← Адаб

Адаб · id 37025

الفتح على أبي الفتح

ابن فورجة

Полный текст (314 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وضمير (يغرق) فيه للبعيد الفكر، وهو مصقع صفة للبعيد. ولو كان من جيد شعره لما كرر وقوله: تُرفّع ثوبَها الأردافُ عنُها ... فيبقى من وشاحيها شَسوعا إذا ماست رأيت لها ارتجاجاً ... له لولا سواعدها نزوعا هذه القصيدة كلها من الشعر الرذل، الذي لا ينتفع به، ولا بتفسيره وقد ضمنها ديوانه فلا بد من تلخيص ما يشتبه، وهذا يريد به كبر عجيزتها، والشسوع بفتح الشين: البعيد فعول بمعنى شاسع، يريد إنها إذا رفع ثوبها أردافها عنها شسع عن وشاحها أي بعد. ثم رد الضمير في البيت الثاني في قوله: لولا، إلى الثوب. وزعم أن شدة ارتجاجها لكثرة لحمها يكاد ينزع عنها ثوبها لولا أن سواعدها تمسكه. وهذا من قول الواصف: امرأة لا يصيب ثوبها إلا مشاشي منكبيها، ورواد في اليتيها، وحُلمتي ثدييها. وقد فسر أبو الفتح قوله وع بالضم، وأظنه يرويه شسوعاً، وهو رديء إلا أن يصف بالمصدر. كما قال قوم قعود، ووفود، وسجود. وقد أغنى الله عن هذا التمحل بفتح الشين فيكون

стр. 142

بمعنى شاسع. وإن روى بضم الشين فليرو، ونزوعاً في البيت الثاني أيضاً بالضم فهما سواء لا فرق بينهما. وقوله: ولما فقدنا مثله دام كشفنا ... عليه فدام الفقد وانكشف الكشف لم يستقص أبو الفتح في شرح هذا البيت، قال: عليه في موضع عنه. أراد كشفنا عنه. كقوله تعالى: فكشفنا عنك. وقد قال النابغة: إذا رضيت على بنو قشير ... لعمر الله أعجبني رضاها يريد عني. وقوله: عليه، الهاء راجعة إلى مثله، على تأويل أبي الفتح. وعندي إنه يجوز أن تكون عائدة إلى الممدوح وتكون عليه بمعنى له. يريد إذا داك كشفنا عن مثله له كقول الشاعر: فدام لي ولهم ما بي وما بهم ولو قال: دام علي وعليهم ما بي وما بهم لكان الكلام صحيحاً. وقوله انكشف، يريد به زوال. طابق بها قوله: فدام الفقد. يقول: دام فقدنا لمثله، وزال كشفنا عن مثله لانا يئسنا. ويكون قوله: دام كشفنا الأولى معناها دام مدة وزمنا، ثم لما فحصنا وعرفنا زال. وعندي

стр. 143

أن قوله عليه من (عنه) لأنه يريد بكشفنا معنى (قولك) غصنا عليه، ونزلنا عليه، وتسلقنا عليه. وقوله: أمات رياح اللوم وهي عواصفُ ... ومغنى العلى يودي ورسم الندى يعفو قال أبو الفتح: لو أمكنته القافية فقال: ومغنى العلى مود لكان اظهر في المعنى الذي قصده ولكنه كان يلزمه إذا قال مود أن يقول: ورسم الندى عاف. ورسم الندى مما يعفو. كما يودي ويعفو غيرهما. قلت المعنى الذي قصده أبو الطيب لا يؤديه إلا الفعل. لولا قال: مود، وعاف لم يأت بالمعنى، وإنما يؤدي المعنى الذي قصده الفعل المسمى فعل الحال المشترك بينه وبين الاستقبال. والمعنى في البيت للحال. يريد أمات رياح اللوم ومغنى العلى في حال ايدائه بتلك الريح. لأن الريح تعفوه وتدرسه. وهذا لطف منه أتى بعد ذكر الريح بالمعنى الذي يؤثر فيه جري الريح يريد أبو الطيب فلما أماتها عاد المغنى والرسم عامرين، أو واقعين عن مدى البلى. وقوله: فكان الطعن بينهما جواباً ... وكان اللبث بينهما فواقاً قال أبو الفتح: فواق، وفَواق، وهو زمان قصير بقدر ما بين

стр. 144

الحلبتين. قلت: إن كان الغرض بقوله: ما بين الحلبتين كل قبضة على خلف عند احتلابها، وإعادة القبض على إخلافها فمعنى البيت صحيح. وان كان الغرض بين حلبتين: حلبة أولى بركت بعدها حتى اجتمع شيء من اللبن ثم احتلبت فليس المعنى بجيد. لأن أبا الطيب ما قصد إلا سرعة الإجابة، وقلة اللبث على إنه يقال لما يجتمع من اللبن بين كل حلبتين: فيقة. ويقال: أفاقت الناقة درتها وهي الفيقة. وتلك لا تجتمع إلا في ساعة أو ساعتين. وكل ولد يتفوق أمه أي يشرب اللبن فيقة فيقة والفواق أيضاً ما يأخذ الإنسان عند امتلائه من الطعام. كأن نفسه ينقطع، أو يعلو. والمحتضر أيضاً يفوق بنفسه للفواق الذي يأخذه فجائز أن يريد. كان اللبث بينهما قدر ذلك الفواق وإنما هي نبرة وهمزة يعلو بها النفس. وقوله: وما كل من يهوى يعف إذا خلا ... عفافي ويرضى الحب والخيل تلتقي يريد أني أعف إذا خلوت بمحبوتي. وقد كرر هذا في شعره حيق يقول: إذا كنت تخشى العار في كل خلوة ... فلم تتصباك الحسان الخرائد وهذا مفخر عالٍ وقوله: ويرضى الحب والخيل تلتقي يريد قول عمرو بن كلثوم: يقتن جيادنا ويقلن لستم ... بعولتنا إذا لم تمنعونا

