← Акыда

Акыда · id 37019

شرح الحموية لابن تيمية - الراجحي

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (142 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

كفر من أنكر أن الله في السماء أو شك في ذلك قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال: وذكر الكلام في قتل الخوارج والبغاة إلى أن قال: قال أبو حنيفة عمن قال: لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض، فقد كفر؛ لأن الله يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] وعرشه فوق سبع سموات]. ومن أنكر أن الله فوق العرش فقد كفر. قال: [قلت: فإن قال: إنه على العرش استوى ولكنه يقول لا أدري العرش في السماء أم في الأرض؟ قال: هو كافر؛ لأنه أنكر أن يكون في السماء؛ لأنه تعالى في أعلى عليين وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل]. يقول: إذا قال: إذا أقر بأن الله فوق العرش فإن ذلك يقتضي أن العرش في السماء؛ لأن العرش فوق السماء ولأن الله فوق العرش، يقول: فمن أنكر أن يكون الله استوى على العرش هذا كفر، ومن قال: لا أدري: ربي في السماء أو في الأرض هذا يكفر؛ لأن الله في السماء، ومن قال: إن الله على العرش استوى، لكن لا أدري العرش في الأرض أو في السماء كفر؛ لأن عرشه في السماء، ولأن الله يدعى من أعلى لا من أسفل. قال: [وفي لفظ - سألت أبا حنيفة عمن يقول: لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض؟ قال: قد كفر. قال: لأن الله يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]. وعرشه فوق سبع سموات قلت: فإن قال إنه على العرش استوى ولكنه يقول لا أدري العرش في السماء أم في الأرض؟ قال هو كافر؛ لأنه أنكر أن يكون في السماء؛ لأنه تعالى في أعلى عليين وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل وفي لفظ سألت أبا حنيفة عمن يقول لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض قال: قد كفر، قال؛ لأن الله يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]. وعرشه فوق سبع سموات، قال: فإنه يقول: إنه على العرش استوى ولكن لا يدري العرش في الأرض أو في السماء؟ قال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر. ففي هذا الكلام المشهور عن أبي حنيفة عند أصحابه: أنه كفر الواقف الذي يقول: لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض؛ فكيف يكون الجاحد النافي الذي يقول ليس في السماء؛ أو ليس في الأرض ولا في السماء؟]. يعني يقول: إذا كان الإمام كفر المتوقف وهو يثبت أن الله فوق العرش لكنه لا يدري هل العرش في السماء أو الأرض فتراه متردداً فهذا يكفي لكفره، فإذا كان هذا المثبت لوجود الله وأثبت النوع والأصل لكنه متوسط وكفر، فكيف بمن قال: ليس فوق العرش إله وليس في السماء إله من الملاحدة، والذي يقول: لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته؟ هذا مبني على الكفر بعض على بعض. قال: [واحتج على كفره بقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]. قال: وعرشه فوق سبع سموات، وبين بهذا أن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]. يبين أن الله فوق السموات فوق العرش، وأن الاستواء على العرش دل على أن الله نفسه فوق العرش ثم أردف ذلك بتكفير من قال: إنه على العرش استوى، ولكن توقف في كون العرش في السماء أم في الأرض قال: لأنه أنكر أنه في السماء؛ لأن الله في أعلى عليين؛ وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل وهذا تصريح من أبي حنيفة بتكفير من أنكر أن يكون الله في السماء. واحتج على ذلك بأن الله تعالى في أعلى عليين، وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل، وكل من هاتين الحجتين فطرية عقلية، فإن القلوب مفطورة على الإقرار بأن الله في العلو وعلى أنه يدعى من أعلى لا من أسفل، وقد جاء اللفظ الآخر صريحا عنه بذلك فقال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر]. فهو معلوم أن الله يدعى من أعلى لا من أسفل يعني: إذا كنت تعلم أن هذا أمر فطري أن الله فوق العرش، وفطر الله الخلق على أنهم يدعونه من أعلى ولا يدعونه من أسفل، فإذا قال: لا أدري العرش في السماء أو في الأرض أنكر أن يكون الله يدعى من أعلى فيكفر بذلك. وحيث قال: إن الله فوق العرش، لكن لا أدري العرش في السماء أو في الأرض فهذا يكفر؛ لأن الله يدعى من أعلى لا من أسفل؛ ولأن الله في أعلى عليين، وهذا الشاك لا يدري هل هو فوق أو هو تحت فيكفر.

стр. 37

تصريح الأئمة بعلو الله على العرش ومباينته للخلق قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وروى هذا اللفظ بإسناد عنه شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري الهروي في كتاب الفاروق، وروى أيضاً ابن أبي حاتم أن هشام بن عبيد الله الرازي - صاحب محمد بن الحسن - قاضي الري حبس رجلاً في التجهم فجيء به إلى هشام ليطلقه فقال: الحمد الله على التوبة؛ فامتحنه هشام؛ فقال: أتشهد أن الله على عرشه بائن من خلقه؟ فقال: أشهد أن الله على عرشه، ولا أدري ما بائن من خلقه فقال: ردوه إلى الحبس فإنه لم يتب]. يعني: هو مقر أن الله على عرشه، ولكنه قال: ما أدري بائن من خلقه، أي: نفى أن يكون بائناً من خلقه، فجعل الله مختلطاً مع المخلوقات نعوذ بالله فردوه إلى الحبس. قال: [وروى أيضاً عن يحيى بن معاذ الرازي أنه قال: إن الله على العرش بائن من الخلق، وقد أحاط بكل شيء علماً وأحصى كل شيء عدداً، لا يشك في هذه المقالة إلا جهمي رديء ضليل وهالك مرتاب، يمزج الله بخلقه ويخلط منه الذات بالأقذار والأنتان. وروي أيضاً عن ابن المديني لما سئل: ما قول أهل الجماعة؟ قال: يؤمنون بالرؤية والكلام وأن الله فوق السموات على العرش استوى، فسئل عن قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة:٧] فقال: اقرأ ما قبلها: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [المجادلة:٧]]. يعني: لا يكون إلا هو معهم بعلمه، وهو فوق العرش . قال: [وروى أيضاً عن أبي عيسى الترمذي قال: هو على العرش كما وصف في كتابه، وعلمه وقدرته وسلطانه في كل مكان. وروى عن أبي زرعة الرازي أنه سئل عن تفسير قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] فقال: تفسيره كما تقرؤه، هو على العرش وعلمه في كل مكان، ومن قال غير هذا فعليه لعنة الله].

стр. 38

حكاية محمد بن الحسن اتفاق الفقهاء على ما جاءت به النصوص من صفات الله قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وروى أبو القاسم اللالكائي، صاحب أبي حامد الإسفرائيني (في كتابه المشهور) في أصول السنة بإسناده عن محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة قال: اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث؛ التي جاء بها الثقات عن رسول الله ﷺ في صفة الرب : من غير تفسير، ولا وصف ولا تشبيه، فمن فسر اليوم شيئا منها فقد خرج مما كان عليه النبي ﷺ وفارق الجماعة؛ فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا، ولكن أفتوا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا فمن قال: بقول جهم فقد فارق الجماعة؛ فأنه قد وصفه بصفة لا شيء]. إن جهم عطًّلَ الصفات عن الله ، ووصفه بصفة لا شيء، وهو المعدوم فخصص أنه شيء ليس له صفات، لا سمع ولا بصر ولا علم ولا قدرة ولا فوق ولا تحت، يعني: هذا لا شيء هذا معدوم. قال: [محمد بن الحسن أخذ عن أبي حنيفة ومالك وطبقتهما من العلماء]. يبين أن محمد بن حسن من العلماء ويأخذ عن أهل العلم، وهو قد حكا الإجماع على كفر الجهمية. قال: [محمد بن الحسن أخذ عن أبي حنيفة ومالك وطبقتهما من العلماء، وقد حكا هذا الإجماع، وأخبر أن الجهمية تصفه بالأمور السلبية غالباً أو دائماً وقوله من غير تفسير: أراد به تفسير الجهمية المعطلة، الذين ابتدعوا تفسير الصفات بخلاف ما كان عليه الصحابة والتابعون من الإثبات. وروى البيهقي وغيره بأسانيد صحيحة عن أبي عبيد القاسم بن سلام قال: هذه الأحاديث التي يقول فيها: (ضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غِيَرِه) (وأن جهنم لا تمتلئ حتى يضع ربك فيها قدمه) (والكرسي موضع القدمين)، وهذه الأحاديث في الرؤية هي عندنا حق، حملها الثقات بعضهم عن بعض؛ غير أنا إذا سئلنا عن تفسيرها لا نفسرها، وما أدركنا أحدا يفسرها]. يعني: لا نفسر تفسير الجهمية، ولا نكيف. قال: [أبو عبيد أحد الأئمة الأربعة: الذين هم الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد، وله من المعرفة بالفقه واللغة والتأويل ما هو أشهر من أن يوصف، وقد كان في الزمان الذي ظهرت فيه الفتن والأهواء، وقد أخبر أنه ما أدرك أحدا من العلماء يفسرها أي: تفسير الجهمية. وروى اللالكائي والبيهقي عن عبد الله بن المبارك: أن رجلاً قال له: يا أبا عبد الرحمن! إني أكره الصفة - عنى صفة الرب - فقال له عبد الله بن المبارك: وأنا أشد الناس كراهة لذلك، ولكن إذا نطق الكتاب بشيء قلنا به، وإذا جاءت الآثار بشيء جسرنا عليه، ونحو هذا]. يعني: أنا مثلك أكره الصفة التي لم تثبت فلا أثبتها لله، فالأسماء والصفات توقيفية، فلا يخترع الناس لله أسماء وصفات من عند أنفسهم، فما جاء في الكتاب والسنة يسمى به ويثبت، لأن الله تعالى أعلم بنفسه من عباده، وهو الذي أثبت هذه الصفة لنفسه، فنثبتها له وكذلك الرسول ﷺ أعلم الناس ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:٣]. فإذا أثبت رسول النبي ﷺ لله تعالى الصفات والأسماء أثبتنا ما أثبته النبي ﷺ . قال: [أراد ابن المبارك أنا نكره أن نبتدئ بوصف الله من ذات أنفسنا حتى يجيء به الكتاب والآثار]. قال المحشي: وقد طبع الكتاب عدة طبعات إلى أن قالوا: وفي صحة نسبته إلى أبي حنيفه نظر، أما من ناحية السند فإن كلاً من الروايتين لا تخلو من مقال، وحماد بن أبي حنيفة، وأبو مطيع كلاهما متكلم فيه من ناحية الرواية، فمن العلماء من ينسب الكتاب لأبي حنيفة مطلقاً مثل: شيخ الإسلام وابن أبي العز الحنفي والبغدادي وحاجب خليفة، بينما نجد الإمام الذهبي واللكنوي ينسبان الفقه الأكبر الذي في رواية أبي مطيع إلى أبي مطيع نفسه ولعل هذا أصله من أمالي أبي حنيفة، جمعها ودونها أبو مطيع ويذكر بروكل مان أن الفقه الأكبر ما دون إلا بعد وفاة أبي حنيفة. هذا كتاب ويقول: أما هؤلاء فهم ثقات.

стр. 39

تصريح أكابر السلف بتكفير الجهمية وتضليلهم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وروى عبد الله بن أحمد وغيره بأسانيد صحاح عن ابن المبارك أنه قيل له: بماذا نعرف ربنا؟ قال: بأنه فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه، ولا نقول كما تقول الجهمية: إنه هاهنا في الأرض وهكذا قال الإمام أحمد وغيره]. وهذا قول عبد الله بن المبارك أن الله فوق سماواته مستو على عرشه بائن من خلقه، ولا نقول: إنه هاهنا، يعني: إسقاط المخلوقات كما تقول الجهمية، فالجهمية قاتلهم الله يقولون: إن الله في كل مكان، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً وقالوا: هو موجود في بطون السباع وفي أجواف الطيور تعالى الله عما يقول الظالمون علواًَ كبيراً، وهذا كفر وضلال نعوذ بالله، وقالت طائفة أخرى من الجهمية بنفي النقيضين، قالوا: لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته، ولا مبين له ولا محيط له، ولا متصل به ولا منفصل عنه هذا أشد كفراً نعوذ بالله. قال: [وروى بإسناد صحيح عن سليمان بن حرب الإمام: سمعت حماد بن زيد وذكر هؤلاء الجهمية فقال: إنما يحاولون أن يقولوا ليس في السماء شيء]. أي: ينكرون وجود الله، وهذه محاولتهم لما أنكروا العلو وقالوا: لا داخل عليه ولا خارج أنكروا وجود الله، وكذلك الذين يقولون: إنه حل في كل مكان، فقد جعل الرب مثل الهواء نعوذ بالله. قال: [وروى ابن أبي حاتم في كتاب الرد على الجهمية عن سعيد بن عامر الضبعي إمام أهل البصرة علماً وديناً من شيوخ أحمد أنه ذكر عنده الجهمية فقال: هم أشر قولاً من اليهود والنصارى، وقد اجتمع اليهود والنصارى وأهل الأديان مع المسلمين على أن الله على العرش، وهم قالوا: ليس على شيء]. فاليهود والنصارى وأهل الأوثان أقروا بأن الله موجود، وبأنه فوق العرش، وهؤلاء أنكروا وجود الله؛ لأنه لما أنكروا العلو وقالوا في كل مكان، أو قالوا: لا داخل العالم ولا خارجه أنكروا وجود الله، فمن أقوالهم كما قال عبد الملك بن مروان أنهم يقولون: ليس على العرش إله، فاليهود تحت هذه الحالة ومن هذه الناحية من جهة اعترافهم بالرب وأنه في العلو هم أفضل من هؤلاء الجهمية الذين قالوا: ليس هناك رب فوق نعوذ بالله. قال: [وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة إمام الأئمة: من لم يقل: إن الله فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه وجب أن يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه، ثم ألقي على مزبلة، لئلا يتأذى بنسم ريحه أهل القبلة ولا أهل الذمة ذكره عنه الحاكم بإسناد صحيح]. وهذا يدل على أن الإمام ابن خزيمة ﵀ يرى أن من أنكر علو الله فهو مرتد، فيكون أشد من اليهود والنصارى، فاليهود والنصارى يدفعون الجزية، أما هؤلاء لا يدفعون الجزية، بل يعيشون تحت راية الإسلام، ولذلك لا بد من ضرب أعناقهم، ولهذا قال: يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه ثم ألقي على مزبلة من مكان مرتفع، وهي مزبلة بعيدة عن البلد حتى لا يتأذى بنتن ريحه أهل الإسلام ولا أهل الذمة، فلا يتأذى به المسلمون، ولا يتأذى به اليهود والنصارى؛ فعلى ذلك دل على أنهم أشد كفراً من اليهود والنصارى. قال: [وقد روى عبد الله بن أحمد عن عباد بن العوام الواسطي إمام أهل واسط من طبقة شيوخ الشافعي وأحمد قال: كلمت بشراً المريسي، وأصحاب بشر؛ فرأيت آخر كلامهم أن يقولوا: ليس في السماء شيء]. وبشر المريسي هذا جهمي، زعيم طائفة المريسية في القرن الثالث الهجري، قال الإمام عباد: إني تأملت كلامهم فرأيت أن مكسب كلامهم إنكار أن الله في السماء، وهذا الكلام يدور على أنه ليس فوق العرش نعوذ بالله هذا مقتضى قول الجهمية. قال: [وعن عبد الرحمن بن مهدي الإمام المشهور أنه قال: ليس في أصحاب الأهواء شر من أصحاب جهم، يدورون على أن يقولوا: ليس في السماء شيء، أرى والله أن لا يناكحوا ولا يوارثوا]. وليس هناك أشد في البدع من الجهمية يدور كلامهم على إنكار الرب، قوله: أرى أن لا يناكحوا ولا يورثوا لأنهم كفار، يعني: حكم عليهم بالكفر. قال: [وروى عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب الرد على الجهمية عن عبد الرحمن بن مهدي قال: أصحاب جهم يريدون أن يقولوا: إن الله لم يكلم موسى، ويريدون أن يقولوا: ليس في السماء شيء، وإن الله ليس على العرش، أرى أن يستتابوا فإن تابوا وإلا قتلوا. وعن الأصمعي قال: قدمت امرأة جهم فنزلت الدباغين، فقال رجل عندها: الله على عرشه فقالت: محدود على محدود فقال الأصمعي: كافرة بهذه المقالة]. امرأة جهمية لما دخلت الدباغين وسمعت رجلاً يقول: الرحمن على العرش استوى، قالت: محدود على محدود تقصد بذلك إنكار علو الرب، يعني: كيف يكون محدوداً وهو الرب على محدود وهو العرش، يعني: هذا تنقص لله، وبذلك يكون محدوداً على محدود، وقصدهم من ذلك: نفي أن يكون الله فوق العرش؛ فلهذا قال الأصمعي: كفرت بهذه المقالة؛ لأنها أنكرت علو الله على عرشه، وإنكارها ذلك بمعنى: أن الله ساقط في المخلوقات وهذا كفر وضلال، ولهذا كفرها الأصمعي. قال: [وعن عاصم بن علي بن عاصم - شيخ أحمد والبخاري وطبقتهما - قال: ناظرت جهماً؛ فتبين من كلامه أن لا يؤمن أن في السماء رباً. وروى الإمام أحمد قال: أخبرنا سريج بن النعمان قال: سمعت عبد الله بن نافع الصائغ قال: سمعت مالك بن أنس يقول: الله في السماء، وعلمه في كل مكان؛ لا يخلو من علمه مكان]. هذا هو قول أهل السنة والجماعة، فالله فوق العرش، وعلمه في كل مكان، وهو فوق العرش ويعلم كل شيء، ويسمع كلام عباده ويراهم من فوق العرش بتوفيق قدرته ومشيئته فيها، وهو فوق العرش . قال: [وقال الشافعي: خلافة أبي بكر الصديق حق قضاه الله في السماء وجمع عليه قلوب عباده]. فقوله: قضاها الله في سمائه، أي: إثبات أن الله في السماء، والرد على الجهمية. قال: [وفي الصحيح عن أنس بن مالك قال: كانت زينب تفتخر على أزواج النبي ﷺ تقول زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سموات وهذا مثل قول الشافعي]. وهذا فيه أنَّ الله فوق العرش فوق سبع سماوات، وذلك أن الله زوج نبيَّه زينب لما طلقها زيد بن حارثة، وقد زوجها الله من فوق سبع سماوات من دون ولي، فوليها الله، ولهذا كانت تفخر على أزواج النبي وتقول: زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب:٣٧] وهذا من مناقب زينب ﵂، ودخل عليها النبي ﷺ بدون ولي وبدون شهود، كذا بدون الشروط المعتبرة من ولي وشاهد ومهر. قال: [وقصة أبي يوسف - صاحب أبي حنيفة - مشهورة في استتابة بشر المريسي حتى هرب منه لما أنكر الصفات وأظهر قول جهم، قد ذكرها ابن أبي حاتم وغيره].

