسفة الهند لا يؤمنون إلا بالحسيات، ناظروا الجهم وقالوا له: إلهك هذا الذي تعبد، هل رأيته، قال: لا، قالوا: هل سمعته بإذنك، قال: لا، قالوا: هل شممته بأنفك؟ قال: لا، قالوا: هل ذقته بلسانك؟ قال: لا، قالوا: هل جسسته بيدك؟ قالوا: لا، قال: إذاً هو معدوم، فشك في ربه، وترك الصلاة أربعين يوماً، ثم نقش الشيطان في ذهنه، إثبات وجود في الذهن، فأثبت وجوداً لربه، ونفى عنه جميع الأسماء والصفات.
وأما القول بقدم العالم فهو كفر، ومعناه: أنه ليس له موجب، وهو إنكار لوجود الله، ومضمونه أن هذا العالم ليس له خالق، وليس بمخلوق.
وهذا هو الذي قاله أرسطو، وهو أول من قال بقدم العالم، وكان الفلاسفة قبله لا يقولون بذلك، بل يعظمون الشرائع، ويؤمنون بحدوث العالم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فهذه أسانيد الجهم، ترجع إلى اليهود والصابئين والمشركين، والفلاسفة الضالين، إما من الصابئين وإما من المشركين].
الشيخ: أي: إن الفلاسفة الضالين إما أن يكونوا من الصائبين، وإما أن يكونوا من المشركين.
стр. 17
الجهمية وبشر المريسي
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم لما عربت الكتب الرومية واليونانية في حدود المائة الثانية زاد البلاء مع ما ألقى الشيطان في قلوب الضلال ابتداء من جنس ما ألقاه في قلوب أشباههم، ولما كان في حدود المائة الثالثة انتشرت هذه المقالة التي كان السلف يسمونها: مقالة الجهمية؛ بسبب بشر بن غياث المريسي وطبقته].
الشيخ: فـ بشر المريسي تنسب إليه الطائفة المريسية، والطائفة المريسية هم جهمية، واشتهر المريسي بإظهار مقالة الجهمية، ونسبت إليه المريسية.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكلام الأئمة مثل مالك وسفيان بن عيينة وابن المبارك وأبي يوسف والشافعي وأحمد وإسحاق والفضيل بن عياض وبشر الحافي وغيرهم كثير في ذمهم وتضليلهم].
الشيخ: ولهم مؤلفات في الرد عليهم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذه التأويلات الموجودة اليوم.
بأيدي الناس -مثل أكثر التأويلات التي ذكرها أبو بكر بن فورك في كتاب التأويلات، وذكرها أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي في كتابه الذي سماه تأسيس التقديس، ويوجد كثير منها في كلام خلق غير هؤلاء، مثل أبي علي الجبائي وعبد الجبار بن أحمد الهمداني وأبي حسين البصري وأبي الوفاء بن عقيل وأبي حامد الغزالي وغيرهم- هي بعينها تأويلات بشر المريسي التي ذكرها في كتابه، وإن كان قد يوجد في كلام بعض هؤلاء رد التأويل وإبطاله أيضاً، ولهم كلام حسن في أشياء، فإنما بينت أن عين تأويلاتهم هي عين تأويلات بشر المريسي].
الشيخ: قوله: وعبد الجبار بن أحمد الهمذاني: نسبة إلى قبيلة همدان، وهو عبد الجبار بن أحمد بن الخليل أبو الحسن الهمداني المشهور بالقاضي عبد الجبار من أئمة المعتزلة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإنما بينت أن عين تأويلاتهم هي عين تأويلات المريسي، ويدل على ذلك كتاب الرد الذي صنفه عثمان بن سعيد الدارمي، أحد الأئمة المشاهير في زمان البخاري، صنف كتاباً سماه: رد عثمان بن سعيد على الكاذب العنيد فيما افتراه على الله في التوحيد، حكى فيه هذه التأويلات بأعيانها عن بشر المريسي بكلام يقتضي أن المريسي أقعد بها، وأعلم بالمنقول والمعقول من هؤلاء المتأخرين، الذين اتصلت إليهم من جهته وجهة غيره.
ثم رد ذلك عثمان بن سعيد بكلام إذا طالعه العاقل الذكي علم حقيقة ما كان عليه السلف، وتبين له ظهور الحجة في طريقهم، وضعف حجة من خالفهم.
ثم إذا رأى الأئمة -أئمة الهدى- قد أجمعوا على ذم المريسية، وأكثرهم كفروهم أو ضللوهم].
الشيخ: والمريسية جهمية، على مذهب الجهم، لكنهم نسبوا إلى المريسي؛ لأنه تزعم هذه الطائفة فنسبوا إليه وهم جهمية.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعلم أن هذا القول الساري في هؤلاء المتأخرين هو مذهب المريسية، تبين الهدى لمن يريد الله هدايته ولا حول ولا قوة إلا بالله، والفتوى لا تحتمل البسط في هذا الباب، وإنما نشير إشارة إلى مبادئ الأمور، والعاقل يسير فينظر].
الشيخ: وعلى هذا ذهب أكثر العلماء إلى تكفيرهم، ومنهم من بدعهم، ومن العلماء من كفر رؤساءهم وبدع عامتهم.
جاءوا في القرون المتأخرة على مذهب المريسية في القرن الثالث كلهم أنكر أسماء الله وصفاته، فكفرهم العلماء.
لكن المعين منهم لابد أن تقوم عليه الحجة.
وقوله: والفتوى لا تحتمل البسط، أي: الفتوى الحموية.
стр. 18
الكتب التي ألفت في مناظرة الجهمية والرد عليهم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكلام السلف في هذا الباب موجود في كتب كثيرة، لا يمكن أن نذكر هنا إلا قليلاً منه، مثل كتاب السنن لللالكائي، والإبانة لـ ابن بطة، والسنة لـ أبي ذر الهروي، والأصول لـ أبي عمر الطلمنكي، وكلام أبي عمر بن عبد البر، والأسماء والصفات للبيهقي، وقبل ذلك السنة للطبراني، ولـ أبي الشيخ الأصبهاني، ولـ أبي عبد الله بن مندة، ولـ أبي أحمد العسال الأصبهاني].
الشيخ: لكل واحد من هؤلاء كتاب يسمى: السنة، أي: كتاب السنة لفلان، وكتاب السنة لفلان.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقبل ذلك السنة للخلال والتوحيد لـ ابن خزيمة، وكلام أبي العباس بن شريج، والرد على الجهمية للجماعة، وقبل ذلك السنة لـ عبد الله بن أحمد، والسنة لـ أبي بكر بن الأثرم، والسنة لـ حنبل وللمروزي ولـ أبي داود السجستاني، ولـ ابن أبي شيبة، والسنة لـ أبي بكر بن أبي عاصم، وكتاب خلق أفعال العباد لـ أبي عبد الله البخاري، وكتاب الرد على الجهمية لـ عثمان بن سعيد الدارمي وغيرهم، وكلام أبي العباس عبد العزيز المكي، صاحب الحيدة في الرد على الجهمية، وكلام نعيم بن حماد الخزاعي، وكلام غيرهم].
الشيخ: المؤلف ﵀ يرى أن كتاب الحيدة في الرد على الجهمية لـ عبد العزيز المكي ثابت؛ لأن بعض الناس تشكك في نسبة كتاب الحيدة لـ عبد العزيز بن المكي.
وهذا يدل على أن كثيراً من العلماء ألفوا في الرد على هؤلاء البدع، وقد سرد المؤلف ﵀ كتباً كثيرة منها.
والأئمة كلهم ردوا على الجهمية والمعطلة، فدل هذا على أن السلف أجمعوا على بطلان مذهبهم، وأنهم على الباطل.
أما نسبة كتاب الحيدة إلى المؤلف عبد العزيز المكي فليس موضع اتفاق، فـ الذهبي يشكك في نسبة الكتاب إليه ويقول: لم يصح إسناد كتاب الحيدة إليه، فكأنه وضع عليه والله أعلم.
ويوافقه على ذلك السبكي، بينما نجد الخطيب البغدادي وكذا ابن حجر نسبا الكتاب إليه، وجزما بذلك، وأيضاً: ابن العماد الحنبلي، كما أن الإمام ابن بطة ساق المناظرة بإسناده في كتابه الإبانة في الرد على الجهمية.
وقد نقل الشيخ من هذا الكتاب كثيراً ونسبه إلى مؤلفه.
ولكن شيخ الإسلام، يرى صحة نسبته إليه، وهو حجة في هذا وإمام متقدم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكلام الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ويحيى بن يحيى النيسابوري وأمثالهم، وقبل هؤلاء عبد الله بن المبارك وأمثاله، وأشياء كثيرة، وعندنا من الدلائل السمعية والعقلية ما لا يتسع هذا الموضع لذكره، وأنا أعلم أن المتكلمين النفاة لهم شبهات موجودة، لكن لا يمكن ذكرها في فتوى، فمن نظر فيها وأراد إبانة ما ذكروه من الشبه، فإنه يسير.
وإذا كان أصل هذه المقالة -مقالة التعطيل والتأويل- مأخوذاً عن تلامذة المشركين والصابئين واليهود فكيف تطيب نفس مؤمن، بل نفس عاقل أن يأخذ سبل هؤلاء المغضوب عليهم والضالين، وأن يدع سبيل الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين].
стр. 19
شرح الحموية لابن تيمية [٣]
يعتقد أهل السنة والجماعة أنه يجب الإيمان بصفات الله التي وصف بها نفسه ووصفه بها رسوله ﷺ من غير تأويل ولا تشبيه ولا تعطيل، وسبب ضلال بعض الفرق في باب الصفات هو قياسهم ما يكون للخلق على ما يكون للخالق، فأهل التأويل والتعطيل نفوا عن الله صفة الضحك أو اليد أو الوجه مثلاً؛ لاعتقادهم أنهم إن أثبتوا ذلك له فقد شبهوه بالمخلوق، والحق أن هذه الصفات ثابتة لله كما يليق بجلاله وكماله لا كما هي في المخلوقين.
стр. 20
القاعدة الصحيحة في باب الأسماء والصفات
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فصل: ثم القول الشامل في جميع هذا الباب: أن يوصف الله بما وصف به نفسه، أو بما وصفه به رسوله ﷺ ، وبما وصفه به السابقون الأولون، لا يتجاوز القرآن والحديث].
الشيخ: هذه هي القاعدة الأصل في باب الأسماء والصفات، وهي أن يوصف الله بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ ، وينفى عنه ما نفاه عن نفسه، ونفاه عنه رسوله ﷺ .
فكل ما لم يذكر في كتاب الله أو في سنة رسوله من الأسماء والصفات لا يجوز إثباتها لله.
وقد سار السلف الصالح على هذا المنهج، وعلى هذه القاعدة في الأسماء والصفات، وهي أنه لا يثبت لله إلا ما أثبته لنفسه، أو أثبته له رسوله، وينفى عنه ما نفاه عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله.
وأما الأشياء والألفاظ التي لم ترد في في الكتاب أو السنة لا نفياً ولا إثباتاً فيتوقف عندها، كالجسم والحيز والعرض والجهة، وما أشبه ذلك، فإن هذه لا تثبت ولا تنفى، ومن أطلقها نفياً أو إثباتاً فيستفصل ويسأل فإذا أراد معنى حق قبل، ويرد اللفظ، فإذا أطلق أن الله جسم، نقول: ما هو المراد بالجسم؟ فإن قال: إن المراد به حسن الصفات، قلنا: هذا حق، لكن لا تقل: إنه جسم، فإنه لم يرد في الكتاب والسنة، وإذا قال: ليس بجسم، قلنا: ما مرادك؟ فإن قال: مرادي أنه منزه عن النقائص والعيوب، قلنا: هذا حق، لكن لا تقل ليس بجسم.
وإذا قال: مرادي أنه ليس بجسم، وليس له صفات، قلنا: هذا باطل، اللفظ باطل والمعنى باطل وهكذا.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال الإمام أحمد ﵁: لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو بما وصفه به رسوله ﷺ ، لا يتجاوز القرآن والحديث.
ومذهب السلف أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ ، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل].
الشيخ: أي: لا يحرفون اللفظ ولا المعنى، ولا يعطلون الصفات أو ينفونها، ولا يكيفون بأن يقولوا: إن الله تعالى على كيفية كذا، ولا يمثلونه بشيء من مخلوقاته، كما قال الله سبحانه عن نفسه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ونعلم أنما وصف الله به من ذلك فهو حق، ليس فيه لغز ولا أحاجي، بل معناه يعرف من حيث يعرف مقصود المتكلم بكلامه، لاسيما إذا كان المتكلم أعلم الخلق بما يقول، وأفصح الخلق في بيان العلم، وأنصح الخلق في البيان والتعريف والدلالة والإرشاد].
