Полный текст (314 стр.). Показаны 281–314 · переход к 286.
стр. 281
كالموت ليس له ري ولا شبع
فرحم الله أبا الفتح قد قال في نفع غيرها. فأي نفع للناس في أن يهلكوا. وأي حجة له في غفلته عن هذا. أترى لشيء من سائر خلق الله نفع في أن يهلك فضلا عن الحيوان. وإنما الهاء في منافعها راجعة إلى الجدة المرثية. يريد أن منافع هذه لصلاحها وإيثارها على نفسها، وكثرة صيانها وعبادتها ما جرت العادة به أن تضر. وذاك أنها تؤثر الجوع والظمأ، في الري والشبع. فإذا جاعت وظمئت كانت كأنها تغذت ورويت. وإيثار الجوع والظمأ من فعل العباد. وقوله: في نفع غيرها موضعه الرفع لأنه خبر ثان لمنافعها. والخبر الأول ما ضرَّ. كأنه يقول: منافعها في نفع غيرها. ووجه آخر وهو أن تكون (في) بمعنى (مع). يريد ما ضرها مع نفع غيرها. كما تقول: أردت شتمك في إكرام زيد. أي مع إكرام زيد. فأي معنى أظهر من هذا، فيتكلف الشيخ أبو الفتح ما يزري به عفى الله عنه. وبعد فالمعنى من قول القائل:
أقسم جسمي في حسوم كثيرة ... وأحسوا قراح الماء والماء بارد
وقوله:
ديار اللواتي دارهن عزيزة ... بطول القنا يحفظن لا بالتمائم
هذا البيت ظاهر المعنى واللفظ. وإنما أتيت به لنكتة. قرأته على الشيخ أبي العلاء فقلت له: أنشد: بطول القنا. أم بطولاها. أعني
стр. 282
هل هو فعل مصدر طال يطول طولا أن فعلاها، كما تقول: كبراها وصغراها. فقال: ما رويت إلا بكسر اللام. فقلت: التمائم في آخر البيت جمع وطول واحد فالا أنشد بطولي، يراد به طوال القنا ليكون جمعا مع جمع هذا في صنعة الشعر. فقال: ما احترت إلا مختارا غير أن الرواية ما ذكرت.
وقوله:
راعتك راعية المشيب بعارضي ... ولو إنها الأولى لراع الأسحم
أطال الشيخ أبو الفتح في غريب هذا البيت ولم يعرض لشرح معناه. وهو من دقيق معانيه ومعقدها. وأرى كثيرا من مسجلي الأدب يتخطون تفسيره. والهاء في قوله (لوانها) عائدة إلى الراعية. يقول: لو كان الأول من الشعر أبيض، والأسود طارئ لراع السواد. يريد: إنما راعك علة سيئ لا البياض. كأنه لو أراد إشباع اللفظ لقال: ولو إنها الأولى. والأسحم طار عليها لراعك الأسحم. وكان قوله أيضا:
مُنى كن لي أن البياضَ خضابُ ... فَيَخفى بِتبَييضِ القرُوُن شباب
стр. 283
من هذا المعنى مشتق. وإن كان من غير قبيله فتأمله. وقد أوضح هذا المعنى بقوله بعده:
ولقد رأيت الحادثات فلا أرى ... يققاً يميت ولا سوداً بعصم
وأعرف تباين هذا البيت من بيت أبي تمام:
طال إنكاري البياض ولو عمرت ... شيئاً أنكرت لون السواد
فإنه ينكر لون السواد لشيخوخته واستيلاء البياض عليه. وهذه يردعها الأسحم لأنه دليل الشيخوخة. ويحب البياض لأنه اللون الأول لون الشباب.
