← Акыда

Акыда · id 37024

شرح كتاب الإيمان لأبي عبيد - الراجحي

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (235 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الأسئلة

стр. 72

الإسلام والإيمان بين الترادف والتباين السؤال أرجو بيان معنى قول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: هناك قولان متطرفان: قول من يقول: الإسلام مجرد كلمة والأعمال الظاهرة ليست داخلة في مسمى الإيمان، وقول من يقول: مسمى الإسلام والإيمان واحد؟ الجواب بعض الناس يقول: الإسلام مجرد الكلمة، يعني النطق بالشهادتين، وهذا مروي عن الزهري، وهو أنه قال: الإسلام هو الكلمة والإيمان العمل، وليس مقصوده أنه لا يجب إلا الشهادتان. والقول الثاني: أن الإسلام والإيمان مترادفان، وهذا مروي عن بعض أهل السنة، وهو مذهب الخوارج والمعتزلة، ومذهب الإمام البخاري في صحيحه. والقول الثالث: قول جمهور أهل السنة، وهو الصواب، وهو أن الإسلام والإيمان إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا، فإذا أطلق الإسلام وحده دخل فيه الإيمان وإذا أطلق الإيمان وحده دخل فيه الإسلام، وإذا اجتمعا فسر الإسلام بالأعمال الظاهرة والإيمان بالأعمال الباطنة، كما في حديث جبريل لما سأل عن الإسلام ففسره بأركان الإسلام الخمسة، ولما سأله عن الإيمان فسره بأركان الإيمان الباطنة الستة، وهذا هو الراجح من الأقوال، وسيأتي -إن شاء الله- بيانه بالتفصيل.

стр. 73

بيان ما حكاه الشافعي من إجماع الصحابة والتابعين على أن الإيمان قول وعمل ونية السؤال يفسر بعض نابتة العصر ممن تكلم في الإجماع الذي حكاه الإمام الشافعي ﵀ وهو قوله: كان الإجماع من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ومن أدركناهم يقولون: الإيمان قول وعمل ونية لا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر، وقد نقله عنه شيخ الإسلام في كتابه الإيمان، فمرة يقولون عن هذا: إنه غير صحيح، ومرة يقولون: (لا يجزئ) أي: لا يكون كاملاً، ومرة يقولون: العمل المراد في كلام الشافعي عمل القلب، ويقولون: إن الإيمان الذي لابد منه الاعتقاد والقول، أما العمل ففرع، فلو عاش الإنسان دهره كله تاركاً للفرائض، فلا صلاة ولا صوم ولا زكاة ولا حج، وفاعلاً لما يستطيع من زنا وشرب وخمر وارتكاب الفواحش خلا الشرك، فإنه مؤمن معرض للوعيد مادام أنه يعتقد ويقول بلسانه، فآمل شرح قول الشافعي وتوضيحه؟ الجواب كلام الشافعي واضح في نقله الإجماع عن الصحابة والتابعين والأئمة أن الإيمان قول باللسان وتصديق بالقلب وعمل بالقلب وعمل بالجوارح، وما نقله الإمام أبو عبيد من الآثار والنصوص من كتاب الله وسنة رسوله وأقوال العلماء وأقوال السلف وأقوال الصحابة واضح، ولكن طريقة أهل الزيغ -والعياذ بالله- التشكيك، فهم يريدون ألا تثبت الآثار والنصوص، فمرة يطعنون في النصوص، ومرة يطعنون في الآثار، ومرة يطعنون في أقوال العلماء، ومرة يطعنون في كتب أهل السنة، حتى إن بعض أهل الزيغ يقول: رسالة الإمام أحمد في الصلاة غير ثابتة، ورسالته في الرد على الزنادقة غير ثابتة، وما روي عن فلان عن فلان في كذا ليس بثابت، فهم لا يريدون أن تثبت حتى ينطلي زيغهم وانحرافهم على الناس، فتجدهم يشككون في كتب أهل العلم، وفي نسبتها إليهم، وكذلك في أقوال أهل العلم، وفي الإجماع، ويطعنون في الآثار وفي النصوص حتى ينطلي زيغهم وانحرافهم على الناس، وقول الإمام الشافعي ﵀ واضح، وقد مر بنا كثيرٌ من كلام الإمام أبي عبيد ﵀ في ذلك، فقد ذكر من النصوص ومن الآثار ومن كلام أهل العلم الكثير، فكيف يطعن فيها كلها؟! هب أنه لم يثبت واحد أو اثنان أو ثلاثة أو أربعة أو عشرة، فكيف ترد هذه النصوص الكثيرة؟! والنصوص الكثيرة لا يستطيع أحد أن يردها، ولو فرضنا أنه رد النصوص من السنة فكيف يرد نصوص القرآن الواضحة القطعية؟!

стр. 74

حكم القول بعدم حصول الكفر بغير التكذيب والجحود السؤال لا يخفى عليكم ما ابتلي به أهل هذا العصر من تصدر كثير ممن لم ترسخ قدمه في العلم وخوضهم في مسائل الإيمان، وكثير منهم لا يعرف بالدارسة في العقيدة وتلقيها من العلماء الذين عرفوا بذلك، حتى إن بعضهم أخذ يجمع بين المتناقضات، فتجده يقول: إن الإيمان قول وعمل واعتقاد، ثم يقول: لا كفر إلا كفر التكذيب والجحود، وبعضهم يستحوذ على المبتدئين من طلاب العلم بعبارة لـ ابن نصر المروزي قالها في رده على الخوارج والمعتزلة المكفرين لأهل الكبائر، حيث قال: إن الإيمان أصل وهو الاعتقاد والقول، وفرع وهو العمل، وتارك الأصل يكفر، أما تارك الفرع لا يكفر؟ الجواب هذه طريقة أهل الزيغ وأهل الانحراف نسأل الله السلامة والعافية، حيث يشبهون ويأخذون بعض النصوص ويتركون البعض الآخر، ويتأولونها على غير تأويلها حتى تنطلي شبههم على العوام وعلى الجهال وعلى المبتدئين فيظنون أنهم على الحق وهم مبطلون، وهذه سلسلة معروفة من أهل الزيغ والضلال، نسأل الله السلامة والعافية. ولا شك في أن هذا تناقض، فهو يقول: الإيمان قول وعمل واعتقاد، ثم يقول: إن المطلوب أصل الإيمان، والتناقض والاضطراب في أقوالهم واضح؛ لأنهم أهل زيغ لم يقصدوا الحق، نسأل الله السلامة والعافية، أما من قصد الحق فإنه يعمل بالنصوص ويضم بعضها إلى بعض ولا يحرف ولا يؤول تأويلاً باطلاً. وكلام ابن نصر لا إشكال فيه، فهو واضح موافق لأهل السنة والجماعة. وأصل الدين وأساس الملة هو الإيمان بالله ورسوله، والشهادة لله تعالى بالوحدانية ولنبيه بالرسالة، ولا بد لتحقيق الإيمان من عمل، وإلا صار كإيمان إبليس وفرعون، فمن ادعى أنه مؤمن وأنه موحد فلا بد لهذه الدعوى من دليل يثبتها، وهو العمل، وأما مجرد النطق باللسان ففاعله لا فرق بينه وبين إيمان إبليس وفرعون.

стр. 75

كفر تارك الصلاة السؤال بعض الناس يكفر تارك الصلاة، فهل هذا الحكم صحيح؟ الجواب الحكم بكفر تارك الصلاة معروف عند أهل السنة والجماعة.

стр. 76

حكم الحاكم بغير ما أنزل الله السؤال جاء في رسالة الإمام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب معنى الطاغوت ورءوسه وأنواعه، وقال فيها: الثاني منها: الحاكم الجائر المغير لأحكام الله تعالى، والدليل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء:٦٠]. الثالث: الذي يحكم بغير ما أنزل الله، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]، ثم قال في آخر الرسالة: واعلم أن الإنسان لا يصير مؤمناً بالله إلا بالكفر بالطاغوت، والدليل قوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة:٢٥٦]، فما الفرق بين النوعين؟ الجواب كلام الشيخ ﵀ واضح في أنه يجب على المسلم أن يلتزم بشرع الله ودينه، وأن يتحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وأن الحاكم الجائر المغير لشرع الله والمبدل لدينه من أوله إلى آخره قد قلب الدين رأساً على عقب، وقد ذكر العلماء -كالحافظ ابن كثير والشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ في رسالة تحكيم القوانين- أن من غير أحكام الشريعة كلها رأساً على عقب بلا استثناء فقد بدل الدين, وهو مبدل لدين الله ، وأما من حكم في بعض المسائل أو في بعض الجزئيات بالهوى -أما لرشوة أو لمال أو لرغبة أو لرهبة، أو لأجل أن ينفع المحكوم له أو يضر المحكوم عليه- فهذا كفره إنما يكون كفراً أصغر؛ لأنه يعلم أنه على الباطل، ويعلم أنه مبطل، ولكن غلبه الهوى فحكم بغير ما أنزل الله طاعة للهوى والشيطان. أما من اعتقد أنه يجوز له أن يحكم بغير ما أنزل الله فهذا كافر كفراً أكبر؛ لأنه استحل أمراً معلوماً من الدين بالضرورة بطلانه، وهو الحكم بغير ما أنزل الله، فهو أمر محرم مجمع على تحريمه, فمن استحل الحكم بغير ما أنزل الله فقد كفر، ولكن من حكم ببعض المسائل أو ببعض الجزئيات طاعة للهوى والشيطان وهو يعلم أنه مبطل وعاصٍ مستحق للعقوبة فكفره كفر أصغر، وليس كفراً أكبر، والمسألة فيها تفصيل معروف لأهل العلم في كتبهم، والتفصيل يحتاج إلى وقت طويل.

стр. 77

حكم إلزام الناس بغير أحكام الشريعة السؤال بعض الحكام يحكمون بغير ما أنزل الله، ويلزمون الناس بهذه الأحكام، وينشئون المحاكم الوضعية ويحرمون عليهم ويمنعونهم من التحاكم إلى شرع الله، فما حكم من فعل هذا؟ الجواب هذه المسائل كلها تحتاج إلى تفصيل، ولا يستطيع الإنسان أن يجيب عنها بجواب مجمل، ولا بد من أن تدرس كل قضية منها من جميع نواحيها، وينظر في الحامل للشخص على هذا، وينظر في صنعه هذا هل هو في قضية أو في قضايا، وما الذي حمله على الإلزام. وأما تبديل الدين فهذا كفر، ومن حكم في طاعة الهوى والشيطان في بعض المسائل فإن كفره يكون كفراً أصغر.

стр. 78

حكم القتال على محاربة الشرع والحكم بغيره السؤال إذا قاتل المرء في محاربة الشرع والحكم بغير الشرع، فما حكمه؟ الجواب من قاتل وهو يعلم ذلك ولا شبهة له فهو محارب لله ولرسوله وللمؤمنين ولمن يحكم بكتاب الله وسنة رسوله، ولمن يتحاكم إلى شرع الله ودينه، فهذا لا شك في أنه كافر، وهو عدو لله، نسأل الله العافية.

стр. 79

بيان منزلة العمل من الإيمان السؤال ما حكم من يقول: دعوى أن الإيمان يستلزم العمل دعوى لا أصل لها، وهل هذا هو قول المرجئة أم لا؟ الجواب نعم هذا هو قول المرجئة، فهم يقولون: إن الأعمال ثمرة الإيمان ومقتضى الإيمان ومن لوازم الإيمان، وأما أهل السنة والجماعة فيقولون: العمل جزء من الإيمان، لا ثمرة له؛ لأن الثمرة خارجة عن الشيء، وكذلك اللازم غير الملزوم، والثمرة غير الشيء، وكذلك من قال: إنه شرط كمال، أو شرط صحة، إذ الشرط غير المشروط وخارج عنه، فمن قال: إن الأعمال شرط كمال أو شرط صحة أو ثمرة الإيمان أو مقتضى الإيمان أو لازم الإيمان فقوله مثل قول المرجئة؛ لأن اللازم غير الملزوم، والثمرة غير الشيء، والشرط غير المشروط، والمقتضى غير المقتضي.

