Полный текст (274 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
عن ابن نافع: توفي مالك ابن سبع وثمانين سنة، ولم يختلف أهل زمانه في أمانته، وإتقانه، وحفظه وتثبته وورعه، حتى لقد قال سفيان بن عيينة: كنا نرى في الحديث الوارد عن رسول الله ﷺ : تضرب أكباد الإبل في طلب العلم فلا يوجد عالم أعلم من عالم المدينة أنه مالك بن أنس.
وقال الشافعي: إذا جاء الأثر فمالك النجم، وقال: إذا جاءك الحديث عن مالك،
فشد به يديك؛ وقال أحمد بن حنبل: إذا ذكر الحديث فمالك أمير المؤمنين.
وقد ألف الناس فضائله كتباً، وشأنه مشهور.
وأما الذي بعثه على تصنيف الموطأ - فيما نقل أبو عمر بن عبد البر - فهو أن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، عمل كتاباً على مثال الموطأ، ذكر فيه ما اجتمع عليه أهل المدينة، ولم يذكر فيه شيئاً من الحديث، فأتي به مالك، ووقف عليه وأعجبه، وقال: ما أحسن ما عمل هذا، ولو كنت أنا الذي عملت لبدأت بالآثار، ثم شددت ذلك بالكلام. وقال غيره: حج أبو جعفر المنصور، ولقيه مالك بالمدينة، فأكرمه وفاوضه. وكان فيما فاوضه: يا أبا عبد الله لم يبق على وجه الأرض أعلم مني ومنك، وقد شغلتني الخلافة، فضع أنت للناس كتاباً ينتفعون به، تجنب فيه رخص ابن عباس وشدائد ابن عمر ووطئه للناس توطئة. قال مالك: فلقد علمني
стр. 212
التأليف، فكانت هذه وأمثالها من البواعث لمالك على تصنيف هذا الكتاب، فصنفه وسماه الموطأ أي المسهل. قال الجوهري وطؤ يوطؤ وطاءة، أي صار وطيئاً، ووطأته توطئة، ولا يقال وطيته. ولما شغل بتصنيفه أخذ الناس بالمدينة يومئذ في تصنيف موطآت، فقال لمالك أصحابه: نراك شغلت نفسك بأمر قد شركك فيه الناس، وأتي ببعضها فنظر فيه، ثم طرحه من يده وقال: ليعلمن أن هذا لا يرتفع منه إلا ما أريد به وجه الله، فكأنما ألقيت تلك الكتب في الآبار، وما سمع لشيء منها بعد ذلك ذكر، وأقبل مالك على تهذيب كتابه وتوطئته، فيقال إنه أكمله في أربعين سنة. وتلقت الأمة هذا الكتاب بالقبول في مشارق الأرض ومغاربها، ومن لدن صنف إلى هلم. وطال ثناء العلماء في كل عصر عليه، ولم يختلف في ذلك اثنان. قال الشافعي، وعبد الرحمن بن مهدي: ما في الأرض كتاب بعد كتاب الله أنفع، وفي رواية أصح، وفي رواية أكثر صواباً، من موطأ مالك. وقال يونس بن عبد الأعلى: ما رأيت كتاباً ألف في العلم أكثر
صواباً من موطأ مالك.
وأما الطرق والروايات التي وقعت في هذا الكتاب، فإنه كتبه عن مالك جماعة نسب الموطأ إليهم بتلك الرواية، وقيل موطأ فلان لرواية عنه فمنها موطأ الإمام
стр. 213
محمد بن إدريس الشافعي، ومنها موطأ عبد الله بن وهب، ومنها موطأ عبد الله بن مسلمة القعنبي، ومنها موطأ مطرف بن عبد الله اليساري نسبة إلى سليمان بن يسار، ومنها موطأ عبد الرحمن بن القاسم رواه عنه سحنون بن سعيد، ومنها موطأ يحيى بن يحيى الأندلسي. رحل إلى مالك بن أنس من الأندلس وأخذ عنه الفقه والحديث، ورجع بعلم كثير وحديث جم، وكان فيما أخذ عنه الموطأ، وأدخله الأندلس والمغرب، فأكب الناس عليه، واقتصروا على روايته دون ما سواها، وعولوا على نسقها وترتيبها في شرحهم لكتاب الموطأ وتفاسيرهم،
стр. 214
ويشيرون إلى الرويات الأخرى إذا عرضت في أمكنتها فهجرت الروايات الأخرى، وسائر تلك الطرق، ودرست تلك الموطآت إلا موطأ يحيى ابن يحيى، فبروايته أخذ الناس في هذا الكتاب لهذا العهد شرقاً وغرباً.
وأما سندي في هذا الكتاب المتصل بيحيى بن فعلى ما أصفه:
حدثني به جماعة من شيوخنا رحمة الله عليهم. منهم إمام المالكية، قاضي الجماعة بتونس وشيخ الفتيا بها، أبو عبد الله محمد بن عبد السلام بن يوسف الهواري، سمعته عليه بمنزله بتونس، من أوله إلى آخره. ومنهم شيخ المسندين بتونس، الرحالة أبو عبد الله محمد بن جابر ابن سلطان القيسي الوادي آشي، سمعت عليه بعضه، وأجازني بسائره. ومنهم شيخ المحدثين بالأندلس، وكبير القضاة بها، أبو البركات محمد بن محمد بن محمد - ثلاثة من المحدثين - بن إبراهيم بن الحاج البلفيقي، لقيته بفاس سنة ست وخمسين من هذه المائة الثامنة، مقدمه من السفارة بين ملك الأندلس وملك المغرب. وحضرت مجلسه بجامع القرويين من فاس،
فسمعت عليه بعضاً من هذا الكتاب، وأجازني بسائره. ثم لقيته لقاءة أخرى سنة اثنتين وستين، استقدمه ملك المغرب، السلطان أبو سالم ابن السلطان أبي الحسن للأخذ عنه، وكنت أنا القارئ فيما يأخذه عنه، فقرأت عليه صدراً من كتاب الموطأ، وأجازني بسائره إجازة أخرى.
ومنهم شيخ أهل المغرب لعصره في العلوم العقلية، ومفيد جماعتهم، أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الآبلي، قرأت عليه بعضه، وأجازني بسائره، قالوا
стр. 215
كلهم: حدثنا الشيخ المعمر، أبو محمد عبد الله بن محمد بن هارون الطائي، عن القاضي أبي القاسم أحمد بن يزيد بن بقي، عن الشيخ أبي عبد الله محمد بن عبد الحق الخزرجي.
وحدثني به أيضاً شيخنا أبو البركات، عن إمام المالكية ببجاية، ناصر الدين أبي علي، منصور بن أحمد بن عبد الحق المشدالي، عن الإمام شرف الدين محمد بن أبي الفضل المرسي، عن أبي الحسن علي بن موسى بن النقرات عن أبي الحسن علي بن أحمد الكناني. قال الخزرجي والكناني: حدثنا أبو عبد الله محمد بن فرج مولى ابن الطلاع، عن القاضي أبي الوليد يونس بن عبد الله بن مغيث بن
стр. 216
الصفار قاضي الجماعة بقرطبة.
وحدثني به أيضاً شيخنا أبو عبد الله بن جابر عن القاضي أبي العباس أحمد بن محمد بن الغماز، عن شيخه أبي الربيع سليمان بن موسى بن سالم الكلاعي، عن القاضي أبي القاسم عبد الرحمن بن حبيش، وأبي عبد الله محمد بن سعيد بن زرقون، شارح كتاب الموطأ، قال ابن زرقون: حدثنا به أبو عبد الله الخولاني، عن أبي عمرو عثمان بن أحمد القيجاطي، وقال ابن حبيش: حدثنا به القاضي أبو عبد الله بن أصبغ ويونس بن محمد بن مغيث، قالا: قرأناه على أبي عبد الله محمد بن الطلاع. وقال ابن حبيش أيضاً: حدثنا به أبو القاسم أحمد بن محمد ورد، عن
القاضي أبي عبد الله محمد ابن خلف بن المرابط، عن المقرئ أبي عمر أحمد بن محمد بن عبد الله المعافري الطلمنكي، قال القاضي
стр. 217
أبو الوليد بن مغيث، والقيجاطي، والطلمنكي: حدثنا أبو عيسى يحيى بن عبد الله بن يحيى عن عم أبيه أبي مروان عبيد الله بن يحيى عن أبيه يحيى بن يحيى. وقال الطلمنكي: حدثنا أبو جعفر أحمد بن محمد بن حدير البزار، قال حدثنا أبو محمد قاسم بن أصبغ، قال حدثنا أبو عبد الله محمد بن وضاح، قال حدثنا يحيى بن يحيى عن مالك، إلا ثلاثة أبواب من آخر كتاب الاعتكاف، أولها خروج المعتكف إلى العيد فإن يحيى شك في سماعها عن مالك، فسمعها من زياد بن عبد الرحمن الملقب شبطون عن مالك. ولي في هذا الكتاب طرق أخرى لم يحضرني الآن اتصال سندي فيها.
فمنها عن شيخنا أبي محمد عبد المهيمن بن محمد الحضرمي كاتب السلطان أبي الحسن، لقيته بتونس عند استيلاء السلطان عليها، وهو في جملته سنة ثمان وأربعين وحضرت مجلسه، وأخذت عنه كثيراً، وسمعت عليه بعض الموطأ، وأجازني بالاجاز العامة، وهو يرويه عن الأستاذ أبي جعفر بن الزبير، وعن شيخه الأستاذ أبي إسحاق الغافقي، وعن أبي القاسم القبتوري، وجماعة من مشيخة أهل سبتة، ويتصل سنده فيه بالقاضي عياضن، وأبي العباس العزفي صاحب كتاب الدر المنظم في المولد المعظم.
