Полный текст (314 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
حتى إذا فني التراث سوى العلى ... قصد العداة من القنا بطواله
وقد زعمت إنه عنى إنه وهب ما ورث من المعالي والمجد. فالجواب إن هذا البيت مؤكد لما قلناه يعني إنه وهب ما ورث فأما المال ففني وأما الشرف فلا يفنى وإن وهبه لأن الهبة في مجد آبائه مجاز لا حقيقة له وإنما تتأتى فيه الهبة بتوفيره إياه على سائر أسرته، واستحداثه مجداً آخرا. كما صرح به الشريف الموسوي بقوله: (فخرت بنفسي لا بقومي) فكان قوله سوى العلى صنع فيه صنعة مستجدة من صعة الشعر. ونبه أن المعالي المورثة لا تفنى وإن وهبت. وأيضاً فان استثناء العلى من هذه الجملة يدل على أن وهب من العلى أيضاً فلم يفن.
وقوله:
دون الحلاوة في الزمان مرارة ... لا تحتظى إلا على أهواله
لا تحتظى ضميره للمرارة. يعني أن كل حلاوة دونها مرارة لا تبلغ تلك الحلاوة إلا بأن تحظى إليها هذه المرارة. وهذه المرارة تحظى على أهوال الزمان والهاء في أهواله عائدة على الزمان. وهذا المعنى معنى.
قوله:
ولابد دون الشهد من إبر النحل
وكان قوله: لا تحتظي إلا على أهواله زيادة لا حاجة بالمعنى إليها. لأن كل مرارة فمعلوم إنها مع هول. وقوله: على أهوال: جائز أن
стр. 177
تكون على بمعنى مع. يريد: مع أهواله. ويجوز أن تكون على تتضمن معنى الركوب أي يركب إليها أهوال الزمان. كما يقال: امتطيت الليل. واتخذت الليل حملا. وأركب الآلة بعد الآلة.
وقوله:
فلم لا تلوم الذي لامها ... وما فص خاتمه يذبل
وهو يتبع قوله:
أنفع في الخيمة العذل ... وتشمل من دهرها يشمل
وتعلو الذي زحل تحته ... محال لعمرك ما تسأل
يقول: عذل الخيمة في سقوطها عليك محال، لأنها كلفت ما لا تطيق كلفت أن تشمل من يشمل دهرها وتعلو من زحل مع علوه تحته ومكانه فوق مكانه. وهو عذل فيه ظلم. ثم قال: فقل للذي عذلها على السقوط وطلب المحال منها لم لا يكون فص خاتمك يذبل. فإن يذبل جبل ولا يمكن أن يتخذ فص خاتم. يقول: فاشتمالها على من يشمل دهرها مثل كون يذبل فصا لخاتم. و (ما) هاهنا بمعنى ليس كقول أبي النجم:
كالادم المطلي في طلائه ... صعداً وما حقواه في هنائه
стр. 178
والتاء في تلوم، ولا يمنع أن تكون للمخاطب وفسر هذا البيت بقوله بعد:
تضيق بشخصك أرجاؤها ... ويركض في الواحد الجحفل
يقول: هذه الخيمة يركض في الواحد منها العسكر الكثير لعظمه إلا إنه تضيق عن شخصك نواحيها. لأنك تشمل الزمن، وتعلو زحل.
وقوله:
وتقصرُ في جوفها ... وتركزُ فيها القنا الذبل
فهذا كله إيضاح لما مضى.
قال الشيخ أبو الفتح في هذا البيت: إنما خص الذبل بالطول، لأنها لا تذبل حتى تطول. وهذه دعوى منه، فما بين الذبول والطول مشاركة. والذبول قد يوجد في غير الطويل. اللهم إلا أن تكون هذه الدعوى مسموعة، أو مقترنة ببيان غفل عنه.
والذي عندي إنه لم يأت بالذبل بل إلا للقافية، ولأنها لفظة من صفات القنا، وأقام بها الوزن والقافية. ولو كانت على النون لقال: اللدن، أو على الياء لقال: القنا الخطى، إذ كانت هذه صفات الرماح، يؤتى معها بها ولا تنفرد عنها في الأغلب.
وقوله:
جعلتك بالقلب لي عدة ... لأنك باليد لا تجعل
قال الشيخ أبو الفتح أي أنت اكبر قدراً من أن تتصرف فيك
стр. 179
الجوارح وإنما تنال بالفكر، والاعتقاد. وهذا هو التفسير الذي لامحيص عنه.
وزعم بعضهم إنه يريد بالقلب قلب الجيش وباليد جناحه. لأن جناحي الطائر يداه. قال ذلك لأنه تقدمه بقوله:
وَمَلمُومَةٌ زردٌ ثوبُها ... ولكنّه بالقنا مُخملُ
يُفاجئ جيشاً بها حَينُهُ ... وَيُندرُ جيشاً بها القَسطلُ
قال الشيخ أبو الفتح: يحتاج لقوله: وملمومة إلى خبر. وقوله: جعلتك بالقلب لي عدة خبرها. فأما التأويل فطريقه واسع. وإذا تركت الجدد فالتمحل غير متعذر. وأما قوله: وملمومة فليس بابتداء كما زعم. وإنما هو عطف على قوله:
وهم يمنون ما يشتهون ... ومن دونه جدك المقبل
وملومة من شأنها وصفتها. فرفعها على العطف على الجد المرفوع فإذا ما تأولنا هذا البيت كما اقترح هذا المقترح فما فائدة المتنبي في قوله: جعلتك لي عدة في قلب هذه الملومة. أتراه زعيم هذا الجيش وقائده، وسيف الدولة عدة له فيه. أم غرضه في قوله: لي وأبو الطيب في هذا الجيش أحد الحاشية والنظارة فضلا عن أن يكون من الجند.
وقوله:
فإن طبعت قبلك المرهفات ... فانك من قبلها المقصل
قال الشيخ أبو الفتح: معناه إنك لإفراط قطعك وظهوره على قطع جميع السيوف كأنك أنت أول ما قطع. إذ لم ير قبلك مثلك.
