Полный текст (274 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
أرضه، القائم بسنته وفرضه، سلطان البسيطة مؤمن الأرض المحيطة، سيد الملوك والسلاطين، قسيم أمير المؤمنين، أبو سعيد برقوق ابن الشهيد شرف الدنيا والدين أبي المعالي أنس. خلد الله سلطانه، ونصر جيوشه وأعوانه يخص الحضرة السنية السرية، المظفرة الميمونة، المنصورة المصونة، حضرة السلطان العالم، العادل المؤيد، المجاهد الأوحد، أبي العباس، ذخر الإسلام والمسلمين، عدة الدنيا والدين،
قدوة الموحدين، ناصر الغزاة والمجاهدين، سيف جماعة الشاكرين، صلاح الدول. لا زالت مملكته بقوته عامرة، ومهابته لنفوس الجبابرة قاهرة، ومعدلته تبوئه غرفات العز في الدنيا والآخرة. سلام صفا ورده وضفا برده، وثناء فاح نده، ولاح سعده، ووداد زاد وجده وجاد جده.
أما بعد حمد الله الذي جعل القلوب أجناداً مجندة، وأسباب الوداد على البعاد مؤكدة، ووسائل المحبة بين الملوك في كل يوم مجددة، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد عبده ورسوله، الذي نصره لله بالرعب مسيرة شهر وأيده وأعلى به منار الدين وشيده، وعلى آله وأصحابه الذين اقتفوا طريقه وسؤدده، صلاة دائمة مؤبده. فإننا نوضح لعلمه الكريم، أن الله - وله الحمد - جعل جبلتنا الشريفة مجبولة على تعظيم العلم الشريف وأهله، ورفعة شأنه، ونشر أعلامه، ومحبة أهله وخدامه، وتيسير مقاصدهم وتحقيق أملهم، والإحسان إليهم، والتقرب إلى الله بذلك في السر والعلانية، فإن العلماء ﵃ ورثة الأنبياء وقرة عين الأولياء، وهداة خلق الله في أرضه، لا سيما من رزقه الله الدراية فيما علمه من ذلك، وهداه للدخول إليه من أحسن المسالك، مثل كل سطرنا هذه المكاتبة بسببه: المجلس السامي، الشيخي،
стр. 177
الأجلي، الكبيري، العالمي، الفاضلي، الأثيلي، الأثيري، الإمامي، العلامي القدوة، المقتدي، الفريدي، المحققي، الأصيلي، الأوحدي، الماجدي، الولوي، جمال الإسلام والمسلمين جمال العلماء في العالمين، أوحد الفضلاء، قدوة البلغاء، علامة الأمة، إمام الأئمة، مفيد الطالبين، خالصة الملوك والسلاطين عبد الرحمن بن خلدون المالكي. أدام الله نعمته، فإنه أولى بالإكرام، وأحرى، وأحق بالرعاية وأجل قدراً، وقد هاجر إلى ممالكنا الشريفة، وآثر الإقامة عندنا بالديار المصرية، لا رعبة عن بلاده، بل تحبباً إلينا، وتقرباً إلى خواطرنا، بالجواهر النفيسة، من ذاته الحسنة، وصفاته الجميلة، ووجدنا منه فوق ما في
النفوس، مما يجل عن الوصف ويربي على التعداد. يا له من غريب وصف ودار، قد أتى عنكم بكل غريب، وما برح - من حين ورد علينا - يبالغ في شكر الحضرة العلية ومدح صفاتها الجميلة، إلى أن استمال خواصرنا الشريفة إلى حبها، وآثرنا المكاتبة إليها.
والعين تعشق قبل الأذن أحياناً
وذكر لنا في أثناء ذلك، أن أهله وأولاده، في مملكة تونس تحت نظر الحضرة العلية، وقصد إحضارهم إليه ليقيموا عنده، ويجتمع شمله بهم مدة إقامته عندنا، فاقتضت آراؤنا الشريفة، الكتابة إلى الحضرة العلية لهذين السببين الجميلين، وقد آثرنا إعلام الحضرة العلية بذلك، ليكون على خاطره الكريم، والقصد من محبته، يقدم أمره العالي بطلب أهل الشيخ ولي الدين المشار إليه، وإزاحة أعذارهم، وإزالة عوائقهم، والوصية بهم، وتجهيزهم إليه مكرمين، محترمين، على أجمل الوجوه صحبة قاصده الشيخ الصالح، العارف السالك الأوحد، سعد الدين مسعود المكناسي، الواصل بهذه المكاتبة أعزه الله، ويكون تجهيزهم على مركب من مراكب الحضرة العلية، مع توصية من بها من البحرية بمضاعفة إكرام المشار إليهم ورعايتهم، والتأكيد عليهم في هذا
стр. 178
المعنى، وإذا وصل من بها من البحرية، كان لهم الأمن والإحسان فوق ما في أنفسهم، ويربي على أملهم، بحيث يهتم بذلك على ما عهد من محبته، وجميل اعتماده، مع ما يتحف به من مراسلاته، ومقاصده ومكاتباته. والله تعالى يحرسة بملائكته وآياته، بمنه ويمنه إن شاء الله.
كتب خامس عشر صفر المبارك من سنة ست وثمانين وسبعمائة حسب المرسوم الشريف. الحمد لله وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
ثم هلك بعض المدرسين بمدرسة القمحية بمصر، من وقف صلاح الدين بن أيوب، فولاني تدريسها مكانه، وبينا أنا في ذلك، إذ سخط السلطان قاضي المالكية
في دولته، لبعض النزعات فعزله، وهو رابع أربعة بعدد المذاهب، يدعى كل منهم قاضي القضاة، تمييزاً عن الحكام بالنيابة عنهم، لاتساع خطة هذا المعمور، وكثرة عوالمه، وما يرتفع من الخصومات في جوانبه، وكبير جماعتهم قاضي الشافعية، لعموم ولايته في الأعمال شرقاً وغرباً، وبالصعيد والفيوم، واستقلاله بالنظر في أموال الأيتام، والوصايا، ولقد يقال بأن مباشرة السلطان قديماً بالولاية إنما كانت تكون له.
стр. 179
فلما عزل هذا القاضي المالكي سنة ست وثمانين، اختصني السلطان بهذه الولاية، تأهيلاً لمكاني، وتنويهاً بذكري، وشافهته بالتفادي من ذلك، فأبى إلا إمضاءه، وخلع علي بإيوانه، وبعث من كبار الخاصة من أقعدني بمجلس الحكم بالمدرسة الصالحية بين القصرين، فقصت بما دفع إلي من ذلك المقام المحمود، ووفيت جهدي بما أمنني عليه من أحكام الله، لا تأخذني في الحق لومة، ولا يزعني عنه جاه ولا سطوة، مسوياً في ذلك بين الخصمين، آخذاً بحق الضعيف من الحكمين، معرضاً عن الشفاعات والوسائل من الجانبين، جانحاً إلى التثبت في سماع البينات، والنظر في عدالة المنتصبين لتحمل الشهادات، فقد كان البر منهم مختلطاً بالفاجر، والطيب ملتبساً بالخبيث، والحكام ممسكون عن انتقادهم متجاوزون عما يظهرون عليه من هناتهم، لما يموهون به من الاعتصام بأهل الشوكة، فإن غالبهم مختلطون بالأمراء، معلمين للقرآن، وأئمة في الصلوات، يلبسون عليهم بالعدالة، فيظنون بهم الخير، ويقسمون لهم الحظ من الجاه في تزكيتهم عند القضاة، والتوسل لهم، فأعضل داؤهم، وفشت المفاسد بالتزوير والتدليس بين الناس منهم، ووقفت على بعضها فعاقبت فيه بموجع العقاب، ومؤلم النكال، وتأدى إلي العلم بالجرح في طائفة منهم، فمنعتهم من تحمل الشهادة، وكان منهم كتاب لدواوين القضاة، والتوقيع في مجالسهم، قد دربوا على إملاء الدعاوى، وتسجيل
الحكومات، واستخدموا للأمراء فيما يعرض لهم من العقود، بإحكام كتابتها، وتوثيق شروطها، فصار لهم بذلك شفوف على أهل طبقتهم، وتمويه على القضاة
стр. 180
بجاههم، يدرعون به مما يتوقعونه من عتبهم، لتعرضهم لذلك بفعلاتهم، وقد يسلط بعض منهم قلمه على العقود لمحكمة، فيوجد السبيل إلى حلها بوجة فقهي، أو كتابي، ويبادر إلى ذلك متى دعا إليه داعي جاه أو منحة، وخصوصاً في الأوقاف التي جاوزت حدود النهاية في هذا المصر بكثرة عوالمه، فأصبحت خافية الشهرة، مجهولة الأعيان، عرضة للبطلان، باختلاف المذاهب المنصوبة للحكام بالبلد، فمن اختار فيها بيعاً أو تمليكاً شارطوه وأجابوه، مفتاتين فيه على الحكام الذين ضربوا دونه سد الحظر والمنع حماية عن التلاعب، وفشا في ذلك الضرر في الأوقاف، وطرق الغرر في العقود والأملاك.
فعاملت الله في حسم ذلك بما آسفهم علي وأحقدهم، ثم التفت إلى الفتيا بالمذهب، وكان الحكام منهم على جانب من الخبرة، لكثرة معارضتهم، وتلقينهم الخصوم، وفتياهم بعد نفوذ الحكم، وإذا فيهم أصاغر، بيناهم يتشبثون بأذيال الطلب والعدالة ولا يكادون، إذا بهم طفروا إلى مراتب الفتيا والتدريس، فاقتعدوها، وتناولوها بالجزاف، واحتازوها من غير مثرب ولا منتقد للأهلية ولا مرشح، إذ الكثرة فيهم بالغة، ومن كثرة الساكن مشتقة، وقلم الفتيا في هذا المصر طلق، وعنانها مرسل، يتجاذب كل الخصوم منه رسنا، ويتناول من حافته شقاً، يرم به الفلج على خصمه، ويستظهر به لإرغامه، فيعطيه المفتي من ذلك ملء رضاه، وكفاء أمنيته، متتبعاً إياه في شعاب الخلاف، فتتعارض الفتاوى وتتناقض، ويعظم الشغب إن وقعت بعد نفوذ الحكم، والخلاف في المذاهب كثير، والإنصاف متعذر، وأهلية المفتي أو شهرة الفتيا ليس تمييزها للعامي، فلا يكاد هذا المدد ينحسر، ولا الشغب ينقطع.