ومنها عن شيخنا أبي عبد الله الكوسي خطيب الجامع الأعظم بغرناطة، سمعت عليه بعضه وأجازني بسائره وهو يرويه عن الأستاذ أبي جعفر بن الزبير عن القاضي أبي عبد الله بن بكار، وجماعة من مشيخة أهل الأندلس، ويتصل سنده فيه بالقاضي أبي الوليد الباجي، والحافظ أبي عمر بن عبد البر بسندهما.
ومنها عن شيخنا المكتب أبي عبد الله محمد بن سعد بن برال الأنصاري شيخ
стр. 218
القراءة بتونس، ومعلمي كتاب الله، قرأت عليه القرآن العظيم بالقراءات السبع
وعرضت عليه قصيدتي الشاطبي في القراءة، وفي الرسم، وعرضت عليه كتاب التقصي لابن عبد البر، وغير ذلك، وأجازني بالإجازة العامة، وفي هذه بالإجازة الخاصة، وهو يروي هذا الكتاب عن القاضي أبي العباس أحمد بن محمد بن الغماز، وعن شيخه أبي العباس أحمد بن موسى البطرني بسندهما.
ومنها عن شيخنا الأستاذ أبي عبد الله محمد بن الصفار المراكشي، شيخ القراءات بالمغرب، سمعت عليه بعض هذا الكتاب بمجلس السلطان أبي عثمان ملك المغرب، وهو يسمعه إياه، وأجازني بسائره، وهو يرويه عن شيخه محدث المغرب أبي عبد الله محمد بن رشيد الفهري السبتي عن مشيخة أهل سبتة، وأهل الأندلس، حسبما ذلك مذكور في كتب رواياتهم وطرق أسانيدهم، إلا أنها لم تحضرني الآن، وفيما ذكرناه كفاية والله يوفقنا أجمعين لطاعته وهذا حين أبتلي، وبالله أهتدي.
وانفض ذلك المجلس، وقد لاحظتني بالتجلة والوقار العيون، واستشعرت أهليتي للمناصب القلوب، وأخلص النجي في ذلك الخاصة والجمهور، وأنا أنتاب مجلس السلطان في أكثر الأحيان، لتأدية الواجب من التحية والمشافهة بالدعاء، إلى أن سخط السلطان قاضي المالكية يومئذ في نزعة من النزعات الملوكية، فأبعده، وأخره عن خطة القصاء في رجب ست وثمانين وسبعمائة، ودعاني للولاية في مجلسه، وبين أمرائه فتفاديت من ذلك، وأبى إلا إمضاءه، وخلع علي، وبعث الأمراء معي إلى مقعد الحكم بمدرسة القضاء، فقمت في ذلك المقام المحمود، ووفيت عهد الله وعهده في إقامة رسوم الحق، وتحري المعدلة، حتى سخطني من لم ترضه أحكام الله، ووقع في ذلك ما تقدم ذكره، وكثر شغب أهل الباطل والمراء، فأعفاني السلطان منها لحول من يوم الولاية، وكان تقدمها وصول الخبر بغرق السفين الواصل من تونس إلى الإسكندرية، وتلف الموجود والمولود، وعظم
الأسف، وحسن العزاء، والله قادر على ما يشاء.
ثم خرجت عام تسعة وثمانين لقضاء الفرض، وركبت بحر السويس من الطور
стр. 219
إلى الينبع، ورافقت المحمل إلى مكة، فقضيت الحج عامئذ، وعدت إلى مصر في البحر كما سافرت أولاً. وشغرت وظيفة الحديث بمدرسة صلغتمش، فولاني السلطان إياها بدلاً من مدرسته في محرم أحد وتسعين، ومضيت على حالي من الانقباض، والتدريس، والتأليف، حتى ولاني خانقاه بيبرس، ثم عزلني عنها بعد لسنة أو أزيد، بسبب أنا أذكره الآن.
ولاية خانقاه بيبرس، والعزل منها
لما رجعت من قضاء الفرض سنة تسعين، ومضيت على حالي من التدريس والتأليف، وتعاهد السلطان باللقاء والتحية والدعاء، وهو ينظر إلي بعين الشفقة، ويحسن المواعيد. وكانت بالقاهرة خانقاه شيدها السلطان بيبرس، ثامن ملوك الترك الذي استبد على الناصر محمد بن قلاوون هو ورفيقه سلار وأنف الناصر من استبدادهما، وخرج للصيد، فلما حاذى الكرك امتنع به، وتركهم وشأنهم، فجلس بيبرس على التخت مكانه، وكاتب الناصر أمراء الشام من مماليك أبيه، واستدعوه للقيام معه، وزحف بهم إلى مصر، وعاد إلى سلطانه، وقتل بيبرس وسلار سنة ثمان وسبعمائة. وشيد بيبرس هذا أيام سلطانه داخل باب النصر من أعظم المصانع وأحفلها، وأوفرها ريعاً، وأكثرها أوقافاً وعين مشيختها، ونظرها لمن يستعد له بشرطه
стр. 220
في وقفه، فكان رزق النظر فيها والمشيخة واسعاً لمن يتولاه، وكان ناظرها يومئذ شرف الدين الأشقر إمام السلطان الظاهر. فتوفي عند منصرفي من قضاء الفرض، فولاني السلطان مكانه توسعة علي، وإحساناً إلي وأقمت على ذلك إلى أن وقعت فتنة الناصري .
فتنة الناصري
وسياقه الخبر عنها بعد تقديم كلام في أحوال الدول يليق بهذا الموضع ويطلعك على أسرار في تنقل أحوال الدول بالتدريج إلى الضخامة والاستيلاء ثم إلى الضعف والإضمحلال والله بالغ أمره وذلك أن الدول الكلية، وهي التي تتعاقب فيها الملوك واحداً بعد واحد في مده طويلة، قائمين على ذلك بعصبية النسب أو الولاء، وهذا كان الأصل في استيلائهم وتغلبهم، فلا يزالون كذلك إلى انقراضهم، وغلب مستحقين آخرين ينزعونه من أيديها بالعصبية التي يقتدرون بها على ذلك، ويحوزون الأعمال التي كانت بأيدي الدولة الأولى، يفضون جبايتها بينهم على تفاضل البأس والرجولة والكثرة في العصابة أو القلة: وهم على حالهم من الخشونة لمعاناة البأس، والإقلال من العيش لاستصحاب حال البداوة، وعدم الثروة من قبل. ثم تنمو الثروة فيهم بنمو الجباية التي ملكوها، ويزين حب الشهوات للاقتدار عليها، فيعظم الترف في الملابس والمطاعم والمساكن
стр. 221
والمراكب والممالك، وسائر الأحوال، ويتزايد شيئاً فشيئاً بتزايد النعم وتتسع الأحوال أوسع ما تكون، ويقصر الدخل عن الخرج، وتضيق الجباية عن أرزاق الجند وأحوالهم، ويحصل ذلك لكل أحد ممن تحت أيديهم، لأن الناس تبع لملوكهم ودولتهم، ويراجع كل أحد نظره فيما فيه من ذلك، فيرجع وراءه، وبطلب كفاء خرجه بدخله.
ثم إن البأس يقل من أهل الدولة بما ذهب لهم من الخشونة، وما صاروا إليه من رقة الحاشية والتنعم، فيتطاول من بقي من رؤساء الدولة إلى الاستبداد بها غيرة عليها من الخلل الواقع بها. ويستعد لذلك بما بقي عنده من الخشونة، ويحملهم على الإقلاع عن الترف، ويستأنف لذلك العصابة بعشيره أو بمن يدعوه لذلك، فيستولي على الدولة، ويأخذ في دوائها من الخلل الواقع، وهو أحق الناس به، وأقربهم إليه، فيصير الملك له، وفي عشيره، وتصير كأنها دولة أخرى، تمر عليها الأوقات. ويقع فيها ما وقع في الأولى، فيستولي آخر منهم كذلك إلى أن تنقرض الدولة
بأسرها، وتخرج عن للقوم الأولين أجمع. وتأتي دولة أخرى مباينة لعصابة هؤلاء في النسب، أو الولاء. سنة الله في عباده.