الشيخ: وهذا هو الرسول ﵊، فهو أفصح الناس، وأما المبتدعة الذين يقولون: إن الرسول أراد معنى آخر، فهؤلاء يؤولون كلام رسول الله ﷺ ويحملونه على غير وجهه، فيقولون: إن الرسول أراد معنى آخر، فأراد من الناس أن يفهموا قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤] بمعنى آخر، والجواب عليهم بأن الرسول هو أفصح الخلق، فلو أراد المعنى الآخر لبين أن معنى استوى: استولى، أما قولكم أن الرسول أراد من الناس أن يتفهموا ويتأملوا ويخترعوا معاني أخرى، وأنه وكلهم إلى عقولهم فهو من أبطل الباطل، وكذلك من قال: أنا لا أعرف المعنى وإنما أفوض المعنى إلى الله، فقوله باطل أيضاً؛ لأن الله قال: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧]، ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء:٨٢]، ولم يقل: إلا آيات الصفات لا تتدبروها، فالمعاني معروفة، والألفاظ معروفة، وإنما الكيفية هي التي تفوض إلى الله تعالى.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهو سبحانه مع ذلك ليس كمثله شيء لا في نفسه المقدسة المذكورة بأسمائه وصفاته، ولا في أفعاله، فكما يتيقن أن الله سبحانه له ذات حقيقة، وله أفعال حقيقة: فكذلك له صفات حقيقة، وهو ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، وكل ما أوجب نقصاً أو حدوثاً فإن الله منزه عنه حقيقة، فإنه سبحانه مستحق للكمال الذي لا غاية فوقه، ويمتنع عليه الحدوث لامتناع العدم عليه، واستلزام الحدوث سابقة العدم؛ ولافتقار المحدث إلى محدث، ولوجوب وجوده بنفسه .
ومذهب السلف بين التعطيل وبين التمثيل، فلا يمثلون صفات الله بصفات خلقه، كما لا يمثلون ذاته بذات خلقه، ولا ينفون عنه ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ ، فيعطلون أسماءه الحسنى وصفاته العلى ويحرفون الكلم عن مواضعه، ويلحدون في أسماء الله وآياته.
وكل واحد من فريقي التعطيل والتمثيل فهو جامع بين التعطيل والتمثيل، أما المعطلون فإنهم لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات، فقد جمعوا بين والتمثيل والتعطيل، فمثلوا أولاً وعطلوا آخراً، وهذا تشبيه وتمثيل منهم للمفهوم من أسمائه وصفاته بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاتهم، وتعطيل لما يستحقه هو سبحانه من الأسماء والصفات اللائقة بالله .
فإنه إذا قال القائل: لو كان الله فوق العرش للزم إما أن يكون أكبر من العرش أو أصغر أو مساوياً، وكل ذلك محال ونحو ذلك من الكلام، فإنه لم يفهم من كون الله على العرش إلا ما يثبت لأي جسم كان على أي جسم كان، وهذا اللازم تابع لهذا المفهوم.
أما استواء يليق بجلال الله ويختص به فلا يلزمه شيء من اللوازم الباطلة التي يجب نفيها، وصار هذا مثل قول الممثل: إذا كان للعالم صانع، فإما أن يكون جوهراً أو عرضاً، وكلاهما محال؛ إذ لا يعقل موجود إلا هذان، أو قوله: إذا كان مستوياً على العرش وهو مماثل لاستواء الإنسان على السرير أو الفلك؛ إذ لا يعلم الاستواء إلا هكذا فإن كليهما مثل وكليهما عطل حقيقة ما وصف الله به نفسه، وامتاز الأول بتعطيل كل مسمى للاستواء الحقيقي، وامتاز الثاني بإثبات استواء هو من خصائص المخلوقين.
والقول الفاصل: هو ما عليه الأمة الوسط من أن الله مستو على عرشه استواء يليق بجلاله، ويختص به، فكما أنه موصوف بأنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه سميع بصير ونحو ذلك، ولا يجوز أن يثبت للعلم والقدرة خصائص الأعراض التي كعلم المخلوقين وقدرتهم، فكذلك هو سبحانه فوق العرش، ولا يثبت لفوقيته خصائص فوقية المخلوق على المخلوق وملزوماتها.
واعلم أنه ليس في العقل الصريح ولا النقل الصحيح ما يوجب مخالفة الطريق السلفية أصلاً لكن هذا الموضع لا يتسع للجواب عن الشبهات الواردة على الحق، فمن كان في قلبه شبهة وأحب حلها فذلك سهل يسير، ثم المخالفون للكتاب والسنة وسلف الأمة من المتأولين لهذا الباب في أمر مريج].
الشيخ: قوله: في أمر مريج، أي: في أمر مختلط، أما طريقة السلف فهي واضحة بينة لا إشكال فيها ولا غموض وهي: إثبات الأسماء والصفات لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته، وأهل البدع في ذلك في أمر مريج مختلط فهم متناقضون، غير متفقين على شيء.
стр. 21
الاعتماد على العقل سبب من أسباب الضلال في باب صفات الله
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن من ينكر الرؤية يزعم أن العقل يحيلها وأنه مضطر فيها إلى التأويل، ومن يحيل أن لله علماً وقدرة وأن يكون كلامه غير مخلوق ونحو ذلك يقول: إن العقل أحال ذلك فاضطر إلى التأويل].
الشيخ: أي: أن كل طائفة تدعي أن عقلها اضطرها إلى التأويل، فالذي ينكر رؤية الله يوم القيامة يقول: العقل يحيل أن يرى الله يوم القيامة؛ لأن الرؤية لا تكون إلا لجسم متحيز، والله ليس جسماً ولا متحيزاً، فإذا كان كذلك فيستحيل أن يرى، فنفوا الرؤية.
والذين يقولون: ليس لله علم ولا قدرة ولا سمع ولا بصر، قالوا: يستحيل أن نصف الله بهذه الصفات؛ لأن هذا فيه تشبيه بالمخلوقات، فكل طائفة تدعي أن عقلها أحال ذلك، وهم في أمر مختلط، لا يضبطهم ضابط؛ لأنهم رجعوا إلى العقول والعقول متباينة متضادة متضاربة.
على أن الله لم يحلهم إلى العقول، وإنما أنزل كتابه، ثم أنزل على نبيه الوحي الثاني وهي السنة؛ ليرجع الناس إلى الكتاب والسنة ويعملوا بهما؛ لئلا يرجعوا إلى عقولهم، وزبالة أذهانهم، وحاسة أفكارهم الغير منضبطة فينحرفوا عن الجادة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [بل من ينكر حقيقة حشر الأجساد والأكل والشرب الحقيقي في الجنة: يزعم أن العقل أحال ذلك وأنه مضطر إلى التأويل].
الشيخ: حتى الكفرة ممن ينكر البعث وحشر الأجساد، يقولون: العقل يحيل هذا، ومن هؤلاء الكفرة ابن سينا وغيره، فقد أنكر أن الأجساد تعاد، بل قال: كيف تعاد الأجساد بعد أن بليت وصارت تراباً، وزعم أن ذلك مستحيل، وقال: إنما الذي يعاد الروح، ومثل هذا الباب إذا فتح ضاع الدين.
وكذلك الذين ينفون الفوقية والعلو يقولون: يستحيل أن يكون الله فوق العرش؛ لأنه إذا صار فوق العرش، صار متحيزاً ومحدوداً وجسماً، وهذا تنقص، والله أعلى من أن يكون جسماً، وأن يكون محدوداً، فإذاً يستحيل أن يكون فوق العرش.
ولو سئلوا: أين يكون؟ أجابوا فقال: بعضهم: يكون في كل مكان.
وقال آخرون: ننفي النقيضين فنقول: لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته، ولا مباين له ولا محايد له، ولا متصل به ولا منفصل عنه.
وليت شعري ما يكون بزعمكم وإن لم يكن العدم، وهذا أعظم من سابقيه، وهؤلاء قوم قد استحوذ عليهم الشيطان، وأوصلهم إلى هذه الحالة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويكفيك دليلاً على فساد قول هؤلاء: أن ليس لواحد منهم قاعدة مستمرة فيما يحيله العقل, بل منهم من يزعم أن العقل جوز أو أوجب ما يدعي الآخر أن العقل أحاله].
الشيخ: يريد أصحاب العقول المتضاربة، فهذا يدعي أن العقل يجيز هذا، والآخر يدعي أن العقل يمنع هذا، وهو شيء واحد، بعضهم يدعي أن العقل أجازه وبعضهم يدعي أن العقل منعه، فالآراء متضاربة، هم يقولون: إن الله أحالنا إلى العقول، فأي عقل نرجع إليه؟! إن رجعنا إلى عقول المشبهة قالوا: إن الله له صفات مثل صفات المخلوقين، وإن رجعنا إلى عقول المعطلة، قالوا: إن الله ليس له صفات، فإلى أي عقل نرجع؟ كفاهم وصفاً فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ مضطرب متضارب، فبعضهم يزعم أن العقل يوجب إثبات الصفات مثل صفات المخلوقين، وبعضهم يقول: إن العقل يحيل أن تثبت صفات الله.
стр. 22
الرد على من احتج بالعقل في نفي الصفات
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فيا ليت شعري بأي عقل يوزن الكتاب والسنة؟! فرضي الله عن الإمام مالك بن أنس حيث قال: أوكلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل إلى محمد ﷺ لجدل هؤلاء، وكل من هؤلاء مخصوم بما خصم به الآخر، وهو من وجوه: أحدها: بيان أن العقل لا يحيل ذلك.
الثاني: أن النصوص الواردة لا تحتمل التأويل.
قوله: أجدل يعني: أشد جدلاً، وأكثر جدلاً، والمعنى: كل ما جاءنا رجل جدلي نترك الكتاب والسنة لجدله، ويأتي واحد آخر أجدل منه أشد جدل وهكذا].
الشيخ: أما دعوى أن العقل يحيل ذلك فنحن نبين أن العقل لا يحيل ذلك، إذ أي إحالة في كون الله فوق العرش؟ بل العقل يوجب هذا، فالله تعالى فوق مخلوقاته ، فإنه بعد أن تنتهي المخلوقات التي سقفها عرش الرحمن، فالله فوق العرش، مطلع على عباده محيط بهم، تنفذ فيهم قدرته ومشيئته، يعلم أحوالهم ويراهم، وهو مع كل إنسان بعلمه وإحاطته واطلاعه، وهو مع المؤمنين بنصره وعونه وتأييده، وهو فوق العرش .
فأي إحالة في هذا؟! قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الثالث: أن عامة هذه الأمور قد علم أن الرسول ﷺ جاء بها بالاضطرار، كما علم أنه جاء بالصلوات الخمس وصوم شهر رمضان، فالتأويل الذي يحيلها عن هذا، بمنزلة تأويلات القرامطة والباطنية في الحج والصوم، وسائر ما جاءت به النبوات].
الشيخ: أي: لو فتح باب التأويل، فإن القرامطة والباطنية سيتسلطون على الجهمية والمعتزلة، فالجهمية والمعتزلة قالوا: ننفي صفات الله: العلم والسمع والبصر، ولا نقول: إنه يسمى بهذه الأسماء، فإذا قيل لهم: لماذا تنفوها؟ قالوا: لأن هذا يحيله العقل، فإذا سئلوا ما المراد؟ قالوا: المراد المعاني المجازية، فمعنى استوى: استولى، فإذا قالوا ذلك تسلط عليهم القرامطة والباطنية، فقالوا: ليس هناك صلاة ولا صوم ولا زكاة ولا حج ولا بعث، وقالوا: الصلاة معناه أسماء خمسة: علي وفاطمة وحسن وحسين ومحمد، فهذه الصلوات الخمس.
والصوم: كتمان سر المشايخ، والحج: السفر إلى الشيوخ، ويزعمون أن لا بعث للأجساد، وإنما بعث للأرواح، فقال لهم الجهمية والمعتزلة: لماذا تنكرون ذلك، فإن هذا كفر: لأنكم بدلتم الدين، وأولتم نصوصاً صريحة لا يمكن أن تؤول، فاحتجوا عليهم وقالوا: أنتم أولتم الاستواء والعلم والرحمة فما الفرق بين هذا وهذا؟ وإذا كان هذا التأويل يجوز لكم فمن الذي يمنع التأويل هنا؟ وبذلك تسلطوا عليهم، وفتحوا باب الشر لهم، أي: أن المعتزلة والجهمية فتحوا باباً للقرامطة والباطنية، فأولوا الصلاة والزكاة والصوم والحج والبعث والجنة النار، وقالوا: كل هذه ليست على ظاهرها.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الرابع: أن يبين أن العقل الصريح يوافق ما جاءت به النصوص؛ وإن كان في النصوص من التفصيل ما يعجز العقل عن درك تفصيلة وإنما عقله مجملاً إلى غير ذلك من الوجوه].
الشيخ: وذلك؛ لأن العقل الصحيح يوافق النقل الصريح، والشريعة ما جاءت بشيء ينافي العقول الصحيحة، وإن جاءت بما تتحير فيه العقول، ولا تدركه على استقلاله، فالشريعة لم تأت بشيء تحيله العقول، وإنما جاءت بشيء تتحير فيه العقول.
وهذا هو معنى قول العلماء: الشريعة جاءت بمحارات العقول لا بمحالاتها، فالعقل الصريح يوافق النقل الصريح، ولهذا ألف شيخ الإسلام ﵀ كتاباً سماه: موافقة النقل الصحيح للعقل الصريح، وهو كتاب عظيم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [على أن الأساطين من هؤلاء والفحول معترفون بأن العقل لا سبيل له إلى اليقين في عامة المطالب الإلهية].