стр. 40

الإيمان بالعرش قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال أبو عبد الله محمد بن عبد الله ابن أبي زمنين الإمام المشهور من أئمة المالكية في كتابه الذي صنفه في أصول السنة قال فيه: باب الإيمان بالعرش، قال: ومن قول أهل السنة أن الله خلق العرش واختصه بالعلو والارتفاع فوق جميع ما خلق، ثم استوى عليه كيف شاء]. أي: أن العرش سقف المخلوقات. قال: [كما أخبر عن نفسه في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ﴾ [الحديد:٤]. فسبحان من بَعُدَ وَقرُبَ بعلمه، فسمع النجوى، وذكر حديث أبي رزين العقيلي (قلت: يا رسول الله! أين ربنا قبل أن يخلق السموات والأرض؟ قال: في عماء ما تحته هواء وما فوقه هواء ثم خلق عرشه على الماء)]. والعماء هو السحاب الرقيق، كان في عماء ما فوقه هواء ولا تحته؛ لأن الذي فوقه هو، والذي تحته هو، وهذا الحديث فيه وكيع بن الحدس ويقال: عدس وفيه ضعف، فالحديث في سنده ضعيف، لكن هناك نصوص كثيرة كلها تدل على علو الله على خلقه. قال: [قال محمد: العماء: السحاب الكثيف المطبق فيما ذكره الخليل وذكر آثاراً أخر].

стр. 41

الإيمان بالكرسي قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم قال: باب الإيمان بالكرسي، قال محمد بن عبد الله: ومن قول أهل السنة أن الكرسي بين يدي العرش، وأنه موضع القدمين]. هكذا صح عن ابن عباس، فقد صح عن ابن عباس أنه قال: يكون في موضع القدمين، والعرش لا يعلم قدره إلا الله . قال: [ثم ذكر حديث أنس الذي فيه التجلي يوم الجمعة في الآخرة، وفيه: (فإذا كان يوم الجمعة هبط من عليين على كرسيه، ثم يحف الكرسي على منابر من ذهب مكللة بالجواهر؛ ثم يجيء النبيون فيجلسون عليها). وهذا الحديث فيه إثبات العلو. قال: [وذكر ما ذكره يحيى بن سلام صاحب التفسير المشهور حدثني المعلى بن هلال عن عمار الدهني عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: (إن الكرسي الذي وسع السموات والأرض لموضع القدمين، ولا يعلم قدر العرش إلا الذي خلقه)]. من رواة الحديث عمار الذهني، هو عمار بن معاوية بن أسلم البجلي وثقه الإمام أحمد والجماعة. قال: [وذكر من حديث أسد بن موسى حدثنا حماد بن سلمة عن زر عن ابن مسعود ﵁ قال: (ما بين السماء الدنيا والتي تليها مسيرة خمسمائة عام، وبين كل سماء خمسمائة عام، وبين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي والماء خمسمائة عام، والعرش فوق الماء، والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه)].

стр. 42

الإيمان بالحجب قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم قال: باب الإيمان بالحجب، قال: ومن قول أهل السنة. أن الله بائن من خلقه يحتجب عنهم بالحجب، فتعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف:٥] وذكر آثاراً في الحجب، ثم قال -في باب (الإيمان بالنزول) -: ومن قول أهل السنة أن الله ينزل إلى السماء الدنيا، ويؤمنون بذلك من غير أن يحدوا في حداً، وذكر الحديث من طريق مالك وغيره إلى أن قال: وأخبرني وهب عن ابن وضاح عن الزهري عن ابن عباد، قال: ومن أدركت من المشايخ مالك وسفيان الثوري وفضيل بن عياض وعيسى بن المبارك ووكيع: كانوا يقولون: إن النزول حق، قال ابن وضاح: وسألت يوسف بن عدي عن النزول قال: نعم أؤمن به ولا أحد فيه حداً، وسألت عنه ابن معين فقال: نعم، أقر به، ولا أحد فيه حداً. قال محمد: وهذا الحديث يبين أن الله على العرش في السماء دون الأرض، وهو أيضاً بين في كتاب الله، وفي غير حديث عن رسول الله ﷺ ، قال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة:٥]. وقال تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك:١٦ - ١٧]. وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠]. وقال: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨]. وقال تعالى: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران:٥٥]. وقال تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٨]. وذكر من طريق مالك: قول النبي ﷺ للجارية: (أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: فأعتقها فإنها مؤمنة)]. كل هذه أدلة واضحة، فالرفع يكون من أسفل إلى أعلى والصعود كذلك، والجارية أجابت أن الله في السماء، فدل على أن الله في العلو، وقال: وأهل البدع أنكروا أن يسأل عن الله بأين، قالوا: هذا سؤالٌ فاسد، وأقرها على الجواب الفاسد، هكذا اتهموا الرسول ﵊. قال: [قال: والأحاديث مثل هذا كثيرة جداً فسبحان من علمه بما في السماء كعلمه بما في الأرض، لا إله إلا هو العلي العظيم. وقال قبل ذلك في باب (الإيمان بصفات الله تعالى وأسمائه) قال: واعلم بأن أهل العلم بالله وبما جاءت به أنبياؤه ورسله يرون الجهل بما لم يخبر به عن نفسه علماً والعجز عن ما لم يدع إليه إيماناً، وأنهم إنما ينتهون من وصفه بصفاته وأسمائه إلى حيث انتهى في كتابه على لسان نبيه ﷺ ]. يعني: يقفون عند هذا الحد ينتهون إليه ولا يزيدون. قال: [وقد قال الله تعالى وهو أصدق القائلين: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]]. يثبت أن لله وجهاً. قال: [وقال تعالى: ﴿قُلْ أي شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام:١٩]]. يثبت أن الله شيء. قال: [﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران:٢٨]]. فيها إثبات النفس لله. قال: [وقال: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر:٢٩]]. فيها أثبات أن لله روح. قال: [﴿رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور:٤٨]]. فيها إثبات أن الله يرى. قال: [وقال: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩]]. فيها إثبات أن الله يرى. قال: [وقال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤]]. فيها إثبات اليدين لله . قال: [وقال تعالى: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر:٦٧]]. فيها إثبات القبضة لله. قال: [وقال: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦]]. فيها إثبات السمع والرؤية. قال: [﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]]. فيها إثبات أن الله يتكلم مع من شاء من خلقه. قال: وقال تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النور:٣٥]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥]. وقال تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد:٣] ومثل هذا فالقرآن كثير. فهو ﵎ نور السموات والأرض، كما أخبر عن نفسه، وله وجه ونفس وغير ذلك مما وصف به نفسه، ويسمع ويرى ويتكلم، هو الأول لا شيء قبله، والآخر الباقي إلى غير نهاية ولا شيء بعده، والظاهر العالي فوق كل شيء، والباطن، بطن علمه بخلقه فقال: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٩]]. وهذا كما فسر النبي ﷺ في الحديث الصحيح هذه الأسماء (اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء). قال: [قيوم حيٌّ ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥]. وذكر أحاديث الصفات ثم قال: فهذه صفات ربنا التي وصف بها نفسه في كتابه، ووصفه بها نبيه، وليس في شيء منها تحديد ولا تشبيه ولا تقدير: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] لم تره العيون فتحده كيف هو؟ ولكن رأته القلوب في حقائق الإيمان].

стр. 43

شرح الحموية لابن تيمية [٦] إن أهل البدع يثبتون لله ذاتاً لا تشبه ذوات المخلوقين وكذلك أهل السنة والجماعة، لكن أهل البدع ينفون عن الله الأسماء والصفات والأفعال التي أثبتها لنفسه وأثبتها له نبيه بحجة أن إثباتها فيه تشبيه للخالق بالمخلوقات غير أن أهل السنة أثبتوها لله كما أثبتها لنفسه وقالوا كما أن ذاته تختلف عن ذوات المخلوقات كذلك أسماؤه وصفاته وأفعاله.

стр. 44

القول في الصفات فرع على القول في الذات قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكلام الأئمة في هذا الباب أطول وأكثر من أن تسع هذه الفتيا عشره وكذلك كلام الناقلين لمذهبهم. مثل ما ذكره أبو سليمان الخطابي في رسالته المشهورة في (الغنية عن الكلام وأهله) قال: فأما ما سألت عنه من الصفات، وما جاء منها في الكتاب والسنة، فإن مذهب السلف إثباتها وإجراؤُها على ظواهرها، ونفي الكيفية والتشبيه عنها، وقد نفاها قوم فأبطلوا ما أثبته الله، وحققها قوم من المثبتين فخرجوا في ذلك إلى ضرب من التشبيه والتكييف]. يعني: قوم نفوها وعطلوا الرب عن صفاته، وقوم غلوا في الإثبات حتى شبهوا الله بخلقه ومثلوه بعباده، وقوله: حققها يعني: معناها، يعني: زادوا في الإثبات حتى وصلوا إلى التشبيه. قال: [وإنما الفصل في سلوك الطريقة المستقيمة بين الأمرين، ودين الله تعالى بين الغالي فيه والمقصر عنه]. وهذا مذهب أهل السنة والجماعة أثبتوا الصفات، ونفوا مماثلة ومشابهة المخلوقات، وهو وسط بين مذهب المعطلة الذين غلوا في التنزيه حتى عطلوا صفات الله وصفات كماله، وبين المشبهة من الشيعة والرافضة غلوا في الإثبات حتى مثلوا الله بخلقه. مداخلة: وإنما الفصل في سلوك الطريق المستقيمة بين الأمران. يعني: القصد في التوسط والاعتدال. قال: [ودين الله تعالى بين الغالي فيه والمقصر عنه، والأصل في هذا: أن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات، ويحتذى في ذلك حذوه وأمثاله]. أي: كما أن الله له ذات لا تشبه الذوات فله صفات لا تشبه الصفات. قال: [فإذا كان معلوماً أن إثبات الباري سبحانه إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف. فإذا قلنا: يد وسمع وبصر وما أشبهها، فإنما هي صفات أثبتها الله لنفسه، ولسنا نقول: إن معنى اليد: القوة أو النعمة. وهذا قول المعطلة، فسروا اليد بالقوة وبالنعمة، وهذا من أبطل الباطل، قال تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]. وهذا يقول: بقوتي وبنعمتي يفسد المعنى، لأن نعم الله كثيرة. قال: [ولسنا نقول: إن معنى اليد القوة أو النعمة، ولا معنى السمع والبصر: العلم، ولا نقول: إنها جوارح]. يقولون: السمع والبصر يعني: العلم وهذا باطل، الله يسمع ويبصر يقولون: يعني: يعلم. وقوله: [ولا نقول: إنها جوارح، ولا نشبهها بالأيدي والأسماع والأبصار التي هي جوارح وأدوات للفعل]. لا نقول لها: جوارح هذا مما أطلقه أهل البدع، يقولون: اليد هي الجارحة. ولا نشبهها بأبصار المخلوقين وأسماعهم التي هي الجوارح بالفعل وأدوات للفعل، فهو سبحانه متنزه بجلاله وعظمته لا يماثله أحد من خلقه، كما قال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] وقال سبحانه: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]. فعلى ذلك فإن الأشياء التي لم ترد ولم تثبت لا تكيَّف ولا يقال: لله جوارح، ولا يقال: له جسمٌ أو حجم أو حيز أو جهة، لا ننفي ولا نثبت. قال: [ونقول: إن القول إنما وجب بإثبات الصفات؛ لأن التوقيف ورد بها، ووجب نفي التشبيه عنها؛ لأن الله ليس كمثله شيء، وعلى هذا ترى قول السلف في أحاديث الصفات انتهى هذا كله كلام الخطابي وهكذا قاله أبو بكر الخطيب الحافظ في رسالة له أخبر فيها أن مذهب السلف على ذلك، وهذا الكلام الذي ذكره الخطابي قد نقل نحواً منه من العلماء من لا يحصى عددهم، مثل: أبي بكر الإسماعيلي، والإمام يحيى بن عمار السجزي وشيخ الإسلام أبي إسماعيل الهروي صاحب منازل السائرين وذم الكلام وهو أشهر من أن يوصف، وشيخ الإسلام أبي عثمان الصابوني وأبي عمر بن عبد البر النمري إمام المغرب وغيرهم].

стр. 45

كلام أبي نعيم الأصبهاني في إثبات صفة العلو والاستواء لله جل وعلا قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال أبو نعيم الأصبهاني صاحب الحلية في عقيدة له في أولها طريقتنا طريقة المتبعين الكتاب والسنة وإجماع الأمة، قال: فمما اعتقدوه أن الأحاديث التي ثبتت عن النبي ﷺ في العرش واستواء الله يقولون بها، ويثبتونها من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه، وأن الله بائن من خلقه والخلق بائنون منه لا يحل فيهم ولا يمتزج بهم وهو مستوٍ على عرشه في سمائه، دون أرضه وخلقه. ]. سبحان الله العظيم، وفيه رد على أهل البدع الذي يقولون: إنه مختلط في المخلوقات وهذا كفر، بل هو مستو على عرشه بائن من خلقه. قال: [وقال الحافظ أبو نعيم في كتاب محجة الواثقين ومدرجة الوامقين تأليفه: وأجمعوا أن الله فوق سمواته، عالٍ على عرشه، مستوٍ عليه، لا مستولٍ عليه كما تقول الجهمية: إنه بكل مكان، خلافاً لما نزل في كتابه: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك:١٦]. ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠]]. والصعود من أسفل إلى أعلى فدل على أن الله في العلو. قال: [﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]. له العرش المستوي عليه والكرسي الذي وسع السماوات والأرض، وهو قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥]. وكرسيه جسم، والسماوات السبع والأرضون السبع عند الكرسي كحلقة في أرض فلاة]. والكرسي بالنسبة للعرش كحلقة في فلاة أيضاً. فالكرسي جسم، كما جاء عن ابن عباس: وموضع قدميه الكرسي والعرش لا يعلم قدره إلا الله. قال: [وليس كرسيه علمه كما قالت الجهمية]. وليس الكرسي هو علمه كما قالت الجهمية: وهذا قول من الأقوال وهو مروي عن ابن عباس فقد روي عنه روايات في الكرسي قيل: الكرسي العرش وقيل: الكرسي موضع القدمين، وقيل: الكرسي العلم فهذه ثلاث روايات لكن رواية فكرسيه: علمه باطله ويوافق تفسير الجهمية، ويفسد بها المعنى فإذا قرأت: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥]. أي: وسع علمه السماوات والأرض وعلم الله وسع كل شيء فإذا فسر الكرسي بالعلم صار ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥] صار العلم ما يسع إلا السماوات والأرض مع أن العلم كما قال الله: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر:٧]. قال: [وليس كرسيه علمه كما قالت الجهمية؛ بل يوضع كرسيه يوم القيامة لفصل القضاء بين خلقه؛ كما قاله النبي ﷺ وأنه - تعالى وتقدس - يجيء يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده والملائكة صفاًّ صفاًّ كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢]]. وأنه تعالى وتقدس يجيء يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده فيغفر لمن يشاء من مذنبي الموحدين ويعذب من يشاء. كما قال تعالى: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٨٤].

стр. 46

وصية معمر بن أحمد للصوفية باتباع منهج أهل الحديث في إثبات العلو والنزول قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال الإمام العارف معمر بن أحمد الأصبهاني - شيخ الصوفية في حدود المائة الرابعة في بلاده - قال: أحببت أن أوصي أصحابي بوصية من السنة، وموعظة من الحكمة، وأجمع ما كان عليه أهل الحديث والأثر بلا كيف، وأهل المعرفة والتصوف من المتقدمين والمتأخرين، قال فيها: وإن الله استوى على عرشه بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل، والاستواء معقول، والكيف فيه مجهول، وأنه بائن من خلقه، والخلق منه بائنون بلا حلول ولا ممازجة ولا اختلاط ولا ملاصقة؛ لأنه الفرد البائن من الخلق، الواحد الغني عن الخلق]. أثبت استواء الرب بلا حلول ولا ممازجة، وهذا فيه رد على الجهمية القائلين بالحلول والاختلاط، مثلاً يقولون: إن الله مختلط بالمخلوقات نعوذ بالله، وهذا كفر وضلال، فالجهمية نفوا أن يكون الله في العلو، وقالوا: إنه حال في كل مكان، وهذا اختلاط في ذاته نعوذ بالله، ولهذا قال: بلا حلول ولا اختلاط ولا ممازجة. قال: [وأن الله سميع بصير عليمٌ خبيرٌ يتكلم، ويرضى ويسخط ويضحك ويعجب، ويتجلى لعباده يوم القيامة ضاحكاً، وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف شاء (فيقول: هل من داعٍ فأستجيب له؟ هل من مستغفرٍ فأغفر له؟ هل من تائبٍ فأتوب عليه؟ حتى يطلع الفجر)، ونزول الرب إلى السماء بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل فمن أنكر النزول أو تأول فهو مبتدع ضال وسائر الصفوة من العارفين على هذا]. قد يقال: إن ثلث الليل يختلف من دولة إلى دولة وهذا يقتضي نزول الرب أكثر من مرة. هذا بالنسبة للمخلوق، أما بالنسبة للخالق فلا يقال هذا، نقول له إنما قال: يزداد الليل والنهار في الأمكنة لأنك شبهت نزول الخالق بنزول المخلوق فظننت أن نزول الخالق كنزول المخلوق، ولذلك اشتبه عليك الأمر أن تقول: يختلف الليل فقد يكون مثلاً ثلث الليل هنا الآن، وهو ثلث مثلاً في أمكنة بعيدة في أمريكا بعد اثنتي عشرةَ ساعة وفي ثلث الليل بعد كذا فلا يزال الرب كل وقت ينزل نقول هذا الإشكال إنما نشأ لكونك لم تفهم من نزول الخالق إلا كما فهمت من نزول المخلوق لكن نقول الله ينزل بلا كيف، فلا نعلم الكيفية ففي أي مكان أنت في أرض الله إذا جاء ثلث الليل فإنه وقت تنزل الله سبحانه ولا نعلم الكيفية، ولا إشكال هنا.