فصدعت في ذلك بالحق، وكبحت أعنة أهل الهوى والجهل، ورددتهم على أعقابهم. وكان فيهم ملتقطون سقطوا من المغرب، يشعوذون بمفترق من اصطلاحات
стр. 181
العلوم هنا وهناك، لا ينتمون إلى شيخ مشهور، ولا يعرف لهم كتاب في فن، قد اتخذوا الناس هزؤاً، وعقدوا المجالس مثلبة للأعراض، ومأبنة للحرم، فأرغمهم ذلك مني، وملأهم حسداً وحقداً علي، وخلوا إلى أهل جلدتهم من سكان الزوايا المنتحلين للعبادة، يشترون بها الجاه ليجيروا به على الله، وربما اضطر أهل الحقوق إلى تحكيمهم، فيحكمون بما يلقي الشيطان على ألسنتهم يترخصون به للإصلاح، لا يزعهم الدين عن التعرض لأحكام الله بالجهل، فقطعت الحبل في أيديهم، وأمضيت أحكام الله فيمن أجاروه، فلم يغنوا عنه من الله شيئاً، وأصبحت زواياهم مهجورة، وبئرهم التي يمتاحون منها معطلة. وانطلقوا يراطنون السفهاء في النيل من عرضي، وسوء الأحدوثة عني بمختلق الإفك، وقول الزور، يبثونه في الناس، ويدسون إلى السلطان التظلم مني فلا يصغي إليهم، وأنا في ذلك محتسب عند الله ما فنيت به من هذا الأمر، ومعرض فيه عن الجاهلين، وماض على سبيل سواء من الصرامة، وقوة الشكيمة، وتحري المعدلة، وخلاص الحقوق، والتنكب عن خطة الباطل متى دعيت إليها، وصلابة العود عن الجاه والأغراض متى غمزني لامسها، ولم يكن ذلك شأن من رافقته من القضاة، فنكروه علي، ودعوني إلى تبعهم فيما يصطلحون عليه من مرضاة الأكابر، ومراعاة الأعيان، والقضاء للجاه بالصور الظاهرة، أو دفع الخصوم إذا تعذرت، بناء على أن الحاكم لا يتعين عليه الحكم مع وجود غيره، وهم يعملون أن قد تمالأوا عليه.
وليت شعري! ما عذرهم في الصور الظاهرة، إذا علموا خلافها، والنبي ﷺ يقول في ذلك: من قضيت له من حق أخيه شيئاً فإنما أقضي له من النار.
فأبيت في ذلك كله إلا إعطاء العهدة حقها، والوفاء لها ولمن قلدنيها، فأصبح الجميع علي ألبا، ولمن ينادي بالتأفف مني عوناً، وفي النكير علي أمة، وأسمعوا الشهود الممنوعين أن قد قضيت فيهم بغير الحق، لاعتمادي على علمي في الجرح،
стр. 182
وهي قضية إجماع، وانطلقت الألسنة، وارتفع الصخب، وأرادني بعض على الحكم بغرضهم فوقفت، وأغروا بي الخصوم فتنادوا بالتظلم عند السلطان، وجمع القضاة وأهل الفتيا في مجلس حفل للنظر في ذلك، فخلصت تلك الحكومة من الباطل خلوص الإبريز، وتبين أمرهم للسلطان، وأمضيت فيها حكم الله إرغاماً لهم، فغدوا على حرد قادرين، وعسوا لأولياء السلطان وعظماء الخاصة، يقبحون لهم إهمال جاههم، ورد شفاعتهم مموهين بأن الحامل على ذلك جهل المصطلح، وينفقون هذا الباطل بعظائم ينسبونها إلي، تبعث الحليم، وتغري الرشيد، يستثيرون حفائظهم علي، ويشربونهم البغضاء لي، والله مجازيهم ومسائلهم.
فكثر الشغب علي من كل جانب، وأظلم الجو بيني وبين أهل الدولة. ووافق ذلك مصابي بالأهل والولد، وصلوا من المغرب في السفين، فأصابها قاصف من الريح فغرقت، وذهب الموجود والسكن والمولود، فعظم المصاب والجزع، ورجح الزهد، واعتزمت على الخروج عن المنصب، فلم يوافقني عليه النصيح ممن استشرته، خشية من نكير السلطان وسخطه، فوقفت بين الورد والصدر، وعلى صراط الرجاء واليأس، وعن قريب تداركني اللطف الرباني، وشملتني نعمة السلطان - أيده الله - في النظر بعين الرحمة، وتخلية سبيلي من هذه العهدة التي لم أطق حملها، ولا عرفت - كما زعموا - فصطلحها، فردها إلى صاحبها الأول، وأنشطني من عقالها،
стр. 183
فانطلقت حميد الأثر، مشيعاً من الكافة بالأسف والدعاء وحميد الثناء، تلحظني العيون بالرحمة، وتتناجى الآمال في بالعودة، ورتعت فيما كنت راتعاً فيه قبل من مراعي نعمته وظل رضاه وعنايته، قانعاً بالعافية التي
سألها رسول الله ﷺ من ربه، عاكفاً على تدريس علم، أو قراءة كتاب، أو إعمال قلم في تموين أو تأليف، مؤملاً من الله، قطع صبابة العمر في العبادة، ومحو عوائق السعادة بفضل الله ونعمته.
السفر لقضاء الحج
ثم مكثت بعد العزل ثلاث سنين، واعتزمت على قضاء الفريضة، فودعت السلطان والأمراء، وزودوا وأعانوا فوق الكفاية. وخرجت من القاهرة منتصف رمضان سنة تسع وثمانين، إلى مرسى الطور بالجانب الشرقي من بحر السويس، وركبت البحر من هنالك، عاشر الفطر، ووصلنا إلى الينبع لشهر، فوافينا المحمل، ورافقتهم من هنالك إلى مكة، ودخلتها ثاني ذي الحجة، فقضيت الفريضة في هذه السنة، ثم عدت إلى الينبع، فأقمت به خمسين ليلة حتى تهيأ لنا ركوب البحر، ثم سافرنا إلى أن قاربنا مرسى الطور، فاعترضتنا الرياح، فما وسعنا إلا قطع البحر إلى جانبه الغربي، ونزلنا بساحل القصير، ثم بَذْرَقْنا مع أعراب تلك الناحية إلى مدينة قوص قاعدة الصعيد، فأوحنا بها أياماً، ثم ركبنا في بحر النيل إلى مصر، فوصلنا إليها لشهر من
стр. 184
سفرنا، ودخلتها في جمادى سنة تسعين، وقضيت حق السلطان في لقائه، وإعلامه بما اجتهدت فيه من الدعاء له، فتقبل ذلك مني بقبول حسن، وأقمت فيما عهدت من رعايته وظل إحسانه. وكنت لما نزلت بالينبع، لقيت بها الفقيه الأديب المتقن، أبا القاسم بن محمد ابن
شيخ الجماعة، وفارس الأدباء، ومنفق سوق البلاغة، أبي إسحق إبراهيم الساحلي المعروف جده بالطويجن، وقد قدم حاجاً، وفي صحبته كتاب رسالة من صاحبنا الوزير الكبير العالم، كاتب سر السلطان ابن الأحمر صاحب غرناطة، الحظي لديه، أبي عبد الله بن زمرك، خاطبني فيه بنظم ونثر يتشوق، ويذكر بعهود الصحبة نصه:
سلوا البارق النجدي من علمي نجد ... تبسم فاستبكى جفوني من الوجد
أجاد ربوعي باللوى بورك اللوى ... وسح به صوب الغمائم من بعدي
ويا زاجري الأظعان وهي ضوامر ... دعوها ترد هيماً عطاشفاً على نجد
ولا تنشقوا الأنفاس منها مع الصبا ... فإن زفير الشوق من مثلها يعدي
يراها الهوى بري القداح وخطها ... حروفاً على صفح من القفر ممتد
عجبت لها أني تجاذبني الهوى ... وما شوقها شوقي ولا وجدها وجدي
لئن شاقها بين الغذيب وبارق ... مياه بفيء الظل للبان والرند
فما شاقني إلا بذور خدورها ... وقد لحن يوم النفر في قصب ملد
فكم في قباب الحي من شمس كلة ... وفي فلك الأزرار من قمر سعد
وكم صارم قد شل من لحظ أحور ... وكم ذابل قد هز من ناعم القد
стр. 185
خذوا الحذر من سكان رامة إنها ... ضعيفات كر اللحظ تفتك بالأسد
سهام جفون عن قسي حواجب ... يصاب بها قلب البريء على عمد
وروض جمال ضاع عرف نسيمه ... وما ضاع غير الورد في صفحة الخد
ونرجس لحظ أرسل الدمع لؤلؤاً ... فرش بماء الورد روضاً من الورد
وكم غصن قد عانق الغصن مثله ... وكل على كل من الشوق يستعدي
قبيح وداع قد جلا لعيوينا ... محاسن من روض الجمال بلا عد
رعى الله ليلى لو علمت طريقهما ... فرشت لأخفاف المطي به خدي
وما شاقني والطيف يرهب أدمعي ... ويسبح في بحر من الليل مزبد
وقد سل خفاق الذؤابة بارق ... كما سل لماع الصقال من الغمد
وهزت محلاة يد الشوق في الدجى ... فحل الذي أبرمت للصبر من عقدي
وأفلق خفاق الجوانح نسمة ... تنم مع الإصباح خافقة البرد
وهب عليل لف طي بروده ... أحاديث أهداها إلى الغور من نجد
سوى صادح في الأيك لم يدر ما الهوى ... ولكن دعا مني الشجون على وعد
فهل عند ليلى نعم الله ليلها ... بأن جفوني ما تمل من السهد
وليلة إذ ولى الحجيج على منى ... وفت لي المنى منها بما شئت من قصد
فقضيت منها - فوق ما أحسب - المنى ... وبرد عفافي صانه الله من برد
وليس سوى لحظ خفي نجيله ... وشكوى كما ارفض الجمان من العقد
غفرت لدهري بعدها كل ما جنى ... سوى ما جنى وفد المشيب على فودي