وقوله:
عيون رواحلي إن حرت عيني ... وكل بغام رازحة بغامي
قال أبو الفتح: سألته عن معنى هذا البيت فقال: معناه إن حارت عيني فعيون رواحلي عيني، وبلغمهن بغامي. أي إن حرت فأنا بهيمة مثلهن. كما تقول: إن فعلت كذا وكذا فإنك حمار، وأنت بلا حاسة. هذا ما ذكره. ولكن يزيده وضوحاً إن قال قائل فما يضر أن تحير رجل ركب المفازة فتاة. وليس الجهل بالدلالة في المفازة مما يذم به. فالجواب أن يريد إنه بدوي ومع ذلك فأني عارف بدلالات النجوم بالليل، والعلم بها من علم الأنواء وأبواب الأدب فلذلك أفتخر به، وبذلك على ذلك قوله: وكل بغام رازحة بغامي يريد بذلك أني فصيح شاعر عارف بالمنطق. وهكذا يقول الفصيح إذا اقسم يقول: أنا أعجمي إن لم أغلبك
стр. 284
بالحجة وأنا أخرس إن لم أخصمك بالجدل. فيقول أبو الطيب: إن تحيرت في المفازة فعيني البصيرة الحالمة عين راحلتي، ومنطقي الفصيح البليغ بغامها.
وقوله:
وقد أراد المياه بغير هادٍ ... سوى عدّي لها برق الغمام
قال الشيخ أبو الفتح: قال يعقوب: العرب إذا عدت للسحاب منه برقة لم أشك في أنها ناطرة قد سقيت، فنتبعها على الثقة. هكذا قال.
والذي قال ابن قتيبة في كتابه (الأنواء). انهم يعدون سبعين برقة. وقد قال ذلك بن نويره:
وهم ينزلون الغيث والغيث عازب ... إذا ماؤهم عدوا عليه البوارقا
стр. 285
ولقائل أن يقول: فدلائل المطر في السحاب، والبرق أكثر من أن تحصى. ألا
تراهم يقولون: أرينها نمره اركها مطره. وإلى قول معقر بن حماد البارقي لابنته - وهي تقوده وقد كف بصره، وسمع صوت رعد -: ما ترين، فقالت: (أرى سحماء غفاقه، كأنها حولاء باقة لها هيدب دان، وسير وان. فقال. ألمي بي إلى معلة فإنها لا تنبت إلا بمسجاة من السيل).
ألا ترى كيف وثق بالغيث فأمرها بالهرب إلى المنجاة. فلم خص أبو الطيب عدد البرق وليس ذلك في شهرة غيره من الدلائل. فالجواب إنه لم يرد الاستدلال على المطر فقط. وإنما أراد إنه يتبع البرق حتى يجد الماء، وذلك من فعل العارفين بمواقع الماء ومحاله. وقد تقدمه دعواه إنه خريت فلاة، لأنه إذا خالت السحابة عرف مخيلتها فأقام حتى يأتيه المطر. فتأمل موضع افتخاره.
وقوله:
لا شيَء أقبحُ من فحل له ذكرٌ ... تقوده أمةٌ ليست لها رَحمُ
هذا أيضاً تعريض بكافور لابن طغج وتغريب بينهما كقوله:
стр. 286
العبد ليس لحر صالح بأخٍ ... لو إنه في ثياب الحر مولود
يغريه به. وابن طغج فحل له ذكر، وكافور خصي فهو الأمة من حيث إنه خصي لكنه قد خالفها بكونه لا رحم له، فكأنه أنقص من أمة. هذا إغراء به. يقول: لم تملكه أمرك وأنت فحل ذو ذكر، وهو أمة في العجز ودناءة القدر، وليس بذات رحم فهو اقل من أمة. وقد أنث الرحم وهو مذكر، إذ عنى به العضو، وإذا أنثت عينت به القرابة من قولهم: بيننا رحم أي قرابة. وكذلك رحم بضم الراء. ويجوز أن تكون التاء (في ليست) (للامة). كأنه قال: أمة ليست ذات رحم. وتكون (لها) موضعه الرفع. لا النصب لأنه خبر (رحم) وهو مبتدئتان. واسم ليس ضمير يرجع إلى أمة. (ولها رحم) جملة موضعها النصب لأنها خبر (ليست).
وقوله:
من اقتضى بسوى الهندي حاجته ... أجاب كل سؤال عن هل بلم
قال الشيخ أبو الفتح: إذا قيل له: هل أدركت حاجتك قال: لم أدركها. وهذا تفسير جيد لا مزيد عليه. إلا أن القاضي أبا الحسن علي بن
стр. 287
عبد العزيز ﵀ فسره في كتاب (الوساطة) فأخطأ ثم عابه فقال: كان الواجب أن يقول عن هل ب (لا) لأنه يقول: هل تبرع لي بهذا المال فتقول: (لا). فأقام (لم) مقام (لا). لأنهما حرفان للنفي. فأقام أحدهما مقام الآخر.