стр. 47

قول الفضيل بن عياض في وصف الله بما وصف به نفسه دون تكييف أو تمثيل قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال الشيخ الإمام أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال في كتاب السنة: حدثنا أبو بكر الأثرم حدثنا إبراهيم بن الحارث يعني: العبادي حدثنا الليث بن يحيى قال: سمعت إبراهيم بن الأشعث قال أبو بكر -وهو صاحب الفضيل - قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: ليس لنا أن نتوهم في الله كيف هو؟ لأن الله تعالى وصف نفسه فأبلغ فقال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤] فلا صفة أبلغ مما وصف به نفسه]. فلا يشبهه الإنسان ولا يمثل، وكل ما توهمه الإنسان فالله بخلاف ذلك، فلا يكيفه الإنسان ولا يمثل ولا يتوهم، وإنما يصف الله بما وصف به نفسه ويسميه بما سمى به نفسه. قال: [وكل هذا النزول والضحك وهذه المباهاة وهذا الاطلاع كما يشاء أن ينزل، وكما يشاء أن يباهي، وكما يشاء أن يضحك، وكما يشاء أن يطلع فليس لنا أن نتوهم كيف وكيف؟ فإذا قال الجهمي: أنا أكفر برب يزول عن مكانه فقل: بل أومن برب يفعل ما يشاء]. وهذا قاله بعض السلف، يعني: إذا قال لك الجهمي: أنا أكفر برب يزول من مكانه فقل: أنا أومن برب يفعل ما يشاء. قال: [ونقل هذا عن الفضيل جماعة منهم البخاري في أفعال العباد].

стр. 48

كلام أبي إسماعيل الهروي في إثبات الأسماء والصفات قال المؤلف ﵀: [ونقل شيخ الإسلام بإسناده في كتابه الفاروق]. أي: شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي الحنبلي الصوفي. وكتاب الفاروق هو كتاب في إثبات الصفات، وهذا شيخ الإسلام أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الهروي الصوفي الحنبلي وهو الذي صنف كتاب (منازل السائرين بين إياك نعبد وإياك نستعين)، وشرحه ابن القيم في كتاب مدارج السالكين وكتاب شيخ الإسلام الفاروق كتاب جيد في إثبات الأسماء والصفات، وفيه رد على المعطلة وأهل البدع ونفاة الصفات، حتى حصل بينهم مشادة، حتى أنهم أرادوا قتله، وسعوا به إلى السلطان. لكن لما جاء في باب السلوك عطل العبادة، وصار يتعلق بالفناء ويشير إليه، فكما أن أولئك عطلوا الخالق من الصفات، فهذا عطل الخالق من العبادة، فوافقهم من حيث لا يشعر، وافقهم في التعطيل، فالذين أنكروا الأسماء والصفات عطلوا الخالق من صفاته وهو لما جاء في باب السلوك عطل الخالق من العبادة واكتفى بالشهود والنظر إلى الله، وابن القيم يعتذر عنه كثيراً في مدارج السالكين، ويقول شيخ الإسلام حبيب إلينا ولكن الحق أحب إلينا منه. قال: [ونقل شيخ الإسلام بإسناده في كتابه (الفاروق) فقال: حدثنا يحيى بن عمار، حدثنا أبي، حدثنا يوسف بن يعقوب، حدثنا حرمي بن علي البخاري وهانئ بن النضر عن الفضيل، وقال عمرو بن عثمان المكي في كتابه الذي سماه: (التعرف بأحوال العباد والمتعبدين) قال: (باب ما يجيء به الشيطان للتائبين)، وذكر أنه يوقعهم في القنوط، ثم في الغرور وطول الأمل، ثم في التوحيد، فقال: من أعظم ما يوسوس في التوحيد بالتشكيك، أو في صفات الرب بالتمثيل والتشبيه، أو بالجحد لها والتعطيل. فقال بعد ذكر حديث الوسوسة: واعلم رحمك الله تعالى، أن كل ما توهمه قلبك، أو سنح في مجاري فكرك، أو خطر في معارضات قلبك، من حسن، أو بهاء، أو ضياء، أو إشراق أو جمال، أو شبح مائل، أو شخص متمثل، فالله تعالى بغير ذلك، بل هو تعالى أعظم وأجل وأكبر، ألا تسمع لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤]، أي: لا شبيه ولا نظير ولا مساوي ولا مثل، أولم تعلم أنه تعالى لما تجلى للجبل تدكدك لعظم هيبته وشامخ سلطانه؟ فكما لا يتجلى لشيء إلا اندك، كذلك لا يتوهمه أحد إلا هلك، فرد بما بين الله في كتابه من نفسه عن نفسه التشبيه والمثل، والنظير والكفء]. وفي نسخة أخرى: فرد بما بين الله في كتابه من نفيه عن نفسه، وهي مثل قوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]، فيمكن تصلح هنا، وهذه العبارة لها وجهان، فالله سبحانه رد عن نفسه النفي في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، وقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]، وقوله: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ [النحل:٧٤]، وقوله: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا﴾ [البقرة:٢٢]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن اعتصمت بها، وامتنعت منه أتاك من قبل التعطيل لصفات الرب ﵎ وتقدس، في كتابه وسنة رسوله محمد ﷺ ، فقال لك: إذا كان موصوفاً بكذا أو وصفته أوجب له التشبيه فأكذبه؛ لأنه اللعين إنما يريد أن يستزلك ويغويك، ويدخلك في صفات الملحدين الزائغين الجاحدين لصفة الرب تعالى. واعلم -رحمك الله تعالى- أن الله تعالى واحد لا كالآحاد، فرد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، إلى أن قال: خلصت له الأسماء السنية فكانت واقعة في قديم الأزل بصدق الحقائق، لم يستحدث تعالى صفة كان منها خلياً، واسماً كان منه برياً، ﵎، فكان هادياً سيهدي، وخالقاً سيخلق، ورازقاً سيرزق، وغافراً سيغفر، وفاعلاً سيفعل، لم يحدث له الاستواء إلا وقد كان في صفة أنه سيكون ذلك الفعل فهو يسمى به في جملة فعله. قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢]، بمعنى أنه سيجيء، فلم يستحدث الاسم بالمجيء، وتخلف الفعل لوقت المجيء، فهو جاء سيجيء، ويكون المجيء منه موجوداً بصفة لا تلحقه الكيفية ولا التشبيه؛ لأن ذلك فعل الربوبية، فتستحسر العقول، وتنقطع النفس عند إرادة الدخول في تحصيل كيفية المعبود، فلا تذهب في أحد الجانبين، لا معطلاً ولا مشبهاً، وارض لله بما رضي به لنفسه، وقف عند خبره لنفسه مسلماً، مستسلماً، مصدقاً، بلا مباحثة التنفير، ولا مناسبة التنقير، إلى أن قال: فهو ﵎ القائل: ﴿أَنَا اللَّهُ﴾ [القصص:٣٠]، لا الشجرة، الجائي قبل أن يكون جائياً]. في نسخة أخرى فيستحسر العقل، بدلاً من: فتستحسر العقول، يعني: تنقطع وتعجز. وقوله: فهو ﵎ القائل: ﴿أَنَا اللَّهُ﴾ [القصص:٣٠] لا الشجرة، رد على الجهمية والمعتزلة حيث يقولون: إن الشجرة هي التي قالت: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [القصص:٣٠]، وذلك في قصة موسى ﵇، المذكورة في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ * فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ [القصص:٢٩ - ٣٠]. فالجهمية والمعتزلة يقولون: إن الشجرة هي التي قالت: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [القصص:٣٠]، أي: خلق الله الكلام في الشجرة، فالمؤلف هنا يقصد الرد عليهم فيقول: إن الله هو الذي قال: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ﴾ [القصص:٣٠]، لا الشجرة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الجائي قبل أن يكون جائياً، لا أمره]. كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢]، يعني: هو الجائي بنفسه ، ليس المراد جاء أمره، كما تقول ذلك الأشاعرة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [المتجلي لأوليائه في الميعاد، فتبيض به وجوههم، وتفلج به على الجاحدين حجتهم، المستوي على عرشه بعظمة جلاله فوق كل مكان، ﵎، الذي كلم موسى تكليماً، وأراه من آياته فسمع موسى كلام الله؛ لأنه قربه نجياً، تقدس أن يكون كلامه مخلوقاً أو محدثاً أو مربوباً، الوارث بخلقه، السميع لأصواتهم، الناظر بعينه إلى أجسادهم، يداه مبسوطتان، وهما غير نعمته، خلق آدم ونفخ فيه من روحه، وهو أمره -تعالى وتقدس- أن يحل بجسم، أو يمازج بجسم، أو يلاصق به تعالى عن ذلك علواً كبيراً. أي: أنه تعالى نفخ فيه من روحه، وهو أمره، أي: أن الروح مأمورة، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء:٨٥]، فالروح من مخلوقاته ، أي: من الأرواح التي خلقها، وأضيفت إلى الله للتشريف، مثل قوله: عيسى روح الله، يعني: روح من الأرواح التي خلقها. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الشائي له المشيئة]. هنا المؤلف ﵀ اشتق الشائي من المشيئة، وهذا الاشتقاق وإن كان فيه نظر، إلا أن المؤلف ﵀ ينقل النقول ولا يعني هذا أنه يوافق أهل البدع في كل ما يقولون، فهو إنما يبين أن العلماء كلهم يخالفون مذهب المعطلة ويردون عليهم، فكلمة الشائي، اشتقاق من المشيئة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [العالم له العلم، الباسط يديه بالرحمة، النازل كل ليلة إلى سماء الدنيا ليتقرب إليه خلقه بالعبادة، وليرغبوا إليه بالوسيلة، القريب في قربه من حبل الوريد، البعيد في علوه من كل مكان بعيد، ولا يشبه بالناس، إلى أن قال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠]، القائل: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك:١٦ - ١٧]، تعالى وتقدس أن يكون في الأرض كما هو في السماء، جل عن ذلك علواً كبيراً].

стр. 49

كلام الحارث المحاسبي في أن الأخبار التي فيها ذكر الأسماء والصفات لا يدخلها النسخ قال المؤلف ﵀: [قال الإمام أبو عبد الله الحارث بن إسماعيل بن أسد المحاسبي، في كتابه المسمى: (فهم القرآن) قال في كلامه على الناسخ والمنسوخ، وأن النسخ لا يجوز في الأخبار قال: لا يحل لأحد أن يعتقد أن مدح الله وأسمائه وصفاته يجوز أن ينسخ منها شيء]. هذا الكلام فيه فائدة: وهي أن الأخبار لا يدخلها النسخ، إنما النسخ يدخل على الأوامر والنواهي، أما الأخبار فلا يدخلها النسخ، فمثلاً ما أخبر الله عن قصص الأنبياء وقصص المنافقين، هذا لا يدخله النسخ؛ لأنه أخبار، والنسخ إنما يكون في الأوامر والنواهي، فإذا أمر الله بأمر، أو نهى عن شيء، فإنه قد ينسخ للتخفيف، مثل: (نهى النبي عن الشرب قائماً، ثم شرب قائماً)، فهذا قد يقال إنه نسخ، لكن هنا يمكن الجمع بينهما بأن النهي محمول على التنزيه، والفعل محمول على الجواز. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [إلى أن قال: وكذلك لا يجوز إذا أخبر أن صفاته حسنة عليا أن يخبر بذلك أنها دنية سفلى، فيصف نفسه بأنه جاهل ببعض الغيب بعد أن أخبر أنه عالم بالغيب، وأنه لا يبصر ما قد كان، ولا يسمع الأصوات، ولا قدرة له، ولا يتكلم، ولا كلام كان منه، وأنه تحت الأرض، لا على العرش، جل وعلا عن ذلك]. أي: أن هذه الأخبار لا يمكن أن تنسخ بعد أن أخبر الله بها. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإذا عرفت ذلك واستيقنته؛ علمت ما يجوز عليه النسخ وما لا يجوز]. أي: ستعلم أنه يجوز النسخ على الأوامر والنواهي دون الأخبار. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن تلوت آية في ظاهر تلاوتها تحسب أنها ناسخة لبعض أخباره كقوله عن فرعون: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ﴾ [يونس:٩٠] الآيات، وقال تعالى: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد:٣١]، وقال: قد تأول قوم أن الله عنى أن ينجيه ببدنه من النار؛ لأنه آمن عند الغرق، وقالوا: إنما ذكر الله أن قوم فرعون يدخلون النار دونه، وقال: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود:٩٨]، وقال: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٥]، ولم يقل بفرعون. وقال: وهكذا الكذب على الله؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى﴾ [النازعات:٢٥]]. فهذه شبهة وضعها بعض الملاحدة بعد أن تأولوا الآيات، فقالوا: إن فرعون مؤمن، ولن يدخل النار؛ لأن الله يقول: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ [يونس:٩٢]، فقالوا: هذه نجاة من النار، بدليل أنه آمن، فالله قد قال عنه: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ﴾ [يونس:٩٠]، وقالوا: أما قوله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦]، فهو خطاب لآل فرعون وهو لا يدخل معهم. وهذا من أبطل الباطل، فهو أول من يدخل مع آل فرعون، فكما أن آل إبراهيم أول من يدخل فيهم وعلى رأسهم إبراهيم ﵇، فكذلك آل فرعون على رأسهم فرعون، وأما النجاة المذكورة في الآية، فهي نجاة من الغرق في البحر حتى يراه الناس: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ [يونس:٩٢]، وليس المراد بها النجاة من النار كما زعموا. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك قوله تعالى: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ [العنكبوت:٣]، فأقر التلاوة على استئناف العلم من الله عن أن يستأنف علماً بشيء؛ لأنه من ليس له علم بما يريد أن يصنعه لم يقدر عليه أن يصنعه -تجده ضرورة-]. يعني: لا يمكن أن يخلق الشيء إلا إذا تقدم العلم به، أي: يسبق الخلق علم بالمخلوق. فالمراد أن الله سبحانه سبق علمه بالأشياء قبل كونها، والإنسان مثلاً إذا لم يعلم عن شيء فلا يمكن أن يكونه، فلو قيل لك مثلاً: اصنع سيارة من كذا وكذا، وأنت لم تر سيارة من قبل، ولا علمتها، ولا سبق في ذهنك شيء عنها، فلا يمكن أن تصنعها، فلا بد أن يسبق علمك بشيء، فالله تعالى خلق الأشياء التي سبق علمه بها. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]، قال: وإنما قوله: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ﴾ [محمد:٣١]، إنما يريد: حتى نراه فيكون معلوماً موجوداً]. وهذا هو علم الظهور، أي: يظهر علمه ، فقوله تعالى: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ﴾ [محمد:٣١]، يعني: حتى نعلمه موجوداً وظاهراً، وإلا فقد علمه قبل ذلك . قال المؤلف رحمه الله تعالى: [لأنه لا جائز أن يكون يعلم الشيء معدوماً من قبل أن يكون، ويعلمه موجوداً كان قد كان، فيعلم في وقت واحد معدوماً موجوداً وإن لم يكن، وهذا محال]. وهذا لا يمكن؛ لأنه جمع بين النقيضين، والجمع بين النقيضين محال، وذلك بأن يعلم الشيء موجوداً معدوماً في نفس الوقت. والمراد أن الله تعالى سبق علمه بالأشياء قبل كونها، ولا يقال: سبق علمه بالعدم، أي: علمه معدوماً، ثم علمه موجوداً. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وذكر كلاماً في هذا في الإرادة، إلى أن قال: وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء:١٥]، ليس معناه: أن يحدث له سمعاً، ولا تكلف بسمع ما كان من قولهم، وقد ذهب قوم من أهل السنة أن لله استماعاً حادثاً في ذاته، فذهبوا إلى أن ما يعقل من الخلق أنه يحدث منهم علم سمع لما كان من قول؛ لأن المخلوق إذا سمع حدث له عقد فهم عما أدركته أذنه من الصوت. وكذلك قوله: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة:١٠٥]، لا يستحدث بصراً محدثاً في ذاته، وإنما يحدث الشيء فيراه مكوناً، كما لم يزل يعلمه قبل كونه].

стр. 50

الأدلة على صفة العلو لله قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨]، وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وقوله: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦]، وقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠]. وقال: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إلى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة:٥]، وقال: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج:٤]، وقال لعيسى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران:٥٥]]. وهذه وما بعدها كلها أدلة تدل على صفة العلو للرب ، فالعروج يكون من أسفل إلى أعلى، والصعود كذلك من أسفل إلى أعلى، والرفع كذلك، فدل على أن الله في العلو. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٨]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [الأعراف:٢٠٦]]. فقوله تعالى: ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الأعراف:٢٠٦]، يعني في العلو؛ لأن تخصيصهم بها يدل على أنهم في العلو. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وذكر الآلهة: أن لو كانوا آلهة لابتغوا إلى ذي العرش سبيلاً، إلى طلبه حيث هو، فقال: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٤٢]]. فهذا فيه إثبات العلو وأن الله تعالى فوق العرش. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١]]. فاسمه الأعلى يثبت العلو. وهناك آلاف الأدلة، كما قال ابن القيم، بأن هناك ما يزيد على ثلاثة آلاف دليل، كلها تدل على إثبات علو الرب . قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال أبو عبد الله: فلن ينسخ ذلك أبداً]. أي: الأخبار التي أخبر الله بها عن نفسه، ووصف بها نفسه لن تنسخ.

