← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 37022

رحلة ابن خلدون

ابن خلدون

Полный текст (274 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

بسلاح الفلاح، تجب عن مثل أسنمة المهارى، والبطون كأنها لتدميث الغمائم، بطون العذارى، والأدواح العالية، تخترق أعلامها الهادية، بالجداول الحيارى. فما شئت من جو بقيل، ومعرس للحسن ومقيل، ومالك للعقل وعقيل، وخمائل، كم فيها للبلابل، من قال وقيل، وخفيف يجاوز بثقيل، وسنابل تحكي من فوق سوقها، وقصب بسوقها، الهمزات على الألفات، والعصافير البديعة الصفات، فوق القضب المؤتلفات، تميل لهبوب الصبا والجنوب، مالئة الجيوب، بدر الحبوب، وبطاح لا تعرف عين المحل، فتطلبه بالذحل، ولا تصرف في خدمة بيض قباب الأزهار، عند افتتاح السوسن والبهار، غير العبدان من سودان النحل، وبحر الفلاحة الذي لا يدرك ساحله، ولا يبلغ الطية البعيدة راحله، إلى الوادي، وسمر النوادي، وقرار دموع الغوادي، للتجاسر على تخطيه، عند تمطيه، الجسر العادي، والوطن

стр. 142

الذي ليس من عمرو ولا زيد، والفرا الذي في جوفه كل صيد، أقل كرسيه خلافة الإسلام، وأغار بالرصافة والجسر دار السلام، وما عسى أن تطنب في وصفه ألسنة الأقلام أو تعبر به عن ذلك الكمال فنون الكلام. فأعملنا إليها السرى والسير، وقدنا إليها الخيل قد عقد الله في نواصيها الخير. ولما وقفنا بظاهرها المبهت المعجب، واصطففنا بخارجها المنبت المنجب، والقلوب تلتمس الإعانة من منعم مجزل، وتستنزل مدد الملائكة من منجد منزل، والركائب واقفة من خلفنا بمعزل، تتناشد في معاهد الإسلام: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل برز من حاميتها المحاميه، ووقود النار الحاميه، وبقية السيف الوافرة على الحصاد النامية، قطع الغمائم الهامية، وأمواج البحور الطامية، واستجنت بظلال أبطال المجال، أعداد الرجال، الناشبة والرامية، وتصدى للنزال، من صناديدها الصهب السبال، أمثال الهضاب الراسية، تجنها جنن السوابغ الكاسية، وقواميسها المفادية للصلبان يوم بوسها بنفوسها المواسية، وخنازيرها التي

стр. 143

عدتها عن قبول حجج الله ورسوله، ستور الظلم الغاشية، وصخور القلوب القاسية، فكان بين الفريقين أمام جسرها الذي فرق البحر، وحلى بلجينه، ولآلئ زينه، منها النحر، حرب لم تنسج الأزمان على منوالها، ولا أتت الأيام الحبالى بمثل أجنة أهوالها، من قاسها بالفجار أفك وفجر، أو مثلها بجفر الهباءة خرف وهجر، ومن شبهها بحرب داحس والغبراء، فما عرف الخبر، فليسأل من جرب وخبر، ومن نظرها بيوم شعب جبله فهو ذو بله، أو عادلها ببطن عاقل، فغير عاقل، أو احتج بيوم ذي قار، فهو إلى المعرفة ذو افتقار، أو ناضل بيوم الكديد، فسهمه غير السديد، إنما كان مقاماً غير معتاد، ومرعى نفوس سلم يف بوصفه لسان مرتاد

стр. 144

وزلزال جبال أوتاد، ومتلف مذخور لسلطان الشيطان وعتاد، أعلم فيه البطل الباسل، وتورد الأبيض الباتر، وتأود الأسمر العاسل، ودوم الجَلْمَد المتكاسل، وانبعث من حدب الحنية، إلى هدف الرمية، الناشر الناسل، ورويت لمرسلات السهام المراسل، ثم أفضى أمر الرماح إلى التشاجر والإرتباك، ونشبت الأسنة في الدروع نشب السمك في الشباك، ثم اختلط المرعي بالهمل، وعزل الرديني عن العمل، وعادت السيوف من فوق المفارق تيجانا، بعد أن شقت غدر السوابغ خلجانا، واتحدت جداول الدروع، فصارت بحراً، وكان التعانق فلا ترى إلا نحراً يلازم نحرا، عناق وداع، وموقف شمل ذي انصداع، وإجابة مناد إلى فراق الأبد وداع، واستكشفت مآل الصبر الأنفس الشفافة، وهبت بريح النصر الطلائع المبشرة الهفافة، ثم أمد السيل ذلك العباب، وصقل الاستبصار الألباب، واستخلص العزم صفوة اللباب، وقال لسان النصر: ادخلوا عليهم الباب، فأصبحت طوائف الكفار، حصائد مناجل الشفار، فمغافرهم قد رضيت حرماتها بالأخفار، ورءوسهم محطوطة في غير مقام الاستغفار، وعلت الرايات من فوق تلك الأبراج المستطرقة والأسوار، ورفرف على المدينة جناح البوار، لولا الانتهاء إلى الحد

стр. 145

والمقدار، والوقوف عند اختفاء سر الأقدار. ثم عبرنا نهرها، وشددنا بأيدي الله قهرها، وضيقنا حصرها، وأعرنا بلآلئ القباب البيض خضرها، وأقمنا بها أياماً تحوم عقبان البنود على فريستها حياماً، وترمي الأدواح ببوارها، وتسلط النيران على أقطارها، فلولا عائق المطر، لحصلنا من فتح ذلك الوطن على الوطر، فرأينا أن نروضها بالأجتثاث والانتساف، ونوالي على زروعها وربوعها كرات رياح الإعتساف، حتى يتهيأ للإسلام لوك طعمتها، ويتهنا بفضل الله إرث نعمتها، ثم كانت من موقفها الإفاضة من بعد نحر النحور، وقذف جمار الدمار على العدو المدحور، وتدافعت خلفنا السيقات المتسقات تدافع أمواج البحور. وبعد أن ألححنا على جناتها المصحرة، وكرومها المستبحرة إلحاح الغريم، وعوضناها المنظر الكريه من المنظر الكريم، وطاف عليها طائف من ربنا فأصبحت كالصريم، وأغرينا حلاق النار بجمم الجميم، وراكمنا في أحواف أجرافها غمائم الدخان، يذكر طيبه البان بيوم العميم، وأرسلنا رياح الغارات لا تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم، واستقبلنا الوادي يهول مداً، ويروع سيفه

стр. 146

الصقيل حداً، فيسره الله من بعد الأعواز، وانطلقت على الفرصة بتلك الفرضة أيدي الانتهاز، وسألنا من سائله أسد بن الفرات فأفتى برجحان الجواز، فعم الاكتساح والاستباح جميع الأحواز فأديل المصون، وانتهبت القرى، وهدت الحصون، واجتثت الأصول، وخطمت الغصون، ولم نرفع عنها إلى اليوم غارة تصابحها بالبوس، وتطلع عليها غررها الضاحكة باليوم العبوس، فهي الآن مجرى السوابق ومجر العوالي، على التوالي، والحسرات تتجدد في أطلالها البوالي، وكأن بها قد ضرعت، وإلى الدعوة المحمدية أسرعت، بقدرة من لو أنزل القرآن على الجبال لخشعت من خشية الله وتصدعت، وعزة من أذعنت الجبابرة لعزه وخضعت، وعدنا والبنود لا يعرف اللف نشرها، والوجوه المجاهدة لا يخالط التقطيب بشرها، والأيدي بالعروة الوثقى متعلقة، والألسن بشكر نعم الله منطلقة، والسيوف في مضاجع الغمود قلقه، وسراييل الدروع خلقه، والجياد من ردها إلى المرابط والأواري، رد العواري، حنقة، وبعبرات الغيظ المكظوم مختنقة، ننظر إلينا نظر العاتب، وتعود من ميادين الاختيال والمراح، تحت حلل السلاح، عود الصبيان إلى المكاتب، والطبل بلسان العز هادر، والعزم إلى منادي العود الحميد مبادر، ووجود نوع الرماح، من بعد ذلك الكفاح نادر، والقاسم يرتب بين يديه من السبي النوادر، ووارد مناهل الأجور، غير المحلاء ولا المهجور، غير صادر، ومناظر الفصل الآتي، عقب