الشيخ: إذ الأساطين والفحول والعقلاء من الفلاسفة القدامى وغيرهم معترفون بأن العقل لا يمكن أن يدرك تفاصيل ما جاءت به الشريعة، وكلهم يعظم الشرائع والإلهيات، ويقولون: إن الرسل جاءت بالآلاهيات، ونحن اختصاصنا بالرياضيات والطبيعيات، فلا نتدخل في ما هو من شأنهم، وهم في الجملة يسلمون للرسل الإلهيات، حتى جاء الفلاسفة المشائيون، ورئيسهم أرسطو ثم الفارابي ثم أبو علي بن سيناء فابتدعوا القول بقدم العالم، وقالوا: إن العالم قديم، وهذا معناه إنكاراً لوجود الله نعوذ بالله.
وقطعاً العقل لا يصل إلى اليقين، وإنما هذا من خواص الوحي، ومما جاء به الوحي.
стр. 23
بيان كمال علم النبي ﷺ وفصاحته ونصحه
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإذا كان هكذا فالواجب تلقي علم ذلك من النبوات على ما هو عليه، ومن المعلوم للمؤمنين أن الله بعث محمداً ﷺ بالهدى ودين الحق؛ ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيداً، وأنه بين للناس ما أخبرهم به من أمور الإيمان بالله واليوم الآخر.
والإيمان بالله واليوم الآخر: يتضمن الإيمان بالمبدأ والمعاد، وهو الإيمان بالخلق والبعث كما جمع بينهما في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٨]].
الشيخ: إن الله تعالى بعث رسوله بالهدى ودين الحق، والهدى ودين الحق أصله الإيمان بالمبدأ والمعاد، والخالق والرازق والمدبر والمحيي والمميت والمستحق للعبادة، وأن الله يبعث من في القبور، ويجازيهم ويحاسبهم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [لقمان:٢٨]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الروم:٢٧]، وقد بين الله تعالى على لسان رسوله ﷺ من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر ما هدى الله به عباده، وكشف به مراده.
ومعلوم للمؤمنين: أن رسول الله ﷺ أعلم بذلك من غيره، وأنصح للأمة من غيره وأفصح من غيره عبارة وبياناً، بل هو أعلم الخلق بذلك، وأنصح الخلق للأمة وأفصحهم، وقد اجتمع في حقه ﷺ كمال العلم والقدرة والإرادة].
الشيخ: قوله: كمال العلم، أي: فهو عالم ليس بجاهل ﵊، وكمال القدرة، أي: القدرة على الإفصاح، وعنده إرادة ورغبة فهو يريد أن يبلغ رسالة ربه، حتى إن الله تعالى قال لنبيه: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف:٦]، أي: كاد يهلك نفسه في إبلاغهم وهدايتهم أسفاً عليهم إذا لم يؤمنوا.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومعلوم أن المتكلم أو الفاعل إذا كمل علمه وقدرته وإرادته كمل كلامه وفعله، وإنما يدخل النقص إما من نقص علمه، وإما من عجزه عن بيان علمه، وإما لعدم إرادته البيان].
وهذا في حق الرسول محال فهو أعلم الخلق وأنصح الخلق وأفصحهم، وعنده قدرة على البيان، فقد علمه الله تعالى وسدده، وعنده إرادة ورغبة وقوة في تبليغ رسالة ربه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والرسول ﷺ هو الغاية في كمال العلم، والغاية في كمال إرادة البلاغ المبين، والغاية في القدرة على البلاغ المبين، ومع وجود القدرة التامة والإرادة الجازمة يجب وجود المراد؛ فعلم قطعاً أن ما بينه من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر حصل به مراده من البيان، وما أراده من البيان هو مطابق لعلمه، وعلمه بذلك أكمل العلوم.
فكل من ظن أن غير الرسول ﷺ أعلم بهذه منه، أو أكمل بياناً منه، أو أحرص على هدي الخلق منه فهو من الملحدين لا من المؤمنين].
الشيخ: من ذلك ما يقوله بعض الفلاسفة، حيث يقولون: إن الرسول ما علم، وبعض المجهلة يقولون: الرسول لا يعلم معاني الصفات، ولكن الفلاسفة يعلمونها، وكذلك الأولياء، وبعضهم يقول: علمها ولكن ما بينها، وإنما كتمها؛ لأن مصلحة الناس في أن يكتمها؛ لأنه يخاطبهم من باب الخطاب الجمهوري، فهو يخاطبهم بما يصلح الجمهور وإن كان كذباً، وبعضهم يقول: إن الرسول ما بين الحقائق، وهو يعلمها؛ لأن مصلحة الناس في هذا، فهو وإن كان كاذباً، لكنه كذب لهم ولم يكذب عليهم، فهو كذب لمصحلة.
وهذا كلام باطل، فالرسول ﵊ أكمل الخلق وأعلم الخلق وأنصح الخلق وأقدرهم على البيان، وأتمهم إرادة ﵊.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والصحابة والتابعون لهم بإحسان ومن سلك سبيل السلف هم في هذا الباب على سبيل الاستقامة].
الشيخ: أي: أنهم في باب الأسماء والصفات، وباب المعاد والجزاء والحساب على سبيل الاستقامة، يعملون بالنصوص، فيثبتون لله ما أثبته لنفسه، أو أثبته رسوله من الأسماء والصفات، وينفون عنه ما نفاه عن نفسه، ويثبتون البعث والمعاد والجزاء والنشور، وأما أعداؤهم، أعداء الرسل فهم على طبقات ثلاث: أهل التخييل؛ وأهل التأويل؛ وأهل التجهيل.
стр. 24
بيان المنحرفين عن طريقة السلف وطوائفهم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما المنحرفون عن طريقهم.
فهم ثلاث طوائف: أهل التخييل، وأهل التأويل، وأهل التجهيل، فأهل التخييل: هم المتفلسفة ومن سلك سبيلهم من متكلم ومتصوف، فإنهم يقولون: إن ما ذكره الرسول ﷺ من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر إنما هو تخييل للحقائق لينتفع به الجمهور، لا أنه بين به الحق، ولا هدى به الخلق ولا أوضح الحقائق].
الشيخ: يريدون أن ما أخبر به النبي من الغيب من باب التخييل، فالنبي يخيل لهم أنها حقائق حتى تستقيم أمورهم وتصلح أحوالهم، ولا يعتدي بعضهم على بعض، فإنهم إن اعتقدوا أن هناك جنة ونار وبعث ونشور يخافون، ولا يعتدي بعضهم على بعض، وإلا في الحقيقة ليس هناك لا جنة ولا نار ولا بعث، وأهل التخييل كفرة ملاحدة نعوذ بالله من ذلك.
ويقولون عن النبي: إنه رجل عبقري، فليست النبوة عندهم هبة من الله، بل النبي رجل عبقري يسوس الناس.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم هم على قسمين: منهم من يقول: إن الرسول ﷺ لم يعلم الحقائق على ما هي عليه، ويقولون: إن من الفلاسفة الإلهية من علمها، وكذلك من الأشخاص الذين يسمونهم أولياء من علمها، ويزعمون أن من الفلاسفة أو الأولياء من هو أعلم بالله واليوم الآخر من المرسلين.
وهذه مقالة غلاة الملحدين من الفلاسفة والباطنية: باطنية الشيعة وباطنية الصوفية.
ومنهم من يقول: بل الرسول ﷺ علمها لكن لم يبينها، وإنما تكلم بما يناقضها، وأراد من الخلق فهم ما يناقضها؛ لأن مصلحة الخلق في هذه الاعتقادات التي لا تطابق الحق].
الشيخ: فتبين أن أهل التخييل طائفتان، طائفة تقول: الرسول ﷺ لا يعلم الحقائق التي جاء بها، ولكن الذي يعلمها بزعمهم هم الذين يسمون بالفلاسفة أو الأولياء.
والطائفة الثانية تقول: بل الرسول علم معناها لكنه لم يبنيها فقد كتمها وإن كانت هي الحق؛ لأن مصلحة الناس إنما هي في الكتمان، فمصلحة الناس أن يخبرهم بغير الحقائق وبغير الواقع.
فهم على طائفتين وكلهم ملاحدة.
فالطائفة الأولى يقولون: إن الرسول يقرأ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، ويقرأ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:١٠]، وهو لا يعرف معنى يصعد، ولا يعرف معنى استوى.
وإنما يعلم هذا بزعمهم الفلاسفة والأولياء فهم عندهم يعرفون المعاني، فيجعلونهم أعلم بالله من الأنبياء والمرسلين.
وقد أراد من قال إن الرسول عبقري أن يمدح الرسول ﵊ ولا شك أن الرسول ﵊ أكمل الناس في الصفات وفي الشجاعة والفهم والعلم، لكن كلمة عبقري فيها ما فيها.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [ويقول هؤلاء: يجب على الرسول ﷺ أن يدعو الناس إلى اعتقاد التجسيم مع أنه باطل، وإلى اعتقاد معاد الأبدان مع أنه باطل، ويخبرهم بأن أهل الجنة يأكلون ويشربون مع أن ذلك باطل؛ لأنه لا يمكن دعوة الخلق إلا بهذه الطريق التي تتضمن الكذب لمصلحة العباد].
الشيخ: فهم لزيغهم وجهلهم يقولون: الرسول كذب لكن كذب لهم لا عليهم، وفرق بين من يكذب لك ويكذب عليك، فقد كذب عليهم فقال: هناك معاد، لكنه كذب لهم، أي: لمصلحتهم، والمصلحة تقتضي هذا، فهو يخبر أن هناك معاد وجنة ونار ووكل ذلك ليس حقيقة، وهو يثبت الصفات لله حتى يعتقد الناس أن لله صفات، ومع ذلك فلا صفات على الحقيقة، وإذا سئلوا لماذا يعمل هذا؟ قالوا: لأن هذا من باب السياسة، فهذا هو الذي يصلح الناس، وهو كذب لهم لا عليهم، وما دام الكذب لمصلحة فلا بأس، وهذا من أبطل الباطل، واعتقاد هذا من أعظم الكفر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فهذا قول هؤلاء في نصوص الإيمان بالله واليوم الآخر، وأما الأعمال فمنهم من يقرها ومنهم من يجريها هذا المجرى، ويقول: إنما يؤمر بها بعض الناس دون بعض ويؤمر بها العامة دون الخاصة فهذه طريقة الباطنية والملاحدة والإسماعيلية ونحوهم].
الشيخ: فالأعمال كالصلاة والصيام والزكاة يأمرهم بها النبي ﷺ وهي ليست بواجبة، ومنهم من يقول: الصلاة والزكاة إنما يأمر بها العامة من الناس دون الخاصة والأولياء.
стр. 25
أهل التأويل وقولهم في الصفات
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما أهل التأويل فيقولون: إن النصوص الواردة في الصفات لم يقصد بها الرسول أن يعتقد الناس الباطل، ولكن قصد بها معاني ولم يبين لهم تلك المعاني، ولا دلهم عليها؛ ولكن أراد أن ينظروا فيعرفوا الحق بعقولهم، ثم يجتهدوا في صرف تلك النصوص عن مدلولها، ومقصوده امتحانهم وتكليفهم إتعاب أذهانهم وعقولهم في أن يصرفوا كلامه عن مدلوله ومقتضاه، ويعرفوا الحق من غير جهته، وهذا قول المتكلمة والجهمية والمعتزلة ومن دخل معهم في شيء من ذلك].
الشيخ: فهذا قول أهل الكلام، ويسمون أهل التأويل، وهم أهل التحريف من الجهمية والمعتزلة وغيرهم، يقولون: إن الرسول ﷺ لم يبين معاني النصوص، فقال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤]، ولم يبين ذلك، بل وكلها إلى أهل العقول ممن يأتي بعده، الذين يتأملون وينظرون ويؤولون الكلام حتى يعرفون معناها الباطن، فقوله: (استوى)، مقصودها الاستيلاء، وأن العلماء بعد ذلك أتعبوا أذهانهم حتى استخرجوا المعاني الباطنية، فعرفوا أن معنى استوى: استولى، ومعنى اليد: القدرة وهكذا يتأولون.
وهذه تأويلات باطلة لنصوص الصفات.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والذين قصدنا الرد عليهم في هذه الفتيا هم هؤلاء إذ كان نفور الناس عن الأولين مشهوراً بخلاف هؤلاء، فإنهم تظاهروا بنصر السنة في مواضع كثيرة وهم -في الحقيقة- لا للإسلام نصروا ولا للفلاسفة كسروا].
الشيخ: أي: الذين قصدنا الرد عليهم هم الجهمية والمعتزلة الذين يحرفون نصوص الصفات، ويقولون: معنى (استوى): استولى، أما أهل التخييل فالمعروف أنهم كفرة وملاحدة، والناس يعرفون عنهم ذلك، وإنما المصيبة في الجهمية والمعتزلة والأشاعرة الذين يحرفون نصوص الصفات وينطلي تحريفهم على كثير من الناس، ويظنون أنهم أهل الحق.