وكان مبدأ هذه الدولة التركية، أن بني أيوب لما ملكوا مصر والشام، كما قصصناه عليك في أخبارهم واستقل بها كبيرهم صلاح الدين، وشغل بالجهاد وانتزاع القلاع والحصون من أيدي الفرنج الذين ملكوها بالسواحل، وكان قليل العصابة، إنما كان عشيره من الكرد يعرفون ببني هذان، وهم قليلون، وإنما كثر منهم جماعة المسلمين، بهمة الجهاد الذي كان صلاح الدين يدعو إليه، فعظمت عصابته بالمسلمين، وأسمع داعيه، ونصر الله الدين على يده. وانتزع السواحل كلها من أيدي نصارى الفرنج، حتى مسجد بيت المقدس، فإنهم كانوا ملكوه وأفحشوا فيه بالقتل والسبي، فأذهب الله هذه الوصمة على يد صلاح الدين، وانقسم ملك بني أيوب بعده بين ولده وولد أخيه. واستفحل أمرهم، واقتسموا مدن الشام، ومصر بينهم، إلى أن جاء آخرهم الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل محمد بن
стр. 222
العادل أبي بكر أخي صلاح الدين، وأراد الاستكثار من العصابة لحماية الدولة، وإقامة رسوم الملك، وأن ذلك يحصل باتخاذ المماليك، والإكثار منهم، كما كان آخراً في الدولة العباسية ببغداد، وأخذ التجار في جلبهم إليه، فاشترى منهم أعداداً، وأقام لتربيتهم أساتيذ معلمين لحرفة الجندية، من الثقافة والرمي، بعد تعليم الآداب الدينية والخلقية إلى أن اجتمع له منهم عدد جم يناهز الألف، وكان مقيماً بأحواز دمياط في حماية البلاد من طوارق الفرنج المتغلبين على حصنها دمياط. وكان أبوه قد اتخذ لنزله هنالك قلعة سماها المنصورة، وبها توفي ﵀، فكان نجم الدين نازلاً بها في فدافعة ساكني دمياط من الفرنج، فأصابه هنالك حدث الموت، وكان لبنه المعظم تورنشاه نائباً في حصن كيفا من ديار بكر وراء الفرات، فاجتمع الجند على بيعته، وبعثوا عنه، وانتظروا. وتفطن الفرنج لشأنهم، فهجموا عليهم، واقتتلوا فنصر الله
المسلمين، وأسر ملك الفرنج ريد إفرنس، فبعثوا به إلى مصر. وحبس بدار لقمان، إلى أن فادوه بدمياط، كما هو مذكور في أخبار بني أيوب. ونصبوا - للملك، ولهذا اللقاء - زوجة الصالح أيوب واسمها شجرة الدر، فكانت تحكم بين الجند، وتكتب
стр. 223
على المراسيم، وركبت يوم لقاء الفرنج، تحت الصناجق، والجند محدقون بها، حتى أعز الله دينه، وأتم نصره. ثم وصل تورنشاه المعظم، فأقاموه في خطة الملك مكان أبيه الصالح أيوب، ووصل معه مماليك يدلون بمكانهم منه، ولهم به اختصاص، ومنه مكان، وكان رؤساء الترك يومئذ القائمون بالدولة من عهد أبيه وجده. أقطاي الجمدار وأيبك التركماني، وقلاوون الصالحي، فأنفوا من تصرفات مماليك تورنشاه، واستعلائهم بالحظ من السلطان، وسخطوهم وسخطوه، وأجمعوا قتله. فلما رحل إلى القاهرة اغتالوه في طريقه بفارسكو، وقتلوه، ونصبوا للأمر أيبك التركماني منهم، واستحدثوا هذه الدولة التركية كما شرحناه في أخبارها، وهلك بعد أيبك ابنه علي المنصور، ثم مولاه قطز، ثم الظاهر بيبرس البندقداري. ثم ظهر أمر الططر، واستفحل ملكهم.
وزحف هولاكو بن طولي بن جنكيزخان من خراسان إلى بغداد، فملكها، وقتل الخليفة المستعصم آخر بني العباس. ثم زحف إلى الشام، فملك مدنه وحواضره من أيدي بني أيوب، إلى أن استوعبها. وجاء الخبر بأن بركة صاحب صراي شريكه في نسب جنكزخان، زحف إلى خراسان، فامتعض
стр. 224
لذلك، وكر راجعاً، وشغل بالفتنة معه إلى أن هلك. وخرج قطز من مصر عندما شغل هولاكو بفتنة بركة، فملك الشام كله، أمصاره ومدنه، وأصاره للترك موالي بني أيوب. واستفحلت دولة هؤلاء المماليك، واتصلت أيامها واحداً بعد واحداً كما ذكرنا في أخبارهم. ثم جاء قلاوون عندما ملك بيبرس الظاهر منهم فتظاهر به، وأصهر إليه، والترف يومئذ لم يأخذ منهم، والشدة والشكيمة موجودة فيهم، والبأس
والرجولة شعار لهم، وهلك الظاهر بيبرس، وابناه من بعده، كما في أخبارهم. وقام قلاوون بالأمر، فاتسع نطاق ملكه، وطال ذرع سلطانه، وقصرت أيدي الططر عن الشام بمهلك هولاكو، وولاية الأصاغر من ولده، فعظم ملك قلاوون، وحسنت آثار سياسته، وأصبح حجة على من بعده، ثم ملك بعده ابناه: خليل الأشرف، ثم محمد الناصر. وطالت أيامه، وكثرت عصابته من مماليكه، حتى كمل منهم عدد لم يقع لغيره. ورتب للدولة المراتب، وقدم منهم في كل رتبة الأمراء، وأوسع لهم الإقطاع والولايات، حتى توفرت أرزاقهم واتسعت بالترف أحوالهم. ورحل أرباب البضائع من العلماء والتجار إلى مصر، فأوسعهم حباء وبراً. وتنافست أمراء دولته في اتخاذ المدارس والربط والخوانق، وأصبحت دولتهم غرة في الزمان، وواسطة في الدول. ثم هلك الناصر بعد أربعين وسبعمائة، فطفق أمراء دولته ينصبون بنيه للملك، واحداً بعد آخر، مستبدين عليهم، متنافسين في الملك، حتى يغلب واحد منهم الآخر، فيقتله، ويقتل سلطانه من أولاد الناصر، وينصب آخر منهم مكانه، إلى أن انساق الأمر لولده حسن الناصر، فقتل مستبده شيخون، وملك أمره. وألقى زمام الدولة بيد مملوكه يلبغا، فقام بها، ونافسه أقرانه، وأغروا به سلطانه، فأجمع قتله. ونمي إليه الخبر وهو في علوفة البرسيم عند خيله المرتبطة لذلك، فاعتزم على الامتناع، واستعد للقاء. واستدعاه سلطانه، فتثاقل عن القدوم. واستشاط السلطان، وركب في خاصته إليه، فركب هو لمصالحته. وهاجم السلطان ففله، ورجع إلى
стр. 225
القلعة، وهو في اتباعه، فلم يلفه بقصره، وأغرى به البحث فتقبض عليه، واستصفاه، وقتله، ونصب للملك محمد المنصور بن المظفر حاجي بن الناصر.
وقام بالدولة أحسن قيام، وأغرى نفسه بالاستكثار من المماليك، وتهذيبهم بالتربية، وتوفير النعم عندهم بالاقطاع، والولايات، حتى كمل منهم عدد لم تعهده الدولة. ثم
خلع المنصور بن المظفر لسنتين، ونصب مكانه للملك شعبان الأشرف بن حسين بن الناصر، فأقام على التخت وهو في كفالته، وهو على أوله في إعزاز الدولة، وإظهار الترف والثروة، حتى ظهرت مخايل العز والنعم، في المساكن والجياد والمماليك والزينة، ثم بطروا النعمة، وكفروا الحقوق، فحنقوا عليه لما كان يتجاوز الحدود بهم في الآداب، فهموا بقتله وخلصوا نجياً لذلك في متصيدهم الشتوي، وقد برزوا له بخيامهم وسلطانهم على عادتهم. ولما أحس بذلك ركب ناجياً بنفسه إلى القاهرة، فدخلوا على السلطان الأشرف، وجاءوا به على إثره، وأجازوا البحر، فقبضوا عليه عشي يومهم، ثم قتلوه في محبسه عشاء. وانطلقت أيديهم على أهل البلد بمعرات لم يعهدوها من أول دولتهم، من النهب والتخطف وطروق المنازل والحمامات للعبث بالحرم، وإطلاق أعنة الشهوات والبغي في كل ناحية، فمرج أمر الناس، ورفع الأمر إلى السلطان، وكثر الدعاء واللجأ إلى الله. واجتمع أكابر الأمر إلى السلطان، وفاوضوه في كف عاديتهم، فأمرهم بالركوب، ونادى في جنده ورعيته بانطلاق الأيدي عليهم، والاحتياط بهم في قبضة القهر، فلم يكن إلا كلمح البصر، وإذا بهم في قبضة الأسر. ثم عمرت بهم السجون، وصفدوا وطيف بهم على الجمال ينادى بهم، إبلاغاً في الشهرة، ثم وسط أكثرهم، وتتبع بالنفي والحبس بالثغور القصية، ثم أطلقوا بعد ذلك. وكان فيمن أطلق جماعة منهم بحبس الكرك: فيهم برقوق الذي ملك أمرهم بعد ذلك، وبركة الجوباني، وألطنبغا الجوباني وجهركس الخليلي.
стр. 226
وكان طشتمر، دوادار يلبغا، قد لطف محله عند السلطان الأشرف، وولي الدوادارية له، وكان يؤمل الاستبداد كما كان أستاذه يلبغا، فكان يحتال في ذلك بجمع هؤلاء المماليك اليلبغاوية من حيث سقطوا، يريد بذلك اجتماعهم عصبة له على هواه، ويغري السلطان بها شفاهاً ورسالة، إلى أن اجتمع أكثرهم بباب
السلطان الأشرف، وجعلهم في خدمة ابنه علي ولي عهده. فما كثروا، وأخذتهم أريحية العز بعصبيتهم، صاروا يشتطون على السلطان في المطالب، ويعتزون بعصبية اليلبغاوية. واعتزم السلطان الأشرف عام سبعة وسبعين على قضاء الفرض، فخرج لذلك خروجاً فخماً، واستناب ابنه علياً على قلعته وملكه في كفالة قرطاي من أكابر اليلبغاوية، وأخرج معه الخليفة والقضاة. فلما بلغ العقبة اشتط المماليك في طلب جرايتهم من العلوفة والزاد، واشتط الذين بمصر كذلك في طلب أرزاقهم من المتولين للجباية. وصار الذين مع السلطان إلى المكاشفة في ذلك بالأقوال والأفعال، وطشتمر الدوادار يغضي عنهم، يحسب وقت استبداده قد أزف، إلى أن راغمهم السلطان بالزجر، فركبوا عليه هنالك، وركب من خيالته مع لفيف من خاصته، فنضحوه بالنبل، ورجع إلى خيامه، ثم ركب الهجن مساء، وسار فصبح القاهرة، وعرس هو ولفيفه بقبة النصر.
