Полный текст (235 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
ذكر أدلة نزول الإيمان مفرقاً
стр. 37
أدلة الكتاب الكريم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والشاهد لما نقول والدليل عليه من كتاب الله ﵎ وسنة رسول الله ﷺ ].
أي: الدليل لقولنا: إنه كلما نزل تشريع صار من الإيمان، ويجب على المسلم أن يؤمن به: هو النصوص من كتاب الله وسنة رسوله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة:١٢٤]].
هذه الآية فيها دليل على أن الإيمان يزيد؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة:١٢٤] فالإيمان يزيد في القلب، فكلما عمل الإنسان بالطاعات وانتهى عن المحرمات زاد إيمانه، وكلما نزل تشريع وعلم به وقبله زاد إيمانه، والآية صريحة في هذا.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢]].
الشاهد من الآية قوله: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال:٢] فدل على أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد إذا فعل الإنسان الطاعات، وينقص إذا فعل المعاصي، ويزيد إذا قبل الأحكام الشرعية وعمل بها.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [في مواضع من القرآن مثل هذا].
أي: وهناك أدلة أخرى تدل على هذا، مثل قوله تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤]، وقوله: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر:٣١] إلى غير ذلك من الأدلة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أفلست ترى أن الله ﵎ لم ينزل عليهم الإيمان جملة كما لم ينزل القرآن جملة؟!].
يعني: أن الإيمان نزل شيئاً بعد شيء، كما كان القرآن ينزل منجماً على حسب الحوادث.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فهذه الحجة من الكتاب].
أي: هذه هي الأدلة من الكتاب، وستأتي الأدلة من السنة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فلو كان الإيمان مكملاً بذلك الإقرار ما كان للزيادة إذاً معنى، ولا لذكرها موضع].
أي: لو كان الإيمان مكملاً بالقلب -كما تقوله المرجئة- بمجرد الإقرار والتصديق ما كان للزيادة معنى، لأنهم يقولون: من قال: آمنت بالله ورسوله فإيمانه كامل كإيمان جبريل وميكائيل، وكإيمان أبي بكر وعمر، بل يكون إيمان أهل السماء وإيمان أهل الأرض واحداً، وإيمان السكير العربيد الذي يشرب الخمور ويقتل النفوس ويسرق الأموال مثل إيمان الصديق وعمر، ومثل إيمان جبريل وميكائيل، هكذا يقول المرجئة، فهذا مصدق وهذا مصدق، والأعمال ليس لها علاقة بالإيمان، فهي ليست من الإيمان، بل هي شيء آخر، فالأعمال بر وتقوى، أما الإيمان فواحد، فإيمان أفسق الناس وأتقى الناس سواء، وهذا باطل.
فالمؤلف ﵀ يرد عليهم ويقول: [لو كان الإيمان مكملاً بذلك الإقرار بمجرد التصديق كما تقوله المرجئة ما كان للزيادة إذاً معنى].
فقوله تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر:٣١]، وقوله: ﴿زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال:٢] لا معنى فيهما للزيادة.
стр. 38
شرح كتاب الإيمان لأبي عبيد [٤]
الإيمان شعب كثيرة، وما مات النبي ﵊ حتى أكمل الله للمسلمين الدين وأتم عليهم النعمة، فمن استكمل شعب الإيمان كلها فهو المؤمن حقاً، ومن انتقص منها شيئاً مع القدرة عليه نقص من إيمانه بقدرها.
стр. 39
الأدلة من السنة على أن قواعد الإيمان يأتي بعضها بعد بعض
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما الحجة من السنة والآثار المتواترة في هذا المعنى من زيادات قواعد الإيمان بعضها بعد بعض ففي حديث منها أربع، وفي آخر خمس، وفي الثالث تسع، وفي الرابع أكثر من ذلك، فمن الأربع حديث ابن عباس عن النبي ﷺ : (أن وفد عبد القيس قدموا عليه فقالوا: يا رسول الله! إنا هذا الحي من ربيعة وقد حالت بيننا وبينك كفار مضر، فلسنا نخلص إلا في شهر حرام، فمرنا بأمر نعمل به وندعو إليه من وراءنا، فقال: آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع: الإيمان بالله) ثم فسره لهم: (شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا خمس ما غنمتم، وأنهاكم عن الدباء والحنتم والنقير والمقير).
قال أبو عبيد: حدثناه عباد بن عباد المهلبي حدثنا أبو جمرة عن ابن عباس عن النبي ﷺ ].
هذا الحديث صحيح ثابت في الصحيحين وفي غيرهما، وهو حديث وفد عبد القيس، فهذا دليل من السنة، ولهذا قال المؤلف ﵀: [وأما الحجة من السنة والآثار المتواترة في هذا المعنى من زيادات قواعد الإيمان بعضها بعد بعض] يعني: وأما الأدلة من السنة ومن الآثار فإنها متواترة من جهة المعنى، فقد بلغت حد التواتر من جهة المعنى، فكلها متعاضدة ويقوي بعضها بعضاً وتدل على أن الإيمان يزيد وينقص، وأن قواعد الإيمان يأتي بعضها بعد بعض، ويدل على ذلك أن في بعض الأحاديث ذكر أن الإيمان أربعة أشياء، وفي بعض الأحاديث ذكر أن الإيمان خمسة أشياء، وفي بعضها ذكر أن الإيمان تسعة، وفي بعضها أكثر من ذلك، بل في حديث أبي هريرة: (الإيمان بضع وسبعون شعبة) كلها من الإيمان، فهذا يدل على أن الإيمان يزيد وينقص، وأن قواعد الإيمان نزل بعضها بعد بعض، ثم ذكر مثالاً للأربع فقال: مثال الأربع حديث ابن عباس في وفد عبد القيس، وهو حديث مشهور، وبنو عبد القيس أسلموا قديماً، وكانوا في المنطقة الشرقية، وهي الآن في الأحساء، وبلدتهم هي جواثا، ومسجد جواثا هو ثاني مسجد أقيمت فيه الجمعة، إذ الأولى كانت في مسجد النبي ﷺ .
فهؤلاء أسلموا قديماً، وكان بينهم وبين النبي ﷺ في المدينة مسافة، وكانت بين العرب حروب ولكنهم كانوا يتوقفون عن الحرب في الأشهر الحرم، وهي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، وشهر رجب، فوفد عبد القيس كان بينهم وبين النبي ﷺ مسافة، فقالوا: يا رسول الله! إن هذا الحي من ربيعة يسكن في مكان بعيد عن المدينة، ولا نستطيع أن نصل إليك، وقد حالت بيننا وبينك كفار مضر يقاتلوننا، فلا نخلص إليك إلا في شهر حرام، أما في غير ذلك فلا نستطيع، فمرنا -يا رسول الله- بأمر نعمل به وندعو إليه من وراءنا.
أي: أعطنا من جوامع الكلم، ما نعمل به ونخبر به من وراءنا.
فقال: (آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع)، ثم ذكر لهم أول الأربع، وهو الإيمان، ثم فسر الإيمان فقال: (شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا خمس ما غنمتم) ففسره بأربعة أشياء: الشهادة لله تعالى بالوحدانية ولنبيه بالرسالة، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأداء الخمس.
فدل على أن قواعد الإيمان يأتي بعضها بعد بعض.
وقال: (أنهاكم عن الدباء والحنتم والنقير والمقير) وهذه أوعية كانوا ينتبذون بها الشراب، فيجعلون فيها عصيراً كالتمر أو العنب أو غيرهما ويجعلونه في هذه الأوعية، والمزفت هو المطلي بالقار، والنقير جذع النخل ينقرون وسطه، والحنتم جرار خضر من الطين المصلي بالنار، والدبا القرع اليابس، فهذه الأشياء الصلبة كانوا يجعلون فيها العصير من التمر، أو من الشعير، أو من الزبيب، ويضعون عليه الماء فيكون شراباً حلواً، يشربون منه اليومين والثلاثة، لكنه بعد مدة مع شدة الحر يصير خمراً بعد ثلاثة أيام في الغالب، فيتخمر ولا يدرون به فيشربونه، فنهاهم النبي ﷺ وقال: لا تضعوا العصير في هذه الأشياء لأنه يتخمر، ولكن ضعوا العصير في الأسقية من الجلد؛ لأنها إذا تخمر فيها العصير تمزقت، فعرفتم أنها خمر فتجتنبونها، أما هذه الأشياء الصلبة فإنها يتخمر فيها العصير ولا تعلمون فتشربون الخمر.
ثم بعد ذلك لما استقرت الشريعة وعرف الناس تحريم الخمر نسخ ذلك، وقال النبي ﷺ : (انتبذوا في كل وعاء ولا تشربوا الخمر).
[ومن الخمس حديث ابن عمر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت)].
حديث ابن عمر هذا في الصحيحين، وفيه أن النبي ﷺ سئل عن الإسلام فقال: (بني الإسلام على خمس) وفي حديث جبريل كذلك ذكر هذه الخمس، وبين أنها دعائم الإسلام وأركانه، وهي: الشهادتان، والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والإسلام إذا أطلق دخل فيه الإيمان، والإيمان فسره في حديث وفد عبد القيس بأربع، وفي حديث ابن عمر بخمس، فدل على أن الإيمان متعدد.
[قال أبو عبيد: حدثنا إسحاق بن سليمان الرازي عن حنظلة عن أبي سفيان عن عكرمة بن خالد عن ابن عمر عن النبي ﷺ بذلك].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن التسع حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: (إن للإسلام صوى ومناراً كمنار الطريق) قال أبو عبيد: هي ما غلظ وارتفع من الأرض، واحدتها صوة، منها أن تؤمن بالله ولا تشرك به شيئاً، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تسلم على أهلك إذا دخلت عليهم، وأن تسلم على القوم إذا مررت بهم، فمن ترك من ذلك شيئاً فقد ترك سهماً من الإسلام، ومن تركهن فقد ولى الإسلام ظهره.
].
هذا الحديث فيه بيان أن للإسلام قوى ومناراً كمنار الطريق، أي: علامات ودلائل تدل على الإسلام، وذكر منها أن تؤمن بالله ولا تشرك به شيئاً، وهذا هو أصل الدين، والثاني إقام الصلاة، والثالث إيتاء الزكاة، والرابع صوم رمضان، والخامس حج البيت، والسادس الأمر بالمعروف، والسابع النهي عن المنكر، والثامن أن تسلم على أهلك إذا دخلت عليهم، والتاسع أن تسلم على القوم إذا مررت بهم، قال في آخر الحديث: (فمن ترك من ذلك شيئاً فقد ترك سهماً من الإسلام، ومن تركهن -يعني جميعاً- فقد ولى الإسلام ظهره) أي: فقد ترك الإسلام؛ لأن أولهن التوحيد، والتوحيد هو أصل الدين وأساس الملة.
[قال أبو عبيد: حدثنيه يحيى بن سعيد عن عطاء عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن رجل عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ].
هذا الحديث أخرجه جمع منهم الحاكم، وصححه على شرط البخاري ووافقه الذهبي.
стр. 40
بيان المراد من اختلاف الإخبار بعدد خصال الإيمان
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فظن الجاهلون بوجوه هذه الأحاديث أنها متناقضة لاختلاف العدد منها، وهي -بحمد الله ورحمته- بعيدة عن التناقض، وإنما وجوهها ما أعلمتك من نزول الفرائض بالإيمان متفرقاً، وكلما نزلت واحدة ألحق رسول الله ﷺ عددها بالإيمان، ثم كلما جدد الله له منها أخرى زادها في العدد حتى جاوز ذلك السبعين كلمة، كذلك في الحديث المثبت عنه أنه قال: (الإيمان بضعة وسبعون جزءاً، أفضلها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)].
يقول رحمه الله تعالى: هذه الأحاديث التي فيها أن الإيمان أربع خصال وخمس وتسع ظن الجاهلون بوجوه هذه الأحاديث أنها متناقضة لاختلاف العدد، وهذا من جهلهم، ولكنها -بحمد الله- بعيدة عن التناقض، فالرسول ﵊ كلامه يصدق بعضه بعضاً، يقول: [وإنما وجوهها -أي: تأويلها- ما أعلمتك من نزول الفرائض بالإيمان متفرقاً، فنزول الفرائض كان شيئاً بعد شيء، وكلما نزلت واحدة قبلها المسلمون وعملوا بها، ثم يلحق الرسول ﷺ عددها بالإيمان، ثم كلما جدد الله له منها أخرى زادها في العدد حتى جاوز ذلك السبعين كلمة، وفي الحديث المثبت أنه ﷺ قال: (الإيمان بضع وسبعون جزءاً)] وفي لفظ: (الإيمان بضع وستون) والحديث رواه الشيخان، فرواية البخاري: (الإيمان بضع وستون جزءاً) ورواية مسلم: (الإيمان بضع وسبعون جزءاً) وذكر أعلاها وأدناها فقال: (أفضلها شهادة أن لا إله إلا الله -وفي لفظ: أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله- وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان).
وقد عد الإمام البيهقي ﵀ هذه الشعب، وألف مؤلفاً وسماه شعب الإيمان، وتتبع هذه الشعب من النصوص حتى أوصلها إلى تسع وسبعين شعبة؛ فأوصلها إلى آخر البضع؛ لأن البضع من ثلاث إلى تسع.
стр. 41
باب نفي المعارضة بين الأصول والشعب
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو أحمد الزبيري عن سفيان بن سعيد عن سهيل بن أبي صالح عن عبد الله بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة بهذا الحديث، وإن كان زائداً في العدد فليس هو بخلاف ما قبله، وإنما تلك دعائم وأصول].
يعني: أن هذا الحديث وإن كان زاد في العدد فأوصله إلى بضع وسبعين فإنه لا يخالف الأحاديث التي قبله، وإنما تلك دعائم وأصول، مثل أركان الإسلام الخمسة، فالإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، فهذه أصول الإيمان، والإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، فهذه أعمدة الإسلام وأسسه التي يرتكز عليها، فهذه هي الأصول والباقي شعب، فلا منافاة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذه فروعها زائدات في شعب الإيمان من غير تلك الدعائم، فنرى -والله أعلم- أن هذا القول آخر ما وصف به رسول الله ﷺ الإيمان؛ لأن العدد إنما تناهى به، وبه كملت خصاله].