فالجهمية والمعتزلة تظاهروا بنصر السنة، ويقول الشيخ ﵀: وهم في الحقيقة: لا نصروا الإسلام ولا كسروا أهل الشرك، من الفلاسفة الملاحدة، فما كسروهم ولا ناظروهم ولا أبطلوا حججهم، ولا يعرف عن الجهمية والمعتزلة أن منهم عباد، وأنهم أهل الخشية وأهل التقى، ولا أيضاً استفيد منهم في ردهم على الفلاسفة، بل إنهم أخذوا عن الفلاسفة، فلا فائدة منهم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولكن أولئك الفلاسفة ألزموهم في نصوص المعاد نظير ما ادعوه في نصوص الصفات].
الشيخ: لما حرف الجهمية والمعتزلة فقالوا: استوى، معناها: استولى، وقوله: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]، معنى اليد: النعمة والقدرة، فدخل من هذا الباب الفلاسفة، وقالوا: إن البعث المراد به بعث الأرواح لا الأبدان، والصلاة ليست ما تفعلونه من ركوع وسجود وقيام، وإنما الصلوات الخمس خمسة أسماء: علي وفاطمة وحسن وحسين ومحمد، والصيام: كتمان سر المشايخ، والحج: السفر إلى الشيوخ والجنة: خيال لا حقيقة، عندما احتج عليهم الجهمية والمعتزلة أن ما يفعلونه حرام لا يجوز في التعامل مع نصوص الشرع، أجابوهم: كيف يجوز لكم أن تؤولوا النصوص ونحن لا يجوز لنا أن نؤول نصوص المعاد، إن كان التأويل حراماً علينا فهو حرام عليكم أيضاً، وإن كان جائزاً لكم فهو جائز لنا أيضاً، وبذلك تسلطوا عليهم وكانوا سبباً في فتح باب الكفر لهؤلاء.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فقالوا لهم: نحن نعلم بالاضطرار أن الرسل جاءت بمعاد الأبدان، وقد علمنا الشبه المانعة منه، وأهل السنة يقولون لهؤلاء: ونحن نعلم بالاضطرار أن الرسل جاءت بإثبات الصفات، ونصوص الصفات في الكتب الإلهية أكثر وأعظم من نصوص المعاد].
الشيخ: لما أول الفلاسفة نصوص البعث والمعاد والجنة والنار، رد عليهم الجهمية والمعتزلة، فقالوا: نحن نعلم بالاضطرار بدون الرسول أن المعاد ثابت، وأن الجنة والنار ثابتتان، فهذا أمر ضروري، لا جدال فيه.
فقال لهم أهل السنة: ونحن نعلم بالضرورة أن الرسول ﷺ جاء بإثبات الأسماء والصفات وأن هذه الأسماء ثابتة في جميع الكتب وأن الشبهة التي تدل على تأويلها باطلة.
فاحتجوا عليهم بمثل ما احتجوا هم به على الفلاسفة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويقولون لهم -أهل السنة-: معلوم أن مشركي العرب وغيرهم كانوا ينكرون المعاد، وقد أنكروه على الرسول ﷺ وناظروه عليه؛ بخلاف الصفات فإنه لم ينكر شيئاً منها أحد من العرب].
الشيخ: أي: نثبت الصفات فنقول: أولاً: إنها -أي نصوص إثبات الأسماء والصفات- أكثر من نصوص المعاد.
ثانياً: إن المشركين كانوا يقرون بها، وإنما كانوا ينكرون المعاد ولم ينكروها، فكيف يسوغ لكم أن تؤولوا الصفات، وهي في الكتب المنزلة أكثر من نصوص البعث والمعاد، ولم ينكرها أحد حتى من المشركين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فعلم أن إقرار العقول بالصفات أعظم من إقرارها بالمعاد، وأن إنكار المعاد أعظم من إنكار الصفات، وكيف يجوز مع هذا أن يكون ما أخبر به من الصفات ليس كما أخبر به، وما أخبر به من المعاد هو على ما أخبر به].
الشيخ: وهذا فيه رد على الجهمية والمعتزلة، فإذا كانت نصوص الصفات أكثر من نصوص البعث والوعيد فإن إقرار العقول بها سيكون أكثر من إقرارها بالوعد والمعاد، فكيف يسوغ لكم أن تؤولوا الصفات مع أن إقرار العقول بها أكثر، وأنتم تعترفون بأن نصوص البعث والمعاد لا يمكن أن تؤول، مع أن نصوص الصفات أكثر وإقرار العقول بها أكثر، فإذا كان لا يسوغ ولا يجوز تأويل نصوص المعاد، فلا يجوز من باب أولى تأويل نصوص الصفات.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأيضاً فقد علم أنه ﷺ قد ذم أهل الكتاب على ما حرفوه وبدلوه، ومعلوم أن التوراة مملوءة من ذكر الصفات، فلو كان هذا مما حرف وبدل لكان إنكار ذلك عليهم أولى].
الشيخ: أي: أن أهل الكتاب حرفوا التوراة والإنجيل وأنكر الله عليهم التحريف، ولم يذكر أنهم حرفوا الصفات، فلو حرفوا الصفات لأنكر الله عليهم، فإذا كان المشركون يقرون بالصفات، وأهل الكتاب يقرون بالصفات، فما الذي يدعوكم أيها المؤولون إلى تأويل الصفات، مع أن إقرار العقول بها أكثر، وقد أقر بها المشركون وأهل الكتاب.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فلو كان هذا مما حرف وبدل لكان إنكار ذلك عليهم أولى، فكيف وكانوا إذا ذكروا بين يديه الصفات يضحك تعجباً منهم وتصديقاً].
الشيخ: كما في قصة الحبر الذي جاء إلى النبي ﷺ وقال: (يا محمد! إننا نجد في التوراة أن الله يضع السموات على ذه - وأشار إلى أصبع - والأرضين على ذه والماء والثرى على ذه، والجبال على ذه، والشجر على ذه، خمسة أصابع، ثم يهزهن بيده فيقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر).
فأهل الكتاب مقرون بالصفات، وبذلك يكونون أحسن حالاً من الجهمية والمعتزلة في الإيمان بالصفات.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فكيف وكانوا إذا ذكروا بين يديه الصفات يضحك تعجباً منهم وتصديقاً، ولم يعبهم قط بما تعيب النفاة لأهل الإثبات].
الشيخ: فما عاب النبي ﷺ على اليهود في إثباتهم للصفات، كما تعيب نفاة الصفات أهل السنة في إثباتهم للصفات.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [مثل لفظ التجسيم والتشبيه ونحو ذلك].
الشيخ: فما عابهم بإثبات الصفات، ولا سماهم مجسمة ولا مشبهة، وإنما عابهم بالكفريات التي كانوا يقولونها والتنقص الذي نسبوه إلى الرب سبحانه كقولهم: (إن الله فقير) أو (يد الله مغلولوة).
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [بل عابهم بقولهم: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة:٦٤]، وقولهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١]، وقولهم: استراح لما خلق السموات والأرض، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨]، والتوراة مملوءة من الصفات المطابقة للصفات المذكورة في القرآن والحديث، وليس فيها تصريح بالمعاد كما في القرآن، فإذا جاز أن نتأول الصفات التي اتفق عليها الكتابان فتأويل المعاد الذي انفرد به أحدهما أولى، والثاني: مما يعلم بالاضطرار من دين الرسول ﷺ أنه باطل فالأول أولى بالبطلان].
الشيخ: أي: إذا كانت الصفات هي المتفق عليها في التوراة والإنجيل، وانفرد القرآن بالبيان للمعاد، وأقررتم أنه لا يجوز تأويل المعاد، وهو مما انفرد به القرآن فمن باب أولى ألا يجوز تأويل الصفات.
стр. 26
شرح الحموية لابن تيمية [٤]
إن الرسول ﷺ أعلم الخلق بما وصف الله به نفسه، وقد أخطأ من قال: إن الرسول ﷺ لم يكن يعرف معاني ما أنزل الله، والسلف من الصحابة والتابعين كانوا يمرون الصفات كما جاءت، فلا يتكلفون في تأويلها ولا يقحمون عقولهم في حقائقها، بل يؤمنون بها كما يليق بجلال الله وعظمته من غير تأويل ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل.
وما جاء عن الله ورسوله في بيان الصفات آمنوا به ولم يزيدوا عليه ولم ينقصوا.
стр. 27
أهل التجهيل والتأويل والرد عليهم
стр. 28
بيان مذهب أهل التجهيل
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما الصنف الثالث: وهم أهل التجهيل فهم كثير من المنتسبين إلى السنة واتباع السلف، يقولون: إن الرسول ﷺ لم يكن يعرف معاني ما أنزل الله عليه من آيات الصفات، ولا جبريل يعرف معاني تلك الآيات، ولا السابقون الأولون عرفوا ذلك].
وهذا سبق بيانه عند الحديث عن أهل التأويل وأهل التخييل الذين يقولون: إن الرسول يخيل للناس، وأهل التأويل الذين تأولوا النصوص وحرفوها وهم: المعتزلة والجهمية، وأهل التخييل والفلاسفة وغيرهم الذين يقولون: إن الأنبياء يخيلون على الناس.
وسموا أهل التجهيل؛ لأنهم يجهلون الرسول ﵊ ويجهلون جبريل، فالرسول ﷺ عندهم لا يعرف معاني الصفات، وكذا جبريل لا يعرف معانيها ويقولون: إن النبي ﷺ يقرأ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، ولا يدري معنى استوى، ولا جبريل يعرف معنى استوى، فزعموا جهل النبي ﷺ وجبريل لمعاني الصفات والنصوص.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك قولهم في أحاديث الصفات.
إن معناها لا يعلمه إلا الله، مع أن الرسول ﷺ تكلم بهذا ابتداء، فعلى قولهم: تكلم بكلام لا يعرف معناه، وهؤلاء يظنون أنهم اتبعوا قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧]، فإنه وقف أكثر السلف على قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧]].
أي: أنهم ظنوا أنهم لما فوضوا إلى الله وجهلوا النبي ﷺ ، أنهم قد عملوا بهذه الآية: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧]، فجهلوا الرسول وجهلوا جبريل، وزعموا أن الرسول لا يعرف معاني الآيات، ولا جبريل يعرف معاني الآيات ولا معاني الصفات؛ لأنها لا يعلمها بزعمهم: إلا الله.
стр. 29
بيان معنى التأويل
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقف كثير من السلف على قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧]، وهو وقف صحيح لكن لم يفرقوا بين معنى الكلام وتفسيره وبين التأويل الذي انفرد الله تعالى بعلمه، وظنوا أن التأويل المذكور في كلام الله تعالى هو التأويل المذكور في كلام المتأخرين، وغلطوا في ذلك.
فإن التأويل يراد به ثلاث معان: فالتأويل في اصطلاح كثير من المتأخرين: هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن بذلك].
وهذا تأويل حادث باطل، فيقولون في تعريف التأويل: أنه صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به، فمثلاً يقولون عند تفسيرهم الاستواء: الاستواء معناه: الاستقرار، فنصرفه عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح وهو استولى؛ لدليل يقترن به وهو العقل، فالعقل دل على أن الاستواء لا يليق بالله بزعمهم، وهذا باطل، وإنما التأويل عند السلف له معنيان: المعنى الأول: التفسير، ومنه قول ابن جرير القول في تأويل قول الله تعالى أي: في تفسيرها.
والثاني: الحقيقة التي يؤول إليها الكلام، يعني: حقيقتها التي يؤول إليها، حقائق الصفات، وحقائق الجنة وما أخبر الله به في الجنة، كل هذا لا يعلمه إلا الله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فلا يكون معنى اللفظ الموافق لدلالة ظاهره تأويلاً على اصطلاح هؤلاء، وظنوا أن مراد الله بلفظ التأويل ذلك، وأن للنصوص تأويلاً مخالف لمدلولها لا يعلمه إلا الله أو يعلمه المتأولون، والأقرب ولا يعلمه المتأولون؛ لأن هذا ظاهر الآية.
ثم كثير من هؤلاء يقولون: تجرى على ظاهرها، فظاهرها مراد مع قولهم: إن لها تأويلاً بهذا المعنى لا يعلمه إلا الله، وهذا تناقض وقع فيه كثير من هؤلاء المنتسبين إلى السنة من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم].
ووجه التناقض في قولهم: تجرى على ظاهرها ثم يقولون، لها تأويل لا يعلمه إلا الله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والمعنى الثاني: أن التأويل هو تفسير الكلام -سواء وافق ظاهره أو لم يوافقه- وهذا هو التأويل في اصطلاح جمهور المفسرين وغيرهم، وهذا التأويل يعلمه الراسخون في العلم].
قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ [آل عمران:٧]، أي: تفسيره ﴿إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:٧]، فالتأويل على هذا المعنى يكون معناه التفسير.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهو موافق لوقف من وقف من السلف على قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:٧]، كما نقل ذلك عن ابن عباس، ومجاهد، ومحمد بن جعفر بن الزبير، ومحمد بن إسحاق، وابن قتيبة، وغيرهم، وكلا القولين حق باعتبار، كما قد بسطناه في موضع آخر، ولهذا نقل عن ابن عباس هذا وهذا، وكلاهما حق.