стр. 80

الكفر الظاهر وصلته بالباطن السؤال ما حكم من يقول: إن عقيدة أهل السنة في التكفير مبنية على إثبات التلازم بين الباطن والظاهر، فكل من كفر كفراً عملياً أكبر مخرجاً عن الملة؛ فإن هذا الكفر يدل على الكفر الاعتقادي، كما ذكر ذلك الشيخ حافظ الحكمي ﵀ في أعلام السنة المنشورة، وهو أن كفر الظاهر متلازم مع كفر الباطن، فهل هذا القول صحيح أم لا؟ الجواب لا يلزم ذلك، وقد يقال: إن هذا قول المرجئة، فقد يسب شخص الله ورسوله بسبب خصومة بينه وبين شخص آخر وهو لا يعتقد ذلك بقلبه فيكفر بهذا السب والعياذ بالله، ولو خاصم شخص شخصاً ثم سب الدين وهو لا يعتقد ذلك فإنه يكفر أيضاً، فالأول ليس عنده عقيدة سب الله ورسوله أو الاستهزاء بالله ورسوله، ولكنه يكفر بذلك، والدليل على هذا أن جماعة من الناس في غزوة تبوك سبوا النبي ﷺ وأصحابه القراء بأنهم يأكلون كثيراً ويكذبون، وهم جبناء عند اللقاء، فقالوا: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء -يعنون الرسول ﷺ وأصحابه القراء أرغب بطوناً ولا أكذب ألسنة ولا أجبن عند اللقاء، فنزلت الآية الكريمة: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦] فأثبت لهم الكفر بعد الإيمان بهذه المقالة، فقد يكفر الإنسان ولو لم يعتقد ذلك بقلبه، فلو أن شخصاً مزق المصحف استهانة به أو داسه بقدمه متعمداً أو لطخه بالنجاسة كفر، وساب الله ورسوله يكفر، وإذا استهزأ بالله أو بكاتبه أو برسوله فإنه يكفر، وإذا سجد لصنم وقال: إنما وضعت رأسي أمامه فإنه يكفر، ولهذا ناقشهم ابن القيم ﵀ وقال: إن مشايخ الصوفية يطلبون من أتباعهم أن يسجدوا أو يركعوا لهم إذا جاءوا، فإذا قيل لهم: كيف تسجدون لغير الله؟! قالوا: إن هذا إنما هو وضع الرأس أمام الشيخ احتراماً له وتواضعاً، فقال ابن القيم: ولو سميتموه ما سميتموه، فإن من سجد للصنم فقد وضع رأسه للصنم احتراماً له وتواضعاً، فالمقصود أنه لا يوجد تلازم بين العمل وبين القلب، وإنما المرجئة هم الذين يقولون: إن السجود للصنم ليس بكفر، ولكنه دليل على ما في القلب من الكفر، وسب الله أو سب الرسول ليس كفراً، وإنما هو دليل على ما في القلب، ودليل على الكفر، والسجود للصنم ليس كفراً بذاته، لكنه دليل على الكفر. والصواب أن نفس السب كفر ونفس السجود للصنم كفر، فالتلازم وربط الكفر بالقلب مذهب المرجئة، فإنهم يقولون: إنه لا يكفر بالعمل بل لا بد من التلازم بينه وبين القلب. والصواب أن الكفر بالقلب بالاعتقاد، ويكون بالقول باللسان، ويكون بالعمل، كالسجود للصنم، ويكون بالإعراض والترك والرفض لدين الإسلام، فلا يتعلمه ولا يعمل به، فإذا رفض دين ورفض أن يعبد الله كفر بهذا الرفض والترك. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف:٣]، وقال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ [السجدة:٢٢] فالرفض والترك والإعراض عن دين الله بعدم تعلمه وعدم العمل به كفر ولو لم يعتقد ذلك بقلبه، ولا يلزم أن يعتقد ذلك بقلبه، فمجرد الرفض والإعراض عن دين الله كفر وردة، والسجود للصنم كفر وردة ولو لم يعتقد ذلك بقلبه، وسب الله أوالرسول كفر وردة، ولو لم يعتقد ذلك بقلبه. فالسب كفر مستقل، واعتقاده بالقلب كفر مستقل، فاعتقاد الكفر كفر مستقل، وعمل الكفر كفر مستقل، وقوله الكفر باللسان كفر مستقل، والإعرض عن دين الله والرفض والترك له كفر مستقل.

стр. 81

حكم هجر أصحاب البدع السؤال ما حكم السلام على أهل البدع وأصحاب المذاهب والفرق الضالة؟ الجواب أهل البدع لا يسلم عليهم، بل يهجرون إذا كانوا مظهرين لبدعتهم، فقد كان السلف يهجرونهم ولا يسلمون عليهم ولا يكلمونهم، ومسألة الهجر للعصاة والمبتدعة فيها تفصيل لأهل العلم، والصواب في هذه المسألة هو ما قرره العلماء والمحققون -كشيخ الإسلام ابن تيمية - أن الهجر كالدواء، ويستعمل كالدواء، فإن كان العاصي أو المبتدع إذا هجرته ترك بدعته ومعصيته فاهجره، ولا تكلمه ولا تسلم عليه حتى يترك بدعته، وأما إذا كان الهجر يزيده شراً فلا تهجره، وبعض العصاة يفرح إذا هجرته، فتجده في المرة الأولى يترك بعض الشيء، فإذا كررت هجرته زاد في المعاصي، فهذا لا تهجره، والدليل على هذا أن النبي ﷺ والمسلمين هجروا كعب بن مالك وصاحبيه هلال بن أمية ومرارة بن الربيع خمسين ليلة، ولم يهجروا المنافقين؛ لأن هؤلاء الثلاثة مؤمنون، فنفعهم الهجر، وزادهم إيماناً وتقوى وتابوا إلى الله، وأنزل الله توبتهم قرآناً يتلى إلى يوم القيامة، قال تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة:١١٨] ولم يهجروا المنافقين الذين تخلفوا نفاقاً، ثم جاءوا وحلفوا أمام النبي ﷺ ، فقبل النبي ﷺ علانيتهم ووكل سرائرهم إلى الله. فالهجر كالدواء، فأهل البدع إذا كان الهجر يثنيهم عن بدعهم فإنهم يهجرون، فلا تسلم عليهم ولا تكلمهم ولا تجب دعوتهم، وأما إذا كان الهجر يزيدهم شراً فسلم عليهم وانصحهم.

стр. 82

حكم الغناء السؤال كثير من المنتسبين إلى العلم يجيزون الغناء ويقولون: حتى من حرمه من العلماء فإن الخلاف بيننا وبينهم سائغ، فهل الغناء حرام أم فسق؟ الجواب الغناء فسق، وهو الغناء الذي يلهب النفوس، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [لقمان:٦]، جاء في تفسير الآية أن ابن مسعود حلف أن لهو الحديث: الغناء. وفي الحديث الصحيح الذي رواه الإمام البخاري: (ليكونن في أمتي قوم يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف) وإن كان الحديث رواه البخاري معلقاً، إلا أن الحديث موصول وثابت، وفي الباب نصوص وأحاديث أخرى، وأحيل السائل إلى إغاثة اللهفان لـ ابن القيم، فإنه ذكر أدلة كثيرة في هذا، ويرجع -أيضاً- إلى كتب التفسير.

стр. 83

تكييف قضاء الفائت من الركعات في الصلاة السؤال إذا فاتتني ركعة جهرية في صلاة الجماعة أأقضيها جهرية أم سرية؟ الجواب الذي تقضيه هو آخر صلاتك، فإذا فاتتك ركعتان من صلاة العشاء وأدركت ركعتين فإن الذي أدركت مع الإمام هو أول صلاتك، والذي تقضيه هو آخرها، وعلى هذا لا تجهر في الركعتين الأخريين؛ لقول النبي ﷺ : (ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا). وفي لفظ: (فاقضوا)، وإذا فاتته ركعة من صلاة الفجر جهر بها.

стр. 84

الفرق بين التزكية والتوثيق السؤال ما الفرق بين تزكية العالم للشخص وتوثيقه له؟ الجواب التوثيق عند المحدثين هو القبول لرواية الشخص، فيوثقونه حتى يؤخذ بروايته، وأما التزكية فإن الشخص المزكى يكون حاضراً أمامه، وهذا منهي عنه، فهو يزكيه ولا يريد رواية الحديث، وهذا لا ينبغي، بل يقول: أحسبه والله حسيبه، ولا يذكر ما يترتب عليه، وأما إذا كان يترتب على ذلك رواية الحديث فلا بد من أن يذكر ماله وما عليه، ويذكر ما يتعلق برواية الحديث، وما يتعلق بأمانته وديانته، وأما إذا لم يكن محدثاً فلا يزكيه، بل يقول: أحسبه والله حسيبه، وكذلك إذا كان أمامه؛ لأن هذا قد يحمله على العجب والكبر.

стр. 85

حكم من نطق بالشهادتين وترك العمل السؤال إذا نطق رجل بالشهادتين ولم يعمل أي عمل فهل هو مسلم أم كافر؟ الجواب هذا فيه تفصيل، فإذا نطق بالشهادتين ثم توفي والله يعلم من قلبه أنه ملتزم فهذا يكفيه، وهذا هو الواجب عليه عند الله؛ لأنه لم يتمكن من العمل، فقد مات قبل أن يأتي وقت الصلاة. وأما من نطق بالشهادتين ثم رفض العمل -كأن جاء وقت الصلاة وتركها- فالصواب أنه يكفر إذا تركها حتى خرج الوقت متعمداً وليس له عذر. وإن نطق بالشهادتين، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، ثم دخل وقت الصلاة فقيل له: صل، فقال: الصلاة غير واجبة فقد كفر بجحوده ونقض توحيده، وإن قال إنها واجبة، ولكن لن أصلي، وترك حتى خرج الوقت وليس له عذر فالصواب أنه يكفر كفراً أكبر، وقال بعض المتأخرين من الفقهاء: إنه يكفر كفراً أصغر، والصواب الذي تدل عليه النصوص أنه يكفر كفراً أكبر؛ لما ثبت في صحيح البخاري من حديث بريدة بن الحصيب أن النبي ﷺ قال: (من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله)، والذي يحبط عمله هو الكافر.

стр. 86

العمل عند أهل السنة والخوارج السؤال أرجو التوضيح الدقيق بين الأعمال عند أهل السنة والأعمال عند الخوارج؟ الجواب الخوارج يرون أن الأعمال كلها داخلة في مسمى الإيمان، لكن يقولون: إذا ترك واجباً أو فعل كبيرة ذهب الإيمان كله؛ لأن الإيمان لا يتجزأ، فهم يقولون: الإيمان يشمل الأعمال كلها كما يقول أهل السنة من أن الإيمان قول وتصديق وعمل، ولكن إذا ترك واجباً أو فعل كبيرة ذهب الإيمان كله، وأما أهل السنة فإنهم يقولون: الإيمان هو التصديق والأعمال، وإذا ترك واجباً أو فعل كبيرة فلا يكفر، ولا يذهب الإيمان، بل يضعف الإيمان وينقص.

стр. 87

لزوم الإيمان للمقر بما جاء من عند الله السؤال هل معنى قول المؤلف: [وأقر بما جاء من عند الله لزمه اسم الإيمان بالدخول فيه لا بالاستكمال عند الله] هل معناه أن الشخص إذا أقر بهذا الدين كله لكنه ترك بعض الأعمال يبقى مؤمناً؟ الجواب إذا أقر والتزم بذلك فقد لزمه الدخول في كل الإيمان، ولكنه لا يستكمل الإيمان حتى يؤدي الواجبات وينتهي عن المحرمات، هذا هو المراد، فالمراد أنه يطلق عليه اسم الإيمان، ولكن لا يطلق عليه الإيمان الكامل حتى يؤدي الواجبات وينتهي عن المحرمات، فإن أدى الواجبات وانتهى عن المحرمات فهذا هو المؤمن الكامل الإيمان، وإن قصر في بعض الواجبات وارتكب بعض المحرمات فهذا يطلق عليه أنه ناقص الإيمان، وإن فعل من أمور الردة شيئاً يصير به مرتداً أو كافراً انتقض إيمانه، نعوذ بالله، كما لو سب الله أو سب الرسول أو سجد للصنم أو دعا غير الله أو ذبح لغير الله أو نذر لغير الله، نسأل الله السلامة والعافية.