стр. 51

نصوص المعية لا تعارض ولا تنسخ نصوص الفوقية قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كذلك قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف:٨٤]، وقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦]، وقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ [الأنعام:٣]، وقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة:٧]، فليس هذا بناسخ لهذا، ولا هذا ضد لذلك]. يعني: نصوص المعية ليست ناسخة لنصوص العلو والفوقية، وليست ضدها؛ لأن المعية ليس معناها أنه مختلط بالخلق ، فإن معنى المعية في اللغة: المصاحبة، يقال: فلان مع فلان، يعني: مصاحب له، ولا يلزم منه المحاذاة أو الاختلاط والامتزاج، تقول العرب: ما زلنا نسير والقمر معنا، وما زلنا نسير والنجم معنا، مع أن القمر والنجم في الأعلى، فهذه المعية هي بمعنى: المصاحبة. فالمبتدعة من الجهمية أبطلوا نصوص الفوقية بنصوص المعية، وقالوا: نصوص المعية تدل على أن الله مختلط بالمخلوقات، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤]، وهذا يبطل نصوص العلو، فضربوا النصوص بعضها ببعض، ولهذا قالوا: إن نصوص المعية تبطل نصوص الفوقية وتنقضها، فقالوا: إن الله مختلط بالمخلوقات. وهذا من أبطل الباطل، فالشيخ ﵀ يقول: ليس هناك معارضة بين هذه النصوص، فإن نصوص المعية حق، ونصوص العلو حق، فنصوص العلو محكمة، بأن الله فوق العرش، وفوق المخلوقات، ونصوص المعية معناها: المصاحبة، فهو سبحانه مع المخلوقات بعلمه واطلاعه وإحاطته، وهو فوق العرش ، فلا منافاة، وهو مع المؤمنين بنصره وتأييده وتوفيقه وتسديده، ومعهم بعلمه وإحاطته واطلاعه، وهو فوق العرش، وفوق المخلوقات ولا منافاة، فالمعية لا تفيد اختلاط المخلوقات، فقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ [المجادلة:٧]، يعني: بعلمه، بدليل أن الله استفتح الآية بالعلم وختمها بالعلم، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [المجادلة:٧]، ثم قال في آخر الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة:٧]، فهذه معية علم واطلاع وإحاطة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واعلم أن هذه الآيات ليس معناها أن الله أراد الكون بذاته، فيكون في أسفل الأشياء، أو ينتقل فيها لانتقالها، ويتبعض فيها على أقدارها، ويزول عنها عند فنائها، جل وعز عن ذلك]. يقصد المؤلف ﵀ أن آيات المعية لا تدل على أن الله تعالى خلق المخلوقات بذاته، فينقل بانتقالها، أو يتبعض فيها على أقدارها، أو يزول عند زوالها، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. فهو فوق عرشه، بائن من خلقه، وينزل إلى السماء الدنيا، نزولاً حقيقياً، كما يليق بجلاله وعظمته، لا نزول أمره، ولا نعلم الكيفية، فالنزول معلوم، والكيف مجهول. فهو سبحانه ينزل كما يشاء ، فلا نكيف، ولا نقول: إنه ينزل ويكون بين طبقتين، مثل نزول المخلوق، فإن هذا تشبيه وتمثيل، ولا يقوله إلا المشبهة والممثلة، فإنهم يقولون: إن الله تعالى بين طبقتين، فهذا لا يقوله مسلم، إنما هو قول الجهمية والمعتزلة، حيث يقولون: إنه سبحانه مختلط بالمخلوقات، فهذا الكلام الذي رده الشيخ وقال: لا توجد منافاة، فنصوص العلو محكمة، والنزول يليق بجلاله وعظمته، لا نعلم كيفيته، نزوله معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد نزع بذلك بعض أهل الضلال، فزعموا أن الله تعالى في كل مكان بنفسه كائناً، كما هو على العرش، ولا فرقان بين ذلك عندهم]. هذا قول الجهمية الملاحدة الحلولية نعوذ بالله، فقد قالوا: إن الله في كل مكان، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، حتى قالوا إنه في أجواف الطيور، وبطون السباع، وفي كل مكان، ولم ينزهوه عن شيء نعوذ بالله، وهل يجرؤ عاقل أن يقول مثل هذا الكلام، قالوا: إنه مثل الهواء الذي ما يخلو منه مكان، نعوذ بالله من الزيغ والضلال. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم أحالوا في النفي بعد تثبيت ما يجوز عليه في قولهم ما نفوه؛ لأن كل من يثبت شيئاً في المعنى ثم نفاه بالقول لم يغن عنه نفيه بلسانه، واحتجوا بهذه الآيات أن الله تعالى في كل شيء بنفسه كائناً، ثم نفوا معنى ما أثبتوه فقالوا: لا كالشيء في الشيء]. يعني: هم قالوا: إنه في كل مكان، ثم قالوا: إنه يستحيل عليه أن يكون في كذا، ويستحيل أن يكون في كذا، وهذا لا يفيدهم؛ لأنهم أثبتوا أنه في كل مكان، فما يفيدهم قولهم إنه يجوز عليه كذا، ولا يجوز عليه كذا. والآيات التي احتجوا بها هي آيات المعية مثل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤]، وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف:٨٤]، قالوا: هذا يدل على أنه مختلط بكل المخلوقات. فهم يقولون: إنه في كل مكان، ثم قالوا: لا كالشيء في الشيء، يعني: لا كالماء حينما يكون في الكوز. فهذا تناقض عجيب عندهم، وأحياناً يقولون: إنه مثل الهواء، وأحياناً يقولون: إنه لا يكون كالشيء بالشيء، يعني: لا يكون ملاصقاً، فهو في كل مكان لكن ليس ملاصقاً، لا كالشيء في الشيء، لا كالماء إذا حل في الكوز، وهذا من تناقضهم، كما قال أبو عبد الله المحاسبي ﵀: هذا تناقض، فإنهم قد أثبتوا أنه داخل المخلوقات، فلا يفيدهم قولهم: إنه لا كالشيء في الشيء. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال أبو عبد الله: أما قوله: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ﴾ [محمد:٣١]، ﴿وَسَيَرَى اللَّهُ﴾ [التوبة:٩٤]، ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء:١٥]، فإنما معناه: حتى يكون الموجود، فيعلمه موجوداً، ويسمعه مسموعاً، ويبصره مبصراً، لا على استحداث علم ولا سمع ولا بصر. وأما قوله: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا﴾ [الإسراء:١٦] إذا جاء وقت كون المراد فيه. وأن قوله: ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨]، ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ﴾ [الملك:١٦]، ﴿إِذًا لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٤٢] فهذا وغيره مثل قوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج:٤]، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠]، هذا مقطع يوجب أنه فوق العرش]. يعني: أن الأدلة على صفة العلو أنواع، منها قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ﴾ [فاطر:١٠]، فهذا نوع من الأدلة؛ لأن الصعود يكون من أسفل إلى أعلى. وقوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨]، هذا نوع آخر من الأدلة، فهي أنواع متعددة. وقوله: مقطع، أقرب من قوله: منقطع، والله أعلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [هذا مقطع يوجب أنه فوق العرش، فوق الأشياء كلها، منزه عن الدخول في خلقه، لا يخفى عليه منهم خافية؛ لأنه أبان في هذه الآيات أنه أراد أنه بنفسه فوق عباده؛ لأنه قال: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦]، يعنى: فوق العرش، والعرش على السماء؛ لأن من قد كان فوق كل شيء على السماء في السماء]. قوله: من كان فوق كل شيء على السماء فهو في السماء، يعني: في العلو، فهنا (في) ظرفية، ولا يلزم من ذلك أن يكون داخل السماوات، فالعلو: كل ما كان فوق العرش، والله تعالى له أعلى العلو وهو فوق العرش. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد قال مثل ذلك في قوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ﴾ [التوبة:٢]، يعنى: على الأرض، لا يريد الدخول في جوفها، وكذلك قوله: ﴿يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ﴾ [المائدة:٢٦]، يعني: على الأرض، لا يريد الدخول في جوفها، وكذلك قوله: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:٧١]، يعني: فوقها عليها]. ومثله قولهم: فلان في السطح، ليس المراد: أنه داخل الجدران، بل المراد: أنه موجود فوق السطح. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦]، ثم فصل فقال: ﴿أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ﴾ [الملك:١٦]، ولم يصل فلم يكن لذلك معنى -إذ فصل قوله: ﴿مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦]، ثم استأنف التخويف بالخسف- إلا أنه على عرشه فوق السماء]. أي: قوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦]، يعني: في العلو، ويعني: على السماء، فالسماء تطلق على إطلاقين: على العلو فتكون (في) ظرفية، وهذا هو الأصل، وتطلق السماء على الطباق المبنية، وهنا تكون (في) بمعنى على. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إلى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة:٥]، وقال: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج:٤]، فبين عروج الأمر وعروج الملائكة، ثم وصف وقت صعودها بالارتفاع صاعدة إليه فقال: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤] فقال: صعودها إليه، وفصله بقوله: (إليه)، كقول القائل: أصعد إلى فلان في ليلة أو يوم، وذلك أنه في العلو، وأن صعودك إليه في يوم، فإذا صعدوا إلى العرش فقد صعدوا إلى الله ، وإن كانوا لم يروه ولم يساووه في الارتفاع

стр. 52

شرح الحموية لابن تيمية [٧] عقيدة أهل السنة والجماعة الطائفة المنصورة والناجية إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه، وما أثبته رسوله ﷺ من أسماء وصفات دون تحريف أو تشبيه أو تكييف أو تفويض للمعاني، وقد أثبت الله لنفسه صفات كثيرة منها: صفة السمع والبصر واليدين والرجل والقدم وغيرها، فما على المسلم إلا أن يسلم للنصوص فبها توفيقه ونجاته.

стр. 53

بيان إجماع الصحابة والتابعين على إثبات صفة العلو لله سبحانه وتكفير من أنكرها قال المصنف ﵀: [وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن خفيف في كتابه الذي سماه: (اعتقاد التوحيد في إثبات الأسماء والصفات)، قال في آخر خطبته: فاتفقت أقوال المهاجرين والأنصار في توحيد الله ، ومعرفة أسمائه وصفاته وقضائه، قولاً واحداً وشرعاً ظاهراً، وهم الذين نقلوا عن رسول الله ﷺ ذلك حتى قال: (عليكم بسنتي)، وذكر الحديث، وحديث: (لعن الله من أحدث حدثاً أو آوى محدثاً)، قال: فكانت كلمة الصحابة على اتفاق من غير اختلاف، وهم الذين أمرنا بالأخذ عنهم، إذ لم يختلفوا بحمد الله تعالى في أحكام التوحيد، وأصول الدين -من الأسماء والصفات- كما اختلفوا في فروعه]. الصحابة بفضل الله ومنه اتفقوا على إثبات الأسماء والصفات لله ، وأن الله في العلو، وقد أجمع على ذلك الصحابة والتابعون، والأئمة والعلماء من بعدهم، حتى جاءت الجهمية والمبتدعة فابتدعوا هذه الأقوال الفاسدة الباطلة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولو كان منهم في ذلك اختلاف لنقل إلينا، كما نقل سائر الاختلاف، فاستقر صحة ذلك عن خاصتهم وعامتهم، حتى أدوا ذلك إلى التابعين لهم بإحسان، فاستقر صحة ذلك عند العلماء المعروفين حتى نقلوا ذلك قرناً بعد قرن؛ لأن الاختلاف كان عندهم في الأصل كفر، ولله المنة]. يعني: من خالف في هذا -بأن الله في العلو- وأنكر ذلك فقد كفر؛ ولهذا كفر السلف من قال بذلك، أي: أنكر أن الله في العلو، كما قال الإمام أبو حنيفة عندما سئل عمن قال: لا أدري هل الله في السماء أم في الأرض؟ قال: كفر، فإن قال: إن الله في السماء، ولكن لا أدري هل السماء في الأرض أم في العلو؟ قال: كفر؛ لأن السماء في العلو.

стр. 54

إثبات صفة النفس لله جل وعلا قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم إني قائل -وبالله أقول-: إنه لما اختلفوا في أحكام التوحيد، وذكر الأسماء والصفات على خلاف منهج المتقدمين من الصحابة والتابعين، فخاض في ذلك من لم يعرفوا بعلم الآثار، ولم يعقلوا قولهم بذكر الأخبار، وصار معولهم على أحكام هواجس النفوس المستخرجة من سوء الطوية ما وافق على مخالفة السنة]. قوله: سوء الطوية، يعني: النية السيئة، أي: سبب القصد السيئ. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وصار معولهم على أحكام هواجس النفوس المستخرجة من سوء الطوية؛ ما وافق على مخالفة السنة، والتعلق منهم بآيات لم يسعدهم فيها ما وافق النفوس، فتأولوا على ما وافق هواهم، وصححوا بذلك مذاهبهم؛ احتجت إلى الكشف عن صفة المتقدمين، ومأخذ المؤمنين، ومنهاج الأولين، خوفاً من الوقوع في جملة أقاويلهم التي حذر رسول الله ﷺ أمته، ومنع المستجيبين له حتى حذرهم. ثم ذكر أبو عبد الله خروج النبي ﷺ وهم يتنازعون في القدر وغضبه، وحديث: (لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته)، والحديث هو أن النبي ﷺ لما خرج على الصحابة وهم يتنازعون في القدر، فغضب وقال: (أبهذا أمرتم؟ أبهذا وكلتم؟ أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض، ما علمتم منه فاعملوا به، وما لم تعلموا منه فكلوه إلى عالمه)، وهذا الحديث لا بأس بسنده، والحديث الآخر: (لا ألفين أحدكم جالساً على أريكته يأتيه الحديث عني فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا في كتاب الله عملنا به، وما لم يوجد في كتاب الله فلا نعمل به، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه). قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وحديث: (ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة)، وأن الناجية ما كان عليه هو وأصحابه؛ ثم قال: فلزم الأمة قاطبة معرفة ما كان عليه الصحابة، ولم يكن الوصول إليه إلا من جهة التابعين لهم بإحسان، المعروفين بنقل الأخبار، ممن لا يقبل المذاهب المحدثة، فيتصل ذلك قرناً بعد قرن ممن عرفوا بالعدالة والأمانة، الحافظين على الأمة ما لهم وما عليهم من إثبات السنة. إلى أن قال: فأول ما نبتدئ به ما أوردنا هذه المسألة من أجلها: ذكر أسماء الله وصفاته مما ذكر الله في كتابه، وما بين ﷺ من صفاته في سنته، وما وصف به نفسه مما سنذكر قول القائلين بذلك، مما لا يجوز لنا في ذلك أن نرده إلى أحكام عقولنا بطلب الكيفية بذلك، ومما قد أمرنا بالاستسلام له، إلى أن قال: ثم إن الله تعالى تعرف إلينا بعد إثبات الوحدانية وإقرار الألولهية: أن ذكر تعالى في كتابه بعد التحقيق بما بدأ به من أسمائه وصفاته، وأكده ﷺ بقوله، فقبلوا منه كقبولهم لأوائل التوحيد من ظاهر قوله: لا إله إلا الله. إلى أن قال: بإثبات نفسه بالتفصيل من المجمل، فقال لموسى ﵇: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه:٤١]، وقال: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران:٢٨]، ولصحة ذلك واستقراره ناجاه المسيح ﵇ فقال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:١١٦]، وقال : ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:٥٤]، وأكد ﵊ صحة إثبات ذلك في سنته فقال: (يقول الله : من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي)، وقال ﷺ : (كتب كتاباً بيده على نفسه: إن رحمتي سبقت غضبي)، وقال: (سبحان الله رضا نفسه)، وقال في محاجة آدم لموسى: (أنت الذى اصطفاك الله، واصطنعك لنفسه)]. كل هذه النصوص تثبت النفس لله ، وبأن لله نفساً كريمة، موصوفة بالصفات العظيمة التي وصف بها نفسه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فقد صح -وفي نسخة: صرح- بظاهر قوله أنه أثبت لنفسه نفساً، وأثبت له الرسول ﷺ ذلك، فعلى من صدق الله ورسوله اعتقاد ما أخبر الله به عن نفسه، ويكون ذلك مبنياً على ظاهر قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]. ثم قال: فعلى المؤمنين -خاصتهم وعامتهم- قبول كل ما ورد عنه ﷺ بنقل العدل عن العدل حتى يتصل به ﷺ ].

стр. 55

إثبات صفة النور لله قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن مما قص الله علينا في كتابه، ووصف به نفسه، ووردت السنة بصحة ذلك أن قال: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النور:٣٥]، ثم قال عقيب ذلك: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ [النور:٣٥]، وبذلك دعاه ﷺ : (أنت نور السماوات والأرض)]. وهذا حديث الاستفتاح، عن ابن عباس: (اللهم لك الحمد أنت قيوم السماوات والأرض، اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض)، وهو حديث الاستفتاح الطويل لقيام الليل، وهو ثابت في البخاري ومسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم ذكر حديث أبي موسى: (حجابه النور -أو النار- لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه)، وقال: سبحات وجهه: جلاله ونوره، نقله عن الخليل وأبى عبيد، وقال: قال عبد الله بن مسعود: نور السماوات من نور وجهه].

стр. 56

ثبوت اسمي الله الحي القيوم والصفة المتضمنة لهما قال المصنف رحمه الله تعالى: [ثم قال: ومما ورد به النص أنه حي، وذكر قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، والحديث: (يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث)]. وهذا فيه إثبات اسمين من أسمائه وهما: الحي القيوم، وهذا نقله المؤلف ﵀ من الآية والحديث، ففي الآية والحديث إثبات الحي القيوم، وهما اسمان من أسمائه ، وقد ذكر الله تعالى الحي القيوم وجمع بينهما في ثلاثة مواضع من كتابه، قال سبحانه: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥]، في آية الكرسي من سورة البقرة، وفي الآية الثانية من سورة آل عمران قال: ﴿الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران:١ - ٢]، وفي سورة طه يقول : ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه:١١١]، فجمع الله بين هذا الاسمين في هذه الثلاثة المواضع من كتابه الكريم، حتى قيل إنهما اسم الله الأعظم، الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب. وكذلك الحديث: (يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث)، ففيه: استغاثة بصفة من صفاته ، والاستغاثة والاستعاذة بصفاته جائزة وقد وردت، كما في قوله ﷺ : (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك)، وفي هذا الحديث: (برحمتك أستغيث). أما سؤال الصفة فهذا لا يجوز، وذلك بأن يقول: يا رحمة الله أغيثيني! أو يا قدرة الله أنقذيني!، حتى قال شيخ الإسلام ﵀: إن هذا كفر، فلا يجوز نداء الصفة.

стр. 57

إثبات صفات الوجه والسمع والبصر وكمال الحياة والقيومية قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال: ومما تعرف الله إلى عباده أن وصف نفسه أن له وجهاً، موصوفاً بالجلال والإكرام، فأثبت لنفسه وجهاً، وذكر الآيات]. فقوله : ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]، وقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]، فيها إثبات الوجه لله . قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم ذكر حديث أبي موسى المتقدم، فقال في هذا الحديث: من أوصاف الله (لا ينام) موافق لظاهر الكتاب: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥]]. ونفي النوم يستلزم كمال الحياة والقيومية؛ لأن صفات الله نوعان: صفات إثبات، وصفات نفي، فصفات الإثبات مستلزمة للكمال في إثبات ضدها، فهو : ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥]، لكمال حياته وقيوميته، ﴿وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة:٢٥٥]، لكمال قوته واقتداره، وهو: ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ﴾ [سبأ:٣]، لكمال علمه، ﴿َلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩]، لكمال عدله، ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣]، لكمال عظمته، وأنه أكبر من كل شيء. فالنفي يستلزم إثبات ضده من الكمال، وليس نفياً محضاً؛ لأن النفي المحض -الصرف- لا يفيد مدحاً، ولهذا يوصف الجماد بالنفي الصرف، أما النفي الوارد في باب الأسماء والصفات فهو يستلزم إثبات ضده من الكمال. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأن له وجهاً موصوفاً بالأنوار وأن له بصراً كما علمنا في كتابه أنه سميع بصير، ثم ذكر الأحاديث في إثبات الوجه، وفي إثبات السمع والبصر، والآيات الدالة على ذلك]. فقوله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، فيه إثبات اسمين من أسمائه سبحانه: السميع والبصير، وأسماء الله تعالى مشتقة، فكل اسم مشتمل على صفة، فالسميع مشتمل على صفة السمع، والبصير مشتمل على صفة البصر.