وفي هذا من الظلم ما ترى، ومن الخطأ ما تعلم. لأنه لو أراد ذلك لقال: أجبت عن كل سؤال ب (لا). لأنه المقتضى فيجاب لا هو يجيب. وإنما يعني كل من اقتضى حاجة بغير السيف، ثم سأله الناس هل أدركت حاجتك، هل بلغت مرادك، هل ظفرت، هل وصلت. فيقول في الجواب عن ذلك لم أبلغ، لم أصل، لم أدرك، لم أطفر.
وقوله:
صنا قوائمها عنهم فما وقعت ... مواقع اللوم في الأيدي ولا الكزم
هون على بصر ما شق منظره ... فإنما يقظات العين كالحلم
أما البيت الأول فأهمل أبو الفتح معناه، وشغل بالغريب. وأما البيت الثاني فأخطأ في شرحه خطأ بينا قد شرحنا ذلك في كتاب (التجني). فأما قوله: صنا قوائمهما فيعني أنا صنا السيوف أن يسلبناها أعداؤنا فتقع
стр. 288
قوائمها في موقع اللؤم. وموقع اللؤم مواطن أيديهم. وإنما تقع قوائم السيوف في مواطن أيدي الأعداء إذا سلبوها. فأما إذا لم تسلب فما تقع فيهم إلا مضاربها. وكأن في ذلك إشارة إلى قول القائل:
نقاسمهم أسيافنا شر قسمة ... ففينا غواشيها وفيهم صدورها
وقول الآخر:
لهم صدر سيفي يوم بطحاء سحبل ... ولي منه ما ضمنت عليه الأنامل
فقد أنباك أن قوائم سيوفهم ثابتة في أيديهم لم تسلب. وقد تقدمه:
من كل قضية بالموت شفرته ... ما بين منتقم منه ومنتقم
فهذا معنى قوله: نقاسمهم أسيافنا شر قسمة. ولو لم يتقدم هذا البيت لكان في قوله: صنا قوائمها عنهم ما يؤدي ذلك. فما أبلغه من بيت وأحكمه. والمصراع الثاني زيادة. أعني قوله: فما وقعت مواقع اللؤم والكزم. البخل، والعطاء يكونان باليد جعل أيديهم مواقع اللؤم. وإن كان قد يكون بغير البخل.
وهذا مذهب من الاتساع متعارف. وأما البيت الثاني فزعم أبو الفتح أن قوله: ما شق منظره من قولهم: شق بصر الميت شقوقاً. بمعنى جاد بنفسه. وشاق يشوق شوقا. ورواه شق بفتح الشين. قال: ولا يقال: شق الميت بصره قال ومعناه هون على بصرك شقوقه
стр. 289
ومقاساة النزع والحشرجة للموت. فإن الحياة كالحلم تبقى قليلا وتزول. وقد قال أو تمام:
ثم انقضت تلك السنون وأهلها ... فكأنها وكأنهم أحلام
فانظر إلى هذا التشبيه المتفاوت. إذا كان أبو تمام يقول: إن الماضي من الزمان والهذلين من الناس كالأحلام. وأبو الطيب يقول: يقظتك كحلمك فما يصنع الموت هاهنا والحشرجة وإنما هو من شق على الشيء أي صعب. يقول: هون على كل عين النظر إلى ما يشق فإنه اليقظة كالحلم إذ كان أحوال الدنيا إلى الزوال. فهذا المعنى الذي أن سمعه أبو الفتح لم ينكره فما الذي يسومه هذا العسف وشق النفس في الغوص إلى ما لا يفيد.