عرفت بهذا الشيب فضل شبيبتي ... وما زال فضل الضد يعرف بالضد
стр. 186
ومن نام في ليل الشاب ضلالة ... سيوقظه صبح المشيب إلى الرشد
أما والهوى ما حلت عن سنن الهوى ... ولا جرت في طرق الصبابة عن قصدي
تجاوزت حد العاشقين الألى قضوا ... وأصبحت في دين الهوى أمة وحدي
نسيت وما أنسى وفائي لخلتي ... وأقفر ربع القلب إلا من الوجد
إليك أبا زيد شكاة رفعتهما ... وما أنت من عمرو لدي ولا زيد
بعيشك خبرني وما زلت مفضلاً ... أعندك من شوق كمثل الذي عندي
فكم ثار بي شوق إليك مبرح ... فظلت يد الأشواق تقدح من زندي
وصفق حتى الريح في لمم الربى ... وأشفق حتى الطفل في كبد المهد
يقابلني منك الصباح بوجنة ... حكى شفقاً فيه الحياء الذي تبدي
وتوهمني الشمس المنيرة غرة ... بوجهك صان الله وجهك عن رد
محياك أجلى في العيون من الضحى ... وذكرك أحلى في الشفاه من الشهد
وما أنت إلا الشمس في علو أفقها ... تفيدك من قرب وتلحظ من بعد
وفي عمة من لا ترى الشمس عينه ... وما نفع نور الشمس في الأعين الرمد
من القوم صانوا المجد صون عيونهم ... كما قد أباحوا المال ينهب للرفد
إذا ازدحمت يوماً على المال أسرة ... فما ازدحموا إلا مورد المجد
ومهما أغاروا منجدين صريخهم ... يشبون نار الحرب في الغور والنجد
ولم يقتنوا بعد البناء ذخيرة ... سوى الصارم المصقول والصافن النهد
وما اقتسم الأنفال إلا ممدح ... بلاها بأعراف المطهمة الجرد
стр. 187
أتنسى ولا تنسى ليالينا التي ... خلسنا بهن العيش في جنة الخلد
ركبنا إلى اللذات في طلق الصبا ... مطايا الليالي وادعين إلى حد
فإن لم نرد فيها الكؤس فإننا ... وردنا بها للأنس مستعذب الورد
أتيتك في غرب وأنت رئيسه ... وبابك للأعلام مجتمع الوفد
فآنست حتى ما شكوت بغربة ... وواليت حتى لم أجد مضض الفقد
وعدت لقطري شاكراً ما بلوته ... من الخلق المحمود والحسب العد
إلى أن أجزت البحر يا بحر نحونا ... وزرت مزار الغيث في عقب الجهد
ألذ من النعمى على حال فاقة ... وأشهى من الوصل الهني على صد
وإن ساءني أن قوضت رحلك النوى ... وعوضت عنا بالذميل وبالوخد
لقد سرني أن لحت في أفق العلا ... على الطائر الميمون والطالع السعد
طلعت بأفق الشرق نجم هداية ... فجئت مع الأنوار فيه على وعد
يميناً بمن تسري المطي سواهماً ... عليها سهام قد رمت هدف القصد
إلى بيته كيما تزور معاهداً ... أبان بها جبريل عن كرم العهد
لأنت الذي مهما دجا ليل مشكل ... قدحت به للنور وارية الزند
وحيث استقلت بي ركاب لطية ... فأنت نجي النفس في القرب والبعد
وإني بباب الملك حيث عهدتني ... مديد ظلال الجاه مستحصف العقد
أجهز بالإنشاء كل كتيبة ... من الكتب، والكتاب في عرضها جندي
نلوذ من المولى الإمام محمد ... بظل على نهر المجرة ممتد
إذا فاض من يمناه بحر سماحة ... وعم به الطوفان في النجد والوهد
ركبنا إلى الإحسان في سفن الرجا ... بحور عطاء ليس تجزر عن مد
стр. 188
فمن مبلغ الأمصار عني ألوكة ... مغلغلة في الصدق منجزة الوعد
بآية ما أعطى الخليفة ربه ... مفاتيح فتح ساقها سائق السعد
ودونك من روض المحامد نفحة ... تفوت إذا اصطف الندي عن الند
ثناء يقول المسك إن ضاع عرفه ... أيا لك من ند أما لك من ند
وما الماء في جوف السحاب مروقاً ... بأطهر ذاتاً منك في كنف بالمهد
فكيف وقد حلتك أسرابها الحلى ... وباهت بك الأعلام بالعلم الفرد
وما الطل في ثغر من الدهر باسم ... بأصفى وأذكى من ثنائي ومن ودي
ولا البحر معصوباً بتاج تمامه ... بأبهر من ودي وأسير من حمدي
بقيت ابن خلدون إمام هداية ... ولا زلت من دنياك في جنة الخلد
ووصلها بقوله: سيدي علم الأعلام، كبير رؤساء الإسلام، مشرف حملة السيوف والأقلام، جمال الخواص والظهراء، أثير الدول، خالصة الملوك، مجتبى الخلفاء، نير أفق العلاء، أوحد الفضلاء، قدوة العلماء، حجة البلغاء.
أبقاكم الله بقاء جميلاً يعاقد لواء الفخر، ويعلي منار الفضل، ويرفع عماد المجد، ويوضح معالم السؤدد، ويرسل أشعة السعادة، ويفيض أنوار الهداية، ويطلق ألسنة المحامد، وينشر أفق المعارف، ويعذب موارد العناية ويمتع بعمر النهاية ولا نهاية.
بأي التحيات أفاتحك وقدرك أعلى، ومطلع فضلك أوضح وأجلى، إن قلت تحية كسرى في السناء وتبع فأثر لا يقتفر ولا يتبع، تلك تحية عجماء لا تبين ولا تبين، وزمزمة نافرها اللسان العربي المبين، وهذه جهالة جهلاء، لا ينطبق على
стр. 189
حروفها الاستعلاء، قد محا رسومها الجفاء، وعلى آثار دمنتها العفاء، وإن كانت التحيتان طالما أوجف بهما الركاب وقعقع البريد، ولكن أين يقعان مما أريد.
تحية الإسلام أصل شي الفخر نسبا، وأوصل بالشرع سببا، فالأولى أن أحييك بما حيا الله في كتابه رسله وأنباءه، وحيت به ملائكته في جواره أولياءه فأقول:
سلام عليكم يرسل من رحمات الله غماماً، ويفتق من الطروس عن أزهار المحامد كماماً، ويستصحب من البركات ما يكون على الذي أحسن من ذلك تماماً، وأجدد
السؤال عن الحال الحالية بالعلم والدين، المستمدة من أنوارها سرج المهتدين. زادها الله صلاحاً، وعرفها نجاحاً يتبع فلاحاً، وأقرر ما عندي من تعظيم أرتقي كل آونة شرفه، واعتقاد جميل يرفع عن وجه البدر كلفه، وثناء انشر بيد الترك صحافه، وعلى ذلك أيها السيد المالك، فقد تشعبت علي في مخاطبتك المسالك، إن أخذت في تقرير فخرك العميم، وحسبك الصميم، فو الله ما أدري بأي ثنية للفخر يرفع العلم، وفي أي بحر من ثنائك يسبح القلم، الأمر جلل، والشمس تكبر عن حلي وعن حلل، وإن أخذت في شكاة الفراق، والاستعداء على الأشواق، اتسع المجال، وحصرت الروية والارتجال، فالأولى أن أترك عذبة اللسان تلعب بها رياح الأشواق، وأسلة اليراع تخضب مفارق الطروس بنجيع الحبر المراق، وغيرك من تركض في مخاطبته جياد اليراع، في مجال الرقاع، مستولية على أمد الإبداع والاختراع، إنما هو بث يبكى، وفراق يشكى، فيعلم الله حرصي على أن أشافه عن أنبائك ثغور البروق البواسم، وأن أحملك الرسائل حتى مع سفراء النواسم، وأن أجتلي غرر ذلك الجبين في محيا الشارق، ولمح البارق.
ولقد وجهت لك جملة من الكتب والقصائد، ولا كالقصيدة الفريدة في تأبين الجواهر التي استأثر بهن البحر، قدس الله أرواحهم، وأعظم أجرك فيهم، فإنها أنافت على مائة وخمسين بيتاً، ولا أدري هل بلغكم ذلك أم غاله الضياع، وغدر وصوله بعد
стр. 190
المسافة، والذي يطرق لي سوء الظن بذلك، ما صدر في مقابله منكم. فإني على علم من كرم قصدكم، وحسن عهدكم.
ومن حين استقل نيركم بذلك بالأفق الشرقي، لم يصلني منكم كتاب، مع علمي بضياع اثنين منها بهذا الأفق الغربي. انتهى.
وفي الكتاب إشارة إلى أنه بعث قصيدة في مدح الملك الظاهر صاحب مصر، ويطلب مني رفعها إلى السلطان، وعرضها عليه بحسب الإمكان، وهي على روي
الهمزة، ومطلعها:
أمدامع منهلة أم لؤلؤ ... لما استهل العارض المتلألئ
وبعثها في طي الكتاب، واعتذر بأنه استناب في نسخها، فكتبت همزة رويها ألفاً، قال وحقها أن تكتب بالواو، لأنها تبدل بالواو، وتسهل بين الهمزة والواو، وحرف الإطلاق أيضا يسوقها واواً. هذا مقتضى الصناعة، وإن قال بعض الشيوخ تكتب ألفاً على كل حال، على لغة من لا يسهل، لكنه ليس بشيء.
وأذن لي في نسخ القصيدة المذكورة بالخط المشرقي لتسهل قراءتها عليهم ففعلت ذلك، ورفعت النسخة والأصل للسلطان، وقرأها كاتب سره عليه، ولم يرجع إلي منهما شيء، ولم أستجز أن أنسخها قبل رفعها إلى السلطان، فضاعت من يدي.