стр. 58

إثبات صفة اليدين والرجل والقدم لله سبحانه [ثم قال: ثم إن الله تعالى تعرف إلى عباده المؤمنين، أن قال: له يدان قد بسطهما بالرحمة، وذكر الأحاديث في ذلك، ثم ذكر شعر أمية بن أبى الصلت]. هذا فيه إثبات اليدين لله ، كما أثبتهما لنفسه في كتابه فقال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤]، وقال: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم ذكر حديث: (يلقى في النار وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع فيها رجله)، وهي رواية البخاري، وفي رواية أخرى: (يضع عليها قدمه)]. ففي الرواية الأولى: إثبات الرجل لله ، والله تعالى لا يضره أحد من خلقه. وفي الرواية الثانية: إثبات القدم لله ، وكلا الروايتين ثابتتان، فالقدم والرجل من صفاته . قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم ما رواه مسلم البطين عن ابن عباس: أن الكرسي موضع القدمين، وأن العرش لا يقدر قدره إلا الله]. وهذا ثابت عن ابن عباس ﵄، أن الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر قدره إلا الله . قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وذكر قول مسلم البطين نفسه، وقول السدي وقول وهب بن منبه، وأبي مالك، وبعضهم يقول: موضع قدميه، وبعضهم يقول: واضع رجليه عليه. ثم قال: فهذه الروايات قد رويت عن هؤلاء من صدر هذه الأمة، موافقة لقول النبي ﷺ ، متداولة في الأقوال، ومحفوظة في الصدور، ولا ينكر خلف عن السلف، ولا ينكر عليهم أحد من نظرائهم، نقلتها الخاصة والعامة مدونة في كتبهم، إلى أن حدث في آخر الأمة من قلل الله عددهم، ممن حذرنا رسول الله ﷺ عن مجالستهم ومكالمتهم، وأمرنا ألا نعود مرضاهم، ولا نشيع جنائزهم، فقصد هؤلاء إلى هذه الروايات فضربوها بالتشبيه، وعمدوا إلى الأخبار فعملوا في دفعها إلى أحكام المقاييس، وكفر المتقدمين، وأنكروا على الصحابة والتابعين، وردوا على الأئمة الراشدين، فضلوا وأضلوا عن سواء السبيل]. هذا يعني: أن هذه النصوص -التي فيها إثبات الصفات- ثابتة عن النبي ﷺ ، متداولة ومعلومة عند السلف، وعند الأئمة، وعند العلماء، وعند الصدر الأول، حتى جاء أهل البدع فضربوها بالتأويل، وضربوا لها المقاييس، وقالوا: إن فيها تشبيهاً، فأبطلوها، وقالوا: إنها أخبار آحاد لا يحتج بها، وأولوها، وأهل البدع هؤلاء هم الذين نهانا رسول الله ﷺ أن نعود مرضاهم، وأن نتبع جنائزهم، وقد سبقهم أهل العلم وأهل البصيرة إلى إثباتها وقبولها والعمل بها، فلا يلتفت إلى هؤلاء -أهل البدع- الذين أحدثوا بعد السلف وبعد الصحابة والتابعين. وقول المؤلف عن أهل البدع هؤلاء: قلل الله عددهم، يعني: لا كثرهم الله. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم ذكر المأثور عن ابن عباس، وجوابه لـ نجدة الحروري، ثم حديث الصورة، وذكر أنه صنف فيها كتاباً مفرداً، واختلاف الناس في تأويله]. حديث الصورة: هو قول النبي ﷺ : (إن الله خلق آدم على صورته)، كأن ابن خفيف ألف فيه كتاباً مستقلاً. وشيخ الإسلام ﵀ تكلم على حديث الصورة هذا، وأطال فيه، وبين تلبيس الجهمية في هذا، والكتاب بلغ ما يقارب رسالة، وفيه بين المؤلف ﵀ أن القول الحق الذي عليه الأئمة وأهل العلم، أن الضمير في قول النبي ﷺ (خلق الله آدم على صورته)، يعود إلى الله، كما تدل عليه الرواية الأخرى: (خلق الله آدم على صورة الرحمن). قال الحافظ ابن حجر ﵀: إن الرواية ثابتة وسندها لا بأس به. وقال بعضهم: إن الضمير يعود إلى آدم، أي: خلق الله آدم على صورة آدم، وهذا القول نفاه الإمام أحمد وأبطله، فلما سأله ابنه قال: (خلق الله آدم على صورته)، هل هي صورة آدم؟ قال: هذا قول الجهمية، أي على صورة آدم قبل أن يخلقه الله. والقول الثالث: قالوا: إن الضمير يعود إلى المضروب؛ لأن الحديث له سبب، فالحديث ورد فيه: (لا تضرب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته)، فقالوا: هذا من باب التشبيه المقلوب، فالضمير يعود إلى المضروب. والصواب من هذه الأقوال: أنه يعود إلى الله، وفيه: إثبات الصورة لله ، بل كل موجود له صورة، فهو يقتضي نوعاً من المشابهة، وهي المشابهة في مطلق الصورة، لكنها لا تقتضي مشابهة في الجنس، ولا في الذات والصفات. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم قال: وسنذكر أصول السنة وما ورد من الاختلاف فيما نعتقده فيما خالفنا فيه أهل الزيغ وما وافقنا فيه أصحاب الحديث من المثبتة إن شاء الله، ثم ذكر الخلاف في الإمامة واحتج عليها وذكر اتفاق المهاجرين والأنصار على تقديم الصديق وأنه أفضل الأمة]. الشيخ: هذا هو اعتقاد أهل السنة والجماعة خلافاً للرافضة الذين يرون أن خلافة الصديق وخلافة عمر وعثمان باطلة.

стр. 59

بعض المسائل العقدية التي فيها الخلاف بين أهل السنة وغيرهم، وقول أهل السنة فيها قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم قال: وكان الاختلاف في (خلق الأفعال)، هل هي مقدرة أم لا؟ قال: وقولنا فيها: أن أفعال العباد مقدرة معلومة، وذكر إثبات القدر]. يعني: أن الله تعالى قدر الأشياء كلها: الذوات والصفات والأفعال، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦]، فهي مقدرة مخلوقة، خلقها الله . قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم ذكر الخلاف في أهل (الكبائر) ومسألة (الأسماء والأحكام)، وقال: قولنا فيها: أنهم مؤمنون على الإطلاق، وأمرهم إلى الله إن شاء عذبهم وإن شاء عفا عنهم]. يعني: أن أهل الكبائر إذا كانت الكبيرة لا تخرجه عن دائرة الإيمان؛ فإنها لا تخرجه من الإسلام، بل يكون مؤمناً ضعيف الإيمان، كالزاني والسارق وشارب الخمر والعاق لوالديه وقاطع الرحم، وهذا إذا لم يستحل هذه الكبيرة، وهو تحت مشيئة الله؛ إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، وكذلك البدع التي لا توصل إلى الكفر كلها تضعف الإيمان، ولا تخرج منه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال: أصل الإيمان موهوبة يتولد منها أفعال العباد، فيكون أصل التصديق والإقرار والأعمال، وذكر الخلاف في زيادة الإيمان ونقصانه، وقال: قولنا: أنه يزيد وينقص]. وهذا قول أهل السنة والجماعة، أن الإيمان يزيد وينقص، وأنه تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالقلب وعمل بالجوارح، خلافاً لمرجئة الفقهاء كأهل الكوفة وأبي حنيفة وأصحابه، فإنهم قالوا: إن الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان، وهذا قول مرجوح، والصواب: أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال: ثم كان الاختلاف في القرآن، مخلوقاً وغير مخلوق، فقولنا وقول أئمتنا: إن القرآن كلام الله غير مخلوق وإنه صفة الله، منه بدأ قولاً، وإليه يعود حكماً]. هذا هو الصواب: أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وقد كفر الأئمة من قال إنه مخلوق، قالوا: من قال إن القرآن مخلوق فهو كافر، وممن قال ذلك الإمام أحمد وجماعة، وهذا على العموم، أما المعين فلا بد أن تقوم عليه الحجة. ومعنى (منه بدأ): أن الله تكلم به، و (إليه يعود) أي: في آخر الزمان حينما يترك الناس العمل به فينزع من الصدور، ومن المصاحف، نسأل الله السلامة والعافية. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم ذكر الخلاف في الرؤية، وقال: قولنا وقول أئمتنا فيما نعتقد أن الله يرى في القيامة، وذكر الحجة]. والنصوص الواردة في إثبات الرؤية في القرآن واضحة، وفي السنة متواترة؛ ولهذا قال الأئمة: من أنكر رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة كفر. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم قال: اعلم رحمك الله أني ذكرت أحكام الاختلاف على ما ورد من ترتيب المحدثين في كل الأزمنة، وقد بدأت أن أذكر أحكام الجمل من العقود، فأقول: ونعتقد أن الله له عرش، وهو على عرشه فوق سبع سماواته، بكل أسمائه وصفاته، كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وقال: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إلى الأَرْضِ﴾ [السجدة:٥]، ولا نقول: إنه في الأرض كما هو في السماء على عرشه؛ لأنه عالم بما يجري على عباده، ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة:٥]]. وهذا فيه إثبات العرش، وإثبات أن الله فوق العرش، وإثبات العلو لله ، وهذا ثابت بالأدلة الكثيرة الواضحة من الكتاب والسنة، حتى إن العلماء بينوا أن نصوص العلو والفوقية تزيد أفرادها على ثلاثة آلاف دليل: منها: أن الله قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤]، في سبعة مواضع، وقال: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦]، وقال: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وقال: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١]، وقال: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨]، وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠]، وقال: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٨]، وقال: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج:٤]، إلى غير ذلك من أنواع الأدلة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [إلى أن قال: ونعتقد أن الله تعالى خلق الجنة والنار، وأنهما مخلوقتان للبقاء لا للفناء، وهذه عقيدة أهل السنة والجماعة، خلافاً للمعتزلة الذين قالوا: إنهما معدومتان الآن، وإنما تخلقان يوم القيامة؛ لأن وجودهما الآن ولا جزاء عبث، والعبث محال على الله، هكذا يزعمون، وهذا من أبطل الباطل، فالنصوص دلت على أنهما موجودتان، قال الله تعالى عن الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣] وقال عن النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤]، والمؤمن في قبره يفتح له باب إلى الجنة فيأتيه من روحها وطيبها، والكافر يفتح له في قبره باب إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها، والجنة فيها الحور، فهما موجودتان الآن، وهما دائمتان لا تفنيان. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [إلى أن قال: ونعتقد أن النبي ﷺ عرج بنفسه إلى سدرة المنتهى، إلى أن قال: ونعتقد أن الله قبض قبضتين فقال: هؤلاء للجنة وهؤلاء للنار]. عرج به ﵊ حتى جاوز السبع الطباق، ووصل إلى مكان يسمع فيه صريف الأقلام، ذلك الإيمان بالقدر، وأنه قبض قبضتين قال في إحداهما: هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي، وهؤلاء إلى النار ولا أبالي، وكل صائر إلى ما قدر الله، فأهل السعادة ييسرهم الله لأهل السعادة، وأهل الشقاوة ييسرهم لعمل أهل الشقاوة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ونعتقد أن للرسول ﷺ حوضاً، ونعتقد أنه أول شافع وأول مشفع]. من حيث إثبات الحوض، هذا ثابت في النصوص المتواترة، وأن له هذا الحوض في يوم القيامة، يصب فيه ميزابان من ماء الكوثر، طوله مسافة شهر وعرضه مسافة شهر، وأوانيه عدد نجوم السماء، ماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، وأبرد من الثلج، من شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبداً حتى يدخل الجنة، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم. وهو ﵊ الشافع المشفع في المحشر، فهو ﵊ له الشفاعة العظمى يوم القيامة عامة، يشفع في الخلائق مؤمنهم وكافرهم، عامة للمؤمنين والكفار؛ لأنها لراحة النفس من موقف الحساب، ثم الشفاعة لأهل الجنة الذين يؤذن لهم في دخولها، ثم الشفاعة لرفع درجات القوم من أهل الجنة، ثم الشفاعة في قوم استحقوا دخول النار ألا يدخلوها، وفيمن دخلها حتى يخرج منها من العصاة، وهذه تواترت بها النصوص ووردت فيها الأحاديث، ومع ذلك أنكرها الخوارج والمعتزلة؛ لجهلهم وضلالهم. قال: [وذكر الصراط والميزان والموت، وأن المقتول قتل بأجله واستوفى رزقه]. هذا الصراط والميزان أثبتهما الله في كتابه، وأن الصراط صراط حسي والميزان ميزان حسي؛ لأنه توزن فيه الأعمال والأشخاص، والصراط يمر الناس عليه على متن جهنم. وقوله: (قتل بأجله) هذا هو الصواب؛ لأن الله تعالى قدر الآجال خلاف المعتزلة القائلين: المقتول قتل عليه أجله، وأنه لو لم يقتل لعاش، وهذا باطل. قال: [ومما نعتقد: (أن الله ينزل كل ليلةٍ إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الآخر، فيبسط يده فيقول: ألا هل من سائل) الحديث. وليلة النصف، وعشية عرفة، وذكر الحديث في ذلك]. هذا كلام أبي عبد الله بن خفيف، واسمه: محمد بن خفيف الضبي الفارسي الشيرازي أبو عبد الله من مشايخ الصوفية، وقد رحل وحج مراراً، وله مؤلفات كثيرة، قال أبو عباس الفسوي: صنف شيخنا ابن خفيف من الكتب ما لم يصنفه أحد، وانتفع به جماعة صاروا أئمة يقتدى بهم، وعمر حتى عم نفعه البلدان، وقال الذهبي عنه: قد كان هذا الشيخ جمع بين العلم والعمل، وعلو السند، والتمسك بالسنن، ومتع بطول العمر في الطاعة، ولد حوالي سنة (٢٦٨) وتوفي سنة (٣٧١)، من مؤلفاته: الوصية، العقيدة أو المعتقد، كتاب الاقتصاد. وهذا الحديث رواه الشيخان وأصحاب السنن، ونزول الرب من الأحاديث المتواترة، وهو من الصفات التي تكون لله ﷻ كسائر الصفات. وأما نزوله في ليلة النصف من شعبان فغير صحيح، هذا قول ضعيف، والأحاديث التي فيها باطلة أو ضعيفة جداً، فإن الله ينزل ليلة النصف وغيرها في كل ليلة، أما تخصيص ليلة النصف فلا أعلم له أصلاً، وبعضهم قال: إنها ليلة القدر، وقال بعضهم متخصص بقيام خاص وباستفادة خاصة أو بأركان خاصة يقرأ فيها ويصلي فيها اثني عشر ركعة، والركعة الأولى يقرأ: قل هو الله أحد ثلاثين مرة، والفاتحة كذا عشر مرات، كل هذا من البدع وليس له أصل، والصواب: أن الشيخ ﵀ ينقل عن غيره، وقصد بذلك مبيناً معتقد أهل السنة والجماعة، وقد يكون في بعض ما ينقل ملحوظات، أو قصد أنه يرد على هذا ويبينها ﵀، فهو ما أراد أن يتتبع بعض الأقوال الضعيفة، إنما قصده من ذلك أن ينقل نقولاً تؤيد معتقد أهل السنة والجماعة في الصفات وفي النزول، أما فيما أخبر فيه من مسألة فرعية في نزول ليلة النصف فهذا قول ضعيف. وأما نزوله سبحانه عشية عرفة فهذا ثابت، أنه ينزل عشية عرفة يباهي بأهل الموقف الملائكة. قال: [ونعتقد: أن الله كلم موسى تكليماً، واتخذ إبراهيم خليلاً]. وهذا كذلك فيه إثبات الكلام لله بنص القرآن الكريم، وقد أنكر الجعد بن درهم هاتين الصفتين، وهو أول من حفظ عنه في الإسلام نفي الصفات، وكان ممن تكلم عن الخلة والتكليم، فادعى أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يكلم موسى تكليماً، فضحى به خالد بن عبد الله القسري أمير العراق والمشرق بواصل وقتله، وكان هذا بفتوى من علماء زمانه، وكان أكثرهم من التابعين، وشكر له العلماء ذلك، فقد قتله يوم عيد الأضحى، وذل

стр. 60

شرح الحموية لابن تيمية [٨] يعتقد أهل السنة الصبر على السلطان وإن جار ما أقام الصلاة، والجهاد معهم ماض إلى يوم القيامة، ومن ترك الصلاة عمداً فهو كافر، والصلاة على من مات من أهل القبلة سنة، ويسكتون عما شجر بين الصحابة ويترضون عنهم جميعاً، ويحلون ما أحله الله ورسوله ويحرمون ما حرم الله ورسوله.