стр. 145

إذا لم تحمهن فلا بقينا ... لشيء بعدهن ولا حيينا ومعلوم أن الرجل ولو بلغ في العجز والضعف المنتهي يقاتل عن نسائه، وحبيبته. وكم من أهلك نفسه في حرب لحضور من يوده، حتى ضربت العرب الأمثال فقالت: الفحل يحمي شواله معقولا. وكانت نساء العرب إذا انتدين وسمرن ذكرت كل واحدة بلاء زوجها في الحرب وعيرت من فر منهم. وقوله: ولم أر كالألحاظ يوم رحيلهم ... بعثن بكل القتل في كل مشفق قال الشيخ أبو الفتح أي إذا نظرت اليهن، ونظرن إلي قتلتهن وقتلنني خوف الفراق وما منا إلا مشفق على صاحبه. هذا هو المعنى، ولكن يجب أن يلخص فضل تلخيص يقرب به إلى الفهم. فضمير (بعثن) للنساء لا للالحاظ. ومفعولها الالحاظ، وهذا كقولك: لم أر كزيد أقام الأمير عريفاً. يريد إقامة الأمير عريفاً. ولم أر كالليل اتخذ الهارب جملا. تريد اتخذه الهارب جملا. ولا يجوز أن يكون ضمير بعثن للالحاظ. الدليل على ذلك أن الالحاظ تبعث رسلا عند خوف الرقيب متعارف ذلك من الشعر كقول القائل:

стр. 146

كلمته بجفون غير ناطقة ... فكان من ردة ما قال حاجبه وهو أكثر من أن يحصى. وقوله: بكل القتل، كقولك: جاءنا رسول بالصلح. وفي التنزيل: جاءتهم رسلهم بالينات، أي بعثت الالحاظ بقتل فظيع. من قولهم: فلان عين الفاضل وكل الفاضل ثم قال: هن وإن بعثن الحاظهن رسل القتل. فهن مشفقات علينا من القتل، وغير مريدات بنا سوءاً لحبهن إيانا. وقوله: وإطراق طرف العين ليس بنافع ... إذا كان طرف القلب ليس بمطرق هذا البيت أهمله أبو الفتح، فلم بتعرض لشرح معناه. بل تكلم في غريب قوله. أطرق وفيه كلام طويل، ومعنى غلق. وإنما المفهوم عكس هذا المعنى. وهو أن تقول للبليد: نظر طرف العين ليس بنافع إذا كان طرف القلب مطرقاً. وهذا البيت يلي قوله: ويمتحن الناس الأمير برأيه ... ويغضي على علم بكل ممخرق وغرضه أن الناس على طبقاتهم في العجز والقصور مغترون وبإطراق طرف (عين) الأمر. وذلك من غير نافع لهم إذ كان يعرف مقاديرهم

стр. 147

بقلبه وذكائه. فقوله: ليس بنافع، يريد بنافع لهم لا للأمير. فهذا شرح المعنى. وقوله: يغير بها بين اللقان وواسط ... ويركزها بين الفرات وجلَّق ويرجعها حمراً كأن صحيحها ... يبكي دماً من رحمة المتدقق اللقان: مكان ببلد الروم. وواسط هي بالعراق واقع بها بني البريدي لاجتاحهم. وإنما يريد بذلك قدرته على السير، كما قال في هذه القصيدة: وكاتب من أرض بعيد مَرامُها ... قريب على خيل حواليك سبق جعله مما إذا هم ركب، وإذا سرى أبعد المسرى. وقد ذكر اللقان في شعره في مكان آخر وهو قوله: فقد بردت فوق اللقان دماؤهم ... ونحن أناس تتبع البارد السخنا وأما قوله: ويرجعها حمراً فهو معنى حسن وجيد ولم يتعرض لكشفه الشيخ أبو الفتح. وليس أيضاً بغامض، إلا أني ذكرته لنكتة فيه وهو إنه أخذ (هذا) المعنى واللفظ من بعد الرجاز انشد أبو حنيفة

стр. 148

الدينوري في كتابه النبات: يرَّفض المروءة عن صاقورها ... بكى صحيحها على مكسورها الصوقور: فأن تكسر بها الحجارة. قال يعني بقوله صحيحاها: الصاقور وما بقى من المروءة. ويجوز أن يعني ما عن جانبي مضروب الصاقور من المروءة يسمع لهما صوتاً عند الضرب فجعله بكاءً وان كان هذا التوارد في اللفظ اتفاقاً فعجيب اتفق. وان كان عمداً فمن القبيح الذي يرضى لنفسه. وقوله: يعيده أطرافِ القنا من أصوله ... قريبة بين البيض غير اليلامق قوله: بعيدة أطراف القنا من أصوله، يعني به طول قناها. والعرب يمدحون بطولها كقول حاتم الطائي: متى ما نحى يوماً إلى المال وارثي ... ليجد جمع كف غير ملء ولا صفر

стр. 149

وأسمر خطياً كان كعوبه نوى القسب قد أربى ذراعاً على العشر وقول القطامي: ومن ربط الجحاش فان فينا ... قفا سُلُباً وأفراساً حسانا السلب: الطوال: ويرى سلباً جمع سلوب فعول من السلب. وقوله: بعيدة أطراف القنا من أصوله لفظ مليح لولا إنه مأخوذ وقد تقدمه شعر كثير كله على هذا. أنشد الأصمعي في صفة جمل. لمخرج من نسعه ومدخله ... خلان بين يفن وكلكله ناج بعيد رأسه من مرحله أي من حيث يوضع عليه الرحل. وأخذه الاخطل فقال: إذا صَخَبَ الحادي عليهن بروت ... بعيدة ما بين المشافر والعجب

стр. 150

وفي الشعر القديم يصف حملاً. قريبة سرته من معرضه يريد قصر بطنه. وآخر يصف متاعه، انشده أبو حاتم السجستاني: يحمل بين فخذه وساقه ... أيراً بعيد الأصل من سمحاقه وسمحاقه اثر الختان. وأجود من الجميع قول الأحوص: شديدة إشراق التراقي أسيلة ... بعيدة ما بين الرعاث إلى العقد وقوله: قريبة بين البيض. أيضاً حسن، إلا إنه مأخوذ من قول قيس بن الخطيم فقد قصر عن قيس إلا إنه جود في التطبيق بين القريب والبعيد: لو أنك تلقي حنظلا فوق بيضها ... تدحرج عن ذي سامه المتقارب