وقوله:
ولما تفاضلت النفوس ودبَّرت ... أيدي الكماة عالي المران
قوله: ودبرت جملة منفية معطوفة على جملة منفية. وليست جملة مثبتة جارية مجرى قوله: ما أكلت وشربت الماء. يريد إثبات الشرب، ونفي الأكل. بل هي
كقولك: ما ضربت زيداً وقتلت بكرا، يريد نفيهما جميعاً. ولعمري إن الأحسن إظهار النفي ليكون دليلا على النفي ولكن الكلام إذا دل على الغرض جاز حذف النفي. ألا ترى أن المعنى ولما تفاضلت النفوس، ولما دبرت الأيدي الرماح يريد لدبرتها الرماح، أو عصمتها عند الاستعمال ولكنها بالعقل دبرت فأطاعت، ونفذت حيث نفذت من هذا النوع كثير.
стр. 290
وقوله:
في جحفل ستر العيون غباره ... فكأنما يبصرن بالآذان
سمعت جماعة من أهل الأدب يتساءلون بينهم لم جعل الآذان تبصر في الحال التي ستر الغبار العيون. وأي مزية للآذان ثم على العيون. فقال المحذق منهم في الصناعة: ذاك لأن الآذان منصوبة، فالغبار لا يسترها، والعيون معتضة، فالغبار يمنعها النظر. منصوبة، فالغبار لا يسترها، والعيون معتضة، فالغبار يمنعها النظر. ولما يعلما جميعا أن الانتصاب، وسعة الفتح لا يغنيان من الغبار وظلمته شيئاً، ألا ترى ظلمة الليل. وإن سعة العين فيه كضيقها، ونجلها كخوصها. وانتصاب العين فيه كانبساطها لمن انتصب عنه بانتصابه، وانبسطت باستلقائه على صلاوي قفاه كلا الناظرين فيه سواء وكلتا العينين غناؤهما فيه واحد. وإنما أراد الرجل أن الغبار ستر العيون حتى وقع على الجفن فمنعه أن يفت النظر والأذن لا تنطبق فلا يثقلها للغبار، وانتصابها دائم. والعين إذا اثقل الغبار جفنها انطبقت فلم تنفتح. وهي مع ذلك لا ترى فتعتمد ما تسمع فينحو نحوه ويبقى ما يجب إبقاؤه. فهذا معنى حسن. وجعل الناجي المصيفي الأذن مثقلة بالدم القاهر من القنا. فما أحسن كثير إحسان، إذ لا ثقل للدم عليها وإن جسد عليها وإن جسد عليها فإنما جسد ما فضل من القطر وذاك حيث يقول:
ثقيلات آذان من الدم والقنا ... غريقة بحر بالأسنة زاخر
بل أحسن بعض من سمع هذا البيت من المحدثين فقلبه وقال في صفة روضه:
أصْغَتْ عيونُ النور في جنباته ... فكأنما يَسْمَعَن بالأجفانِ
стр. 291
وإن كان النور لا حاجة به إلى السمع، ولا الإصغاء ولكنه ملح في السرقة.
وقوله:
يتفيأون ظلال كل مطَّهم ... أجل الظليم وربقة السرحان
قال السيخ أبو الفتح ورواه: يتقيلون، يقول يتقيلون آباء لهم سباقين إلى المجد والشرف، كالفرس المطهم الذي إذا رأى الظليم فقد هلك. وإذا رأى الذئب كان كأنه مشدود بحبل في عنقه. والعرب إذا مدحت رجلا شبهته بالفرس السابق كما قال النابغة. واستشهد بشعر كثير. ثم قال: وإنما استعار هنا لفظ الظلال لأن ظل كل شيء موازنه، وعلى سمته. فيريد بذلك احتذاءهم طريق آبائهم وسلوكهم مذاهبهم من غير تبديل ولا تعريج كما قيل:
شنشنة أعرفها من أخزم
ثم قال: ويحتمل أيضاً أن يكون معناه انهم يستظلون بأفياء خيولهم في شدة الحر يصفهم بالتعرب والتبدي. فالحمد لله الذي أجرى الحق على لسانه عاقبة، كما أجرى الباطل عليه بدءاً ما قال أبو الطيب، ولا روى عنه ألا يتفيئون. يريد يجلسون في أفياء خيولهم
стр. 292