стр. 180
وهذا كما قال. ويحتمل معنى أجود مما ذهب إليه. وهو إن يريد غناؤك قبل غنائه لولا قطعك لما قطع. كما قال البحتري:
ومال السيف الأبز غاد لزينةٍ ... إذا لم يكن أمضى من السيف حامله
وكما قال أبو الطيب:
ولكن إذا لم يحمل القلب كفَّه ... على حالةٍ لم يحمل الكفَّ ساعده
وكقوله:
إذا ضربت في الحرب بالسيف كفُهُ ... تبينتَ أن السيف بالكف يضرب
وكقوله:
إذا الهند سوَّت بين سيفي كريهة ... فسيفك في كفٍ تزيل التساويا
وقوله:
أشكو النوى ولهم من عبرتي عجب ... كذاك كانت وما الشكوى سوى الكلل
стр. 181
وما صبابة مشتاق على أمل ... من اللقاء كمشتاق بلى أمل
معنيا هذين البيتين متصلان. وذاك إنه يقول لمن تعجب من كثرة عبراته مع النوى: لا تعجب، فهكذا كان بكاي وليس بيني وبينها بعد غير كلتها. ثم قال: وليس شوق من هو أمل للقاء حبيبته في الشدة كشوق من لا أمل له في لقائه. ويقول: لما كان البعد بيني وبينها الكلة كنت آمل لقاءها عن قرب. وكان بكاي هذا البكاء فكيف يكون الآن وما أمل لقاءها. ألا ترى إلى وجد القائل:
خليلين لا نرجو اللقاء ولا نرى ... خليلين ألا يرجوان التلاقيا
وقول الآخر:
كلانا يا أخي بحي ليلى ... بفي وفيك من ليلى التراب
ولقائل أن يقول: بل وجد من يرجو اللقاء اشد، وصبابته أقوى ألا ترى إلى قول القائل:
وأبرح ما يكون الشوق يوماً ... إذا دنت الديارُ من الديارِ
стр. 182
وإلى قول كثير:
وأني لأستأني ولولا طماعتي ... بعزة لالتفت عليّ سرائري
وشانت رجالا من بنيَّ وحمحمت ... وجوه رجال من بني الأصاغر
ألا تراه إنه بقي وجده لطمعه فيها. ولو لم يطمع لتزوج غيرها. وقد قال الشاعر:
فإن تسل عنك النفس أو تدع الهوى ... فبالناش تسلو عنك لا بالتجلد
وقول الآخر:
فإن أك عن ليلى سلوت فإنما ... تسليت عن يأس ولم أسل عن صب
فهذا ضد ما أشار إليه أبو الطيب. فالجواب إن المذهبين صحيحان. ولكل واحد منهما وجه. وذلك أن من أمل اللقاء تشوقت إليه نفسه وعجلت وتمنت فاشتد الشوق. ومن يئس ازدحم الأسف واجتمع فقوى الوجد. فأما اليأس فمع شدة الوجد يؤدي إلى السلو. وأما الطمع فلا يؤدي إلى السلو، بل يبقى ويزداد. فاليأس متلف، ولأجله يقول القائل:
تصدون عمن لو تيقن إنه ... صدود انقطاع منكم لتقطعا
стр. 183
والطمع مستديم ولأجله يقول البحتري:
أرجم في ليلى الظنون وأرتجي ... أواخر حب أخلفته أوائله
وفي الجملة أن الوجد مع الطمع أسكن وأرفق لقول القائل:
وأني لأرضى منك يا مي بالذي ... لو أيقنه الواشي لقرت بلابله
بلا وبان لا أستطيع وبالمنى ... وبالوعد بعد الوعد قد مل أمله
وبالنظرة العجلى وبالحول تنقضي ... أواخره لا تلتقي أوائله
وقوله:
وقد أراني الشباب الروح في بدني ... وقد أراني المشيب الروح في بدلي
قال الشيخ أبو الفتح: أي في غيري. يقول كان نفسه فارقته في المشيب.
هذا تفسير غير مستقصى، ولا دال على مغزى. وما الفائدة في أن يرى أبو
الطيب عند المشيب الروح في غيره. فقد كان يرى الروح في شبابه أيضاً في غيره.
والبدل في هذا البيت أحسن ما يحمل عليه أن يعني به ولده. لأنه
стр. 184
كأنه بدل الإنسان، إذا كان يشب أو أن شيخوخة الأب، ثم يرثه، ويكون كأنه بدله في ماله وبدنه يدل على ذلك قول الأول:
شب بنيَّ فصار مثلي ... يلبس ما قد نضوت عني
فسرني ما رأيت منه ... وساءني ما رأيت مني
والروح يعني به روح نفسه. لا الجنس كما قال:
أبى القلب إلا أم عمرو وحبها ... عجوزاً ومن يحبب عجوزاً بفند
يريد قلب نفسه. وهذا باب مغروف كبير.
وقوله:
تمسى الأماني صرعى دون مبلغه ... فما يقول لشيء ليت ذلك لي
يريد إنه مسلط على الأنام، مالك للرقاب والأموال. فما يتمنى شيئاً. لأنه كلما رأى نفيساً كان له أو ما هو خير منه. وكأن في قوله هذا نظر إلى قول عنترة:
ألا قاتل الله الطلول البواليا ... وقاتل ذكراك السنين الخواليا
وقولك للشيء الذي لا تناله ... إذا ما حلا في العين يا ليت ذا ليا
стр. 185
ومثل قوله أيضاً:
يا من يسير وحكم الناظرين له ... فيما يراه وحكم القلب في الجذل
وتمنى الشيء عجز وقصور والملك لا ينبغي له أن يتمنى.
وقوله:
فالعرب منه مع الكدري طائرة ... والروم طائرة منه مع الحجل
ومال الفرار إلى الأجبال من أسد ... تمسي النعام به في معقل الوعل
فسر الشيخ أبو الفتح بكلام طويل، ثم لم يأت بفائدة تخصيصه العرب بالقطا والروم بالحجل. وهذا ما يسأل عنه. وإنما قال ذلك لأن القطا يكون في بلاد العرب، ولاقطا بالروم. وكذلك الحجل يكثر في بلاد الروم ويقل في بلاد العرب يقول: العرب والروم تقاوم سيف الدولة. فالعرب هاربة منه مع القطا في البراري والقفار. والروم هاربة منه في الجبال مع الحجل. لأن بلادهم جبال. ولأجل ذلك قالت العرب في أسجاعها: قالت الحجل للقطاة: اقطي قطا. بيضك ثنتان وبيضي ثلثا. فقالت لها القطاة: احجلي حجل تفري في الجبال من خشية الرجل. وهذا المعنى في بيت أبي الطيب مثل قوله أيضاً في قصيدته الدالية:
стр. 186
تسأل أهل الجبال عن ملك ... وقد مسخته نعامة شارد
وذلك أن وهشوذان هرب من عضد الدولة في البراري والقفار. والنعامة لا تأوي الجبال، فضرب شرود النعام الهاربة في القفار مثلا. وقد أتى بمثل المعنى في هذه القصيدة بقوله:
فكلما حَلَمت عذراء عندهم
وذلك لأن الروم لا ابل في بلادها يقول: فكما حلمت عذراء في بلادهم رأت الجمال ورأت السبي مما استكن خوفك في قلوبهم فما ترى العذراء إلا السبي وإلا الجمل. وإنما هو معنى قول القائل:
وعلى عدوك يا ابن عم محمد ... رصدان ضوء الشمس والإظلام
فإذا تنبه رعته وإذا غفا ... سلت عليه سيوفها الأحلام
ثم أتى بمثل هذا المعنى في البيت الذي يليه لأن النعام لا تصعد الجبال، وإنما تصعد الوعول. فيعني بالنعام خيله على التشبيه بها في سرعة العدو وطول الساق يعني أن خيله تتسنم الجبال في طلب الروم كما قال في البيت الآخر:
стр. 187
تظن فراخ الفتح أنك زرتها ... باماتها وهي العتاق الصلادم
وقوله:
ما كان نومي إلا فوق معرفتي ... بأن رأيك لا يؤتى من الزلل
أي ما سكنت نفسي فنمت إلا بعد معرفتي أنك لا تؤتي من زلل. يقول: أنت موفق فيما تراه، وتدبره فاستعار وجعل المعرفة بمنزلة الحشية يضطجع من ينام فوقها. ولو تأولت في قول الشاعر:
سقى الله عيشاً لم أبت فيه ليله ... من الدهر إلا من حبيب على وعد
هذا التأويل لكان حسناً. لأن (على) تتضمن معنى (فوق) على أن تجعل (مع) كقول عمر ابن أبي ربيعة:
على أنني قد قلت يا مي قولة ... لها والعتاق والارحبية تزجر
يريد: مع أني قد قلت. قال الشيخ أبو الفتح: أي ما لحقني السهو والتفريط إلا بعد سكون نفسي إلى فضلك وحلمك. وقد أجاد فيما قال. لأن هذه القصيدة اعتذار من معتبة كانت منه. إلا تراه يقول فيها:
стр. 188
لعل عتبك محمود عواقبه ... فربما صحت الأجسام بالعلل
لعل عتبك محمود عواقبه ... فربما صحت الأجسام بالعلل
يقول: لعلني أتأدب بعد عفوك عني هذه الكره. كما إن الرجل قد يعتل اعتلالا يكون له أماناً من أدواء غيرها كمرض شارب الدواء، والفتور الذي يناله، ثم تعقبه صحة من كبير الخطر وكالزكام تأمن به أدواء كثيرة من أدواء الرأس. وكضرب المؤدب الغلام يتأدب به به، ونزع عن كثير من المناكير. إلا أن الشيخ أبا الفتح خلط بعد ذلك بكلام لا أفهمه. قال: ولو كان هذا في غير سيف الدولة لجوزت بأن يكون قد طواه على هجاء، لأنه يمكن قلبه. وأي هجاء في أن يقول أبو الطيب وقد عتب عليه سيف الدولة ما أخذني النوم مع عتبك إلا ثقة مني بحلمك ولزوم التوفيق رأيك. وعلمي بأنك لا تعجل عليّ. ولا ترهقني بالعقوبة أو
كيف يمكن قلب هذا المعنى هجاء.