стр. 147

أخيه الشاتي، على المطلوب المواتي مصادر والله على تيسير الصعاب، وتخويل المنن الرغاب، قادر، لا إله إلا هو. فما أجمل لنا صنعه الحفي، وأكرم بنا لطفه الخفي، اللهم لا نحصي ثناء عليك، ولا نلجأ منك إلا إليك، ولا نلتمس خيم الدنيا والآخرة إلا لديك، فأعد علينا عوائد نصرك، يا مبدئ يا معيد، وأعنا من وسائل شكرك، على ما ينثال به المزيد، يا حي يا قيوم يا فعال لما يريد. وقارنت رسالتكم الميمونة لدينا حذق فتح بعيد صيته مشرئب ليته، وفخر من فوق النجوم العواتم مبيته، عجبنا من تأتي أمله الشارد، وقلنا: البركة في قدم الوارد، وهو أن ملك النصارى لاطفنا بجملة من الحصون كانت من مملكة الإسلام قد غصبت، والتماثيل فيها ببيوت الله قد نصبت أدالها الله - بمحاولتنا - الطيب من الخبيث، والتوحيد في التثليث، وعاد إليها الإسلام عود الأب الغائب، إلى البنات الحبائب، يسأل عن شؤونها، ويمسح دموع الرقة من جفونها، وهي للروم خطة خسف قلما ارتكبوها فيما نعلم من العهود، ونادرة من نوادر الوجود. وإلى الله علينا وعليكم عوارف الجود، وجعلنا في محاريب الشكر من الركع السجود. عرفناكم بمجملات أمور تحتها تفسير، ويمن من الله وتيسير، إذ استيفاء الجزئيات عسير لنسركم بما منح الله دينكم، ونتوج بعز الملة الحنيفية جبينكم، ونخطب بعده دعاءكم وتأمينكم، فإن دعاء المؤمن لأخيه بظهر الغيب سلاح ماض،

стр. 148

وكفيل بالمواهب المسئولة من المنعم الوهاب متفاض، وأنتم أولى من ساهم في بر، وعاقل الله بخلوص سر، وأين يذهب الفضل عن بيتكم، وهو صفة حيكم، وتراث ميتكم، ولكم مزية القدم، ورسوخ القدم، والخلافة مقرها إيوانكم، وأصحاب الإمام مالك ﵁ مستقرها قيروانكم، وهجير المنابر ذكر إمامكم، والتوحيد إعلام أعلامكم، والوقائع الشهيرة في الكفر منسوبة إلى أيامكم، والصحابة الكرام فتحة أوطانكم، وسلالة الفاروق ﵇ وشائج سلطانكم؛ ونحن نستكثر من بركة خطابكم، ووصلة جنابكم، ولولا الأعذار لوالينا بالمتزيدات تعريف أبوابكم. والله يتولى عنا من شكركم المحتوم، ما قصر المكتوب منه عن المكتوم، ويبقيكم لإقامة الرسوم، ويحل محبتكم من القلوب محل الأرواح من الجسوم، وهو سبحانه يصل سعدكم، ويحرس مجدكم، ويوالي نعمه عندكم. والسلام الكريم، الطيب الزكي المبارك البر العميم، يخصكم كثيراً أثيراً، ما أطلع الصبح وجهاً منيراً، بعد أن أرسل النسيم سفيراً، وكان الوميض الباسم لأكواس الغمائم، على أزهار الكمائم، مديراً، ورحمة الله وبركاته. وكتب إلي يهنئني بمولود، ويعاتب على تأخير الخبر بولاده عنه: هنيئاً أبا الفضل الرضا وأبا زيد ... وأمنت من بغي يخاف ومن كيد بطالع يمن طال في السعد شأوه ... فما هو من عمرو الرجال ولا زيد وقيد بشكر الله أنعمه التي ... أوابدها تأبى سوى الشكر من قيد

стр. 149

أهلاً بدري المكاتب، وصدري المراتب، وعتبى الزمن العاتب وبكر المشتري والكاتب، ومرحباً بالطالع، في أسعد المطالع، والثاقب، في أجلى المراقب، وسهلاً بغني البشير، وعزة الأهل والعشير، وتاج الفخر الذي يقصر عنه كسرى وأردشير، الآن اعتضدت الحلة الحضرمية بالفارس، وأمن السارح في حمى الحارس، وسعدت بالمنبر الكبير، أفلاك التدوير، من حلقات المدارس، وقرت بالجنى الكريم عين الغارس، واحتقرت أنظار الآبلي وأبحاث ابن الدارس، وقيل للمشكلات: طالما ألفت الخمرة، وأمضيت على الأذهان الإمرة، فتأهبي للغارة المبيحة لحماك، وتحيزي إلى فئة البطل المستأثر برشف لماك. ولله من نصبة احتفى سفيها المشتري واحتفل، وكفى سني تربيتها وكفل، واختال عطارد في حلل الجذل لها ورفل، واتضحت الحدود، وتهللت الوجوه، وتنافست المثلثات

стр. 150

تؤمل الحظ وترجوه، ونبه البيت على واجبه، وأشار لحظ الشرف بحاجبه، وأسرع نير النوبة في الأوبة، قائماً في الاعتذار مقام التوبة، واستأثر بالبروج المولدة بيت البنين، وتخطت خطا القمر رأس الجوزهر وذنب التنين، وساوق منها حكم الأصل، حذوك النعل بالنعل، تحويل السنين، وحقق هذا المولود بين

стр. 151

المواليد نسبة عمر الوالد، فتجاوز درجة المئين، واقترن بعاشره السعدان اقتران الجسد، وثبت بدقيقة مركزه قلب الأسد، وسرق من بيت أعدائه خرثي الغل والحسد، ونظفت طرق التسيير، كما نفعل بين يدي الساعة عند المسير، وسقط الشيخ الهرم من الدرج في البير، ودفع المقاتل إلى الوبال الكبير: لم لا ينال العلا أو يعقد التاج ... والمشتري طالع والشمس هيلاج والسعد يركض في ميدانها مرحاً ... جذلان والفلك الدوار هملاج كأن به - والله يهديه - قد انتقل من مهد التنويم، إلى النهج القويم، ومن أريكة الذراع، إلى تصريف اليراع، ومن كتد الداية، إلى مقام الهداية، والغاية المختطفة البداية، جعل الله وقايته عليه عوذة، وقسم حسدته قسمة محرم اللحم، بين منخنقة ونطيحة ومتردية وموقوذة، وحفظ هلاله في

стр. 152

البدار إلى تمه وبعد تمه، وأقر به عين أبيه وأمه، غير أني - والله يغفر لسيدي بيد أني راكع في سبيل الشكر وساجد، فأنا عاتب وواجد، إذ كان ظني أن البريد بهذا الخبر إلي يعمل، وأن إتحافي به لا يهمل، فانعكست القضية، ورابت الحال المرضية، وفضلت الأمور الذاتية الأمور العرضية، والحكم جازم، وأحد الفرضين لازم، إما عدم السوية، ويعارضه اعتناء حبله مغار، وعهدة سلم لم يدخلها جزية ولا صغار، أو جهل بمقدار الهبة، ويعارضه علم بمقدار الحقوق، ورضى مناف للعقوق، فوقع الأشكال، وربما لطف عذر كان عليه الاتكال. وإذا لم يبشر مثلي بمنحة الله قبل تلك الذات السرية، الخليقة بالنعم الحرية، فمن الذي يبشر، وعلى من يعرض بزها أو ينشر، وهي التي واصلت التفقد، وبهرجت المعاملة وأبت أن تنقد، وأنست الغربة وجرحها غير مندمل، ونفست الكربة وجنحها على الجوانح مشتمل، فمتى فرض نسيان الحقوق لم ينلني فرض، ولا شهد به علي سماء ولا أرض، وإن قصر فيما يجب لسيدي عمل، لم يقصر رجاء ولا أمل، ولي في شرح حمده ناقة وجمل. ومنه جل وعلا نسأل أن يريه قرة العين في نفسه وماله وبنيه، ويجعل أكبر عطايا الهيالج أصغر سنيه، ويقلد عواتق الكواكب البابانية حمائل أمانيه. وإن تشوف سبيلي لحال وليه، فخلوة طيبة، ورحمة من جانب الله صيبة، وبرق يشام، فيقال: حدث ما وراءك يا هشام. ولله در شيخنا إذ يقول: لا بارك الله في إن لم ... أصرف النفس في الأهم