стр. 88

الأدلة على نقصان الإيمان السؤال كل الأدلة التي سمعناها من الكتاب والسنة تدل على زيادة الإيمان، فما هي الأدلة على نقصانه؟ الجواب كل شيء يزيد فهو ينقص، وليس هناك شيء يزيد إلا وهو ينقص، وإذا كان الإيمان يزيد بالطاعة فإنه ينقص بالمعصية, وهذا معروف.

стр. 89

شرط صحة الإيمان وشرط كماله من الأعمال السؤال إن الأعمال من الإيمان، وتدخل في مسمى الإيمان، ولكن بعض الأعمال شرط في صحة الإيمان، كالصلاة مثلاً، أو أعمال القلوب كالاعتقادات، وبعض الأعمال شرط في كمال الإيمان، كالزكاة وبر الوالدين، فهل نقول: إذا تركها قل إيمانه، وإذا استكملها كمل إيمانه؟ الجواب نعم، وهذا واضح، فمثلاً: لو شهد أن لا إله إلا الله ولم يشهد أن محمداً رسول الله لم يصح إيمانه، ولو شهد أن محمداً رسول الله ولم يشهد أن لا إله إلا الله لم يصح إيمانه، وكذلك من صلى بغير وضوء لا تصح صلاته؛ لأن الوضوء شرط في صحة الصلاة، والشهادة لله تعالى بالوحدانية لا تصح إلا بالشهادة لنبيه بالرسالة، والشهادة للنبي ﷺ بالرسالة لا تصح إلا بالشهادة لله بالوحدانية، وكذلك الصلاة، فالصواب: أنها شرط في صحة الإيمان، لا يصح الإيمان إلا بها، وأما الواجبات الأخرى التي ليست شرطاً فإنه يضعف الإيمان بتركها وينقص.

стр. 90

دخول الأعمال في الإيمان حال ذكره مع الإسلام السؤال من المعلوم أن الإسلام والإيمان إذا لم يذكرا جميعاً دخل كل واحد منهما في الآخر، ودل أحدهما على الآخر، فإذا اجتمعا فهل تكون الأعمال من مسمى الإيمان؟ الجواب تكون الأعمال من مسمى الإيمان.

стр. 91

كفر تارك الصلاة السؤال حديث: (يخرج من النار من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان) وكذلك برة من إيمان، هل يدل على أن من ترك الصلاة يدخل الجنة؟ الجواب الصواب أن من ترك الصلاة لم يبق في قلبه ذرة ولا برة من الإيمان، وإنما ينتهي منه، لأن الإيمان لا ينتهي إلا بالكفر, وترك الصلاة كفر, وأما المعاصي فلو عظمت وكثرت لا تذهب الإيمان، بل تضعفه حتى لا يبقى منه إلا مثقال ذرة أو مثقال شعيرة، ولو كثرت الذنوب، إلا إذا جاء الكفر وقضى على الإيمان فلم يبق منه شيء، وترك الصلاة كفر يقضي على الإيمان، فنعوذ بالله.

стр. 92

كفر الظاهر وصلته بكفر الباطن السؤال هل من عمل مكفراً لا يُكفر باطناً وإنما يكفر ظاهراً ويوكل باطنه إلى الله؟ الجواب من عمل كفراً وحكم عليه بالكفر كفر باطناً وظاهراً، وحكم عليه بالخلود في النار، ولكن لا بد من إقامة الحجة عليه، فلا يكفر الشخص الذي عمل الكفر حتى تقوم عليه الحجة، ويكون عالماً بهذا الشيء، والمقصود أن من فعل كفراً أكبر حكم عليه بأنه كافر باطناً وظاهراً، والعياذ بالله، وهو مخلد في النار، نسأل الله السلامة والعافية، والنصوص هي التي دلت على هذا، ولا نقول هذا الكلام من عندنا، وإنما هو من كلام الله وكلام رسوله، فمن كفره الله ورسوله فهو كافر كفراً أكبر، ومخلد في النار؛ لأن الله حكم على الكافرين بالخلود في النار، فالله تعالى هو الذي كفرهم وهو الذي حكم عليهم بالخلود.

стр. 93

شهادة أن لا إله إلا الله أول الإيمان وأعلاه السؤال شهادة أن لا إله إلا الله أول الإيمان وأعلاه، فهل علو الشهادة مرتبط بتحقيقها، أم أن علوها مطلق بمجرد أدائها مع الصدق فيها؟ وما دامت الأعمال التي هي دونها تزيد المؤمن إيماناً أكثر منها فكيف تكون الأعلى؟ وكذلك الأدنى من الشعب هل هو مرتبط بالعمل -أي: أدنى العمل- أم بالإيمان؟ الجواب الأعلى هو الأفضل، يعني: أفضله، ويدل على ذلك اللفظ الآخر (أفضلها) فهي أفضلها وأوجبها وأهمهما، فهي أول الإيمان، وهي أفضل الإيمان، وهي أوجب الإيمان، ولا معارضة ولا تنافي في ذلك، ولا بد من الإخلاص عند النطق بها، فلو قالها بلسانه وهو لا يعتقد معناها بقلبه لا تنفعه.

стр. 94

أنواع الكفر السؤال ما صحة القول بأن الكفر كفران: كفر اعتقادي يخرج من الملة, وكفر عملي ينقسم إلى نوعين: كفر عملي ينبني على كفر اعتقادي، مثل السجود للصنم، فهو كفر عملي في ذاته وينبئ عن كفر اعتقادي، وكفر عملي مجرد عن الكفر الاعتقادي، مثل الطعن في الأنساب؟ الجواب لا يصح هذا الكلام، وإنما الكفر كفران: كفر اعتقادي وكفر عملي، فالكفر الاعتقادي يخرج من الملة، مثل من كذب الله أو كذب الرسول، أو أبغض الله أو أبغض رسوله، أو أبغض شيئاً مما جاء به الرسول، أو سر بضعف الإسلام والمسلمين، أو بضعف دين الرسول، أو كره انتصار المسلمين وعلو الإسلام وظهوره، فهذا كفر اعتقادي صاحبه من أهل الدرك الأسفل في النار، فنعوذ بالله. والكفر العملي ينقسم إلى قسمين: قسم ينافي الإيمان بالكلية، كما لو كان شركاً في العبادة أو ناقضاً من نواقض الإسلام, مثل السجود للصنم, ومثل تعلم السحر وتعليمه، ومثل سب الله وسب الرسول، وكفر عملي لا يخرج من الملة، وهو الذي لا يكون شركاً في العبادة ولا ناقضاً من نواقض الإسلام، وإنما هو معصية، كما جاء في الحديث: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان) فهذا النفاق الأصغر، ومثله الكفر، كما في الحديث: (ثنتان في الناس هما بهما كفر: الطعن في الأنساب، والنياحة على الميت) فهذا كفر أصغر ومعصية، ومثل قوله: (إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما) ومثل قوله ﷺ : (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)، ومثل قوله ﷺ : (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر) فهذه الأعمال كلها كفر أصغر، وهي معاص؛ لأنها ليست شركاً في العبادة ولا نواقض من نواقض الإسلام.

стр. 95

شرح كتاب الإيمان لأبي عبيد [٧] مما يعتقده أهل السنة والجماعة في الإيمان أنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ودلائل ذلك كثيرة في الكتاب والسنة، وقد خالف في ذلك المرجئة والقائلون بحصول الإيمان بتصديق القلب فحسب، وردوا ما أخبر الله تعالى به وأخبر به رسوله ﷺ .

стр. 96

زيادة الإيمان ودلائلها قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الزيادة في الإيمان والانتقاص منه: قال أبو عبيد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن جامع بن شداد عن الأسود بن هلال قال: قال معاذ بن جبل لرجل: اجلس بنا نؤمن ساعة. يعني: نذكر الله. وبهذا القول كان يأخذ سفيان والأوزاعي ومالك بن أنس، يرون أعمال البر جميعاً من الازدياد في الإسلام؛ لأنها كلها عندهم منه وحجتهم في ذلك: ما وصف الله به المؤمنين في خمسة مواضع من كتابه، منها قوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣]، وقوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً﴾ [المدثر:٣١] وقوله: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤]، وموضعان آخران قد ذكرناهما في الباب الأول، فاتبع أهل السنة هذه الآيات وتأولوها أن الزيادات هي الأعمال الزاكية]. هذا الباب ذكر فيه المؤلف ﵀ النصوص والآثار التي تدل على زيادة الإيمان ونقصانه، وعلق عليها بما يدل على وضوحها وصراحتها في زيادة الإيمان ونقصانه، فقال: [باب الزيادة في الإيمان والانتقاص منه]. ثم ذكر سنده إلى معاذ بن جبل ﵁ أنه قال: (اجلس بنا نؤمن ساعة) يعني: نذكر الله، ومعنى: (نؤمن) يزداد إيماننا، وإلا فهم مؤمنون، فقوله: (اجلس بنا نؤمن ساعة) يعني: نذكر الله، فإذا ذكروا الله زاد إيمانهم، فالمؤمن إذا عمل الطاعات زاد إيمانه, وإذا عمل المعاصي نقص إيمانه، وكل شيء يزيد فهو ينقص، فالمؤمن إذا ذكر الله وتلا القرآن أو أمر بالمعروف أو نهى عن المنكر أو دعا إلى الله وصلى وصام وزكى وحج وجاهد في سبيل الله وأحسن إلى الناس وامتنع عن المحرمات طاعة لله ولرسوله؛ فإنه يزيد إيمانه، وإذا فعل المعاصي نقص إيمانه، ولهذا قال معاذ ﵁ لرجل: (اجلس بنا نؤمن ساعة) يعني: نذكر الله فيزداد إيماننا بذكر الله . ثم ذكر المؤلف ﵀ أنه وبهذا القول -أي: القول بزيادة الإيمان ونقصانه- كان يأخذ سفيان والأوزاعي ومالك بن أنس وغيرهم من أهل العلم، وهذا قول جميع الصحابة التابعين والأئمة والعلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد، وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة وعامر الشعبي وغيرهم من أهل العلم وأهل الحديث، كلهم يقولون بهذا القول، وهو أن الإيمان يزيد وينقص، فيزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ويرون أن أعمال البر جميعاً من زيادة الإسلام، أي: من الزيادة في الإسلام والإيمان؛ لأنها كلها عندهم منه، فأعمال البر من الصلاة والصوم والصدقة والحج وبر الوالدين وصلة الرحم والإحسان إلى الناس وبذل المعروف وكف الأذى والبعد عن المحرمات كلها تسمى براً وتقوى وإيماناً، فهي إيمان وإسلام وبر وتقوى، وبهذا القول كان يأخذ سفيان والأوزاعي ومالك ومن بعدهم، فمثل لكل طبقة بواحد. ثم قال المؤلف ﵀: [وحجتهم في ذلك ما وصف الله به المؤمنين في خمسة مواضع من كتابه] يعني: وصفهم بزيادة الإيمان، ومنها قول الله : ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣]، وقوله : ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر:٣١]، فقوله: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ دليل صريح واضح على أن الإيمان يزيد، وقوله : ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤] صريح بزيادة الإيمان، وكل شيء يزيد فهو ينقص، فالإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. وقول المؤلف ﵀: [وموضعان آخران قد ذكرناهما في الباب الأول] هذان الموضعان أحدهما في سورة التوبة، وهو قول الله : ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة:١٢٤]، والثاني في سورة الأنفال في قول الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢]، فهذه خمسة مواضع في كتاب الله تدل على زيادة الإيمان. وإذا كان الإيمان يزيد فهو ينقص. قال المؤلف ﵀: [فاتبع أهل السنة هذه الآيات وتأولوها أن الزيادات هي الأعمال الزاكية]، فأهل السنة والجماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة والعلماء كلهم عملوا بهذه الآيات واتبعوها، وقرروا أن الإيمان يزيد وينقص، خلافاً للمرجئة الذين يقولون: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، بل هو شيء واحد، وإيمان أهل السماء وأهل الأرض واحد، فتأول أهل السنة الزيادة بأنها زيادة الأعمال الزاكية من أعمال البر والتقوى والواجبات والفرائض والمستحبات.