وقوله:
شديد البعد من شرب الشَّمولِ ... ترنج الهندَ أو طلع النخيل
стр. 189
قال الشيخ أبو الفتح: رفع شديد البعد لأنه خبر مبتدأ محذوف. كأنه قال: أنت شديد البعد. ورفع ترنج الهند بالابتداء. كأنه قال: بين يديك، أو في مجلسك ترنج الهند. إلا إنه حذف من الأول المبتدأ، ومن الثاني الخبر لأنه مشاهد. فدلت الحال على ما أضمر. كما تقول إذا رأيت الرجل قد سدد سهمه: سمعت صوت القرطاس والله أي أصاب القرطاس. وكما تقول للقادم من سفر خير مقدم فتنصبه. لأنك تريد: قدمت خير مقدم. فيجوز إضمار هذا كله. لأن في الحال دليلا عليه في كلام أتبع به هذا الفصل طويل لا فائدة في اقتصاصه. والأمر في جواز الحذف فيما ذكر على ما حكى.
أي أن هذا البيت لا حاجة به إلى هذا التعسف والتمحل العظيمين البعيدين عن كل خاطر. وإنما ترنج الهند مبتدأ. وشديد البعد خبره (قدم الخبر على المبتدأ. وإن شئت كان شديد البعد مبتدأ وترنج الهند خبر) إذ كان كلاهما معروفين أيهما كان المبتدأ جاز. والمعنى مفهوم إذا قلت: ترنج الهند شديد البعد من شرب الخمر. وإن شئت كان ترنج الهند خبر ابتداء محذوف. كأنه يقول: هذا الاترج. وخبر المبتدأ شديد البعد.
وإنما في هذا البيت أمران مما يبعده على الخواطر غير ما ذهب إليه
стр. 190
الشيخ أبو الفتح. والخطب في كليهما سهل. فأحدهما إنه حذف من الكلام ما تدل عليه الحال وذاك إنه يريد شديد البعد من شرب الخمر ترنج الهند عندك وإذا حضرك. وحذف الظروف إذا دل عليها الكلام كثير. وأيضا فإن الألف واللام في ترنج الهند يغني عن هذا الشرح. وقد مضى مثل هذا في هذا الكتاب ألا ترى إلى قول القائل:
أبى القلب إلا أم عمر. . . الخ
يريد: أبى قلبي، فأغناه الألف واللام ومعرفة المخاطب عن ذكره قلب نفسه. وهذا باب لا يستقصى في هذا المكان. فكأن أبا الطيب يريد: ترنج الهند هذا الحاضر الذي يعرفه المخاطب.
والثاني قوله من شرب الخمر. وما كلف الشيخ أبا الفتح إيراد هذا الكلام الطويل، وتسنم هذه العقاب الشاقة من النحو في طلب المعنى غير هذا. ولو أنعم النظر لما عزب عنه هذا المقدار. ولكن ارتكب تفسيراً فسح له في ميدان الإعراب فركض فيه، ولم يلتفت إلى ما وراءه. وأنت تقول: أعجبني دق الثوب. وإن الدابة قضمت الشعير، وإنك أنت سمعت الخبر. فأضفت المصدر إلى المفعول. فإذا كان هذا جائز، جاز أن تقول: ترنج الهند بعيد عن شرب الخمر. يريد يشرب الناس عليه الخمر. كما إنك لو قلت: دار زيد بعيدة عن أكل الطعام لكان كلاماً جيداً ومعنى مفهوم وعلم أنك تريد عن أكل الناس الطعام فيها. وأيضاً فليس المحذوف مع هذا الشرح إلا قولك (عليه). إذ لو تأتي له الوزن أن
стр. 191
يقول: شديد البعد من شرب الشمول، عليه ترنج الهند لفهمه، وازداد المعنى وضوحاً. وحروف الظروف حذفها أكثر من أن يحصى ويشرح وتكرر هنا. وأيضا فأي حاجة ماسة إلى قولك عندك أو بحضورك وقد أتى بعده:
ولكن كل شيء فيه طيب ... لديك من الدقيق إلى الجليل
ألا تراه قد دلك لقوله لديك. على أن هذا الاترج الذي حضرك لم يحضرك لشرب عليه. ولكن كل شيء فيه طيب يحضرك ويكون عندك.
وقوله:
لياليّ بعد الظاعنين شكولُ ... طوالٌ وليلُ العاشقين طويل
شكول أي متشابهة. فيجوز أن يعني أن ليالي الناس تقصر وتطول بحسب الزمان.
فإن كان صيفاً قصرت. وإن كان شتاء طالت. غير أن ليالي طوال أبداً لبعد الحبيب عني فامتناع نومي كقول القائل:
ما أطول الليل على من لم ينم
ويجوز أن يكون الغرض في مشاكلة بعضها بعضاً. إنها ليست مما
стр. 192
ينام في بعضها، أو يجد فيها روحاً. إذ كانت المدة الطويلة مما تُسلى كقول القائل:
إذا ما شئت أن تسلى حبيباً ... فأكثر دونه عدد الليالي
ويكون غرض أبي الطيب كغرض القائل:
ما أحدث النائي المفرق بيننا ... سلوا ولا طول اجتماع تلاقيا
يقول: فليالي وإن كثرت فما تتغير حالي فيها، ولا ينقص غرامي ووجدي بالحبيب مع تكاثرها. بل قد دلت في الطول على حالة واحدة.