وكان في الكتاب فصل عرفني فيه بشأن الوزير مسعود بن رحو المستبد بأمر المغرب لذلك العهد، وما جاء به من الانتقاض عليهم، والكفران لصنيعهم، يقول فيه: كان مسعود بن رحو الذي أقام بالأندلس عشرين عاماً يتبنك النعيم، ويقود الدنيا، ويتخير العيش والجاه، قد أجيز صحبة ولد أبي عنان، كما تعرفتم من نسخة كتاب أنشأته بجبل الفتح لأهل الحضرة، فاستولى على المملكة، وحصل على الدنيا، وانفرد برياسة دار المغرب، لضعف السلطان ﵀، ولم يكن إلا أن كفرت الحقوق، وحنظلت نخلته السحوق، وشف على سواد جلدته العقوق،
стр. 191
وداخل من بسبتة، فانتقضت طاعة أهلها، وظنوا أن القصبة لا تثبت لهم، وكان قائدها الشيخ البهمة، فل الحصار وحلي القتال، ومحش الحرب، أبو زكرياء بن شعيب، فثبت للصدمة، ونور للأندلس فبادره المدد من الجبل، ومن مالقة. وتوالت الأمداد، وخاف أهل البلد، وراجع شرفاؤه، ودخلوا القصبة. واستغاث أهل البلد بمن جاورهم وجاءهم المدد أيضاً. دخل الصالحون في رغبة هذا المقام، ورفع القتال. وفي أثناء ذلك غدروا ثانية، فاستدعى الحال إجازة السلطان المخلوع أبي العباس
لتبادر القصبة به، ويتوجه منها إلى المغرب، لرغبة بني مرين وغيرهم فيه، وهو ولد السلطان المرحوم أبي سالم الذي قلدكم رياسة داره، وأوجب لكم المزية على أوليائه وأنصاره انتهى.
وبعده فصل آخر يطلب فيه كتباً من مصر يقول فيه:
والمرغوب من سيدي أن يبعث لي ما أمكن من كلام فضلاء الوقت وأشياخهم على الفاتحة، إذ لا يمكن بعث تفسير كامل، لأني أثبت في تفسيرها ما أرجو النفع به عند الله. وقد أعلمتكم أن عندي التفسير أوصله إلى المغرب عثمان التجاني من تأليف الطيبي، والسفر الأول من تفسير أبي حيان، وملخص إعرابه، وكتاب
стр. 192
المغني لابن هشام وسمعت عن بدأة تفسير للإمام بهاء الدين بن عقيل، ووصلت إلي بدأة من كلام أكمل الدين الأثيري رضي الله عن جميعهم. ولكن لم يصل إلا للبسملة، وذكر أبو حيان في صدر تفسيره أن شيخه سليمان النقيب، أو أبو سليمان. لا أدري الآن، صنف كتاباً في البيان في سفرين، جعله مقدمة في كتاب تفسيرة الكبير، فإن أمكن سيدي توجيهه. انتهى.
وفي الكتاب فصول أخرى في أغراض متعددة لا حاجة إلى ذكرها هنا. ثم ختم الكتاب بالسلام، وكتب اسمه: محمد بن يوسف بن زمرك الصريحي، وتاريخه العشرون من محرم تسع وثمانين.
وكتب إلي قاضي الجماعة بغرناطة، أبو الحسن علي بن الحسن البني:
стр. 193
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد رسول الله.
يا سيدي وواحدي وداً وحباً، ونجي الروح بعداً وقرباً. أبقاكم الله، وثوب سيادتكم سابغ، وقمر سعادتكم - كلما أفلت الأقمار - بازغ، أسلم بأتم السلام عليكم، وأقرر بعض ما لدي من الأشواق إليكم، من حضرة غرناطة - مهدها الله -، عن ذكر لكم يتضوع طيبه، وشكر لا يذوي - وإن طال الزمان - رطيبه، وقد كان بلغ ما
جرى من تأخيركم عن الولاية التي تقلدتم أمرها، وتحملتم مرها، فتمثلت بما قاله شيخنا أبو الحسن ابن الجياب، عند انفصال صاحبه الشريف أبي القاسم عن خطة القضاء:
لا مرحباً بالناشز الفارك ... إذ جهلت رفعة مقدارك
لو أنها قد أوتيت رشدها ... ما برحت تعشو إلى نارك
ثم تعرفت كيفية انفصالكم، وأنه كان عن رغبة من السلطان المؤيد هنالكم، فرددت - وقد توهمت مشاهدتكم - هذه الأبيات:
لك الله يا بدر السماحة والبشر ... لقد حزت في الأحكام منزلة الفخر
ولكنك استعفيت عنها تورعاً ... وتلك سبيل الصالحين كما تدري
جريت على نهج السلامة في الذي ... تخيرته أبشر بأمنك في الحشر
وحقق بأن العلم ولاك خطة ... من العز لا تنفك عنها مدى العمر
تزيد على مر الجديدين جدة ... وتسري النجوم الزاهرات ولا تسري
ومن لاحظ الأحوال وازن بينها ... ولم ير للدنيا الدنية من خطر
وأمسى لأنواع الولايات نابذاً ... فغير نكير أن تواجه بالنكر
فيهنيك يهنيك الذي أنت أهله ... من الزهد فيها والتوقي من الوزر
стр. 194
ولا تكترث من حاسديك فإنهم ... حصى والحصى لا يرتقي مرتقى البدر
ومن عامل الأقوام بالله مخلصاً ... له منهم نال الجزيل من الأجر
بقيت لربع الفضل تحمي ذماره ... وخار لك الرحمن في كل ما تجري
إيه سيدي رضي الله عنكم وأرضاكم، وأطنبتم في كتابكم في الثناء على السلطان الذي أنعم بالإبقاء، والمساعدة على الانفصال عن خطة القضاء، واستوهبتم الدعاء له ممن هنا من الأولياء، ولله دركم في التنبيه على الإرشاد إلى ذلكم، فالدعاء له من الواجب، إذ فيه استقامة الأمور، وصلاح الخاصة والجمهور، وعند ذلك
ارتفعت أصوات العلماء والصلحاء بهذا القطر له ولكم بجميل الدعاء. أجاب الله فيكم أحسنه وأجمله، وبلغ كل واحد منكم ما قصده وأمله. وأنتم أيضاً من أنتم من أهل العلم والجلالة، والفضل والأصالة، وقد بلغتم بهذه البلاد الغاية من التنويه، والحظ الشريف النبيه، لكن أراد الله سبحانه أن يكون لمحاسنكم في تلك البلاد المعظمة ظهور، وتحدث بعد الأمور أمور، وبكل اعتبار، فالزمان بكم - حيث كنتممباه، والمحامد مجموعة لكم جمع تناه. ولما وقف على مكتوبكم إلي مولانا السلطان أبو عبد الله، أطال الثناء على مقاصدكم، وتحقق صحيح ودادكم، وجميل اعتقادكم، وعمر مجلسه يومئذ بالثناء عليكم، والشكر لما لديكم.
ثم ختم الكتاب بالسلام من كاتبه علي بن عبد الله بن الحسن مؤرخاً بصفر تسعين. وفي طيه مدرجة بخطه، وقد قصر فيها عن الإجادة نصها:
سيدي رضي الله عنكم وأرضاكم، وأظفر يمناكم بنوائب مناكم.
أعتذر لكم عن الكتاب المدرج هذا طيه بغير خطي، فإني في الوقت بحال مرض من عيني، ولكم العافية الواقية، فيسعني سمحكم، وربما أن لديكم تشوقاً لما نزل في هذه المدة بالمغرب من الهرج حاطه الله، وأمن جميع بلاد المسلمين.
والموجب أن الحصة الموجهة لتلك البلاد في خدمة أميرهم الواثق، ظهر له ولوزيره ومن ساعده على رأيه إمساكها رهينة، وجعلهم في القيود إلى أن يقع الخروج لهم عن مدينة سبتة. وكان القائد على هذه الحصة العلج المسمى مهند، وصاحبه الفتى المدعو نصر الله. وكثر التردد في القضية، إلى أن أبرز القدر توجيه السلطان أبي العباس - تولاه الله - صحبة فرج بن رضوان بحصة ثانية، وكان ما كان، حسبما تلقيتم من الركبان، هذا ما وسع الوقت من الكلام. ثم دعا، وختم.
стр. 195
وإنما كتبت هذه الأخبار وإن كانت خارجة عن غرض هذا التعريف بالمؤلف، لأن
فيها تحقيقاً لهذه الواقعات، وهي مذكورة في أماكنها من الكتاب، فربما يحتاج الناظر إلى تحقيقها من هذا الموضع.
وبعد قضاء الفريضة، رجعت إلى القاهرة محفوفاً بستر الله ولطفه ولقيت السلطان، فتلقاني - أيده الله - بمعهود مبرته وعنايته. وكانت فتنة الناصري بعدها سنة إحدى وتسعين. ولحقت السلطان النكبة التي محصه الله فيها وأقاله، وجعل إلى الخير فيها عاقبته ومآله، ثم أعاده إلى كرسيه للنظر في مصالح عباده، فطوقه القلادة التي ألبسه كما كانت، فأعاد لي ما كان أجراه من نعمته، ولزمت كسر البيت ممتعاً بالعافية، لابساً برد العزلة، عاكفاً على قراءة العلم وتدريسه، لهذا العهد فاتح سبع وتسعين.
ولاية الدروس والخوانق
أهل هذه الدولة التركية بمصر والشام معنيون - على القدم منذ عهد مواليهم ملوك بني أيوب - بإنشاء المدارس لتدريس العلم، والخوانق لإقامة رسوم الفقراء في التخلق بآداب الصوفية السنية في مطارحة الأذكار، ونوافل الصلوات. أخذوا ذلك عمن قبلهم من الدوال الخلافية، فيختطون مبانيها ويقفون الأراضي المغلة للإنفاق منها على طلبة العلم، ومتدربي الفقراء. وإن استفضل الريع شيئاً عن ذلك، جعلوه في أعقابهم خوفاً على الذرية الضعاف من العيلة. واقتدى بسنتهم في ذلك من تحت أيديهم من أهل الرياسة والثروة، فكثرت لذلك المدارس والخوانق بمدينة القاهرة، وأصبحت معاشاً للفقراء من الفقهاء والصوفية، وكان ذلك من محاسن هذه الدولة التركية، وآثارها الجميلة الخالدة.