وكان قرطاي كافل ابنه علي المنصور حدث بينه وبين ناظر الخاص المقسي
стр. 227
مكالمة عند مغيب السلطان أحقدته. وجاشت بما كان في نفسه، فأغرى عليا المنصور بن السلطان بالتوثب على الملك، فارتاح لذلك وأجابه، وأصبح يوم ثورة المماليك بالعقبة، وقد جلس علياً مكفوله بباب الإسطبل، وعقد له الراية بالنداء على جلوسه بالتخت، وبينما هم في ذلك، صبحهم الخبر بوصول السلطان الأشرف إلى قبة النصر ليلتئذ، فطاروا إليه زرافات ووحدانا، فوجدوا أصحابه نياماً هنالك، وقد تسلل من بينهم هو ويلبغا الناصري من أكابر اليلبغاوية، فقطعوا رءوسهم جميعاً، ورجعوا بها تسيل دماً. ووجموا لفقدان الأشرف، وتابعوا النداء عليه، وإذا بامرأة قد دلتهم عليه في مكان عرفته، فتسابقوا إليه، وجاءوا به فقتلوه لوقته بخلع أكتافه، وانعقدت بيعة ابنه المنصور. وجاء طشتمر الدوادار من الغد بمن بقي بالعقبة من الحرم، ومخلف السلطان، واعتزم على قتالهم طمعاً في الاستبداد الذي
في نفسه، فدافعوه وغلبوه وحصل في قبضتهم، فخلعوا عليه بنيابة الشام، وصرفوه لذلك، وأقاموا في سلطانهم. وكان أينبك أميراً آخر من اليلبغاوية قد ساهم قرطاي في هذا الحادث، وأصهر إليه في بعض حرمه، فاستنام له قرطاي، وطمع هو في الاستيلاء. وكان قرطاي مواصلاً صبوحه بغبوقه، ويستغرق في ذلك، فركب في بعض أيامه، وأركب معه السلطان علياً، واحتاز الأمر من يد قرطاي، وصيره إلى صفد، واستقل بالدولة، ثم انتقض طشتمر بالشام مع سائر أمرائه، فخرج أينبك في العساكر، وسرح المقدمة مع جماعة من الأمراء، وكان منهم برقوق وبركة المستوليان عقب ذلك، وخرج هو والسلطان في الساقة، فلما انتهوا إلى بلبيس، ثار الأمراء الذين في المقدمة عليه، ورجع إليه أخوه منهزماً، فرجع إلى القلعة. ثم اختلف عليه الأمراء، وطالبوه بالحرب في قبة النصر، فسرح العساكر لذلك، فلما فصلوا فر هو هارباً، وقبض عليه وثقف بالإسكندرية.
стр. 228
واجتمع أمراء اليلبغاوية يقدمهم قطلقتمر العلائي، ويلبغا الناصري ودمرداش اليوسفي وبركة وبرقوق، فتصدى دمرداش ويلبغا وبركة وبرقوق، إلى الاستقلال بالأمر وتغلبوا على سائر الأمراء، واعتقلوهم بالإسكندرية. وفوضوا الأمر إلى يلبغا الناصري، وهم يرونه غير خبير، فأشاروا باستدعاء طشتمر، وبعثوا إليه، وانتظروا. فلما جاءه الخبر بذلك ظنها منية نفسه، وسار إلى مصر، فدفعوا الأمر إليه، وجعلوا له التولية والعزل وأخذ برقوق، وبركة يستكثران من المماليك، بالاستخدام والجاه، وتوفير الاقطاع، إكثافاً لعصبيتهما، فانصرفت الوجوه عن سواهما، وارتاب طشتمر بنفسه، وأغراه أصحابه بالتوثب، ولما كان الأضحى في سنة تسع وسبعين استعجل أصحابه على غير روية، وركبوا وبعثوا إليه فأحجم، وقاتلوا فانهزموا. وتقبض على طشتمر، وحبس بالإسكندرية، وبعث معه يلبغا الناصري، وخلت الدولة للأميرين برقوق وبركة من المنازعين، وعمروا المراتب
بأصحابهما. ثم كثر شغب التركمان والعرب بنواحي الشام، فدفعوا يلبغا الناصري إلى النيابة بحلب ليستكفوا به في تلك الناحية. ثم تنافس برقوق وبركة في الاستقلال، واضمر كل واحد منهما لصاحبه، وخشي معه، فقبض برقوق على بطانة بركة من عصابته ليحض بذلك جناحه، فارتاع لذلك بركة، وخرج بعصابته إلى قبة النصر ليواضع برقوقاً وأصحابه الحرب هنالك، ورجا أن تكون الدائرة له. وأقام برقوق بمكانه من الإسطبل، وسرب أصحابه في جموعهم إلى مجاولة أولئك. وأقاموا كذلك أياماً يغادونهم ويراوحونهم ثلاثاً، إلى أن عضت بركة وأصحابه الحرب، فانفضوا عنه، وجيء ببركة، وبعث به إلى الإسكندرية، فحبس هنالك إلى أن قتله ابن عرام نائب الإسكندرية. وارتفع أصحابه إلى برقوق
стр. 229
شاكين، فثارهم منه بإطلاق أيديهم في النصفة، فانتصفوا منه بقتله في ساحة القلعة، بعد أن سمر، وحمل على جمل عقاباً له، ولم يقنعهم ذلك، فأطلق أيديهم فيما شاءوا منه، ففعلوا مما فعلوا. وانفرد برقوق - بعد ذلك - بحمل الدولة ينظر في أعطافها بالتهديد، والتسديد، والمقاربة، والحرص على مكافأة الدخل بالخرج. ونقص ما أفاض فيه بنو قلاوون من الإمعان في الترف، والسرف في العوائد والنفقات، حتى صار الكيل في الخرج بالمكيال الراجح، وعجزت الدولة عن تمشية أحوالها، وراقب ذلك كله برقوق، ونظر في سد خلل الدولة منه، وإصلاحها من مفاسده، يعتد ذلك ذريعة للجلوس على التخت، وحيازة اسم السلطان من أولاد قلاوون، بما أفسد الترف منهم، وأحال الدولة بسببهم، إلى أن حصل من ذلك على البغية، ورضي به أصحابه وعصابته، فجلس على التخت في تاسع عشر رمضان من سنة أربع وثمانين، وتلقب بالظاهر. ورتب أهل عصابته في مراتب الدولة، فقام وقاموا بها أحسن قيام، وانقلبت الدولة من آل قلاوون إلى برقوق الظاهر وبنيه. واستمر الحال على ذلك، ونافسه اليلبغاوية - رفقاؤه في ولاء يلبغا - فيما
صار إليه من الأمر، وخصوصاً يلبغا نائب حلب، فاعتزم على الانتقاض. وشعر به الظاهر فبعث باستدعائه، فجاء وحبسه مده، ثم رجعه إلى نيابة حلب، وقد وغر صدره من هذه المعاملة. وارتاب به الظاهر، فبعث سنة تسعين دواداره للقبض عليه، ويستعين في ذلك بالحاجب. وانتقض، واستدعى نائب ملطية، وهو منطاش من أمراء اليلبغاوية، وكان قد انتقض قبله، ودعا نواب الشام إلى المسير إلى مصر إلباً على الظاهر، فأجابوه، وساروا في جملته، وتحت لوائه، وبلغ الخبر إلى الظاهر برقوق، فأخرج عساكره مع أمراء اليلبغاوية من أصحابه: وهم الدوادار الأكبر يونس، وجهركس
стр. 230
الخليلي أمير الإسطبل، والأتابكي ايتمش، وأيدكار حاجب الحجاب وأحمد بن يلبغا أستاذهم. وخرج الناصري من حلب في عسكره، واستنفر العرب والتركمان وأمراء الشام، ولما تراءى الجمعان بناحية دمشق، نزع كثير من عسكر السلطان إليهم، وصدقوا الحملة على من بقي فانفضوا. ونجا أيتمش إلى قلعة دمشق، فدخلها، وقتل جهركس، ويونس، ودخل الناصري دمشق، ثم أجمع المسير إلى مصر، وعميت أنباؤهم حتى أطلوا على مصر.