стр. 153

وكثر الله في همومي ... إن كان غير الخلاص همي وإن أنعم سيدي بالإلماع بحالة، وحال الولد المبارك، فذلك من غرر إحسانه، ومنزلته في لحظ لحظي بمنزلة إنسانه، والسلام. العودة إلى المغرب الأقصى ولما كنت في الاعتمال في مشايعة السلطان عبد العزيز ملك المغرب، كما ذكرت تفاصيله، وأنا مقيم ببسكرة في جوار صاحبها أحمد بن يوسف بن مزنى، وهو صاحب زمام رياح، وأكثر عطائهم من السلطان مفترض عليه في جباية الزاب، وهم يرجعون إليه في الكثير من أمورهم، فلم أشعر إلا وقد حدثت المنافسة منه في استتباع العرب، ووغر صدره، وصدق في ظنونه وتوهماته، وطاوع الوشاة فيما يوردون على سمعه من التقول والاختلاق، وجاش صدره بذلك، فكتب إلى ونزمار بن عريف، ولي السلطان، وصاحب شواره، يتنفس الصعداء من ذلك، فأنهاه إلى السلطان، فاستدعاني لوقته، وارتحلت من بسكرة بالأهل والولد، في يوم المولد الكريم، سنة أربع وسبعين، متوجهاً إلى السلطان، وقد كان طرقه المرض، فما هو إلا أن وصلت مليانة من أعمال المغرب الأوسط، فلقيني هنالك خبر وفاته، وأن ابنه أبا بكر السعيد نصب بعده للأمر، في كفالة الوزير أبي بكر بن غازي وإنه ارتحل إلى المغرب

стр. 154

الأقصى مغذاً السير إلى فاس، وكان على مليانة يومئذ علي بن حسون بن أبي علي اليناطي من قواد السلطان وموالي بيته، فارتحلت معه إلى أحياء العطاف، ونزلنا على أولاد يعقوب بن موسى من أمرائهم، وبذرق لي بعضهم إلى حلة أولاد عريف: أمراء سويد، ثم لحق بنا بعد أيام، علي بن حسون في عساكره، وارتحلنا جميعاً إلى المغرب على طريق الصحراء، وكان أبو حمو قد رجع بعد مهلك السلطان من مكان انتباذه بالقفر في تيكورارين إلى تلمسان، فاستولى عليها وعلى سائر أعماله، فأوعز إلى بني يغمور من شيوخ عبيد الله من المعقل أن يعترضونا بحدود بلادهم من رأس العين مخرج وادي زا فاعترضونا هنالك، فنجا من نجا منا على خيولهم إلى جبل دبدو، وانتهبوا جميع ما كان معنا، وأرجلوا الكثير من الفرسان وكنت فيهم، وبقيت يومين في قفره، ضاحياً عارياً إلى أن خلصت إلى العمران، ولحقت

стр. 155

بأصحابي بجبل دبدو، ووقع في خلال من الألطاف ما لا يعبر عنه، ولا يسع الوفاء بشكره. ثم سرنا إلى فاس، ووفدت على الوزير أبي بكر، وابن عمه محمد بن عثمان بفاس، في جمادى من السنة، وكان لي معه قديم صحبة واختصاص، منذ نزع معي إلى السلطان أبي سالم بجبل الصفيحة، عند إجازته من الأندلس، لطلب ملكه، كما مر في غير موضع من الكتاب، فلقيني من بر الوزير وكرامته، وتوفير جرايته وإقطاعه، فوق ما أحتسب، وأقمت بمكاني من دولتهم أثير المحل، نابه الرتبة، عريض الجاه، منوه المجلس. ثم انصرم فصل الشتاء، وحدث بين الوزير أبي بكر بن غازي، وبين السلطان ابن الأحمر، منافرة بسبب ابن الخطيب، وما دعا إليه ابن الأحمر من إبعاثه عنهم، وأنف الوزير من ذلك، فأظلم الجو بينهما، وأخذ الوزير في تجهيز بعض القرابة من بني الأحمر، للإجلاب على الأندلس، فبادر ابن الأحمر إلى إطلاق الأمير عبد الرحمن بن أبي يفلوسن من ولد السلطان أبي علي، والوزير مسعود بن رحو بن ماساي، كان حبسهما أيام السلطان عبد العزيز، وبإشارته بذلك لابن الخطيب حين كان في وزارته بالأندلس، فأطلقهما الآن، وبعثهما لطلب الملك بالمغرب، وأجازهما في الأسطول إلى سواحل غساسة، فنزلوا بها، ولحقوا بقبائل بطوية هنالك، فاشتملوا عليهم، وقاموا بدعوة الأمير عبد الرحمن. ونهض ابن الأحمر من غرناطة في عساكر الأندلس، فنزل على جبل الفتح يحاصره. وبلغت الأخبار بذلك إلى الوزير أبي بكر بن غازي القائم بدولة بني مرين، فجهز لحينه ابن عمه محمد بن الكاس إلى سبته لامداد الحامية الذين لهم بالجبل، ونهض هو في العساكر إلى بطوية لقتال الأمير عبد الرحمن، فوجده قد ملك تازى، فأقام عليها يحاصره، وكان السلطان عبد العزيز قد جمع شباباً من بني أبيه

стр. 156

المرشحين، فحبسهم بطنجة، فلما وافى محمد بن الكاس سبتة، وقعت المراسلة بينه وبين ابن الأحمر، وعتب كل منهما صاحبه على ما كان منه، واشتد عذل ابن الأحمر على إخلائهم الكرسي من كفئه، ونصبهم السعيد بن عبد العزيز صبياً لم يثغر، فاستعتب له محمد، واستقال من ذلك، فحمله ابن الأحمر على أن يبايع لأحد الأبناء المحبوسين بطنجة، وقد كان الوزير أبو بكر أوصاه أيضاً بأنه إن تضايق عليه الأمر من الأمير عبد الرحمن، فيفرج عنه بالبيعة لأحد أولئك الأبناء. وكان محمد بن الكاس قد استوزره السلطان أبو سالم لابنه أحمد أيام ملكه، فبادر من وقته إلى طنجة، وأخرج أحمد ابن السلطان أبي سالم من محبسه، وبايع له، وسار به إلى سبتة، وكتب لابن الأحمر يعرفه بذلك، ويطلب منه المدد على أن ينزل له عن جبل الفتح، فأمده بما شاء من بالمال والعسكر، واستولى على جبل الفتح، وشحنه بحاميته، وكان أحمد ابن السلطان أبي سالم، قد تعاهد مع بني أبيه في محبسهم، على أن من صار الملك إليه منهم، يجيز الباقين إلى الأندلس، فلما بويع له ذهب إلى الوفاء لهم بعهدهم، وأجازهم جميعاً، فنزلوا على السلطان ابن الأحمر، فأكرم نزلهم ووفر جراياتهم. وبلغ الخبر بذلك كله إلى الوزير أبي بكر بمكانه من حصار الأمير عبد الرحمن بتازة، فأخفه المقيم المقعد من فعلة ابن عمه، وقوض راجعاً إلى دار الملك، وعسكر بكدية العرائس من ظاهرها، وتوعد ابن عمه محمد بن عثمان، فاعتذر بأنه إنما امتثل وصيته، فاستشاط وتهدده، واتسع الخرق بينهما، وارتحل محمد بن عثمان بسلطانه ومدده من عسكر الأندلس إلى أن احتل بجبل زرهون المطل على مكناسة، وعسكر به، واشتملوا عليه، وزحف إليهم الوزير أبو

стр. 157

بكر، وصعد الجبل، فقاتلوه وهزموه، ورجع إلى مكانه بظاهر دار الملك. وكان السلطان ابن الأحمر قد أوصى محمد بن عثمان بالاستعانة بالأمير عبد الرحمن، والاعتضاد به، ومساهمته في جانب من أعمال المغرب يستبد به لنفسه، فراسله محمد بن عثمان في ذلك، واستدعاه، واستمده. وكان ونزمار بن عريف ولي سلفهم قد أظلم الجو بينه وبين الوزير أبي بكر، لأنه سأله - وهو يحاصر تازى - في الصلح مع الأمير عبد الرحمن فامتنع واتهمه بمداخلته، والميل له، فاعتزم على القبض عليه، ودس إليه بذلك بعض عيونه، فركب الليل، ولحق بأحياء الأحلاف من المعقل، وكانوا شيعة للأمير عبد الرحمن، ومعهم علي بن عمر الويعلاني كبير بني ورتاجن، كان انتقض على الوزير ابن غازي، ولحق بالسوس، ثم خاض القفر إلى هؤلاء. الأحلاف، فنزل بينهم مقيماً لدعوة الأمير عبد الرحمن. فجاءهم ونزمار مفلتاً من حبالة الوزير أبي بكر، وحرضهم على ما هم فيه، ثم بلغهم خبر السلطان أحمد بن أبي سالم، ووزيره محمد بن عثمان، وجاءهم وافد الأمير عبد الرحمن يستدعيهم، وخرج من تازى فلقيهم، ونزل بين أحيائهم، ورحلوا جميعاً إلى إمداد السلطان أبي العباس، حتى انتهوا إلى صفووى. ثم اجتمعوا جميعاً على وادي النجا، وتعاقدوا على شأنهم، وأصبحوا من الغد على التعبئة، كل من ناحيته. وركب الوزير أبو بكر لقتالهم فلم يطق، وولى منهزماً، فانحجر بالبلد