وكنت لأول قدومي على القاهرة، وحصولي في كفالة السلطان، شغرت مدرسة بمصر من إنشاء صلاح الدين بن أيوب، وقفها على المالكية يتدارسون بها الفقه، ووقف عليها أراضي من الفيوم تغل القمح، فسميت لذلك القمحية، كما وقف
أخرى
стр. 196
على الشافعية هنالك، وتوفي مدرسها حينئذ، فولاني السلطان تدريسها، وأعقبه بولاية قضاء المالكية سنة ست وثمانين، كما ذكرت ذلك من قبل، وحضرني يوم جلوسي للتدريس فيها جماعة من أكابر الأمراء تنويها بذكري، وعناية من السلطان ومنهم بجانبي، وخطبت يوم جلوسي في ذلك الحفل بخطبة ألممت فيها بذكر القوم بما يناسبهم، ويوفي حقهم ووصفت المقام، وكان نصها:
الحمد لله الذي بدأ بالنعم قبل سؤالها، ووفق من هداه للشكر على منالها، وجعل جزاء المحسنين في محبته، ففازوا بعظيم نوالها. وعلم الإنسان الأسماء والبيان، وما لم يعلم من أمثالها، وميره بالعقل الذي فضله على أصناف الموجودات وأجيالها، وهداه لقبول أمانة التكليف، وحمل أثقالها. وخلق الجن والإنس للعبادة، ففاز منهم بالسعادة من جد في امتثالها، ويسر كلاً لما خلق له، من هداية نفسه أو إضلالها، وفرغ ربك من كل خلقها وخلقها وأرزاقها وآجالها. والصلاة على سيدنا ومولانا محمد نكتة الأكوان وجمالها، والحجة البالغة لله علي كمالها، الذي رقاه في أطوار الاصطفاء، وآدم بين الطين والماء، فجاء خاتم أنبيائها وأرسالها، ونسخ الملل بشريعته البيضاء فتميز حرامها من حلالها، ورضي لنا الإسلام ديناً، فأتم علينا النعمة بإكمالها.
والرضى عن آله وأصحابه غيوث رحمته المنسجمة وطلالها، وليوث ملاحمه المشتهرة وأبطالها. وخير أمة أخرجت للناس، في توسطها واعتدالها، وظهور الهداية والاستقامة في أحوالها، صفى الله عليه وعليهم صلاة تتصل الخيرات
стр. 197
باتصالها، وتنال البركات من خلالها.
أما بعد فإن الله سبحانه لما أقر هذه الملة الإسلامية في نصابها، وشفاها من أدوائها وأوصابها، وأورث الأرض عباده الصالحين من أيدي غصابها، بعد أن باهلت فارس بتاجها، وعصابها، وخلت الروم إلى تماثيلها وأنصابها، وجعل لها
من العلماء حفطة وقواماً، ونجوماً يهتدي بها التابع وأعلاماً، يقربونها للدراية تبياناً وإفهاماً، ويوسعونها بالتدوين ترتيباً وإحكاماً، وتهذيباً لأصولها وفروعها ونظاماً. ثم اختار لها الملوك يرفعون عمدها، ويقيمون صغاها بإقامة السياسة وأودها، ويدفعون بعزائمهم الماضية في صدر من أرادها بكياد أو قصدها، فكان لها بالعلماء الظهور والانتشار، والذكر السيار، والبركات المخلدة والآثار، ولها بالملوك العز والفخار، والصولة التي يلين لها الجبار، ويذل لعزة المؤمنين بها الكفار، وتجلل وجوه الشرك معها الصغار، ولم تزل الأجيال تتداول على ذلك والأعصار، والدول تحتفل والأمصار، والليل يختلف والنهار، حتى أظلت الإسلام دول هذه العصابة المنصورة من الترك، الماحين بأنوار أسنتهم ظلم الضلالة والشك، القاطعين بنصالهم المرهفة علائق المين والإفك، المصيبين بسهامهم النافذة ثغر الجهالة والشرك، المظهرين سر قوله: لا تزال طائفة من أمتي فيما يتناولونه من الأخذ والترك، ففسحوا خطة الإسلام، وقاموا بالدعوة الخلافية أحسن القيام، وبثوها في أقصى التخوم من الحجاز والشام، واعتمدوا في خدمة الحرمين الشريفين ما فضلوا به ملوك الأنام. واقتعدوا كرسي مصر الذي ألقت له الأقاليم يد الاستسلام، على قدم الأيام، فزخر بها منذ دولتهم بحر العمران، وتجاوبت فيها المدارس بترجيع المثاني والقرآن، وغمرت المساجد بالصلوات والأذان، تكاثر عدد الحصى والشهبان. وقامت المآذن على قدم الاستغفار والسبحان معلنة بشهار الإيمان، وازدان جوها بالقصر والإيوان فالإيوان. ونظم دستها بالعزيز، والظاهر، والأمير، والسلطان. فما شئت من ملك يخفق العز في
стр. 198
أعلامه، وتتوقد في ليل المواكب نيران الكواكب من أسنته وسهامه، ومن أسرة للعلماء نتناول العلم بوعد الصادق ولو تعلق بأعنان السماء، وتنير سراجه في جوانب الشبه المدلهمة الظلماء، ومن قضاة يباهون بالعلم والسؤدد عند الانتماء، ويشتملون الفضائل
والمناقب اشتمال الصماء، ويفصلون الخصومات برأي يفرق بين اللبن والماء.
ولا كدولة السلطان الظاهر، والعزيز القاهر، يعسوب العصائب والجماهر، ومطلع أنواع العز الباهر، ومصرف الكتائب تزري بالبحر الزاخر، وتقوم بالحجة للقسي على الأهلة في المفاخر، سيف الله المنتضى على العدو الكافر، ورحمته المتكفلة للعباد باللطف الساتر، رب التيجان والأسرة والمنابر، والأواوين العالية والقصور الأزاهر، والملك المؤيد بالبيض البواتر، والرماح الشواجر، والأقلام المرتضعة أحلاف العز في مهود المحابر، والفيض الرباني الذي فاق قدرة القادر، وسبقت به العناية للأواخر. سيد الملوك والسلاطين، كافل أمير المؤمنين، أبو سعيد أمده الله بالنصر المصاحب، والسعد المؤازر، وعرفه آثار عنايته في الموارد والمصادر، وأراه حسن العاقبة في الأولى وسرور المنقلب في الآخرة فإنه لما تناول الأمر بعزائمه وعزمه، وآوى الملك إلى كنفه العزيز وحزمه، أصاب شاكلة الرأي عندما سدد من سهمه، وأوقع الرعايا في ظل من أمنه، وعدل من حكمه، وقسم البأس والجود بين حربه وسلمه، ثم أقام دولته بالأمراء الذين اختارهم باختيار الله لأركانها، وشد بهم أزره في رفع القواعد من بنيانها، من بين مصرف لعنانها، متقدم القدم على أعيانها، في بساط إيوانها، ورب مشورة تضيء جوانب الملك بلمعانها، ولا يذهب الصواب عن مكانها، ومنفذ أحكام يشرق الحق في بيانها، ويضوع العدل من أردانها ونجي خلوة في المهم الأعظم من شأنها، وصاحب قلم يفضي بالأسرار إلى الأسل الجرار، فيشفي الغليل بإعلانها. حفظ الله جميعهم وشمل بالسعادة والخيرات المبدأة
стр. 199
المعادة تابعهم ومتبوعهم.
ولما سبحت في اللج الأزرق، وخطوت من أفق المغرب إلى أفق المشرق، حيث نهر النهار ينصب من صفحه المشرق، وشجرة الملك التي اعتز بها الإسلام تهتز في دوحه المعرق، وأزهار الفنون تسقط علينا من غصنه المورق، وينابيع العلوم
والفضائل تمد وشلنا من فراته المغدق، أولوني عناية وتشريفاً، وغمروني إحساناً ومعروفاً، وأوسعوا بهمتي إيضاحاً، ونكرتي تعريفاً، ثم أهلوني للقيام بوظيفة السادة المالكية بهذا الوقف الشريف، من حسنات السلطان صلاح الدين أيوب ملك الجلاد والجهاد، وماحي آثار التثليث والرفض الخبيث من البلاد، ومطهر القدس الشريف من رجس الكفر بعد أن كانت النواقيس والصلبان فيه بمكان العقود من الأجياد. وصاحب الأعمال المتقبلة يسعى نورها بين يديه في يوم التناد، فأقامني السلطان - أيده الله - لتدريس العلم بهذا المكان، لا تقدما على الأعيان، ولا رغبة عن الفضلاء من أهل الشان، وإني موقن بالقصور، بين أهل العصور، معترف بالعجز عن المضاء في هذا القضاء، وأنا أرغب من أهل اليد البيضاء والمعارف المتسعة الفضاء، أن يلمحوا بعين الارتضاء، ويتغمدوا بالصفح والاغضاء، والبضاعة بينهم مزجاة، والاعتراف من اللوم - إن شاء الله - منجاة، والحسنى من الإخوان مرتجاة. والله تعالى يرفع لمولانا السلطان في مدارج القبول أعماله، ويبلغه في الدارين آماله، ويجعل للحسنى والمقر الأسنى، منقلبه ومآله، ويديم على السادة الأمراء نعمته، ويحفظ على المسلمين بانتظام الشمل دولتهم ودولته، ويمد قضاة المسلمين وحكامهم بالعون والتسديد، ويمتعنا بانفساح آجالهم إلى الأمد البعيد، ويشمل الحاضرين برضوانه في هذا اليوم السعيد، بمنه وكرمه.
وانفض ذلك المجلس، وقد شيعتني العيون بالتجلة والوقار، وتناجت النفوس بالأهلية للمناصب، وأقمت على الاشتعال بالعلم وتدريسه إلى أن سخط السلطان قاضي المالكية يومئذ في نزعة من النزعات الملوكية، فعزله، واستدعاني للولاية في مجلسه، وبين أمرائه، فتفاديت من ذلك، وأبى إلا إمضاءه. وخلع علي، وبعث معي
стр. 200
من أجلسني بمقعد الحكيم في المدرسة الصالحية في رجب ست وثمانين، فقمت في ذلك المقام المحمود، ووفيت عهد الله في إقامة رسوم الحق، وتحري
المعدلة، حتى سخطني من لم ترضه أحكام الله، ووقع من شغب أهل الباطل والمراء ما تقدم ذكره.