والمعنى الثالث: أن التأويل هو الحقيقة التي يؤول الكلام إليها، وإن وافقت ظاهره، فتأويل ما أخبر به في الجنة من الأكل والشرب واللباس والنكاح وقيام الساعة وغير ذلك هو الحقائق الموجودة أنفسها، لا ما يتصور من معانيها في الأذهان ويعبر عنه باللسان].
فتأويل ما أخبر الله به في الجنة من الأكل والشرب هو نفس الأكل والشرب، فإذا دخل المؤمنون الجنة وباشروا الأكل والشرب كانت هذه هي الحقيقة، وما أخبر الله به من قيام الساعة، فتأويله قيام الساعة نفسها.
ومنه قول عائشة كان النبي ﷺ بعد أن نزلت عليه سورة الفتح يكثر أن يقول: (سبحانك الله ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي يتأول القرآن)، فقولها: (يتأول) أي: يعمل به، ومنه قول يوسف ﵊ لما سجد له أبواه وإخوته: ﴿يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف:١٠٠]، فكما هو معلوم أنه رأى رؤيا وهو صغير فأخبر بها أباه قال تعالى عنه: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف:٤]، ثم ذهب به إخوته وألقوه في الجب، وباعوه، وذهب به إلى امرأة العزيز، فراودته ثم سجن، ثم صار على خزائن الملك، ثم جاء إليه أبواه وإخوته وسجدوا له، فحدث تأويل الرؤيا، وذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف:١٠٠]، أي: حقيقتها وما آلت إليه فوقوعها هو تأويلها.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذا هو التأويل في لغة القرآن كما قال تعالى عن يوسف ﵇ أنه قال: ﴿يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف:١٠٠]، وقال تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف:٥٣]، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء:٥٩].
وهذا التأويل هو الذي لا يعلمه إلا الله.
وتأويل الصفات هو الحقيقة التي انفرد الله بعلمها وهو الكيف المجهول الذي قال فيه السلف -كـ مالك وغيره-: الاستواء معلوم والكيف مجهول، فالاستواء معلوم يعلم معناه وتفسيره ويترجم بلغة أخرى، وهو من التأويل الذي يعلمه الراسخون في العلم، وأما كيفية ذلك الاستواء فهو التأويل الذي لا يعلمه إلا الله تعالى.
وقد روي عن ابن عباس ﵄ ما ذكره عبد الرزاق وغيره، في تفسيرهم عنه أنه قال: تفسير القرآن على أربعة أوجه: تفسير تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله ، من ادعى علمه فهو كاذب.
وهذا كما قال تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة:١٧]].
قوله: تفسير لا يعلمه إلا الله، يريد الحقيقة التي يؤول إليها الشيء، فلا يعلم حقائق الصفات إلا الله ، ولا يعلم حقائق ما يكون في الآخرة إلا الله .
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال النبي ﷺ : (يقول الله: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر)].
وهذا حديث قدسي من كلام الله، رواه البخاري ومسلم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك علم الساعة ونحو ذلك، فهذا من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله، وإن كنا نفهم معاني ما خوطبنا به، ونفهم من الكلام ما قصد إفهامنا إياه كما قال تعالى].
قوله: ما قصد إفهامنا إياه، أي أن الإنسان يفهم ما أريد به، لكن الحقيقة والكنه، لا يعلمها إلا الله؛ لأننا نفهم إذا أخبرنا الله أن في الجنة ماء ولبن وخمر وعسل، إذ لا بد من قدر مشترك، يفهم به الإنسان الخطاب.
لكن كيفية هذا الماء وكيفية هذا اللبن، وكيفية هذا الخمر، وكيفية هذا العسل، والحقيقة التي هو عليها لا يعلمها إلا الله.
стр. 30
الصحابة والسلف أعلم الناس بعد رسول الله بمعاني الصفات والمعاد وسائر معاني القرآن
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ونفهم من الكلام ما قصد إفهامنا إياه كما قال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤]، وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون:٦٨]، فأمر بتدبر القرآن كله لا بتدبر بعضه.
وقال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرءوننا القرآن: عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما، أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعاً.
وقال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس ﵄ من فاتحته إلى خاتمته، أقف عند كل آية أسأله عنها.
وقال الشعبي: ما ابتدع أحد بدعة إلا وفى كتاب الله بيانها، وقال مسروق: ما قال أصحاب محمد ﷺ عن شيء إلا وعلمه في القرآن، ولكن علمنا قصر عنه، وهذا باب واسع قد بسط في موضعه].
فالإنسان يفهم القرآن ويفهم ما خوطب به، وهذا لا بد منه، أما الحقائق والكنه لما أخبر الله به في الآخرة وللصفات فلا يعلمه إلا الله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والمقصود هنا: التنبيه على أصول المقالات الفاسدة التي أوجبت الضلال في باب العلم والإيمان بما جاء به الرسول ﷺ ، وأن من جعل الرسول ﷺ غير عالم بمعاني القرآن الذي أنزل إليه، ولا جبريل جعله غير عالم بالسمعيات، لم يجعل القرآن هدى ولا بياناً للناس].
إذ أن هذا لازم قولهم، فإنه إذا قال عن الرسول: إنه لا يعلم المعنى، وقال عن جبريل: إنه لا يعلم المعنى، فكيف يكون القرآن هدى وبياناً للناس! وهذا من أبطل الباطل، فهؤلاء الملاحدة الذين يقولون: إن جبريل لا يعلم معاني القرآن ولا محمد، يريدون أن يجعلوا القرآن في معزل عن الهداية والبيان.
стр. 31
عبارات السلف في إثبات الصفات
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم هؤلاء ينكرون العقليات في هذا الباب بالكلية، فلا يجعلون عند الرسول ﷺ وأمته في باب معرفة الله لا علوماً عقلية ولا سمعية، وهم قد شاركوا في هذا الملاحدة من وجوه متعددة، وهم مخطئون فيما نسبوه إلى الرسول ﷺ وإلى السلف من الجهل، كما أخطأ في ذلك أهل التحريف والتأويلات الفاسدة وسائر أصناف الملاحدة.
ونحن نذكر من ألفاظ السلف بأعيانها، وألفاظ من نقل مذهبهم بحسب ما يحتمله هذا الموضع ما يعلم به مذهبهم.
روى أبو بكر البيهقي في الأسماء والصفات بإسناد صحيح عن الأوزاعي قال: كنا والتابعون المتوافرون نقول: إن الله -تعالى ذكره- فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته.
فقد حكى الأوزاعي وهو أحد الأئمة الأربعة في عصر تابعي التابعين، الذين هم مالك إمام أهل الحجاز، والأوزاعي إمام أهل الشام، والليث إمام أهل مصر، والثوري إمام أهل العراق حكى شهرة القول في زمن التابعين بالإيمان بأن الله تعالى فوق العرش وبصفاته السمعية.
وروى أبو بكر الخلال في كتاب السنة عن الأوزاعي قال: سئل مكحول والزهري عن تفسير الأحاديث فقالا: أمروها كما جاءت.
وروى أيضاً عن الوليد بن مسلم قال: سألت مالك بن أنس وسفيان الثورى والليث بن سعد والأوزاعي عن الأخبار التي جاءت في الصفات، فقال: أمروها كما جاءت، وفى رواية فقالوا: أمرها كما جاءت بلا كيف].
أي: أمروها كما جاءت بلا تأويل للكيفية، فأفهموا معناها وأمروها ولا تكيفوا الصفات، إذ المعنى لا بد منه، فإمرارها فهم لمعناها، فالمراد إمرار اللفظ مع فهم المعنى، وتفويض الكيفية إلى الله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فقولهم ﵃: أمروها كما جاءت، رد على المعطلة، وقولهم: بلا كيف رد على الممثلة].
وإنما قالوا: إمرارها كما جاءت؛ لأنها جاءت ليفهم الناس المعنى، وهذا رد على المعطلة الذين يعطلون الصفات، وقوله: بلا كيف، رد على الممثلة الذين يشبهون ويمثلون.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والزهري ومكحول هما أعلم التابعين في زمانهم، والأربعة الباقون هم أئمة الدنيا في عصر تابعي التابعين].
وإنما قال الأوزاعي هذا بعد ظهور جهم المنكر لكون الله فوق عرشه، والنافي لصفاته، ليعرف الناس أن مذهب السلف كان خلاف ذلك.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن طبقتهم حماد بن زيد وحماد بن سلمة وأمثالهما.
روى أبو القاسم الأزدي بإسناده عن مطرف بن عبد الله قال: سمعت مالك بن أنس إذا ذكر عنده من يدفع أحاديث الصفات يقول: قال عمر بن عبد العزيز: سن رسول الله ﷺ وولاة الأمر بعده سنناً الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد من خلق الله تغييرها، ولا النظر في شيء خالفها، من اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين، ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا].
روى هذا الأثر الآجري، وابن بطة، واللالكائي، والخطيب البغدادي، وأبو يعلى، وأبو نعيم، ورواه الخلال في السنة، وهكذا الذهبي، والسيوطي، وذكره القاضي عياض في ترتيب المدائن.
وروى البخاري شيئاً منه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وروى الخلال بإسناد كلهم أئمة ثقات عن سفيان بن عيينة قال: سئل ربيعة بن أبى عبد الرحمن عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] كيف استوى؟ قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ المبين، وعلينا التصديق].
وروي عن الإمام مالك أنه قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وروي عنه أنه قال: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وروي هذا أيضاً عن أم سلمة، لكن لا يصح.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذا الكلام مروي عن مالك بن أنس تلميذ ربيعة من غير وجه، منها ما رواه أبو الشيخ الاصبهاني، وأبو بكر البيهقي عن يحيى بن يحيى قال: كنا عند مالك بن أنس فجاء رجل فقال يا أبا عبد الله!: الرحمن على العرش استوى كيف استوى؟ فأطرق مالك برأسه حتى علاه الرحضاء - العرق من شدة إنكاره لهذا السؤال- ثم قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول].
قوله: الاستواء غير مجهول، أي: معلوم، ففي اللغة العربية استوى بمعنى: استقر وعلا وصعد وارتفع، وكيفية استواء الرب غير معقول، أي: لا نعقله ولا نكيفه، وقوله: والإيمان به واجب، أي: الإيمان بهذه الصفة واجب، والسؤال عن الكيفية بدعة، وهذا يقال في جميع الصفات فيقال في العلم: العلم معلوم والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، ويقال في يد الله: اليد معلومه، والكيف مجهول، والإيمان بها واجب والسؤال عنها بدعة، وهكذا في جميع الصفات.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعاً، فأمر به أن يخرج.
فقول ربيعة ومالك: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، موافق لقول الباقين أمروها كما جاءت بلا كيف، فإنما نفوا علم الكيفية ولم ينفوا حقيقة الصفة].
والمفوضة يفوضون معنى الصفة، فيقولون عن الاستواء لا نعرف ما معنى الاستواء، فلا يثبتون إلا اللفظ فقط، أما المعنى فيقولون: لا ندري، كأنه كلمات أعجمية، فالكلمة العربية والأعجمية عندهم سواء، وهذا غلط، قال بعض العلماء: المفوضة شر من المعطلة، إذ التفويض للمعنى شر من التعطيل، حتى قال بعضهم: إن الرسول ﷺ لم يفهم معنى الاستواء، ولا جبريل ولا غيره.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولو كان القوم قد آمنوا باللفظ المجرد من غير فهم لمعناه على ما يليق بالله لما قالوا: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول، ولما قالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف؛ فان الاستواء حينئذ لا يكون معلوماً بل مجهولاً بمنزلة حروف المعجم.
وأيضاً: فإنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم من اللفظ معنى، وإنما يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا أثبتت الصفات].
يعني: إذا أثبت المعنى نفيت علم الكيفية، أما إذا كان المعنى ليس بمعلوم فلا يحتاج أن يقال بلا كيف، إذ الكيف غير معقول، واللفظ أيضاً غير مفهوم المعنى، إذ لو كان المعنى غير مفهوم، لما احتاج إلى نفي الكيفية، فلما نفى الكيفية دل على أن المعنى معلوم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأيضاً فإن من ينفي الصفات الخبرية -أو الصفات مطلقاً- لا يحتاج إلى أن يقول: بلا كيف].
الصفات الخبرية هي: التي جاءت في الخبر، جاءت في النصوص، الخبرية، أما الصفات العقيلة: فهي التي دل عليها العقل عندهم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فمن قال إن الله سبحانه ليس على العرش، لا يحتاج أن يقول: بلا كيف، فلو كان من مذهب السلف نفي الصفات في نفس الأمر لما قالوا بلا كيف.
وأيضاً فقولهم: أمروها كما جاءت، يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه، فإنها جاءت ألفاظاً دالة على معاني، فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال: أمروا ألفاظها مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد، أو أمروا ألفاظها مع اعتقاد أن الله لا يوصف بما دلت عليه حقيقة، وحينئذ فلا تكون قد أمرت كما جاءت، ولا يقال حينئذ بلا كيف إذ نفي الكيفية عما ليس بثابت لغو من القول].