يقول: نرى أن هذا القول في هذا الحديث -أي: حديث (الإيمان بضع وسبعون شعبة) - آخر ما وصف به الرسول ﷺ الإيمان، فتناهى العدد إلى بضع وسبعين شعبة، وبه كملت خصاله، والدليل على هذا أن الله أنزل بعد ذلك: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة:٣] فدل على أن عدد الشرائع والخصال تناهى وكمل في بضع وسبعين شعبة.
стр. 42
تمام الإيمان بتمام خصاله في آخر حياة النبي ﷺ
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والمصدق له قول الله ﵎: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة:٣].
قال أبو عبيد: حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب أن اليهود قالوا لـ عمر بن الخطاب رحمة الله عليه -ورضي عنه-: إنكم تقرءون آية لو نزلت فينا لاتخذنا ذلك اليوم عيداً.
فذكر هذه الآية فقال عمر: إني لأعلم حيث أنزلت، وأي يوم أنزلت، أنزلت بعرفة ورسول الله ﷺ واقف بعرفة.
قال سفيان: وأشك أقال يوم الجمعة أم لا].
هذا حديث ثابت في الصحيحين، وهو أن اليهود قالوا لـ عمر بن الخطاب: إنكم تقرءون آية لو نزلت علينا معشر اليهود لاتخذنا يومها عيداً.
فقال: أي آية؟ فقالوا: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] فاليهود -والعياذ بالله- يعلمون الحق، ولكنهم لم يؤمنوا، بل عاندوا الحق، فهم يقولون: هذه الآية التي نزلت عليكم -أيها المسلمون- آية عظيمة، لو كانت نزلت علينا -معشر اليهود- لاتخذنا يومها عيداً.
فقال عمر: أي آية؟ فقالوا: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣] فقال عمر: أنا أعلم اليوم الذي نزلت فيه، والمكان الذي نزلت فيه، فاليوم الذي نزلت فيه هو يوم عيد، والمكان الذي نزلت فيه مشعر من المشاعر، فقد نزلت على النبي ﷺ يوم عرفة في حجة الوداع، وكان اليوم يوم جمعة، فهو يوم عيد.
والشاهد أن الآية ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣] من آخر ما نزل، فقد نزلت قبل وفاة النبي ﷺ بثمانين يوماً أو باثنين وثمانين يوماً، فدل على أن خصال الإيمان تناهت وكملت في بضع وسبعين، هذا هو مقصود المؤلف ﵀.
[قال أبو عبيد: حدثنا يزيد عن حماد عن حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمار قال: تلا ابن عباس هذه الآية وعنده يهودي، فقال اليهودي: لو أنزلت هذه الآية فينا لاتخذنا يومها عيداً.
قال ابن عباس: فإنها نزلت في يوم عيد يوم جمعة ويوم عرفة.
قال أبو عبيد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن داود بن أبي هند عن الشعبي قال: نزلت عليه وهو واقف بعرفة حين اضمحل الشرك وهدم منار الجاهلية ولم يطف بالبيت عريان].
هذا الحديث مرسل؛ لأن الشعبي لم يسمع من عمر، ولكن الحديث صحيح، إذ قد دلت عليه الأحاديث الصحيحة ومنها ما سبق.
فهذه الآية نزلت وهو واقف بعرفة حين اضمحل الشرك وهدم منار الجاهلية، ولما حج النبي ﷺ كان قد حج قبله في السنة التاسعة أبو بكر، فجعله أميراً على الناس، وكان معه مؤذنون يؤذنون في الناس أن لا يطوف بالبيت عريان، ولا يحج بعد العام مشرك.
وكانوا يحجون وهم مشركون، كان الآفاقي الذي يأتي من خارج مكة لا يطوف بثوبه الذي يأتي به، ويقول: هذا ثوب عصيت الله فيه فلا يصلح، فكان يستعير ثوباً من رجل من أهل مكة، فيقول: أعطني -جزاك الله خيراً- ثوباً أطوف فيه.
فإن أعطاه طاف به، وإن لم يعطه طاف وهو عريان، حتى المرأة كانت تطلب ثوباً، فإذا لم تجد نزعت ثوبها وطافت عريانة، وتضع يدها على فرجها وتقول: اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله وهذا من جهلهم! فالنبي ﷺ أمَّر أبا بكر في السنة التاسعة على الحجاج، وأرسل معه مؤذنين يؤذنون في الناس يوم النحر بمنى أن لا يطوف بالبيت عريان، ولا يحج بعد العام مشرك، فالتزموا بذلك، فلما حج النبي ﷺ في السنة العاشرة انتهى الطواف بالبيت مع العري، وانتهى حج المشركين، فلم يحج مشرك ولم يطف بالبيت عريان، وهذا معنى قوله: [حين اضمحل الشرك وهدم منار الجاهلية ولم يطف بالبيت عريان].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فذكر الله جل ثناؤه إكمال الدين في هذه الآية، وإنما نزلت -فيما يروى- قبل وفاة النبي ﷺ بإحدى وثمانين ليلة].
نزلت هذه الآية في اليوم التاسع من ذي الحجة، وتوفي النبي ﷺ بعدها بواحد وثمانين يوماً أو ببضع وثمانين يوماً على الخلاف في تحديد يوم وفاته ﷺ .
стр. 43
دفع دعوى كمال الإيمان بمجرد الإقرار به
[قال أبو عبيد: كذلك حدثنا حجاج عن ابن جريج، فلو كان الإيمان كاملاً بالإقرار ورسول الله ﷺ بمكة في أول النبوة كما يقول هؤلاء ما كان للكمال معنى، وكيف يكمل شيئاً قد استوعبه وأتى على آخره؟!].
يقول المؤلف ﵀ لو كان الإيمان كاملاً بالإقرار كما تقوله المرجئة؛ لأنهم يقولون: الإيمان يكمل بمجرد الإقرار الذي هو التصديق بالقلب، لو كان كذلك ما كان للكمال معنى في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣]، فلو كان الإيمان كاملاً حينما كان الناس في مكة فكيف يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣] وقد كمل في مكة؟ وكيف يكمل شيء قد استوعب وأتي على آخره؟! فالله تعالى يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣] فمتى قال هذا؟ ومتى أنزلت الآية؟ لقد كان ذلك في نهاية العام في حجة الوداع بعد أن كمل الدين، وبعد أن نزلت الشرائع وفرضت الفرائض وحدت الحدود.
والمرجئة يقولون: إن الإيمان كان كاملاً في القلب حين كان المؤمنون المستضعفون في مكة قبل أن تفرض الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج! وهو هنا يرد عليهم ويقول: لو كان الإيمان كاملاً بالإقرار والتصديق فقط ورسول الله ﷺ بمكة في أول النبوة لما كان للكمال معنى في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣] فكيف يكمل شيء قد استوعب وأتي على آخره؟! فدل ذلك على بطلان هذا القول.
стр. 44
الأسئلة
стр. 45
حكم من حكم بغير ما أنزل الله
السؤال
ذكرتم أن من الأدلة على أن مانعي الزكاة كانوا جاحدين لها أنهم قاتلوا على منعها، فهل هذا ينطبق على من يحكم بغير ما أنزل الله إذا قاتل من أراد الحكم بما أنزل الله، أي: هل هو دليل على جحوده للحكم بما أنزل الله؟
الجواب
مسألة منع الزكاة فيها كلام لأهل العلم، لكن الذي ذكر هو الصواب من أقوال أهل العلم، فمانعوا الزكاة أيام الردة قاتلهم الصحابة، وحكموا عليهم بحكم المرتدين؛ لأنهم منعوها وقاتلوا عليها.
أما مسألة الحكم بغير ما أنزل الله ففيها تفصيل؛ إذ الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون كفراً أكبر وقد يكون كفراً أصغر، والله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]، ويقول تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة:٤٥]، ويقول تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٤٧].
وروي عن ابن عباس أنه قال: ليس بالكفر الذي تذهبون إليه.
فإذا فعله كفر به، وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر.
وروي عن عطاء أنه قال: كفر دون كفر.
ومن العلماء من تأول الآية على ترك الحكم بجميع ما أنزل الله، ومن ذلك الحكم بالتوحيد، ومن العلماء من تأولها على ترك الحكم بغير ما أنزل الله جحوداً، ومنهم من تأولها في أهل الكتاب، فالعلماء لهم فيها أقوال.
والصواب في هذه المسألة أن الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون كفراً أكبر، وقد يكون كفراً دون كفر، فإذا حكم بغير ما أنزل الله معتقداً أن الحكم بما أنزل الله لا يناسب العصر الحاضر، أو أن الإنسان مخير يجوز له أن يحكم بالشريعة وبغير الشريعة فهذا كفر وردة، مثل من يقول: إن الزنا حلال، أو: الربا حلال، أو: الخمر حلال.
فهذا يقتل؛ لأنه استحل أمراً معلوماً من الدين بالضرورة تحريمه، أو أنكر أمراً معلوماً من الدين بالضرورة.
فمن يقول: الزكاة غير واجبة، والصلاة غير واجبة يكفر، ولو كان يصلي ويزكي؛ لأنه أنكر أمراً معلوماً من الدين بالضرورة.
وأما من لا يزكي ويرى أن الزكاة واجبة فإنه لا يكفر، وكذلك من يقول: الزنا حلال، أو: الربا حلال، أو: الخمر حلال، فهذا يكفر؛ لأنه استحل أمراً معلوماً من الدين بالضرورة تحريمه، لكن من يزني، أو يشرب الخمر، ويعلم أن ذلك حرام، أو غلبه الجشع فتعامل بالربا، وغلبته الشهوة فزنى، وغلبه حب المال فسرق، فهذا إيمانه ضعيف وناقص وهو مرتكب لكبيرة، وهو متوعد، لكن لا يكفر.
وكذلك الحكم بغير ما أنزل الله، فالذي يحكم بغير ما أنزل الله ويرى أنه يجوز الحكم بالقوانين والآراء، وأنه لا حرج في ذلك، وأن الإنسان مخير فإن ما فعله كفر وردة، أما من حكم طاعة للهوى والشيطان، وهو يعلم أن الحكم بما أنزل الله واجب لكن حكم بغير ما أنزل الله لرشوة، أو لأجل أن ينفع المحكوم له، وهو يعلم أن الحكم بما أنزل الله واجب وأنه عاص ففعله كفر أصغر وكبيرة، ولا يكون كفراً أكبر.
فالمقصود أن هذا فيه تفصيل، وهذا الأمر قد بينه أهل العلم واستدلوا عليه بالنصوص، وعلى السائل أن يراجع ما كتبه العلماء على الآيات في ذلك، فليراجع تفسير الحافظ ابن كثير وغيره على هذه الآيات في سورة المائدة.
стр. 46
أدلة كون الإيمان قولاً وعملاً يزيد وينقص
السؤال
لا شك في أن الإيمان عند أهل السنة قول وعمل واعتقاد يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، فما الدليل من الكتاب والسنة على هذا التقسيم؟
الجواب
الأدلة في ذلك كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال:٢ - ٤] فجعل هذه الأمور كلها من الإيمان، وبعضها من أعمال القلوب، وبعضها من أعمال الجوارح، ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات:١٥]، وفي الحديث: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) وفي حديث وفد عبد القيس: (آمركم بالإيمان بالله، أتدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأن تؤدوا خمس ما غنمتم) فكل هذه الأدلة تدل على أن أعمال القلوب، وأعمال الجوارح، وأقوال الألسنة كلها داخلة في مسمى الإيمان.
стр. 47
موقف السلف من مرجئة الفقهاء
السؤال
هل صحيح أن السلف كان ذمهم في أكثر مصنفاتهم منصباً على مرجئة الفقهاء، وأما المرجئة الخلص فكانوا يصرحون بوصفهم بالجهمية، ولهذا كان تقرير أن الأعمال تدخل في مسمى الإيمان في مصنفاتهم أكثر من تقرير الرد على من يقول: إن الإيمان هو المعرفة؟
الجواب
لاشك في أن السلف صنفوا في هذا وفي هذا، ومن ذلك رسالة الإمام أبي عبيد في بيان مذهب الجهمية، لكن لفظ المرجئة إذا أطلق ينصرف في الغالب إلى المرجئة المحضة، ولهذا فإن مرجئة الفقهاء أنفسهم يسمون الجهمية مرجئة، ولا يسمون أنفسهم مرجئة.
والمقصود أن السلف ردوا على هؤلاء وهؤلاء، ولاشك في أن مذهب الجهمية مذهب خبيث وخطير، ولهذا بين العلماء مذهب الجهمية، والجهم يتزعم عقائد فاسدة، فـ الجهم بن صفوان اشتهر بأربع عقائد: عقيدة نفي الصفات، وعقيدة الإرجاء، وهو القول بأن الأعمال ليست من الإيمان وليست مطلوبة، وعقيدة الجبر، وهو اعتقاد أن الإنسان مجبور على أفعاله، وعقيدة اعتقاد فناء الجنة والنار، فهذه أربع عقائد اشتهر بها الجهم لخبثه، والعلماء والأئمة صنفوا في مذهب الجهم وبيان بطلان هذه العقائد الخبيثة، ومنها الإرجاء، فبينوا هذا وحكموا على الجهم بالكفر، وشنعوا على الجهمية.