وفي خلال ذلك أطلق السلطان الخليفة من محبسه كان بعض الغواة أنمى عنه، أنه داخله شيطان من شياطين الجند، يعرف بقرط في قتل السلطان يوم ركوبه إلى الميدان قبل ملكه بسنين، فلما صح الخبر أمر بقتله، وحبس الخليفة سبعاً إلى تلك السنة، فأطلقه عند هذا الواقع، ولما وصل. . . . إلى قيطا اجتمعت العساكر، ووقف السلطان أمام القلعة يومه حتى غشيه الليل، ثم دخل إلى بيته وخرج متنكراً، وتسرب في غيابات المدينة، وباكر الناصري وأصحابه القلعة، وأمير حاج بن الأشرف، فأعادوه إلى التخت ولقبوه المنصور. وبعثوا عن الأمراء المحبوسين بالإسكندرية، وكان فيهم ألطنيغا الجوباني الذي كان أمير مجلس، وقبض السلطان الظاهر عليه، وحبسه أياماً، ثم أطلقه وبعثه نائباً على دمشق، ثم ارتفعت عنه
الأقوال بأنه يروم الانتقاض، وداخل الناصر في نائب حلب في ذلك، وأكد ذلك عند السلطان ما
стр. 231
كان بينه وبين الناصري من المصافاة والمخالصة، فبعث عنه. ولما جاء حبسه بالإسكندرية، فلما ملك الناصري مصر، وأجلس أمير حاج بن الأشرف على التخت، بعث عنه ليستعين به على أمره، وارتابوا لغيبة الظاهر، وبالغوا في البحث عنه، فاستدعى الجوباني واستنام له، واستحلفه على الأمان، فحلف له، وجاء به إلى القلعة بعد أن ساور صاحبه الناصري في المضي إليه وتأمينه. وحبسوه في بعض قصور الملك، وتشاوروا في أمره، فأشار أمراء اليلبغاوية كلهم بقتله، وبالغ في ذلك منطاش، ووصل نعير أمير بني مهنا بالشام للصحابة بينه وبين الناصري، فحضهم على قتله، ومنع الجوباني من ذلك وفاء بيمينه، فغلت صدورهم منه. واعتزموا على بعثه إلى الكرك، ودافعوا منطاشاً بأنهم يبعثونه إلى الإسكندرية، فيعترضه عند البحر بما شاء من رأيه. ووثق بذلك، فقعد له عند المرساة، وخالفوا به الطريق إلى الكرك، وولوا عليها نائباً وأوصوه به، فأخفق مسعى منطاش، ودبر في اغتيال الدولة، وتمارض في بيته. وجاءه الجوباني عائذاً فقبض عليه، وحبسه بالإسكندرية، وركب منتقضاً، ووقف عند مدرسة الناصر حسن يحاصر الناصري بالقلعة. واستحاش هو بأمراء اليلبغاوية، فداهنوا في إجابته، ووقفوا بالرميلة أمام القلعة. ولم يزل ذلك بينهم أياماً حتى انفض جمع الناصري، وخرج هارباً، فاعترضه أصحاب الطريق بفارسكو، وردوه، فحبسة منطاش بالإسكندرية مع صاحبه، واستقل بأمر الملك. وبعث إلى الكرك بقتل الظاهر، فامتنع النائب، واعتذر بوقوفه على خط السلطان والخليفة والقضاة. وبث الظاهر عطاءه في عامة أهل الكرك، فانتدبت طائفة منهم لقتل البريدي الذي جاء في ذلك، فقتلوه، وأخرجوا الظاهر من محبسه فأصحروا. واستألف أفاريق من العرب، واتصل به بعض
стр. 232
مماليكه، وسار إلى الشام.
واعترضه ابن باكيش نائب غزة، فأوقع به الظاهر، وسار إلى دمشق، وأخرج منطاش العساكر مع سلطانه أمير حاج، وسار على التعبئة ليمانع الظاهر عن دمشق. وسبقه الظاهر فمنعه جنتمر نائب دمشق، فواقعه، وأقام محاصراً له. ووصل إليه كمشبغا الحموي نائب حلب، وكان أظهر دعوته في عمله، وتجهز للقائه بعسكره، فلقيه وأزال علله، فأقام له أبهة الملك. وبينا هم في الحصار إذ جاء الخبر بوصول منطاش بسلطانه وعساكره لقتالهم، فلقيهم الظاهر بشقحب، فلما تراءى الجمعان، حمل الظاهر على السلطان أمير حاج وعساكره ففضهم، وانهزم كمشبغا إلى حلب. وسار منطاش في اتباعه، فهجم الظاهر على تعبئة أمير حاج، ففضها، واحتاز السلطان، والخليفة والقضاة، ووكل بهم. واختلط الفريقان، وصاروا في عمياء مز أمرهم، وفر منطاش إلى دمشق. واضطرب الظاهر أخبتيه، ونزل على دمشق محاصر لها. وخرج إليه منطاش من الغد فهزمه، وجمع القضاة والخليفة، فشهدوا على أمير حاج بالخلع، وعلى الخليفة بإعادة الظاهر إلى ملكه. ورحل إلى مصر فلقيه بالطريق خبر القلعة بمصر، وتغلب مماليكه عليها، وذلك أن القلعة لما خلت من السلطان ومنطاش والحامية، وكان مماليك السلطان محبوسين هنالك في مطبق أعد لهم، فتناجوا في التسور منه إلى ظاهره، والتوثب على القلعة والملك، فخرجوا، وهرب دوادار منطاش الذي كان هنالك بمن كان معه من الحاشية. وملك مماليك الظاهر القلعة، ورأسهم مملوكه بطا، وساس أمرهم، وانتظر خبر سلطانه، فلما وصل الخبر بذلك إلى الظاهر، أغذ السير إلى مصر. وتلقاه الناس فرحين
стр. 233
مسرورين بعوده وجبره. ودخل منتصف صفر من سنة إحدى وتسعين، وولى بطا دواداراً، وبعث عن الأمراء المحبوسين بالإسكندرية، وأعتبهم، وأعادهم إلى مراتبهم. وبعث الجوباني إلى دمشق، والناصري إلى حلب كما كانا، وعادت الدولة إلى ما كانت عليه. وولى سودون
على نيابته، وكان ناظراً بالخانقاه التي كنت فيها، وكان ينقم علي أحوالاً من معاصاته فيما يريد من الأحكام في القضاء أزمان كنت عليه، ومن تصرفات دواداره بالخانقاه، وكان يستنيبه عليها، فوغر صدره من ذلك، وكان الظاهر ينقم علينا معشر الفقهاء فتاوى استدعاها منا منطاش، وأكرهنا على كتابها، فكتبناها، وورينا فيها بما قدرنا عليه. ولم يقبل السلطان ذلك، وعتب عليه، وخصوصاً علي. فصادف سودون منه إجابة في إخراج الخانقاه عني، فولى فيها غيري وعزلني عنها. وكتبت إلى الجوباني بأبيات أعتذر عن ذلك ليطالعه بها، فتغافل عنها، وأعرض عني مدة، ثم عاد إلى ما أعرف من رضاه وإحسانه، ونص الأبيات:
سيدي والظنون فيك جميلة ... وأياديك بالأماني كفيله
لا تحل عن جميل رأيك إني ... ما لي اليوم غير رأيك حيله
واصطنعني كما اصطنعت بإسدا ... ء يد من شفاعة أو وسيله
لا تضعني فلست منك مضيعاً ... ذمة الحب، والأيادي الجميله
стр. 234
وأجرني فالخطب عض بناب ... بيه وأجرى إلى حماي خيوله
ولو أني دعا بنصري داع ... كنت لي خير معشر وفصيله
أنه أمري إلى الذي جعل الل ... هـ أمور الدنيا له مكفوله
وأراه في ملكه الآية الك ... برى فولاه ثم كان مديله
أشهدته عناية الله في التم ... حيص أن كان عونه ومنيله
العزيز السلطان والملك الظا ... هر فخر الدنيا وعز القبيله
ومجير الإسلام من كل خطب ... كاد زلزال بأسه أن يزيله
ومديل العدو بالطعنة النجلا ... ء تفري ماذيه ونصوله
وشكور لأنعم الله يفني ... في رضاه غدوه وأصيله
وتلطف في وصف حالي وشكوى ... خلتي يا صفيه وخليله
قل له والمقال يكرم من مث ... لك في محفل العلا أن يقوله
يا خوند الملوك يا معدل الد ... هر إذا عدل الزمان فصوله
لا تقصر في جبر كسرى فما زل ... ت أرجيك للأيادي الطويلة
أنا جار لكم منعتم حماه ... ونهجتم إلى المعالي سبيله
وغريب أنستموه على الوحش ... ة والحزن بالرضى والسهوله
وجمعتم من شمله فقضى الل ... هـ فراقاً وما قضى مأموله
غاله الدهر في البنين وفي الأه ... ل وما كان ظنه أن يغوله
ورمته النوى فقيداً قد اجت ... احت عليه فروعه وأصوله
стр. 235
فجذبتم بضبعه وأنلتم ... كل ما شاءت العلا أن تنيله
ورفعتم من قدر قبل أن يش ... كو إليكم عياءه وخموله
وفرضتم له حقيقة ود ... حاش لله أن ترى مستحيله
همة ما عرفتها لسواكم ... وأنا من خبرت دهري وجيله
والعدا نمقوا أحاديث إفك ... كلها في طرائق معلوله
روجوا في شأني غرائب زور ... نصبوها لأمرهم أحبوله
ورموا بالذي أرادوا من الب ... هتان ظناً بأنها مقبولة
زعموا أنني أتيت من الأقوا ... ل ما لا يظن بي أن أقوله
كيف لي أغمط الحقوق وأني ... شكر نعماكم علي الجزيله؟
كيف لي أنكر الأيادي التي تع ... رفها الشمس والظلال الظليله؟
إن يكن ذا فقد برئت من الل ... هـ تعالى وخنت جهراً رسوله
طوقونا أمر الكتاب فكانت ... لقداح الظنون فينا مجيله
لا ورب الكتاب أنزله الل ... هـ على قلب من وعى تنزيله
ما رضينا بذاك فعلاً ولا جئ ... ناه طوعاً ولا اقتفينا دليله
إنما سامنا الكتاب ظلوم ... لا يرجى دفاعه بالحيله
سخط ناجز وحلم بطيء ... وسلاح للوخز فينا صقيله
ودعوني ولست من منصب الح ... كم ولا ساحباً لديهم ذيوله
غير أني وشى بذكري واش ... يتقصى أوتاره وذحوله
فكتبنا معولين على حل ... مك تمحو الاصار عنا الثقيله
ما أشرنا به لزيد ولا عم ... رو ولا عينوا لنا تفصيله
إنما يذكرون عمن وفيمن ... مبهمات أحكامها منقوله
стр. 236