فكيف ينفى الكيف والمعنى منفي! فإنه إذا كان المعنى غير مفهوم، فلا داعي لنفي الكيفية، ولكنه لما نفي الكيف دل على أن المعنى معلوم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وروى الأثرم في السنة، وأبو عبد الله بن بطة في الإبانة، وأبو عمر الطلمنكى، وغيرهم بإسناد صحيح عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبى سلمة الماجشون -وهو أحد أئمة المدينة الثلاثة، الذين هم مالك بن أنس وابن الماجشون وابن أبى ذئب - وقد سئل فيما جحدت به الجهمية؟ أما بعد: فقد فهمت ما سألت عنه فيما تتابعت -أي: استمرت عليه وتتابعت- الجهمية ومن خالفها -وفي نسخة ومن خلفها- في صفة الرب العظيم الذي فاقت عظمته الوصف والتقدير وكلت الألسن عن تفسير صفته، وانحصرت العقول دون معرفة قدره، وردت عظمته العقول، فلم تجد مساغاً فرجعت خاسئة وهى حسيرة.
وإنما أمروا بالنظر والتفكر فيما خلق بالتقدير، وإنما يقال: كيف لمن لم يكن مرة ثم كان].
أي: أن الذي أمر بالتفكير فيه إنما هي المخلوقات التي قدرها معلوم وهي التي كانت معدومة ثم أوجدها الله، أما الله فإنه واجب الوجود لذاته سبحانه، لا يحيط الخلق بعظمته ولا بعلمه، قال سبحانه: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإنما يقال: كيف لمن لم يكن مرة ثم كان، فأما الذي لا يحول ولا يزول ولم يزل وليس له مثل فانه لا يعلم كيف هو إلا هو، وكيف يعرف قدر من لم يبدأ ومن لا يمت ولا يبلى].
قوله: من لم يبدأ، أي: ليس له بداية، فهو الأول الذ
стр. 32
عجز العقول عن إدراك صفات الله
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الدليل على عجز العقول عن تحقيق صفته عجزها عن تحقيق صفة أصغر خلقه، لا تكاد تراه صغراً يجول ويزول، ولا يرى له سمع ولا بصر].
وذلك مثل الذرة والبعوضة، وغيرها أصغر من المخلوقات، لا تستطيع أن تصفها أو تعرف كنهها، فهي تزول وتحول وتمشي ولها مخ ولها أعصاب ولها أعضاء وأمعاء: يا من يرى مد البعوض جناحها في ظلمة الليل البهيم الأليل ويرى نياط عروقها في نحرها من بين هاتيك العظام النحل قال المؤلف رحمه الله تعالى: [لما يتقلب به ويحتال من عقله، أعضل بك وأخفى عليك مما ظهر من سمعه وبصره، فتبارك الله أحسن الخالقين].
قوله: من عقله، أي: مما أعطاه الله من العقل ما يحتال.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وخالقهم وسيد السادة وربهم ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
اعرف -رحمك الله- غناك عن تكلف صفة ما لم يصف الرب من نفسه، بعجزك عن معرفة قدر ما وصف منها، إذا لم تعرف قدر ما وصف، فما تكلفك علم ما لم يصف، هل تستدل بذلك على شيء من طاعته أو تزدجر به عن شيء من معصيته].
فالناس لا تستطيع أن تحيط بعلمه، ومن ذلك أن الله وصف نفسه بالقدرة، فهل تستطيع أن تحيط بقدرته.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فأما الذي جحد ما وصف الرب من نفسه تعمقاً وتكلفاً فقد استهوته الشياطين في الأرض حيران، فصار يستدل بزعمه على جحد ما وصف الرب وسمى من نفسه بأن قال: لا بد إن كان له كذا من أن يكون له كذا فعمى عن البين بالخفي، وجحد ما سمى الرب من نفسه بصمت الرب عما لم يسم منها].
أي: عمي عن البين بالخفي؛ لأن الله تعالى وصف نفسه بالعلم والقدرة والسمع، وهذا بين واضح، فكيف يعمى عن هذا الشيء الواضح بشيء يقدره من نفسه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فلم يزل يملي له الشيطان حتى جحد قول الرب : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣] فقال: لا يراه أحد يوم القيامة، فجحد والله أفضل كرامة الله التي أكرم بها أولياءه يوم القيامة من النظر إلى وجهه ونظرته إياهم في مقعد صدق عن مليك مقتدر].
إذ أن أعظم نعيم يعطاه أهل الجنة، رؤيتهم لربهم ، حين يكشف الحجاب عنه فيرى وجهه الكريم ، حتى إن أهل الجنة ينسوا ما هم فيه من النعيم، ومع ذلك جحدها هؤلاء.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد قضى أنهم لا يموتون، فهم بالنظر إليه ينظرون، إلى أن قال: وإنما جحد رؤية الله يوم القيامة إقامة للحجة الضالة المضلة؛ لأنه قد عرف إذا تجلى لهم يوم القيامة، رأوا منه ما كانوا به قبل ذلك مؤمنين، وكان له جاحداً].
يعني: هو جحد رؤية الله في الدنيا؛ لذلك جحد رؤية الله يوم القيامة لتقوم عليه الحجة الضالة في إنكار رؤية الله، لما أنكرها في الدنيا أنكر رؤية الله في الآخرة ما أنكر ذلك في الدنيا.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال المسلمون يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ : (هل تضارون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا، قال: فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ قالوا: لا، قال: فإنكم ترون ربكم كذلك) وقال رسول الله ﷺ : (لا تمتلئ النار حتى يضع الجبار فيها قدمه).
وهذه النصوص واضحة بأن المراد: رؤية بالبصر خلاف المعتزلة الذين قالوا المراد بالرؤية العلم، لكن هذه النصوص واضحة أنهم يرون ربهم كما يرون الشمس صحواً ليس دونها سحاب، وكما يرون القمر ليلة البدر.
والأسماء والصفات توقيفية لا يجوز إثباتها إلا بدليل، ما ورد في النصوص نثبته، وما لم يرد لا نثبته.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال رسول الله ﷺ : (لا تمتلئ النار حتى يضع الجبار فيها قدماه فتقول قط قط وينزوي بعضها إلى بعض)].
وهذا فيه صفة القدم لله والرد على من أنكره والله أعلم بهذا، والله تعالى لا يظلم أحداً من خلقه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال لـ ثابت بن قيس ﵁: (لقد ضحك الله مما فعلت بضيفك البارحة)].
وهذا فيه صفة الضحك لله كما يليق بجلاله وعظمته، وأهل البدع لا يستطيعون أن يثبتوا هذه الصفة، والرد عليهم في الحديث: (يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة) يعني: إثبات الضحك لله كما يليق بجلاله وعظمته لا يماثل أحداً من خلقه، لا يشبه ضحك المخلوقين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال فيما بلغنا: (إن الله ليضحك من أزلكم وقنوطكم وسرعة إجابتكم، فقال له رجل من العرب: إن ربنا ليضحك؟ قال: نعم.
قال: لا نعدم من ربٍّ يضحك خيراً).
قال: أزلكم، والأزل: الضيق والشدة، يقال: هم في أزل العيش، وآزلت السنة أي: اشتدت وأصبح القوم أزلين، أي: في شدة.
يضحك من أزلكم يعني: من شدتكم وقنوطكم ويأسكم، يعلم أن فرجكم قريب.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [في أشباه لهذا مما لم نحصه، وقال الله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]].
وهذه الآية فيها إثبات السمع والبصر لله سبحانه فهو سميع وبصير، فالسميع والبصير من أسماء الله المشتقة، وكل اسم مشتمل على صفة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور:٤٨].
يعني: على مرأىً منا وكلأ وحفظ.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩]].
أي: على مرأىً مني.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]].
وهذه الآية فيها إثبات اليدين لله سبحانه، لأن اليدين أضافهما إلى ضمير نفسه .
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر:٦٧]].
قوله: (قبضته) يعني: بيده .
فقوله: (بأعيننا) يعني: بالمرأى منا، أما إثبات العين فهذا مأخوذ من حديث الدجال: (إن ربكم ليس بأعور) ففيه إثبات العينين لله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال: ﴿وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧]].
فيه إثبات اليمين له، وكلتا يديه يمين في الشرف والفضل والبركة وتنزه عن النقص.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [(فوالله ما دلهم على عظم ما يوصفه من نفسه، وما تحيط به قبضته إلا صغر نظيرها منهم عندهم، إن ذلك الذي ألقى في روعهم)].
والروع: هو القلب، ومعناها كذلك: الوجل والخوف، قال تعالى عن إبراهيم: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود:٧٤].
وقال رسول الله ﷺ : (إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكفي رزقها وأجلها) والروع هنا: القلب.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [إن ذلك الذي أُلقي في روعهم، وخلق على معرفة قلوبهم، فما وصف الله من نفسه فسماه على لسان رسوله ﷺ سميناه كما سماه، ولم نتكلف منه صفة ما سواه - لا هذا ولا هذا - ولا نجحد ما وصف، ولا نتكلف معرفة ما لم يصف].
هذا هو الواجب، ألا يتكلف الإنسان معرفة ما وصف الله به نفسه، ولا يجحد صفاته، بل يثبت صفات الله ولا يتكلف فيثبت صفات لم تثبت لله، فالأسماء والصفات توقيفية.
стр. 33
الأسماء والصفات توقيفية
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [اعلم -رحمك الله- أن في العصمة في الدين أن تنتهي في الدين حيث انتهى بك، ولا تجاوز ما حَدَّ لك، فإن من قوام الدين معرفة المعروف، وإنكار المنكر، فما بُسطت عليه المعرفة، وسكنت إليه الأفئدة، وذكر أصله في الكتاب والسنة، وتوارثت علمه الأمة، فلا تَخافنَّ في ذكره وصفته من ربك ما وصفه من نفسه عيباً، ولا تتكلفن بما وصف لك من ذلك قدراً.
وما أنكرته نفسك، ولم تجد ذكره في كتاب ربك، ولا في الحديث عن نبيك ﷺ من ذكر ربك - فلا تكلفن علمه بعقلك، ولا تصفه بلسانك واصمت عنه كما صمت الرب عنه من نفسه، فإن تكلفك معرفة ما لم يصف من نفسه كإنكارك ما وصف منها، فكما أعظمت ما جحد الجاحدون مما وصف من نفسه، فكذلك أعظم تكلف ما وصف الواصفون مما لم يصف منها].
هذا هو العدل كما أنه لا يجوز له أن ينفي شيئاً من أسماء الله وصفاته فليس له أن يخترع لله أسماء وصفات من عند نفسه لأن الأسماء والصفات توقيفية، ما يثبت لله إلا ما ثبت في الكتاب والسنة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فقد والله عز المسلمون الذين يعرفون المعروف وبمعرفتهم يعرف، وينكرون المنكر وبإنكارهم ينكر، يسمعون ما وصف الله به نفسه من هذا في كتابه، وما بلغهم مثله عن نبيه، فما مرض من ذكر هذا وتسميته قلب مسلم، ولا تكلف صفة قدره ولا تسمية غيره من الرب مؤمن].
يعني: لا يمرض من التسمية والذكر قلب مسلم ما دام أنه ذكر وتسمية من الكتاب والسنة.
فالأسماء والصفات التي وردت في الكتاب والسنة يسميها الإنسان ولا يمرض من ذكرها ولكن المصيبة أن يسمي الله بأسماء وصفات لم ترد في الكتاب ولا في السنة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وما ذكر عن رسول الله ﷺ أنه سماه من صفة ربه، فهو بمنزلة ما سمى وما وصف الرب من نفسه].
ما سماه الرسول أو وصفه فهو مثل ما سماه الله أو وصفه في نفسه؛ لأن قول الرسول ﷺ وحي.
(وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) الراسخون حيث انتهى علمهم، الواصفون لربهم بما وصف من نفسه، التاركون لما ترك من ذكرها - لا ينكرون صفة ما سُمِّيَ منها جحداً، ولا يتكلفون وصفه بما لم يسم تعمقاً؛ لأن الحق ترك ما ترك، وتسمية ما سمى، ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥] وهبَ الله لنا ولكم حكماً، وألحقنا بالصالحين.
وهذا كله كلام ابن الماجشون الإمام فتدبره وانظر كيف أثبت الصفات، ونفى علم الكيفية - موافقةً لغيره من الأئمة - وكيف أنكر على من نفى الصفات بأنه يلزمهم من إثباتها كذا وكذا كما تقوله الجهمية، أنه يلزم أن يكون جسماً أو عرضاً فيكون محدثاً].
стр. 34
شرح الحموية لابن تيمية [٥]
أهل السنة والجماعة لا يكفرون أحداً بذنب ولا ينفون عنه اسم الإيمان، كما يعتقد أهل السنة أن الله في السماء، ومن أنكر أو شك أن الله في السماء فقد كفر، وذلك لتواتر النصوص الدالة على أن الله في السماء ولإجماع أهل العلم على ذلك، ولما دلت عليه العقول السليمة والفطر المستقيمة.
стр. 35
الفقه الأكبر وتعلقه بالتوحيد وأصول الدين
قال المصنف ﵀: [وفي كتاب الفقه الأكبر المشهور عند أصحاب أبي حنيفة الذي رووه بالإسناد عن أبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي قال: سألت أبا حنيفة عن الفقه الأكبر فقال: لا تكفرن أحداً بذنب، ولا تنفِ أحداً من الإيمان به، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر].