стр. 151

وقوله: ولا ترد الغدران إلا دماؤها ... من الدم كالريحان تحت الشقائق الريحان جنس كثير. وفيه أخضر وغير أخضر. ألا تراهم يعدون الورد في الرياحين، إلا أن المولدين لهجوا بتسمية الضميران وهو (الشاهسفرم) ريحاناً. وتجد في كتب الطب برز الريحان بعنوان (الشاهسفرم). ولما جعل الماء أخضر شبه الضميران والدم والشقائق. وكان يجب أن يقول: الشفيق ليكون (موحدا) كالريحان. لكن القافية اضطرته. وأيضاً فالشقائق في لفظهم أكثر من الشقيق، ألفوها بقولهم: شقائق النعمان. وقيل إن النعمان كان حماه فنسب إليه. وجعل الماء أخضر وربما جعلته العرب ازرق وربما جعلته أبيض. وبكل ذلك أتى الشعر. قل الشاعر: ألم تر أن الماء يخلف طعمه ... وإن كن لون الماء ابيض صافياً وقول رؤبة: يردن تحت الليل سياح الدسق ... أخضر كالبرد عزير المنبعق وقال زهير: فلما وردن الماء زرقاً جمامه ... وضعن عصيَّ الحاضر المتخيم

стр. 152

والذي عند العلماء إن الماء لا لون له، وإنما يتلون بلون إنائه. زرقته من زرقة السماء لأنه مقابلها فيتلون بلونها. فأما قوله: باقٍ على البوغاء والشقائق ... والأبردين والهجير الماحق فالشقائق هنا جمع شقيقة، وهي ارض فيها رمل وحصى. وقيل فرجة بين الرمال. يصف مهره الطخرور، يقول: هو عربي صلب في باقي الجري، سارياً في بوغاء، وهي التراب. أو في شقيقة وهي ذات حجارة. وليس هذا من الشقائق في شيء. وقوله: وعذلت أهل العشق حتى ذقُتُه ... فعجبُ كيف يموت من لا يعشق كثر كلام الناس في هذا البيت، وادعى عليه قلب الكلام، واحتجوا باحتجاجات، وزعموا إنه أراد أن يقول: كيف لا يموت من لا يعشق. وليس الأمر عندي على ما زعموا. ولو أراد ذلك، أو قاله لكان معنى رذلا، ومتداولاً خلقاً. والذي أراده أبو الطيب معنى حسن صحيح اللفظ والمغزى أحسن كثيراً مما ذهبوا اليه، يقول: عجبت كيف يكون الموت من غير داء العشق، الذي هو أعظم الأدواء والخطب الذي

стр. 153

هو أشد الخطوب، كأنه لاستعظامه العشق يتعجب كيف يكون موت من غيره. ولا حاجة إلى عذر أو تمحل. وقوله: أنت منّا فتنتَ نفسكَ لكنَّك عُوفيتَ ... من ضنىٌ واشتياقِ قوله: أنت منّا قد تم الكلام بها، أي أنت عاشقة مثلنا لنفسك لأن كل أحد يعشق نفسه ثم قال: لكنك لن تبتلي بالضنى كما بلينا. والشيخ أبو الفتح قد أتى بهذا البيت، واتبعه بكلام كنت أؤثر له تركه فقال: أي أنت تعشقين نفسك من حسنك وظرفك. أتراها لو لم تكن حسناء ظريفة لأبغضت نفسها، فهذا فضل من الكلام، والمعنى ما تقدم. وأظنه غلط لما أتبع به الكلام لما سمع قول القائل: وإذا أراد تنزها في حسنه ... اخذ المرأة بكفه فتنزها فلما سمع هذا التنزه في وجهه ... حسب كل عشق لاستحسان

стр. 154

أما البيت الأول فهو كقوله: أبَعَدُ نأي المَليحَةِ البَخلُ ... في البعُدِ ما لا تُكلِفُ الإبل أي إن البعد بيننا هجرك، ولو كان بعداً حقيقياً لعملنا الإبل حتى نصل إليك. والبيتان معاً من قول العباس بن الأحنف: لو كنت عاتبة لسكن لوعتي ... أملي رضاك وزرتُ غيرُ مراقب لكن مللت فلم تكن لي حيلة ... صد الملول خلاف صد العاتبِ وقوله في البيت الثاني: ولو وصلنا عليها مثل أنفاسنا على الاماق. يعني نحافا قد أذهب الضنى ثقلنا حتى نحن في الخفة كأنفسنا. مثل قوله أيضاً: برتني السُرى بري المدى فرددنني ... أخفُ على المركوب من نفسي جُرمي والرمق بقية الحياة. أتى بها أيضاً لخفتها أي لم يبق منها إلا القليل. يريد: إبلنا أيضاً نحاف لا أثقال لها وهذا كقول القائل: أنضاء شوق على انضاء أسفار ومثله كثير، إلا أن أبا الفتح أتى بكلام شديد المحال قد أثبت في كتابي (التجني) وشرحت كلامه: (وهو قوله: الارماق جمع رمق، وهو بقية النفس، أي وصلنا إليك وهي تحملنا

стр. 155

على استكراه ومشقة لشد الجهد، كما تحمل ارماقنا أنفسنا جمع نفس على مشقة لأننا قد بلغنا أواخر أنفاسنا). وقد كان لو أراد الاستكراه والمشقة في سعة من التشبيه فما أكبر الأثقال العظام وما أكبر المشقة في حملها. وقوله: كل ذمرٍ يزيد في الموت حسناً ... كبدور تمامها في المحاق قال أبو الفتح: قوله: تمامها في المحاق: كلام متناقض الظاهر، لأن المحاق غاية النقصان. فهو ضد الكمال. ولكن سوغ ذلك قوله: يزيد في الموت حسناً. أي هو من الحسن أحوالهم عندهم أن يقتلوا في طلب المجد والشرف. فلما كانوا كذلك شبههم ببدور تمامها في محاقها. فجاز له هذا اللفظ على طريق الاستطراق والعجب منه، فشبه ما يجوز أن يكون بما لا يجوز أن يكون اتساعاً وتطرقاً. وشبه بقول العجاج.