للزومهم البادية في صميم الحر، ولا ظلال لهم غيرها. وقد جرت عادة أبي عبد الله بن مقله ﵀ والمتشبهين به في الخط من أهل بغداد بإظهار الألف الموصولة من خلف استواء السطر من غير تعقيب حتى تحسبها شرطة شرطت، فلعلها اتصلت بالواو فحسبها أبو الفتح يتقيلون. وهذا مما يسيء الظن بروايته - غفر الله له -. وما سمعنا أحداً روى هذا البيت يتفيئون بهمزة غير الشيخ أبي الفتح. ولتكن الرواية ما حكى فكيف يكون الأب السيد الكريم آجلا للظليم، ورقة للسرحان. أتراه يصفه بشدة العدو، ولا كبير فخر في ذلك. أم
يجعل الفرس أباه، أم يجعله متقيلا للفرس في العدو. وأي الثلاثة التأويلات تتناول هذا البيت مع روايته. أم يجعل المطهم كرة رجلا وكرة فرساً فيكون البيت نصفين متنافيين. وسيقول المتعصب له: لا ضير في ذلك فإنه من باب التوسع هو أحرج الحرج. وقد خصم نفسه وتنبه بعض التنبه فقال: ولفظ الظلال استعارة، لان ظل كل شيء موازنه، وعلى سمعته. كأنه استحيا من قائل يقول له: فما تضع بالظل وهو يريد أن يتقبل أباه فاعتذر له لا عذر الحسن الذي قد سمعته. فهلا يقول لنفسه فأولى من الظلال بالخلال. فلو قال: يتقيلون خلال كل مطهم لأدى ما يروم. ثم الثالثة قضت عليه بالحق فاستدرك المعنى. ونسي موضع التصحيف فقال يجوز أن يكون معناه أنهم يستظلون بأفياء خيولهم
стр. 293
من شدة الحر. وقد علم إنه لا يجوز غيره غفر الله له ذنوبه.
وقوله:
وعلى الدروب وفي الرجوع غضاضة ... والسير ممتنع من الإمكان
قال الشيخ أبو الفتح: سألته عن هذا فقال: معناه وكل هذا الذي ذكرته على الدروب أيضا، إذ في الرجوع غضاضة على الراجع، وإذ السير ممتنع عن الإمكان. وما أحراه أن يكون سمع بعض ذلك ولكنه لم يعه عنه والغرض غير ما ذكر إذ قد تقدم هذا البيت:
خضعت لِمنُصُلِكَ المناصِلُ عنوة ... وأذل دينك سائر الأديان
أفتراه يقول: خضعت على الدروب، وأذل على الدروب أيضا. وقد قال سائر الأديان بتخصيصه بعد العموم في معنى واحد من أمحل المحال. وأظنه قال في الجواب، وكان هذا الذي أذكره فيما بعد فظن إنه يقول ذكرته فيما خلا، وإنما يعني على الدروب غضاضه كما تقول على يدي، وفي كمي مال. تريد على يدي مال، وفي كمي مال. وإنما يريد في مقامنا على الدروب غضاضه، وفي رجوعنا
غضاضة. والخطاب يدن السامع على إنه يريد في مقامنا على الدروب. وهذا كما
стр. 294
تقول للجالس على التراب: قبيح، وغير جميل، أو ما أشبه ذلك. فهذا ظاهر. وما سمعه أبو الفتح فسماع مستعجل لم ينفهم.
وقوله:
كتمتُ حُّبَكِ حتى منكِ تكرِمَة ... ثم استوى فيك إسراري وإعلاني
كأنه زاد حتى فاض من جسدي ... فصار سقمي به من جسم كتماني
قد خلط الشيخ أبو الفتح في شرح هذا الشعر، وقد مضى في كتاب (التجني) ما فيه مقنع ويعني أني تكرمت بكتمان حبك. كتمته منك أيضا. ثم استوى سري وعلني في الكتمان لا في العلن. يدل على ذلك معنى البيت الثاني، وليس المصراع الثاني بناقص للأول.
стр. 295
فقد يظن ظان إنه يعني أني كتمت ثم أعلنت، وليس كذلك. يدلك عليه
كأنه زاد حتى فاض عن جسدي
يريد الكتمان. فكيف يكون معناه أني ظهرت. فإن قال: إنما ضمير زاد للحب قلنا له: فما تصنع بقوله: فصار سقمي في كتماني يريد فصار سقمي منكتما كأنه في وعاء من كتمان. وكأنه يقول كان كتماني في جسمي في كتماني فافهمه.