ويظنون أن ذاك على ما ... أضمروا من شناعة أو رذيله
وهو ظن عن الصواب بعيد ... وظلام لم يحسنوا تأويله
وجناب السلطان نزهه الله ع ... ن العاب بالهدى والفضيله
وأجل الملوك قدراً صفوح ... يرتجي ذنب دهره ليقيله
فاقبلوا العذر إننا اليوم نرجو ... بحياة السلطان منكم قبوله
وأعينوا على الزمان غريباً ... يشتكي جدب عيشه ومحوله
جاركم ضيفكم نزيل حماكم ... لا يضيع الكريم يوماً نزيله
جددوا عنده رسوم رضاكم ... فرسوم الكرام غير محيله
داركوه برحمة فلقد أم ... ست عقود اصطباره محلوله
وانحلوه جبراً فليس يرجي ... غير إحسانكم لهذي النحيله
يا حميد الآثار في الدهر يا ... ألطنبغا يا روض العلا ومقيله
كيف بالخانقاه ينقل عني ... لا لذنب أو جنحة منقوله
بل تقلدتها شغوراً بمرسو ... م شريف وخلعة مسدوله
ولقد كنت آملاً لسواها ... وسواها بوعده أن ينيله
وتوثقت للزمان عليها ... بعقود ما خلتها محلوله
أبلغن قصتي فمثلك من يق ... صد فعل الحسنى بمن ينتمي له
واغنموا من مثوبتي ودعائي ... قربة عند ربكم مقبوله
وفي التعريض بسفره إلى الشام:
واصحب العز ظافراً بالأماني ... واترك العصبة العدا مفلوله
واعتمل في سعادة الملك الظا ... هر أن تمحو الأذى وتزيله
وتعيد الدنيا لأحسن شمل ... حين تضحي بسعده مشموله
واطلب النصر من سعادته يص ... حبك داباً في الظعن والحيلوله
وارتقب ما يحله بالأعادي ... في جمادى أو زد عليه قليله
стр. 237
وخذوه فألاً بحسن قبول ... صدق الله في الزمان مقوله
فلقد كان يحسن الفال عند الم ... مصطفى دائماً ويرضى جميله
السعاية في المهاداة والاتحاف
بين ملوك المغرب والملك الظاهر
كثيراً ما يتعاهد الملوك المتجاورون بعضهم بعضاً بالإتحاف بطرف أوطانهم، للمواصلة والإعانة متى دعا إليها داع. وكان صلاح الدين بن أيوب هادى يعقوب المنصور ملك المغرب من بني عبد المؤمن، واستجاش به بأسطوله في قطع مدد الفرنج عن سواحل الشام حين كان معنياً بإرجاعهم عنها، وبعث في ذلك رسوله عبد الكريم بن منقذ من أمراء شيزر، فأكرم المنصور رسوله، وقعد عن إجابته في الأسطول لما كان في الكتاب إليه من العدول عن تخطيطه بأمير المؤمنين، فوجدها غصة في صدره منعته من إجابته إلى سؤاله، وكان المانع لصلاح الدين من
стр. 238
ذلك كاتبه الفاضل عبد الرحيم البيساني بما كان يشاوره في أموره، وكان مقيماً لدعوة الخليفة العباسي بمصر، فرأى الفاضل أن الخلافة لا تنعقد لاثنين في
الملة كما هو المشهور، وإن اعتمد أهل المغرب سوى ذلك، لما يرون أن الخلافة ليست لقباً فقط، وإنما هي لصاحب العصبية القائم عليها بالشدة والحماية، والخلاف في ذلك معروف بين أهل الحق. فلما انقرضت دولة الموحدين، وجاءت دولة بني مرين من بعدهم، وصار كبراؤهم ورؤساؤهم يتعاهدون قضاء فرضهم لهذه البلاد الشرقية، فيتعاهدهم ملوكها بالإحسان إليهم، وتسهيل طريقهم، فحسن في مكارم الأخلاق انتحال البر والمواصلة، بالإتحاف والاستطراف والمكافأة في ذلك بالهمم الملوكية، فسنت لذلك طرائق وأخبار مشهورة، من حقها أن تذكر، وكان يوسف بن يعقوب بن عبد الحق ثالث ملوك بني مرين، أهدى لصاحب مصر عام سبعمائة، وهو يومئذ الناصر بن محمد بن قلاوون، هدية ضخمة، أصحبها كريمة من كرائم داره، احتفل فيها ما شاء من أنواع الطرف، وأصناف الذخائر، وخصوصاً الخيل والبغال.
أخبرني الفقيه أبو إسحق الحسناوي، كاتب الموحدين بتونس، أنه عاين تلك الهدية عند مرورها بتونس، قال: وعددت من صنف البغال الفارهة فيها أربعمائة، وسكت عما سوى ذلك. وكان مع هذه الهدية من فقهاء المغرب، أبو الحسن التنسي كبير أهل الفتيا بتلمسان. ثم كافأ الناصر عن هذه الهدية بأعلى منها وأحفل مع أميرين من أمراء دولته، أدركا يوسف بن يعقوب وهو يحاصر تلمسان، فبعثهما إلى مراكش للنزاهة في محاسنها، وأدركه الموت في مغيبهما، ورجعا من مراكش،
стр. 239
فجهزهما حافده أبو ثابت المالك بعده، وشيعهما إلى مصر، فاعترضتهما قبائل حصين ونهبوهما، ودخلا بجاية، ثم مضيا إلى تونس، ووصلا من هنالك إلى مصر.
ولما ملك السلطان أبو الحسن تلمسان، اقترحت عليه جارية أبيه أبي سعيد، وكانت لها عليه تربية، فأرادت الحج في أيامه وبعنايته، فأذن لها في ذلك، وبعث في
خدمتها وليه عريف بن يحيى من أمراء سويد، وجماعة من أمرائه وبطانته، واستصحبوا هدية منه للملك الناصر احتفل فيها ما شاء. وانتقى من الخيل العتاق، والمطايا الفره وقماش الحرير والكتان، والصوف ومدبوغ الجلود الناعمة، والأواني المتخذة من النحاس والفخار المخصوص كل مصر من المغرب بأصناف من صنائعها، متشابهة الأشكال والأنواع، حتى لقد زعموا أنه كان فيها مكيلة من اللآلئ والفصوص، وكان ذلك وقر خمس مائة بعير، وكانت عتاق الخيل فيها خمس مائة فرس، بالسروج الذهبية المرصعة بالجواهر، واللجم المذهبة، والسيوف المحلاة بالذهب واللآلئ، كانت قيمة المركب الأول منها عشرة آلاف دينار، وتدرجت على الولاء إلى آخر الخمس مائة، فكانت قيمته مائة دينار. تحدث الناس بهذه الهدية دهراً، وعرضت بين يدي الملك الناصر، فأشار إلى خاسكيته بانتهابها فنهبت بين يديه، وبولغ في كرامة أولئك الضيوف، في إنزالهم وقراهم وإزوادهم إلى الحجاز وإلى بلادهم، وبقي شأن الهدية حديثاً يتجاراه الناس في مجالسهم وأسمارهم، وكان ذلك عام ثمانية وثلاثين وسبعمائة. ولما فصل أرسال ملك المغرب، وقد قضوا فرضهم، بعث الملك الناصر معهم هدية كفاء هديتهم، وكانت أصنافها حمل القماش من ثياب الحرير والقماش المصنوعة بالإسكندرية، تحمل كل عام إلى دار السلطان، قيمة ذلك الحمل خمسون ألف دينار، وخيمة من خيام السلطان المصنوعة بالشام على مثال القصور، تشتمل على بيوت للمراقد، وأواوين للجلوس والطبخ، وأبراج للإشراف على
стр. 240
الطرقات، وأبراج أحدها لجلوس السلطان للعرض، وفيها تمثال مسجد بمحرابه، وعمده، ومأذنته، حوائطها كلها من خرق الكتان الموصولة بحبك الخياطة مفصلة على الأشكال التي يقترحها المتخذون لها. وكان فيها خيمة أخرى مستديرة الشكل، عالية السمك، مخروطة الرأس، رحبة الفناء، تظل خمس مائة فارس أو أكثر، وعشرة من عتاق الخيل
بالمراكب الذهبية الصقيلة، ولجمها كذلك، ومرت هذه الهدية بتونس، ومعها الخدام القائمون بنصب الأبنية، فعرضوها على السلطان بتونس. وعاينت يومئذ أصناف تلك الهدية، وتوجهوا بها إلى سلطانهم، وبقي التعجب منها دهراً على الألسنة. وكان ملوك تونس من الموحدين، يتعاهدون ملوك مصر بالهدية في الأوقات.
ولما وصلت إلى مصر، واتصلت بالملك الظاهر، وغمرني بنعمه وكرامته، كاتبت السلطان بتونس يومئذ، وأخبرته بما عند الملك الظاهر من التشوف إلى جياد الخيل، وخصوصاً من المغرب، لما فيها من تحمل الشدة والصبر على المتاعب، وكان يقول مثل ذلك، وأن خيل مصر قصرت بها الراحة والتنعم، عن الصبر على التعب، فحضضت السلطان بتونس على إتحاف الملك الظاهر بما ينتقيه من الجياد الرائعة، فبعث له خمسة انتقاها من مراكبه، وحملها في البحر في السفين الواصل بأهلي وولدي، فغرقت بمرسى الإسكندرية، ونفقت تلك الجياد، مع ما ضاع في ذلك السفين، وكل شيء بقدر.
ثم وصل إلينا عام ثلاثة وتسعين شيخ الأعراب: المعقل بالمغرب، يوسف بن علي بن غانم، كبير أولاد حسين ناجياً من سخط السلطان أبي العباس أحمد بن أبي سالم، من ملوك بني مرين بفاس، يروم قضاء فرضه، ويتوسل بذلك لرضى سلطانه، فوجد السلطان غائباً بالشام في فتنة منطاش، فعرضته لصاحب المحمل. فلما عاد من قضاء فرضه، وكان السلطان قد عاد من الشام، فوصلته به، وحضر بين يديه، وشكا بثه، فكتب الظاهر فيه شفاعة لسلطان وطنه بالمغرب، وحمله مع ذلك هدية إليه
стр. 241
من قماش وطيب وقسي، وأوصاه بانتقاء الخيل له من قطر المغرب، وانصرف، فقبل سلطانه فيه شفاعة الظاهر، وأعاده إلى منزلته. وانتقى الخيول الرائعة لمهاداة الملك الظاهرة وأحسن في انتقاء أصناف الهدية، فعاجلته المنية دون ذلك، وولي ابنه أبو فارس، وبقي أياماً ثم هلك، وولى أخوه أبو عامر،
فاستكمل الهدية، وبعثها صحبة يوسف بن علي الوارد الأول.