стр. 156

عاين حياً كالخراج نعمه ... يكون أقصى شلة محرنجمه ثم أشبع الكلام في هذا الباب وجود ولم يقصر. غير إنه معنى أسهل من هذا وإن كان ما قاله غير ممتنع. وهو إن البدر وإن كان تمامه في كونه مستديراً مجتمع النور. فهو سائر إلى المحاق وآخر أمره إليه يصير. فما أراد بالتمام تمام البدر الذي يقال فيه تمه وتمامه بفتح التاء وكسرها بل أراد تمام الأمر المفتوح التاء. يقول: تمام أمرها وآخر أحوالها إلى المحاق. وهذا معنى جيد أقرب مأخذاً من الأول. وقوله: ليس قولي في شمس فعلك كالشمس ... ولكن في الشمس كالإشراق جعل لفعله شمساً استعارة لإضاءة أفعاله. ثم قال: ليس قولي نظير فعلك ولكنه لما كان دليلا عليه وأذاعه له، وتسييراً إياه في البلاد صار بمنزلة الإشراق للشمس إذ كانت لولاه لما كانت ذات عموم وشمول. و (في) هاهنا موضوعة موضع (إلى) يقول: ليس قولي بالقياس إلى شمس فعلك هذا بين. وإن شئت كانت (في) في موضع بعينها يريد الوعائية. ومثله قولك: ليس فضلك إلا كالقطر في البحر. ومثل هذا سواء قوله: وذاك النشر عرضك كان مسكاً ... وذاك الشعر فهرى والمداكا يعني أن شعري أذاعه لمجدك، وتسيير له. كما أن الفهر يسحق المسك فينشر ريحه.

стр. 157

وقوله: لم تر من نادمت الآكا ... لا لسوى ودّك لي ذاكا ولا لحبيها ولكنني ... أمسيتُ أرجوك وأخشكا لم تر التاء لمخاطبة الممدوح، و (من) نكره مثل قوله: يا رب من يبغض أذوادنا ... رحن على بغضائه واعتدين يريد إنساناً نادمته يعتد عليه بمنادمته إياه. يقول: وإنما سمحت بمنادمتك لشدة حبك لي ولولاها لما نادمتك. و (الهاء) في حبيها ضمير الخمر، وإن لم يجر لها ذكر. كقوله تعالى: إنا أنزلناه في ليلة القدر. يريد القرآن يقول: ما نادمتك لحبيها ولكن لأني أرجوك فما نبالي إذا ما كنت جارتنا ... ألا يجاوزنا إلاك ديار وأخشاك. وقوله: ولا لحبيها عطف على قوله: (لا لسوى ودك) كأنه يقول: لم تر أحداً نادمته غيرك لأمر غير ودك لي تلك المنادمة، ولا لحبي الخمر. وقوله ولكنني أصبحت أرجوك وأخشاك غير ناقص قوله: لا لسوى ودك. ولكنه كلام يؤكد. فكأنه يقول: ليس ذلك إلا لودك، ولاني أرجوك وأخشاك لا لحبي الخمر فتأمله يتضح لك. وقوله: ولو قلنا فدى لك من تساوي ... دعونا بالبقاء لمن قلانا

стр. 158

هذا كلام كأنه محمول على دليل الخطاب. وكأنه إذ قال: فداك من يساويك فقد قال لا فداك من يساويك. وهذا مجاز لا حقيقة. فقد تناول هذا المعنى أبو إسحاق الصابي الكاتب فوقع دون أبي الطيب فقال: أيهذا الوزير لازال يفديك ... من الناس كل من هو دونك وإذا كان ذاك أوجب قولي ... أن يكونوا بأسرهم يفدونك وبين الفقهاء في دليل الخطاب خلاف. فمنهم مثبت، ومنهم نافٍ يعني أن من قلاك ناقص عنك. فإنما يقليه لنقصانه عنه. وهو أيضاً مجاز. فكان من الواجب أن يقول: جميع الناس ناقصون بالقياس إليك. ولكن لما كان من تلقيه أيضاً أحد الناقصين حسن أن يقول ذلك. والذي قال أبو الفتح في هذا البيت قال: أي لو فداك من يساويك منهم دون غيرهم لكان هذا دعاء لمن يقليك ويبغضك من الملوك بالبقاء. لأنهم ينقصونك لأنهم لا يساووك في المجد بل يقصرون عنك. وقوله: قد استشفيت من داء بداء ... وأقتلُ ما أعلك ما شفاكا هذا قول قلبه يقول: قال قلبي: قد استشفيت يا أبا الطيب من

стр. 159

فراق وطنك، والشوق الذي تجده إليهم بفراق عضد الدولة. واقتل ما أسقمك ما استشفيت به. وهذا البيت يتبع قوله: إذا التوديع أعرض قال قلبي ... عليك الصبر لو صاحبت فاكا ولولا أن أكثر ما تمنى ... معاودة لقلت ولا مناكا قد استغنيت من داء بداء ... البيت قال أبو الفتح: وهذا يشبه قول النبي: كفى بالسلامة داء. وقال حميد بن ثور: وحسبك داءاً أن تصح وهذا يشبهه ولكن من حيث اللفظ لا من حيث المعنى. لأن ذلك فراق ينال من قلبه وهو يستشفى به، وهذه سلامة لم تنل في العاجل فيه شيئاً، ولكن يؤول أمرها إلى هرم وضعف. وقوله فلا تحمدهما واحمد هماماً ... إذا لم يسمِ حامُدُه عناكا أي لا تحمد فهري ومداكي فليست بمعيرك شهادة. وأحمد هماماً أي أحمد نفسه، يريد أن المادح إذا لم يسم مدوحه فإنما يعنيك كما قال أبو نواس:

стр. 160

وإن جرت الألفاظ منا بمدحةٍ ... لغيرك إنساناً فأنت الذي نعني وحامده يعني به نفسه لأنه شاعر عضد الدولة. وأنت تجد هذا المعنى في كثير من شعر فمنه. قوله: وعلموا الناس منك المجد واقتدروا ... على دقيق المعاني من معانيكا وقوله: وظنوني مدحتهم قديماً ... وأنت بما مدحتهم مرادي وقوله: وما أنا غير سهم في هواء ... يعود ولم يجد فيه امتساكا هذا البيت مدخول. لأن قوله: في هواء ليس يوجب فوقاً ولا يميناً ولا شمالاً. إذ في كل الجهات غير تحت هواء. وكل سهم رمي به فان ممره في هواء، سواء عاليت به في السماء، أو خفضت إلى رميه على الأرض إلا إنه لم يجد لفظة يقيمها في هذا المقام فتؤدي المعنى غير الشكاك وقد تقدمت. وهو لا يرى تكرير الألفاظ في قصيدة. وقد غلط بها أيضاً شاعر محدث فسلك مسلكه وازداد غلطاً فقال في غزل: أراميهنَّ باللحظات خلساً ... فترجع نحو مقتلتي سهامي وذاك لأنهن لفرط لطفٍ ... هواهْ ليس يمسك سهم رامي