стр. 97

تأويل المرجئة للأدلة التي تدل على زيادة الإيمان قال المؤلف ﵀: [وأما الذين رأوا الإيمان قولاً ولا عمل فإنهم ذهبوا في هذه الآيات إلى أربعة أوجه: أحدها: أن قالوا: أصل الإيمان الإقرار بجمل الفرائض، مثل الصلاة والزكاة وغيرها، والزيادة بعد هذه الجمل: هو أن تؤمنوا بأن هذه الصلاة المفروضة هي خمس، وأن الظهر هي أربع ركعات والمغرب ثلاث، وعلى هذا رأوا سائر الفرائض. والوجه الثاني: أن قالوا: أصل الإيمان: الإقرار بما جاء من عند الله، والزيادة تمكن من ذلك الإقرار. والوجه الثالث: أن قالوا: الزيادة في الإيمان: الازدياد من اليقين والوجه الرابع: أن قالوا: إن الإيمان لا يزداد أبداً، ولكن الناس يزدادون منه]. ذكر المؤلف ﵀ في هذا مذهب المرجئة وتأويلهم لهذه النصوص التي فيها التصريح بزيادة الإيمان، فقال: وأما الذين رأوا الإيمان قولاً ولا عمل -وهم المرجئة- فقد قالوا: إن الإيمان هو قول القلب، وهو التصديق والإقرار. وقولهم: (ولا عمل) يعني: ولا يدخل العمل في مسماه. فقالوا: إن الإيمان هو قول القلب وتصديقه وإقراره بدون عمل، وذهبوا بهذه الآيات إلى أربعة أوجه، أي: تأولوا هذه الآيات الخمس الصريحة في أن الإيمان يزيد على أربعة تأويلات: التأويل الأول: قالوا: أصل الإيمان الإقرار بجمل الفرائض، مثل الصلاة والزكاة وغيرها فقالوا: أصل الإيمان هو: أن يقر المسلم بجمل هذه الفرائض، أي: يؤمن بها إيماناً مجملاً، فيؤمن بأن الله فرض الصلاة، وفرض الزكاة وفرض الصوم وفرض الحج، ثم بعد ذلك جاءت نصوص أخرى تفصل هذه النصوص المجملة، ففصلت الصلاة، بأنها خمس صلوات مفروضة في اليوم والليلة، وبأن صلاة الظهر أربع ركعات، وصلاة العصر أربع ركعات، وصلاة المغرب ثلاث ركعات، إلى آخره. وكذلك أيضاً الزكاة جاءت النصوص بتفصيلها وبيان أنصبتها، واشتراط الحول للأموال، وما يشترط له الحول، وهكذا الصوم جاء تفصيله بأنه صوم شهر رمضان، وبأنه من طلوع الفجر إلى غروب الشمس وهكذا الحج جاء تفصيله بأنه لا يجب في العمر إلا مرة. فتأولوا الزيادة في الإيمان على أن المراد بها تفصيل النصوص المجملة فقالوا: النصوص المجملة جاءت بوجوب الصوم والصلاة والزكاة والحج، فآمن بها المسلمون، ثم جاء تفصيلها بعد ذلك، فالتفصيل هو الزيادة، فتأولوا الزيادة على أنها هذا التفصيل. التأويل الثاني: قالوا: إن أصل الإيمان هو: الإقرار بما جاء من عند الله والتصديق، وأما الزيادة في قوله تعالى: (ليزدادوا إيماناً) فتأولوها على أنها التمكن من ذلك الإقرار, فقالوا: معنى قوله تعالى: (ليزدادوا إيماناً) ليتمكنوا من الإقرار، ويثبت في قلوبهم ويرسخ فعلى هذا يكون الإيمان: التصديق والإقرار. وقوله: ((لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا)) يعني: ليتقوى الإيمان، ويرسخ ويثبت في قلوبهم. التأويل الثالث: تأولوا الزيادة على أنها: الزيادة من اليقين فقوله تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر:٣١] يعني: يزدادون يقيناً، فالإيمان واحد والزيادة هنا المراد بها: الازدياد من اليقين، وإلا فالإيمان موجود واليقين حاصل. التأويل الرابع: أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، ولكن الناس هم الذين يزدادون منه. فهذه تأويلاتهم للنصوص، وسيتعقبها المؤلف ﵀ ببيان بطلانها.

стр. 98

الرد على تأويل المرجئة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكل هذه الأقوال لم أجد لها مصدقاً في تفسير الفقهاء، ولا في كلام العرب فالتفسير ما ذكرناه عن معاذ حين قال: (اجلس بنا نؤمن ساعة)، فيتوهم على مثله أن يكون لم يعرف الصلوات الخمس ومبلغ ركوعها وسجودها إلا بعد رسول الله ﷺ ، وقد فضله النبي ﷺ على كثير من أصحابه في العلم بالحلال والحرام، ثم قال: (يتقدم العلماء برتوة). هذا لا يتأوله أحد يعرف معاذاً]. يناقش المؤلف ﵀ هنا تأويلهم الأول، فيقول: لا يمكن هذا التأويل، فإن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه قال للرجل: (اجلس بنا نؤمن ساعة) وعلى التأويل الأول سيكون معناه أن معاذاً مقصوده: نزداد من تفصيل النصوص المجملة والفرائض المجملة، فيكون معنى الإيمان: هو الإيمان بوجوب الصلاة ووجوب الزكاة ووجوب الصوم ووجوب الحج والزيادة معناها: معرفة النصوص التي فيها تفصيل، وهو أن الصلاة خمس صلوات في اليوم والليلة، وأن صلاة الفجر ركعتان، وأن صلاة الظهر أربع ركعات، إلى آخره وتفصيل الزكاة، وأنها لا بد لها من النصاب، ولا بد لها من الحول وتفصيل الصوم، وتفصيل الحج فيقول المؤلف هنا: هذا لا يمكن أن ينطبق على معاذ بن جبل ﵀ ورضي الله عنه عندما قال لصاحبه: (اجلس بنا نؤمن ساعة)؛ لأنه على هذا التأويل يكون المعنى: أن معاذ بن جبل ﵀ لم يعرف الصلوات الخمس، ولم يعرف ركوعها ولا سجودها ولا عددها إلا بعد وفاة النبي ﷺ . وهذا لا يمكن أن يقال عن معاذ ﵀ ورضي عنه، وهو الذي قال فيه النبي ﷺ : (أعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل) وقد فضله النبي ﷺ على كثير من أصحابه وقال: (يتقدم العلماء برتوة)، يعني: برمية سهم. فهل يقول إنسان: إن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه لم يعرف تفاصيل وجوب الصلاة، ووجوب الصوم، ووجوب الحج، وعدد ركعات الصلاة، وشروط وجوب الزكاة إلا بعد وفاة النبي ﷺ ؟! هذا لا يقوله إنسان فدل هذا على بطلان هذا التأويل. قال المؤلف ﵀: [وأما في اللغة فإنا لم نجد المعنى فيه يحتمل تأويلهم وذلك كرجل أقر له رجل بألف درهم له عليه، ثم بينها فقال: مائة منها في جهة كذا، ومائتان في جهة كذا، حتى استوعب الألف، ما كان هذا يسمى زيادة، وإنما يقال له: تلخيص وتفصيل وكذلك لو لم يلخصها ولكنه ردد ذلك الإقرار مرات ما قيل له: زيادة أيضاً، إنما هو تكرير وإعادة؛ لأنه لم يغير المعنى الأول، ولم يزد فيه شيئاً]. وهذا فيه بيان بطلان التأويل الأول من اللغة، فبين أولاً بطلان التأويل الأول في تفسير الفقهاء وأهل العلم، وأنه لا يمكن أن يكون معاذ بن جبل ﵁ لم يعرف تفاصيل الصلاة والزكاة والصوم والحج إلا بعد وفاة النبي ﷺ . وأما في اللغة فإن هذا التأويل باطل، فلو أن رجلاً أقر لشخص بألف درهم وقال: فلان له علي ألف درهم مجملة، ثم فصلها بعد ذلك وبينها، فقال: مائة منها أعطانيها في بلد كذا، ومائة منها في مكة، ومائتان في المدينة، ومائتان في الرياض، وهكذا حتى استوعب الألف، فإن هذا لا يسمى زيادة في اللغة، وكذلك لو كررها وقال: له علي ألف، له علي ألف، فلا يقال: إن هذا زيادة، وإنما يقال له: تلخيص وتفصيل، فإذا أقر شخص لشخص بأن له عليه ألفاً فقال: له علي ألف، ثم فصلها، وقال: أعطاني مائة في الرياض، ومائة في القصيم، ومائة في الدمام، ومائة في المدينة، فلا يقال: إن هذا زيادة، وإنما يقال: هذا تفصيل وتلخيص وكذلك لو كررها وقال: له علي ألف، له علي ألف. وبهذا يتبين بطلان هذا التأويل عند الفقهاء، وعند أهل اللغة. أي: يتبين بطلان هذا التأويل شرعاً ولغة. قال المؤلف ﵀: [فأما الذين قالوا: يزداد من الإيمان، ولا يكون الإيمان هو الزيادة فإنه مذهب غير موجود؛ لأن رجلاً لو وصف ماله فقيل: هو ألف، ثم قيل: إنه ازداد مائة بعدها، ما كان له معنى يفهمه الناس إلا أن يكون المائة هي الزائدة على الألف، وكذلك سائر الأشياء، فالإيمان مثلها، لا يزداد الناس منه شيئاً، إلا كان ذلك الشيء هو الزائد في الإيمان]. هذا أيضاً فيه إبطال لتأويلهم بقولهم: لا يكون الإيمان هو الزيادة، ولكن الناس يزدادون من الإيمان وهذا هو التأويل الرابع، فقد قالوا: إن الإيمان لا يزداد أبداً، ولكن الناس يزدادون منه، فقال المؤلف في الرد عليهم: هذا مذهب غير موجود، وهو مذهب باطل. وبيان ذلك أنه لو أن رجلاً وصف ماله فقيل: هو ألف، ثم قيل: إنه ازداد مائة بعدها، ما كان له معنى يفهم إلا أن تكون المائة هي الزائدة على الألف، وكذلك سائر الأشياء. فكذلك الإيمان مثلها لا يزداد الناس منه شيئاً إلا كان ذلك الشيء هو الزائد في الإيمان. فهذا فيه بطلان للتأويل الرابع في قولهم: إن الإيمان لا يزداد ولكن الناس يزدادون منه فهو يقول: هذا باطل غير معروف وغير مفهوم. وبيان ذلك: أنه لو وصف مال شخص فقيل: مال هذا الشخص ألف، ثم قيل بعد ذلك: زاد ماله مائة، وزاد كذا وكذا، وزاد سيارة، وزاد ألفاً، فلا يقال: إنه لم يزدد هذا الشيء، ولا يقال: إن المال لا يزداد، ولكن هو يزداد منه. لا يمكن أن يقال هذا, بل المال زاد وهو ازداد منه. فكذلك الإيمان لا يزداد الناس شيئاً منه إلا كان ذلك الشيء هو الزائد في الإيمان. فإذا ازداد الناس من الإيمان زاد الإيمان، فقولهم: إن الإيمان لا يزداد، ولكن الناس يزدادون منه باطل وهو تناقض، فكل شيء يزداد منه الإنسان فإنه يزيد. فإذا ازداد من المال زاد المال، وإذا ازداد من الإيمان زاد الإيمان. فقولهم مذهب باطل، وتفريق بين متماثلين, فإنه لا فرق بين قولك: الإيمان يزداد، وقولك: الناس يزدادون من الإيمان؛ لأن الإنسان إذا ازداد من الإيمان زاد الإيمان، مثل المال. قال المؤلف ﵀: [وأما الذين جعلوا الزيادة ازدياد اليقين فلا معنى لهم؛ لأن اليقين من الإيمان، فإذا كان الإيمان عندهم كله برمته إنما هو الإقرار ثم استكمله هؤلاء المقرون بإقرارهم أفليس قد أحاطوه باليقين من قولهم؟! فكيف يزداد من شيء قد استقصي وأحيط به؟! أرأيتم رجلاً نظر إلى النهار بالضحى حتى أحاط عليه كله بضوئه، هل كان يستطيع أن يزداد يقيناً بأنه نهار، ولو اجتمع عليه الإنس والجن؟! هذا يستحيل ويخرج مما يعرفه الناس]. وهذا رد على تأويلهم الثالث في قولهم: الزيادة في الإيمان المراد بها: الازدياد من اليقين والمؤلف ﵀ لم يرتب الأقوال في الرد عليها، وإنما رد عليها بغير ترتيب، وهو هنا الآن يبطل قولهم: إن المراد من الزيادة في الإيمان: الازدياد من اليقين. فيقول: إن هذا باطل؛ لأن اليقين من الإيمان وإذا قيل إن الإنسان يزداد من اليقين فمعناه: أنه يزاد من الإيمان؛ لأن اليقين من الإيمان، فالقول بأن الزيادة في الإيمان ازدياد من اليقين متلازمان، فإذا زاد اليقين زاد الإيمان، وإذا نقص الإيمان نقص اليقين. فقولهم: إنما الزيادة من اليقين لا من الإيمان باطل؛ لأن اليقين من الإيمان. ولهذا قال المؤلف ﵀: [وأما الذين جعلوا الزيادة ازدياد اليقين فلا معنى لهم؛ لأن اليقين من الإيمان، فإذا كان الإيمان عندهم كله برمته إنما هو الإقرار عندهم] يعني: المرجئة, إذ عندهم أن الإيمان برمته كامل بالإقرار, والإقرار معناه: التصديق بالقلب. فإذا صدق وآمن وأقر بقلبه فقد كمل الإيمان في قلبه، هذا عند المرجئة. يقول: [فإذا كان معنى الإيمان عندهم كله برمته إنما هو الإقرار ثم استكمله هؤلاء المقرون بإقرارهم، أفليس قد أحاطوه باليقين من قولهم؟!] أي: إذا كان الإيمان وهو التصديق والإقرار كامناً في القلب وقد استكملوه بقلوبهم فقد أحاطوه باليقين من قولهم، فكيف يقال: إن الزيادة إنما هي الزيادة من اليقين لا من الإيمان؟! فما دام أن الإيمان هو الإقرار والتصديق بالقلب، وأنه كامن في القلب، عند المرجئة، فمعناه: أنه كمل اليقين وإذا كمل الإيمان كمل اليقين، وإذا نقص الإيمان نقص اليقين فإذا كان الإيمان كله عند المرجئة إنما هو الإقرار ثم استكمله هؤلاء المقرون بإقرارهم فقد أحاطوه باليقين، فكيف يزداد من شيء قد استقصي وأحيط به؟! وكيف يزداد من شيء قد كمل في قلب صاحبه؟! فعند المرجئة الإيمان كامل في القلب بمجرد الإقرار والتصديق. فكيف يئولون الآيات ويقولون: معناها الازدياد من اليقين؟ ثم ضرب لهذا مثلاً فقال: [أرأيتم رجلاً نظر إلى النهار بالضحى حتى أحاط عليه كله بضوئه، هل كان يستطيع أن يزداد يقيناً بأنه نهار؟!] أي: إذا نظر إنسان إلى النهار بالضحى فإنه يقال: إن هذا الشخص قد أحاط بالنهار وبضوئه، فهل يستطيع أن يزداد يقيناً بأنه نهار، أم أن اليقين كامل في نفسه؟ فلا يقال: إنه ازداد يقيناً بأنه نهار؛ لأن اليقين حاصل له، فلا يحتاج إلى زيادة بعد ذلك. فكذلك قولهم: إن الإيمان كامل في القلب بمجرد الإقرار والتصديق، وتأويلهم الزيادة في الإيمان بأنها زيادة اليقين، فيقال لهم: إن الإيمان كامل في القلب، واليقين كامل، فكيف يزداد من شيء قد كمل؟! ولهذا قال المؤلف: [ولو اجتمع عليه الإنس والجن، هذا يستحيل ويخرج مما يعرفه الناس]، أي: لو اجتمع عليه الإنس والجن وأرادوا أن يزيد يقيناً من النهار وهو في وسط النهار في الصحراء لما استطاعوا أن يزيدوه يقيناً؛ لأن اليقين حاصل له وكامل له.