стр. 48
حكم من عقد الإيمان بقلبه وترك العمل
السؤال
ما معنى قول شيخ الإسلام: من كان عقده الإيمان ولا يعمل بأحكام الإيمان فهو كافر كفراً لا يثبت معه توحيد؟
الجواب
عقده الإيمان يعني اعتقاده، فهو يعتقد الإيمان، ولا يعمل بأحكام الإسلام، أي: لا يؤدي الواجبات ولا ينتهي عن المحرمات، فمن قال: أنا مصدق ولكنه يرفض العمل فهو كافر، ولا يفيده الإيمان؛ لأنه مستكبر عن عبادة الله، كما أن إبليس كان كفره بالإباء والاستكبار، كما قال تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٣٤]، وفرعون كان كفره بالإباء والاستكبار، واليهود كفرهم بالإباء والاستكبار، وأبو طالب عم النبي ﷺ كان كفره بالإباء والاستكبار، وهو القائل: ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا لكن حملته العصبية ومنعته من أن يشهد على قومه وعلى آبائه وأجداده بالكفر، فكان يستكبر عن عبادة الله واتباع رسوله، فالمقصود أن معنى ذلك أن من ادعى أنه مؤمن بقلبه ولكنه استكبر وأبى الالتزام بشرع الله ولم يعمل الواجبات وينتهي عن المحرمات؛ فإن كفره يكون بالإباء والاستكبار؛ لأن هذا الإيمان الذي في قلبه أو الذي اعتقده لابد له من عمل يتحقق به، فإذا رفض العمل فإنه يكون مستكبراً، وتكون دعواه الإيمان دعوى باللسان لا تفيده.
وذلك أنه لا يمكن أن يكون الإيمان تاماً في القلب بدون أن يعمل الإنسان، فهذا ليس بصحيح، فإذا كان الإيمان تاماً فلابد من أن يعمل، فليس هناك من يؤمن بالله ورسوله، ويعتقد أن الجنة حق وأن النار حق، ويصدق بالبعث والوقوف بين يدي الله، ويصدق بأن الصلاة فيها فضل عظيم وأجر كبير، وأنها تكفر الذنوب ثم يبقى طول عمره لا يصلي، ويقول: أنا مصدق لكن لن أصلي، وأعلم أن الصلاة جاء الوعيد الشديد على تركها ولكن لن أصلي.
فهذا لا يكون مؤمناً أبداً، ولو كان في قلبه إيمان صادق لبعثه على العمل، فكيف يترك الصلاة طول عمره وهو يعلم ما أعد الله للمصلي من الثواب، ويعلم ما أعد الله على ترك الصلاة من العقاب، ويعلم الفضل والأجر الكبير الذي رتب على أداء الصلاة، والفضل العظيم الذي رتب على أجر الوضوء؟! وسواء قال: إن الأعمال الظاهرة من لوازم الإيمان، أو جزء من الإيمان فالمقصود أنه لابد من العمل.
стр. 49
حكم القول بأن العمل شرط كمال في الإيمان
السؤال
خرج بعض المعاصرين بأقوال جديدة في الإيمان وقال: إن العمل شرط كمال في الإيمان وليس شرط صحة، فما صحة ذلك؟
الجواب
لا أعلم لهذا القول أصلاً، وذلك أن جمهور أهل السنة يقولون: الإيمان قول باللسان، وتصديق بالقلب، وعمل بالقلب، وعمل بالجوارح، والإيمان عمل ونية يزيد بالطاعة وينقص بالمعاصي، فالعمل جزء من الإيمان، والإيمان مكون من هذه الأشياء، من تصديق القلب وقول اللسان وعمل الجوارح وعمل القلب، فكل هذه أجزاء الإيمان، فلابد من أن يقر المرء باللسان ويصدق بالقلب ويعمل بقلبه ويعمل بجوارحه.
والمرجئة يقولون: الأعمال ليست من الإيمان، ولكنها دليل على الإيمان، أو هي من مقتضى الإيمان أو هي ثمرة الإيمان.
أما القول بأن العمل شرط كمال أو شرط صحة فلا أعلم له أصلاً من قول المرجئة ولا من قول أهل السنة، فليس العمل شرط كمال ولا شرط صحة، وإنما هو جزء من الإيمان، والقول بأنه شرط كمال أو صحة لا يوافق مذهب المرجئة، ولا مذهب جمهور أهل السنة، بل قد يقال: إنه يوافق مذهب المرجئة من جهة أنهم أخرجوا الأعمال عن مسمى الإيمان في الجملة، فهو أقرب ما يكون إلى مذهب المرجئة، فالذي يقول: إن العمل شرط كمال أو شرط صحة نقول له: هذا مذهب المرجئة التي أخرجت الأعمال عن مسمى الإيمان، فإما أن تقول: العمل داخل في مسمى الإيمان أو جزء من الإيمان، وإما أن تقول: العمل ليس من الإيمان، فإن قلت: العمل ليس من الإيمان فأنت من المرجئة، سواء أقلت: شرط كمال، أم قلت: شرط صحة، أم قلت: هو دليل على الإيمان، أم قلت: هو مقتضى الإيمان، أم قلت: هو ثمرة الإيمان، فكل من أخرج العمل من الإيمان فهو من المرجئة، ولكني لا أعلم أن المرجئة جعلوا الأعمال شرط كمال للإيمان.
стр. 50
الجمع بين حديث البطاقة وجعل أهل السنة العمل من الإيمان
السؤال
كيف نوفق بين حديث البطاقة مع قول أهل السنة بأن العمل من الإيمان؟
الجواب
لا منافاة بينها، فحديث البطاقة ليس فيه أنه أخرج الأعمال من الإيمان، لكن الذي فيه أنه يؤتى برجل يوم القيامة ويوقف بين يدي الله، ويخرج له تسعة وتسعون سجلاً كل سجل مد البصر، وكلها سيئات، فيقر بكل ما فيها، فيقال له: هل لك من حسنة؟ فيقول: لا.
فلا يذكر شيئاً، فيقول الله له: بلى إنك لا تظلم، إن لك عندنا حسنة.
فتخرج له بطاقة فيهما شهادة أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، فتوضع البطاقة في كفة والسجلات في كفة فتطيش السجلات وتثقل البطاقة، فيغفر الله له.
قال العلماء: إن كل مؤمن له مثل هذه الشهادة، ومع ذلك فإن بعض المؤمنين يعذب في النار، وهذا لم يعذب، قال العلماء: إن هذا الشخص قال هذه الكلمة عن صدق وإخلاص وتوبة نصوح فأحرقت جميع السيئات وقضت عليها، فيكون قد قالها عند الموت، أو قالها عن توبة فأحرقت هذه السيئات وقضت عليها.
стр. 51
الحكم على حديث الذباب
السؤال
هل أحد من أهل العلم صحح حديث الذباب؟
الجواب
إذا كان المقصود بذلك حديث: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء) فهذا الحديث ثابت في صحيح البخاري، وهو أصح الكتب بعد كتاب الله، ولا إشكال فيه.
وأما إذا كان المقصود حديث طارق بن شهاب (دخل رجل النار في ذباب) فالحديث ثابت عن طارق بن شهاب، وهو حديث صحيح، وهو مرسل صحابي، والصحابة يروون عن الصحابة.
стр. 52
الفرق بين مطلق الإيمان والإيمان المطلق
السؤال
ما الفرق بين مطلق الإيمان والإيمان المطلق؟
الجواب
مطلق الإيمان يراد به أصل الإيمان، والإيمان المطلق كمال الإيمان، فالعاصي يثبت له مطلق الإيمان، ولا يثبت له الإيمان المطلق، بل يقال: هو مؤمن ناقص الإيمان.
стр. 53
أثر التكفير في الآخرة
السؤال
هل التكفير متعلق بالدنيا فلا يحكم على المرء في الآخرة؟
الجواب
من حكم عليه بالكفر المخرج من الملة فإنه يحكم عليه بالخلود في النار، فكل كافر كفراً أكبر مخلد في النار نسأل الله السلامة والعافية، فمن وقع في الشرك الأكبر، أو في الكفر الأكبر، أو في النفاق الأكبر ومات على ذلك من غير توبة فهو مخلد في النار، فإن تاب توبة نصوحاً قبل الموت تاب الله عليه.
стр. 54
الفرق بين الإعراض عن دين الله وترك العمل
السؤال
يتكلم العلماء عن الإعراض عن دين الله، فهل هو مختلف عن ترك العمل أم هو نفسه؟
الجواب
الإعراض عن دين الله هو أن يعرض عن دين الله فلا يتعلمه ولا يعبد الله، فهو كافر، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف:٣].
стр. 55
أعمال العهد المكي ومنزلتها من الإيمان
السؤال
قد يقال: في العهد المكي كان الصحابة يتعلمون القرآن، ومنهم من هاجر إلى الحبشة، وهذه الأعمال من الإيمان، وعليه فإنه لا يسلم للمصنف أن الإيمان في مكة كان مجرد الإقرار، فهل لهذا القول حظ من النظر؟
الجواب
حتى لو هاجروا إلى الحبشة، لم يكن في العهد المكي صلاة ولا زكاة ولا صيام ولا حج ولا حدود ولا غيرها، والشرائع ما شرعت إلا في المدينة، إلا الصلاة فإنها فرضت قبل الهجرة بسنة أو سنتين أو ثلاث.
فمقصود المؤلف أن الواجب علينا أولاً التوحيد، ففي مكة أوجب الله التوحيد، أما الشرائع فلم تفرض إلا في المدينة بعد الهجرة.
стр. 56
حكم من سب الله ورسوله عند مرجئة الفقهاء
السؤال
هل من سب الله والرسول ﷺ مرتد عند مرجئة الفقهاء؟
الجواب
المرجئة يرون أن الكفر لا يكون إلا بالجحود، ويقولون: الجحود دليل على الكفر، أما جمهور أهل السنة وأهل الحق فإنهم يرون أن نفس السب كفر، ونفس الاستهزاء كفر، أما أولئك فيقولون: ليس ذلك كفراً، لكنه دليل على الكفر ودليل على ما في قلب المرء، ولو سجد للصنم فإنهم يقولون: السجود ليس بكفر، لكنه دليل على ما في قلبه وعلى أنه جحد حق الله فكان كافراً، ولذلك سب الله، فهو دليل على ما في قلبه من الجحود، وأما أهل السنة فيقولون: نفس السجود للصنم كفر مستقل، ونفس الاستهزاء كفر مستقل؛ لأن الكفر يكون بالقلب، ويكون باللسان، ويكون بالجوارح، ويكون بالاستكبار والرفض والإعراض عن دين الله.
стр. 57
حكم تارك بعض الصلوات
السؤال
من الناس من لا ينتظم في صلاته فيصلي بعض الفروض لا كلها، فهل هذا الصنف من الناس حكمه حكم من ترك الصلاة كلياً؟
الجواب
هذه المسألة خلافية بين أهل العلم، فمن العلماء من قال: إنه لا يكفر إلا إذا ترك الصلوات كلها، أما من كان يصلي ويترك بعضاً من الصلاة فإنه لا يكفر حتى يترك جميع الصلوات.
وقال قوم من أهل العلم: يكفر إذا ترك فرضاً واحداً متعمداً وليس له عذر حتى خرج الوقت، واستدلوا بما جاء في صحيح البخاري من حديث بريدة بن حصيب أن النبي ﷺ قال: (من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله) والذي يحبط عمله هو الكافر، وهذا أصح الأقوال، وهو أنه إذا ترك فرضاً واحداً متعمداً حتى خرج الوقت وليس له عذر كفر، أما إذا كان نائماً نوماً يعذر فيه، أو كان متأولاً، مثل بعض المرضى في المستشفى يتأول فلا يصلي، فإذا قيل له: لماذا لا تصلي؟ قال: كيف أصلي وثيابي نجسة، ولا أستطيع أن أتوضأ؟! لكن إذا خرجت من المستشفى غسلت ثيابي وصليت، فمن قال لك: إنك ستخرج من المستشفى؟! فقد تموت ولا تخرج من المستشفى، ثم لو قدر أنك تخرج فكيف لك أن تترك الصلاة؟ ولهذا ينبغي لطلبة العلم إذا زاروا المرضى في المستشفى أن يبينوا لهم أنه يجب على المريض أن يصلي على حسب حاله، وما عجز عنه سقط، فإذا استطعت أن تتوضأ فتوضأ وإلا فتيمم، وإذا استطعت أن تغسل ثيابك فاغسلها، وإذا استطعت أن توجه السرير إلى القبلة فوجهه، وإن لم تستطع صل على حسب حالك، فقد قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] وقال النبي ﷺ لـ عمران بن حصين: (صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب) وزاد النسائي: (فإن لم تستطع فمستلقي) والصحابة الذين أرسلهم النبي ﷺ في بعض الغزوات قبل أن يشرع التيمم في طلب عقد عائشة أدركتهم الصلاة ولم يشرع التيمم، فصلوا بغير ماء ولا تراب، فأقرهم النبي ﷺ ، وفاقد الطهورين -وهو الذي ليس عنده ماء ولا تراب كأن يكون مصلوباً على خشبة- إذا جاء وقت الصلاة فإنه يصلي ولو بغير وضوء وتيمم؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦].
стр. 58
حكم التكلم بالكفر
السؤال
البعض يستشهد بحديث الرجل الذي أوصى أبناءه عند الموت بإحراقه وذر رماده في يوم ريح على أن من تكلم بالكفر مهما كان لا يكفر، فهل هذا صحيح؟
الجواب
هذا الحديث ثابت في الصحيحين وغيرهما، وهو أن رجلاً ممن كان قبلنا كان مسرفاً على نفسه، وفي لفظ: (لم يعمل خيراً) فلما حضرته الوفاة جمع بنيه وأهله وقال: أي أب كنت لكم؟ فأثنوا عليه خيراً.
فقال: إنه لم يعمل، وإن الله إذا بعثه ليعذبنه عذاباً شديداً، وجاء في بعض الروايات أنه كان نباشاً للقبور، فلما حضرته الوفاة جمعهم وأخذ عليهم الميثاق والعهد أنه إذا مات أحرقوه، ثم سحقوه ثم ذروه في البر، وفي لفظ: أنه أمرهم أن يذروا نصفه في البر ونصفه في البحر، وقال: (لئن قدر الله علي ليعذبني عذاباً شديداً) وظن أنه في هذه الحالة يفوت على الله، ففعلوا به ذلك، فلما مات أحرقوه، ثم سحقوه وطحنوه، ثم ذروا نصفه في البر ونصفه في البحر، وجاء في الحديث أن الله تعالى أمر البر فجمع ما فيه، وأمر البحر فجمع ما فيه، فقال الله له: قم.
فإذا هو إنسان قائم، فقال الله: ما الذي حملك على ذلك؟ قال: من خشيتك يا رب، فرحمه الله وغفر له.