وقوله:
إذا كان شم الروح أدنى إليكم ... فلا برحتني روضة وقبول
قد كرر أبو الفتح استجادة هذا البيت في كتابه الفسر حتى غلا فيه، وأبعد المرمى في التقريط والرضى. لكنه لما بلغ التفسير قصر قال: أي إذا كنتم تؤثرون شم الروح في الدنيا وملاقاة نسيمها فلا زلت روضة وقبولا انجذاباً إلى هواكم، ومصيراً إلى ما تؤثرونه ويكون سبب الدنو منكم. ثم جعل الاسم نكرة، والخبر معرفة لأجل القافية.
стр. 193
قلنا ما الحاجة بابي الطيب إلى أن يجعل الخبر معرفة والاسم نكرة مع امتناع النحويين من إجازة ذلك إلا في الشاذ النادر. ومعنى البيت يحصل من غير هذا التمحل. وليس برح هاهنا من أخوات كان، مثل ما برح زيد مصلياً. وإنما هو من برح أي زال. تقول: برح الخفاء أي زال. وما برحت من المكان أي ما زلت تقول: فلا برحتني روضة، فلا فارقتني.
هذا ما فسره الشيخ أبو الفتح. على أن الأولى عندي أن يكون يعني إذا بعدتم عني وحيل بيني وبينكم فلا أصل إلى شيء منكم إلا إلى شم الروح، وتشهي النسيم الهاب من الرياض بنسيمكم فلا فارقتني روضة وقبول يهيج ذلك النسيم لي لأشمه. (وهذا المذهب متعارف عندهم) في الرضى بقليل الراحة من الشوق إذا لم يصلوا إلى الحبيب كقول الهذلي:
ويُقرّ عيني وهي نازحة ... ما لا يُقر بعين ذي الحلم
أني أرى وأظن أن سترى ... وضح النهار وعالي النجم
وقول القائل:
إذا هب علوي الرياح رأيتني ... كأني لعلوي الرياح نسيب
فأما أن تكون ريح أبي الطيب تصل إلى الظاعنين الذين تشوقهم فما المعنى قول الله تعالى: فلما فصلت العير قال أبوهم: إني لأجد ريح يوسف
стр. 194
لولا أن تفندون.
فأما أن يكون ريح أبي الطيب تصل إلى الظاعنين الذين تشوقهم فما أراه ينفع أبا الطيب، ولا يسر الظاعنين وأيضا فللظاعنين غير شم الروح ملاذ كثيرة، ولهم في غير منادح. وبعد فمعنى البيت من معنى بيت البحتري:
يذكرنا ريا الأحبة كلما ... تنفس في جنح من الليل بارد
وقوله:
لقيت بدرب القُلّة الفجر لقيه ... شفت كمدي والليل فيه قتيل
ويوماً كأن الحسن فيه علامة ... بعثت بها والشمس منك رسول
وما قبل سيف الدولة آثار عاشق ... ولا طلبت عند الظلام ذحول
لعمري أن القصيدة منها مثل هذه لحقيقة ألا يستجاد منها قوله:
إذا كان شم الروح أدنى إليكم ... فلا برحتني روضة وقبول
بل يعد تابعاً، وللأبيات تكثيراً. وقد أتى لها الشيخ أبو الفتح بتفاسير غير شافية
وكأنه لم ينتبه لمواضع الصنعة منها. إذ أرسل الكلام إرسالا، فلم يأت فيه بدقائقه. ومثلها ما يدل على حذق الشاعر بالصنعة، وتأييد الطبع القوى له قوله:
شقت كمدى، لأنه يوم ظفر الممدوح فيه بالروم. ولما كان الليل انتظر فيه ما يسر به فطال عليه جعله قتيلا عند الصباح. ويحسن ذلك لما يرى من حمرة الشفق فكأنه دم قتيل. وأنشدني الشيخ أبو العلاء المعري لنفسه. وما قصد غير هذا المقصد:
стр. 195
وعلى الأرض من دماء الشهيد ... ين علي ونجله شاهدان
فهما في أواخر الليل فجران ... وفي أولياته شفقان
ثبتا في قميصه ليجيء الحشر ... مستعدياً إلى الرحمان
ثم جعل الحسن في هذا اليوم كأنه علامة من حبيبته، والشمس كأنها رسول منها بسروره عند مطلع الشمس، وارتياحه بها، وكمال سروره في هذا اليوم. وهو مع ذلك يريد أن يجعل هذا مخلصاً من الغزل إلى مدح سيف الدولة. فقال: لم يثأر قبل سيف الدولة عاشق، وقد أثارت وطلبت ذحلي عند الظلام فقتلته. يريد تلك الحمرة التي تظهر من الشفق. فأي مزية من حسن الصنعة ترك هذا الفاضل، أم أي إحسان وإجادة.
ولقد أجاد الشيخ أبو العلاء أيضاً إذ نقل هذا المعنى فجعله في مدح أهل البيت ﵈، إلا أن السبق له، ولا زيادة فيما قاله علي أبي الطيب وأما قوله بعدها:
وما قبلَ سيف الدولة آثار عاشقٌ ... ولا طلبت عند الظلام ذحول
فإنه يقول إنه يعني سيف الدولة أحرق كثيراً من ديار الروم فأعاد الليل صبحاً بالنيران فكأنه قتل الليل ونال ثأر العشاق منه.
ولو قال قائل: إنه عنى بالفجر في البيت الأول النار، شبهها بالفجر كان ذلك
صواباً ليتفق التفسيران. والتفسير الأول فائدتي من الشيخ أبي العلاء المعري.
стр. 196
وقوله:
وأكبر منه همة بعثت به ... إليك العدى واستنظرته الجحافل
سألني عن هذا البيت بعض أهل الأدب فقلت له وكان هاجساً هجس ساقي الخلد. اكبر هنا من باب افعل من كذا. وليس بفعل رباعي. والهاء في منه راجعة إلى نفسه. وكأنه لو تمكن لقال: واكبر من جئته أو جسمه همة فاستغرب هذا وأخذ يمانع. فقلت الست تقول: زيد فأعدا أحسن منه قائما. والضمير في منه راجع في نفسه، فقال نعم قلت: وما يمنعك من أن تكون أكبر منه همة. والهاء منه راجعة إلى نفسه. يريد: ورب رجل أعظم من جسمه همة، ففزع إلى كتاب الفسر: وقد ذكر الشيخ أبو الفتح إن أكبر فعل فقال أي العدى همة التي بعثت به إليك، أي استعظموها وسألته الجحافل أن ينظرها بما شغل به سيف الدولة عنهم. ومحتمل التفسيرين محتمل جيد، ولا مزية لأحدهما على الآخر. ويحتمل معنى ثالثا. وهو أن تكون الهاء في منه ضمير لرسول فقد تقدمه:
وأني أهتدي هذا الرسول بأرضه ... وما سكنت مذ سرت فيها القساطل
يريد ورب اكبر من هذا الرسول همة بعثت إليك الروم:
стр. 197
فأقبل من أصحابه وهو مرسل ... وعاد إلى أصحابه وهو عاذل
يقول: ورب رسول أجل من هذا الرسول قد جاءك فاستعظم شأنك فعاد إليهم هو يعذلهم، عداوتهم لك. ويجل قدرك في عيونهم أن تعادي.