стр. 61

الصبر على السلطان وإن جار ما أقام الصلاة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ونعتقد: الصبر على السلطان من قريش، ما كان من جور أو عدل، ما أقام الصلاة من الجمع والأعياد]. وهذا هو مقصد أهل السنة والجماعة الصبر على جور السلطان، وعدم الخروج على ولاة الأمور، ولو فعل المعاصي والظلم، إلا إذا وجد الكفر الصريح مع القدرة والاستطاعة، ومع وجود البديل، أي: إذا كفر كفراً صريحاً واضحاً لا برهان به، كما في الحديث الآخر: (إلا أن ترى كفراً بواحاً عندك من الله برهان) جاز الخروج بشرطين: الشرط الأول: وجود البديل، فيزال الكافر ويؤتى بدله بمسلم، أما إذا كان يزال الكافر ويؤتى بدله كافر ما حصل المقصود. الشرط الثاني: القدرة، فإن عجز فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها. هذا إذا وجد الكفر، أما المعاصي والظلم والجور فلا يجوز الخروج، فمعتقد أهل السنة والجماعة: أن الخروج من كبائر الذنوب؛ لقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر، فإنه من فارق الجماعة شبراً فمات فميتته جاهلية) والخروج على ولاة الأمور من كبائر الذنوب، ولا يجوز، ولأن الخروج على ولاة الأمور بالمعاصي يترتب عليه مفسدة أكبر، فمن منكرات ولاة الأمور مثلاً الظلم، كأن يكون ظلم بعض الناس، أو قتل بعض الناس، أو سجن بعض الناس، أو ما أشبه ذلك، ولكن يحصل من الخروج أن تراق الدماء، وتنتهك الأعراض، ويتسلط الأعداء، ويختل الأمن، ويختل الاقتصاد والزراعة والتجارة والدراسة، وتختل أمور الناس كلها، وتأتي فتن تقضي على الأخضر واليابس، فأيهما أعظم؟ فالجور والمعصية مفسدة صغرى، وهذه مفاسد متعدية، فلهذا جاء الإسلام بالمنع. ولهذا قال المؤلف: نعتقد نحن أهل السنة والجماعة الصبر على السلطان ما داموا يقيمون الصلاة والجمع والأعياد، يعني: ما داموا مؤمنين موحدين. وقوله: (الأئمة من قريش) يعني: إذا كان اختيار المسلمين يختارون إماماً من قريش؛ لقول النبي ﷺ : (الأئمة من قريش)، ولما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (لا يزال هذا الأمر في قريش) وفي لفظ: (ما بقي منه اثنان ما أقاموا الدين) يعني: ما داموا يقيمون الدين، فيكون الأمر فيهم والولاية فيهم ما داوموا على إقامة الدين، أما إذا لم يقيموا الدين فإنه يختار المناسب، وهذا إذا كان باختيار المسلمين، كما اختار الصحابة أبا بكر من قريش، ثم عمر من قريش، ثم عثمان من قريش، ثم علياً من قريش، هذا إذا كان باختيار المسلمين. أما إذا غلبهم بسيفه وقوته وسلطانه ثبتت له الولاية ولو كان عبداً حبشياً، كما في الحديث: (أمرني خليلي أن أسمع وأطيع وإن كان عبداً حبشياً مجدع الأطراف) أي: مقطع اليدين والرجلين فتثبت له الولاية بالقوة والغلبة، فالخلافة تثبت بواحد من ثلاثة أمور: الاختيار والانتخاب كما في خلافة الصديق وعثمان. والثاني: بولاية العهد من الخليفة السابق، كما عهد الصديق لـ عمر. والثالث: بالقوة والغلبة. ولم تثبتت الخلافة بالاختيار والانتخاب إلا في زمن الخلفاء الراشدين، أما بعدهم فكلها بالقوة والغلبة، فخلفاء بني أمية، وخلفاء بني العباس والأتراك والمماليك، كلها بالقوة والغلبة إلى الآن. فهذا إذا كان باختيار المسلمين يختارون من قريش، أما إذا كان ليس الاختيار لهم وغلبهم بقوته وسيفه وسلطانه ثبتت له الخلافة، ووجب السمع له والطاعة، وحرم الخروج عليه، إلا إذا كفر كفراً صريحاً كما في الحديث الذي في صحيح مسلم قال: (إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان) بهذا القيد، أي: كفر موصوف بثلاثة أوصاف: كفر، بواح، عندكم من الله فيه برهان، مع القدرة، ومع وجود البديل. ومن هنا يتبين أن الخروج على ولاة الأمور من المعاصي، وأن هذا من طريقة أهل البدع والخوراج والمعتزلة، والرافضة هم الذين يخرجون على ولاة الأمور، والخوارج يخرجون على ولاة الأمور بالمعاصي، فإذا عصى عندهم كفر وخلد في النار، ووجب قتله؛ لأنه مخلد في النار، والمعتزلة يرون الخروج على ولاة الأمور بالمعاصي؛ لأن هذا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والرافضة يخرجون على ولاة الأمور بالمعاصي؛ لأنهم لا يرون الإمامة إلا للإمام المعصوم، والإمام المعصوم عندهم هم الأئمة الاثنا عشر ويزعمون أنه نص عليهم النبي ﷺ ، فلا تصح الإمامة لغيرهم ويجب الخروج عليهم، أما أهل السنة فيخالفون الخوارج والمعتزلة والروافض، يرون الصبر على ولاة الأمور، وعدم الخروج عليهم بالمعاصي. قال: [والجهاد معهم ماض إلى يوم القيامة]. كذلك الجهاد ماض مع ولاة الأمور أبراراً كانوا أو فجاراً إلى يوم القيامة؟

стр. 62

وجوب صلاة الجماعة وكفر تارك الصلاة عمداً قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والصلاة في الجماعة حيث ينادى لها واجب إذا لم يكن عذر مانع]. كذلك الصلاة حيث ينادى لها واجب، يجب أن يصلي المسلم خلف ولاة الأمور الجمع والجماعة إذا لم يكن هناك مانع، أما إذا كان لعذر من الأعذار فلا. يعني: سواء كان جائراً أو عادلاً يجب السمع والطاعة وعدم الخذلان. إذاً: الصواب الذي دلت عليه النصوص: أن الصلاة في الجماعة واجبة، دليل ذلك حديث الأعمى، وقال: (من سمع النداء ولم يجب فلا صلاة له إلا بعذر). والخروج على السلطان الكافر قد يقال بوجوبه إذا وجدت القدرة والاستطاعة والبديل، لكن هذا صعب التحقق، أما مثل الحكومات العسكرية في الجمهوريات والانقلابات، تذهب الدولة الكافرة وتجيء دولة كافرة أخرى، فهنا لم يحصل المقصود، وليس هناك فرق بين الأولى والثانية؛ كلها كافرة. قال: [والتراويح سنة]. التراويح سنة سنها النبي ﷺ في السنة النبوية، فعلها النبي ثلاثة أيام ثم تركها خشية أن تفرض، وكان الناس في بقية حياة النبي ﷺ وفي زمن أبي بكر وفي صدر من خلافة عمر يصلونها أوزاعاً، ثم جمعهم عمر على إمام واحد، فاستمر الناس على ذلك إلى عهدنا الحاضر، فهي سنة نبوية عمرية. قال: [ونشهد أن من ترك الصلاة عمداً فهو كافر]. يعني: هذا يدل على أنه يكفر تارك الصلاة، يعني: من تركها كسلاً، أما من تركها جاحداً لوجوبها فهذا كافر بإجماع المسلمين وليس فيه خلاف، لكن المراد من تركها كسلاً وتهاوناً، وفيه رد على المرجئة الذين لا يكفرون تارك الصلاة ويقولون: إن من كفر تارك الصلاة فهو من الذين يسارعون في الكفر ويكفرون بغير دليل، والذي دلت عليه النصوص أن ترك الصلاة كسلاً وتهاوناً كفر؛ لقول النبي ﷺ : (من ترك صلاة العصر حبط عمله)، ولقوله ﷺ : (بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة)، ولقوله ﷺ : (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر). وبعض المرجئة يقولون: من كفر تارك الصلاة فهو من الثوريين الذين يكفرون الناس بغير دليل.

стр. 63

الشهادة بالجنة لأحد بلا دليل بدعة قال: [والشهادة والبراءة بدعة]. أي: الشهادة للمحسن بالجنة بغير دليل بدعة، والبراءة من الشيخين من أبي بكر وعمر بدعة، كما تفعل الرافضة، فالشهادة بدعة، والبراءة بدعة، فالشهادة لمعين بغير دليل بأنه في الجنة بدعة، فلا يشهد إلا لمن شهدت له النصوص كالعشرة المبشرين في الجنة، وكذلك أيضاً الحسن والحسين وبلال وعبد الله بن سلام وغيرهم ممن شهدت لهم النصوص. والبراءة من أبي بكر وعمر بدعة كما تقول الشيعة: لا ولاء إلا ببراء، والمعنى: لا يتولى أحد علياً إلا ببراءة من أبي بكر وعمر، لا ولاء لـ علي إلا بالبراءة من أبي بكر وعمر، وهذا بدعة وهو قول الرافضة، ومن أبطل الباطل، فأهل السنة يتولون أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً جميعاً، وكلهم يترضون عنهم، ولا يقال: لا ولاء إلا ببراء، ربط هذا بهذا، فلا يتولى أحد علياً حتى يتبرأ من أبي بكر وعمر! هذا من أبطل الباطل. لذلك نذر سرائر الناس إلى الله، فالشهيد يسمى شهيداً في أحكام الدنيا، أما في أحكام الآخرة فالله أعلم، ولهذا بوب البخاري فقال: باب: لا يقال: فلان شهيد، يعني: في أحكام الآخرة، ويقال له: شهيد في أحكام الدنيا، فقد يكون شهيداً في أحكام الدنيا وليس شهيداً عند الله، فمن رأيناه قتل في معركة يقاتل في سبيل الله، ولا نعلم عنه إلا الخير نقول: شهيد في أحكام الدنيا، أما في أحكام الآخرة فالله أعلم به. قال: [والصلاة على من مات من أهل القبلة سنة]. أي: كل من مات من أهل القبلة ولا يعلم عنه كفر ولا نفاق يصلى عليه، ومن علم كفره ونفاقه فلا يصلى عليه؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة:٨٤] وبهذا القيد: إذا لم يعلم منه الكفر والنفاق؛ لأن الله نص على هذا. وبعض الشباب لا يصلي بالحرم على أي جنازة عملاً بقول الله : ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ﴾ [التوبة:٨٤] الآية، وهذا غلط، وهذا تنطع، فالأصل أن من يقدم من المسلمين فيصلى عليه، حتى تعلم يقيناً أنه ليس بمسلم، فهذا تنطع وحرمان للخير، إذ إن الصلاة فيها أجر عظيم قيراط من الأجر. قال: [ولا ننزل أحداً جنةً ولا ناراً حتى يكون الله ينزلهم]. أي: فلا نشهد لأحد بالجنة أو بالنار إلا لمن شهدت له النصوص. وهناك قول لبعض العلماء أنه من شهد له بعض أهل الخير فإنه يشهد له، وقال آخرون: لا يشهد إلا للأنبياء، والقول الصواب الذي عليه الجمهور: أنه يشهد لمن شهدت له النصوص خاصة، وأما الحديث الذي قال فيه: (أنتم شهداء الله في الأرض) قيل: إنه خاص بأولئك النفر. فالمسلم إذا مات يصلى عليه؛ لأنه يتجه إلى القبلة بالصلاة والذبح، إذا لم يعلم منه كفر أو نفاق، بهذا القيد؛ لأن الله قيد وقال: (إنهم كفروا بالله ورسوله) فإذا كان من أهل القبلة ولم يعلم منه كفر ولا نفاق صلينا عليه، أما إذا لم يكن من أهل القبلة فهذا لا يصلى عليه، أو كان من أهل القبلة ولكن علم نفاقه أو كفره فلا يصلى عليه. وهو مسلم إذا التزم أن يتجه إلى القبلة في الصلاة والذبح، ويلتزم بأحكام الإسلام ظاهراً، يقال: هذا من أهل القبلة، خلاف اليهود والنصارى فليسوا من أهل القبلة، وكذلك المجوس والوثنيون ليسوا من أهل القبلة، ولا يتجهون للصلاة إلى القبلة ولا يلتزمون بأحكام الإسلام، قال النبي ﷺ في الحديث: (من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فهو المسلم، له ما لنا وعليه ما علينا) الحديث فسموا أهل القبلة. وإذا لم نعلم إسلامه فأمره إلى الله؛ لأن النبي ﷺ أجرى على المنافقين أحكام الإسلام إذا التزموا، وهم منافقون في الدرك الأسفل من النار، فـ عبد الله بن أبي رئيس المنافقين لما مات ودلي في حفرته جاءه النبي ﷺ واستخرجه من حفرته، وألبسه قميصاً، ونفث فيه من ريقه، وصلى عليه، فلما أراد أن يصلي أخذ عمر بثوبه، وقال: تصلي على منافق؟! فقال النبي (يا عمر فإني خيرت، فقيل لي: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة:٨٠]، قال: لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت على السبعين، ثم صلى عليه)، وهذا قبل أن ينهى، وقبل أن تنزل الآية، ثم نزلت الآية بعد ذلك: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ﴾ [التوبة:٨٤] فلم يصل بعد ذلك على منافق. والمقصود: أن المنافق الذي يلتزم بالأحكام ولا ندري عن نفاقه أمره إلى الله، وتجرى عليه أحكام الإسلام وأمره إلى الله، ويدفن ويصلى عليه، لكن في الآخرة حكمه إلى الله، أما نحن فما لنا إلا الظاهر، أما إذا علمنا نفاقه وكفره فلا يصلى عليه.

стр. 64

ترك الجدال في الدين والخوض فيما شجر بين الصحابة قال: [والمراء والجدال في الدين بدعة]. كذلك المراء والجدال في دين الله، فلا يجوز للإنسان أن يجادل في الدين، قال تعالى: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت:٤٦]، وقال: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥] والجدال لإظهار الحق وإبطال الباطل مقبول، أما الجدال في الدين لأجل الخصومة، أو لأجل الباطل، أو لأجل الإيذاء والإغواء فلا يجوز. قال: [ونعتقد: أن ما شجر بين أصحاب رسول الله ﷺ أمرهم إلى الله، ونترحم على عائشة ونترضى عنها]. ما شجر بين الصحابة من خلاف فأمره إلى الله، ونعتقد أنهم ما بين مجتهد مصيب له أجران، وبين مخطئ له أجر، ونعتقد أن الأخبار التي رويت عنهم منها ما هو كذب لا أصل له من الصحة، ومنها ما له أصل ولكن زيد فيه وغير عن وجهه، ومنها ما هو صحيح ثابت؛ فالصحيح الثابت هم ما بين مجتهد مصيب له أجران وما بين مخطئ له أجر، كما حقق ذلك شيخ الإسلام في العقيدة الواسطية ﵀. وكذلك نترحم على عائشة ﵂، ونعتقد أنها أم المؤمنين، وأنها زوجة النبي ﷺ في الآخرة، وأنها صديقة، وأن الله برأها من فوق سبع سماوات، فمن رماها بما برأها الله منه قد كفر بالله العظيم بإجماع المسلمين؛ لأنه مكذب لله، وهي الصديقة بنت الصديق، وهي زوجة النبي ﷺ في الآخرة ﵂ وأرضاها.

стр. 65

حكم القول في اللفظ والملفوظ وفي الاسم والمسمى قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والقول في اللفظ والملفوظ، وكذلك في الاسم والمسمى بدعة]. قوله: في اللفظ، وهو قول اللفظ في القرآن مخلوق، أو يقول: لفظي بالقرآن مخلوق، هذا من البدعة؛ لأن القرآن كلام الله، ونزله على رسوله، ولا فرق بين لفظ وبين ملفوظ؛ لأن بعض الناس يشبه ويريد باللفظ الملفوظ، فيقع في المحظور، فهذا من البدع، والقرآن كلام الله منزل غير مخلوق، وهذه التفصيلات من البدع. كذلك اسم الله، الاسم والمسمى، فمثلاً: اسم (الله) فقوله: اسم الله، الاسم مخلوق، أو ما أشبه ذلك، لأن الاسم قد يطلق على المسمى، والمسمى يطلق على الاسم، فإذا قيل: الله اسم عربي، هذا يريد به الاسم، وإذا قيل: الله فالمراد به المسمى، علم على الذات المقدسة، فالتفريق بين الاسم والمسمى والتفريق بين اللفظ والملفوظ كل هذا من البدع. قال في الحاشية: [وأما القول في الاسم أهو المسمى أم غير المسمى؟ فإنه من الحماقات الحادثة التي لا أثر فيها فيتبع، ولا قول من إمام فيستمع، فالقول فيه شين، والصمت عنه زين، وحسب امرئ من العلم به والقول فيه أن ينتهي إلى قول الله ثناؤه الصادق وهو قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء:١١٠]، وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠]. فإذا قيل: هل الاسم هو المسمى أو غيره؟ فمنهم من قال: هو المسمى، ومنهم من قال: بل الاسم غير المسمى، والصحيح: أن الاسم للمسمى، ولا يطلق بأنه المسمى ولا غيره، بل لابد من التفصيل، فالاسم يراد به المسمى تارة، ويراد به اللفظ الدال عليه تارة أخرى، فإذا قيل: القرآن كلام الرحمن، فإن المراد به هنا: المسمى، وإذا قيل: الرحمن اسم عربي فالاسم هنا للمسمى، ولا يقال غير المسمى لما في لفظ غير من إيهام]. وأما في اللفظ والملفوظ، قال شيخ الإسلام بعد أن ذكر القائلين: لفظي بالقرآن مخلوق، وأن حقيقة قولهم هو قول الجهمية قال: [فقابلهم قوم أرادوا تقويم السنة، فوقعوا في البدعة، وردوا باطلاً بباطل، وقابلوا الفاشل بالفاشل، فقالوا: تلاوتنا للقرآن غير مخلوقة، وألفاظنا به غير مخلوقة؛ لأن هذا هو القرآن، إلى أن قال: فأنكر الإمام أحمد أيضاً على من قال: إن تلاوة العبادة وقراءتهم وألفاظهم وأصواتهم غير مخلوقة، وأمر بهجران هؤلاء كما جهم الأولين وبدعهم].

стр. 66

حكم القول بأن الإيمان مخلوق أو غير مخلوق قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والقول في أن الإيمان مخلوق أو غير مخلوق بدعة]. لأن الإيمان قول وعمل واعتقاد، فالله تعالى خلق الإنسان وخلق عمله فلا يقال: إن العمل غير مخلوق والإنسان مخلوق، والمقصود: أن هذا حكمه مثل ما سبق اللفظ والملفوظ. قال في الحاشية: [وهذه المسألة أيضاً شبيهة بالمسألتين السابقتين، وهي: أنه لما ظهرت مقولة اللفظية القائلين: لفظنا بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق، تكلم الناس فيها حينئذ بالإيمان، وقالت طائفة: الإيمان مخلوق، ودخل في ذلك ما تكلم الله به من الإيمان كقول: لا إله إلا الله، فصار مقتضى قولهم: أن نفس هذه الكلمة مخلوقة، ولم يتكلم الله بها. فبدع الإمام أحمد هؤلاء، قال شيخ الإسلام بعد إيراد هذه المسألة والكلام عليها وهذه الأقوال كلها مبتدعة مخترعة لم يقل السلف شيئاً منها، وكلها باطلة شرعاً وعقلاً، ثم ذكر في نهاية البحث أنه من قال: الإيمان مخلوق أو غير مخلوق، فلابد من الاستفسار منه، وما يريد بالإيمان، فإن أراد بالإيمان شيئاً من صفات الله كقوله: لا إله إلا الله، وإيمانه الذي دل عليه اسم المؤمن فهو غير مخلوق، وإن أراد شيئاً من أفعال العباد وصفاتهم، فالعباد كلهم مخلوقون، وجميع أفعالهم وصفاتهم مخلوقة، ولا يكون للعبد المحدث المخلوق صفة قديمة غير مخلوقة].