وقد اختلف العلماء في هذا، فقال بعضهم: هذا في شرع من قبلنا وليس في شرعنا.
وأصح ما قيل في ذلك ما أقره الأئمة والعلماء، وهو أن هذا الرجل كان جاهلاً، وأن جهله كان في أمر دقيق خفي بالنسبة إليه، وأن الذي حمله على ذلك ليس العناد ولا التكذيب، ولكن الذي حمله على ذلك الجهل مع الخوف العظيم، فاجتمع أمران، جهل مع خوف عظيم فغفر الله له، فهذا الرجل لم يكن مكذباً بالبعث، بل هو يثبت البعث ويعتقد أنه لو ترك ولم يحرق ولم يسحق سيبعث، ولم ينكر قدرة الله، وكان يظن أن الله قادر عليه، وإنما أنكر كمال تفاصيل القدرة، وظن أنه إذا وصل إلى هذه الحالة فات على الله ولم يدخل تحت القدرة، وهذا الظن ليس الذي حمله عليه هو العناد ولا التكذيب، وإنما الذي حمله أمران: الأمر الأول: الجهل، والجهل إنما هو في أمر دقيق خفي، وليس كل جاهل يعذر، فمن أنكر أمراً معلوماً لكل أحد وهو معلوم له فإنه لا يعفى عنه، ومثال ذلك: لو أن إنساناً تعامل بالربا في مجتمعنا الآن ثم نهيته عن الربا وقلت له: لماذا تتعامل بالربا؟ فقال: أنا جاهل لا أدري.
فهل يعذر بالجهل؟ لا، وذلك لأن تحريم الربا يعرفه العام والخاص، لكن لو أن إنساناً أمريكياً أسلم في أمريكا وكان يعيش طول حياته في الربا، ولا يعرف إلا الربا، ثم تعامل بالربا، فلما قيل له: كيف أسلمت وتتعامل بالربا؟ قال: أنا لا أدري فإنه يعذر.
فالجاهل إذا كان جاهلاً في مسألة دقيقة خفية فإنه يعذر فيها، أما إذا كان الأمر واضحاً وليس دقيقاً ولا خفياً ومثله لا يُجهَل فإنه لا يعذر فيه، فهذا الرجل كان يجهل هذه المسألة، وهي دقيقة وخفية بالنسبة إليه، وظن أنه إذا وصل إلى هذه الحالة فات على الله ولم يدخل تحت القدرة، ولم ينكر البعث، ولم ينكر أصل قدرة الله، وإنما أنكر كمال تفاصيل القدرة فغفر الله له، وليس الذي حمله على ذلك التكذيب ولا العناد، وإنما الجهل مع الخوف العظيم، فغفر الله له، وهذا هو الصواب في هذه المسألة الذي قرره المحققون من أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره.
стр. 59
شرح كتاب الإيمان لأبي عبيد [٥]
إن مما يعتقده أهل السنة في الإيمان أنه يتفاوت في القلوب ويتفاضل، وأنه يزيد وينقص، وأن له شعباً من الأقوال والأعمال القلبية وأعمال الجوارح، وأنه قول وعمل ونية، وكل ذلك قامت عليه دلائل الوحيين، ولم يخالف فيه إلا فرق الضلال.
стр. 60
شعب الإيمان ودلائلها من النصوص
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال أبو عبيد: فإن قال لك قائل: فما هذه الأجزاء الثلاثة وسبعون؟ قيل له: لم تُسم لنا مجموعة فنسميها، غير أن العلم يحيط أنها من طاعة الله وتقواه، وإن لم تذكر لنا في حديث واحد، ولو تفقدت الآثار لوجدت متفرقة فيها، ألا تسمع قوله في إماطة الأذى وقد جعله جزءاً من الإيمان وكذلك قوله في حديث آخر: (الحياء شعبة من الإيمان)، وفي الثالث: (الغيرة من الإيمان)، وفي الرابع: (البذاذة من الإيمان)، وفي الخامس: (حسن العهد من الإيمان)؟! فكل هذا من فروع الإيمان].
هذا اعتراض من المؤلف ﵀ -وهو أبو عبيد القاسم بن سلام - حيث قال -يعني نفسه-: فإن قال لك قائل واعترض عليك معترض: فما هذه الأجزاء الثلاثة وسبعون؟)، يشير إلى حديث: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأعلاها: قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)، فهذا الحديث فيه بيان أن الإيمان شعب متعددة وأنه بضع وسبعون، والبضع: من ثلاثة إلى تسعة، ولهذا فإن الإمام البيهقي ﵀ جمع في كتابه الذي سماه (شعب الإيمان) تسعاً وسبعين شعبة.
وقول المؤلف ﵀: (فما هذا الأجزاء الثلاثة وسبعون) الذي يظهر لي أنه ليس في الحديث تخصيص بأنها ثلاث وسبعون، وإنما (بضع وسبعون)، والبضع من ثلاثة إلى تسعة، فلو قال: فما هذه الأجزاء البضع والسبعون) لكان أفضل؛ لأن الحديث لم يحدد ثلاثاً، وإنما قال النبي ﷺ : (بضع وسبعون) في رواية مسلم، وفي رواية البخاري: (بضع وستون).
يقول رحمه الله تعالى مجيباً: [قيل: لم تسم لنا مجموعة فنسميها]، أي: هذه الأجزاء البضع والسبعون ما سماها لنا الشارع، وقال الجزء الأول كذا والجزء الثاني كذا والثالث كذا فما سماها في مكان واحد وفي حديث واحد.
[غير أن العلم يحيط أنها من طاعة الله وتقواه]، أي: غير أننا نجزم بأنها هذه الشعب كلها من طاعة الله وتقواه وإن لم تذكر لنا في حديث واحد، لكن تؤخذ من مجموع النصوص من الكتاب والسنة، ولهذا قال: [ولو تفقدت الآثار لوجدت متفرقة فيها] يعني النصوص، فلو تفقدت لوجدت متفرقة فيها، وأقول: ليس ذلك خاصاً بالآثار، بل كذلك نصوص القرآن الكريم، فلو بحثت عنها وتفقدتها في نصوص الكتاب والسنة لوجدت هذه البضع والسبعين، ثم مثل ﵀ فقال: [ألا تسمع قوله في إماطة الأذى وقد جعله جزءاً من الإيمان؟!]، ونص الحديث: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان).
فمثل النبي ﷺ في هذا الحديث لأعلاها ولأدناها، وقال: (أعلاها قول لا إله إلا الله) فكلمة التوحيد هي أعلاها، وهي من قول اللسان مع الاعتقاد في القلب، وأدناها أماطة الأذى عن الطريق، وهذا عمل بدني، (والحياء شعبة من الإيمان) وهذا عمل قلبي، فمثل للشعبة القولية، ومثل للشعبة العملية، ومثل للشعبة القلبية، فدل على أن شعب الإيمان تكون من أعمال القلوب، ومن أعمال البدن، ومن أقوال اللسان، وكلها داخله في مسمى الإيمان، وهذا يدل على أن مسمى الإيمان قول باللسان وتصديق بالقلب وعمل بالقلب وعمل بالجوارح.
يقول: [ألا تسمع قوله في إماطة الأذى وقد جعله جزءاً من الإيمان، وقوله في حديث آخر: (الحياء شعبة من الإيمان)] وهو في نفس الحديث، وهذا الحديث متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁ بلفظ (الإيمان بضع وسبعون) في رواية مسلم، وفي رواية البخاري: (بضع وستون شعبة، فأعلاها -وفي لفظ: فأفضلها -قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان).
قال: [وفي الثالث: (الغيرة من الإيمان)] يعني: في حديث آخر: (الغيرة من الإيمان).
قال المحقق: رواه البزار وابن بطة في الإبانة عن أبي سعيد وصله بسند فيه مجهول الحال، لكن جاء في الحديث الآخر في الصحيح أن النبي ﷺ قال: (ألا تعجبون من غيرة سعد؟! لأنا أغير منه، والله أغير مني)، فالغيرة صفة لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته لا يماثل فيها أحداً من المخلوقين، وسبب الحديث أن سعد بن معاذ قال: (يا رسول الله! لو رأيت أحداً مع أهلي لضربته بالسيف غير مصفح.
فقال النبي ﷺ : أتعجبون من غيرة سعد؟! لأنا أغير منه، والله أغير مني)، فوصف الله بالغيرة.
قال: [وفي الرابع] يعني: في حديث رابع: [(البذاذة من الإيمان)] فجعلها من الإيمان، إلا أن الأفضل للمسلم إذا أنعم الله عليه بنعمة أن يظهر هذه النعمة عليه، كما في الحديث: (إن الله يحب إذا أنعم على عبد نعمة يحب أن يرى أثر نعمته على عبده)، لكن إذا ترك الثياب الجميلة في بعض الأحيان كسراً للنفس وتواضعاً فهذا مطلوب، وهذا هو معنى البذاذة، فالبذاذة: هي ترك الثياب الجميلة في بعض الأحيان تواضعاً وكسراً للنفس وإبعاداً لها عن العجب.
قال: [وفي الخامس] يعني: في الحديث الخامس: [(حسن العهد من الإيمان)، فكل هذه من فروع الإيمان] ولو تتبعت النصوص من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ كما تتبعها البيهقي ﵀ لوجدت هذه الشعب، فكل الشعب التي وردت في هذه النصوص من فروع الإيمان.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومنه حديث عمار: (ثلاث من الإيمان: الإنفاق من الإقتار والإنصاف من نفسك، وبذل السلام على العالم)].
يقول المحقق: روي مرفوعاً وموقوفاً، والراجح أنه موقوف، على أن في سنده من كان اختلط، ولكن فات على المحقق -وهو الشيخ ناصر الدين الألباني - أن أثر عمار هذا رواه البخاري في صحيحه معلقاً مجزوماً به، قال: (صح عن عمار أنه قال: ثلاث من الإيمان: الإنفاق من الإقتار، والإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم) ومن المعلوم أن البخاري إذا رواه معلقاً مجزوماً به فهو صحيح إلى من علقه، والإنفاق من الإقتار يعني: أن ينفق الإنسان ويتصدق ويحسن ولو كان ماله قليلاً، والإقتار: هو الضيق والفقر، فإذا كان عنده درهمان ينفق درهماً ويبقى لأهله درهماً، فهذا هو الإنفاق مع الإقتار، وقد يسبق هذا الدرهم الآلاف، ولهذا جاء في الحديث الآخر: (سبق درهم ألف درهم)، فكيف ذلك؟! الجواب أن هذا عنده درهمان فتصدق بدرهم وأبقى لأهله درهماً، وآخر عنده ملايين وأنفق من هذه الملايين ألفاً، فيكون ذاك أنفق نصف ماله وهذا أنفق ألفاً من ملايين، فيسبق درهم ألف درهم.
وقد كان الصحابة ﵃ إذا حثهم النبي ﷺ على الصدقة يحاملون، أي: يعمل الواحد منهم فيكون حمالاً يحمل على ظهره، فإذا أعطي الأجرة درهمين تصدق بدرهم وأبقى لأهله درهماً ﵃.
والأمر الثاني: الإنصاف من نفسك، فتقول الحق ولو كان على نفسك، وهذا لا يستطيعه إلا أهل العدل، وهو من كمال الإيمان.
والثالث: بذل السلام للعالم، أي: للناس جميعاً، فبعض الناس لا يسلم إلا على من يعرف، والذي لا يعرفه لا يسلم عليه، وهذا غلط، فالسنة إفشاء السلام على كل من لقيت، إلا إذا عرفت أنه كافر فلا تبدأه بالسلام؛ لقول النبي ﷺ : (لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه)، وإذا سلم عليك وهو غير مسلم فرد عليه وقل له: وعليكم؛ لقول النبي ﷺ : (إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم)، فبذل السلام للعالم جاء في حديثين في سندهما بعض الشيء، فذاك الأول، والثاني: (في آخر الزمان يكون السلام للمعرفة)، فبعض الناس يسلم على من يعرف، أما الذي لا يعرف فلا يسلم عليه، وهذا غلط وإن كان ابتداء السلام سنة، لكنه من أسباب المحبة، وفي الحديث: (والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم).
стр. 61
زيادة الإيمان ونقصانه وتفاوته
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم الأحاديث المعروفة عند ذكر كمال الإيمان حين قال: (أي الخلق أعظم إيماناً؟ فقيل: الملائكة، ثم قيل: نحن يا رسول الله، فقال: بل قوم يأتون بعدكم)، فذكر صفتهم].
هذا الحديث ذكر المحقق أنه أخرجه الحسن بن عرفة في جزئه، وأن سنده ضعيف، وهو عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومنه -أيضاً- قوله: (إن أكمل -أو من أكمل المؤمنين- إيماناً أحسنهم خلقاً)].
هذا فيه ذكر كمال الإيمان، فالأحاديث التي جاء فيها ذكر كمال الإيمان تدل على أن الإيمان يزيد وينقص ويتفاوت، وأنه أجزاء وأنه متعدد، وهذا فيه رد على المرجئة، وهذا هو الذي يريده ﵀، فالأحاديث التي فيها ذكر كمال الإيمان تدل على أن الإيمان يكون كاملاً عند بعض الناس ويكون ناقصاً عند بعض الناس، وإذا كان الإيمان يكمل وينقص فذلك يدل على أنه متعدد وليس شيئاً واحداً كما تقوله المرجئة، فهم يقولون: الإيمان شيء واحد لا يزيد ولا ينقص، بل هو تام في القلب وهو التصديق، لكن الأحاديث التي فيها ذكر كمال الإيمان ترد هذا المذهب، وتدل على أن الإيمان يكون كاملاً ويكون ناقصاً عند بعض الناس؛ لأنه متعدد؛ لأنه عمل بالقلب وعمل بالجوارح وقول باللسان وتصديق بالقلب، فهذا هو مقصود المؤلف ﵀ من ذكر الأحاديث في كمال الإيمان.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك قوله: (لا يؤمن الرجل الإيمان كله حتى يدع الكذب في المزاح والمراء وإن كان صادقاً)].