وهذا المعنى أحب إلي من الوجهين المتقدمين. لان المعنى الذي أورده الشيخ أبو الفتح كالمنقطع، ألا تراه قد قال: استعظم العدى همته التي بعثت به، فكان يجب أن يتبع هذا الكلام بما يشبهه، فيقول: واستعظمته الجحافل. فلما قال: واستنظرته كان منقطعاً عن أكبر، وكان كلاماً مستأنفاً، ومعنى مبتدأ. اللهم إلا أن يقول: هذا
متعلق بقوله: بعثت به، واستنظرته فحينئذ يكون مستغنياً عن قوله الجحافل ألا تراه لو سكت عن الجحافل لكفى وأغنى، وأدى المعنى الذي أراد. على إنه إن قال: أتى به للقافية سلمنا له وليس المتطرد كالمتمحل.
وقوله:
تدبر شرق الأرض والغرب كفه ... وليس لها وقتاً عن المجد شاغل
قال الشيخ أبو الفتح: نصب وقتاً لأنه ظرف لشاغل كأنه قال:
стр. 198
وليس لها شاغل عن المجد وقتاً فما فوقه. والذي رويناه وقت بالرفع. ووقت اسم ليس، وشاغل صفة له. وليس يمنع ما رواه أبو الفتح. وفيما رويناه معنى لطيف ليس يؤديه اللفظ إذا نصب الوقت. وذلك إنه يريد لهذه الكف الشرق والغرب وما تحويانه مع عظمه وليس له وقت يشغلها عن المجد مع صغرها لأن كفاً تملك الأرض شرقاً وغرباً كانت بان تملك ما هو أصغر منهما. وإذا نصب وقتاُ كان شاغل مؤدياً لما أشرت إليه إلا إنه يبقى وقتاً كالفضلة التي لو سكت عنها جاز. فأنعم النظر برفق يتضح لك ما ذكرت.
وقوله:
أجدَ الحزن فيكَ حفظاً وعقلاً ... وأراهُ في الخلق ذعراً وجهلا
لكَ ألف يجره وإذا ما ... كرم الأصل كان للألف أصل
يريد: أنت إذا حزنت على هالك فإنما حزنت حفاظاً منك على وده وصحبته، ووفاء له. لأن الحفاظ والوفاء مما يدعو إليه العقل. وغيرك بحزن ذعراً أي خوفاً. أي خوفاً من ألم الفراق، وجبناً منه. وجهلا من غير معرفة بالسبب الموجب للحزن. ثم فسر هذه الجملة فقال: للألف، وهو مصدر ألفه والألفة. يقال ألفه ألفاً. وقد قرئ لإيلاف قريش الفهم. وليس الإلف هاهنا بالأليف. يقول فالإلف تابع لكرم الأصل. والإلف هو الذي جر الحزن عليك أي جناه. يقال جررت على
فلان جريرة أي جنيتها.
стр. 199
قال زهير:
لعمرك ما جرت عليهم رماحهم ... دم ابن نهيك أو قتيل المثلم
يقول: إذا كرم الأصل كان كأنه أصل الإلف. يريد إذا كرم الأصل كان للإلف نسيباً للأصيل، ومشاركاً له في اصله، إذ كان موجوداً معه. وقد أتى بمثله في البيت الذي يليه فقال:
ووفاء نبتَّ فيه ولكن ... لم يزل للوفاء أهلك أهلا
يقول: الإلف، والوفاء من أصلك، وفي أهل بيتك. يقول أنت نبت في الوفاء فكان حظك منه في الأكثر. ولكن أهلك كلهم أهل وفاء. فهذا معنى قوله ولكن الشيخ أبا الفتح قال: قوله: نجره أي تصحبه، ويتحمل ثقله. وهذا وإن كان محتملا فالذي ذكرناه أولى، لأنه حقيقة وهذا مجاز.
وقوله:
قاسمتك المنون شخصين جوراً ... جعل القسم نفسه فيه عدلا
كانت أخته الصغيرة مضت لسبيلها فرثاها بهذه القصيدة. وبقيت
стр. 200
الكبيرة ثم ماتت فقال فيها:
قد كان قاسمك الشخصين دهرهما ... وعاش درهما المفدى بالذهب
وعاد في طلب المتروك تاركه ... أنا لنفعل والأيام في الطلب
يقول: قاسمتك المنون هاتين الأختين ظلماً منها في هذه المقاسمة وجوراً وأخذا لما ليس تحقه. إلا أن القسمة جعلت نفسها في ذلك الجور من المنون عدلا. لأنها أخذت الصغيرة وتركت الكبيرة. فكانت هذه المصيبة جورا من المنون. إلا أن القسمة عدلت نفسها بأن أبقت الكبيرة، وأخذت الصغيرة.
وفيه الهاء راجعة إلى الجور. وقد زعم الشيخ أبو الفتح إنه يجوز فيك بالكاف
وقال: يعني به جار في فعله. إلا إنه إذا كنت أنت البقية فجوره عدل.
وعندي إن هذه الرواية مضطربة. لأنه لو أراد أن البقية أنت لما قال: قاسمتك. بل كان يقول: قاسمتنا. وكان أيضاً لا يقول: شخصين بل كان يقول: ثلاثة شخوص. أحدها سيف الدولة. والآخران أختاه ولئن أراد ما قاله الشيخ أبو الفتح فقد قطع ابتداء المعنى واطراده وأدخل فيه ما ليس فيه.
وقوله:
وهو الضارب الكتيبة والطعنة ... تغلو والضرب أغلى وأغلى
стр. 201
وهذا كقوله:
ولتمض حيث لا يجد الرمح ... مداراً ولا الحصان مجالا
ولم يفسره الشيخ أبو الفتح بقليل من كلامه، ولا كثير. وقد يسأل فيقال: إذا اشتد الزحام فصعبت المطاعنة فالمضاربة قد تمكن عند ذاك لقصر السيوف وطول الرماح فما معنى قوله: والضرب أغلا وأغلا. كان يجب أن يقول: والضرب يغلو أو الطعن أغلى وأغلى. لأنه إذا لم يكن الضرب بالسيف، وهو قصير، فالطعن بالرمح مع طوله اشد تعذرا.
فالجواب: إنه إذا لم يمكن الطعن لتقارب الجيشين في اعتراكهما فالضرب متعذر لشدة الذعر، وارتعاش الأيدي، وأخذ الموت بالكظم، وإنما يريد: إذا لم يقدر على الدنو من العدو قيد رمح، فالدنو إليه قيد السيف أصعب كثيراً.
هذا اقرب ما يعرض لي من الجواب الآن، والله أعلم.
وقوله:
كلما اعجلوا النذير مسيرا ... أعجلتهم جياده الإعجالا
قال الشيخ أبو الفتح: أي كلما عاد إليهم نذيرهم سبقوه بالهرب قبل وصوله إليهم. ثم تليهم جياد سيف الدولة فسبقت سبقهم الندير، أي لحقهم وجاوزهم.
وقد علم الشيخ أبو الفتح إنه يقال: أعجلته بمعنى استعجلته. فأما سبقته فيقال فيه: عجلته. بلا ألف. قال الله تعالى: (هم أولاء على أثري، وعجلت إليك رب لترضى). ومعاذ الله أن نروم شأو الشيخ
стр. 202
أبي الفتح في اللغة والإعراب. ولا أعلم كيف نفق عليه هذا الزلل.