стр. 158

الجديد، وخيم القوم بكدية العرائس محاصرين له، وذلك أيام عيد الفطر من خمس وسبعين، فحاصروها ثلاثة أشهر، وأخذوا بمخنقها إلى أن جهد الحصار الوزير ومن معه، فأذعن للصلح على خلع الصبي المنصوب السعيد ابن السلطان عبد العزيز، وخروجه إلى السلطان أبي العباس ابن عمه، والبيعة له، وكان السلطان أبو العباس، والأمير عبد الرحمن، قد تعاهدوا - عند الاجتماع بوادي النجا - على التعاون والتناصر، على أن الملك للسلطان أبي العباس بسائر أعمال المغرب، وأن للأمير عبد الرحمن بلداً سجلماسة ودرعة، والأعمال التي كانت لجده السلطان أبي علي أخي السلطان أبي الحسن، ثم بدا للأمير عبد الرحمن في ذلك أيام الحصار، واشتط بطلب مراكش وأعمالها، فأغضوا له في ذلك، وشارطوه عليه حتى يتم لهم الفتح، فلما انعقد بما بين السلطان أبي العباس، والوزير أبي بكر، وخرج إليه من البلد الجديد، ويخلع سلطانه الصبي المنصوب، ودخل السلطان أبو العباس إلى دار الملك، فاتح ست وسبعين، وارتحل الأمير عبد الرحمن يغذ السير إلى مراكش، وبدا للسلطان أبي العباس، ووزيره محمد بن عثمان في شأنه، فسرحوا العساكر في اتباعه، وانتهوا خلفه إلى وادي بهت، فواقفوه ساعة من نهار، ثم أحجموا عنه، وولوا على راياتهم

стр. 159

وسار هو إلى مراكش، ورجع عنه وزيره مسعود بن ماساي، بعد أن طلب منه الإجازة إلى الأندلس يتودع بها، فسرحه لذلك، وسار إلى مراكش فملكها. وأما أنا فكنت مقيماً بفاس، في ظل الدولة وعنايتها، منذ ندمت على الوزير سنة ربع وسبعين كما مر، عاكفاً على قراءة العلم وتدريسه، فلما جاء السلطان أبو العباس، والأمير عبد الرحمن، وعسكروا بكدية العرائس، وخرج أهل الدولة إليهم، من الفقهاء والكتاب، والجند، وأذن للناس جميعاً في مباكرة أبواب السلطانين من غير نكير في ذلك، فكنت أباكرهما معاً. وكان بيني وبين الوزير محمد بن عثمان ما مر ذكره قبل هذا، فكان يظهر لي رعاية ذلك، ويكثر من المواعيد، وكان الأمير عبد الرحمن يميل إلي ويستدعيني أكثر أوقاته يشاورني في أحواله، فغص بذلك الوزير محمد بن عثمان، وأغرى سلطانه فقبض علي. وسمع الأمير عبد الرحمن بذلك، وعلم أني إنما أوتيت من جراه، فحلف ليقوضن خيامه، وبعث وزيره مسعود بن ماساي لذلك، فأطلقوني من الغد، ثم كان افتراقهما لثالثه. ودخل السلطان أبو العباس دار الملك، وسار الأمير عبد الرحمن إلى مراكش، وكنت أنا يومئذ مستوحشاً، فصحبت الأمير عبد الرحمن معتزماً على الإجازة إلى الأندلس من ساحل أسفي، معولاً في ذلك على صحابة الوزير مسعود بن ماساي لهواي فيه، فلما رجع مسعود انثنى عزمي في ذلك، ولحقنا بونزمار بن عريف بمكانه من نواحي كرسيف لنقدمه وسيلة إلى السلطان أبي العباس، صاحب فاس في الجواز إلى الأندلس، ووافينا عنده داعي السلطان فصحبناه إلى فاس، واستأذنه في شأني، فأذن لي بعد مطاولة، وعلى كره من الوزير محمد بن عثمان، وسليمان بن داود بن أعراب، ورجال الدولة. وكان الأخ يحيى لما رحل السلطان أبو حمو من تلمسان، رجع عنه من بلاد

стр. 160

زغبة إلى السلطان عبد العزيز فاستقر في خدمته، وبعده في خدمة ابنه محمد السعيد المنصوب مكانه. ولما استولى السلطان أبو العباس على البلد الجديد، استأذن الأخ في اللحاق بتلمسان، فأذن له، وقدم على السلطان أبي حمو، فأعاده إلى كتابة سره كما كان أول مرة، وأذن لي أنا بعده، فانطلقت إلى الأندلس بقصد القرار والدعة، إلى أن كان ما نذكر. الإجازة ثانية إلى الأندلس ثم إلى تلمسان واللحاق بأحياء العرب والمقامة عند أولاد عريف ولما كان ما قصصته من تنكر السلطان أبي العباس صاحب فاس، والذهاب مع الأمير عبد الرحمن، ثم الرجوع عنه إلى ونزمار بن عريف، طلباً لوسيلته في انصرافي إلى الأندلس بقصد القرار والانقباض، والعكوف على قراءة العلم، فتم ذلك، ووقع الإسعاف به بعد الامتناع، وأجزت إلى الأندلس في ربيع سنة ست وسبعين، ولقيني السلطان بالبر والكرامة وحسن النزل على عادته، وكنت لقيت بجبل الفتح كاتب السلطان ابن الأحمر، من بعد ابن الخطيب، الفقيه أبا عبد الله بن زمرك، ذاهباً إلى فاس في غرض التهنئة، وأجاز إلى سبتة في أسطوله، وأوصيته بإجازة أهلي وولدي إلى غرناطة، فلما وصل إلى فاس، وتحدث مع أهل الدولة في إجازتهم، تنكروا لذلك، وساءهم استقراري بالأندلس، واتهموا أني ربما أحمل السلطان ابن الأحمر على الميل إلى الأمير عبد الرحمن، الذي اتهموني بملابسته، ومنعوا أهلي من اللحاق بي. وخاطبوا السلطان ابن الأحمر في أن يرجعني إليهم، فأبى من ذلك، فطلبوا منه أن يجيزني إلى عدوة تلمسان، وكان مسعود بن ماساي قد أذنوا له في اللحاق

стр. 161

بالأندلس، فحملوه على مشافهة السلطان بذلك، وأبدوا له أني كنت ساعياً في خلاص ابن الخطيب، وكانوا قد اعتقلوه لأول استيلائهم على البلد الجديد وظفرهم به. وبعث إلي ابن الخطيب من محبسه مستصرخاً بي، ومتوسلاً. فخاطبت في شأنه أهل الدولة، وعولت فيه منهم على ونزمار، وابن ماساي، فلم تنجح تلك السعاية، وقتل ابن الخطيب بمحبسه، فلما قدم ابن ماساي على السلطان ابن الأحمر - وقد أغروه بي - فألقى إلى السلطان ما كان مني في شأن ابن الخطيب، فاستوحش لذلك، وأسعفهم بإجازتي إلى العدوة، ونزلت بهنين، والجو بيني وبين السلطان أبي حمو مظلم، بما كان مني في إجلاب العرب عليه بالزاب كما مر. فأوعز بمقامي بهنين، ثم وفد عليه محمد بن عريف فعذله في شأني فبعث عني إلى تلمسان، واستقررت بها بالعباد. ولحق بي أهلي وولدي من فاس، وأقاموا معي، وذلك في عيد الفطر سنة ست وسبعين، وأخذت في بث العلم، وعرض للسلطان أبي حمو أثناء ذلك رأي في الدواودة، وحاجة إلى استئلافهم، فاستدعاني، وكلفني السفارة إليهم في هذا الغرض، فاستوحشت منه، ونكرته على نفسي، لما آثرته من التخلي والانقطاع، وأجبته إلى ذلك ظاهراً، وخرجت مسافراً من تلمسان حتى انتهيت إلى البطحاء، فعدلت ذات اليمين إلى منداس، ولحقت بأحياء أولاد عريف قبلة جبل كزول، فتلقوني بالتحفي والكرامة، وأقمت بينهم أياماً حتى بعثوا عن أهلي وولدي من تلمسان، وأحسنوا العذر إلى السلطان عني في العجز عن قضاء خدمته، وأنزلوني بأهلي في قلعة ابن سلامة،