وهذا فيه دليل على أن الإيمان يتفاوت، وأن بعض الناس يؤمن الإيمان كله، وبعضهم لا يؤمن الإيمان كله فدل على أنه متفاوت وأنه متبعض وأنه متعدد، وليس شيئاً واحداً كما تقول المرجئة.
وفيه نفي الإيمان الكامل عمن لم يدع الكذب في المزاح والمراء وإن كان صادقاً، فهذا إيمانه ناقص، أما الذي يدع الكذب والمراء وإن كان صادقاً مع أداء الواجبات وترك المحرمات فإن إيمانه كامل، فدل على أن الناس يتفاوتون في الإيمان خلافاً للمرجئة الذين يقولون: إيمان أهل الأرض وإيمان أهل السماء شيء واحد لا يزيد ولا ينقص.
وهذا باطل.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد روي مثله أو نحوه عن عمر بن الخطاب وابن عمر، ثم من أوضح ذلك وأبينه حديث النبي ﷺ في الشفاعة حين قال: (فيخرج من النار من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان، وبرة من إيمان، ومثقال ذرة من إيمان)].
أي: ومن أوضح الأدلة وأبينها في رد مذهب المرجئة الذين يقولون: إن الإيمان شيء واحد لا يزيد ولا ينقص ولا يتفاوت ولا يتبعض، حديث الشفاعة؛ فإن أحاديث الشفاعة متواترة في إخراج عصاة الموحدين من النار، فقد ثبت أن نبينا ﷺ يشفع أربع شفاعات في العصاة، وفي كل مرة يحد الله له حداً بعد أن يسجد لربه ويأتيه الإذن من الله ويقول الله له: (يا محمد ارفع رأسك وسل تعطه واشفع تشفع.
قال: فيحد الله له حداً) أي: علامة، فيخرجهم من النار إلى الجنة، وجاء في بعضها: أن النبي ﷺ يقال له في المرة الأولى: (أخرج من كان في قلبه مثقال دينار من إيمان)، وفي بعضها مثقال نصف دينار وفي بعضها (مثقال ذرة من إيمان) وفي بعض الأحاديث ثلاث مرات، الأولى: (مثقال ذرة من إيمان) والثانية (أدنى مثقال ذرة من إيمان) والثالثة: (أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان) والرابعة فيمن قال: لا إله إلا الله، فدل هذا على أن الإيمان يتفاوت، فبعض الناس لا يكون في قلبه من الإيمان إلا مثقال ذرة، وبعضهم مثقال شعيرة، وبعضهم مثقال برة، وبعضهم مثقال دينار، وبعضهم أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان، وأحاديث الشفاعة فيها دليل واضح وبين على بطلان قول المرجئة الذين يقولون: من إيمان الناس واحد، وإيمان أهل الأرض وأهل السماء واحد.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومنه حديثه في الوسوسة حين سئل عنها فقال: (ذاك صريح الإيمان)].
وذلك حين قال الصحابة رضوان الله عليهم: (يا رسول الله! إنا لنجد في أنفسنا ما لأن يخر الإنسان من السماء خير له من أن ينطق به)، وفي لفظ: (ما يحب أن يكون حممة) أي: فحمة ولا يتكلم به، فقال النبي ﷺ : (وقد وجدتموه؟! قالوا: نعم يا رسول الله.
قال: ذاك صريح الإيمان)، أي أن كتم الوسوسة ومحاربتها واستعظامها وعدم التكلم بها هو صريح الإيمان.
ولهذا فإن السلف الصالح من الصحابة والتابعين تميزوا على المتأخرين بأنهم كانوا إذا وجدوا وسوسة في أنفسهم حاربوها ودافعوها وكتموها ولم يتكلموا بها، أما المتأخرون فإنهم تكلموا بها وسودوا بها الكتب وشبهوا بها على الناس، الأمر الذي اضطر أهل العلم من أهل السنة والجماعة إلى الرد عليهم، وقد كان الناس في العصر الأول في عافية من هذا، ثم تكلم المعتزلة والخوارج والجهمية والرافضة وغيرهم بالوساوس التي تكون في أنفسهم والتي تخالف النصوص، أما الصحابة والتابعون ومن بعدهم فإنهم حاربوا الوسوسة وكتموها ودافعوها، فقال النبي ﷺ : (ذاك صريح الإيمان).
وهذا يدل على بطلان مذهب المرجئة؛ لأنه قال: (صريح الإيمان)، فالإيمان فيه صريح وغير صريح، والمرجئة يقولون: الإيمان واحد، فكل الناس إيمانهم صريح.
وهذا من أبطل الباطل.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك حديث علي ﵇].
وعلي ﵁ لا يخصص فيقال له: ﵇ دون غيره من الصحابة، بل نقول للصحابة جميعاً: ﵃.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك حديث علي ﵇: إن الإيمان يبدأ لمظة في القلب، فكلما ازداد الإيمان عظماً ازداد ذلك البياض عظماً].
هذا موقوف على علي ﵁، يعني أن الإيمان يبدأ شيئاً بعد شيء حتى يكبر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [في أشياء من هذا النحو كثيرة يطول ذكرها تبين لك التفاضل في الإيمان بالقلوب والأعمال].
أي: هناك أدلة وآثار ونصوص غير هذه النصوص التي ذكرها من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ومن أقوال الصحابة ومن أقوال التابعين والأئمة والعلماء، كلها تبين أن الإيمان يتفاضل في القلوب والأعمال، وذلك لأن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، وهذه كلها ترد وتبطل مذهب المرجئة الذين يقولون: الإيمان شيء واحد لا يتفاضل، وإيمان البر والفاجر سواء.
وهذا من أبطل الباطل.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكلها يشهد -أو أكثرها- أن أعمال البر من الإيمان، فكيف تعاند هذه الآثار بالإبطال والتكذيب؟!].
المرجئة عاندوا هذه الآثار، فبعضها أبطلوها وبعضها كذبوها، والواجب على المسلم أن يقبل شرع الله ودينه وأن يقبل الآثار إذا صحت أسانيدها، كما أنه يقبل كتاب الله، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٣٦].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومما يصدق تفاضله بالأعمال قول الله جل ثناؤه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢]، إلى قوله: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال:٤]].
أي: ومما يدل على أن الإيمان يتفاضل بالأعمال هذه الآيات الكريمة من سورة الأنفال، قال تعالى: ((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ)) أي: إنما المؤمنون الكمل الذين اتصفوا بهذه الصفات ((الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ))، وهذا عمل قلبي ((وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا))، وهذا من عمل القلب، ((وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ))، وهذا عمل القلب وعمل الجوارح، فالتوكل يجمع أمرين: فعل الأسباب والاعتماد على الله ((الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ))، وإقامة الصلاة من أعمال الجوارح، ((وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ))، ثم قال: ((أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا))، فهذا فيه بيان المؤمنين الكمل، فالذين كمل إيمانهم هم الذين اتصفوا بهذه الصفات، فدل على أن الإيمان يتفاضل بالأعمال.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فلم يجعل الله للإيمان حقيقة إلا بالعمل على هذه الشروط].
وجه الاستدلال من الآيات قوله: [لم يجعل الله للإيمان حقيقة إلا بالعمل على هذه الشروط] المذكورة، فوجل القلب عند ذكر الله، وزيادة الإيمان عند تلاوة القرآن، والتوكل على الله، وإقام الصلاة، والإنفاق، جعلها الله علامة على الإيمان الكامل.
стр. 62
حكم مدعي ثبوت الإيمان بالقول دون العمل
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والذي يزعمه أنه بالقول خاصة يجعله مؤمناً حقاً وإن لم يكن هناك عمل، فهو معاند لكتاب الله والسنة].
الواحد من المرجئة يزعم أن الإيمان بالقول خاصة، والذي يزعم أن الإيمان بالقول خاصة يجعله مؤمناً حقاً كامل الإيمان، وإن لم يكن هناك عمل، يقول عنه: إنه معاند لكتاب الله وسنة رسوله؛ لأن النصوص واضحة، ففي القرآن: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢]، وفي الحديث: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)، فالذي يقول إن الإيمان هو القول خاصة، وإنه يكون مؤمناً كامل الإيمان بمجرد القول، معاند لكتاب الله ومعاند لسنة رسول الله، وهم المرجئة، والمؤلف ﵀ اشتد في الإنكار عليهم؛ لأن النصوص واضحة في هذا.
стр. 63
أدلة تفاضل الإيمان في القلوب
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومما يبين لك تفاضله في القلب قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ [الممتحنة:١٠]، ألست ترى أن هاهنا منزلاً دون منزل؟ ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة:١٠] كذلك].
أي أن هذا مما يدل على أن الإيمان يتفاضل في القلب، خلافاً للمرجئة الذين يقولون: الإيمان في القلب شيء واحد لا يزيد ولا ينقص، ومما يدل عليه آية الممتحنة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة:١٠]، فهي تدل على أن الإيمان يتفاضل في قلوب الناس، فإذا جاءت المرأة مهاجرة إلى المدينة تمتحن حتى يعلم ما في قلبها من الإيمان هل هي مؤمنة صادقة أو مؤمنة غير صادقة، ولهذا قال: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة:١٠]، والمعنى: وإن لم تعلموهن مؤمنات فارجعوهن إلى الكفار، ولذلك قال: ألست ترى أن هاهنا منزلاً دون منزل؟! فالمنزل الأول: ((فَامْتَحِنُوهُنَّ))، والمنزل الثاني: ((فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ)).
يعني: هناك منزلان: الأول: أن تعلم أنها مؤمنة، والمنزل الثاني: أن تعلم أنها ليست مؤمنة، وهذا وجه الدلالة من الآية على أن الإيمان يتفاضل في القلب.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومثله قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء:١٣٦]، فلولا أن هناك موضع مزيد ما كان لأمره بالإيمان معنى].
وهذا دليل آخر مع بيان وجه الدلالة، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء:١٣٦] ووجه الدلالة هو أنهم مؤمنون وقال لهم: آمنوا، فبعد أن ناداهم باسم الإيمان قال لهم آمنوا.
أي: ازدادوا إيماناً، فدل على أن الإيمان يزيد وينقص، ولهذا قال المؤلف في بيان وجه الدلالة: [فلولا أن هناك موضع مزيد ما كان لأمره بالإيمان معنى] فلو كان الإيمان لا يزيد فكيف يأمرهم بالإيمان؟! والمرجئة يقولون: الإيمان لا يزيد ولا ينقص، ولو كان الإيمان لا يزيد ولا ينقص لم يأمرهم الله بالإيمان، ولما كان للأمر معنى، وهذا واضح في الرد على المرجئة الذين يقولون: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وإنما هو شيء واحد في القلب.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم قال أيضاً: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:١ - ٣]].
وهذه الآية واضحة في أن الإيمان يزيد وينقص، قال الله: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ أي: في إيمانهم ((وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ)).
إذاً: هناك مؤمن صادق وهناك مؤمن غير صادق، فالمؤمن ضعيف الإيمان لا يقال له: صادق الإيمان، بل يقال: غير صادق الإيمان، والمؤمن قوي الإيمان يقال له: صادق الإيمان، فدل على أن الإيمان يتفاوت، فالعاصي إيمانه غير صادق والمطيع إيمانه صادق، ولهذا يقال في العاصي: مؤمن ناقص الإيمان، ويقال: ليس بمؤمن حقاً، وليس بصادق الإيمان، ولهذا قال: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٧٧] في الآية الأخرى، وهنا قال: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ أي: صدقوا في إيمانهم ((وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ)).
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت:١٠]].
وهذا فيه بيان ضعف الإيمان، حيث يقول تعالى: ((وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ))، فهذا ضعيف الإيمان، ((فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ))، وفي الآية الأخرى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الحج:١١] فقوله: (على حرف) أي: على طرف.
إذاً: الناس يتفاوتون، فمنهم ضعيف الإيمان الذي إذا أوذي افتتن عن دينه ونكص على عقبيه، ومنهم الصادق في إيمانه الذي يتحمل الأذى، فدل على أن الإيمان يتفاوت وأن الناس يتفاوتون في الإيمان.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤١]].
إذاً: هناك تمحيص، حتى يتبين المؤمن الصادق من غير الصادق، فدل على أن الناس يتفاوتون في الإيمان، وهذا يدل على أن المؤلف - أبا عبيد القاسم بن سلام ﵀ دقيق الفهم والاستنباط من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فهو إمام ﵀.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أفلست تراه ﵎ قد امتحنهم بتصديق القول بالفعل].
ولذا قال: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٣]، فالصادق في إيمانه هو الذي يصدق عمله قوله؛ لأن بعض الناس يقول آمنا بالله، فإذا جاءت الفتنة نكص على عقبيه، وهو يقول: آمنا بالله، فإذا طلب منه الجهاد امتنع، ومن الناس من يقول: آمنا بالله، ثم يجاهد، فهذا صدق إيمانه بالعمل، وذاك كذب عمله ما يدعيه من الإيمان.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولم يرض منهم بالإقرار دون العمل].
أي: لم يرض بالإقرار بالقلب فقط، بل لابد من العمل، ولهذا قال: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ [العنكبوت:٣]، أي: الذين صدقت أعمالهم إيمانهم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حتى جعل أحدهما من الآخر، فأي شيء يتبع بعد كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ومنهاج السلف بعده الذين هم موضع القدوة والإمامة؟!].
أي: جعل كل واحد من القول العمل إيماناً، فأي شيء يتبع الإنسان بعد كتاب الله وسنة رسوله ﷺ التي دلت على دخول الأعمال في مسمى الإيمان؟! وكذلك أجمع السلف الصالح الذين هم موضع القدوة والإمامة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم على هذا، فكيف يترك الإنسان ما دلت عليه النصوص من كتاب الله وسنة رسوله وما أجمع عليه الصحابة والتابعون ومن بعدهم وهم موضع القدوة؟!
стр. 64
خلاصة معتقد أهل السنة في الإيمان
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فالأمر الذي عليه السنة عندنا ما نص عليه علماؤنا مما اقتصصنا في كتابنا هذا أن الإيمان بالنية والقول والعمل جميعاً، وأنه درجات بعضها فوق بعض، إلا أن أولها وأعلاها الشهادة باللسان، كما قال رسول الله ﷺ في الحديث الذي جعله فيه بضعة وسبعين جزءاً، فإذا نطق بها القائل وأقر بما جاء من عند الله لزمه اسم الإيمان بالدخول فيه، لا بالاستكمال عند الله، ولا على تزكية النفوس، وكلما ازداد لله طاعة وتقوى ازداد به إيماناً].