وكنت عند وصولي إلى مصر بعثت عن ولدي من تونس، فمنعهم سلطان تونس من اللحاق بي اغتباطاً بمكاني، فرغبت من السلطان أن يشفع عنده في شأنهم، فأجاب، وكتب إليه بالشفاعة، فركبوا البحر من تونس في السفين، فما هو إلا أن وصلوا إلى مرسى الإسكندرية، فعصفت بهم الرياح وغرق المركب بمن فيه، وما فيه، وذهب الموجود والمولود، فعظم الأسف، واختلط الفكر، وأعفاني السلطان من هذه الوظيفة وأراحني، وفرغت لشأني من الاشتغال بالعلم تدريساً وتأليفاً.
ثم فرغ السلطان من اختطاط مدرسته بين القصرين، وجعل فيها مدافن أهله، وعين لي فيها تدريس المالكية، فأنشأت خطبة أقوم بها في يوم مفتتح التدريس على عادتهم في ذلك ونصها:
الحمد لله الذي من على عباده، بنعمة خلقه وإيجاده، وصرفهم في أطوار استعباده بين قدره ومراده، وعرفهم أسرار توحيده، في مظاهر وجوده، وآثار لطفه في وقائع عباده، وعرضهم على أمانة التكاليف ليبلوهم بصادق وعده وإبعاده، ويسر كلاً لما خلق له، من هدايته أو إضلاله، وغيه أو رشاده، واستخلف الإنسان في الأرض بعد أن هداه النجدين لصلاحه أو فساده، وعلمه ما لم يكن يعلم، من مدارك سمعه وبصره والبيان عما في فؤاده، وجعل منهم أنبياء وملوكاً يجاهدون في الله حق جهاده، ويثابرون على مرضاته في اعتمال العدل واعتماده، ورفع البيوت المقدسة بسبحات الذكر وأوراده.
стр. 201
والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد سيد البشر من نسل آدم وأولاده، لا. بل سيد الثقلين في العالم من إنسه وجنه وأرواحه وأجساده، لا. بل سيد الملائكة والنبيئين، الذي ختم الله كمالهم بكماله وآمادهم بآماده، الذي شرف به الأكوان
فأضاءت أرجاء العالم لنور ولاده، وفصل له الذكر الحكيم تفصيلاً، كذلك ليثبت من فؤاده وألقى على قلبه الروح الأمين بتنزيل رب العالمين، ليكون من المنذرين لعباده، فدعا إلى الله على بصيرة بصادق جداله وجلاده وأنزل عليه النصر العزيز، وكانت ملائكة السماء من إمداده، حتى ظهر نور الله على رغم من رغم. بإطفائه وإخماده، وكمل الدين الحنيف فلا تخشى والحمد لله غائلة انقطاعه ولا نفاده، ثم أعد له من الكرامات ما أعد في معاده، وفضله بالمقام المحمود في عرصات القيامة بين أشهاده، وجعل له الشفاعة فيمن انتظم في أمته، واعتصم بمقاده.
والرضى عن آله وأصحابه، غيوص رحمته، وليوث إنجاده، من ذوي رحمه الطاهرة وأهل وداده المتزودين بالتقوى من خير أزواده، والمراغمين بسيوفهم من جاهر بمكابرة الحق وعناده، وأراد في الدين بظلمه وإلحاده، حتى استقام الميسم في دين الله وبلاده، وانتظمت دعوة الإسلام أقطار العالم، وشعوب الأنام، من عربه وعجمه وفارسه ورومه وتركه وأكراده. صلى الله عليه وعليهم صلاة تؤذن باتصال الخير واعتياده، وتؤهل لاقتناء الثواب وزياده، وسلم كثيراً، وعن الأئمة الأربعة، علماء السنة المتبعة، والفئة المجتباة المصطنعة، وعن إمامنا من بينهم الذي حمل الشريعة وبينها، وحرر مقاصدها الشريفة وعينها، وتعرض في الآفاق منها والمطالع، بين شهبها
стр. 202
اللوامع، فزينها. نكتة الهداية إذا حقق مناطها، وشرط التحصيل والدراية إذا روعيت أشراطها، وقصد الركاب إذا ضربت في طلب العلم آباطها، عالم المدينة وإمام هذه الأمة الأمينة، ومقبس أنوار النبوة من مشكاتها المبينة، الإمام مالك بن أنس. ألحقه الله برضوانه، وعرفنا بركة الاقتداء بهدية وعرفانه، وعن سلف المؤمنين والمهتدين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد فإن الخلق عيال الله يكنفهم بلطفه ورحمته، ويكفلهم بفضله ونعمته،
وييسرهم لأسباب السعادة بآداب دينه وشرعته، ويحملهم في العناية بأمورهم، والرعاية لجمهورهم، على مناهج سنته ولطائف حكمته. ولذلك اختار لهم الملوك الذين جبلهم على العدل وفطرته، وهداهم إلى التمسك بكلمته. ثم فضلهم بما خولهم من سعة الرزق وبسطته واشتقاق التمكين في الأرض من قدرته، فتسابقوا بالخيرات إلى جزائه ومثوبته، وذهبوا بالدرجات العلى في وفور الأجر ومزيته.
وإن مولانا السلطان الملك الظاهر، العزيز القاهر، العادل الطاهر، القائم بأمور الإسلام عندما أعيا حملها الأكتاد، وقطب دائرة الملك الذي أطلع الله من حاشيته الأبدال وأنبت الأوتاد، ومنفق أسواق العز بما بذل فيها من جميل نظره المدخور والعتاد، رحمة الله الكافلة للخلق، ويداه المبسوطتان بالأجل والرزق، وظله الواقي للعباد بما اكتنفهم من العدل والحق، قاصم الجبابرة، والمعفي على آثار الأعاظم من القياصرة، وذوي التيجان من التبابعة والأكاسرة، أولي الأقيال والأساورة، وحائز قصب السبق في الملوك عند المناضلة والمفاخرة، ومفوض الأمور بإخلاصه إلى ولي الدنيا والآخرة، مؤيد كلمة الموحدين، ورافع دعائم الدين، وظهير خلافة المؤمنين،
стр. 203
سلطان المسلمين أبو سعيد. صدق الله فيما يقتفي من الله ظنونه، وجعل النصر ظهيره، كما جعل السعد قرينه، والعز خدينه، وكان وليه على القيام بأمور المسلمين ومعينه، وبلغ الأمة في اتصال أيامه، ودوام سلطانه، ما يرجونه من الله ويؤملونه. لما قلده الله هذا الأمر الذي استوى له على كرسي الملك، وانتظمت عقود الدول في لبات الأيام، وكانت دولته واسطة السلك وجمع له الدين بولاية الحرمين، والدنيا بسلطان الترك. وأجرى له أنهار مصر من الماء والمال، فكان مجازه فيها بالعدل في الأخذ والترك. وجمع عليه قلوب العباد. فشهد سرها بمحبه الله له شهادة خالصة من الريب، بريئة من الشك. حتى استولى من العز والملك على المقام الذي رضيه وحمده. ثم تاقت نفسه إلى ما عند الله،
فصرف قصده إليه واعتمده، وسارع إلى فعل الخيرات بنفس مطمئنة، لا يسأل عليها أجراً ولا يكدرها بالمنة، وأحسن رعاية الدين والملك تشهد بها الإنس والجنة، لا، بل النسم والأجنة. ثم آوى الخلق إلى عدله تصديقاً بأن الله يؤوه يوم القيامة إلى ظلاله المستجنة، ونافس في اتخاذ المدارس والربط لتعليم الكتاب والسنة، وبناء المساجد المقدسة يبني له بها الله البيوت في الجنة، والله لا يضيع عمل عامل فيما أظهره أو أكنه.
وإن ما أنتجته قرائح همته وعنايته، وأطلعته آفاق عدله وهدايته، ووضحت شواهده على بعد مداه في الفخر وغايته، ونجح مقاصده في الدين وسعايته، هذا المصنع الشريف، والهيكل السامي المنيف، الذي راق الكواكب حسنه وظرفه، وأعجز الهمم البشرية ترتيبه ورصفه، لا! بل الكلم السحرية تمثيله ووصفه وشمخ بمطاولة السحب ومناولة الشهب مارنه العزيز وأنفه، وازدهى بلبوس السعادة والقبول من الله عطفه، إن فاخر بلاط الوليد، كان له الفخار، أو باهى القصر والإيوان، شهد له المحراب والمنار، أو ناظر صنعاء وغمدان، قامت بحجته الآثار. إنما هو بهو ملؤه دين وإسلام، وقصر عليه تحية وسلام، وفضاء رباني ينشأ في جوه للرحمة
стр. 204
والسكينة ظلة وغمام، وكوكب شرق يضاحك وجه الشمس منه ثغر بسام، دفع إلى تشييد أركانه، ورفع القواعد من بنيانه، سيف دولته الذي أستله من قراب ملكه وانتضاه، وسهمه الذي عجم عيدان كنانته فارتضاه، وحسام أمره الذي صقل فرنده بالعز والعزم وأمضاه، فارتضاه وحسام أمره الذي طالب غريم الأيام، بالأمل العزيز المرام، فاستوفى دينه واقتضاه، الأمير الأعز الأعلى جهركس الخليلي أمير الماخورية باسطبله المنيع. حرسه الله من خطوب الأيام، وقسم له من عناية السلطان أوفر الحظوظ والسهام، فقام بالخطو الوساع، لأمره المطاع، وأغرى بها أيدي الاتقان والابداع. واختصها من أصناف الفعلة بالماهر
الصناع، يتناظرون في إجاده الأشكال منها والأوضاع، ويتناولون الأعمال بالهندام إذا توارت عن قدرتهم بالامتناع، فكان العبقري، يفري الفري، أو العفاريت، قدمت من أماريت. وكأنما حشرت الجن والشياطين، أو نشرت القهارمة من الحكماء الأول والأساطين، جابوا لها الصخر بالأذواد لا بالواد، واستنزلوا صم الأطواد على مطايا الأعواد، ورفعوا سمكها إلى أقصى الآماد، على بعيد المهوى من العماد. وغشوها من الوشي الأزهر، المصاعف الصدف والمرمر، ومائع اللجين الأبيض والذهب الأحمر، بكل مسهم الحواشي حالي الأبراد، وقدروه مساجد للصلوات والأذكار، ومقاعد للسبحات
стр. 205
بالعشي والإبكار، ومجالس للتلاوة والاستغفار، في الآصال والأسحار، وزوايا للتخلي عن ملاحظة الأسماع والأبصار، والتعرض للفتوح الربانية والأنوار، ومدارس لقدح زناد الأفكار، ونتاج المعارف الأبكار، وصوغ اللجين والنضار، في محك القرائح والأبصار. تتفجر ينابيع الحكمة في رياضه وبستانه، وتتفتح أبواب الجنة من غرفه وإيوانه، وتقتاد غر السوابق من العلوم والحقائق، في طلق ميدانه، ويصعد الكلم الطيب والعمل الصالح إلى الله من نواحي أركانه، وتوفر الأجور لغاشيته محتسبة عند الله في ديوانه، راجحة في ميزانه.