стр. 162

من بلاد بني توجين التي صارت لهم بإقطاع السلطان، فأقمت بها أربعة أعوام، متخلياً عن الشواغل كلها، وشرعت في تأليف هذا الكتاب، وأنا مقيم بها، وأكملت المقدمة منه على ذلك النحو الغريب، الذي اهتديت إليه في تلك الخلوة، فسالت فيها شآبيب الكلام والمعاني على الفكر، حتى امتخضت زبدتها، وتألفت نتائجها، وكانت من بعد ذلك الفيئة إلى تونس كما نذكره. الفيئة إلى السلطان أبي العباس بتونس والمقام بها ولما نزلت بقلعة ابن سلامة بين أحياء أولاد عريف، وسكنت منها بقصر أبي بكر بن عريف الذي اختطه بها، وكان من أحفل المساكن وأوثقها. ثم طال مقامي هنالك، وأنا مستوحش من دولة المغرب وتلمسان، وعاكف على تأليف هذا الكتاب، وقد فرغت من مقدمته إلى أخبار العرب والبربر وزناتة، وتشوفت إلى مطالعة الكتب والدواوين التي لا توجد إلا بالأمصار، بعد أن أمليت الكثير من حفظي، وأردت التنقيح والتصحيح، ثم طرقني مرض أوفى بي على الثنية، لولا ما تدارك من لطف الله، فحدث عندي ميل إلى مراجعة السلطان أبي العباس، والرحلة إلى تونس، حيث قرار آبائي ومساكنهم، وآثارهم، وقبورهم، فبادرت إلى خطاب السلطان بالفيئة إلى طاعته والمراجعة، وانتظرت، فما كان غير بعيد، وإذا بخطابه وعهوده بالأمان، والاستحثاث للقدوم، فكان الخفوف للرحلة، فطعنت عن أولاد عريف مع عرب الأخضر من بادية رياح، كانوا هنالك ينتجعون الميرة بمنداس. وارتحلنا في رجب سنة ثمانين، وسلكنا القفر إلى الدوسن من أطراف الزاب. ثم صعدت إلى التل مع حاشية يعقوب بن علي وجدتهم بفرفار، الضيعة التي اختطها بالزاب، فرحلتهم معي إلى أن نزلنا عليه بضاحية قسنطينة، ومعه صاحبها الأمير إبراهيم بن السلطان أبي العباس بمخيمه، وفي عسكره فحضرت عنده، وقسم لي من بره، وكرامته فوق الرضى. وأذن لي في الدخول إلى قسنطينة، وإقامة أهلي في كفالة إحسانه، بينما أصل إلى حضرة

стр. 163

أبيه. وبعث يعقوب بن علي معي ابن أخيه أبي دينار في جماعة من قومهم، وسرنا إلى السلطان أبي العباس، وهو يومئذ قد خرج من تونس في العساكر إلى بلاد الجريد، لاستنزال شيوخها عن كراسي الفتنة التي كانوا عليها، فوافيته بظاهر سوسة، فحيا وفادتي، وبر مقدمي، وبالغ في تأنيسي، وشاورني في مهمات أموره، ثم ردني إلى تونس، وأوعز إلى نائبه بها مولاه فارح بتهيئة المنزل، والكفاية في الجراية، والعلوفة، وجزبل الإحسان، فرجعت إلى تونس في شعبان من السنة، وآويت إلى ظل ظليل من عناية السلطان وخرمته، وبعثت عن الأهل والولد، وجمعت شملهم في مرعى تلك النعمة، وألقيت عصا التسيار، وطالت غيبة السلطان إلى أن افتتح أمصار الجريد، وذهب فلهم في النواحي، ولحق زعيمهم يحيى بن يملول ببسكرة، ونزل على صهره ابن مزني، وقسم السلطان بلاد الجريد بين ولده، فأنزل ابنه محمد المنتصر بتوزر، وجعل نفطة، ونفزاوة من أعماله، وأنزل ابنه أبا بكر بقفصة، وعاد إلى تونس مظفراً، ماهداً، فأقبل علي، واستدناني لمجالسته، والنجي

стр. 164

في خلوته، فغص بطانته بذلك، وأفاضوا في السعايات عند السلطان فلم تنجح، وكانوا يعكفون على إمام الجامع، وشيخ الفتيا، محمد بن عرفة، وكانت في قلبه نكتة من الغيرة من لدن اجتماعنا في المربى بمجالس الشيوخ، فكثيراً ما كان يظهر شفوفي عليه، وإن كان أسن مني، فاسودت تلك النكتة في قلبه، ولم تفارقه. ولما قدمت تونس انثال علي طلبة العلم من أصحابه وسواهم، يطلبون الإفادة والاستغال، واسعفتهم بذلك، فعظم عليه. وكان يسم التنفير إلى الكثير منهم فلم يقبلوا، واشتدت غيرته، ووافق ذلك اجتماع البطانة إليه، فاتفقوا على شأنهم في التأليب علي، والسعاية بي، والسلطان خلال ذلك معيرض عنهم في ذلك، وقد كلفني بالإكباب على تأليف هذا الكتاب لتشوفه إلى المعارف والأخبار، واقتناء الفضائل، فأكملت منه أخبار البربر، وزناته. وكتبت من أخبار الدولتين وما قبل الإسلام ما وصل إلي منها، وأكملت منه نسخة رفعتها إلى خزانته، وكان مما يغرون به السلطان علي، قعودي عن امتداحه، فإني كنت قد أهملت الشعر وانتحاله جملة، وتفرغت للعلم فقط، فكانوا يقولون له إنما ترك ذلك استهانة بسلطانك، لكثرة امتداحه للملوك قبلك، وتنسمت ذلك عنهم من جهة بعض الصديق من بطانتهم، فلما رفعت له الكتاب، وتوجته باسمه، أنشدته ذلك اليوم، هذه القصيدة أمتدحه، وأذكر سيره وفتوحاته، وأعتذر عن انتحال الشعر، وأستعطفه بهدية الكتاب إليه، وهي هذه: هل غير بابك للغريب مؤمل ... أو عن جنابك للأماني معدل هي همة بعثت إليك على النوى ... عزماً كما شحذ الحسام الصيقل متبوأ الدنيا ومنتجع المنى ... والغيث حيث العارض المتهلل حيث القصور الزاهرات منيفة ... تعنى بها زهر النجوم وتحفل

стр. 165

حيث الخيام البيض يرفع للعلا ... والمكرمات طرافها المتهدل حيث الحمى للعز في ساحاته ... ظل أفاءته الوشيج الذبل حيت الكرام ينوب عن نار القرى ... عرف الكباء بحيهم والمندل حيث الرماح يكاد يورق عودها ... مما تعل من الدماء وتنهل حيث الجياد أملهن بنو الوغى ... مما أطالوا في المغار وأوغلوا حيث الوجوه الغر قنعها الحيا ... والبشر في صفحاتها يتهلل حيث الملوك الصيد والنفر الألى ... عز الجوار لديهم والمنزل من شيعة المهدي بل من شيع ... ة التوحيد جاء به الكتاب يفصل بل شيعة الرحمن ألقى حبهم ... في خلقه فسموا بذاك وفضلوا شادوا على التقوى مباني عزهم ... لله ما شادوا بذاك وأثلوا قوم أبو حفص أب لهم وما ... أدراك والفاروق جد أول نسب كما اطردت أنابيب القنا ... وأتى على تقويمهن معدل سام على هام الزمان كأنه ... للفخر تاج بالبدور مكلل فضل الأنام حديثهم وقديمهم ... ولأنت إن فضلوا أعز وأفضل

стр. 166

وبنوا على قلل النجوم ووطدوا ... وبناؤك العالي أشد وأطول ولقد أقول لخائض بحر الفلا ... والليل مزبد الجوانب أليل ماض علىغول الدجى لا يتقي ... تيهاً وذابله ذبال مشعل متقلب فوق الرحال كأنه ... طيف بأطراف المهاد موكل يبغي منال الفوز من طرق الغنى ... ويرود خصبها الذي لا يمحل أرح الركاب فقد ظفرت بواهب ... يعطي عطاء المنعمين فيجزل لله من خلق كريم في الندى ... كالروض حياه ندى مخضل هذا أمير المؤمنين إمامنا ... في الدين والدنيا إليه الموئل هذا أبو العباس خير خليفة ... شهدت له الشيم التي لا تجهل مستنصر بالله في قهر العدا ... وعلى إعانة ربه متوكل سبق الملوك إلى العلا متمهلا ... لله منك السابق المتمهل فلأنت أعلى المالكين وإن غدوا ... يتسابقون إلى العلاء وأكمل قايس قديماً منكم بقديمهم ... فالأمر فيه واضح لا يجهل دانوا لقومكم بأقوم طاعة ... هي عروة الدين التي لا تفصل سائل تلمساناً بها وزناتة ... ومرين قبلهم كما قد ينقل وأسأل بأندلس مدائن ملكها ... تخبرك حين استيأسوا واستوهلوا واسأل بذا مراكشاً وقصورها ... ولقد تجيب رسومها من يسأل يا أيها الملك الذي في نعته ... ملء القلوب وفوق ما يتمثل لله منك مؤيد، عزماته ... تمضي كما يمضي القضاء المرسل جئت الزمان بحيث أعضل خطبه ... فافتر عنه وهو أكلح أعصل والشمل من أبنائه متصدع ... وحمى خلافته مضاع مهمل والخلق قد صرفوا إليك قلوبهم ... ورجوا صلاح الحال منك وأملوا