стр. 99

شرح كتاب الإيمان لأبي عبيد [٨] زعم المرجئة أن الإيمان هو قول اللسان وتصديق القلب دون دخول العمل في مسماه، وبذلك يستوي الناس جميعاً في الإيمان، وما زعموه قول في غاية البطلان؛ إذ إن وصف الإيمان يثبت لجميع المؤمنين أصله، ويحصل التفاوت بينهم في درجاته.

стр. 100

الرد على المرجئة في جعلهم الإيمان حاصلاً بالقول والتصديق قال المؤلف ﵀: [باب: تسمية الإيمان بالقول دون العمل. قال أبو عبيد: قالت هذه الفرقة: إذا أقر بما جاء من عند الله، وشهد شهادة الحق بلسانه فذلك الإيمان كله؛ لأن الله سماهم مؤمنين، وليس ما ذهبوا إليه عندنا قولاً، ولا نراه شيئاً، وذلك من وجهين: أحدهما: ما أعلمتك في الثلث الأول أن الإيمان المفروض في صدر الإسلام لم يكن يومئذ شيئاً إلا إقراراً فقط. وأما الحجة الأخرى: فإنا وجدنا الأمور كلها يستحق الناس بها أسماءها مع ابتدائها والدخول فيها، ثم يفضل فيها بعضهم بعضا، وقد شملهم فيها اسم واحد، من ذلك: أنك تجد القوم صفوفاً بين مستفتح للصلاة وراكع وساجد وقائم وجالس، فكلهم يلزمه اسم المصلي، فيقال لهم: مصلون، وهم مع هذا فيها متفاضلون. وكذلك صناعات الناس، لو أن قوماً ابتنوا حائطاً وكان بعضهم في تأسيسه، وآخر قد نصفه، وثالث قد قارب الفراغ منه قيل لهم جميعاً: بناة، وهم متباينون في بنائهم]. هذا الباب في تسمية الإيمان بالقول دون العمل فقوله: [قالت هذه الفرقة] يعني: المرجئة [إذا أقر بما جاء من عند الله وشهد شهادة الحق بلسانه فذلك الإيمان كله] هذا مذهب المرجئة، وهو أنه إذا أقر بما جاء من عند الله وصدق وأقر واعترف وصدق بقلبه وشهد بلسانه فذلك الإيمان كله. وهو كامل في القلب ولو لم يعمل. وحجتهم أن الله سماهم مؤمنين، وقد رد عليهم المؤلف ﵀ من وجهين: فقال: [وليس لما ذهبوا له عندنا قولاً ولا نراه شيئاً، وذلك من وجهين: أحدهما: ما أعلمتك في الثلث الأول]، يعني: من الكتاب [أن الإيمان المفروض في صدر الإسلام لم يكن يومئذ شيئاً إلا إقراراً فقط] يعني: أن الله فرض على المسلمين في مكة قبل الهجرة الإيمان والتوحيد فقط, ففرض عليهم الإقرار والتصديق والإيمان وتوحيد الله والبعد عن الشرك ولم تفرض الواجبات من صلاة وزكاة وصوم وحج، فأما الصلاة ففرضت لعظم شأنها قبل الهجرة بسنة أو سنتين أو ثلاث وأما الأذان والزكاة والصوم والحج والحدود كلها فما شرعت إلا في المدينة ففي مكة كان الواجب عليهم الإيمان والإقرار وتوحيد الله وأما العمل فما شرع إلا بعد الهجرة إلى المدينة، لما ثبت التوحيد ورسخ الإيمان في القلوب وابتعدوا عن الشرك، فبعد ذلك شرعت الأعمال وفرضت الفرائض وشرعت الحدود؛ لأن التوحيد والإيمان هو أصل الدين وأساس الملة، وهو الذي تبنى عليه الأعمال، ولا يصح العمل إلا إذا بني على التوحيد والإيمان فأصل الدين وأساس الملة: الشهادة لله تعالى بالوحدانية، وللنبي ﷺ بالرسالة, وقد كان هذا هو الواجب على المؤمنين في مكة قبل الهجرة إلى المدينة. وأما الحجة الثانية التي رد بها المؤلف ﵀ فهي قوله: [فإنا وجدنا الأمور كلها يستحق الناس بها اسماءها مع ابتدائها والدخول فيها, ثم يفضل فيها بعضهم بعضاً، وقد شملهم فيها اسم واحد] يعني أن الإنسان إذا دخل في الشيء استحق هذا الاسم مع الابتداء والدخول فيه، وإن كان الناس يتفاضلون فيه, فإذا أقر المسلم وصدق وآمن بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد ﷺ نبيناً ورسولاً فقد دخل في الإسلام وشمله اسم الإيمان ولو أن آخر أقر كذلك ثم عمل أيضاً فصلى وصام وزكى وحج، ثم جاء آخر فزاد على ذلك فأدى النوافل، وفعل المستحبات فكلهم يشملهم اسم الإيمان من حين ابتداء دخولهم فيه، ولكنهم يفضل بعضهم بعضاً ومثل لذلك بأنك تجد القوم صفوفاً في الصلاة، فتجد الأول قد كبر واستفتح الصلاة، وتجد الثاني راكعاً، والثالث ساجداً، والرابع قائماً، والخامس يتشهد، وكلهم يسمون مصلين، وهم متفاوتون، فهذا مصلٍ في أول الصلاة في الركعة الأولى، وهذا مصلٍ في الركعة الثانية، وهذا مصل في الركعة الثالثة، وهذا مصل في الركعة الرابعة فمن حين يكبر الشخص ويدخل في الصلاة يسمى مصلياً وإن كان المصلون يتفاوتون فيها. فكذلك المؤمن إذا دخل في الإيمان سمي مؤمناً, ومن أدى الواجبات وترك المحرمات سمى مؤمناً، ومن زاد فأدى النوافل والمستحبات سمى مؤمناً ولكنهم يتفاضلون في ذلك، فالذي يؤدي الواجبات وينتهي عن المحرمات من المقتصدين, والذي ينشط بعد ذلك فيؤدي المستحبات والنوافل ويبتعد عن المكروهات وفضول المباحات من السابقين الأولين، وهو مؤمن، والمؤمن الذي يقصر في بعض الواجبات ويرتكب بعض المحرمات ظالم لنفسه، وهو مؤمن، وكلهم مؤمنون, فالظالم لنفسه مؤمن، ولكنه مؤمن ناقص الإيمان, والمقتصد الذي أدى الواجبات وانتهى عن المحرمات مؤمن, والسابق للخيرات الذي أدى الواجبات وفعل المستحبات والنوافل وترك المحرمات والمكروهات وفضول المباحات مؤمن أيضاً, وهم متفاوتون فكذلك الناس في الإيمان يتفاوتون, وكذلك في الصناعات يتفاوت الناس فيها وقد مثل المؤلف ﵀ لذلك بقوله: لو أن قوماً ابتنوا حائطاً وكان بعضهم يؤسس في أصل الحائط، وآخر في طرف الحائط قد بلغ نصفه، والثالث قارب الفراغ منه فكلهم جميعاً يبنون حائطاً واحداً ولكن أولهم يحفر الأساس، والثاني قد وصل إلى نصف الحائط، والثالث قد قارب الفراغ منه، وكلهم يسمون بناة. وهم متباينون في بنائهم. فكذلك المؤمنون كلهم يسمون مؤمنين فهذا دخل في الإسلام من أوله، وهذا أدى الواجبات وترك المحرمات، وهذا فعل المستحبات والنوافل، وكلهم مؤمنون. قال المؤلف ﵀: [وكذلك لو أن قوماً أمروا بدخول دار فدخلها أحدهم فلما تعتب الباب أقام مكانه، وجاوزه الآخر بخطوات، ومضى الثالث إلى وسطها قيل لهم جميعاً: داخلون، وبعضهم فيها أكثر مدخلاً من بعض. فهذا الكلام المعقول عند العرب السائر فيهم فكذلك المذهب في الإيمان إنما هو دخول في الدين، قال الله ﵎: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [النصر:١ - ٣]]. وهذا مثال آخر ضربه المؤلف ﵀ ومثل به, فقال: وكذلك لو أن قوماً أمروا بدخول دار، فلو كان عندك جماعة من الضيوف وقفوا عند الباب فقلت لهم: تفضلوا حياكم الله، فدخل أحدهم، فلما تعتب الباب وجاوز العتبة جلس، وجاوزه الآخر بخطوات وجلس، ومضى الثالث إلى المجلس، قيل لهم جميعاً: داخلون، وبعضهم فيها أكثر مدخلاً من بعض، وهذا كلام معقول عند العرب، فكلهم في الدار. فكذلك الداخلون في الإيمان يتفاوتون؛ ولذلك قال المؤلف: كذلك المذهب في الإيمان إنما هو دخول في الدين قال الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [النصر:٢ - ٣] فهم يدخلون في دين الله وهم متفاوتون في إيمانهم. قال المؤلف ﵀: [وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨] فالسلم: الإسلام وقوله: (كافة) معناها عند العرب: الإحاطة بالشيء]. قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ))، يعني: في الإسلام وقوله: (كافة) معناه: الإحاطة بالشيء، أي: ادخلوا فيه في جميعه فهم يدخلون في الإسلام وهم متفاوتون فيه. قال المؤلف ﵀: [قال رسول الله ﷺ : (بني الإسلام على خمس) فصارت الخمس كلها هي الملة التي سماها الله سلماً مفروضاً فوجدنا أعمال البر وصناعات الأيدي ودخول المساكن كلها تشهد على اجتماع الاسم، وتفاضل الدرجات فيها]. وقول النبي ﷺ : (بني الإسلام على خمس) رواه الشيخان عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام). وقول المؤلف: [فصارت الخمس كلها هي الملة التي سماها الله]. يعني: هي الدين الذي سماه الله سلماً مفروضاً. يعني: إسلاماً مفروضاً؛ لأن هذه الأركان هي عمود الإسلام وأساسه التي لا يقوم ولا يستكمل إلا بها, فمن استقام عليها وأداها عن صدق وإخلاص فلا بد من أن يؤدي بقية أعمال وشرائع الإسلام. وقول المؤلف: [فوجدنا أعمال البر وصناعات الأيدي ودخول المساكن كلها تشهد على اجتماع الاسم، وتفاضل الدرجات فيها] يعني: أعمال البر يدخل الناس فيها ويتفاوتون كما سبق، فيتفاوت الناس في صدقاتهم، وكلهم متصدق, فهذا يتصدق بألف، وهذا يتصدق بألفين، وهذا يتصدق بثلاثة آلاف، وهذا بريال، وكلهم متصدقون وكلهم يشملهم اسم المتصدق، ولكنهم يتفاوتون، وكذلك المصلون يتفاوتون، وكذلك المحسنون يتفاوتون, وكذلك يتفاوتون في الصناعات، مع أنهم كلهم يشملهم اسم الصناعة, وكذلك في دخول المساكن ولهذا قال المؤلف ﵀: [فوجدنا أعمال البر وصناعات الأيدي ودخول المساكن كلها تشهد على اجتماع الاسم، وتفاضل الدرجات فيها]. يعني: مع تفاضل الدرجات فيها، وهذه الأدلة إنما هي أدله من جهة النظر والعقل فتضاف إلى الأدلة التي دلت عليها النصوص في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ . إذاً: فقد دلت النصوص من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، ودل النظر الصحيح على أن الإيمان درجات ومنازل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وإن كان المؤمنون كلهم يسمون مؤمنين، إلا أنهم يتفاوتون في هذا الإيمان. قال المؤلف ﵀: [فوجدنا أعمال البر وصناعات الأيدي ودخول المساكن كلها تشهد على اجتماع الاسم، وتفاضل الدرجات فيه هذا في التشبيه والنظر مع ما احتججنا به من الكتاب والسنة]. يعني: لقد احتججنا بالنظر والعقل, واحتججنا بنصوص الكتاب والسنة، أي: لقد دلت النصوص من كتاب الله وسنته ﷺ على أن الإيمان درجات ومنازل، وأن والناس يتفاضلون فيه، وكذلك دل على ذلك العقل والنظر الصحيح. قال المؤلف ﵀: [فهكذا الإيمان هو درجات ومنازل، وإن كان سمى أهله اسماً