ثم أختار لها من أئمة المذاهب الأربعة أعياناً، ومن شيوخ الحقائق الصوفية فرساناً، تصفح لهم أهل مملكته إنساناً، وأشاد بقدرهم عناية وإحساناً، ودفعهم إلى وظائفه توسعاً في مذاهب الخير وافتناناً. وعهد إليهم برياضة المريدين، وإفادة المستفيدين، احتساباً لله وقرباناً، وتقيلا لمذاهب الملوك من قومه وإستناناً، ثم نظمني معهم تطولاً وامتناناً، ونعمة عظمت موقعاً وجلت شأناً، وأنا وإن كنت لقصور البضاعة، متأخراً عن الجماعة، ولقعود الهمة، عيالاً على هؤلاء الأئمة، فسمحهم يغطي ويلحق، وبمواهب العفو والتجاوز يمنح ويتحف. وإنما هي رحمة
من مولانا السلطان - أيده الله - خصت كما عمت، ووسمت أغفال النكرة والإهمال وسمت، وكملت بها مواهب عطفه وجبره وتمت، وقد ينتظم المر مع المرجان، وتلتبس العصائب بالتيجان، وتراض المسومة العراب على مسابقة الهجان، والكل في نظر مولانا السلطان وتصريفه، والأهلية بتأهيله والمعرفة بتعريفه، وقوام الحياة والآمال بلطائف إحسانه وصنوفه، والله يوزعنا شكر معروفه، ويوفقنا للوفاء بشرطه في هذا الوقف وتكليفه، ويحمي حماه من غير الدهر وصروفه، ويفيء على ممالك الإسلام ظلال أعلامه ورماحه وسيوفه، ويريه قرة العين في نفسه وبنيه، وحاشييه وذويه، وخاصته ولفيفه، بمن الله وفضله.
стр. 206
ثم تعاون العداة عند أمير الماخورية، القائم للسلطان بأمور مدرسته، وأغروه بصدي عنها، وقطع أسبابي من ولايتها، ولم يمكن السلطان إلا إسعافه فأعرضت عن ذلك، وشغلت بما أنا عليه من التدريس والتأليف.
ثم خرجت عام تسعة وثمانين للحج، واقتضيت إذن السلطان في ذلك فأسعف، وزود هو وأمراؤه بما أوسع الحال وأرغده، وركبت بحر السويس من الطور إلى الينبع، ثم صعدت مع المحمل إلى مكة، فقضيت الفرض عامئذ. وعدت في البحر، فنزلت بساحل القصير، ثم سافرت منه إلى مدينة قوص في آخر الصعيد، وركبت منها بحر النيل إلى مصر، ولقيت السلطان، وأخبرته بدعائي له في أماكن الإجابة، وأعادني إلى ما عهدت من كرامته، وتفيؤ ظله.
ثم شغرت وظيفة الحديث بمدرسة صلغتمش فولاني إياها بدلا من مدرسته وجلست للتدريس فيها في محرم أحد وتسعين، وقمت ذلك اليوم - على العادة - بخطبة نصها:
الحمد لله إجلالاً وإعظاماً، واعترافاً بحقوق النعم والتزاماً، واقتباساً للمزيد منها
واغتناماً، وشكراً على الذي أحسن وتماماً، وسع كل شيء رحمة وإنعاماً، وأقام على توحيده من أكوانه ووجوده آيات واضحة وأعلاماً، وصرف الكائنات في قبضة قدرته ظهوراً وخفاء وإيجاداً وإعدماً، وأعطى كل شيء خلقه ثم هداه إلى مصالحه إلهاماً، وأودع مقدور قضائه في مسطور كتابه، فلا يجد محيصاً عنه ولا مراماً.
والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد نبي الرحمة الهامية غماماً والملحمة التي أراقت من الكفر نجيعاً وحطمت أصناماً، والعروة الوثقى، فاز من اتخذها عصاماً أول النبيئين رتبة وآخرهم ختاماً، وسيدهم ليلة قاب قوسين إذ بات للملائكة والرسل إماماً، وعلى آله وأصحابه الذين كانوا ركناً لدعوته وسناماً
стр. 207
وحرباً على عدوه وسماماً، وصلوا في مظاهرته جداً واعتزاماً، وقطعوا في ذات الله وابتغاء مرضاته أنساباً وأرحاماً، حتى ملأوا الأرض إيماناً وإسلاماً، وأوسعوا الجاحد والمعاند تبكيتاً وإرغاماً فأصبح الدين بساماً ووجه الكفر والباطل عبوساً جهاماً. صلى الله عليه وعليهم ما عاقب ضياء ظلاماً، صلاة ترجح القبول ميزاناً، وتبوئ عند الله مقاماً.
والرضى عن الأئمة الأربعة، الهداة المتعة، مصابيج الأمان ومفاتيح السنة الذين أحسنوا بالعلم قياماً وكانوا للمتقين إماماً.
أما بعد فإن الله سبحانه تكفل لهذا الدين بالعلاء والظهور، والعز الخالد على الظهور، وانفساح خطته في آفاق المعمور، فلم يزل دولة عظيمة الآثار، غزيرة الأنصار، بعيدة الصيت عالية المقدار جامعة - بمحاسن آدابه وعزة جنابه - معاني الفخار، منفقة بضائع علومه في الأقطار، مفخرة ينابيعها كالبحار، مطلعة كواكبها المنيرة في الآفاق أضوأ من النهار، ولا كالدولة التي استأثرت بقبلة الإسلام ومنابره، وفاخرت بحرمات الله وشعائره واعتمدت بركة الإيمان ويمن
طائره، في خدمة الحرمين الشريفين بالمتين من أسباب الدين وأواصره، واعتملت في إقامة رسوم العلم ليكون من مفاخره، وشاهداً بالكمال لأوله وآخره.
وإن مولانا السلطان الملك الطاهر، العزيز القاهر، شرف الأوائل والأواخر، ورافع لواء المعالي والمفاخر، رب التيجان والأسرة والمنابر، والمجلي في ميدان السابقين من الملوك الأكابر، في الزمن الغابر، حامل الأمة بنظره الرشيد ورأيه الظافر، وكافل الرعايا في ظله المديد وعدله الوافر، ومطلع أنوار العز والسعادة من أفقه السافر، واسطة السلك من هذا النظام، والتاج المحلى في مفارق الدول والأيام، سيد الملوك والسلاطين، بركة الإسلام والمسلمين، كافل أمير المؤمنين، أبو سعيد. أعلى الله مقامه، وكافأ عن الأمة إحسانه الجزيل وإنعامه، وأطال في السعادة والخيرات
стр. 208
المبدأة المعادة لياليه وأيامه، لما أوسع الدين والملك نظراً جميلاً من عنايته، وأنام الخلق في حجر كفالته، ومهاد كفايته، وأيقظ لتفقد الأمور، وصلاح الخاصة والجمهور، عين كلاءته، كما قلده الله رعايته وأقام حكام الشريعة والسياسة يوسعون نطاق الحق إلى غايته، ويطلعون وجه العدل سافراً عن آيته. ونصب في دست النيابة من وثق بعدله وسياسته، ورضي الدين بحسن إيالته، وأمنه على سلطانه ودولته، وهو الوفي - والحمد لله - بأمانته، ثم صرف نظره إلى بيوت الله معنى بإنشائها وتأسيسها، ويعمل النظر الجميل في إشادتها وتقديسها، ويقرض الله القرض الحسن في وقفها وتحبيسها وينصب فيها لبث العلم من يؤهله لوظائفها ودروسها، فيضفي عليه بذلك من العناية أفخر لبوسها، حتى زهت الدولة بملكها ومصرها، وفاخرت الأنام بزمانها الزاهر وعصرها. وخضعت الأواوين لإيوانها العالي وقصرها، فابتهج العالم سروراً بمكانها، واهتزت الأكوان للمفاخرة بشأنها، وتكفل الرحمن، لمن اعتز به الإيمان، وصلح على يده الزمان، بوفور المثوبة ورجحانها.
وكان مما قد من به الآن تدريس الحديث بهذه المدرسة وقف الأمير صرغتمش من سلف أمراء الترك، خفف الله حسابه وثقل في الميزان - يوم يعرض على الرحمن - كتابه، وأعظم جزاءه في هذه الصدقة الجارية وثوابه، عناية جدد لي لباسها، وإيثاراً بالنعمة التي صححت قياسها، وعرفت منه أنواعها وأجناسها، فامتثلت المرسوم، وانطلقت أقيم الرسوم، وأشكر من الله وسلطانه الحظ المقسوم. وأنا مع هذا معترف بالقصور، بين أهل العصور، مستعيذ بالله وبركة هؤلاء الحضور، السادة الصدور، أن يجمح بي مركب الغرور، أو يلج شيطان الدعوى والزور، في شيء من الأمور. والله تعالى ينفع مولانا السلطان بصالح أعماله، ويعرفه الحسنى وزيادة الحظ الأسنى في عاقبته ومآله، ويريه في سلطانه وبنيه وحاشيته وذويه قرة عينه ورضى آماله، ويديم على السادة الأمراء ما خولهم من رضاه وإقباله، ويحفظ المسلمين في هذا الأمر السعيد بدوامه واتصاله، ويسدد قضاتهم وحكامهم لاعتماد الحق واعتماله بمن الله وإفضاله.