وقوله:
الحب ما منع الكلام الألسنا ... وألذَّ شكوى عاشقٍ ما أعلنا
قد سمعت قوما ينشدون الألسنا بفتح السين، وليس ذلك بممتنع. و (ما) بمعنى الذي يقول: الحب الصادق ما يمنع الكلام الألسن تحيرا، وتبلدا. كما تقول: البغض ما يمنعك النظر إلى صاحبك. يعني البغض الصادق، أو البغض الشديد. وإن قال قائل: (ما) بمعنى النفي. ويكون معناه: الحب ما يمنعك الشكوى. ولم يكن (ذلك) ممتنعا. والمعنى إن شكوى الحب مما يستلذ. فإذا بلغ من شدة الحب ألا ينطق فذلك
لمن النهاية. وهذا معنى قول القائل:
وما هو إلا أن أراها فجاءة ... فأبهت حتى ما أكاد ابن كذا
стр. 296
وقريب منه قول بعض المحدثين:
وأذكر خالياً حججي ... وأنسى حين أبصره
ومن روى الألسنا. كان ذلك من باب المبالغة.
ومعنى المصراع الثاني ما قاله على بن الجهم:
وقلما يطيب الهوى إلا لمنهتك الستر
أو قول أبي نواس:
ولا خير في اللذات من دونها ستر
وقوله:
لا يستكين الرعب بين ضلوعه ... يوماً ولا إحسان أن لا يحسنا
قال الشيخ أبو الفتح: الإحسان هنا مصدر أحسنت الشيء إذا حذفته. وليس من الإحسان الذي هو ضد الإساءة. يقول: فهو لا يحسن أن لا يفعل الجميل. وقد جود فيما استنط كأنه يقول: لا يستكن بين ضلوعه علم ألا يحسن. ولو قال: ولا إحسان أن لا يحسنا
стр. 297
لكان أشار إليه أبو الفتح أبين وأوزن ذلك ولا العلم ألا يحسن ولو قال علم ألا يحسن لكان أبين. كما أن قولك: أعجبني ضرب زيد أبين للسامع من أعجبني الضرب زيدا. وما أراد أبو الطيب إلا الإحسان الذي هو ضد الإساءة. يقول: لا يستكين الإحسان حتى يحسن. أي لا يمكث حتى يفعله فأقام يسكن مقام يمكث لتقارب معنييهما. وهذا أسبق إلى الفهم مما أتى به الشيخ أبو الفتح. والذي أتى به في غاية الجودة.
وقوله:
ألقى الكرام الألى بادوا مكارمهم ... على الخصيبي عند الفرض والسنن
فهن في الحجر منه كلما عرضت ... له اليتامى بدا بالمجد والمنن
قال الشيخ أبو الفتح: أي المكارم في يده، وتحت تصرفه. يستعملها في أي وقت شاء. وكيف شاء. وهذا على ما ذكر.
стр. 298
(إلا) وجب عليه أن يبين على أي وجهٍ هي في يده. وذاك أن الممدوح قاضٍ فمدحه بما يضاهي القضاء. فجعل المكارم كالأيتام وجعلها في حجره لما مات عنها الكرم الألى بادوا. فكلما عرضت له الأيتام بدا بالمكارم ولما لم يتأت له لفظ المكارم أقام المجد والمنن مقامهما، لأنها في معناها وليقم القافية والوزن. وترك همزة بدأ. وقد مضى مثله في هذا الكتاب من شعره. وقوله: عند الفرض والسنن مما يظهر ذلك لك ويوضحه. ولا معنى حجر اليتيم لما أجدى قوله عند الفرض والسنن. يريد القوها عليه عند موجات الفرض والسنن. لان كفالة اليتيم، ووكالته من الفروض. وهذا من حذقه بالمدح، وجودة تصرفه في المعاني.