стр. 161

ألا ترى إن لقائل أن يقول: كل هواه لا يمسك السهم، إلا إنه إذا لم يمسكه فليس يعود إلى الرامي. اللهم إلا أن يكون الهواء فوقه. وإنما هذا معنى قول الأول: ومن حول الطوى رماني كان من رمى وهو في بئر عادت إليه رميته. وبعد فقد جودا فيما قالا كلاهما في المعنى وقاربا في اللفظ. وقوله: حييٌ من الهي أن يراني ... وقد فارقت دارك واصطفاكا زعم أبو الفتح إنه قال: واصطفاكا وأراد اصطفاءك فقصر، وأورد نحو عشرين بيتاً استشهاداً على أن قصر الممدود جائز. وما قال الرجل إلا اصطفاكا بفتح الطاء. وقد نبهت على ذلك في كتابي (التجني)

стр. 162

وذكرت غناه عن هذا الاحتجاج. وهنا كلام يجري مجرى الإشباع لما قد مضى. كيف يجوز أن يقول اصطفاكا. ولا معنى لحياء المتنبي من الله سبحانه إذا فارق دار عضد الدولة واصطفاه بل يجب أن يتقرب إلى الله بتلك المفارقة والزهد في داره. وإنما كان يجب أن يقول: حيي من أصدقائي وامرأتي لذلك، إذ كانوا هم الذين يلومونه ويعيرونه بمفارقته وهذه في خيبته، ولا خيبة أعلى منها فأما الله فرضاه في زهده في خيبته وتركه إياها إذ كان ملكاً ظالماً. وإنما يقول: إن حيي من الهي أن أفارقك، وقد اصطفاك الله تعالى، ووكل إليك الأرزاق والعباد. ألا ترى كيف بين وجه حيائه من الله تعالى إذ ذكر اصطفاءه له ولو لم يذكر لكان لا محيص له من هذا السؤال. وقوله: وما أخشى نبوَّك عن طريق ... وسيف الدولة الماضي الصقيل ليس قوله: وسيف الدولة، ضرورة عاد بها من لفظ الخطاب إلى لفظ الأخبار، إذ قال نبوك بل يعني أني لا أخشى نبوك عن هذا الطريق، وسيف الدولة لا يكون إلا الماضي الصقيل وأنت سيفها، فلا تكون إلا ماضياً صقيلا. وسيف الدولة في هذين البيتين يعني به سيف الحديد لا الممدوح. على إنه لا يمنع أن يقال عناه به ورجع من لفظ الخطاب إلى الأخبار. كأنه يقول: لا أخشى نبوك أنت الماضي الصقيل إلا إنه قلق والمعنى ما ذكرت أولا.

стр. 163

وقوله: ومَنْ لم يعشَقِ الدنيا قديماً ... ولكن لا سبيل إلى الوصال ظاهر هذا المعنى مدخول. لأنه كم من عاشق للدنيا واصلته وواصلها، وهم الملوك والأغنياء وذووا النعمة واللهو والمترفون. ومخرج هذا المعنى على وجوه: أحدها: إنه يريد لا سبيل إلى الوصال لكل واحد. فأما من عددنا من أهل الغنى فهم أفراد لا حكم لهم. ووجه آخر وهو أن يريد: نعشق من الدنيا دوام نعمها، وبقاء الملك فيها والعمر فلا سبيل إلى ذلك لأحد. ويدل على ذلك أن الدنيا من غير صفة لا تفيد معنى ألا ترى إن الدنيا قد واصلت كل حي إذ كان حياته فيها وصالاً. والحياة من غير نعيم لا تعشق. وقوله: رواق العز فوقكِ مسيطر ... ومُلكُ علي ابنك في كمال عابه الصاحب بن عباد أبو القاسم ﵀ هذا البيت. وقال:

стр. 164

لعل لفظ الاسبطرار في مرثية النساء من الخذلان المبين وليت شعري أي خذلان في أن يكون رواق العز فوقها مسبطراً وما ضر عمر بن أبي ربيعة حيث يقول. أمسى بأسماء هذا القلب معمودا ... إذا أقول صحا يعتاده عيدا كان أحورَ من غزلان ذي البقر ... أعارها شبه العينين والجيدا ومشرقاً كشعاع الشمس بهجته ... ومسيطرا على لبابها سودا هذا أحسن الغزل وأحسن الغناء، والطريقة فيه لابن جامع، وخبره فيه مع الرشيد معروف وإنما ازداد حسناً استعمال المسيطر في ذكر شعر المرأة. يقول امرؤ القيس: وإن أعرضت قلت سرعوقةٌ ... لها ذنب خلفها مسبطر وإنما اسبطر كلمة منحوتة من اصلين على رأي بعض أهل اللغة من البسط والطر. وإن منع من ذلك المحققون منهم. وإذا جاز لامرئ القيس أن يقول في صنعة المرأة إذا ما أبكرت بين درع ومجول علم لا خذلان لأبي الطيب أن يقول: (رواق العز فوقك مسبطر). وما أراه نفر من هذه اللفظة إلا لبيت يروى لإعرابي ماجن (هجا) أبا

стр. 165

الشمقمق: مررت بأير بغل مسبطرٍ ... فويق القاع كالوتر المطوق فهل حرم استعمال هذه اللفظة من غير منكر استعمال هاجي أبي الشمقمق إياه في هذا المجون. فأمن كان هذا قياساً فقد أساء أمية بن أبي عائذ الهذلي حيث يقول: ومن سيرها العنق المسبطر ... والعجز فيه بعد الكلال وذو الرمة حيث يقول: تلوم بهناه مياه وقد مضى ... من الليل حور واسبطرت كواكبه والنابغة الذبياني حيث يقول: يخرجن من مسبطر النقع دامية ... كان آذانها أطراف أقلام