стр. 167

فعجلته لما انتدبت لأمره ... بالبأس والعزم الذي لا يمهل ذللت منه جامحاً لا ينثني ... سهلت وعراً كاد لا يتسهل وألنت من شرس العتاة وذدتهم ... عن ذلك الحرك الذي قد حللوا كانت لصولة صولة ولقومه ... يعدوا ذؤيب بها وتسطو المعقل ومهلهل تسدي وتلحم في التي ... ما أحكموها بعد ففي مهلهل المراد بصولة هنا صولة بن خالد بن حمزة أمير أولاد أبي الليل. وذؤيب: هو ابن عمه أحمد بن حمزة. والمعقل فريق من العرب من أحلافهم. ومهلهل: هم بنو مهلهل ابن قاسم أنظارهم وأقتالهم. ثم رجعت إلى وصف العرب وأحيائهم: عجب الأنام لشأنهم بادون قد ... قذفت بحيهم المطي الذلل رفعوا القباب على العماد وعندها ... الجرد السلاهب والرماح العسل في كل ظامي الترب متقد الحصى ... تهوي للجته الظماء فتنهل جن شرابهم السراب ورزقهم ... رمح يروح به الكمي ومنصل حي حلول بالعراء ودونهم ... قذف النوى إن يظعنوا أو يقبلوا كانوا يروعون الملوك بما بدوا ... وغدت ترفه بالنعيم وتخضل فبدوت لا تلوي على دعة ولا ... تأوي إلى ظلل القصور تهدل طوراً يصافحك الهجير وتارة ... فيه بخفاق البنود تظلل وإذا تعاطي ضمراً يوم الوغى ... كأس النجيع فبالصهيل تعلل مخشوشنا في العز معتملاً له ... في مثل هذا يحسن المستعمل تفري حشا البيداء لا يسري بها ... ركب ولا يهوي إليها جحفل وتجر أذيال الكتائب فوقها ... تختال في السمر الطوال وترفل ترميهم منهما بكل مدجج ... شاكي السلاح إذا استعار الأعزل

стр. 168

وبكل أسمر غصنه متأود ... وبكل أبيض شطه متهدل حتى تفرق ذلك الجمع الألى ... عصفت بهم ريح الجلاد فزلولوا ثم استملتهم بأنعمك التي ... خضعوا لعزك بعدها وتذللوا ونزعت من أهل الجريد غواية ... كانت بهم أبداً تجد وتهزل خربت من بنيانها ما شيدوا ... وقطعت من أسبابها ما أصلوا ونظمت من أمصاره وثغوره ... للملك عقداً بالفتوح يفصل فسددت مطلع النفاق وأنت لا ... تنبو ظباك ولا العزيمة تنكل بشكيمة مرهوبة وسياسة ... تجري كما يجري فرات سلسل عذب الزمان لها ولذ مذاقه ... من بعد ما قد مر منه الحنظل فضوى الأنام لعز أروع مالك ... سهل الخليقة، ماجد متفضل وتطابقت فيك القلوب على الرضى ... سيان منها الطفل والمتكهل يا مالكاً وسع الزمان وأهله ... دعة وأمناً فوق ما قد أملوا فالأرض لا يخشى بها غول ولا ... يعدو بساحتها الهزبر المشبل والسفر يجتابون كل تنوفة ... سرب القطا ما راعهن الأجدل سبحان من بعلاك قد أحيا المنى ... وأعاد حلي الجيد وهو معطل سبحان من بهداك أوضح للورى ... قصد السبيل فأبصر المتأمل فكأنما الدنيا عروس تجتلى ... فتميس في حلل الجمال وترفل وكأن مطبقة البلاد بعدله ... عادت فسيحاً ليس فيه مجهل وكأن أنوار الكواكب ضوعفت ... من نور غرته التي هي أجمل وكأنما رفع الحجاب لناظر ... فرأى الحقيقة في الذي يتخيل وهنها في العذر عن مدحه:

стр. 169

مولاي غاضت فكرتي وتبلدت ... مني الطباع فكل شيء مشكل تسمو إلى درك الحقائق همتي ... فأصد عن إدراكهن وأعزل وأجد ليلي في امتراء قريحتي ... وتعود غوراً بينما تسترسل فأبيت يعتلج الكلام بخاطري ... والنظم يشرد والقوافي تجفل من بعد حول أنتقيه ولم يكن ... في الشعر حولي يعاب ويهمل فأصونه عن أهله متوارياً ... أن لا يضمهم وشعري محفل وهي البضاعة في القبول نفاقها ... سيان فيها الفحل والمتطفل وبنات فكري إن أتتك كليلة ... مرهاء تخطر في القصور وتخطل فلها الفخار إذا منحت قبولها ... وأنا على ذاك البليغ المقول ومنها في ذكر الكتاب المؤلف لخزانته: وإليك من سير الزمان وأهله ... عبراً يدين بفضلها من يعدل صحفاً تترجم عن أحاديث الألى ... غبروا فتجمل عنهم وتفصل تبدي التبابع والعمالق سرها ... وثمود قبلهم وعاد الأول والقائمون بملة الإسلام من ... مضر وبربرهم إذا ما حصلوا لخصت كتب الأولين لجمعها ... وأتيت أولها بما قد أغفلوا وألنت حوشي الكلام كأنما ... شرد اللغات بها لنطقي ذلل أهديت منه إلى علاك جواهراً ... مكنونة وكواكباً لا تأفل

стр. 170

وجملته لصوان ملكك مفخرا ... يبأى الندي به ويزهو المحفل والله ما أسرفت فيما قلته ... شيئاً ولا الاسراف مما يجمل ولأنت أرسخ في المعارف رتبة ... من أن يموه عنده متطفل فملاك كل فضيلة وحقيقة ... بيديك تعرف وضعها إن بدلوا والحق عندك في الأمور مقدم ... أبداً فماذا يدعيه المبطل والله أعطاك التي لا فوقها ... فاحكم بما ترضى فأنت الأعدل أبقاك ربك للعباد تربهم ... فالله يخلقهم ورعيك يكفل وكنت لما انصرفت عنه من معسكره على سوسة إلى تونس، بلغني - وأنا مقيم بها - أنه أصابه في طريقه مرض، وعقبه إبلال، فخاطبته بهذه القصيدة: ضحكت وجوه الدهر بعد عبوس ... وتجللتنا رحمة من بوس وتوضحت غرر البشائر بعد ما ... انبهمت فأطلعها حداة العيس صدعوا بها ليل الهموم كأنما ... صدعوا الظلام بجذوة المقبوس فكأنهم بثوا حياة في الورى ... نشرت لها الآمال من مرموس قرت عيون الخلق منها بالتي ... أضفت من النعماء خير لبوس فكأن قومي نادمتهم قرقف ... شربوا النعيم لها بغير كؤوس يتمايلون من المسرة والرضى ... ويقابلون أهلة بشموس من راكب وافى يحيي راكباً ... وجليس أنس قاده لجليس ومشفع لله يؤنس عنده ... أثر الهدى في المعهد المأنوس يعتد منها رحمة قدسية ... فيبوء للرحمن بالتقديس طب بإخلاص الدعاء وإنه ... يشفي من الداء العياء ويوسي

стр. 171

(والمعني به إمام الجامع الأعظم، جامع الزيتونة بتونس). يا ابن الخلائف والذين بنورهم ... نهجت سبيل الحق بعد دروس والناصر الدين القويم بعزمة ... طرد استقامتها بغير عكوس هجر المنى فيها ولذات المنى ... في لذة التهجير والتغليس حاط الرعية بالسياسة فانضوت ... منه لإكرم مالك وسؤوس أسد يحامي عن حمى أشباله ... حتى ضووا منه لأمنع خيس قسماً بموشي البطاح وقد غدت ... تختال زهواً في ثياب عروس والماثلات من الحنايا جثما ... يخبرن عن طسم وفل جديس خوص مضمرة البطون كأنها ... أنضاء ركب في الفلاة حبيس وخز البلى منها الغوارب والذرى ... فلفتن خزراً بالعيون الشوس لبقاك حرز الأنام وعصمة ... وحياة أرواح لنا ونفوس ولأنت كافل ديننا بحماية ... لولاك ضيع عهدها وتنوسي الله أعطاك التي لا فوقها ... وحباك حظاً ليس بالموكوس