стр. 101

بيان تناقض القائل بأن الإيمان قول دون العمل قال المؤلف ﵀: [وزعم من خالفنا أن القول دون العمل، فهذا عندنا متناقض؛ لأنه إذا جعله قولاً فقد أقر أنه عمل، وهو لا يدري بما أعلمتك من العلة الموهومة عند العرب في تسمية أفعال الجوارح عملاً]. قوله: [وزعم مخالفنا] أي: المرجئة [أن الإيمان هو القول دون العمل]. ويقصدون بالقول: قول القلب وإقراره وتصديقه, أي: زعمت المرجئة أن الإيمان: هو تصديق القلب وإقراره، وأن العمل لا يدخل في مسماه. يقول المؤلف ﵀: هذا متناقض؛ لأنه إذا جعله قولاً فقد أقر أنه عمل؛ لأن قول القلب وإقراره وتصديقه عمل من أعمال القلب، وذلك لأن العرب تسمي أفعال الجوارح عملاً، وبه استدل المؤلف ﵀ على تسمية قول اللسان عملاً، فيقول: إن المرجئة متناقضون بقولهم: إن الإيمان هو القول دون العمل؛ لأن القول الذي هو التصديق والإقرار هو عمل للقلب وقول اللسان ونطقه عمل وقد جاءت النصوص بتسمية النطق باللسان عملاً, وكذلك العرب تسمي أفعال الجوارح عملاً، فأفعال الجوارح تسمى عملاً، وقول اللسان يسمى عملاً وإقرار القلب وتصديقه يسمى عملاً.

стр. 102

الأدلة على أن ذكر القلب وإقراره يسمى عملاً قال المؤلف ﵀: [وتصديقه في تأويل الكتاب في عمل القلب واللسان قول الله في القلب: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦]، وقال: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم:٤]، وقال: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢]، وقال رسول الله ﷺ : (إن في الجسد لمضغة إذا صلحت صلح سائر الجسد، وهي القلب) وإذا كان القلب مطمئناً مرة، ويصغي أخرى، ويوجل ثالثة، ثم يكون منه الصلاح والفساد فأي عمل أكثر من هذا؟]. هذه النصوص استدل بها المؤلف ﵀ على تسمية عمل القلب عملاً فطمأنينة القلب تسمى عملاً، وكونه يصغي ويوجل وكونه يصلح ويفسد كل هذه أعمال ولهذا قال المؤلف ﵀: [وتصديقه في تأويل الكتاب في عمل القلب قول الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦]] فوصف القلب بأنه يطمئن وهذا عمل وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢] ووجل القلب عمل للقلب. وفي الحديث قال النبي ﷺ : (إن في الجسد لمضغة إذا صلحت صلح الجسد كله) والمؤلف روى الحديث بالمعنى ونصه: (إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)، فنسب الصلاح والفساد إلى القلب. فدل على أن القلب له أعمال, فيوصف بأنه مطمئن، وبأنه يصغي، وبأنه يوجل، وبأنه يصلح، وبأنه يفسد, فأي عمل أكثر من هذا؟! قال المؤلف ﵀: [ثم بين ما ذكرنا قوله: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة:٨] فهذا ما في عمل القلب]. فقوله تعالى: ((وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ)) يعني: في قلوبهم أي: يقولون سراً في قلوبهم وقد ينطقون به بألسنتهم قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة:٨]، فسماه قولاً وهو عمل القلب وجاء في تفسير هذه الآية، ((ويقولون في أنفسهم)) يعني: يقولون سراً بألسنتهم.

стр. 103

الأدلة على أن قول اللسان يسمى عملاً قال المؤلف ﵀: [وأما عمل اللسان فقوله: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء:١٠٨]، فذكر القول ثم سماه عملاً ثم قال: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس:٤١] هل كان عمل رسول الله ﷺ معهم إلا دعاؤه إياهم إلى الله، وردهم عليه قوله بالتكذيب وقد أسماها هاهنا عملاً؟! وقال في موضع ثالث: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ [الصافات:٥١ - ٥٢] إلى ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات:٦١]، فهل يكون التصديق إلا بالقول وقد جعل صاحبها هاهنا عاملاً؟! ثم قال: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ [سبأ:١٣] فأكثر ما يعرف الناس من الشكر أنه الحمد والثناء باللسان، وإن كانت المكافأة قد تدعى شكراً]. هذا فيه احتجاج على تسمية قول اللسان عملاً، وقد احتج عليهم المؤلف بأربع حجج: الحجة الأولى: قول الله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء:١٠٨] فقوله: ((إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ)) فيه أن عملهم هو تبييتهم قولاً لا يرضاه الله، فسماه الله عملاً بقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء:١٠٨] يعني: من هذا القول الذي بيتوه، فسماه عملاًً فدل على أن قول اللسان يسمى عملاً. قال المؤلف: فذكر القول ثم سماه عملاً. الحجة الثانية: قول الله تعالى في سورة يونس: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس:٤١] فسمى قول النبي ﷺ عملاً وقد كان عمل الرسول ﵊ هو دعوتهم إلى الله وتبليغهم رسالة الله بلسانه، وإنذارهم وتخويفهم، فسماه عملاً في قوله: ﴿لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ﴾ [يونس:٤١] وهم ردوا على النبي ﷺ قوله بالتكذيب، وسماه الله هنا عملاً فسمى دعوة النبي ﷺ لهم عملاً، وسمى تكذيبهم له بالقول عملاً, فقال: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس:٤١]. والحجة الثالثة: قول الله تعالى في سورة الصافات: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ * قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ * قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ * أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات:٥٠ - ٦١]، فهذه الآيات فيها محاورة بين مؤمن وكافر, فهذا المؤمن كان له قرين في الدنيا، فكان هذا القرين يكذب بالبعث, فلما مات صار هذا القرين الكافر في النار وصار المؤمن في الجنة, فكان المؤمن يتحدث مع إخوانه المؤمنين، فتذكر حال قرينه الكافر الذي ينكر البعث، قال تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات:٥٠] أي: المؤمنون ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ [الصافات:٥١] أي: في الدنيا ينكر البعث، ويقول يخاطب المؤمن: ﴿أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات:٥٢ - ٥٣] أي: أتصدق بأنك إذا مت وكنت تراباً وعظاماً سوف تبعث وتجازى وتحاسب؟! فقال بعضهم: ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ [الصافات:٥٤] يعني: هل نطلع لنرى حاله؟ فاطلعوا وهم في الجنة في أعلى عليين والنار في أسفل سافلين، فاطلع المؤمن على قرينه الكافر فوجده يتقلب في النار في وسط الجحيم، قال تعالى: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٥٥] ومع البعد العظيم بين الجنة والنار، فإن الجنة في أعلى عليين، والفردوس الأعلى أعلاها، وسقفها عرش الرحمن، والنار في أسفل سافلين، مع ذلك يرى المؤمن الكافر في النار، ويراه يتقلب في وسط الجحيم، والله تعالى قد أعطانا مثالاً لذلك في هذه الدنيا، فالإنسان يشاهد الآن من في المشرق ومن في المغرب على الشاشة التلفزيونية، فالمؤمن يخاطب الكافر مع بعد المسافة ويراه، مع أن المؤمن في الجنة في أعلى عليين والكافر في أسفل سافلين، إلا أن المؤمن ينظر إلى الكافر وهو يتقلب في سواء الجحيم، فقد كشف الله له لينظر إليه ويخاطبه مع بعد المسافة، فيقول المؤمن للكافر الذي يتقلب في وسط الجحيم: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات:٥٦] أي: كدت تظلني؛ لأنك تنكر البعث، ﴿وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات:٥٧] ثم يخاطبه ويقول له: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الصافات:٥٨ - ٥٩] أي: أنت تنكر البعث ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الصافات:٥٨ - ٥٩]، ثم قال الله: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات:٦٠ - ٦١] وهذا هو الشاهد، فالمحاورة بين المؤمن والكافر قول, وقد سماه الله عملاً فقال: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات:٦١]، وهذا هو توجيه المؤلف لهذه الآيات، ولكن قوله تعالى: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات:٦١] يعني: لمثل هذا اليوم العظيم الذي يلاقي الإنسان فيه ربه، ويلقى جزاءه فليعمل العاملون بتوحيد الله وإخلاص الدين له، وأداء الفرائض والانتهاء عن المحارم، والاستقامة على دين الله، والوقوف عند حدوده، فالمؤلف ﵀ استدل بقوله: ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ [الصافات:٥١ - ٥٢] فاستدل بقوله: (لمن المصدقين) فقال: إن التصديق سماه الله عملاً بقوله: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات:٦١]، فهذا المؤمن صدق بلقاء الله وبالبعث وبالجزاء وبالنشور ووحد الله وسمى الله هذا عملاً بقوله: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات:٦١] فقال المؤلف: فهل يكون التصديق إلا بالقول وقد جعل صاحبه هاهنا عاملاً؟! الحجة الرابعة: قول الله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ [سبأ:١٣] فسمى العمل شكراً، وقوله ﵀: [أكثر ما يعرف الناس من الشكر أنه الحمد والثناء باللسان وإن كانت المكافأة قد تدعى شكراً]. فالصواب أن الشكر يكون بالقول ويكون باللسان ويكون بالجوارح, فيكون بالقلب بتعظيم الله وخشيته وإجلاله والاعتراف بنعمه، ويكون باللسان بالتحدث بالنعم وشكر المنعم جل وعلا، ويكون بالجوارح بصرف هذه النعم في طاعة الله، واستعمالها في مراضاته . قال المؤلف ﵀: [فكل هذا الذي تأولنا إنما هو على ظاهر القرآن، وما وجدنا أهل العلم يتأولونه، والله أعلم بما أراد، إلا أن هذا هو المستفيض في كلام العرب غير المدفوع، فتسميتهم الكلام عملاً، من ذلك أن يقال: لقد عمل فلان اليوم عملاً كثيراً: إذا نطق بحق وأقام الشهادة ونحو هذا، وكذلك إن أسمع رجل صاحبه مكروهاً قيل: قد عمل به الفاقرة، وفعل به الأفاعيل، ونحوه من القول، فسموه عملاً، وهو لم يزده على المنطق، ومنه الحديث المأثور: (من عد كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما ينفعه)]. يقول: كل هذه النصوص التي تأولناها إنما تأولناها لأن القرآن دل عليها، يعني: ظاهر القرآن يدل عليها، ووجدنا -أيضاً- أهل العلم يتأولونها بهذا التأويل، ويفسرونها بهذا التفسير، فالنصوص قد دلت على تفسير القول بالعمل، وكذلك كلام أهل العلم، وهذا هو المستفيض أيضاً في كلام العرب, ولا يوجد ما يدفع أنهم يسمون الكلام عملاً. ومن ذلك في لغة العرب أنه يقال: لقد عمل فلان اليوم عملاً كثيراً: إذا نطق بحق وأقام الشهادة ونحو ذلك, فإذا نطق الإنسان بالحق وأقام الشهادة وأداها قيل: قد عمل اليوم عملاً كثيراً، مع أنه نطق بلسانه بالشهادة وبالحق، وقال الحق وتكلم به، فسموا هذا عملاً، فيقولون: لقد عمل فلاناً اليوم عملاً, وكذلك إذا أسمع رجل صاحبه كلاماً سيئاً يكرهه تقول العرب: قد عمل به الفاقرة، وفعل به الأفاعيل، وهو إنما تكلم بكلام سيئ، فسموه عملاً، وهو لم يزد على النطق. هذا معنى كلام المؤلف ﵀؛ فتسمية الكلام عملاً دل عليها النصوص،