وقد رأيت أن أقرر للقراءة في هذا الدرس، كتاب الموطأ للإمام مالك بن أنس، ﵁، فإنه من أصول السنن، وأمهات الحديث، وهو مع ذلك أصل مذهبنا الذي عليه مدار مسائله، ومناط أحكامه، وإلى آثاره يرجع الكثير من فقهه.
стр. 209
فلنفتتح الكلام بالتعريف بمؤلفه ﵁ ومكانه من الأمانة والديانة، ومنزلة كتابه الموطأ من كتب الحديث. ثم نذكر الروايات والطرق التي وقعت في هذا الكتاب، وكيف اقتصر الناس منها على رواية يحيى بن يحيى، ونذكر أسانيدي فيها، ثم نرجع إلى الكلام على متن الكتاب.
أما الإمام مالك ﵁ فهو إمام دار الهجرة، وشيخ أهل الحجاز في الحديث والفقه غير منازع، والمقلد المتبوع لأهل الأمصار وخصوصاً أهل المغرب.
قال البخاري: مالك بن أنس بن أبي عامر الأصبحي. كنيته أبو عبد الله، حليف عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله القرشي التيمي ابن أخي طلحة بن عبيد الله. كان إماماً، روى عنه يحيى بن سعيد. انتهى كلام البخاري.
وجده أبو عامر بن الحرث بن عثمان ويقال: غيمان بغين معجمة مفتوحة، وياء تحتانية ساكنة، ابن جثيل بجيم مضمومة وثاء مثلثة مفتوحة، وياء تحتانية ساكنة، ويقال حثيل أو خثيل بحاء مضمومة مهملة أو معجمة، عوض الجيم، ويقال حسل بحاء مهملة مكسورة، وسين مهملة ساكنة، ابن عمرو بن الحرث، وهو ذو أصبح. وذو أصبح بطن من حمير، وهم إخوة يحصب، ونسبهم، فهو حميري صليبة، وقرشي حلفاً. ولد سنة إحدى وتسعين - فيما قال ابن بكير، وأربع وتسعين - فيما قال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، ونشأ بالمدينة، وتفقه بها.
стр. 210
أخذ عن ربيعة الرأي، وابن شهاب وعن عمه أبي سهيل، وعن جماعة ممن عاصرهم من التابعين وتابعي التابعين، وجلس للفتيا والحديث في مسجد رسول الله ﷺ شاباً يناهز العشرين، وأقام مفتياً بالمدينة ستين سنة. وأخذ عنه الجم الغفير من العلماء الأعلام، وارتحل إليه من الأمصار من لا يحصى كثرة، وأعظم من أخذ عنه الإمام محمد بن إدريس الشافعي، وابن وهب، والأوزاعي، وسفيان الثوري، وابن المبارك في أمثال لهم وأنظار. وتوفي سنة تسع وسبعين ومائة باتفاق من الناقلين لوفاته، وقال الواقدي: عاش مالك تسعين سنة، وقال سحنون
стр. 211
عن ابن نافع: توفي مالك ابن سبع وثمانين سنة، ولم يختلف أهل زمانه في أمانته، وإتقانه، وحفظه وتثبته وورعه، حتى لقد قال سفيان بن عيينة: كنا نرى في الحديث الوارد عن رسول الله ﷺ : تضرب أكباد الإبل في طلب العلم فلا يوجد عالم أعلم من عالم المدينة أنه مالك بن أنس.
وقال الشافعي: إذا جاء الأثر فمالك النجم، وقال: إذا جاءك الحديث عن مالك،
فشد به يديك؛ وقال أحمد بن حنبل: إذا ذكر الحديث فمالك أمير المؤمنين.
وقد ألف الناس فضائله كتباً، وشأنه مشهور.
وأما الذي بعثه على تصنيف الموطأ - فيما نقل أبو عمر بن عبد البر - فهو أن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، عمل كتاباً على مثال الموطأ، ذكر فيه ما اجتمع عليه أهل المدينة، ولم يذكر فيه شيئاً من الحديث، فأتي به مالك، ووقف عليه وأعجبه، وقال: ما أحسن ما عمل هذا، ولو كنت أنا الذي عملت لبدأت بالآثار، ثم شددت ذلك بالكلام. وقال غيره: حج أبو جعفر المنصور، ولقيه مالك بالمدينة، فأكرمه وفاوضه. وكان فيما فاوضه: يا أبا عبد الله لم يبق على وجه الأرض أعلم مني ومنك، وقد شغلتني الخلافة، فضع أنت للناس كتاباً ينتفعون به، تجنب فيه رخص ابن عباس وشدائد ابن عمر ووطئه للناس توطئة. قال مالك: فلقد علمني
стр. 212
التأليف، فكانت هذه وأمثالها من البواعث لمالك على تصنيف هذا الكتاب، فصنفه وسماه الموطأ أي المسهل. قال الجوهري وطؤ يوطؤ وطاءة، أي صار وطيئاً، ووطأته توطئة، ولا يقال وطيته. ولما شغل بتصنيفه أخذ الناس بالمدينة يومئذ في تصنيف موطآت، فقال لمالك أصحابه: نراك شغلت نفسك بأمر قد شركك فيه الناس، وأتي ببعضها فنظر فيه، ثم طرحه من يده وقال: ليعلمن أن هذا لا يرتفع منه إلا ما أريد به وجه الله، فكأنما ألقيت تلك الكتب في الآبار، وما سمع لشيء منها بعد ذلك ذكر، وأقبل مالك على تهذيب كتابه وتوطئته، فيقال إنه أكمله في أربعين سنة. وتلقت الأمة هذا الكتاب بالقبول في مشارق الأرض ومغاربها، ومن لدن صنف إلى هلم. وطال ثناء العلماء في كل عصر عليه، ولم يختلف في ذلك اثنان. قال الشافعي، وعبد الرحمن بن مهدي: ما في الأرض كتاب بعد كتاب الله أنفع، وفي رواية أصح، وفي رواية أكثر صواباً، من موطأ مالك. وقال يونس بن عبد الأعلى: ما رأيت كتاباً ألف في العلم أكثر
صواباً من موطأ مالك.
وأما الطرق والروايات التي وقعت في هذا الكتاب، فإنه كتبه عن مالك جماعة نسب الموطأ إليهم بتلك الرواية، وقيل موطأ فلان لرواية عنه فمنها موطأ الإمام
стр. 213
محمد بن إدريس الشافعي، ومنها موطأ عبد الله بن وهب، ومنها موطأ عبد الله بن مسلمة القعنبي، ومنها موطأ مطرف بن عبد الله اليساري نسبة إلى سليمان بن يسار، ومنها موطأ عبد الرحمن بن القاسم رواه عنه سحنون بن سعيد، ومنها موطأ يحيى بن يحيى الأندلسي. رحل إلى مالك بن أنس من الأندلس وأخذ عنه الفقه والحديث، ورجع بعلم كثير وحديث جم، وكان فيما أخذ عنه الموطأ، وأدخله الأندلس والمغرب، فأكب الناس عليه، واقتصروا على روايته دون ما سواها، وعولوا على نسقها وترتيبها في شرحهم لكتاب الموطأ وتفاسيرهم،
стр. 214
ويشيرون إلى الرويات الأخرى إذا عرضت في أمكنتها فهجرت الروايات الأخرى، وسائر تلك الطرق، ودرست تلك الموطآت إلا موطأ يحيى ابن يحيى، فبروايته أخذ الناس في هذا الكتاب لهذا العهد شرقاً وغرباً.
وأما سندي في هذا الكتاب المتصل بيحيى بن فعلى ما أصفه:
حدثني به جماعة من شيوخنا رحمة الله عليهم. منهم إمام المالكية، قاضي الجماعة بتونس وشيخ الفتيا بها، أبو عبد الله محمد بن عبد السلام بن يوسف الهواري، سمعته عليه بمنزله بتونس، من أوله إلى آخره. ومنهم شيخ المسندين بتونس، الرحالة أبو عبد الله محمد بن جابر ابن سلطان القيسي الوادي آشي، سمعت عليه بعضه، وأجازني بسائره. ومنهم شيخ المحدثين بالأندلس، وكبير القضاة بها، أبو البركات محمد بن محمد بن محمد - ثلاثة من المحدثين - بن إبراهيم بن الحاج البلفيقي، لقيته بفاس سنة ست وخمسين من هذه المائة الثامنة، مقدمه من السفارة بين ملك الأندلس وملك المغرب. وحضرت مجلسه بجامع القرويين من فاس،
فسمعت عليه بعضاً من هذا الكتاب، وأجازني بسائره. ثم لقيته لقاءة أخرى سنة اثنتين وستين، استقدمه ملك المغرب، السلطان أبو سالم ابن السلطان أبي الحسن للأخذ عنه، وكنت أنا القارئ فيما يأخذه عنه، فقرأت عليه صدراً من كتاب الموطأ، وأجازني بسائره إجازة أخرى.
ومنهم شيخ أهل المغرب لعصره في العلوم العقلية، ومفيد جماعتهم، أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الآبلي، قرأت عليه بعضه، وأجازني بسائره، قالوا
стр. 215
كلهم: حدثنا الشيخ المعمر، أبو محمد عبد الله بن محمد بن هارون الطائي، عن القاضي أبي القاسم أحمد بن يزيد بن بقي، عن الشيخ أبي عبد الله محمد بن عبد الحق الخزرجي.
وحدثني به أيضاً شيخنا أبو البركات، عن إمام المالكية ببجاية، ناصر الدين أبي علي، منصور بن أحمد بن عبد الحق المشدالي، عن الإمام شرف الدين محمد بن أبي الفضل المرسي، عن أبي الحسن علي بن موسى بن النقرات عن أبي الحسن علي بن أحمد الكناني. قال الخزرجي والكناني: حدثنا أبو عبد الله محمد بن فرج مولى ابن الطلاع، عن القاضي أبي الوليد يونس بن عبد الله بن مغيث بن
следующие страницы →