стр. 172

تعنو القلوب إليك قبل وجوهنا ... سيان من رأس ومن مرءوس فإذا أقمت فإن رعبك راحل ... يحمي على الأعداء كل وطيس وإذا رحلت فللسعادة آية ... تقتادها في موكب وخميس وإذا الأدلة في الكمال تطابقت ... جاءت بمسموع لها ومقيس فانعم بملكك دولة عادية ... تشقي الأعادي بالعذاب البيس وإليكها مني على خجل بها ... عذراء قد حليت بكل نفيس غذراً فقد طمس الشباب ونوره ... وأضاء صبح الشيب عند طموس لولا عنايتك التي أوليتني ... ما كنت أعنى بعدها بطروس والله ما أبقت ممارسة النوى ... مني سوى مرس أحم دريس أنحى الزمان علي في الأدب الذي ... دارسته بمجامع ودروس فسطا على وفري وروع مأمني ... واجتث من دوح النشاط غروسي ورضاك رحمتي التي أعتدها ... تحيي منى نفسي وتذهب بوسي ثم كثرت سعاية البطانة بكل نوع من أنواع السعايات، وابن عرفة يزيد في إغرائهم متى اجتمعوا إليه، إلى أن أغروا السلطان بسفري معه، ولقنوا النائب بتونس القائد فارح من موالي السلطان أن يتفادى من مقامتي معه، خشية على أمره مني بزعمه، وتواطأوا على أن يشهد ابن عرفة بذلك للسلطان، فشهد به في غيبة مني، ونكر السلطان عليهم ذلك، ثم بعت إلي وأمرني بالسفر معه، فسارعت إلى الامتثال، وقد شق ذلك علي، إلا أني لم أجد محيصاً عنه، فخرجت معه، وانتهيت إلى تبسة، وسط تلول إفريقية، وكان منحدراً في عساكره وتواليفه من العرب إلى توزر، لأن ابن يملول كان أجلب عليها سنة ثلاث وثمانين، واستنقذها من يد ابنه، فسار السلطان إليه، وشرده عنها، وأعاد إليها ابنه وأولياءه. ولما نهض من تبسه، رجعني إلى تونس، فأقمت بضيعتي الرياحين من نواحيها لضم زروعي بها، إلى أن قفل السلطان ظافراً منصوراً، فصحبته إلى تونس.

стр. 173

ولما كان شهر شعبان من سنة أربع وثمانين، أجمع السلطان الحركة إلى الزاب، بما كان صاحبه ابن مزنى قد آوى ابن يملول إليه، ومهد له في جواره، فخشيت أن يعود في شأني ما كان في السفرة قبلها. وكانت بالمرسى سفينة لتجار الإسكندرية قد شحنها التجار بأمتعهم وعروضهم، وهي مقلعة إلى الإسكندرية، فتطارحت على السلطان، وتوسلت إليه في تخلية سبيلي لقضاء فرضي، فأذن لي في ذلك، وخرجت إلى المرسى، والناس متسايلون على أثري من أعيان الدولة والبلد وطلبة العلم. فودعتهم، وركبت البحر منتصف شعبان من السنة، وقوضت عنهم بحيث كانت الخيرة من الله سبحانه، وتفرغت لتجديد ما كان عندي من آثار العلم، والله ولي الأمور سبحانه. الرحلة إلى المشرق وولاية القضاء بمصر ولما رحلت من تونس منتصف شعبان من سنة أربع وثمانين، أقمنا في البحر نحواً من أربعين ليلة، ثم وافينا مرسى الإسكندرية يوم الفطر. ولعشر ليال من جلوس الملك الظاهر على التخت، واقتعاد كرسي الملك دون أهله بني قلاوون، وكنا على ترقب ذلك، لما كان يؤثر بقاصية البلاد من سموه لذلك، وتمهيده له. وأقمت بالإسكندرية شهراً لتهيئة أسباب الحج ولم يقدر عامئذ، فاننقلت إلى القاهرة أول في القعدة، فرأيت حضرة الدنيا، وبستان العالم، ومحشر الأمم، ومدرج الذر من البشر، وإيوان الإسلام، وكرسي الملك، تلوح القصور والأواوين في جوه، وتزهر الحوانك والمدارس بآفاقه، وتضيء البدور والكواكب من علمائه، قد مثل بشاطئ

стр. 174

بحر النيل نهر الجنة ومدفع مياه السماء، يسقيهم النهل والعلل سيحه ويجني إليهم الثمرات والخيرات ثجه، ومررت في سكك المدينة تغص بزحام المارة، وأسواقها تزخر بالنعم. وما زلنا نحدث عن هذا البلد، وبعد مداه في العمران، واتساع الأحوال، ولقد اختلفت عبارات من لقيناه من شيوخنا وأصحابنا، حاجهم وتاجرهم، بالحديث عنه. سألت صاحبنا قاضي الجماعة بفاس، وكبير العلماء بالمغرب، أبا عبد الله المقري، (مقدمه من الحج سنة أربعين)، فقلت له: كيف هذه القاهرة؟ فقال: من لم يرها لم يعرف عز الإسلام. وسألت شيخنا أبا العباس بن إدريس كبير العلماء ببجاية مثل ذلك فقال: كأنما انطلق أهله من الحساب، يشير إلى كثرة أممه وأمنهم العواقب. وحضر صاحبنا قاضي العسكر بفاس، الفقيه الكاتب أبو القاسم البرجي بمجلس السلطان أبي عنان، منصرفه من السفارة عنه إلى ملوك مصر، وتأدية رسالته النبوية إلى الضريح الكريم، سنة ست وخمسين وسأله عن القاهرة فقال: أقول في العبارة عنها على سبيل الاختصار: إن الذي يتخيله الإنسان، فإنما يراه دون الصورة التي تخيلها، لاتساع الخيال عن كل محسوس، إلا القاهرة، فإنها أوسع

стр. 175

من كل ما يتخيل فيها. فأعجب السلطان والحاضرون بذلك. ولما دخلتها، أقمت أياماً، وانثال علي طلبة العلم بها، يلتمسون الإفادة مع قلة البضاعة، ولم يوسعوني عذراً، فجلست للتدريس بالجامع الأزهر منها. ثم كان الاتصال بالسلطان، فأبر اللقاء، وأنس الغربة، ووفر الجراية من صدقاته، شأنه مع أهل العلم، وانتظرت لحاق أهلي وولدي من تونس، وقد صدهم السلطان هنالك عن السفر، اغتباطاً بعودي إليه، فطلبت من السلطان صاحب مصر الشفاعة إليه في تخلية سبيلهم، فخاطبه في ذلك بما نصه. بسم الله الرحمن الرحيم. عبد الله ووليه أخوه برقوق. . . . . . السلطان الأعظم، المالك الملك الظاهر، السيد الأجل، العالم العادل، المؤيد المجاهد، المرابط المثاغر، المظفر، الشاهنشاه، سيف الدنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين، محيي العدل في العالمين، منصف المظلومين من الظالمين، وارث الملك، سلطان العرب والعجم والترك، اسكندر الزمان، مولي الإحسان، مملك أصحاب التخوت والأسرة والتيجان، واهب الأقاليم والأقطار، مبيد الطغاة والبغاة والكفار، ملك البحرين، مسلك سبيل القبلتين، خادم الحرمين الشريفين، ظل الله في

стр. 176

أرضه، القائم بسنته وفرضه، سلطان البسيطة مؤمن الأرض المحيطة، سيد الملوك والسلاطين، قسيم أمير المؤمنين، أبو سعيد برقوق ابن الشهيد شرف الدنيا والدين أبي المعالي أنس. خلد الله سلطانه، ونصر جيوشه وأعوانه يخص الحضرة السنية السرية، المظفرة الميمونة، المنصورة المصونة، حضرة السلطان العالم، العادل المؤيد، المجاهد الأوحد، أبي العباس، ذخر الإسلام والمسلمين، عدة الدنيا والدين، قدوة الموحدين، ناصر الغزاة والمجاهدين، سيف جماعة الشاكرين، صلاح الدول. لا زالت مملكته بقوته عامرة، ومهابته لنفوس الجبابرة قاهرة، ومعدلته تبوئه غرفات العز في الدنيا والآخرة. سلام صفا ورده وضفا برده، وثناء فاح نده، ولاح سعده، ووداد زاد وجده وجاد جده. أما بعد حمد الله الذي جعل القلوب أجناداً مجندة، وأسباب الوداد على البعاد مؤكدة، ووسائل المحبة بين الملوك في كل يوم مجددة، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد عبده ورسوله، الذي نصره لله بالرعب مسيرة شهر وأيده وأعلى به منار الدين وشيده، وعلى آله وأصحابه الذين اقتفوا طريقه وسؤدده، صلاة دائمة مؤبده. فإننا نوضح لعلمه الكريم، أن الله - وله الحمد - جعل جبلتنا الشريفة مجبولة على تعظيم العلم الشريف وأهله، ورفعة شأنه، ونشر أعلامه، ومحبة أهله وخدامه، وتيسير مقاصدهم وتحقيق أملهم، والإحسان إليهم، والتقرب إلى الله بذلك في السر والعلانية، فإن العلماء ﵃ ورثة الأنبياء وقرة عين الأولياء، وهداة خلق الله في أرضه، لا سيما من رزقه الله الدراية فيما علمه من ذلك، وهداه للدخول إليه من أحسن المسالك، مثل كل سطرنا هذه المكاتبة بسببه: المجلس السامي، الشيخي،