هذه الأسطر الستة خلاصة لمعتقد أهل السنة والجماعة تكتب بماء الذهب، ولو كتبت بماء الذهب لم يكن فيها كثيراً، وفيها بيان القاعدة العظيمة عند أهل السنة والجماعة في الإيمان، فجدير بالمسلم أن يكتب هذه الأسطر في ورقة ويجعلها في جيبه دائماً؛ حتى يتبين له مذهب أهل السنة والجماعة ويرد على المرجئة في هذا.
يقول المؤلف ﵀: [فالأمر الذي عليه السنة عندنا] يعني معشر أهل السنة والجماعة والأئمة والعلماء [ما نص عليه علماؤنا] يقول صاحب الحاشية: أي ما مضى عليه علماؤنا، يعني: ما استمروا عليه واعتقدوه وقرروه [مما اقتصصنا في كتابنا هذا] يعني: مما ذكرنا في كتابنا هذا من الأدلة والنصوص [أن الإيمان بالنية والقول والعمل جميعاً] فيكون ثلاثة أجزاء: النية، والقول، والعمل، فلابد من النية في الصلاة، وفي الزكاة، وفي الصوم، وفي الحج وفي سائر العبادات؛ لحديث: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرء ما نوى)، فلا تصلح الأعمال إلا بالنية، فالنية من الإيمان، والقول يشمل قول اللسان وهو النطق، وقول القلب، وهو التصديق والإقرار، والعمل يشمل عمل القلب وعمل الجوارح، فيكون الإيمان مكوناً من النية والقول والعمل.
فيقول الإمام أبو عبيد ﵀: [أن الإيمان بالنية والقول والعمل جميعاً، وإنه درجات بعضها فوق بعض] خلافاً للمرجئة الذين يقولون: الإيمان شيء واحد ولا يوجد درجات ولا نية ولا عمل، ولا يوجد إلا قول القلب وتصديق القلب فقط قال: [وأنه درجات بعضها فوق بعض، إلا أن أولها وأعلاها] أي: أول الدرجات وأعلاها [الشهادة باللسان] وهي كلمة التوحيد؛ لأنها أصل الدين وأساس الملة، وأول درجات الإيمان وأصلها وأسها الذي تنبني عليه الأعمال، وهي الشهادة لله تعالى بالوحدانية ولنبيه بالرسالة، وجملتها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله).
قال: [كما قال رسول الله ﷺ في الحديث الذي جعله فيه بضعة وسبعين جزءاً] والضمير يعود إلى الإيمان، يشير إلى الحديث الذي في الصحيحين: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) فإذا نطق القائل بكلمة التوحيد، وقال: (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله) وأقر بما جاء من عند الله والترم واعترف وصدق بالأوامر والنواهي [لزمه اسم الإيمان بالدخول فيه] أي أنه يسمى مؤمناً [لا بالاستكمال عند الله]، فلا نقول: إن إيمانه مستكمل حتى يمتثل الأوامر ويجتنب النواهي، [ولا على تزكية النفوس] أي: وليس له أن يقول: أنا مؤمن، فيزكي نفسه، ولكن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله أرجوه، كما قال بعض السلف، وكما سيأتي.
قال: [وكلما ازداد لله طاعة وتقوى ازداد إيماناً] أي: إذا أدى الإنسان الفرائض فهو مؤمن، لكن إذا زاد عليها السنن الرواتب والضحى، وتحية المسجد، وسنة الوضوء، وصلاة الليل، وكذلك زاد في الصيام فصام ثلاثة أيام من كل شهر، والإثنين والخميس، وتسع ذي الحجة، وستاً من شوال، والتاسع والعاشر من محرم زاد تقواه وإيمانه، وكذلك الزكاة إذا أداها وتصدق من غيرها زاد إيمانه، خلافاً للمرجئة الذين يقولون: الإيمان لا يزيد ولا ينقص.
стр. 65
شرح كتاب الإيمان لأبي عبيد [٦]
من المسائل العقدية المهمة مسألة الاستثناء في الإيمان بقول (إن شاء الله)، وقد تعرض علماء الإسلام لبيان حكمها من حيث المراد بحقيقة الإيمان الذي يتلفظ معه بالاستثناء، والإيمان المقصود به الدين المخالف للكفر لا يرد معه الاستثناء، وأما الإيمان المقصود به القيام بالواجبات وترك المحرمات فإنه لابد فيه من الاستثناء؛ لما فيه من تزكية للنفس، وعلى ذلك جمعت النصوص الواردة عن السلف في هذه المسألة.
стр. 66
الاستثناء في الإيمان
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: الاستثناء في الإيمان.
قال أبو عبيد: حدثنا يحيى بن سعيد عن أبي الأشهب عن الحسن قال: قال رجل عند ابن مسعود: أنا مؤمن.
فقال ابن مسعود: أفأنت من أهل الجنة؟! فقال: أرجو، فقال ابن مسعود: أفلا وكلت الأولى كما وكلت الأخرى؟].
هذا الأثر عن ابن مسعود ﵁ وإن كان قال صاحب الحاشية: إن سنده منقطع له شواهد تقويه وتشده.
وقوله: [قال رجل عند ابن مسعود: أنا مؤمن] أي أنه لم يستثن، فكأنه يزكي نفسه، فلم يقل إن شاء الله، فقال ابن مسعود: [أفأنت من أهل الجنة؟!] أي: تستطيع أن تقول: إنك من أهل الجنة؟! قال: أرجو.
فقال: لماذا لم تقل في الإيمان: أنا مؤمن أرجو، أفلا وكلت الأولى إلى مشيئة الله كما وكلت الأخرى إلى مشيئة الله؟! وذلك لأن شعب الإيمان متعددة، فلا يجزم الإنسان بأنه قد عملها، فالإنسان محل النقص والتقصير، يتطرق إليه النقص والخلل في أداء الواجبات وفي ترك المحرمات، فلا يجزم الإنسان بأنه أدى ما عليه، ولا يزك نفسه، ولهذا يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، وقد أنكر ابن مسعود ﵁ عليه على الرجل وقال: أفلا وكلت الأولى كما وكلت الأخرى؟! لأنه استثنى في الثانية ولم يستثن في الأولى.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال أبو عبيد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان بن سعيد عن الأعمش عن أبي وائل قال: جاء رجل إلى عبد الله فقال: بينا نحن نسير إذ لقينا ركباً، فقلنا: من أنتم؟ فقالوا: نحن المؤمنون؟ فقال: أولا قالوا: إنا من أهل الجنة؟!].
أي: أنكر عليهم قولهم: نحن المؤمنون دون أن يستثنوا، وقال: أولا قالوا: إنا من أهل الجنة؟! أي: من جزم بأنه مؤمن فليجزم بأنه من أهل الجنة، وفي هذا إنكار عليهم، فكما أنك لا تجزم بأنك من أهل الجنة فلا تجزم بأنك مؤمن بإطلاق وأنك أديت ما عليك، بل أنت محل النقص والتقصير، فينبغي أن تستثني وتقول: أنا مؤمن إن شاء الله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا يحيى بن سعيد ومحمد بن جعفر كلاهما عن شعبة عن سلمة بن كهيل عن إبراهيم عن علقمة قال: قال رجل عند عبد الله: أنا مؤمن، فقال عبد الله: فقل: إني في الجنة، ولكن آمنا بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله].
علقمة من أصحاب عبد الله بن مسعود، وقد أنكر عبد الله بن مسعود على من قال: (أنا مؤمن) ولم يستثن، فقال عبد الله: فقل: إني في الجنة! يعني: إذا جزمت بأنك مؤمن فاجزم بأنك في الجنة، ولكن قل: آمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله، وهذا هو أصل الإيمان، ولهذا قيل لبعض السلف: أنت مؤمن؟ فقال: أنا مؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.
أي: هذا أصل الإيمان، أما أن يجزم بأنه مؤمن كامل الإيمان فلا.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن محل بن محرز قال: قال لي إبراهيم: إذا قيل لك: أمؤمن أنت؟ فقل: آمنت بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله].
لعل إبراهيم هنا هو إبراهيم النخعي، يقول: إذا قيل لك: أمؤمن أنت؟ فقل: آمنت بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، يعني: تجزم بأنك مؤمن لكن لا تجزم بأنك أديت الواجبات وتركت المحرمات فتقول: أنا مؤمن بإطلاق، ولهذا قال: قل: آمنت بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه قال: إذا قيل لك: أمؤمن أنت؟ فقل: آمنت بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله].
طاوس هو طاوس بن كيسان اليماني التابعي الجليل، وهنا روى ابن طاوس عن أبيه طاوس أنه قال: إذا قيل لك: أمؤمن أنت؟ فقل: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله.
وهذا هو أصل الدين، أما أن تقول: أنا مؤمن وتسكت فلا، فلا تزك نفسك.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الرحمن عن حماد بن زيد عن يحيى بن عتيق عن محمد بن سيرين قال: إذا قيل لك: أمؤمن أنت؟ فقل: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ﴾ [البقرة:١٣٦]].
أي: هذا أصل الإيمان.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا جرير بن عبد الحميد عن منصور عن إبراهيم قال: قال رجل لـ علقمة: أمؤمن أنت؟ فقال: أرجو إن شاء الله].
علقمة هو من أصحاب عبد الله بن مسعود ﵁، قيل له: أمؤمن أنت؟ فلم يجزم واستثنى وقال: أرجو إن شاء الله.
وذلك لأن الإنسان محل التقصير، فلا يجزم بأنه أدى ما عليه، فالخلل والتقصير حاصل في أداء الواجبات وترك المحرمات، ولهذا قال: أرجو إن شاء الله، وهذا مذهب جمهور أهل السنة والجماعة.
стр. 67
توجيه كراهة الاستثناء في الإيمان
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال أبو عبيد: ولهذا كان يأخذ سفيان ومن وافقه الاستثناء فيه، وإنما كراهتهم عندنا أن يبتوا الشهادة بالإيمان مخافة ما أعلمتكم في الباب الأول من التزكية والاستكمال عند الله، وأما على أحكام الدنيا فإنهم يسمون أهل الملة جميعاً مؤمنين؛ لأن ولايتهم وذبائحهم وشهاداتهم ومناكحتهم وجميع سنتهم إنما هي على الإيمان، ولهذا كان الأوزاعي يرى الاستثناء وتركه جميعاً واسعين].
هذا تعقيب من المؤلف ﵀ على هذه الآثار ليبين وجه ذلك، فقال: [ولهذا كان يأخذ سفيان] أي: سفيان الثوري [ومن وافقه الاستثناء فيه] يعني: في الإيمان، فإذا قيل له: أمؤمن أنت؟ يقول: إن شاء الله، ولا يجزم، ويكره أن يقول: أنا مؤمن ويسكت، ووجه ذلك قوله: [وإنما كراهتهم عندنا أن يبتوا الشهادة بالإيمان مخافة ما أعلمتكم به في الباب الأول من التزكية والاستكمال عند الله]، فهذا وجه كونهم يستثنون، فهم يستثنون ولا يجزمون لأنفسهم بأنهم قد أدوا ما أوجب الله عليهم، وتركوا ما حرم الله عليهم، ويخشون من تزكية النفس؛ لأن الإنسان محل تقصير، فمتى قال: (أنا مؤمن) ولم يستثن فقد زكى نفسه، وشهد لنفسه بأنه تام كامل الإيمان عند الله، وهذا لا يستطيع الإنسان أن يجزم به.
قال: [وأما على أحكام الدنيا فإنهم يسمون أهل الملة جميعاً مؤمنين] أي: بالنسبة للأحكام فإنهم يقولون: إن الناس كلهم مؤمنون، الفاسق والعاصي والمطيع كلهم يسمونهم مؤمنين [لأن ولايتهم وذبائحهم وشهاداتهم ومناكحتهم وجميع سنتهم إنما هي على الإيمان] فولي المرأة الذي يعقد النكاح لها يشترط أن يكون مؤمناً، ولو كان فاسقاً ولو كان عاصياً، فالولاية ليست هي مجرد اسم الإيمان، وتصح ذبيحة المؤمن ولو كان عاصياً، والشهادة كذلك، وفي النكاح يزوج الرجل ولو كان عاصياً.
وقوله: [وجميع سنتهم إنما هي على الإيمان] أي: هذه الأحكام إنما تتعلق بأصل الإيمان، أعني الولاية، والذبائح، والشهادات، والنكاح، أما الجزم بأن الإنسان مؤمن وأنه أدى ما عليه فهذا لابد من الاستثناء فيه، قال: [ولهذا كان الأوزاعي يرى الاستثناء وتركه جميعاً واسعين].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال أبو عبيد: حدثنا محمد بن كثير عن الأوزاعي قال: من قال: أنا مؤمن فحسن، ومن قال: أنا مؤمن إن شاء الله فحسن؛ لقول الله : ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح:٢٧]، وقد علم أنهم داخلون].
والجمهور من السلف والصحابة والتابعين يرون الاستثناء، وبعض العلماء كـ الأوزاعي يرى أن الأمر واسع، فلك أن تستثني ولك ألا تستثني.
ولهذا روى أبو عبيد بالسند عن الأوزاعي أنه قال: من قال: أنا مؤمن -يعني: بدون استثناء- فحسن، ومن قال: أنا مؤمن إن شاء الله فحسن.
يعني: فهو مخير، واستدل بقول الله : ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح:٢٧]، وقد علم أنهم داخلون، فدل على أنه لا بأس بالاستثناء، فمن استثنى فقد استدل بالآية.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذا عندي وجه حديث عبد الله حين أتاه صاحب معاذ فقال: ألم تعلم أن الناس كانوا على عهد رسول الله ﷺ ثلاثة أصناف: مؤمن ومنافق وكافر، فمن أيهم كنت؟ قال: من المؤمنين.