يقول أبو الطيب: كلما استعجلوا النذير بالمسير إليهم وأخبارهم بقدوم جيش سيف الدولة أعجلتهم خيله أن يعجلوا النذير، أي أطلت عليهم، قبل ورود النذير عليهم. ولم يغن بثهم الطلائع، وإعدادهم الربايا وإنفاذهم الجواسيس لسرعة هذه الخيل، وسلوكها الطريق الخفية إليهم، ونفوذ سيف الدولة فيهم. فأما قوله: بحقتهم وجازتهم فلا اعلم من أي ألفاظ البيت استنبطه غفر الله له.
وقوله:
ما مضوا لم يقاتلوك ولكن ... القتال الذي كفاك القتالا
(ما) هنا بمعنى نفي، ولم يقاتلوك حال. يريد لم يمضوا غير مقاتلين لك. يريد: ما انهزموا عن غير قتال، بل ثبتوا وقاتلوا، ولكن لم يقاموا فانهزموا. وقوله: ولكن القتال الذي كفاك القتالا، معناه إن من عرف من صبرك على القتال، وطول ثباتك هو الذي أيأس العدو من انهزامك، وزهدهم في مصابرتك. وكأن هذا المعنى مشتق من قولهم: الشجاع موقى، وبين معنى هذا المصراع قوله فيما يليه:
والثبات الذي أجادوا قويماً ... علم الثابتين ذا الأجفالا
ومثل هذا من إقامته المضارع مقام اسم الفاعل قول الراجز يصف كلباً:
أرسلت فيها رجلا لكالكا ... يقصر يمشي ويطول باركا
كأنه مشتمل درانكا
стр. 203
يريد يقصر ماشياً، ويطول باركا. وكذلك يكون الكلب. إلا إنه إذا مشى مد يديه على الأرض، فكان اقصر منه إذا أقعى. لأنه إذا أقعى تطاول وامتد في العلو
شخصه ومثله:
فلما خشيت أظافيره ... نجوت وأرهنهم مالكا
فيمن روى: وأرهنهم فقوله وأرهنهم يريد راهنهم. فإذا روى: وأرهنتهم لم يكن من هذا الباب. فعلى هذا قوله: ما مضوا لم يقاتلوك، أي ما مضوا غير مقاتلين لك.
وقوله:
أبصروا الطعن في القلوب دراكا ... قبل أن يبصروا الرماح خيالا
قال الشيخ أبو الفتح: لما شاهدوه من أحوال المقتولين عرفوا الأمر قبل وقوعه بهم. وهذا على ما فسره. غير إنه لم يأت بما يكفي ويشفي. وفي البيت غلق، لأنه قد آخر قوله: خيالا عن موضعه لعلم المخاطب. وتقدير البيت: ابصروا الطعن في القلوب دراكاً خيالاً قبل أن يبصروا الرماح. يريد بالخيال ما يراه الإنسان في منامه، أو يتخايل له في خاطره من ذكر ما مضى. يقول: لشدة خوفهم منك وتصورهم ما صنعت بهم في قديم الحروب رأوا الطعن دراكاً في قلوبهم رؤية الخيال، قبل أن يروه حقيقة. وما تقدم هذا البيت مما قبله يدل على هذا. وهو قوله:
نزلوا في مصارع عرفوها ... يندبون الأعمام والأخوالا
تحمل الريح بينهم شعر الهام ... وتذري عليهم الأوطالا
تنذر الجسم تأن يقيم لديها ... وتريه لكل عضو مثالا
стр. 204
هذا يدل على ما قلناه. وقوله: قبل أن يبصروا الرماح فمعلوم إنه يريد يبصرونها حقيقة. فخيالا إذن متعلق بما قبله. وليس الخيال بالحقيقة.
وقوله:
أقسموا لا رأوك إلا بقلب ... طالما غرت العيون الرجالا
أي عين تأملتك فلاقتك ... وطرف رنا إليك فالا
الذي أتى به الشيخ أبو الفتح من تفسير هذا البيت إن قال: قد تكرر هذا المعنى في شعره. منه قوله:
ففي أبصارنا عنه انكسار
وهذا على ما ذكر، إلا أن في هذين البيتين كثيراً مما اعذروه من الشرح. قوله: لا رأوك إلا لقلب: حلفوا ليحصرن عقولهم وليعلمن أذهانهم وأفكارهم فيك، وفي قتالك. إذ كان ما يرونه بعيونهم قد كذبهم عنك كثيراً، وأوهمهم أنهم يقاومونك. فلما جربوا خابوا. ورؤية القلب هو العلم. ثم أتى بمعنى يجوز أن يكون شرحاً لهذا المعنى الذي قدمه وبسطاً له. ويجوز أن يكون معنى آخر مستأنفاً. فقال: أي عين تأملتك فلاقتك. يريد: ان العيون إذا نظرت إليك تحيرت فلم تعقل ما ترى. كقوله أيضاً:
стр. 205
فإذا رأيتك حار دونك ناظري ... وإذا مدحتك حار فيك لساني
وقوله:
وطرف رنا إليك فالا
آل بمعنى رجع. يريد إن العيون إذا نظرت إليك تحيرن، وبهتت فلم تؤول أي لم ترجع، وبقيت شاخصة اليك، كما قال أيضاً:
تمضي المواكب والأبصار شاخصة ... منها إلى الملك الميمون طائره
قد حرن في بشر في تاجه قمر ... في درعه أسد تدمى أظافره
فليس في معنى أي المصراعين تناقض، بل يجمعهما التحير والذهول. فميز بينهما. وفي هذا المكان سؤال آخر، وهو أن يقال: كيف قال:
أقسموا لا رأوك إلا بقلب ... طالما غرت العيون الرجالا
وقد قال قبله:
والعيان الجلي يحدث للظن ... زولا وللمراد انتقالا
وإذا ما خلا الجبان بأرض ... طلب الطعن وحده والنزالا
ثم أتى بهذا البيت فناقض ما قدم. لأنه زعم أن العيان يزيل الظن، ويأتي باليقين. ثم قال فيما يليه: أقسموا لا رأوك إلا بقلب. ورؤية القلب هو الظن. وذم العيان فقال:
طالما غرت العيون الرجالا
стр. 206
فالجواب عن هذا إن علم القلب، وإن كان أجل من البصر، فإن العلم لا يحصل إلا بعد النظر بالعين في الغالب. وإذا ظن الروم أنهم يقاومون سيف الدولة، ثم علموا عظم شأنه، وشدة بأسه، وقصورهم عنه، حصل لهم علم أنهم لا يقاومنه بعد العيان والتجربة. وإذا رأوه بالعين دون القلب رأوا عسكراً مثل عسكرهم لم يكن هذا تناقضاً. وكان كل معنى مستقلا بنفسه، منفرداً عن صاحبه فملائماً له في طريقته.
وقوله:
وظبي تعرف الحرام من الحل ... فقد أفنت الدماء حلالا
قال الشيخ أبو الفتح: هذا مثل ضربه. أي سيوفه معودة للضرب، فكأنها تعرف بالدربة الحرام من الحلال. قلنا: مال الحاجة إلى هذه الدعوة فلا يكاد يحصل منها حقيقة. وإنما يعني أن سيف الدولة غاز للروم فلا تقتل إلا كافراً فكأنه سيوفه تعرف الحرام من الحلال. وأيضاً هو من قبل الخليفة، مفترض الطاعة، فكلما قتل عاصياً كان مستحقاً للقتل فكأنها عارفة بالحرام والحلال. والدعوة التي ادعاها الشيخ أبو الفتح قد يدعى مثلها الشاعر للممدوح. ولكن هذا إذا لم توجد حقيقة. فأما إذا وجدت الحقيقة فهو غان عن دعوى الباطل.