وكان السلطان الملك الظاهر، لما أبطأ عليه وصول الخيل من المغرب، أراد أن يبعث من أمرائه من ينتقي له ما يشاء بالشراء، فعين لذلك مملوكاً من مماليكه منسوباً إلى تربية الخليلي، اسمه قطلوبغا، وبعث عني، فحضرت بين يديه، وشاورني في ذلك فوافقته، وسألني كيف يكون طريقه، فأشرت بالكتاب في ذلك إلى سلطان تونس من الموحدين، وسلطان تلمسان من بني عبد الواد، وسلطان فاس والمغرب من بني مرين، وحمله لكل واحد منهم هدية خفيفة من القماش والطيب والقسي، وانصرف عام تسعة وتسعين إلى المغرب، وشيعه كل واحد من ملوكه إلى مأمنه. وبالغ في إكرامه بما يتعين. ووصل إلى فاس، فوجد الهدية قد استكملت، ويوسف بن علي على المسير بها عن سلطانه أبي عامر من ولد السلطان أبي العباس المخاطب أولاً. وأظلهم عيد الأضحى بفاس، وخرجوا متوجهين إلى مصر، وقد أفاض السلطان من إحسانه وعطائه، على الرسول قطلوبغا ومن في جملته بما أقر عيونهم، وأطلق بالشكر ألسنتهم، وملأ بالثناء ضمائرهم، ومروا بتلمسان، وبها يومئذ أبو زيان، ابن السلطان أبي حمو من آل يغمراسن بن زيان، فبعث معهم هدية أخرى من الجياد بمراكبها، وكان يحوك الشعر، فامتدح الملك الظاهر بقصيدة بعثها مع هديته، ونصها من أولها إلى آخرها:
стр. 242
لمن الركائب سيرهن ذميل ... والصبر - إلا بعدهن - جميل
يا أيها الحادي رويدك إنها ... ظعن يميل القلب حيث تميل
رفقاً بمن حملته فوق ظهورها ... فالحسن فوق ظهورها محمول
لله آيه أنجم: شفافة ... تنجاب عنها للظلام سدول
شهب بآفاق الصدور طلوعها ... ولها بأستار الجدول أفول
في الهودج المزرور منها غادة ... تزع الدجى بجبينها فيحول
فكأنها قمر على غصن على ... متني كثيب والكثيب مهيل
ثارت مطايا فثار بي الهوى ... واعتاد قلبي زفرة وغليل
أومت لتوديعي فغالب عبرتي ... نظر تخالسه العيون كليل
دمع أغيض منه خوف رقيبها ... طوراً ويغلبني الأسى فيسيل
ويح المحب وشت به عبراته ... فكأنها قال عليه وقيل
صان الهوى وجفونه يوم النوى ... لمصون جوهر دمعهن تذيل
وتهابه أشد الشرى في خيسها ... ويروعه ظبي الحمى المكحول
تأبى النفوس الضيم إلا في الهوى ... فالحر عبد والعزيز ذليل
يا بانة الوادي ويا أهل الحمى ... هل ساعة تصغين لي فأقول
ما لي إذا هب النسيم من الحمى ... أرتاح شوقاً للحمى وأميل
خلوا الصبا يخلص إلي نسيمها ... إن الصبا لصبابتي تعليل
ما لي أحلأ عن ورود محله ... وأذاد عنه وورده منهول
والباب ليس بمرتج عن مرتج ... والظن في المولى الجميل جميل
стр. 243
من لي بزورة روضة الهادي الذي ... ما مثله في المرسلين رسول
هو أحمد ومحمد والمصطفى ... والمجتبى وله انتهى التفضيل
يا خير من أهدى الهدى وأجل من ... أثنى عليه الوحي والتنزيل
وحي من الرحمن يلقيه على ... قلب النبي محمد جبريل
مدحتك آيات الكتاب وبشرت ... بقدومك التوراة والإنجيل
صلة الصلاة عليك تحلو في فمي ... مهما تكرر ذكرك المعسول
فوربعك المأهول إن بأضلعي ... قلباً بحبك ربعه مأهول
هل من سبيل للسرى حتى أرى ... خير الورى فهو المنى والسول
حتام تمطلني الليالي وعدها ... إن الزمان بوعده لبخيل
ما عاقني إلا عظيم جرائمي ... إن الجرائم حملهن ثقيل
أنا مغرم فتعطفوا أنا فذنب ... فتجماوزوا أنا عاثر فأقيلوا
وأنا البعيد فقربوا والمستج ... ير فأمنوا والمرتجى فأنيلوا
يا سائقاً نحو الحجاز حمولة ... والقلب بين حموله محمول
لمحمد بلغ سلام سميه ... فذمامه بمحمد موصول
وسل الإله له اغتفار ذنوبه ... يسمع هناك دعاؤك المقبول
وعن المليك أبي سعيد فلتنب ... فلكم له نحو الرسول رسول
فتحمل لله كسوة بيته ... يا حبذاك المحمل المحمول
سعد المليك أبي سعيد إنه ... سيف على أعدائه مسلول
ملك بجح المغرب الأقصى به ... فلهم به نحو الرسول وصول
ملك به نام الأنام وأمنت ... سبل المخاف فلا يخاف سبيل
стр. 244
فالملك ضخم والجناب مؤمل ... والفضل جم والعطاء جزيل
والصنع أجمل والفخار مؤثل ... والمجد أكمل والوفاء أصيل
يا مالك البحرين بلغت المنى ... قد عاد مصر على العراق يصول
يا خادم الحرمين حق لك الهنا ... فعليك من روح الإله قبول
يا متحفي ومفاتحي برسالة ... سلسالة يزهى بها الترسيل
أهديتها حسناء بكراً ما لها ... غيري، وإن كثر الرجال، كفيل
ضاء المداد من الوداد بصحفها ... حتى اضمحل عبوسه المجبول
جمعت وحاملها بحضرتنا كما ... جمعت بثينة في الهوى وجميل
وتأكدت بهدية ودية ... هي للإخاء المرتضى تكميل
أطلعت فيها للقسي أهلة ... يرتد عنها الطرف وهو كليل
وحسام نصر زاهياً بنضاره ... راق العيون فرنده المعسول
ماضي الشبا لمصابه تعنو الظبا ... فبه تصول على العدا وتطول
وبدائع الحلل اليمانية التي ... روى معاطفها بمصر النيل
فأجلت فيها ناظري فرأيتها ... تحفاً يجول الحسن حيث تجول
جلت محاسنها فأهوى نحوها ... بفم القبول اللثم والتقبيل
يا مسعدي وأخي العزيز ومنجدي ... ومن القلوب إلى هواه تميل
إن كان رسم الود منك مذيلاً ... بالبر وهو بذيله موصول
فنظيره عندي وليس يضيره ... بمعارض وهم ولا تخييل
ود لزيد وثابت شهدا به ... ولخالد بخلوده تذييل
وإليكها تنبيك صدق مودتي ... صح الدليل ووافق المدلول
стр. 245
فإذا بذاك المجلس السامي سمت ... فلديك إقبال لها وقبول
دام الوداد على البعاد موصلاً ... بين القلوب وحبله موصول
وبقيت في نعم لديك مزيدها ... وعلمك يضفو ظلها المسدول
ثم مروا بعدها بتونس، فبعث سلطان تونس أبو فارس عبد العزيز ابن السلطان أبي العباس من ملوك الموحدين، هدية ثالثة انتقى لها جياد الخيل، وعزز بها هدية السلطانين وراءه، مع رسوله من كبار الموحدين أبي عبد الله بن تافراكين، ووصلت الهدايا الثلاث إلى باب الملك الظاهر في آخر السنة، وعرضت بين يحيى السلطان، وانتهب الخاسكية ما كان فيها من الأقمشة والسيوف والبسط ومراكب الخيل، وحمل كثيراً منهم على كثير من تلك الجياد وارتبط الباقيات.
وكانت هدية صاحب المغرب تشتمل على خمسة وثلاثين من عتاق الخيل بالسروج واللجم الذهبية، والسيوف المحلاة، وخمسة وثلاثين حملاً من أقمشة الحرير والكتان والصوف والجلد، منتقاة من أحسن هذه الأصناف. وهدية صاحب
تلمسان تشتمل على ثلاثين من الجياد بمراكبها المموهة، وأحمالاً من الأقمشة.
وهدية صاحب تونس تشتمل على ثلاثين من الجياد مغشاة ببراقع الثياب من غير مراكب، وكلها أنيق في صنعه مستطرف في نوعه، وجلس السلطان يوم عرضها جلوساً فخماً في إيوانه، وحضر الرسل، وأدوا ما يجب عن ملوكهم. وعاملهم السلطان بالبر والقبول، وانصرفوا إلى منازلهم للجرايات الواسعة، والأحوال الضخمة. ثم حضر وقت خروج الحاج، فاستأذنوا في الحج مع محمل السلطان، فأذن لهم، وأرغد أزودتهم. وقضوا حجهم، ورجعوا إلى حضرة السلطان ومعهود مبرته. ثم انصرفوا إلى مواطنهم، وشيعهم من بر السلطان وإحسانه، ما ملأ حقائبهم، وأسنى ذخيرتهم، وحصل لي أنا من بين ذلك في الفخر ذكر جميل بما تناولت بين هؤلاء الملوك من السعي في الوصلة الباقية على الأبد، فحمدت الله على ذلك.