الفقه الأكبر هو ما يتعلق بالتوحيد وأصول الدين، ويقابله الفقه الأصغر، وهو فقه الأحكام الفرعية، قال: (لا تكفرن أحداً بذنب) هذا هو معتقد السنة والجماعة لا يكفروا المسلم بالذنب الذي دون الشرك، فلا يكفر إلا بالشركين.
قال: [وتعلم أنّ ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك].
هذا هو الإيمان بقدر الله.
أما مسألة التكفير بالذنب فقد جاء في الطحاوية ذكر عموم السلب وسلب العموم، فعموم السلب هو قول القائلين: نكفر بكل ذنب وهو مذهب الخوارج، أما سلب العموم فهو قول القائلين: كل ذنب لا يكفر به، وهو مذهب المرجئة، والقول الوسط قول القائلين: لا نكفر بكل ذنب وهو قول أهل السنة، فمذهب أهل السنة ألا نكفر بكل ذنب بل نكفر بالذنوب الكفرية، أما المرجئة فإنهم لا يكفرون مطلقاً حتى بالذنوب الكفرية، والخوارج يكفرون بكل ذنب وكل كبيرة، وأهل السنة يقولون: لا نكفر بكل ذنب، إنما إذا كان هذا الذنب يوصل إلى الكفر فإنه لا يكفر إلا بعد قيام الحجة.
وإذا استحل المرء الكبائر صار كافراً، كأن يكون استحل الكبيرة واستحل الزنا والربا والخمر هذا كفر.
قال: [ولا تتبرأ من أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ، ولا توالِ أحداً دون أحد].
هذا كما يفعل الرافضة فإنهم تبرءوا من أصحاب النبي ﷺ ، وقوله: ولا توالِ أحداً دون أحد، أي: لا توالِ بعض الصحابة دون البعض الآخر، كالشيعة والرافضة فإنهم يوالون علياً وأهل البيت، ويتبرءون من بقية الصحابة].
قال: [وأن ترد أمر عثمان وعلي ﵄ إلى الله ].
أي: لا تتكلم فيما شجر بينهم واعلم أن لهم من الفضل والسوابق ما تغطي ما صدر عنهم، وما صدر عنهم اجتهاد، وهم مابين مجتهد مصيب له أجران، وما بين مجتهد مخطئ له أجر، فـ علي ﵁ في قتاله مع معاوية كلً منهما مجتهد لكن دلت النصوص على أن علياً ومن معه هم المصيبون فلهم أجران، ومعاوية وأهل الشام مخطئون فاتهم أجر الصواب ولهم أجر الاجتهاد، كما قال النبي ﷺ لـ عمار تقتله الفئة الباغية فقتله جيش معاوية (وتمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين تقتلهم أولى الطائفتين بالحق) فخرجت الخوارج فقتلهم علي ﵁.
قال: [قال أبو حنيفة ﵀: الفقه الأكبر في الدين خير من الفقه في العلم، ولأن يفقه الرجلُ كيف يعبد ربَّه خير له من أن يجمع العلم الكثير].
الفقه الأكبر في الدين يعني: الفقه في عبادة الله وتوحيده، وأن يتفقه كيف يعبد ربه، وهذا الفقه يشبه علوماً أخرى في الفروع، كما في سورة البقرة في غير التوحيد والعبادة - هذا فقه وهذا فقه - لكن هذا هو الفقه الأكبر، وهو الفقه في عبادة الله وتوحيده، وفي أسمائه وصفاته.
قال: [قال أبو مطيع: قلت: فأخبرني عن أفضل الفقه، قال: يتعلّم الرجلُ الإيمانَ والشرائع والسننَ والحدودَ واختلافَ الأئمة، وذكر مسائل في الإيمان، ثم ذكر مسائل في القدر، والرد على القدرية بكلام حسن ليس هذا موضعه.
ثم قال: قلت: فما تقول فيمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فيتبعه على ذلك أناس، فيخرج على الجماعة هل ترى ذلك؟ قال: لا، قلت: ولم وقد أمر الله ورسوله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو فريضة واجبة؟ قال: هو كذلك؛ لكن ما يفسدون أكثر مما يصلحون].
من أكبر الكبائر الخروج على جماعة المسلمين بدعوى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مثال ذلك كأن يرى في البلد مثلاً شرب خمر أو فجوراً فيحرص على الخروج على جماعة المسلمين وعلى ولي الأمر بدعوى أنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وإذا ذكرته بحديث النبي ﷺ قال: ليس هذا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهو يبايع ولي الأمر ثم يخرج عليه؛ لأنه إذا خرج على الجماعة وعلى ولي الأمر قد يغير شرب الخمر أو سفور النساء، لكن يقع في إراقة الدماء وتفريق المسلمين وفي إفزاع الناس، ويتربص بهم العدو الدوائر، وتأتي فتن تقضي على الأكثر، فأيها أعظم هذه، أو شرب الخمر؟ ولذلك بين أبو حنيفة ﵀ أنه يفسد في الأرض؛ لأن الخروج على جماعة المسلمين وولاة الأمر يترتب عليه ما لا يحمد عقباه، فينبغي للإنسان أن لا يرتكب المفاسد العظيمة من أجل أن يزيل مفسدة صغرى وهي إنكار المنكر، فإن إنكار المنكر يحل بطرق إيجابية لا بالوسائل السلبية ولا بالعنف، ولا بالخروج، ولا بالقتال، بل بالبيان والإيضاح والمناصحة ومشاورة أهل الحل والعقد، فإن منعوا هذا المنكر وإلا فقد أديت ما عليك وهذا هو الفقه، وهذا هو البصيرة، أما كون إنسان يكون عنده غيرة غير موافقة للشرع تؤدي به إلى القتال وإلى منكر أكبر فهذا نشاط مخالف للشرع وهو باطل.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال: هو كذلك، ولكن ما يفسدون أكثر مما يصلحون من سفك الدماء واستحلال الحرام].
стр. 36
كفر من أنكر أن الله في السماء أو شك في ذلك
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال: وذكر الكلام في قتل الخوارج والبغاة إلى أن قال: قال أبو حنيفة عمن قال: لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض، فقد كفر؛ لأن الله يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] وعرشه فوق سبع سموات].
ومن أنكر أن الله فوق العرش فقد كفر.
قال: [قلت: فإن قال: إنه على العرش استوى ولكنه يقول لا أدري العرش في السماء أم في الأرض؟ قال: هو كافر؛ لأنه أنكر أن يكون في السماء؛ لأنه تعالى في أعلى عليين وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل].
يقول: إذا قال: إذا أقر بأن الله فوق العرش فإن ذلك يقتضي أن العرش في السماء؛ لأن العرش فوق السماء ولأن الله فوق العرش، يقول: فمن أنكر أن يكون الله استوى على العرش هذا كفر، ومن قال: لا أدري: ربي في السماء أو في الأرض هذا يكفر؛ لأن الله في السماء، ومن قال: إن الله على العرش استوى، لكن لا أدري العرش في الأرض أو في السماء كفر؛ لأن عرشه في السماء، ولأن الله يدعى من أعلى لا من أسفل.
قال: [وفي لفظ - سألت أبا حنيفة عمن يقول: لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض؟ قال: قد كفر.
قال: لأن الله يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥].
وعرشه فوق سبع سموات قلت: فإن قال إنه على العرش استوى ولكنه يقول لا أدري العرش في السماء أم في الأرض؟ قال هو كافر؛ لأنه أنكر أن يكون في السماء؛ لأنه تعالى في أعلى عليين وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل وفي لفظ سألت أبا حنيفة عمن يقول لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض قال: قد كفر، قال؛ لأن الله يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥].
وعرشه فوق سبع سموات، قال: فإنه يقول: إنه على العرش استوى ولكن لا يدري العرش في الأرض أو في السماء؟ قال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر.
ففي هذا الكلام المشهور عن أبي حنيفة عند أصحابه: أنه كفر الواقف الذي يقول: لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض؛ فكيف يكون الجاحد النافي الذي يقول ليس في السماء؛ أو ليس في الأرض ولا في السماء؟].
يعني يقول: إذا كان الإمام كفر المتوقف وهو يثبت أن الله فوق العرش لكنه لا يدري هل العرش في السماء أو الأرض فتراه متردداً فهذا يكفي لكفره، فإذا كان هذا المثبت لوجود الله وأثبت النوع والأصل لكنه متوسط وكفر، فكيف بمن قال: ليس فوق العرش إله وليس في السماء إله من الملاحدة، والذي يقول: لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته؟ هذا مبني على الكفر بعض على بعض.
قال: [واحتج على كفره بقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥].
قال: وعرشه فوق سبع سموات، وبين بهذا أن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥].
يبين أن الله فوق السموات فوق العرش، وأن الاستواء على العرش دل على أن الله نفسه فوق العرش ثم أردف ذلك بتكفير من قال: إنه على العرش استوى، ولكن توقف في كون العرش في السماء أم في الأرض قال: لأنه أنكر أنه في السماء؛ لأن الله في أعلى عليين؛ وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل وهذا تصريح من أبي حنيفة بتكفير من أنكر أن يكون الله في السماء.
واحتج على ذلك بأن الله تعالى في أعلى عليين، وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل، وكل من هاتين الحجتين فطرية عقلية، فإن القلوب مفطورة على الإقرار بأن الله في العلو وعلى أنه يدعى من أعلى لا من أسفل، وقد جاء اللفظ الآخر صريحا عنه بذلك فقال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر].
فهو معلوم أن الله يدعى من أعلى لا من أسفل يعني: إذا كنت تعلم أن هذا أمر فطري أن الله فوق العرش، وفطر الله الخلق على أنهم يدعونه من أعلى ولا يدعونه من أسفل، فإذا قال: لا أدري العرش في السماء أو في الأرض أنكر أن يكون الله يدعى من أعلى فيكفر بذلك.
وحيث قال: إن الله فوق العرش، لكن لا أدري العرش في السماء أو في الأرض فهذا يكفر؛ لأن الله يدعى من أعلى لا من أسفل؛ ولأن الله في أعلى عليين، وهذا الشاك لا يدري هل هو فوق أو هو تحت فيكفر.
стр. 37
تصريح الأئمة بعلو الله على العرش ومباينته للخلق
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وروى هذا اللفظ بإسناد عنه شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري الهروي في كتاب الفاروق، وروى أيضاً ابن أبي حاتم أن هشام بن عبيد الله الرازي - صاحب محمد بن الحسن - قاضي الري حبس رجلاً في التجهم فجيء به إلى هشام ليطلقه فقال: الحمد الله على التوبة؛ فامتحنه هشام؛ فقال: أتشهد أن الله على عرشه بائن من خلقه؟ فقال: أشهد أن الله على عرشه، ولا أدري ما بائن من خلقه فقال: ردوه إلى الحبس فإنه لم يتب].
يعني: هو مقر أن الله على عرشه، ولكنه قال: ما أدري بائن من خلقه، أي: نفى أن يكون بائناً من خلقه، فجعل الله مختلطاً مع المخلوقات نعوذ بالله فردوه إلى الحبس.
قال: [وروى أيضاً عن يحيى بن معاذ الرازي أنه قال: إن الله على العرش بائن من الخلق، وقد أحاط بكل شيء علماً وأحصى كل شيء عدداً، لا يشك في هذه المقالة إلا جهمي رديء ضليل وهالك مرتاب، يمزج الله بخلقه ويخلط منه الذات بالأقذار والأنتان.
وروي أيضاً عن ابن المديني لما سئل: ما قول أهل الجماعة؟ قال: يؤمنون بالرؤية والكلام وأن الله فوق السموات على العرش استوى، فسئل عن قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة:٧] فقال: اقرأ ما قبلها: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [المجادلة:٧]].
يعني: لا يكون إلا هو معهم بعلمه، وهو فوق العرش .
قال: [وروى أيضاً عن أبي عيسى الترمذي قال: هو على العرش كما وصف في كتابه، وعلمه وقدرته وسلطانه في كل مكان.
وروى عن أبي زرعة الرازي أنه سئل عن تفسير قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] فقال: تفسيره كما تقرؤه، هو على العرش وعلمه في كل مكان، ومن قال غير هذا فعليه لعنة الله].
стр. 38
حكاية محمد بن الحسن اتفاق الفقهاء على ما جاءت به النصوص من صفات الله
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وروى أبو القاسم اللالكائي، صاحب أبي حامد الإسفرائيني (في كتابه المشهور) في أصول السنة بإسناده عن محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة قال: اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث؛ التي جاء بها الثقات عن رسول الله ﷺ في صفة الرب : من غير تفسير، ولا وصف ولا تشبيه، فمن فسر اليوم شيئا منها فقد خرج مما كان عليه النبي ﷺ وفارق الجماعة؛ فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا، ولكن أفتوا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا فمن قال: بقول جهم فقد فارق الجماعة؛ فأنه قد وصفه بصفة لا شيء].
إن جهم عطًّلَ الصفات عن الله ، ووصفه بصفة لا شيء، وهو المعدوم فخصص أنه شيء ليس له صفات، لا سمع ولا بصر ولا علم ولا قدرة ولا فوق ولا تحت، يعني: هذا لا شيء هذا معدوم.