стр. 166

وعمر بن معد يكرب حيث يقول: لما رأيت الخيل زوراً كأنما ... جداول زرع خليت فاسبطرت وكثير حيث قال: على ظهر عادي يلوح متونه ... إذ العيس عالته اسبطر فعالها ولئن كان القياس في ألفاظ هذا البيت السخيف مستمراً فأسوأ أهل الغزلان قولا الذي يقول: جنية ولها جن تعلمها ... رمي القلوب بقوس ماله وتر إذ قد فسد لفظه الوتر باستعمالها في هذا السخف. وأسوأ قولاً منه أبو عباد البحتري حيث يقول: وما ربما بل كلما عن ذكرها ... بكيت وبكت الحمام المطوقا والشريف أبو الحسن الموسوي حيث يقول

стр. 167

عطفاً أمير المؤمنين فإننا ... في دوحة العلياء لا نتفرق ما بيننا يوم الفخار تفاوت ... أبداً كلانا في العلا معرَّق إلا الخلافة سودك وإنّما ... أنا عاطل منها وأنت مطوق فهذا من نخوة الوزارة وليس من باب العلم. وقوله: يا من يسير وحكم الناظرين له ... فيما يراه وحكم القلب في الجذل يعني بالناظرين عيني سيف الدولة. يعني أن جميع ما يريانه، ويقعان عليه فحكمه له، أي هو مملك رقاب الناس وأموالهم، ومساط على نفوس أعدائه وأموالهم. فكلما وقعت عيناه على عرض من أعراض الدنيا فهو له من حزبه كان أو من حزب أعدائه. ولو لم يحتج إلى قوله (له) لكان قوله حكم الناظرين فيما يراه مؤدياً للمعنى الذي قصده غير محوجٍ إلى زيادة، إلا إنه زاد (له) فزاد المعنى وضوحاً. قوله: وحكم القلب في الجذل. أي هو جذلان أبداً، يدرك ما يرومه، ولا يعجز عن

стр. 168

شئ يطلبه فكأنه محكم في السرور. وقد (جاء) بقريب من هذا المعنى قوله: له من الوحش ما اختارت أسنته ... عير وهيق وخنساء وذيال وقوله: ينظرن من مقلٍ أدمى أحجتها ... قرع الفوارس في العسالة الذُبل وجه أن أدني أحجتها قرع الفوارس ما جرت العادة من قولهم في دقة البصر بالطعن: بنو فلان يطعنون الحدق، وكقولهم: رماه الحدق. فقد أقام الحجاج هاهنا مقام الحدق. فهذا وجه. ووجه آخر هو أن يريد أن عيونها احمرت لما تشاهد من الطعان. أما غضباً، أو لطول نظرها إلى الدماء، ويكون الحجاج أيضاً مكان العين، ويريد بالدم الحمرة. وأجود من هذين الوجهين عندي أن يريد: أدمي أحجتها طول مر هم بالرماح على أحجتها، لأن الفارس إذا لم يعرض

стр. 169

رمحه. أو يعتقله. أو يحمله على كاهله، فإنما يمده بين أذني فرسه، أو يحمله مشرعاً به عند حجاج الفرس تحت اذنه، ويكون قوله: قرع الفوارس يريد به قرع الرماح عند مد فرسانها إياها هناك لا حجتها، وذلك لاضطرابها في سيرها لا أن عدواً قرعها مريداً ضرها. وقوله: تركتَ خدودَ الغانياتِ وفوقَها ... دموعٌ تذيبُ الحُسنَ في الأعين النجل تَبلُ سوداً من المسكِ وحَدهُ ... وقد قطَرتَ حمراً على الشعر الجثلِ إنما وجه أذابه الدمع الحسن تنه مما يفسد العين فيزيل حسنها كقول القائل: أليس يضر العين أن يكثر البكا ... ويمنع منها نومها وسرورها

стр. 170

وهذا ظاهر وإنما دقة صنعته بقوله: تذيب الحسن، ولم يقل: تزيل الحسن أو ما أشبهه. لأن الدمع لما كان يذهب بالحسن أولاً فأولاً كان استعارة الإذابة لفعله أولى كما قيل في الحب إذا هزل البدن: أذابه لأنه اخذ منه قليلاً قليلا. وأيضاً لما كان في الذوب من معنى السيلان والدمع سائل فكأن سال معه الحسن، فأما تكنيه بقوله: من المسك وحده، وإنه منع من أن يكون سواده من الكحل إذ كن صواحب مصيبة متمرهات لا يكتحلن فقد أتى به ابن جني. وكذلك قوله: حمراً على الشعر الجثل لما كن ناشرات شعورهن من المصاب، والشعر كان جثلا كثيراً صار الدمع يقطر عليه. ولقائل أن يقول: فصاحبه المصيبة لا تكتحل، فكذلك لا تستعمل المسك فجوابه إنهن لم ستعملن المسك بعد المصيبة، وإنما استعملنه قبلها فبقي في شعورهن وليس الكحل كذلك فإنه لا يبقى في العين مدة طويلة، وإنما يبقى ليلة واحدة في المعهود. فإن قال قائل: كيف قطر الدمع على الشعر وان كان منشوراً فإنما يقع يميناً وشمالا. فالجواب: إن الشعر إذا كثر عم البدن. ألا ترى إلى قول القائل: بيضاءُ تسحبُ من قيامٍ شَعرها ... وتغيبُ فيهِ وهو وحفٌ أسحمَ

стр. 171

فجعلها تغيب في شعرها لكثرته، ولذلك أتى أبو الطيب بالجثل. وقوله: هل الولدُ المحبوب إلا تَعلةٌ ... وهل خلوةُ الحسناء إلا أذى البَعلِ قال ابن جني: إذا خلت الحساء من محبها أدى ذلك إلى تأذيه بها. أما لشغل قلبه عما سواها أو لغير ذلك من المضار التي تلحق مواصلة الغواني. وهذا كلام لم ينضجه التأمل، وكأنه ظن إن الحسناء لا يخلو بها إلا بعلها، ولا أذى للبعل في الخلوة بها، بل كل قرة عينه فيها وليس وصاله لها أيضاً بداعية مضرةٍ على الإطلاق. ولو لم يكن في النساء غير المضرة لما خلقهن الله تعالى فضلاً عن إباحتهن، والأمر بالاستعفاف بهن. وما ورد في الآثار في الوصاة بهن ولا يكون صد المرأة الحسناء بعلها عن غيرها من معالي الأمور أذى، ولا يقول ذلك ذو منطق بليغ إلا متأولا أو متمحلا. والذي أراده أبو الطيب: إن المرأة ذات البعل ينال منها من خلالها غير بعلها إلا أذاة. يريد إن اللذة منها قاصرة عن أن تكون لذة حقيقية. وإنما الحاصل منها أذى البعل فقط. يزهد بذلك في الولد وفي طلب اللذة بإعراض الدنيا كلها. أي إذا كان هاتان اللتان لا حقيقة لهما فما