стр. 67

الرد على من زعم رؤية الله في الدنيا قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واعلم أني ذكرت اعتقاد أهل السنة على ظاهر ما ورد عن الصحابة والتابعين مجملاً من غير استقصاء، إذ قد تقدم القول عن مشايخنا المعروفين من أهل الإمامة والديانة، إلا أني أحببت أن أذكر عقود أصحابنا المتصوفة فيما أحدثه طائفة انتسبوا إليهم، ما قد تخرصوا من القول مما نزه الله المذهب وأهله من ذلك، إلى أن قال: وقرأت لـ محمد بن جرير الطبري في كتاب سماه: التبصير، كتب بذلك إلى أهل طبرستان في اختلاف عندهم، وسألوه أن يصنف لهم ما يعتقده ويذهب إليه، فذكر في كتابه اختلاف القائلين برؤية الله تعالى، فذكر عن طائفة إثبات الرؤية في الدنيا والآخرة، ونسب هذه المقالة إلى الصوفية قاطبة، لم يخص طائفة دون طائفة، فتبين أن ذلك على جهالة منه بأقوال المخلصين منهم، وكان من نسب إليه ذلك القول بعد أن ادعى على الطائفة ابن أخت عبد الواحد بن زيد، والله أعلم بمحله عند المخلصين، فكيف بابن أخته؟!]. القول برؤية الله في الدنيا قول باطل، وصادر من الصوفية وهو أبطل الباطل، قال الله تعالى عن موسى ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]. وقال ﵊ في الحديث الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه: (واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا) فالقول برؤية الله في الدنيا من أبطل الباطل، ولا يستطيع أحد من الناس رؤية الله، ولما تجلى الله للجبل تدكدك وصعق موسى، وخر موسى صعقاً، وقال ﵊ في حديث أبي ذر في صحيح مسلم لما قيل: (هل رأيت ربك؟ قال: نور أنى أراه؟) وفي لفظ: (رأيت نوراً)، وفي حديث أبي موسى الأشعري في صحيح مسلم: (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور -وفي لفظ: النار- لو كشفه لأحرق سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه)، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى:٥١]، فرؤية الله في الدنيا من أبطل الباطل، وهذا كلام الصوفية، وقد أجمعت الأمة قاطبة على أن الله لا يرى في الدنيا، إلا ما زعمته الصوفية، والصوفية عندهم تخريف، فقد كان بعضهم يقول إذا رأى الصدف: لا ندري لعل ربنا يكون في هذه الصدف! نسأل الله العافية، فقد أجمعت الأمة على أنه لا يراه أحد في الدنيا، وأجمعوا على أنه لم يره أحد في الدنيا، ولم يختلفوا إلا في نبينا محمد ﷺ ، وأجمعوا على أنه لم يره في الأرض، وإنما اختلفوا في رؤيته ليلة المعراج على قولين، والصواب: أنه لم يره نبينا محمد ﷺ لهذه الأحاديث التي سبقت، وإنما رآه بقلبه ولم يره بعين رأسه، وهذا هو الصواب الذي عليه المحققون، والذي تدل عليه النصوص، فكيف يقول هؤلاء الصوفية هذا الكلام؟! قال في ترجمة عبد الواحد بن زيد: [أما عبد الواحد بن زيد فهو عبد الواحد بن زيد أبو عبيدة البصري حدث عن الحسن البصري وعطاء بن أبي رباح من مشايخ الصوفية، صاحب وعظ رمي بالقدر، قال عنه الذهبي: وحديثه من قبيل الواهي عندهم، انتهى، توفي بعد الخمسين ومائة]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكان من نسب إليه ذلك القول بعد أن ادعى على الطائفة ابن أخت عبد الواحد بن زيد، والله أعلم بمحله عند المخلصين، فكيف بابن أخته؟! وليس إذا أحدث الزائغ في نحلته قولاً نسب إلى الجملة، كذلك في الفقهاء والمحدثين ليس من أحدث قولاً في الفقه، وليس فيه حديث يناسب ذلك، ينسب ذلك إلى جملة الفقهاء والمحدثين. يعني: مقصود ابن خفيف أن ما تكلم به الصوفية هذا لا ينسب إلينا، ونحن برآء منه، فهذا الكلام الذي يقوله لا نطلقه، فالإنسان إذا أتى بقول شاذ، لا ينسب إلى الصوفية، كما أن الفقهاء من تكلم منهم بالقول الشاذ لا ينسب إلى الفقهاء. قال: [واعلم أن ألفاظ الصوفية وعلومهم تختلف فيطلقون ألفاظهم على موضوعات لهم، ومرموزات وإشارات تجري فيما بينهم، فمن لم يداخلهم على التحقيق ونازل ما هم عليه رجع عنهم خاسئاً وهو حسير]. أي: لهم إشارات تعرف في الخفاء، ولهم اصطلاحات وألفاظ خاصة بهم مثل: التحقيق، والإيقاع، والقبض، والبسط، والجمع، كل هذه ألفاظ الصوفية. قال: [فمن لم يداخلهم على التحقيق، ونازل ما هم عليه، رجع عنهم خاسئاً وهو حسير، ثم ذكر إطلاقهم لفظ الرؤية بالتقييد، فقال: كثيراً ما يقولون: رأيت الله، وذكر عن جعفر بن محمد قوله لما سئل: هل رأيت الله حين عبدته؟ قال: رأيت الله ثم عبدته. فقال السائل: كيف رأيته؟ فقال: لم تره العيون بتحديد العيان، ولكن رأته القلوب بتحقيق الإيقان، ثم قال: يرى في الآخرة كما أخبر في كتابه وذكره رسوله ﷺ ، فهذا قولنا وقول أئمتنا دون الجهال من أهل الغباوة فينا].

стр. 68

ما حرمه الله فهو حرام على كل أحد، ولا يوصف الله بالعشق ولا الحلول قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأن مما نعتقد: أن الله حرم على المؤمنين دماءهم وأموالهم وأعراضهم، وذكر ذلك في حجة الوداع، فمن زعم أنه يبلغ مع الله إلى درجة يبيح الحق له ما حظر على المؤمنين، إلا المضطر على حال يلزمه إحياء النفس، وإن بلغ العبد ما بلغ من العلم والعبادة فذلك كفر بالله]. يعني: النبي ﷺ قال: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام) قال ذلك في أعظم مجمع. وقوله: [فمن زعم أنه يبلغ مع الله إلى درجة يبيح الحق له ما حظر على المؤمنين، إلا المضطر على حال يلزمه إحياء النفس، وإن بلغ العبد ما بلغ من العلم والعبادة فذلك كفر بالله]. يعني: من زعم أن الله أحل له شيئاً من الدماء أو الأموال أو الأعراض غير ما جاءت به الشريعة إلا المضطر فيما يحيي به نفسه، إذ يأكل المضطر الميتة حتى ينقذ نفسه، وليس له أن يستسلم للموت، يقول: من زعم ذلك فهذا كفر وردة؛ لأنه يزعم أنه في هذه الحالة أخذ عن الله، كما يقول أحد الصوفية: حدثني قلبي عن ربي، وأنه لا يحتاج إلى الرسالة ولا يحتاج إلى جبريل، يقول: يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه جبريل، كما يقول الاتحادية، وهذا كفر وضلال، معناها: لا ألتزم بالشريعة، نسأل الله السلامة والعافية، والله تعالى حرم الدماء والأموال والأعراض في أعظم مجمع، حرمها النبي ﷺ ، وحرمها الله تعالى في القرآن العظيم، فمن زعم أن الله أباح له غير ما كان مضطراً إليه فقد تعدى شرع الله، وتعدى حدود الله، وهو كفر وردة. قال: [والقائل بذلك قائل بالإلحاد، وهم المنسلخون من الديانة]. وهم الصوفية يقول أحدهم: حدثني قلبي عن ربي ولا يلتزم بالشرع، ويقولون: لا حاجة إلى أن يأخذ عن الله مباشرة، أو من المعدن الذي يأخذ منه جبريل، وهذا قول غلاة الصوفية الملاحدة، الذين وصلوا إلى القول بوحدة الوجود. قال: [وأن مما نعتقده: ترك إطلاق العشق على الله، وبين أن ذلك لا يجوز لاشتقاقه، ولعدم ورود الشرع به]. إطلاق العشق على الله هذه من عبارات الصوفية الباطلة، فالله إنما ورد في حقه المحبة والخلة فقط، أما العشق فهذا باطل.

стр. 69

القرآن كلام الله غير مخلوق قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأن مما نعتقده: أن الله لا يحل في المرئيات، وأنه المنفرد بكمال أسمائه وصفاته بائن من خلقه، مستو على عرشه، وأن القرآن كلامه غير مخلوق]. وهذا قول أهل السنة والجماعة: أن الله تعالى لا يحل في أحد من خلقه، كما تقول الحلولية، وهو كفر وضلال، بل هو بائن من خلقه ومستو على العرش، له الأسماء الحسنى والصفات العلى ، وله الكمال في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأن القرآن كلامه غير مخلوق -حيث ما تلي وحفظ ودرس-]. كلام الله حيث ما تلي، إن تلي فهو كلام الله، وإن قرئ فالمقروء كلام الله، وإن سمع فالمسموع كلام الله، وإن حفظ فالمحفوظ كلام الله، وإن كتب فالمكتوب كلام الله، وهو في هذه المواضع كلها حقيقة.

стр. 70

إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام خليلا الرحمن قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ونعتقد: أن الله اتخذ إبراهيم خليلاً، واتخذ نبينا محمداً ﷺ خليلاً وحبيباً، والخلة لهما منه على خلاف ما قال المعتزلة: أن الخلة الفقر والحاجة]. كلام المعتزلة من أبطل الباطل فالخلة: هي نهاية المحبة وكمالها، فأهل السنة يثبتون المحبة لله والخلة على ما يليق بجلال الله وعظمته، فالله تعالى له صفة الخلة وله صفة المحبة، والله تعالى اتخذ الخليلين إبراهيم ومحمداً، والخلة: هي تمام المحبة وكمالها، وهي بالنسبة للمخلوق لا يتسع القلب بأكثر من خليل واحد، وسميت خلة؛ لأنها تتخلل شغاف القلب وتصل إلى السويداء، أي: إلى نهاية المحبة وغايتها، ولا يتسع القلب لأكثر من خليل واحد، بخلاف المحبة فإن القلب يتسع لمحبات كثير، ولهذا لما امتلأ قلب نبينا ﷺ بخلة الله قال: (لو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً) يعني: لو كان في القلب متسع لكان لـ أبي بكر، لكن ليس فيه متسع، لكن المحبة فيه، ولهذا كان النبي يحب أسامة، وأباه زيداً، ويحب عائشة، ويحب عمرو بن العاص، ويحب جماعة كثيرين، أما الخلة فليس فيه متسع، فقد امتلأ قلبه بخلة الله، وصرف الخلة والمحبة لله ، أما الخلة والمحبة بالنسبة لله فهي صفتان تليقان بجلال الله وعظمته، وصفة الخلة وصفة المحبة هي كسائر الصفات لا تختلف، وأنكر المعتزلة والجهمية الخلة والمحبة، قالوا: لا خلة، ولا محبة؛ لأن الخلة والمحبة لابد أن تكون لمناسبة أو لمشاكلة بين المحب والمحبوب، وليس هناك مشاكلة بين الرب والعبد، وهذا من جهلهم وضلالهم، فإن أعظم ما فيه صلة بين الخالق والمخلوق، وهي أعظم صلة بين رب وعبد، فالله تعالى يربي عباده بنعمة والعبد يتأله ربه ويعبده، وفسروا الخلة بالفقير والمحتاج، قالوا: الله اتخذ إبراهيم خليلاً، يعني: فقيراً محتاجاً إليه، وهذا من جهلهم وضلالهم، فكل واحد فقير إلى الله، حتى الكفرة فقراء إلى الله، معناه: أنها ليست خاصة، فعلى المعنى هذا: الكفرة شاركوا إبراهيم بالخلة، وهذا من جهلهم وضلالهم، ففسروا الخليل بالفقير المحتاج، ومعلوم أن كل الناس فقراء إلى الله، بل كل المخلوقات فقيرة إلى الله. إلى أن قال: [والخلة والمحبة صفتان لله هو موصوف بهما، ولا تدخل أوصافه تحت التكييف والتشبيه، وصفات الخلق من المحبة والخلة جائز عليهم الكيف، وأما صفات الله تعالى فمعلومة في العلم وموجودة في التعريف قد انتفى عنهما التشبيه، فالإيمان به واجب، واسم الكيفية عن ذلك ساقط]. يعني: صفة المخلوق تتكيف وتعلم، أما صفة الخالق لا تتكيف، لكنها تعلم وتثبت، ونعتقد أن له كيفية لا يعلمها إلا هو .

стр. 71

إباحة المكاسب والتجارات، والرد على من حرم ذلك، أو اعتقد أن الأرض تخلو من الحلال قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومما نعتقده: أن الله أباح المكاسب والتجارات والصناعات، وإنما حرم الله الغش والظلم وأما من قال بتحريم تلك المكاسب فهو ضال مضل مبتدع، إذ ليس الفساد والظلم والغش من التجارات والصناعات في شيء، إنما حرم الله ورسوله الفساد، لا الكسب والتجارات]. ولهذا سئل النبي ﷺ : (أي الكسب أفضل؟ قال: كسب الرجل بيده، وكل بيع مبرور) كسب الرجل بيده مثل الصناعات، فالصناعات كلها مباحة، كالصناعات الحديثة الآن: البناء والدهان والسباك والكهرباء، كل هذه صناعات جديدة، والنجار والحداد والجزار والخياط، كلها الأصل فيها الإباحة، والبيوع كذلك. قال: [وأن من قال بتحريم المكاسب فهو ضال مضل مبتدع]. لأنه أنكر ما دلت عليه السنة، وما دلت عليه النصوص، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٢٩]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة:٢٨٢]. قال: [إذ ليس الفساد والظلم والغش من التجارات والصناعات في شيء، وإنما حرم الله ورسوله الفساد لا الكسب والتجارة، فإن ذلك على أصل الكتاب والسنة جائز إلى يوم القيامة. وأن مما نعتقده: أن الله لا يأمر بأكل الحلال ثم يعدمهم الوصول إليه من جميع الجهات]. فالله تعالى أمر بالكسب الحلال، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) [البقرة:١٧٢]، ((وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا﴾ [المائدة:٨٨]. فالله تعالى يأمر بالأكل الحلال، فلابد أن يكون الحلال موجوداً، ولا يمكن أن يأمر الله بشيء يستحيل وجوده، فالحلال موجود والحرام موجود، وكسب الحلال في الصناعات والأجور، فمن حرم الصناعات معناه أنه صادم النصوص. قال: [لأن ما طالبهم به موجود إلى يوم القيامة، والمعتقد أن الأرض تخلو من الحلال والناس يتقلبون في الحرام فهو مبتدع ضال، إلا أنه يقل في موضع ويكثر في موضع، لا أنه مفقود من الأرض]. لا يمكن أن يفقد من الأرض، وجاء في الحديث: (في آخر الزمان من لم يأكل الربا ناله من غباره) لكن هذا لا ينفي وجود الحلال.

стр. 72

جواز أكل طعام من لا يتهم في مكسبه قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومما نعتقده: أنا إذا رأينا من ظاهره جميل لا نتهمه في مكسبه وماله وطعامه، جائز أن يؤكل طعامه والمعاملة في تجارته، فليس علينا الكشف عن ماله، فإن سأل سائل على سبيل الاحتياط جاز إلا من داخل الظلمة]. فلا نقول: إن هذا مظهره جميل؛ لأنه يكسب مكاسب محرمة، لا نتهمه. [جائز أن يؤكل طعامه والمعاملة في تجارته، فليس علينا الكشف عن ماله، فإن سأل سائل على سبيل الاحتياط جاز إلا من داخل الظلمة]. ولا ينبغي السؤال في مثل هذا، إلا إذا عرف أن هذا الطعام أو هذا الشيء الذي أعطاك إياه مسروق حرام، فهذا لا تأخذه، أو رأيته يتعامل بالربا فأعطاك منه فلا تأخذه، مثل ما فعل الغلام لـ أبي بكر، أتى غلام له وأعطاه الطعام، قال: أتدري ممن هذا؟ تكهن لرجل في الجاهلية وأعطاه ثمن الكهانة، هذا حرام، ولهذا أدخل أبو بكر أصبعه في حلقه حتى قاء ما في بطنه وقال: كدت أن تهلكنا. وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أنه إذا اختلط الحلال بالحرام فلا بأس، إذا كانت له مكاسب من حلال وحرام فتأكل لا بأس، والنبي أكل طعام اليهود وقبل هديتهم وهم يأكلون السحت، وأخبر أنهم يأكلون السحت، يعني: إذا لم تعلم أن هذا الشيء بعينه حرام فلا بأس. [ومما نعتقده: أنا إذا رأينا من ظاهره جميل لا نتهمه في مكسبه وماله وطعامه، جائز أن يؤكل طعامه والمعاملة في تجارته، فليس علينا الكشف عن ماله]. في نسخة المجموع: [فليس علينا الكشف عما قاله، فإن سأل سائل على سبيل الاحتياط جاز إلا من داخل الظلمة]. إلا من داخل الظلمة يعني: يتهم في مكسبه، وهذا فيه نظر، مداخل الظلمة إذا كان مكسبه محرماً، فهذا له حكم آخر، وإذا عرف أن هذا المال بعينه محرم فلا يأكله، أو هذا الطعام محرم فلا يأكله. قال رحمه الله تعالى: [ومن لا يزغ عن الظلم وأخذ الأموال بالباطل ومعه غير ذلك فالسؤال والتوقي كما سأل الصديق غلامه]. الظاهر أنه إذا كان معه غير ذلك فالسؤال والتوقي، يعني: كما حصل لـ أبي بكر، يعني: إذا لم تعلم أن هذا الطعام الذي قدمه بعينه مسروقاً أو مأخوذاً ظلماً فإنك تأكل إذا اختلط، مثل بيت المال الآن، فإن بيت المال يختلط فيه الحلال والحرام، ومع ذلك لا بأس في أخذ المرتبات وغيرها، كما قال شيخ الإسلام، لكن لو كان شيء بعينه تعرف أنه حرام وأنه مسروق، فإذا سرق سلعة من شخص وذهب يبيعها، لا يجوز أن تشتريها؛ لأنك تعرف أن هذا حرام، أما إذا لم تعلم فالإثم عليه. وقوله: [ومن لا يزغ عن الظلم وأخذ الأموال بالباطل ومعه غير ذلك فالسؤال والتوقي، كما سأل الصديق غلامه]. أي: عرف أبو بكر قصة الغلام عندما تكهن لرجل في الجاهلية وأعطاه أجرة الكهانة. قال: [فإن كان معه من المال سوى ذلك مما هو خارج عن تلك الأموال فاختلطا، فلا يطلق عليه اسم الحلال ولا الحرام إلا أنه مشتبه، فمن سأل استبرأ لدينه كما فعل الصديق، وأجاز ابن مسعود وسلمان وقالا: كل منه وعليه التبعة]. أي: كل منه وعليه الإثم، إذا لم تعلم يكون عليه الإثم.