стр. 177

الأجلي، الكبيري، العالمي، الفاضلي، الأثيلي، الأثيري، الإمامي، العلامي القدوة، المقتدي، الفريدي، المحققي، الأصيلي، الأوحدي، الماجدي، الولوي، جمال الإسلام والمسلمين جمال العلماء في العالمين، أوحد الفضلاء، قدوة البلغاء، علامة الأمة، إمام الأئمة، مفيد الطالبين، خالصة الملوك والسلاطين عبد الرحمن بن خلدون المالكي. أدام الله نعمته، فإنه أولى بالإكرام، وأحرى، وأحق بالرعاية وأجل قدراً، وقد هاجر إلى ممالكنا الشريفة، وآثر الإقامة عندنا بالديار المصرية، لا رعبة عن بلاده، بل تحبباً إلينا، وتقرباً إلى خواطرنا، بالجواهر النفيسة، من ذاته الحسنة، وصفاته الجميلة، ووجدنا منه فوق ما في النفوس، مما يجل عن الوصف ويربي على التعداد. يا له من غريب وصف ودار، قد أتى عنكم بكل غريب، وما برح - من حين ورد علينا - يبالغ في شكر الحضرة العلية ومدح صفاتها الجميلة، إلى أن استمال خواصرنا الشريفة إلى حبها، وآثرنا المكاتبة إليها. والعين تعشق قبل الأذن أحياناً وذكر لنا في أثناء ذلك، أن أهله وأولاده، في مملكة تونس تحت نظر الحضرة العلية، وقصد إحضارهم إليه ليقيموا عنده، ويجتمع شمله بهم مدة إقامته عندنا، فاقتضت آراؤنا الشريفة، الكتابة إلى الحضرة العلية لهذين السببين الجميلين، وقد آثرنا إعلام الحضرة العلية بذلك، ليكون على خاطره الكريم، والقصد من محبته، يقدم أمره العالي بطلب أهل الشيخ ولي الدين المشار إليه، وإزاحة أعذارهم، وإزالة عوائقهم، والوصية بهم، وتجهيزهم إليه مكرمين، محترمين، على أجمل الوجوه صحبة قاصده الشيخ الصالح، العارف السالك الأوحد، سعد الدين مسعود المكناسي، الواصل بهذه المكاتبة أعزه الله، ويكون تجهيزهم على مركب من مراكب الحضرة العلية، مع توصية من بها من البحرية بمضاعفة إكرام المشار إليهم ورعايتهم، والتأكيد عليهم في هذا

стр. 178

المعنى، وإذا وصل من بها من البحرية، كان لهم الأمن والإحسان فوق ما في أنفسهم، ويربي على أملهم، بحيث يهتم بذلك على ما عهد من محبته، وجميل اعتماده، مع ما يتحف به من مراسلاته، ومقاصده ومكاتباته. والله تعالى يحرسة بملائكته وآياته، بمنه ويمنه إن شاء الله. كتب خامس عشر صفر المبارك من سنة ست وثمانين وسبعمائة حسب المرسوم الشريف. الحمد لله وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. ثم هلك بعض المدرسين بمدرسة القمحية بمصر، من وقف صلاح الدين بن أيوب، فولاني تدريسها مكانه، وبينا أنا في ذلك، إذ سخط السلطان قاضي المالكية في دولته، لبعض النزعات فعزله، وهو رابع أربعة بعدد المذاهب، يدعى كل منهم قاضي القضاة، تمييزاً عن الحكام بالنيابة عنهم، لاتساع خطة هذا المعمور، وكثرة عوالمه، وما يرتفع من الخصومات في جوانبه، وكبير جماعتهم قاضي الشافعية، لعموم ولايته في الأعمال شرقاً وغرباً، وبالصعيد والفيوم، واستقلاله بالنظر في أموال الأيتام، والوصايا، ولقد يقال بأن مباشرة السلطان قديماً بالولاية إنما كانت تكون له.

стр. 179

فلما عزل هذا القاضي المالكي سنة ست وثمانين، اختصني السلطان بهذه الولاية، تأهيلاً لمكاني، وتنويهاً بذكري، وشافهته بالتفادي من ذلك، فأبى إلا إمضاءه، وخلع علي بإيوانه، وبعث من كبار الخاصة من أقعدني بمجلس الحكم بالمدرسة الصالحية بين القصرين، فقصت بما دفع إلي من ذلك المقام المحمود، ووفيت جهدي بما أمنني عليه من أحكام الله، لا تأخذني في الحق لومة، ولا يزعني عنه جاه ولا سطوة، مسوياً في ذلك بين الخصمين، آخذاً بحق الضعيف من الحكمين، معرضاً عن الشفاعات والوسائل من الجانبين، جانحاً إلى التثبت في سماع البينات، والنظر في عدالة المنتصبين لتحمل الشهادات، فقد كان البر منهم مختلطاً بالفاجر، والطيب ملتبساً بالخبيث، والحكام ممسكون عن انتقادهم متجاوزون عما يظهرون عليه من هناتهم، لما يموهون به من الاعتصام بأهل الشوكة، فإن غالبهم مختلطون بالأمراء، معلمين للقرآن، وأئمة في الصلوات، يلبسون عليهم بالعدالة، فيظنون بهم الخير، ويقسمون لهم الحظ من الجاه في تزكيتهم عند القضاة، والتوسل لهم، فأعضل داؤهم، وفشت المفاسد بالتزوير والتدليس بين الناس منهم، ووقفت على بعضها فعاقبت فيه بموجع العقاب، ومؤلم النكال، وتأدى إلي العلم بالجرح في طائفة منهم، فمنعتهم من تحمل الشهادة، وكان منهم كتاب لدواوين القضاة، والتوقيع في مجالسهم، قد دربوا على إملاء الدعاوى، وتسجيل الحكومات، واستخدموا للأمراء فيما يعرض لهم من العقود، بإحكام كتابتها، وتوثيق شروطها، فصار لهم بذلك شفوف على أهل طبقتهم، وتمويه على القضاة

стр. 180

بجاههم، يدرعون به مما يتوقعونه من عتبهم، لتعرضهم لذلك بفعلاتهم، وقد يسلط بعض منهم قلمه على العقود لمحكمة، فيوجد السبيل إلى حلها بوجة فقهي، أو كتابي، ويبادر إلى ذلك متى دعا إليه داعي جاه أو منحة، وخصوصاً في الأوقاف التي جاوزت حدود النهاية في هذا المصر بكثرة عوالمه، فأصبحت خافية الشهرة، مجهولة الأعيان، عرضة للبطلان، باختلاف المذاهب المنصوبة للحكام بالبلد، فمن اختار فيها بيعاً أو تمليكاً شارطوه وأجابوه، مفتاتين فيه على الحكام الذين ضربوا دونه سد الحظر والمنع حماية عن التلاعب، وفشا في ذلك الضرر في الأوقاف، وطرق الغرر في العقود والأملاك. فعاملت الله في حسم ذلك بما آسفهم علي وأحقدهم، ثم التفت إلى الفتيا بالمذهب، وكان الحكام منهم على جانب من الخبرة، لكثرة معارضتهم، وتلقينهم الخصوم، وفتياهم بعد نفوذ الحكم، وإذا فيهم أصاغر، بيناهم يتشبثون بأذيال الطلب والعدالة ولا يكادون، إذا بهم طفروا إلى مراتب الفتيا والتدريس، فاقتعدوها، وتناولوها بالجزاف، واحتازوها من غير مثرب ولا منتقد للأهلية ولا مرشح، إذ الكثرة فيهم بالغة، ومن كثرة الساكن مشتقة، وقلم الفتيا في هذا المصر طلق، وعنانها مرسل، يتجاذب كل الخصوم منه رسنا، ويتناول من حافته شقاً، يرم به الفلج على خصمه، ويستظهر به لإرغامه، فيعطيه المفتي من ذلك ملء رضاه، وكفاء أمنيته، متتبعاً إياه في شعاب الخلاف، فتتعارض الفتاوى وتتناقض، ويعظم الشغب إن وقعت بعد نفوذ الحكم، والخلاف في المذاهب كثير، والإنصاف متعذر، وأهلية المفتي أو شهرة الفتيا ليس تمييزها للعامي، فلا يكاد هذا المدد ينحسر، ولا الشغب ينقطع. فصدعت في ذلك بالحق، وكبحت أعنة أهل الهوى والجهل، ورددتهم على أعقابهم. وكان فيهم ملتقطون سقطوا من المغرب، يشعوذون بمفترق من اصطلاحات
следующие страницы →