وقوله:
أفسدت بيننا الأماني عيناها ... وخانت قلوبهنَّ العقول
الهاء، والنون ضمير قبل الذكر. والتاء في خانت للعقول.
стр. 207
يريد: خانت العقول قلوبهن أي لم تصور إليها وجوب حفظ الأمانة، وترك الخيانة. لأنهم إذا نظروا إلى عينيها غلبهم هواها على الأمانة. ولم تكتمل العقول لتصوير القبح. وأوهمت إنه جميل. وله مثل هذا قوله:
وما هي إلا نظرة بعد نظرة ... إذا نزلت في قلبه رحل العقل
وإنما يعني إذا بعثت رسولاً عشقها فخانني فيما يؤدي من الرسالة.
وقوله:
نحن أدرى وقد سألنا بنجد ... أقصير طريقنا أم طويل
وكثير من السؤال اشتياق ... وكثير من رده تعليل
قال الشيخ أبو الفتح: أي هو طويل في الحقيقة. أو يطوله الشوق إلى المقصود. وهذا محال ظاهر، لأن الشوق يقصر الطريق. ألا ترى إلى قول القائل:
أرى الطريق قريباً حين أسلكه ... إلى الحبيب بعيداً حين أنصرف
وقول الآخر:
من كابد الشوق لم يستبعد الدارا
وإنما يريد بقوله يطول إنه يعرض له ما يصده، أو حالة تلقته وتعوقه من رغبة الملوك فيه وفي مدحه ومقامه عندهم أو سوى ذلك من
стр. 208
علة أو مرض، أو ما أشبه ذلك. يريد بذلك تشوقه إلى سرعة الوصول إليه، وإشفاقه أن يطول طريقه عارض يصده. ثم أخبرك إنه إنما يسأل هذا السؤال لشدة الشوق، وهو عالم بقدر طول الطريق وأمده، ولا حاجة به إلى سؤال أحد. كما قال بشر بن أبي خازم:
اسئل صاحبي ولقد أراني ... بصيراً بالظعائن حيث ساروا
ومثله:
واستخبر الأخبار من نحو أرضها ... أسائل عنها الركب عهدهم عهدي
فقال: وكثير من السؤال اشتياق أي سؤال شبيه الشوق. ثم قال: وكثير من رده تعليل أي ربما ورد في جواب السائل ما ليس بالجواب بعينه، وإنما هو تعليل وتطيب لنفس السائل كقول المسؤول عن مكان كذا. ككم بقي بيننا وبينه: هاهو ذا قد بلغته ولم يبق إلا يسير. يريد بذلك تهوين السير على السائل، وتقريب المسافة وإن لم تكن قريبة. يقول: فما فائدة سؤالي، وقد علمت آمد الطريق وأعلم إنه ربما أجبت بالتعليل بغير الحقيقة.
стр. 209
وقوله:
لا أقمنا على مكان وإن طاب
قال الشيخ أبو الفتح معناه لم نقم. كقوله تعالى: فلا صدق ولا صلى. يريد لم يصدق ولم يصل. والشيخ أبو الفتح لو أمعن النظر لعلم أن (لا) هذه ليست تلك التي عناها وإنما هي التي تكون جواب القسم. كقوله: والله لا أقمت، وواله لا ضربت. وقد يحذف القسم والكلام يقتضيه، ويد عليه. ألا ترى إلى قول رسول الله ﵇ فيمن فعل كذا وكذا لا تمسه النار إلا تحلة القسم يريد قول الله تعالى: وإن منكم إلا واردها الآية. ألا ترى إنه لا قسم ظاهراً في هذه الآية ولكن تأكيد الإيجاب دال على القسم ونائب منابه. وهذا اشهر من أن يدل عليه. و (لا) في بيت أبي الطيب لها وجه غير ما ذكرنا. وهو أن تكون (لا) التي تكون في الدعاء المنفي كقولك: لا يفضض الله فاك وقوله:
ولا هجمت بها إلا على ظفر
فيحتمل أن يريد: والله لا أقمنا على مكان. ويحتمل أن يريد الدعاء فيقول: لا أقمنا على مكان هذه صفته. وقوله: ولا يمكن المكان الرحيل له معنى لطيف قد سها عنه الشيخ أبو الفتح وأتى مكانه بمعنى كسيف وهو إنه يريد لا نقيم على مكان أبداً حتى نلقاه. يقول لا أقمنا على مكان إلا ويمكن المكان الرحيل معنا. وهذا ما لا
يكون. فكذلك نحن لا نقيم كقول القائل:
стр. 210
إذا زال عنكم أسود العين كنتم ... كراماً وأنتم ما أقام إلا اللائم
وأسود العين جبل فهو لا يزول. وكذلك هؤلاء المخاطبون لا يكونون كرماء. فالواو في قوله: ولا يمكن واو الحال، أي لا نقيم في مكان وهذا حاله. فانظر الفضل بين ما ذكرنا، وبين ما فسره أبو الفتح قال أي لو أمكنه الرحيل لرحل إلى سيف الدولة شوقاً إليه. فأي معنى (للو) ترى في هذا المصراع. وأي خاطر سقط به عليه، وأداة إليه. غفر الله له. وما سبب شوق المكان إلى سيف الدولة، ولا سيما وليس من ممالكه، ولا عبر به قط من عمره. وأين نجد من حلب.
وقوله:
لو تحرقت عن طريق الأعادي ... ربط السدر خليهم والنخيل
لم يعرض الشيخ أبو الفتح لتفسير هذا البيت. وفيه كلام. وهذا البيت يشبه قوله:
فكلما حلمت عذراء عندهم ... فإنما حلمت بالسبي والجمل
وذلك أن الروم ليس في ديارهم السدر، ولا النخل. كما ليس في ديارهم الجمال ولا يعرفونها فقوله: ربط السدر خيلهم. يريد: لولا دفاعك عن عضد الدولة، ومعز الدولة لسارت إليهم، وأوغلوا في ديارهم حتى ربطوا خيولهم إلى السدر، وإلى النخل. يريد بذلك الغض ممن بالعراق، ورفع شأن سيف الدولة. وقد صرح وقال بعده:
ما الذي عنده تدار المنايا ... كالذي عنده تدار الشمول
وقوله: ربط السدر. إنما يريد ربطت إلى السدر. والروم
стр. 211
ربطوها. ولكن أما كان السدر والنخيل الممسكة عليها جعل الفعل لها توسعاً في الكلام.
وقوله:
محبي قياني ما لذالكم النصل ... بريئاً من الجرحى سليماً من القتل
قال الشيخ أبو الفتح: معناه يا من يحب قيامي وتركي الأسفار والمطالب، كيف أقيم ولم أجرح بنصلي أعدائي واقتلهم به. وهذا على ما فسر. إلا إنه ترك ما يجب ذكره، وهو أن القيام إن كان أبو الفتح يريد به المقام فقد اخطأ، ولا أراه أراده. لأنه لا يقال: قام زيد بمعنى أقام في المكان. وإن أراد أيضاً القيام الذي هو الانتصاب على الرجلين فقد أخطأ أيضاً لا فائدة فيه لأن يحب أهل أبي الطيب قيامه. وإنما يريد الحاجة والمؤونة. يقال: فلان القائم بفلان، وفلان قيم فلان. أي هو القائم به، والمصلح لشأنه.