стр. 172

سواهما أولى بالترك والزهد فيه. فهذا الأليق عندي بمذهبه. والذي قال الشيخ أبو الفتح متمحل. وقوله: إنَّ المعيد لنا المنامُ خيالَهُ ... كانت إعادته خيال خيالهِ قال الشيخ أبو الفتح: يقول: أنا رأينا في النوم شيئاً كنا رأيناه في النوم قبل، فصار ما روى ثانياً خبال ما روى أولا والذي روى أولا هو خياله فصار الثاني خيال خياله، يصف بعده عنه، وتعذر طيفه عليه. وخيال منصوب لأنه خبر كانت، وليس مقعول إعادته. وأقام المصدر مقام المفعول لأنه أراد بالإعادة الشيء المعاد، كما يقع الخلق وهو مصدر ميمي مكان المخلوق وهو المفعول. هذا الذي ذكره المعنى الجيد الذي يسبق إلى كل خاطر ووهم. وقد يحتمل معنى آخر لطيفاً وهو أن يعني أن ذلك الوصال واللقاء من هذا الحبيب كان أيضاً خبالاً على معنى قوله: نصيبك في حياتك من حبيب ... نصيبك في منامك من خيال

стр. 173

فيقول: إن وصاله أيضاً كان خيالا تراءى في منام تقليلا له وتقصيراً لزمانه فلما زار الخيال كان خيال خيال. ويحتمل أيضا معنى آخر أدق من هذا: وهو أن لا تكون إعادته مصدراً بمعنى المفعول بل يريد أن الإعادة نفسها كانت خيالا لخياله، إذ كان أيضاً معاداً. يريد بذلك كثرة رؤيته إياه في منامه، فكل رؤيا يراها إعادة لخيال رآه معاداً من قبل. فافهمه فهو حسن. وقوله: إن الرياحَ إذا عمدن لناظرٍ ... أغناهُ مقيِلُها على استعجاله هذا تأكيد قوله قبله: ويميت قبل قتاله ويبش قبل ... نواله وينيل قبل سؤاله أي إن القليل منه كثير فلا يحتاج إلى استعمال غاية كيده إذا، وجوده في النهاية فلا يحوج إلى السؤال فكل أفعال الكرم والمجد منه سابق لوقته الذي ينتظر فيه. كما أن الريح إذا أقبلت إلى عين عجرت العين عن مقاومة قليلها فعجلت بالإطراق والغض قبل استعجال الرياح إياها وهبوبها بقوتها الشديدة عليها. فقوله: استعجاله مصدر أضيف إلى ضمير المفعول به. ولا إلى ضمير الفاعل، كما تقول: الثوب أعجبني دقه، والماء أرواني شربه. يريد الثوب أعجبني دق القصار إياه، والماء أرواني شربي إياه. والهاء في أغناه أيضاً للناظر. كأنه يقول: أغنى الناظر مقبل الريح عن استعجالها إياه فغضت وأعضتْ. والذي أتى به الشيخ أبو الفتح اضطرب قال: أي هو غير محتاج إلى محرك له في الكرم، والسؤدد والفضل. كما ان الريح إذا رأيتها مقبلة إليك لم تحتج إلى استعجالها. والناظر لا يستعجب الريح، ولا

стр. 174

يريد هبوبها قط لأنه يقاومها وإنما الريح تستعجل الناظر إذا هبت عليه بالإغضاء والغض. وقوله: وهب الذي ورث الجدود وما رأى ... أفعالهم لابن بلا أفعاله يعني إنه وهب ما ورث جدوده من المال ومن المعالي والشرف. أما المال فللعفاة. وأما المجد فلسائر أسرته. واستحدث مجداً وشرفاً بمساعيه ولم يرد ما ورثهم من المال فقط. الدليل على ذلك قوله: وما رأى أفعالهم لابن بلا أفعاله فدل بقوله: الأفعال إنه يريد المعالي والشرف. وكأنه أراد قول القائل: وإذا افتخرت بأعظم مقبورة ... فالناس بين مكذب ومصدق فأقم لنفسك في انتسابك شاهداً ... بحديث مجد للقديم محقق والأول في ذلك قول القائل وهو عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر ﵃:

стр. 175

لسنا وإن أحسابنا كرمت ... يوماً على الأحساب نتكل نبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعل مثل ما فعلوا وقد أجاد الشريف أبو الحسن الموسوي في قوله: فخرتُ لنفسي لا بقومي موفراً ... على ناقصي قومي مناقب أسرتي فقد زاد المعنى وضوحاً. قال الشيخ أبو الفتح أي ورأى أن أفعال آبائه ليست له، ولا رافعة منه حتى يفعل هو مثلها. ولو كان أراد ما قاله الشيخ أبو الفتح لقال: (وما رأى أفعالهم لابن لأفعالهم. بل الهاء في أفعاله لسيف الدولة. يقول: ما رأى أفعال الجدود نافعة لابن ليست له مثل أفعال سيف الدولة. وكأن الشيخ أبا الفتح أراد تفسير بيتي المتنبي ففسر بيتي عبد الله بن معاوية: فان قال قائل فقد قال في البيت الذي قبله:

стр. 176

حتى إذا فني التراث سوى العلى ... قصد العداة من القنا بطواله وقد زعمت إنه عنى إنه وهب ما ورث من المعالي والمجد. فالجواب إن هذا البيت مؤكد لما قلناه يعني إنه وهب ما ورث فأما المال ففني وأما الشرف فلا يفنى وإن وهبه لأن الهبة في مجد آبائه مجاز لا حقيقة له وإنما تتأتى فيه الهبة بتوفيره إياه على سائر أسرته، واستحداثه مجداً آخرا. كما صرح به الشريف الموسوي بقوله: (فخرت بنفسي لا بقومي) فكان قوله سوى العلى صنع فيه صنعة مستجدة من صعة الشعر. ونبه أن المعالي المورثة لا تفنى وإن وهبت. وأيضاً فان استثناء العلى من هذه الجملة يدل على أن وهب من العلى أيضاً فلم يفن. وقوله: دون الحلاوة في الزمان مرارة ... لا تحتظى إلا على أهواله لا تحتظى ضميره للمرارة. يعني أن كل حلاوة دونها مرارة لا تبلغ تلك الحلاوة إلا بأن تحظى إليها هذه المرارة. وهذه المرارة تحظى على أهوال الزمان والهاء في أهواله عائدة على الزمان. وهذا المعنى معنى. قوله: ولابد دون الشهد من إبر النحل وكان قوله: لا تحتظي إلا على أهواله زيادة لا حاجة بالمعنى إليها. لأن كل مرارة فمعلوم إنها مع هول. وقوله: على أهوال: جائز أن

стр. 177

تكون على بمعنى مع. يريد: مع أهواله. ويجوز أن تكون على تتضمن معنى الركوب أي يركب إليها أهوال الزمان. كما يقال: امتطيت الليل. واتخذت الليل حملا. وأركب الآلة بعد الآلة. وقوله: فلم لا تلوم الذي لامها ... وما فص خاتمه يذبل وهو يتبع قوله: أنفع في الخيمة العذل ... وتشمل من دهرها يشمل وتعلو الذي زحل تحته ... محال لعمرك ما تسأل يقول: عذل الخيمة في سقوطها عليك محال، لأنها كلفت ما لا تطيق كلفت أن تشمل من يشمل دهرها وتعلو من زحل مع علوه تحته ومكانه فوق مكانه. وهو عذل فيه ظلم. ثم قال: فقل للذي عذلها على السقوط وطلب المحال منها لم لا يكون فص خاتمك يذبل. فإن يذبل جبل ولا يمكن أن يتخذ فص خاتم. يقول: فاشتمالها على من يشمل دهرها مثل كون يذبل فصا لخاتم. و (ما) هاهنا بمعنى ليس كقول أبي النجم: كالادم المطلي في طلائه ... صعداً وما حقواه في هنائه

стр. 178

والتاء في تلوم، ولا يمنع أن تكون للمخاطب وفسر هذا البيت بقوله بعد: تضيق بشخصك أرجاؤها ... ويركض في الواحد الجحفل يقول: هذه الخيمة يركض في الواحد منها العسكر الكثير لعظمه إلا إنه تضيق عن شخصك نواحيها. لأنك تشمل الزمن، وتعلو زحل. وقوله: وتقصرُ في جوفها ... وتركزُ فيها القنا الذبل فهذا كله إيضاح لما مضى. قال الشيخ أبو الفتح في هذا البيت: إنما خص الذبل بالطول، لأنها لا تذبل حتى تطول. وهذه دعوى منه، فما بين الذبول والطول مشاركة. والذبول قد يوجد في غير الطويل. اللهم إلا أن تكون هذه الدعوى مسموعة، أو مقترنة ببيان غفل عنه. والذي عندي إنه لم يأت بالذبل بل إلا للقافية، ولأنها لفظة من صفات القنا، وأقام بها الوزن والقافية. ولو كانت على النون لقال: اللدن، أو على الياء لقال: القنا الخطى، إذ كانت هذه صفات الرماح، يؤتى معها بها ولا تنفرد عنها في الأغلب. وقوله: جعلتك بالقلب لي عدة ... لأنك باليد لا تجعل قال الشيخ أبو الفتح أي أنت اكبر قدراً من أن تتصرف فيك

стр. 179

الجوارح وإنما تنال بالفكر، والاعتقاد. وهذا هو التفسير الذي لامحيص عنه. وزعم بعضهم إنه يريد بالقلب قلب الجيش وباليد جناحه. لأن جناحي الطائر يداه. قال ذلك لأنه تقدمه بقوله: وَمَلمُومَةٌ زردٌ ثوبُها ... ولكنّه بالقنا مُخملُ يُفاجئ جيشاً بها حَينُهُ ... وَيُندرُ جيشاً بها القَسطلُ قال الشيخ أبو الفتح: يحتاج لقوله: وملمومة إلى خبر. وقوله: جعلتك بالقلب لي عدة خبرها. فأما التأويل فطريقه واسع. وإذا تركت الجدد فالتمحل غير متعذر. وأما قوله: وملمومة فليس بابتداء كما زعم. وإنما هو عطف على قوله: وهم يمنون ما يشتهون ... ومن دونه جدك المقبل وملومة من شأنها وصفتها. فرفعها على العطف على الجد المرفوع فإذا ما تأولنا هذا البيت كما اقترح هذا المقترح فما فائدة المتنبي في قوله: جعلتك لي عدة في قلب هذه الملومة. أتراه زعيم هذا الجيش وقائده، وسيف الدولة عدة له فيه. أم غرضه في قوله: لي وأبو الطيب في هذا الجيش أحد الحاشية والنظارة فضلا عن أن يكون من الجند. وقوله: فإن طبعت قبلك المرهفات ... فانك من قبلها المقصل قال الشيخ أبو الفتح: معناه إنك لإفراط قطعك وظهوره على قطع جميع السيوف كأنك أنت أول ما قطع. إذ لم ير قبلك مثلك.

стр. 180

وهذا كما قال. ويحتمل معنى أجود مما ذهب إليه. وهو إن يريد غناؤك قبل غنائه لولا قطعك لما قطع. كما قال البحتري: ومال السيف الأبز غاد لزينةٍ ... إذا لم يكن أمضى من السيف حامله وكما قال أبو الطيب: ولكن إذا لم يحمل القلب كفَّه ... على حالةٍ لم يحمل الكفَّ ساعده وكقوله: إذا ضربت في الحرب بالسيف كفُهُ ... تبينتَ أن السيف بالكف يضرب وكقوله: إذا الهند سوَّت بين سيفي كريهة ... فسيفك في كفٍ تزيل التساويا وقوله: أشكو النوى ولهم من عبرتي عجب ... كذاك كانت وما الشكوى سوى الكلل
следующие страницы →