стр. 104

شرح كتاب الإيمان لأبي عبيد [٩] الإرجاء في الأعمال وإخراجها من مسمى الإيمان إما أن يكون مع اعتقاد وجوبها من أدلة أخرى، وإما أن يكون مع اعتقاد أن أصل التصديق كافٍ في النجاة من دون عمل، والأول هو مذهب مرجئة الفقهاء، والثاني هو مذهب الجهمية.

стр. 105

حكم من جعل الإيمان المعرفة بالقلب فقط قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: من جعل الإيمان المعرفة بالقلب وإن لم يكن عمل. قال أبو عبيد: قد ذكرنا ما كان من مفارقة القوم إيانا في أن العمل من الإيمان، على أنهم وإن كانوا لنا مفارقين، فإنهم ذهبوا إلى مذهب قد يقع الغلَط في مثله، ثم حدثت فرقة ثالثة شذت عن الطائفتين جميعاً، ليست من أهل العلم ولا الدين، فقالوا: الإيمان معرفة بالقلوب لله وحده، وإن لم يكن هناك قول ولا عمل، وهذا منسلخ عندنا من قول أهل الملل الحنفية؛ لمعارضته لكلام الله ورسوله ﷺ بالرد والتكذيب]. عقد المؤلف ﵀ هذا الباب للرد على الجهمية، وهم المرجئة المحضة الغلاة الذين يقولون: إن الإيمان هو معرفة الرب بالقلب، والكفر هو جهل الرب بالقلب، فمن عرف الله بقلبه فهو مؤمن عند الجهم بن صفوان، ولا يكون كافراً ولو فعل جميع المنكرات والكبائر وأنواع الردة، ولو هدم المساجد وقتل الأنبياء والمصلحين فلا يكون كافراً إلا إذا جهل ربه بقلبه، فأفسد وما قيل في حد الإيمان وتعريفه هو قول الجهمية. قوله: (قد ذكرنا ما كان من مفارقة القوم إيانا) المراد بهم مرجئة الفقهاء: أبو حنيفة وأصحابه، فأهل السنة يقولون: العمل من الإيمان، ومرجئة الفقهاء يقولون: العمل ليس من الإيمان. قوله: (على أنهم وإن كانوا مفارقين لنا) أي: مخالفين لنا ومذهبهم مذهب باطل إلا أن هذا المذهب قد يقع الغلط في مثله، فقد يكون صاحبه له شبهة تجعله يغلط، لكن المصيبة أن فرقة حدثت وشذت عن الطائفتين جميعاً، وهي الجهمية المرجئة المحضة الغلاة، فهذه الطائفة شذت الطائفتين، شذت عن مذهب أهل السنة والجماعة، وشذت عن مذهب مرجئة الفقهاء أيضاً، فمرجئة الفقهاء يقولون: العمل ليس داخلاً في مسمى الإيمان، لكن يقولون: العمل مطلوب، فالواجبات واجبات، والمحرمات محرمات، ومن فعل الواجبات عن إخلاص ومتابعة فإنه يستحق الثواب والمدح، ومن فعل الكبائر ورد في حقه الوعيد الشديد، ويقام عليه الحد إذا كان على المعصية حد، وإن كان هذا القول غلطاً إلا أنه أهون بكثير من مذهب الجهمية والمرجئة المحضة، فهؤلاء ليسوا من أهل العلم والدين؛ لأنهم قالوا: الإيمان معرفة القلوب بالله وحده فقط، وإن لم يكن هناك قول ولا عمل، فهذا هو الإيمان عند الجهم. فعندهم أن من صدق بقلبه فهو مؤمن كامل الإيمان ويدخل الجنة من أول وهلة، ولو لم يفعل شيئاً من الواجبات، ولو ارتكب جميع المحرمات والكبائر. قوله: (وهذا منسلخ عندنا من قول أهل الملل الحنفية)، الملل: جمع مفرده الملة. قوله: (لمعارضته كلام الله وكلام رسوله ﷺ بالرد والتكذيب) يعني: هذا انسلاخ من الدين بالكلية وإبطال للشرائع، وإبطال للكتب المنزلة، وإبطال لما جاءت به الرسل، فهو مذهب باطل لمخالفته لما جاء به المرسلون وما أنزل الله به الكتب. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ألا تسمع قوله: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ [البقرة:١٣٦] فجعل القول فرضاً حتماً، كما جعل معرفته فرضاً، ولم يرض بأن يقول: اعرفوني بقلوبكم، ثم أوجب مع الإقرار الإيمان بالكتب والرسل كإيجاب الإيمان، ولم يجعل لأحد إيماناً إلا بتصديق النبي ﷺ في كل ما جاء به، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء:١٣٦]، وقال: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:٦٥]، وقال: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦] النبي ﷺ ، فلم يجعل الله معرفتهم به إذ تركوا الشهادة له بألسنتهم إيماناً، ثم سئل رسول الله ﷺ عن الإيمان فقال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله) في أشياء كثيرة من هذا لا تحصى]. هذا فيه مناقشة من المؤلف ﵀ للجهمية والمرجئة المحضة الذين يقولون: إن الواجب الإيمان فقط دون القول والعمل، قال: (ألا تسمع قوله سبحانه: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ [البقرة:١٣٦] فقوله: (قولوا) هذا أمر، والأمر للوجوب. قوله: (فجعل القول فرضاً حتماً) يعني: فكما أن معرفة الله والإيمان به وتصديقه بالقلب فرض حتم، فكذلك القول والنطق باللسان هو فرض حتم، ولابد من أن ينطق المسلم بالشهادتين ويشهد لله تعالى بالوحدانية ولنبيه بالرسالة، فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، ولم يكتف الله تعالى بالمعرفة، ولهذا قال المؤلف: (ولم يرض بأن يقول: اعرفوني بقلوبكم) بل قال: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة:١٣٦]، فدل على بطلان مذهب الجهمية الذين يقولون: القول غير واجب، وأنه تكفي المعرفة. قوله: (ثم أوجب مع الإقرار الإيمان بالكتب والرسل كإيجاب الإيمان) قال : ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة:١٣٦] إلى آخر الآية، فالله تعالى أوجب القول وأوجب الإيمان بالكتب والرسل ولم يكتف بالتصديق. قوله: (ولم يجعل لأحد إيماناً إلا بتصديق النبي ﷺ في كل ما جاء به، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء:١٣٦]) فدل على بطلان هذا المذهب الفاسد وفساده، وهو مذهب الجهم القائل بأن الإيمان مجرد المعرفة؛ لأن الله تعالى لم يجعل لأحد إيماناً إلا بتصديق النبي ﷺ في كل ما جاء به، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء:١٣٦]، ثم قال: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:١٣٦]، وكذلك -أيضاً- نفى الإيمان عمن لم يحكم الرسول ﷺ في مسائل النزاع، فقال: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:٦٥]، ولم يثبت الإيمان لأهل الكتاب مع كونهم يعرفون بقلوبهم أن النبي ﷺ رسول الله، ويعرفون صدقه وصفته، فقال: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦]، ثم قال: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٤٦]، فأهل الكتاب يعرفون الرسول ﷺ بقلوبهم ولم تنفعهم هذه المعرفة؛ لأنهم لم يظهروا ذلك ولم يصدقوا، فدل على أن المعرفة لا تكفي، ولهذا علق المؤلف ﵀ على هذه النصوص فقال: (فلم يجعل الله معرفتهم به إذ تركوا الشهادة له بألسنتهم إيماناً) أي: لم يجعل الله معرفة اليهود بالله إيماناً حين تركوا الشهادة له بألسنتهم. قال: (ثم سئل رسول الله ﷺ عن الإيمان فقال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره)) ولم يكتف بالمعرفة بالقلب، فدل على بطلان هذا المذهب وفساده. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وزعمت هذه الفرقة أن الله رضي عنهم بالمعرفة، ولو كان أمر الله ودينه على ما يقول هؤلاء ما عرف الإسلام من الجاهلية، ولا فرقت الملل بعضها من بعض؛ إذ كان يرضى منهم بالدعوى على قلوبهم غير إظهار الإقرار بما جاءت به النبوة، والبراءة مما سواها، وخلع الأنداد والآلهة بالألسنة بعد القلوب، ولو كان هذا يكون مؤمناً، ثم شهد رجل بلسانه أن الله ثاني اثنين كما يقول المجوس والزنادقة، أو ثالث ثلاثة كقول النصارى، وصلى للصليب، وعبد النيران بعد أن يكون قلبه على المعرفة بالله، لكان يلزم قائل هذه المقالة أن يجعله مؤمناً مستكملاً الإيمان كإيمان الملائكة والنبيين، فهل يلفظ بهذا أحد يعرف الله أو مؤمن له بكتاب أو رسول؟ وهذا عندنا كفر لن يبلغه إبليس فمن دونه من الكفار قط]. هذا بيان من المؤلف ﵀ لمفاسد مذهب الجهمية الذين يزعمون أن الإيمان معرفة الرب بالقلب فقط. قوله: (وزعمت هذه الفرقة أن الله رضي منهم بالمعرفة) يعني أنهم زعموا أن الله اكتفى بهذا الإيمان. قوله: (ولو كان أمر الله ودينه على ما يقول هؤلاء ما عرف الإسلام من الجاهلية، ولا فرقت الملل بعضها من بعض) أي: لو كان الإيمان مجرد المعرفة لما عرف الإسلام من الجاهلية؛ لأن الإيمان هو معرفة الرب بالقلب، فكل يعرف ربه بقلبه ولو كان يهودياً، ويعرف ربه بقلبه ولو كان نصرانياً، ويعرف ربه بقلبه ولو كان وثنياً، ويعرف ربه بقلبه ولو كان من أهل الجاهلية، فعلى هذا المذهب لا يعرف الإسلام من الجاهلية، ولا يعرف الفرق بين ملة اليهودية وملة النصرانية وملة الوثنية. قوله: (إذ كان يرضى منهم بالدعوى على قلوبهم، غير إظهار الإقرار بما جاءت به النبوة والبراءة مما سواها، وخلع الأنداد والآلهة بالألسنة بعد القلوب) يعني: لو كان الإيمان هو مجرد المعرفة لرضي منهم بالدعوى على قلوبهم، ولكنه لا يرضى من المؤمن إيمانه إلا إذا أقر بما جاءت به الأنبياء ﵈، وتبرأ مما سواها، وخلع الأنداد والآلهة بقلبه ولسانه؛ لأن الله لا يرضى من المؤمن حتى يوحد الله ويخلص له العبادة ويتبرأ من الشرك قليله وكثيره، ويؤمن بالله ورسوله ويتبرأ من الأنداد والآلهة. قوله: (ولو كان هذا يكون مؤمناً) يعني: بمعرفته بقلبه، (ثم شهد رجل بلسانه أن الله ثاني اثنين كما يقول المجوس والزنادقة، أو ثالث ثلاثة كقول النص