وقوله:
قد صيرت أول الدنيا أواخرها ... آباؤه من مغار العلم في القرن
قال الشيخ أبو الفتح: هذا مثل ضربه، أي قد ضبطوا العلم، وقيدوا الأحكام والشرائع. وهذا على ما قاله. غير إنه لم يعرفنا أي العلوم يعني. وإنما مدحهم برواية الحديث. يعني أنهم ضابطون للأيام، عارفون بالأخبار. يدللك على ذلك قوله بعده:
كأنهم ولدوا من قبلِ أن ولدوا ... أو كان فَهمُهمُ أيامَ لم يكن
стр. 299
ومغار، من أغرت إذا قتلته. استعارة لأحكامهم العلم. ومثل هذا قوله في تشبيب غلام:
يحدث عمّا بين عادٍ وبينه ... وصدغاه في خدي غلام مراهق
يريد إنه حافظ للشعر القديم ولأيام العرب. يعني إنه أديب فلذلك أحسه.
وقوله:
ولو بدت لاتاهتهم فحجبها ... صونٌ عُقولَهُم من لحظها صانا
أهمل أبو الفتح تفسير هذا البيت. وفيه من الغلق ما ترى. وقوله: صون فاعل حجبها. وصان ضمير راجع إلى الصون. يريد صون صان عقولهم من لحظها. والمعنى إنها لو بدت لاتاهتهم بجمالها، فقام تيههم عنها، وذهولهم عن تأملها مقام صيانها فكأنها لم تبد. ثم قال: هذا الصون على هذه الصفة هو صون صان عقولهم عن لحظها ولولا تيههم عنها، وذهولهم برؤيتها لأسلمت عقولهم للحظها فأهلكها لحظها، وذهب بهاز يريد عشقوها. ومرحى له. وبعد فالبيت مدخول، والمعنى مرذول.
стр. 300
وقوله:
ولا أسرُ بما غيري الحميد به ... ولو حملت إلي الدهر ملآنا
قال الشيخ أبو الفتح: لا أسر بما أخذه من غيري، لأنه هو المحمود على عطاء. وهذا تفسير حسن. يقول: أنا وإن كنت شاعراً فرغبتي في الحمد أكثر من رغبتي في الصلة. فأنا أغبط الواصل على الحمد الحاصل له، ولا أسر بالعطايا ولو أعطيت ملء هذا الزمان. كما قال أيضاً:
ضاق الزمان ووجه الأرض عن ملك ... ملء الزمان وملء السهل والجبل
وقد بين بقوله: ولو حملت إلي الدهر، إنه يريد العطاء لا غير والحمد عليه، ولو لم يأت بذلك لاحتمل غيره من المعاني. وقد زاد ذلك المعنى وضوحاً بالبيت الذي يليه وهو قوله:
لا يجذبن ركابي نحوه أحد ... ما دمت حياً ولا قلقن كيرانا
أي أنا لا أسر بالعطايا فلا يستزرني أحد.
وقوله:
لو استطعت ركبت الناس كلهم ... إلى سعيد بن عبد الله بعرانا
стр. 301
هذا البيت حسن الصنعة والمعنى. يعني أن الناس كلهم كالبعران في عدم العقول، فهم يصلحون للركوب. وقال الصاحب بن عباد ﵀ في رسالته في هذا البيت: (أراد أن يزيد على الشعراء في وصف المطايا، فأتى بأخزى الخزايا. لو استطعت. البيت. . . ثم قال: ومن الناس أمه فهل ينشط لركوبها. والممدوح أيضاً لعل له عصبة لا يحب أن يركبوا إليه. فهل في الأرض أسقط من هذا التسحب ولا أوضح من هذا التبسط).