إنما نراه أراد أني كنت من أهل هذا الدين لا من الآخرين، فأما الشهادة بها عند الله فإنه كان عندنا أعلم بالله وأتقى له من أن يريده، فكيف يكون ذلك والله يقول: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم:٣٢]].
قول المؤلف: [وهذا عندي وجه حديث عبد الله] هو ابن مسعود -[حين أتاه صاحب معاذ فقال له: ألم تعلم أن الناس كانوا على عهد رسول الله ﷺ ثلاثة أصناف: مؤمن ومنافق وكافر] هؤلاء: ذكرهم الله في أول سورة البقرة، فذكر المؤمنين باطناً وظاهراً في أربع آيات، والكفار ظاهراً وباطناً في آيتين، والمنافقين -وهم الكفار باطناً والمؤمنون ظاهراً- في ثلاث عشرة آية.
فقال له صاحب معاذ: فمن أيهم كنت؟ فقال: من المؤمنين: ولم يقل من المؤمنين إن شاء الله.
يقول المؤلف وجه ذلك أنه على مذهب الأوزاعي يجوز الاستثناء وعدم الاستثناء، قال: [فإنما نراه أنه أراد أني كنت من أهل هذا الدين لا من الآخرين] فمقصوده: أني كنت من أهل الإيمان، لا من الآخرين المنافقين والكافرين؛ لأن الإيمان في مقابل الكفر والنفاق، وليس مقصوده أنه يشهد عند الله أنه مؤمن كامل الإيمان أو أنه يزكي نفسه، ولهذا قال: [فأما الشهادة بها عند الله فإنه كان عندنا أعلم بالله وأتقى له من أن يريده] أي: من أن يريد أنه كامل الإيمان، فكيف يكون ذلك والله يقول: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم:٣٢].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والشاهد على ما نظن أنه كان قبل هذا لا يقول: أنا مؤمن على تزكية ولا على غيرها، ولا نراه أنه كان ينكره على قائله بأي وجه كان، إنما كان يقول: آمنت بالله وكتبه ورسله، لا يزيد على هذا اللفظ، وهو الذي كان أخذ به إبراهيم وطاوس وابن سيرين].
أي أن الشاهد على أنه يريد أصل الإيمان ولا يريد التزكية أنه كان قبل هذا لا يقول: أنا مؤمن يريد به تزكية ولا غيرها، قال: [ولا نراه أنه كان ينكره على قائله بأي وجه كان، إنما كان يقول: آمنت بالله وكتبه ورسله لا يزيد على هذا اللفظ]؛ لأن هذا أصل الإيمان، وأما إطلاق الإيمان بدون استثناء يريد به التزكية فهذا لا يمكن أن يظن به، وقوله: [ولا نراه أنه كان ينكر على قائله بأي وجه كان]؛ لأن الأوزاعي وجماعة يرون الاستثناء وعدمه سواء، وهو الذي أخذ به إبراهيم وطاوس وابن سيرين فكلهم يرون أنه يجوز الاستثناء وعدم الاستثناء.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم أجاب عبد الله إلى أن قال: أنا مؤمن، فإن كان الأصل محفوظاً عنه فهو عندي على ما أعلمتك].
أي: في الأول كان ينكر أن يقول: أنا مؤمن، ثم أجاب فقال: أنا مؤمن، فإن صح هذا عنه وثبت فهذا وجهه، وهو أنه يريد أصل الإيمان، أو يريد أن الأمر واسع على ما ذهب إليه إبراهيم وطاوس وابن سيرين والأوزاعي.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد رأيت يحيى بن سعيد ينكره، ويطعن في إسناده؛ لأن أصحاب عبد الله على خلافه].
هذا الأثر ضعيف؛ لأن في سنده رجلاً لم يسم، ولهذا يقول المؤلف: فقد رأيت يحيى بن سعيد ينكر هذا الأثر عن عبد الله، وهو أنه لما سئل قال: أنا مؤمن وسكت، فهذا لم يثبت عن عبد الله؛ لأن يحيى بن سعيد أنكر هذا الأثر وطعن في إسناده، لأن أصحاب عبد الله بن مسعود على خلاف ذلك، وأنه لابد من الاستثناء، لكن لو صح فهو يحمل على أن المراد أصل الإيمان أو أن المراد أن الأمر واسع على مذهب ابن سيرين وطاوس وإبراهيم والأوزاعي، لكنه لا يصح؛ لأنه مطعون في سنده، ويدل على ذلك أن أصحاب عبد الله على خلاف ذلك.
стр. 68
توجيه كلام المجيزين ترك الاستثناء في الإيمان
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك نرى مذهب الفقهاء الذين كانوا يتسمون بهذا الاسم بلا استثناء، فيقولون: نحن مؤمنون، منهم عبد الرحمن السلمي وإبراهيم التيمي وعون بن عبد الله ومن بعدهم مثل: عمر بن ذر والصلت بن بهرام ومسعر بن كدام ومن نحا نحوهم، إنما هو عندنا منهم على الدخول في الإيمان لا على الاستكمال].
مما يؤيد أن هذا الأثر لم يصح عن ابن مسعود، وأنه مطعون في سنده أن مذهب الفقهاء الذين يتسمون بهذا الاسم بلا استثناء -أي: الذين يقول الواحد منهم: أنا مؤمن ولا يستثني، ومقصودهم الإيمان العام بالدخول فيه لا الإيمان الكامل- منهم عبد الرحمن السلمي وإبراهيم التيمي وعون بن عبد الله وعمر بن ذر والصلت بن بهرام ومسعر بن كدام.
ثم أيد ذلك بتأييد بعده فقال رحمه الله تعالى: [ألا ترى أن الفرق بينهم وبين إبراهيم وبين ابن سيرين وطاوس إنما كان أن هؤلاء كانوا لا يتسمون به أصلاً وكان الآخرون يتسمون به].
يقول: مما يؤيد هذا أن الفرق بينهم -أي: بين الذين يطلقون الإيمان وبين الذين يستثنون- إنما كان أن هؤلاء كانوا لا يتسمون به أصلاً، وكان الآخرون يتسمون به، أي أن الذين منعوا من قول: (أنا مؤمن) إنما يقصدون إذا قصد كمال الإيمان واستكماله، فلابد من أن يقول: إن شاء الله، ومن أجاز وقال: أنا مؤمن إنما مراده التسمي بالإيمان والدخول فيه، فلا يلزمه الاستثناء، فيقول: أنا مؤمن، يعني: دخلت في الإيمان وتسميت به، وأما من أراد (أنا مؤمن) أي: استكملت الإيمان فلابد من أن يستثني.
стр. 69
الرد على المرجئة في دعوى كمال الإيمان
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فأما على مذهب من قال: كإيمان الملائكة والنبيين فمعاذ الله، ليس هذا طريق العلماء].
أي: أما قول: أنا مؤمن إيماناً كاملاً كإيمان الملائكة وإيمان النبيين فمعاذ الله أن يقوله أحد من أهل العلم، وكيف يجزم الإنسان بأن إيمانه كإيمان النبيين والملائكة؟! فمن قال: أنا مؤمن وسكت ليس مقصوده الإيمان الكامل كإيمان الملائكة والنبيين، وإنما مقصوده التسمي بالإيمان والدخول فيه، فلهذا قال: [فأما على مذهب من قال: كإيمان الملائكة والنبيين فمعاذ الله، ليس هذا طريق العلماء].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد جاءت كراهيته مفسرة عند عدة منهم].
أي: جاءت كراهية إطلاق الإيمان بدون استثناء مفسرة عن عدة من علماء السلف.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا هشيم -أو حدثت عنه- عن جويبر عن الضحاك: أنه كان يكره أن يقول الرجل: أنا على إيمان جبريل وميكائيل ﵉].
وهذا الأثر دليل على أنه يكره أن يقول الإنسان: أنا مؤمن كإيمان جبريل وميكائيل، والمراد به المنع، أي: يمنع ويحرم، وقد تروى الكراهية عند السلف ويراد بها كراهة التحريم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا سعيد بن أبي مريم المصري عن نافع عن عمر الجمحي قال: سمعت ابن أبي مليكة وقال له إنسان: إن رجلاً في مجالسك يقول: إن إيمانه كإيمان جبرائيل، فأنكر ذلك وقال: سبحان الله! كيف يقول ذلك والله قد فضل جبريل ﵇ في الثناء على محمد ﷺ ، فقال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير:١٩ - ٢١]].
أي: لما قال: إن إيمانه كإيمان جبرائيل وميكائيل أنكر عليه وقال: سبحان الله! متعجباً من ذلك، ثم قال: كيف يقول: إيماني كإيمان جبرائيل والله تعالى فضل جبريل بالثناء على محمد فقال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير:١٩ - ٢١]؟! أي أنه سبحانه وصفه بهذه الأوصاف، ووصف نبيه بقوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة:٤٠ - ٤١]، ومسألة تفضيل جبريل على النبي ﷺ مسألة خلافية بين أهل العلم، أصلها: هل الأنبياء وصالحوا البشر أفضل من الملائكة أم الملائكة أفضل؟ والصواب أن النبي ﷺ أفضل من الملائكة، لكن ليس المقام مقام بحث هذه المسألة، إنما المقصود الإنكار على من قال: إيماني كإيمان جبريل.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال أبو عبيد: حدثنا عن ميمون بن مهران أنه رأى جارية تغني فقال: من زعم أن هذه على إيمان مريم بنت عمران فقد كذب].
ميمون بن مهران رأى جارية تغني -والغناء معلوم أنه فسق، ولاسيما الغناء الذي يلهب النفوس- فقال: من زعم أنه هذه على إيمان مريم بنت عمران فقد كذب؛ لأن مريم بنت عمران صديقة، وإيمانها كامل، وهذه الجارية فاسقة إيمانها ناقص، فكيف يكون إيمان هذه الجارية الفاسقة التي تغني مثل إيمان مريم بنت عمران؟! يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [وكيف يسع أحداً أن يشبه البشر بالملائكة، وقد عاتب الله المؤمنين في غير موضع من كتابه أشد العتاب، وأوعدهم أغلظ الوعيد، ولا يعلم فعل بالملائكة من ذلك شيئاً فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء:٢٩ - ٣٠]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٨ - ٢٧٩]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٢]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦].
فأوعدهم النار في آية، وآذنهم بالحرب في أخرى، وخوفهم بالمقت في ثالثة، واستبطأهم في رابعة، وهو في هذا كله يسميهم مؤمنين، فما تشبه هؤلاء من جبريل وميكائيل مع مكانهما من الله؟! إني لخائف أن يكون هذا من الاجتراء على الله والجهل بكتابه].
هذا التعقيب على الأثر تعقيب جيد من المؤلف ﵀، ومناقشة حادة للمرجئة، وبيان واضح في بطلان مذهب المرجئة الذين يقولون: إن إيمان الملائكة وإيمان البشر واحد، وإيمان أفسق الناس وأتقى الناس واحد، فهنا المؤلف يناقشهم مناقشة حادة قوية مبنية على فهم النصوص من كتاب الله وسنة رسوله، فيقول: كيف يسع أحداً أن يقول: إن إيمان البشر مثل إيمان الملائكة؟! فالمرجئة يقولون: إيمان البشر مثل إيمان الملائكة، فيقول الواحد منهم: إيماني كإيمان جبريل وميكائيل، وكإيمان أبي بكر وعمر! فالمؤلف يتعجب مع استفهام إنكار ممن يستسيغ أن يشبه البشر بالملائكة ويقول: إن إيمان البشر مثل إيمان الملائكة! والملائكة إيمانهم كامل، فهو مطيعون لله، قال الله تعالى عنهم: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]، ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٧]، فهم لا يعصون الله طرفة عين، أما بنو آدم فيعصون الله في الأرض ويقصرون في الواجبات، ويرتكبون المحرمات، فكيف يشبه بني آدم الذين فيهم العصاة والظلمة والفساق بالملائكة ويقول: إن إيمانهم مثل إيمان الملائكة الذين: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]؟ وقد عاتب الله المؤمنين في غير موضع من كتابه أشد العتاب وأوعدهم أغلظ الوعيد، ولا يعلم أنه توعد الملائكة أو أغلظ لهم أو فعل بهم من ذلك شيئاً، فقال في عتاب المؤمنين من البشر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٢٩]، فالذي يأكل المال بالباطل يعاتب، وقال: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء:٢٩] وهذا عتاب: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء:٢٩]، ثم قال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾ [النساء:٣٠]، فتوعده الله بالنار ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء:٣٠]، ولم يتوعد الملائكة بشيء من ذلك، وقال أيضاً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:١٧٨ - ١٧٩]، هذا وعيد، ولم يتوعد به الملائكة، وقال في الوعيد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٢ - ٣]، والمقت هو أشد البغض، ولم يقل هذا في الملائكة، وقال: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦]، فهم مع أفعالهم هذه هل هم مؤمنون كاملو الإيمان أم عندهم أصل الإيمان؟! فكيف نشبه هؤلاء العصاة بالملائكة؟! ولهذا قال: [فما تشبه هؤلاء من جبريل وميكائيل مع مكانهما من الله؟!] أي: كيف نشبه هؤلاء الذين توعدهم الله بإصلاء النار، وتوعدهم بالمقت، وآذنهم بالحرب بجبريل وميكائيل مع قربهما ومكانتهما من الله؟! ثم قال: المؤلف ﵀: [إني لخائف أن يكون هذا من الاجتراء على الله والجهل بكتابه] أي: إني لخائف على المرجئة الذين يقول أحدهم: إيمان أفسق الناس مثل إيمان الملائكة من أن يكون هذا من الجرأة على الله ومن الجهل بكتابه.
стр. 70
أقوال العلماء في حكم الاستثناء في الإيمان
الاستثناء في الإيمان أن يقول المرء: أنا مؤمن إن شاء الله، وفيها ثلاثة مذاهب للناس: طرفان ووسط، فمذهب يوجب الاستثناء ويقول: يجب أن تقول: أنا مؤمن إن شاء الله، ومذهب يحرم الاستثناء فيقول: يحرم ولا يجوز أن تقول: أنا مؤمن إن شاء الله، ومذهب متوسط يجيزه باعتبار ويمنعه باعتبار، وهذا القول الوسط هو الصحيح.