стр. 106

الأسئلة

стр. 107

حكم إعذار عوام أهل الأهواء والبدع بالجهل السؤال هل يعذر عوام الصوفية وعباد القبور وعوام الروافض بالجهل؟ الجواب أظن أن العوام في العصر الحاضر قد بلغتهم الدعوة، فمن بلغتهم الدعوة وبلغتهم الحجة وبلغهم القرآن والسنة فلا يعذرون، إنما الذي يعذر في هذا من لم تبلغه الحجة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، وقد بعث الرسول، وقال سبحانه: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام:١٩]، فمن بلغه القرآن فقد قامت عليه الحجة، وقال ﵊ في الحديث الصحيح: (والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار)، فمن قامت عليه الحجة وبلغه الدليل لا يكون معذوراً، ولا يشترط فهم الحجة، بل يكفي بلوغ الحجة، أن يعرف أن هذا دليل على هذا الشيء، لكن قال بعض أهل العلم: إنه لو وجد بعض الناس ممن اشتبه عليه الأمر ولبس عليه الحق ولم يعرف الحق بسبب تغطية الحق عليه وسيطرة أهل الضلال وأهل الشرك عليه، حتى أفهموه أن هذا الباطل هو الحق، فإنه يكون حكمه حكم أهل الفترة، ويكون أمره إلى الله ، ولكنه إذا مات على هذه الحالة، لا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن مع المسلمين في مقابرهم ولا يدعى له وعلى كل حال فإن من بلغته الدعوة وبلغه القرآن وبلغته السنة، وعلم أن هذا الأمر محرم لا يكون معذوراً، والآن بلغت دعوة الإسلام مشارق الأرض ومغاربها، لكن كون بعض المشركين يصم أذنه عن سماع الحق ولا يقبل الحق ويرد الحق ليس عذراً له، فيجب على الإنسان أن يتعرف على الحق ويطلب الحق ويسأل عن الحق ويسأل عن دينه، فكما أنه يسعى في أمور دنياه في كسبه ومعاشه وبيعه وشرائه، كذلك يجب عليه أن يتعلم دينه، وأن يسأل عما أشكل عليه، وأن يبحث عن الحق، وإذا كان لا يعرف الحق فهو معذور، وإذا كان يستطيع أن يعرف الحق ويستطيع أن يسأل فلم يسأل فلا يكون معذوراً.

стр. 108

كيفية التعامل مع الرافضي السؤال كيف تكون معاملة الرافضي؟ الجواب إذا كان لا يظهر معتقده الفاسد ويظهر الإسلام، فإنه يعامل معاملة المسلمين، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: تكثر الزندقة في الروافض. والنبي ﷺ كان يعامل المنافقين معاملة المسلمين، فإذا كان هذا الشخص يظهر الإسلام ولا يظهر معتقده وكفره وضلاله فيعامل معاملة المسلمين، فإذا أظهر كفره ونفاقه فإن الإنسان يتبرأ منه، ولا يتخذه صديقاً ولا معاشراً، وتكون معاملته له من جهة العمل للضرورة، كما كان النبي ﷺ يعامل المنافقين معاملة المسلمين، كـ عبد الله بن أبي وغيره من المنافقين الذين كانوا يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر والنفاق.

стр. 109

حكم من قال: إن العمل شرط كمال في الإيمان وحكم متابعته السؤال يعتبر العلامة المحدث الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ﵀ ممن جدد علم الحديث ونشر السنة، وكان شوكة في حلوق أهل البدع، ولكنه ﵀ أخطأ وغلط في مسألة الإيمان، حيث وافق المرجئة حينما قال: إن العمل شرط كمال وليس ركنه جزءاً من أجزاء الإيمان، فهل من قال هذا الكلام صحيح؟ وهل يتابع الشيخ، ويقال: إنه حجتي عند الله؛ فإن طلاب الشيخ إذا ناقشناهم قالوا هذا الكلام، وزعموا أن الشيخ أعرف بمذهب السلف؟ الجواب الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ﵀ محدث، وله اليد الطولى في الحديث، فقد خدم السنة خدمة عظيمة، نسأل الله أن يغفر له ويرحمه، لكنه ليس بمعصوم، فإذا كان قال: إن العمل خارج من مسمى الإيمان فقد وافق أبا حنيفة وأصحابه، وأبو حنيفة إمام من الأئمة، وسبق أن الخلاف بينه وبين أهل السنة خلاف لفظي لا يترتب عليه فساد في العقيدة، إنما الخلاف الذي يترتب عليه فساد في العقيدة خلاف الجهمية المرجئة المحضة، أما مرجئة الفقهاء فإنهم من أهل السنة وإن كانوا خالفوا في هذه المسألة، وهم من أهل العلم والدين كما قال المؤلف أبو عبيد ﵀، ولكنهم غلطوا وأخطئوا في أمر يكون فيه اشتباه، لكن المصيبة في مذهب الجهمية. فالمقصود أن الشيخ الألباني ومن هو أكبر منه غلط في هذا، ومن غلط يترحم عليه ويدعى له بالمغفرة، ولا يتبع في الغلط، وكل إمام من الإئمة يقول: إذا صح الحديث فهو مذهبي. ويقول: إذا قلت قولاً يخالف قول رسول الله ﷺ فخذوا بقول رسول الله واضربوا بقولي عرض الحائط، قال هذا أبو حنيفة والشافعي وأحمد ومالك، وكلهم يغلطون وكلهم يخطئون، وليس هناك أحد لا يخطئ، فإذا غلط العالم أو الكبير فإنه يترحم عليه ويدعى له ويلتمس له العذر، والخطأ مردود عليه ولا يتبع فيه، وإنما يتبع القول الصواب والقول الصحيح الذي دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، والحق أحق أن يتبع، ويجب على طلابه -إذا كان الشيخ قد قال هذا الكلام- ألا يتبعوه في هذا، وأن يقبلوا الحق، والسلف والأئمة العلماء كانوا يرجعون عن الخطأ، فهذا عمر بن الخطاب الخليفة الراشد ﵁ جاءه الإخوة الأشقاء في مسألة المشتركة، وهي: زوج وأم وإخوة لأم وإخوة أشقاء، فقسم الميراث على ما في كتاب الله، وأعطى الزوج النصف والأم السدس، والباقي للإخوة للأم، ولم يعط الإخوة الأشقاء شيئاً، ثم حدثت هذه المسألة بعد مدة نحو سنتين، فجاءوا فأشرك الإخوة الأشقاء مع الإخوة لأم، فقالوا له: يا أمير المؤمنين! إنك قضيت فيما مضى ولم تشرك الإخوة، فقال: تلك على ما قضينا وهذه على ما نقضي. أي: تبين له الحق فرجع إليه، والإمام أحمد ﵀ قد يكون له في المسألة سبع روايات، حيث يتبين له الحق فيقول بهذا القول، والإمام الشافعي له قولان: قول جديد وقول قديم، قول قديم في العراق، والقول الجديد في مصر، ومازال العلماء يرجعون عن الخطأ وعن القول الذي يتبين لهم أنه خطأ في الفروع وفي الأصول، وليس هناك أحد معصوم إلا رسول الله ﷺ ، فهو معصوم فيما يبلغ عن الله، ومعصوم من الشرك ومن الكبائر، أما غيره فليس هناك أحد معصوم، لا الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ولا من هو أكبر منه. وكان الصحابة يرد بعضهم على بعض، وقد يغلطون في بعض المسائل، فهذه فاطمة بنت رسول الله ﷺ سيدة نساء أهل الجنة غلطت، وذلك حين جاءت إلى أبي بكر بعد موت النبي ﷺ وقالت: أعطني ميراثي من النبي ﷺ ، فقال لها: إن النبي ﷺ قال: (نحن -معاشر الأنبياء- لا نورث، ما تركناه صدقة)، وروى هذا الحديث عدد من الصحابة، ولكنها لم تقنع ﵂، وولت وهجرت أبا بكر حتى توفيت بعد موت النبي ﷺ بستة أشهر، فهي غلطت، والصواب مع أبي بكر، وليست معصومة وهي سيدة نساء أهل الجنة، وعائشة ﵂ لما حصل الخلاف بين علي ﵁ والخلاف بينه وبين معاوية جاءت ومعها طلحة والزبير تطالب بدم عثمان، وخطب عمار بن ياسر الناس وقال: (إنها أم المؤمنين أمكم، وهي زوجة النبي ﷺ في الدنيا والآخرة، وإن الله ابتلاكم بها)، فهي غلطت وأخطأت، والحق مع علي ﵁، فليس هناك أحد لا يغلط ولا يخطئ، فإذا غلط الشيخ ناصر الدين الألباني في هذه المسألة أو غلط من هو أكبر منه فالحجة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وما أجمع عليه الصحابة والتابعون والأئمة.

стр. 110

حقيقة نزاع المرجئة لأهل السنة في الإيمان السؤال ما معنى قول شيخ الإسلام: فإن المرجئة لا تنازع في أن الإيمان الذي في القلب يدعو إلى فعل الطاعة ويقتضي ذلك، والطاعة من ثمراته ونتائجه، لكنها تنازع هل يستلزم الطاعة؟ الجواب يعني أن المرجئة لا ينازعون في أن التصديق الذي في القلب يقتضي العمل ويدعو إلى العمل، لكنهم ينازعون في كون العمل جزءاً من الإيمان.
следующие страницы →