ومعنى البيت: يا من يريد قيامي بأموره وتركي مفارقته ما لذلك النصل لم أجرح به، ولم أقتل. يريد ذلك النصل وأعماله أحب إلي، وأهم عندي كقولك لمن يلتمس منك المشي وقد حضر فرس ما لذلك الفرس، معناه: لا أمشي والفرس حاضر. وكذلك يريد لا أختار القيام بأمورك على أعمال النصل.
وقوله:
أمط عنك تشبيهي بما وكأنه ... فما أحد فوقي ولا أحد مثلي
стр. 212
قد أكثروا الكلام في هذا البيت. وقوله تشبيهي بما. وقالوا (ما) ليس من حروف التشبيه ولم يؤت في الجواب بطائل. فأما ابن جني فقال: الذي كان يجيب به إذا سئل عن هذا أن يقول تفسيره فكأن قائلا قال بما يشبه فيقول الآخر كأنه الأسد، أو كان الأرقم، أو نحوه ذلك. فقال هو معرضاً عن هذا القول أمط عنك تشبيهي بما وكأنه فجاء بالحرف للتشبيه وهو كأن. وبلفظ ما التي كانت سؤالا فأجبت عنها بكأن التي هي للتشبيه فذكر (ما) في التشبيه لأن جوابها تضمن التشبيه فكانت سبباً له. فذكر السبب والمسبب جميعاً. وقد فعل أهل اللغة مثل هذا فقالوا: الألف والهمزة في حمراء هما علامة للتأنيث وإنما العلامة في الحقيقة الهمزة وحدها. ولكن الهمزة لما صاحبت الألف التي قبلها قيل هما جميعاً للتأنيث. هذا كلام الشيخ
أبو الفتح. وقد حكيت لي حكاية هذا موضعها.
زعموا أن أبا العباس المبرد ورد الدينور زائراً لعيسى بن ماهان، فأول ما دخل إليه وقضى سلامة قال له عيسى بن ماهان: أيها الشيخ ما الشاة المجثمة التي نهى النبي صلى الله عليه عن أكل لحمها فقال: هي الشاة القليلة اللبن مثل اللجبة. فقال: هل من شاهد فقال نعم قول الراجز:
لم يبق من آل الحميد ... إلا عنيز لجبة مجثمة
فإذا بالحاجب يستأذن لأبي حنيفة الدنيوري، فأذن له فلما دخل،
стр. 213
قال له عيسى بن ماهان: أيها الشيخ ما الشاة المجثمة التي نهانا عن أكلها. قال: هي التي جثمت على ركباتها ونحرت من قفاها فقال: كيف تقول هذا، وهذا شيخ العراق أبو العباس المبرد يقول: هي مثل اللجبه، وهي القليلة اللبن. وانشده البيتين. فقال أبو حنيفة: إيمان البيعة تلزم أبا حنيفة إن كان هذا الشيخ سمع هذا التفسير أو قرأه، وان كان البيتان إلا لساعتهما هذه. فقال أبو العباس: صدق الشيخ أبو حنفية. أنفت إن أرد عليك من العراق، وذكرى ما قد شاع، فأول ما تسألني عنه لا أعرفه. فاستحسن منه هذا الإقرار وترك البيت.
وأنا أحلف بالله العظيم إن كان أبو الطيب سئل عن هذا البيت فأجاب بهذا الجواب الذي حكاه ابن جني وان كان متزيداً مبطلا فيما يدعيه عفا الله عنه وغفر له. فالجهل والإقرار به أحسن من هذا.
وقد تكلم في هذا البيت القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني فقال: هذا مما سئل أبو الطيب عنه. فذكر أن ما تأتي لتحقيق التشبيه تقول عبد الله الأسد، وما عبد الله إلا الأسد، أو كالأسد كما قال:
وما هند إلا مهرة عربية ... سليلة أفراس تجللها بغل
وقال لبيد:
стр. 214
وما المرء إلا كالشهاب وضوؤه ... يعود رماداً بعد إذ هو ساطع
ثم قال وأقول: إن التشبيه بما محال. وإنما وقع التشبيه في هذه المواضع التي ذكرها بحروفه. فإذا قال: وما المرء إلا كالشهاب، فإنما الفيد للتشبيه الكاف. وإنما (ما) النفي. نفت ان يكون المرء كالشهاب. وإذ قال: وما هند إلا مهرة. فان (ما) دخلت على ابتداء وخبر. وكان الأصل: هند مهرة عربية. وهو في تحقيق المعنى عائد إلى تقريب التشبيه. وأم كان اللفظ مباينا للفظه. ثم نفى أن يكون إلا كذلك فليس بمنكر أن تنسب التشبيه إلى ما إذا كان له هذا الأثر. وباب الشعر أوسع من أن يضيق عن مثله. فهذا قاض من قضاة المسلمين يحكي هذه الحكاية عن أبي الطيب. فأي الحكايتين نجعلها الصحيح، وننفي أختها. وهل ترى نفسك إلى الثانية أميل منها إلى الأولى. والله تعالى علام الغيوب.
والذي عندي ما أقوله: وهو فائدتي من الشيخ أبو العلاء المعري. وليس مما استنبطته. وهو أن تكون (ما) التي تصحب كأن، إذا قلت: كأنما ريد الأسد. ألا ترى إنها كثرت حتى تكلم النحويون فيها إذا حالت بينها وبين الاسم، وقصروا عليها فصولا كثيرة من كتب النحو. وقد صارت في لغة قوم لازمة لكأن حتى ما تفارقها. وما عمدي ان أبا الطيب أراد غيرها. والله تعالى اعلم بالغيب. له مثل هذا البيت أيضاً قوله:
صغَرتْ كل كبيرةٍ وكبرتْ عن ... لكأنه وعددت سِنَّ غلامِ
стр. 215
أي كبرت التشبيه فأجراها مجرى ما يلزم في التشبيه من الحروف. وله مثل هذا أيضاً:
كفاتك ودخول الكاف منقصة ... كالشمس قلت وما للشمس أمثال
والأول في هذا المعنى قول ابن الرومي:
يقرظ إلا أن ما قيل دونه ... ويوصف إلا إنه لا يحدد
وهو في غير هذا المديح كثير.
وقوله:
قفا تريا ودقي فهاتا المخايل ... ولا تخشيا خلفاً لما أنا قائل
المخايل جمع مخيلة يعني البرق. وهو مخيلة السحابة ونحوه مما يستدل به على كون النظر. وهذا مثل ضربه لصاحبيه. يقول: عيشا، يأمرهما بالعيش، تريا من أمري شأنا عظيما، فقد ظهرت مخايلة، وما تشهد لي بتحقيق ما أمله من الشرف، وبلوغ المجد، وبعد الصيت. وكان بعض أهل الأدب يفسره إنه يريد مخايل الدار، أي علاماتها، وبلقى رسمها وآثارها. ويعني بالودق دمعه. يقول: لصاحبيه: قفا، تريا بكاي على مخايل الديار، فقلت له: فما اقبح قوله بعد ذلك: ولا تخشيا خلفا لما أنا قائل. أتراهما خشيا أن لا يبكي على ديار حبيبته وقد
следующие страницы →