стр. 73

شرح الحموية لابن تيمية [٩] بعث الله نبيه بالحنيفية السمحة، ولا يسقط التكليف عن العبد ما دام حياً، والناس طبقات في التمسك بهذا الدين كما أنهم طبقات في الذكاء والفراسة، وكم من ذكي غير زكي، مثل بعض من يجادل في تحريم استماع الأغاني المصحوبة بآلات اللهو، ويجيز الرقص تعبداً وتنسكاً.

стр. 74

عدم سقوط التكليف عن العاقل المستطيع قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والناس طبقات والدين الحنيفية السمحة. وإن مما نعتقده: أن العبد ما دام أحكام الدار جارية عليه فلا يسقط عنه الخوف والرجاء]. وتكون أحكام الدار جارية عليه إذا كان حياً ولم تصل الروح إلى الحلقوم، فأحكام الدار جارية عليه، فإذا كان عقله ثابتاً لا يسقط عنه الخوف والرجاء، فيخاف من الله، ويخاف من عقابه ويرجو، ويجمع بين الخوف والرجاء. فالقنوط واليأس من روح الله هذا شؤم، فالمؤمن بين الخوف والرجاء، يعبد الله بالخوف والرجاء، فهو يخاف؛ حتى لا يسترسل في المعاصي، فيمنعه الخوف من ارتكاب المعاصي، وهو أيضاً يرجو رحمة الله وثوابه؛ حتى لا يتشاءم ولا يقنط ولا يسيء الظن بالله، فهو خائف غير مرتكب المعاصي، وراج غير قانط وغير متشائم وغير مسيء الظن بالله، بل يكون يرجو رحمة الله، فلا يطغى به الأمن حتى يرتكب المعاصي، ولا يزيد في الخوف حتى يقنط ويتشاءم ويسيء الظن بالله، بل بين الخوف والرجاء، يعبد الله بين الخوف والرجاء كجناحي الطائر، قال تعالى عن عباده المؤمنين: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة:١٦]، وقال عن أنبيائه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء:٩٠]، وقال سبحانه: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء:٥٧]. قال: [وكل من ادعى الأمن فهو جاهل بالله وبما أخبر به عن نفسه، ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩]، وقد أفردت كشف عورات كل من قال بذلك. ونعتقد: أن العبودية لا تسقط عن العبد ما عقل وعلم ما له وما عليه]. وهذا أجمع عليه المسلمون، وهو مقتضى النصوص: أن كل عاقل عالم لا تسقط عنه التكاليف؛ لقول الله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩]، وإذا مات سقط عنه التكاليف، ولا تسقط التكاليف إلا بأحد أمرين: إما رفع العقل، فإذا رفع العقل سواء كان صغيراً لم يبلغ أو مجنوناً أو مغمى عليه، فهذا تسقط عنه التكاليف، والثاني: الموت إذا مات، أما ما دام العقل ثابتاً والحياة موجودة، فإنه يكلف ولا تسقط عنه التكاليف، وقالت الصوفية بترك التكاليف عن بعض الخواص الذين وصلوا إلى مرتبة عالية، وتجاوزوا مرتبة العوام، وزعموا بأن التكاليف تسقط عنهم، واستدلوا بقوله: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] قالوا: اليقين: العلم، لو وصل العلم فقد رفع عنه التكاليف، وهذا كفر وضلال، أن يقسم الناس إلى طبقات، فالعامة عليهم التكاليف، ومن العامة الأنبياء والرسل، والخاصة تسقط عنهم التكاليف؛ لأنه وصل إلى الله، وتجاوز مرتبة العوام، وخاصة الخاصة عندهم والعياذ بالله الملاحدة الذين يقولون بالحلولية، وهذا كفر وضلال. وقد أجمع العلماء كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على أن من قال: هناك أحد تسقط عنه التكاليف وعقله ثابت في زمن الحياة يستتاب، فإن تاب وإلا قتل مرتداً نعوذ بالله، إلا إذا فقد العقل فهو معذور لأنه قد رفع عنه القلم، قال الله: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] يعني: الموت. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ونعتقد: أن العبودية لا تسقط عن العبد ما عقل وعلم ما له وما عليه، فيبقى على أحكام القوة والاستطاعة، إذ لم يسقط الله ذلك عن الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين]. والأنبياء هم خير الناس، ومع ذلك هم أعظم الناس عبودية لله، وهم الذين وفوا مقام العبودية حقها عليهم الصلاة والسلام، وأشرف مقامات نبينا ﷺ العبودية خاصة والرسالة، ولهذا وفى الله بالعبودية في المقامات العالية في مقام التحدي: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة:٢٣]. وفي الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء:١]. وفي مقام الدعوة: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن:١٩]. فأشرف مقامات النبي ﷺ العبودية خاصة والرسالة، فكيف بغيره؟! فإن قيل: ما حكم تزويج الأب ابنته من شخص يعتقد اعتقاداً كفرياً؟ الجواب إذا زوج الأب شخصاً يعتقد اعتقاداً كفرياً فالزواج باطل، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة:١٠]، فالمؤمنات لسن حلاً للكافرين ولا هم يحلون لهن، قال الله: ﴿وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة:٢٢١] يعني: المشرك لا يزوج بمؤمنة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [إذ لم يسقط ذلك عن الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، ومن زعم أنه قد خرج من رق العبودية إلى فضاء الحرية بإسقاط العبودية والخروج إلى أحكام الأحدية المبدئية بعلائق الآخرية فهو كافر لا محالة]. هذا اعتقاد الصوفية، يخرج إلى الفضاء ويتحرر من الدين، ويتحرر من الأوامر والنواهي؛ لأن الصوفية يزعمون أنه وصل إلى الله، فقد تحرر وخرج من العبودية والرق إلى فضاء الحرية، فيعمل ما يشاء، وتسقط عنه التكاليف: فيزني، ويسرق، وهكذا، ولهذا بعض الصوفية والعياذ بالله يعملون مع شيوخهم الصوفية ما يشاءون، وشيخ الصوفية لا يمنع من شيء، قد يدخل على ابنته ولا يمنعه، يدخل على بيته وعلى أهله ويفعل ما يشاء ولا يمنع؛ لأنه سقطت عنه التكاليف، وهذا كفر وضلال، وإذا كانوا يزعمون أنه يصل إلى الأحدية، يعني: الأحد، يكون واحداً، يعني: يتحد مع الله، هذا قول الاتحادية، وهذا كفر، يقول: الموحد في الوجود، الرب عبد والعبد رب، أنت الرب وأنت العبد، لا فرق بينهما، ورئيس الاتحادية هو ابن عربي الذي يقول: الرب عبد والعبد رب يا ليت شعري من المكلف إن قلت عبد فذاك ميت أو قلت رب أنى يكلف يقول: لا أدري أيهما العبد وأيهما الرب، العبد هو الرب والرب هو العبد، إن قلت: رب كيف يكلف، وإن قلت: عبد فهو ميت، فالعبد هو الرب والرب هو العبد، ويقول: رب مالك وعبد هالك وأنتم ذلك. والعبد فقط هو كثرة الوهم، يقول: هذا توهم التعبد لله ويقول عن الله: الله العلي الأعلى، يقول: علي على من؟ العلي على من؟ وما ثم إلا هو، وما هو إلا هو، نسأل الله العافية، ويقول: سر حيث شئت فإن الله ثم وقل ما شئت فالواسع الله أي: فكل شيء تراه في هذا الوجود هو الله، نعوذ بالله، ويقول هؤلاء الملاحدة: هذا التعدد وهم، وأنت لا تفهم مذهب الاتحادية إلا إذا خرقت العقل، وخرقت الشرع، وخرقت الحس، يعني: ألغ هذه، ألغ عقلك حتى تكون مجنوناً، وألغ الشرع حتى تفهم الأبيات ثم تفهم مذهب الاتحادية، نسأل الله السلامة والعافية، نعوذ بالله من زيغ القلوب. والعامة على الفطرة وفي عافية من هذه الأشياء، لكن لما ذكر محمد بن خفيف ﵀ ذلك، لابد أن نبين لطلبة العلم، وهذا موجود الآن، والاتحادية موجودون الآن، ولهم من يدافع عنهم، وابن عربي له كتب، له: الفتوحات المكية، وفصوص الحكم، وله أيضاً معارضة في القرآن في قصصه، يأتي بقصة قوم نوح ويعارضها ويفسرها بتفسيرات وإشارات ورموز إلحادية، ثم يأتي بقصة هود وهكذا، نسأل الله السلامة والعافية. فقوله: [ومن زعم أنه قد خرج من رق العبودية إلى فضاء الحرية بإسقاط العبودية]. يعني: سقطت عنه التكاليف، فليس عليه تكاليف ولا هو برقيق لله، إذاً: رقيق للشيطان، خرج من رق العبودية لله فيكون عبداً للشيطان، ولابد. خرج إلى فضاء الحرية بإسقاط العبودية، فلا يتعبد لله بأي عبودية: لا صلاة ولا صيام ولا زكاة ولا حج ولا اجتناب محرمات. وقوله: [والخروج إلى أحكام الأحدية المبدئية]. أي: الاتحاد بالله نعوذ بالله. قوله: [لعلائق الآخرية فهو كافر لا محالة، إلا من اعتراه علة أو رأفة فصار معتوهاً أو مجنوناً أو مبرسماً]. هذا معذور، رفع عنه القلم، معتوه يعني: نقص في العقل، أو مجنون معروف، أو مبرسم: يهذي هذياناً لخلل في رأسه. قال: [وقد اختلط عقله أو لحقه غشية ارتفع عنه بها أحكام العقل، وذهب عنه التمييز والمعرفة، فذلك خارج عن الملة مفارق للشريعة]. هذا مرفوع عنه التكاليف. فإن قيل: ما حكم المدافع عن مثل هؤلاء الاتحادية؟ الجواب: إذا كان المدافع عنه يعلم حقيقة حاله فهو كافر مثله نعوذ بالله، ومن دافع عن الكفرة فهو كافر مثلهم، نسأل الله العافية. وإن قيل: ما الفرق بين الحلولية والاتحادية؟ فالجواب: الفرق واضح، الحلولية: شيء حل محل الآخر، كالماء حل في الكوب، والاتحادية يقولون: الوجود شيء واحد، ولهذا يقال عن الاتحادية إنها لم تتعدد، ولم تقل باثنين أحدهما حل في الآخر، لا اثنينية ولا تعددية، الوجود واحد، وأما الحلولية تقول: اثنان حل أحدهما في الآخر، كالماء في الكوب، والاتحادية أشد كفراً من الحلولية، وكلهم كفرة وكلهم من الصوفية، وأصلهم منبثق عن مذهب الجهمية الذين أنكروا الأسماء والصفات، وأتوا بالقول بالحلول، ثم القول بالاتحاد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن زعم الإشراف على الخلق: يعلم مقاماتهم ومقدارهم عند الله -بغير الوحي المنزل من قول الرسول ﷺ فهو خارج عن الملة]. من زعم أنه يشرف على الخلق ويعلم أحوال الناس، بدون الوحي وبدون شيء أخبر به النبي فهذا كافر؛ لأن هذا من دعوى علم الغيب، والذي يزعم أنه يشرف على الناس، وأنه يعلم أحوالهم، ويعلم المؤمن وغير المؤمن، ويعرف الصحيح من

стр. 75

الفراسة وأنواعها قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والفراسة حق على أصول ذكرناها، وليس ذلك مما سميناه في شيء]. الفراسة يعني: خاطر يهجم على الإنسان هجوم الأسد على الفريسة، وتشتق الفراسة من الفريسة، يعني: يهجم عليه فيعطيه الله نوراً، وفي الحديث: (اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله) وسببه نور يقذفه الله في قلب عبده المؤمن، وهناك فراسة رياضية، وهذه يعملها الصوفية والفلاسفة، وهي أن يجوع نفسه ويقلل من الأكل؛ حتى يصح بدنه، وكذلك يقلل من النوم، مثل ما يسميه بعض الناس: رجيماً، وهذه يفعلها كثيروا الوهم والأطباء. وهناك فراسة أيضاً خلقية، وهي: الاستدلال بالخلق على الخلق، وهذه أيضاً دائرة بين المدح والذم، وهناك فراسة إيمانية وهي التي ذكرها المؤلف، وهي نور يقذفه الله في قلب العبد، فالفراسة الرياضية دائرة بين المدح والذم، وقد تصدق وقد لا تصدق، وهي مشتركة بين المؤمن والكافر، بأن يقلل الأكل ويقلل النوم؛ حتى يصح بدنه، والفراسة الخلقية: الاستدلال بالخلق على الخلق، كأن يقول: طول الرقبة دليل على الغباوة وقصر الرقبة على الحماقة، وجمود العينين على بلادة صاحبها، وسعة الصدر على سعة الخلق، وهذه الفراسة قد تصيب وقد لا تصيب، ومشتركة بين المؤمن والكافر، ويقال لها: فراسة خلقية، والمهم الفراسة الإيمانية، فقد ورد الحديث: (اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله) والحديث ذكره الألباني ﵀ وقال: إنه ضعيف، ولكن الحديث له طرق ساقها الحافظ ابن كثير ﵀ في سورة الحجر، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر:٧٥] وساق له عدة طرق يشد بعضها بعضاً لا بأس بها، وإن ضعفه الشيخ الألباني ﵀، وهو محدث كبير، فالحديث معروف عند أهل العلم وهو حسن. قال في التحقيق: [وأشهر دليل يستدل به على الفراسة حديث ابن عمر وأبي سعيد وأبي أمامة عن النبي ﷺ قال: (اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله) رواه الترمذي، وقال الترمذي: وهذا حديث غريب إنما نعرفه من هذا الوجه، وقد روي عن بعض أهل العلم، ورواه ابن جرير في تفسيره، والطبراني في المعجم الكبير، وأبو نعيم في الحلية، والعقيلي في الضعفاء، وذكره الهيثمي في المجمع وحسن إسناده، وذكره الكناني في تنزيه الشريعة وحسنه، وذكره أيضاً العجلوني في كشف الخفاء وحسن إسناده. وقال الشوكاني في الفوائد المجموعة بعد ذكر الحديث: وعندي أن الحديث حسن لغيره، وأما صحيح فلا، وذكر بعض الشواهد، وذكره ابن حجر في الفتح، وسكت عنه، هذا مجمل ما قيل في هذا الحديث الذي يعتبر أشهر الأدلة على الفراسة، وقد علق ابن القيم على هذا الحديث بقوله: وهذه الفراسة نشأت له من قربه من الله]. وفات على المحقق ما ذكره الحافظ ابن كثير في تفسير آية: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر:٧٥]. وقال أيضاً: [ومما يستدل به على الفراسة قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر:٧٥] قال مجاهد وغيره: أي للمتفرسين. وإلى هذا القول ذهب ابن جرير وأبو عيسى الترمذي، ونسب ابن القيم هذا القول لـ ابن عباس، وقد علق ابن القيم على هذا الحديث بقوله: وهذه الفراسة نشأت له من قربه من الله، فإن القلب إذا قرب من الله انقطعت عنه معارضات السوء المانعة من معرفة الحق وإدراكه، وكان تلاقيهم من مشكاة قريبة من الله؛ بحسب قربه منه، وأضاء له النور بقدر قربه، فرأى في ذلك النور ما لم يره البعيد والمحجوب. وقسم الفراسة إلى ثلاثة أقسام: الأولى: الفراسة الإيمانية، وهي التي سبقت الإشارة إليها. الثانية: فراسة الرياضة، والجوع، والسهر والتخلي. وقال: فإن النفس إذا تجردت عن العوائق صار لها من الفراسة والكشف بحسب تجردها، وذكر أن هذا القسم مشترك بين الكافر والمؤمن، وهي ليست دليلاً على إيمان أو ولاية. الثالثة: فراسة خلقية: وهي التي يستدل بالخلق على الخلق، نحو قولهم: من كان كثير لحم الخدين فهو غليظ الطبع، ومن كان عنقه قصيراً جداً فهو ذو مكر ونحو ذلك]. ومن كان طويل الرقبة فهو غبي، ومن كان قصيرها فهو ذكي يعني: كل هذه استدلالات قد تصيب وقد تخطئ، فهي مشتركة دائرة بين المدح وبين الذم، وبين الصدق والكذب. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والفراسة حق على أصول ذكرناها وليس ذلك مما سميناه في شيء، ومن زعم أن صفاته قائمة بصفاته ويشير في ذلك إلى غير آية العصمة والتوفيق والهداية، وأشار إلى صفاته القديمة فهو حلولي]. قوله: (ومن زعم أن صفاته قائمة بصفاته). يعني: صفات المخلوق قائمة في صفات الخالق، فهو حلولي. قال: [ومن زعم أن صفاته قائمة بصفاته، ويشير في ذلك إلى غير آية العصمة والتوفيق والهداية، وأشار إلى صفاته القديمة فهو حلولي قائل باللاهوتية والالتحام، وذلك كفر لا محالة]. يعني: شابه قول النصارى الذين يقولون: اللاهوت حل في الناسوت، بمعنى: حل جزء من الله في جزء من الناس، وقالوا: إن الله حل في عيسى نعوذ بالله، وهذا هو معنى أن اللاهوت حل في الناسوت كحلول الماء في الإناء، وكذلك قول غلاة الرافضة: إن الله حل في علي أو في أئمة آل البيت، وهذا حلول خاص، والحلول العام كقول الحلولية: إن الله حل بالناس وبكل مكان، وهناك اتحاد خاص، وهو قول النصارى: إن الرب اتحد بعيسى.
следующие страницы →