قال: [محمد بن الحسن أخذ عن أبي حنيفة ومالك وطبقتهما من العلماء].
يبين أن محمد بن حسن من العلماء ويأخذ عن أهل العلم، وهو قد حكا الإجماع على كفر الجهمية.
قال: [محمد بن الحسن أخذ عن أبي حنيفة ومالك وطبقتهما من العلماء، وقد حكا هذا الإجماع، وأخبر أن الجهمية تصفه بالأمور السلبية غالباً أو دائماً وقوله من غير تفسير: أراد به تفسير الجهمية المعطلة، الذين ابتدعوا تفسير الصفات بخلاف ما كان عليه الصحابة والتابعون من الإثبات.
وروى البيهقي وغيره بأسانيد صحيحة عن أبي عبيد القاسم بن سلام قال: هذه الأحاديث التي يقول فيها: (ضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غِيَرِه) (وأن جهنم لا تمتلئ حتى يضع ربك فيها قدمه) (والكرسي موضع القدمين)، وهذه الأحاديث في الرؤية هي عندنا حق، حملها الثقات بعضهم عن بعض؛ غير أنا إذا سئلنا عن تفسيرها لا نفسرها، وما أدركنا أحدا يفسرها].
يعني: لا نفسر تفسير الجهمية، ولا نكيف.
قال: [أبو عبيد أحد الأئمة الأربعة: الذين هم الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد، وله من المعرفة بالفقه واللغة والتأويل ما هو أشهر من أن يوصف، وقد كان في الزمان الذي ظهرت فيه الفتن والأهواء، وقد أخبر أنه ما أدرك أحدا من العلماء يفسرها أي: تفسير الجهمية.
وروى اللالكائي والبيهقي عن عبد الله بن المبارك: أن رجلاً قال له: يا أبا عبد الرحمن! إني أكره الصفة - عنى صفة الرب - فقال له عبد الله بن المبارك: وأنا أشد الناس كراهة لذلك، ولكن إذا نطق الكتاب بشيء قلنا به، وإذا جاءت الآثار بشيء جسرنا عليه، ونحو هذا].
يعني: أنا مثلك أكره الصفة التي لم تثبت فلا أثبتها لله، فالأسماء والصفات توقيفية، فلا يخترع الناس لله أسماء وصفات من عند أنفسهم، فما جاء في الكتاب والسنة يسمى به ويثبت، لأن الله تعالى أعلم بنفسه من عباده، وهو الذي أثبت هذه الصفة لنفسه، فنثبتها له وكذلك الرسول ﷺ أعلم الناس ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:٣].
فإذا أثبت رسول النبي ﷺ لله تعالى الصفات والأسماء أثبتنا ما أثبته النبي ﷺ .
قال: [أراد ابن المبارك أنا نكره أن نبتدئ بوصف الله من ذات أنفسنا حتى يجيء به الكتاب والآثار].
قال المحشي: وقد طبع الكتاب عدة طبعات إلى أن قالوا: وفي صحة نسبته إلى أبي حنيفه نظر، أما من ناحية السند فإن كلاً من الروايتين لا تخلو من مقال، وحماد بن أبي حنيفة، وأبو مطيع كلاهما متكلم فيه من ناحية الرواية، فمن العلماء من ينسب الكتاب لأبي حنيفة مطلقاً مثل: شيخ الإسلام وابن أبي العز الحنفي والبغدادي وحاجب خليفة، بينما نجد الإمام الذهبي واللكنوي ينسبان الفقه الأكبر الذي في رواية أبي مطيع إلى أبي مطيع نفسه ولعل هذا أصله من أمالي أبي حنيفة، جمعها ودونها أبو مطيع ويذكر بروكل مان أن الفقه الأكبر ما دون إلا بعد وفاة أبي حنيفة.
هذا كتاب ويقول: أما هؤلاء فهم ثقات.
стр. 39
تصريح أكابر السلف بتكفير الجهمية وتضليلهم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وروى عبد الله بن أحمد وغيره بأسانيد صحاح عن ابن المبارك أنه قيل له: بماذا نعرف ربنا؟ قال: بأنه فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه، ولا نقول كما تقول الجهمية: إنه هاهنا في الأرض وهكذا قال الإمام أحمد وغيره].
وهذا قول عبد الله بن المبارك أن الله فوق سماواته مستو على عرشه بائن من خلقه، ولا نقول: إنه هاهنا، يعني: إسقاط المخلوقات كما تقول الجهمية، فالجهمية قاتلهم الله يقولون: إن الله في كل مكان، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً وقالوا: هو موجود في بطون السباع وفي أجواف الطيور تعالى الله عما يقول الظالمون علواًَ كبيراً، وهذا كفر وضلال نعوذ بالله، وقالت طائفة أخرى من الجهمية بنفي النقيضين، قالوا: لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته، ولا مبين له ولا محيط له، ولا متصل به ولا منفصل عنه هذا أشد كفراً نعوذ بالله.
قال: [وروى بإسناد صحيح عن سليمان بن حرب الإمام: سمعت حماد بن زيد وذكر هؤلاء الجهمية فقال: إنما يحاولون أن يقولوا ليس في السماء شيء].
أي: ينكرون وجود الله، وهذه محاولتهم لما أنكروا العلو وقالوا: لا داخل عليه ولا خارج أنكروا وجود الله، وكذلك الذين يقولون: إنه حل في كل مكان، فقد جعل الرب مثل الهواء نعوذ بالله.
قال: [وروى ابن أبي حاتم في كتاب الرد على الجهمية عن سعيد بن عامر الضبعي إمام أهل البصرة علماً وديناً من شيوخ أحمد أنه ذكر عنده الجهمية فقال: هم أشر قولاً من اليهود والنصارى، وقد اجتمع اليهود والنصارى وأهل الأديان مع المسلمين على أن الله على العرش، وهم قالوا: ليس على شيء].
فاليهود والنصارى وأهل الأوثان أقروا بأن الله موجود، وبأنه فوق العرش، وهؤلاء أنكروا وجود الله؛ لأنه لما أنكروا العلو وقالوا في كل مكان، أو قالوا: لا داخل العالم ولا خارجه أنكروا وجود الله، فمن أقوالهم كما قال عبد الملك بن مروان أنهم يقولون: ليس على العرش إله، فاليهود تحت هذه الحالة ومن هذه الناحية من جهة اعترافهم بالرب وأنه في العلو هم أفضل من هؤلاء الجهمية الذين قالوا: ليس هناك رب فوق نعوذ بالله.
قال: [وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة إمام الأئمة: من لم يقل: إن الله فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه وجب أن يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه، ثم ألقي على مزبلة، لئلا يتأذى بنسم ريحه أهل القبلة ولا أهل الذمة ذكره عنه الحاكم بإسناد صحيح].
وهذا يدل على أن الإمام ابن خزيمة ﵀ يرى أن من أنكر علو الله فهو مرتد، فيكون أشد من اليهود والنصارى، فاليهود والنصارى يدفعون الجزية، أما هؤلاء لا يدفعون الجزية، بل يعيشون تحت راية الإسلام، ولذلك لا بد من ضرب أعناقهم، ولهذا قال: يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه ثم ألقي على مزبلة من مكان مرتفع، وهي مزبلة بعيدة عن البلد حتى لا يتأذى بنتن ريحه أهل الإسلام ولا أهل الذمة، فلا يتأذى به المسلمون، ولا يتأذى به اليهود والنصارى؛ فعلى ذلك دل على أنهم أشد كفراً من اليهود والنصارى.
قال: [وقد روى عبد الله بن أحمد عن عباد بن العوام الواسطي إمام أهل واسط من طبقة شيوخ الشافعي وأحمد قال: كلمت بشراً المريسي، وأصحاب بشر؛ فرأيت آخر كلامهم أن يقولوا: ليس في السماء شيء].
وبشر المريسي هذا جهمي، زعيم طائفة المريسية في القرن الثالث الهجري، قال الإمام عباد: إني تأملت كلامهم فرأيت أن مكسب كلامهم إنكار أن الله في السماء، وهذا الكلام يدور على أنه ليس فوق العرش نعوذ بالله هذا مقتضى قول الجهمية.
قال: [وعن عبد الرحمن بن مهدي الإمام المشهور أنه قال: ليس في أصحاب الأهواء شر من أصحاب جهم، يدورون على أن يقولوا: ليس في السماء شيء، أرى والله أن لا يناكحوا ولا يوارثوا].
وليس هناك أشد في البدع من الجهمية يدور كلامهم على إنكار الرب، قوله: أرى أن لا يناكحوا ولا يورثوا لأنهم كفار، يعني: حكم عليهم بالكفر.
قال: [وروى عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب الرد على الجهمية عن عبد الرحمن بن مهدي قال: أصحاب جهم يريدون أن يقولوا: إن الله لم يكلم موسى، ويريدون أن يقولوا: ليس في السماء شيء، وإن الله ليس على العرش، أرى أن يستتابوا فإن تابوا وإلا قتلوا.
وعن الأصمعي قال: قدمت امرأة جهم فنزلت الدباغين، فقال رجل عندها: الله على عرشه فقالت: محدود على محدود فقال الأصمعي: كافرة بهذه المقالة].
امرأة جهمية لما دخلت الدباغين وسمعت رجلاً يقول: الرحمن على العرش استوى، قالت: محدود على محدود تقصد بذلك إنكار علو الرب، يعني: كيف يكون محدوداً وهو الرب على محدود وهو العرش، يعني: هذا تنقص لله، وبذلك يكون محدوداً على محدود، وقصدهم من ذلك: نفي أن يكون الله فوق العرش؛ فلهذا قال الأصمعي: كفرت بهذه المقالة؛ لأنها أنكرت علو الله على عرشه، وإنكارها ذلك بمعنى: أن الله ساقط في المخلوقات وهذا كفر وضلال، ولهذا كفرها الأصمعي.
قال: [وعن عاصم بن علي بن عاصم - شيخ أحمد والبخاري وطبقتهما - قال: ناظرت جهماً؛ فتبين من كلامه أن لا يؤمن أن في السماء رباً.
وروى الإمام أحمد قال: أخبرنا سريج بن النعمان قال: سمعت عبد الله بن نافع الصائغ قال: سمعت مالك بن أنس يقول: الله في السماء، وعلمه في كل مكان؛ لا يخلو من علمه مكان].
هذا هو قول أهل السنة والجماعة، فالله فوق العرش، وعلمه في كل مكان، وهو فوق العرش ويعلم كل شيء، ويسمع كلام عباده ويراهم من فوق العرش بتوفيق قدرته ومشيئته فيها، وهو فوق العرش .
قال: [وقال الشافعي: خلافة أبي بكر الصديق حق قضاه الله في السماء وجمع عليه قلوب عباده].
فقوله: قضاها الله في سمائه، أي: إثبات أن الله في السماء، والرد على الجهمية.
قال: [وفي الصحيح عن أنس بن مالك قال: كانت زينب تفتخر على أزواج النبي ﷺ تقول زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سموات وهذا مثل قول الشافعي].
وهذا فيه أنَّ الله فوق العرش فوق سبع سماوات، وذلك أن الله زوج نبيَّه زينب لما طلقها زيد بن حارثة، وقد زوجها الله من فوق سبع سماوات من دون ولي، فوليها الله، ولهذا كانت تفخر على أزواج النبي وتقول: زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب:٣٧] وهذا من مناقب زينب ﵂، ودخل عليها النبي ﷺ بدون ولي وبدون شهود، كذا بدون الشروط المعتبرة من ولي وشاهد ومهر.
قال: [وقصة أبي يوسف - صاحب أبي حنيفة - مشهورة في استتابة بشر المريسي حتى هرب منه لما أنكر الصفات وأظهر قول جهم، قد ذكرها ابن أبي حاتم وغيره].
стр. 40
الإيمان بالعرش
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال أبو عبد الله محمد بن عبد الله ابن أبي زمنين الإمام المشهور من أئمة المالكية في كتابه الذي صنفه في أصول السنة قال فيه: باب الإيمان بالعرش، قال: ومن قول أهل السنة أن الله خلق العرش واختصه بالعلو والارتفاع فوق جميع ما خلق، ثم استوى عليه كيف شاء].
أي: أن العرش سقف المخلوقات.
قال: [كما أخبر عن نفسه في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ﴾ [الحديد:٤].
فسبحان من بَعُدَ وَقرُبَ بعلمه، فسمع النجوى، وذكر حديث أبي رزين العقيلي (قلت: يا رسول الله! أين ربنا قبل أن يخلق السموات والأرض؟ قال: في عماء ما تحته هواء وما فوقه هواء ثم خلق عرشه على الماء)].
والعماء هو السحاب الرقيق، كان في عماء ما فوقه هواء ولا تحته؛ لأن الذي فوقه هو، والذي تحته هو، وهذا الحديث فيه وكيع بن الحدس ويقال: عدس وفيه ضعف، فالحديث في سنده ضعيف، لكن هناك نصوص كثيرة كلها تدل على علو الله على خلقه.
قال: [قال محمد: العماء: السحاب الكثيف المطبق فيما ذكره الخليل وذكر آثاراً أخر].
следующие страницы →