ولاية القضاء الثانية بمصر
ما زلت، منذ العزل عن القضاء الأول سنة سبع وثمانين، مكباً على الاشتغال
стр. 246
بالعلم، تأليفاً وتدريساً، والسلطان يولي في الوظيفة من يراه أهلاً متى دعاه إلى ذلك داع، من موت القائم بالوظيفة، أو عزله، وكان يراني الأولى بذلك، لولا وجود الذين شغبوا من قبل في شأني، من أمراء دولته، وكبار حاشيته، حتى انقرضوا. واتفقت وفاة قاضي المالكية إذ ذاك ناصر الدين بن التنسي، وكنت مقيماً بالفيوم لضم زرعي هنالك، فبعث عني، وقلدني وظيفة القضاء في منتصف رمضان من سنة إحدى وثمانمائة، فجريت على السنن المعروف مني، من القيام بما يجب للوظيفة شرعاً وعادة، وكان ﵀ يرضى بما يسمع عني في ذلك. ثم أدركته الوفاة في منتصف شوال بعدها، وأحضر الخليفة والقضاة والأمراء، وعهد إلى كبير أبنائه فرج، ولإخوته من بعده واحداً واحداً، وأشهدهم على وصيته بما أراد. وجعل القائم بأمر ابنه في سلطانه إلى أتابكه أيتمش، وقضى رحمة الله عليه، وترتبت الأمور من بعده كما عهد لهم، وكان النائب بالشام يومئذ أمير من خاسكية السلطان يعرف بتنم، وسمع بالواقعات بعد السلطان فغص أن لم يكن هو كافل ابن الظاهر بعده، ويكون زمام الدولة بيده. وطفق سماسرة الفتن يغرونه بذلك، وبينما هم في ذلك إذ وقعت
стр. 247
فتنة الأتابك أيتمش، وذلك أنه كان للأتابك دوادار غر يتطاول إلى الرئاسة، ويترفع على أكابر الدولة بحظه من أستاذه، وما له من الكفالة على السلطان، فنقموا حالهم مع هذا الدوادار، وما يسومهم به من الترفع عليهم، والتعرض لإهمال نصائحهم، فأغروا السلطان بالخروج عن ربقه الحجر، وأطاعهم في ذلك، وأحضر القضاة بمجلسه للدعوى على الأتابك باستغنائه عن الكافل، بما علم من قيامه بأمره وحسن تصرفاته. وشهد بذلك في المجلس أمراء أبيه كافة، وأهل المراتب والوظائف منهم، شهادة قبلها القضاة. وأعذروا إلى الأتابك فيهم فلم يدفع في شيء من شهادتهم، ونفذ الحكم يومئذ برفع الحجر عن
السلطان في تصرفاته وسياسة ملكه، وانفض الجمع، ونزل الأتابك من الإسطبل إلى بيت سكناه. ثم عاود الكثير من الأمراء نظرهم فيما أتوه من ذلك، فلم يروه صواباً، وحملوا الأتابك على نقضه، والقيام بما جعل له السلطان من كفالة ابنه في سلطانه. وركب، وركبوا معه في آخر شهر المولد النبوي، وقاتلهم أولياء السلطان فرج عشي يومهم وليلتها، فهزموهم، وساروا إلى الشام مستصرخين بالنائب تنم، وقد وقر في نفسه ما وقر من قبل، فبر وفادتهم، وأجاب صريخهم. واعتزموا على المضي إلى مصر. وكان السلطان لما انفضت جموع الأتابك، وسار إلى الشام، اعتمله في الحركة والسفر لخضد شوكتهم، وتفريق جماعتهم، وخرج في جمادى حتى انتهى إلى غزة، فجاءه الخبر بأن نائب الشام تنم، والأتابك، والأمراء الذين معه، خرجوا من الشام زاحفين للقاء السلطان، وقد احتشدوا وأوعبوا، وانتهوا قريباً من الرملة، فراسلهم السلطان مع قاضي القضاة الشافعي صدر الدين المناوي، وناصر الدين الرماخ، أحد المعلمين لثقافة الرماح، يعذر إليهم، ويحملهم على اجتماع الكلمة، وترك الفتنة، وإجابتهم إلى ما يطلبون من مصالحهم، فاشتطوا في المطالب، وصمموا على ما هم فيه. ووصل الرسولان بخبرهم، فركب السلطان من الغد، وعبى
стр. 248
عساكره، وصمم لمعاجلتهم، فلقيهم أثناء طريقه، وهاجمهم فهاجموه، ثم ولوا الأدبار منهزمين. وصرع الكثير من أعيانهم وأمرائهم في صدر موكبه، فما غشيهم الليل إلا وهم مصفدون في الحديد، يقدمهم الأمير تنم نائب الشام وأكابرهم كلهم. ونجا الأتابك أيتمش إلى القلعة بدمشق، فآوى إليها، واعتقله نائب القلعة. وسار السلطان إلى دمشق، فدخلها على التعبئة في يوم أغر، وأقام بها أياماً، وقتل هؤلاء الأمراء المعتقلين، وكبيرهم الأتابك ذبحاً، وقتل تنم من بينهم خنقاً، ثم ارتحل راجعاً إلى مصر.
وكنت استأذنت في التقدم إلى مصر بين يدي السلطان لزيارة بيت المقدس، فأذن
لي في ذلك. ووصلت إلى القدس ودخلت المسجد، وتبركت بزيارته والصلاة فيه، وتعففت عن الدخول إلى القمامة لما فيها من الإشادة بتكذيب القرآن، إذ هو بناء أمم النصرانية على مكان الصليب بزعمهم، فنكرته نفسي، ونكرت الدخول إليه. وقضيت من سنن الزيارة ونافلتها ما يجب، وانصرفت إلى مدفن الخليل ﵇. ومررت في طريقي إليه ببيت لحم، وهو بناء عظيم على موضع ميلاد المسيح، شيدت القياصرة عليه بناء بسماطين من العمد الصخور، منجدة مصطفة، مرقوماً على رؤوسها صور ملوك القياصرة، وتواريخ دولهم، ميسرة لمن يبتغي تحقيق نقلها بالتراجمة العارفين لأوضاعها، ولقد يشهد هذا المصنع بعظم ملك القياصرة وضخامة دولتهم. ثم ارتحلت من مدفن الخليل إلى غزة، وارتحلت منها، فوافيت السلطان بظاهر مصر، ودخلت في ركابه أواخر شهر رمضان سنة اثنين وثمانمائة. وكان بمصر فقيه من المالكية يعرف بنور الدين بن الخلال، ينوب أكثر أوقاته عن قضاة القضاة المالكية، فحرضه بعض أصحابه على السعي في المنصب، وبذل ما تيسر من موجوده لبعض بطانة السلطان الساعين له في ذلك، فتمت سعايته في ذلك، ولبس منتصف المحرم سنة ثلاث،
стр. 249
ورجعت أنا للاشتغال بما كنت مشتغلاً به من تدريس العلم وتأليفه، إلى أن كان السفر لمدافعة تمر عن الشام.
سفر السلطان إلى الشام
لمدافعة الططر عن بلاده
هؤلاء الططر من شعوب الترك، وقد اتفق النسابه والمؤرخون على أن أكثر أمم العالم فرقتان، وهما: العرب والترك، وليس في العالم أمة أوفر منهما عدداً، هؤلاء في جنوب الأرض، وهؤلاء في شمالها، وما زالوا يتنابون الملك في العالم، فتارة يملك العرب ويزحلون الأعاجم إلى آخر الشمال، وأخرى يزحلهم الأعاجم والترك
إلى طرف الجنوب، سنة الله في عباده.
فلنذكر كيف انساق الملك لهؤلاء الططر، واستقرت للدول الإسلامية فيهم لهذا العهد فنقول: إن الله سبحانه خلق هذا العالم واعتمره بأصناف البشر على وجه الأرض، في وسط البقعة التي انكشفت من الماء فيه، وهي عند أهل الجغرافيا مقدار الربع منه، وقسموا هذا المعمور بسبعة أجزاء يسمونها الأقاليم، مبتدئة من خط الاستواء بين المشرق والمغرب، وهو الخط الذي تسامت الشمس فيه رؤوس السكان، إلى تمام السبعة أقاليم. وهذا الخط في جنوب المعمور، وتنتهي السبعة الأقاليم في شماله. وليس في جنوب خط الاستواء عمارة إلى آخر الربع المنكشف، لإفراط الحر فيه، وهو يمنع من التكوين، وكذلك ليس بعد الأقاليم السبعة في جهة الشمال عمارة، لإفراط البرد فيها، وهو مانع من التكوين أيضاً، ودخل الماء المحيط بالأرض من جهة الشرق فوق خط الاستواء بثلاث عشرة درجة، في مدخل فسيح، وانساح مع خط الاستواء مغرباً، فمر بالصين، والهند والسند واليمن، في جنوبها كلها. وانتهى إلى وسط الأرض، عند باب المندب، وهو البحر الهندي والصيني، ثم انحرف من
стр. 250
طرفه الغربي في خليج عند باب المندب، ومر في جهة الشمال مغرباً باليمن وتهامة والحجاز ومدين وأيلة وفاران، وانتهى إلى مدينة القلزم، ويسمى بحر السويس، وفي شرقيه بلاد الصعيد إلى عيذاب، وبلا البجاة، وخرج من هذا البحر الهندي من وسطه خليج آخر يسمى الخليج الأخضر، ومر شمالاً إلى الأبلة، ويسمى بحر فارس، وعليه في شرقيه بلاد فارس، وكرمان،
следующие страницы →