أما من يوجب الاستثناء في الإيمان فلهم مأخذان: المأخذ الأول: أن الإيمان هو ما مات الإنسان عليه، وهو غير معلوم للإنسان، والإنسان لا يدري ما يختم له، إذاً: يجب عليه أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، وهذا مأخذ الكلابية، واستدلوا بقول الله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الفتح:٢٧]، قالوا: يجب على الإنسان أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، ووجه ذلك أن الإيمان المعتبر عند الله هو ما مات الإنسان عليه، والإنسان لا يدري هل يموت على الإيمان أو على غير الإيمان، فيجب عليه أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، وتوسعوا في هذا حتى قالوا: إن الله يحب من علم أنه يموت على الإيمان ولو كان كافراً، وإن الله يبغض من يموت على الكفر ولو كان مؤمناً، أي أن الكافر الذي علم الله أنه يموت على الإيمان يحبه الله ولو في وقت كفره، وهذا باطل ليس بصحيح، والذي يطيع الله وقد علم أنه يموت على الكفر، يبغضه الله ولو كان مطيعاً، فيقولون: إن إبليس لما كان مطيعاً مع الملائكة كان مبغوضاً لله وعدواً لله؛ لأن الله يعلم أنه يموت على الكفر، والكافر الذي عاش في زمن كفره كافراً، لكن الله علم أنه سيختم له بالإيمان يحبه الله في زمن كفره؛ لأن العبرة بما يموت عليه الإنسان، وهذا ليس بصحيح بل هو باطل؛ فالمؤمن المطيع يحبه الله في حال طاعته، فإذا عصى صار مبغوضاً من الله.
والمأخذ الثاني: قالوا: الإيمان مطلق يتضمن فعل الأوامر وترك النواهي، وهذا من تزكية النفس، ولأنه لو جوز للإنسان أن يشهد لنفسه بالإيمان لجوز له أن يشهد لنفسه بالجنة، ولا يجوز للإنسان أن يشهد لنفسه ولا لغيره بالجنة، إلا لمن شهدت له النصوص، فلو جاز للإنسان أن يقول: أنا مؤمن بإطلاق لجاز له أن يقول: أنا في الجنة، والثاني ممتنع فيكون الأول ممتنعاً، وهذا هو مأخذ كثير من السلف.
أما من يحرم الاستثناء في الإيمان ويقول: لا تقل: أنا مؤمن إن شاء الله، فهم كل من يجعل الإيمان شيئاً واحداً من المرجئة وغيرهم، فالمرجئة يقولون: لا تقل: أنا مؤمن إن شاء الله، ويقولون: إن من قال: أنا مؤمن إن شاء الله فقد شك في إيمانه، ويسمون أهل السنة والجماعة الشكاكة.
فأنت تعلم أنك مؤمن كما تعلم أنك قرأت الفاتحة، فأنت إذا قرأت الفاتحة هل تقول: أنا قرأت الفاتحة إن شاء الله؟! لا تقول ذلك، فكذلك لا تقول: أنا مؤمن إن شاء الله إن كنت تعلم من نفسك أنك مؤمن وأنك مصدق؛ لأن الإيمان شيء واحد، ولا يشك الإنسان في الموجود، وإنما يشك في الشيء الذي لم يحدث، أما الإيمان الذي حصل في قلبك فكيف تشك فيه؟ لكن قال لهم جمهور أهل السنة والجماعة والصحابة والتابعين: إن الاستثناء يجوز في حالات، فيجوز في الاعتبار ولا يجوز في الإنكار، وهذا هو الصحيح، فالذي يقول: أنا مؤمن إن شاء الله إن قصد الشك في أصل إيمانه فهذا ممنوع، وإن قصد أن واجبات الإيمان متعددة، وأنه لا يجزم الإنسان بأنه قد أدى ما أوجب الله عليه وترك ما حرم الله عليه؛ لأنه محل نقص وتقصير، ولا يزكي نفسه؛ فلا بأس بأن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، وكذلك -أيضاً- إذا استثنى وقال: أنا مؤمن إن شاء الله وقصد عدم علمه بالعاقبة وأن العاقبة لا يعلمها إلا الله، فلا بأس بذلك، وكذلك إذا قصد التبرك بذكر اسم الله جاز له أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، والدليل على جواز الاستثناء قول الله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح:٢٧]، مع أنه معلوم دخولهم، ومع ذلك استثنى الله، وفي الحديث الذي أرشد النبي ﷺ فيه الزائر إلى القبر قال: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)، ففي هذا استثنى مع أنه يجزم بأنه سيلحق الموتى، فلما قال: (وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)؟ دل على الجواز، وكذلك -أيضاً- قول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأتقاكم له)، ومع أنه يجزم بأنه هو أتقى الناس وأخشى الناس، إلا أنه استثنى فقال: (أرجو) فدل على الجواز.
فالخلاصة في هذا أن من الناس من يوجب الاستثناء، وهذا مذهب طوائف من الكلابية، ويقولون: يجب على الإنسان أن يستثني؛ لأن الإنسان لا يعلم بما يموت عليه، والعبرة بما يموت عليه، وقد توسعوا في الاستثناء وزاد بعضهم حتى صاروا يستثنون في الأشياء الواضحة التي لا استثناء فيها، فيقول بعضهم: صليت إن شاء الله، توضأت إن شاء الله، ونقول: هذا لا يستثنى فيه، فأنت صليت وتوضأت، فلا إشكال، إلا إن قصد القبول عند الله، وقد غالى بعضهم حتى كان يقول في الجمادات: هذا حبل إن شاء الله، هذا دلو إن شاء الله، هذا كتاب إن شاء الله! فإذا سئل: لماذا تقول إن شاء الله؟ قال: لو شاء الله أن يغيره لغيره، فهذا غلو.
وطائفة تمنع وتحرم الاستثناء، وهم المرجئة، وأما أهل الحق فيقولون: يجوز الاستثناء باعتبار ويمتنع بالاعتبار، فالحالة التي لا يجوز الاستثناء فيها إذا قصد الشك في أصل إيمانه، والحالات التي يجوز الاستثناء ثلاث حالات: الحالة الأولى: إذا أردت أن الاستثناء راجع إلى تزكية النفس وإلى تعدد الأعمال الواجبة في الإيمان، وهي فعل الواجبات وترك المحرمات، وأنك لا تجزم بأنك أديت ما عليك ولا تزكي نفسك، فتستثني.
الحالة الثانية: إذا قصدت عدم علمك بالعاقبة وأن العاقبة لا يعلمها إلا الله، فتستثني وتقول: أنا مؤمن إن شاء الله.
الحالة الثالثة: أن تقصد التبرك بذكر اسم الله، فتقول: أنا مؤمن إن شاء الله، نسأل الله للجميع العلم النافع والعمل الصالح والثبات على دينه حتى الممات.
стр. 71
الأسئلة
стр. 72
الإسلام والإيمان بين الترادف والتباين
السؤال
أرجو بيان معنى قول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: هناك قولان متطرفان: قول من يقول: الإسلام مجرد كلمة والأعمال الظاهرة ليست داخلة في مسمى الإيمان، وقول من يقول: مسمى الإسلام والإيمان واحد؟
الجواب
بعض الناس يقول: الإسلام مجرد الكلمة، يعني النطق بالشهادتين، وهذا مروي عن الزهري، وهو أنه قال: الإسلام هو الكلمة والإيمان العمل، وليس مقصوده أنه لا يجب إلا الشهادتان.
والقول الثاني: أن الإسلام والإيمان مترادفان، وهذا مروي عن بعض أهل السنة، وهو مذهب الخوارج والمعتزلة، ومذهب الإمام البخاري في صحيحه.
والقول الثالث: قول جمهور أهل السنة، وهو الصواب، وهو أن الإسلام والإيمان إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا، فإذا أطلق الإسلام وحده دخل فيه الإيمان وإذا أطلق الإيمان وحده دخل فيه الإسلام، وإذا اجتمعا فسر الإسلام بالأعمال الظاهرة والإيمان بالأعمال الباطنة، كما في حديث جبريل لما سأل عن الإسلام ففسره بأركان الإسلام الخمسة، ولما سأله عن الإيمان فسره بأركان الإيمان الباطنة الستة، وهذا هو الراجح من الأقوال، وسيأتي -إن شاء الله- بيانه بالتفصيل.
стр. 73
بيان ما حكاه الشافعي من إجماع الصحابة والتابعين على أن الإيمان قول وعمل ونية
السؤال
يفسر بعض نابتة العصر ممن تكلم في الإجماع الذي حكاه الإمام الشافعي ﵀ وهو قوله: كان الإجماع من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ومن أدركناهم يقولون: الإيمان قول وعمل ونية لا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر، وقد نقله عنه شيخ الإسلام في كتابه الإيمان، فمرة يقولون عن هذا: إنه غير صحيح، ومرة يقولون: (لا يجزئ) أي: لا يكون كاملاً، ومرة يقولون: العمل المراد في كلام الشافعي عمل القلب، ويقولون: إن الإيمان الذي لابد منه الاعتقاد والقول، أما العمل ففرع، فلو عاش الإنسان دهره كله تاركاً للفرائض، فلا صلاة ولا صوم ولا زكاة ولا حج، وفاعلاً لما يستطيع من زنا وشرب وخمر وارتكاب الفواحش خلا الشرك، فإنه مؤمن معرض للوعيد مادام أنه يعتقد ويقول بلسانه، فآمل شرح قول الشافعي وتوضيحه؟
الجواب
كلام الشافعي واضح في نقله الإجماع عن الصحابة والتابعين والأئمة أن الإيمان قول باللسان وتصديق بالقلب وعمل بالقلب وعمل بالجوارح، وما نقله الإمام أبو عبيد من الآثار والنصوص من كتاب الله وسنة رسوله وأقوال العلماء وأقوال السلف وأقوال الصحابة واضح، ولكن طريقة أهل الزيغ -والعياذ بالله- التشكيك، فهم يريدون ألا تثبت الآثار والنصوص، فمرة يطعنون في النصوص، ومرة يطعنون في الآثار، ومرة يطعنون في أقوال العلماء، ومرة يطعنون في كتب أهل السنة، حتى إن بعض أهل الزيغ يقول: رسالة الإمام أحمد في الصلاة غير ثابتة، ورسالته في الرد على الزنادقة غير ثابتة، وما روي عن فلان عن فلان في كذا ليس بثابت، فهم لا يريدون أن تثبت حتى ينطلي زيغهم وانحرافهم على الناس، فتجدهم يشككون في كتب أهل العلم، وفي نسبتها إليهم، وكذلك في أقوال أهل العلم، وفي الإجماع، ويطعنون في الآثار وفي النصوص حتى ينطلي زيغهم وانحرافهم على الناس، وقول الإمام الشافعي ﵀ واضح، وقد مر بنا كثيرٌ من كلام الإمام أبي عبيد ﵀ في ذلك، فقد ذكر من النصوص ومن الآثار ومن كلام أهل العلم الكثير، فكيف يطعن فيها كلها؟! هب أنه لم يثبت واحد أو اثنان أو ثلاثة أو أربعة أو عشرة، فكيف ترد هذه النصوص الكثيرة؟! والنصوص الكثيرة لا يستطيع أحد أن يردها، ولو فرضنا أنه رد النصوص من السنة فكيف يرد نصوص القرآن الواضحة القطعية؟!
стр. 74
حكم القول بعدم حصول الكفر بغير التكذيب والجحود
السؤال
لا يخفى عليكم ما ابتلي به أهل هذا العصر من تصدر كثير ممن لم ترسخ قدمه في العلم وخوضهم في مسائل الإيمان، وكثير منهم لا يعرف بالدارسة في العقيدة وتلقيها من العلماء الذين عرفوا بذلك، حتى إن بعضهم أخذ يجمع بين المتناقضات، فتجده يقول: إن الإيمان قول وعمل واعتقاد، ثم يقول: لا كفر إلا كفر التكذيب والجحود، وبعضهم يستحوذ على المبتدئين من طلاب العلم بعبارة لـ ابن نصر المروزي قالها في رده على الخوارج والمعتزلة المكفرين لأهل الكبائر، حيث قال: إن الإيمان أصل وهو الاعتقاد والقول، وفرع وهو العمل، وتارك الأصل يكفر، أما تارك الفرع لا يكفر؟
الجواب
هذه طريقة أهل الزيغ وأهل الانحراف نسأل الله السلامة والعافية، حيث يشبهون ويأخذون بعض النصوص ويتركون البعض الآخر، ويتأولونها على غير تأويلها حتى تنطلي شبههم على العوام وعلى الجهال وعلى المبتدئين فيظنون أنهم على الحق وهم مبطلون، وهذه سلسلة معروفة من أهل الزيغ والضلال، نسأل الله السلامة والعافية.
ولا شك في أن هذا تناقض، فهو يقول: الإيمان قول وعمل واعتقاد، ثم يقول: إن المطلوب أصل الإيمان، والتناقض والاضطراب في أقوالهم واضح؛ لأنهم أهل زيغ لم يقصدوا الحق، نسأل الله السلامة والعافية، أما من قصد الحق فإنه يعمل بالنصوص ويضم بعضها إلى بعض ولا يحرف ولا يؤول تأويلاً باطلاً.
وكلام ابن نصر لا إشكال فيه، فهو واضح موافق لأهل السنة والجماعة.
وأصل الدين وأساس الملة هو الإيمان بالله ورسوله، والشهادة لله تعالى بالوحدانية ولنبيه بالرسالة، ولا بد لتحقيق الإيمان من عمل، وإلا صار كإيمان إبليس وفرعون، فمن ادعى أنه مؤمن وأنه موحد فلا بد لهذه الدعوى من دليل يثبتها، وهو العمل، وأما مجرد النطق باللسان ففاعله لا فرق بينه وبين إيمان إبليس وفرعون.
стр. 75
كفر تارك الصلاة
السؤال
بعض الناس يكفر تارك الصلاة، فهل هذا الحكم صحيح؟
الجواب
الحكم بكفر تارك الصلاة معروف عند أهل السنة والجماعة.
следующие страницы →