وأي تبسط وتسحب على الممدوح ترى في هذا البيت. وليس كل من ذكر الناس بسوء أو بغير سوء فقد عنى جميعهم، حتى لا يشذ واحد، ولو أكده كل تأكيد. ولو توقى الشعراء هذا الباب لكانوا في حرج من جميع ما ينطقون به. ألا تراه قد قال في مرثية فاتك:
والناسُ أوضعُ في زمانك منزلاً ... من أن تُعاشرَهم وقدركَ أرفع
وهو أيضاً من الناس. أفتراه أيضا جعل نفسه وضيعا. وللشعراء قبله ما لا يحصى كثره. فعليه وحده يحرم هذا المجاز، والتأويل. وقد قال الله تعالى يخاطب مريم: (يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين). أفتراه اصطفاها على حواء وهي قبلها. واصطفاها على فاطمة - صلوات الله عليها - وهي بعدها. وهما من العالمين. وليس لقائل أن يقول: أراد بالعالمين نساء زمانها ففي زمانها عالم واحد. والعالمون في أزمنة تقدمت أو تأخرت. هذا وقد قيل في (كل) إنها تكون بمعنى الجمع تارة. وبمعنى البعض. وفسروا قوله
стр. 302
تعالى: (تدمر (كل) شيء بأمر ربها) إنها بمعنى البعض. وقول الشاعر:
ألا إن خير الناس حياً وميتاً ... أسير ثقيف عندهم في السلاسل
أفترى أن خالد بن عبد الله القسري خيرا من رسول الله ﷺ ومن
أصحابه المنتجبين، واهل بيته الطاهرين. ألا ترى أن قوله: حيا وهالكا اكثر من قول أبي الطيب ركبت الناس كلهم. فهذا عنت. وبيت المتنبي جيد شعره:
وقوله:
أريد من زمني ذا أن يبلغني ... ما ليس يبلغه من نفسه الزمن
ليس هذا البيت مما يقتضي شرحاً ولكنه حكى عن أبي الطيب إنه سئل ما الذي يريد الزمان أن يبلغه في نفسه فليس يبلغه. فقال يريد الزمان أن يكون كله ربيعا. وليس يكون كذلك. ولو قال:
стр. 303
يريد الزمان أن يكون كله نهاراً لكان أجود، وأولى. لأن ذلك حال في نفسه والربيع حال حسنه يظهر على الأرض والشجر والنبات. على إنه يمكن أجوبة غير ذلك كثيرة. منها أن يريد الزمان أن يكون خصباً لا قحط فيه. أو يتمنى أن يكون البرد بين الغداة والعشي لا هاجرة فيه، أو كله صحوا لا غيم فيه. إلا أن الحكاية إن كانت صحيحة فما أجاب أبو الطيب ألا بجيد من الجواب. وما أشبه هذا بما زعم أبو الفتح في شرحه:
ولكن الفتى العربي فيها ... غريب الوجه واليد واللسان
وقوله:
فإنه يعني بالبيدان سلاحه: السيف والرمح، وسلاح من بالشعب الحربة والترس. وعندي إن الأولى إنه يريد باليد كتابته بها. يريد أن كتابه العربي عربية. وكتابة الفارسي (الفهلندية) ووجهه اسمر من اثر البداوة. ووجه من بالشعب أشقر ببياض وحمرة. ولسانه عربي ولسان سكانه فارسي. وقد علم أبو الفتح أن الترس لا تخلو منه العرب. ألا تراهم يقولون:
стр. 304
وخرق كظهر الترس رحب قطعته
ومجناً أسمر قراع، ومجنا اخلص من ماء اليلب.
وهم درعي إذا اسلأمتُ فيها ... إلى يوم النسار وهم مجنى
وقول الهذلي:
أرقت له مثل لمع البشير ... يقلب في الكف فرضاً خفيفا
وقول العباس بن مرداس:
لنا عارض كزهاء الصريم ... فيه الأسلة والعصير
стр. 305
وقول الراجز:
إذا جعلت الجوب من شمالك ... فاجعل مصاعاً صادقاً من بالك
والفرص والعنبر والجوب والترس. وكذلك المجنا والمجن.
وقوله:
كل ما لم يكن من الصعب في الأ ... نفس سهل فيها إذا هو كانا
قوله: ما لم يكن بمعنى ما لم يقع. وليست كان الناقصة. مثل قول زهير:
فإن بيوتنا بمحل حجر ... بكل قرارة منها تكون
أي نقيم. ومعنى البيت أم كل ما يقع مما يستصعب في النفوس فهو سهل إذا وقع. وهذا قريب من المثل المضروب: إذا خشيت أمر فقع فيه فإنما جئته بوقته. وقول أعشى باهله:
لا يصعب الأمر إلا ريث تركبه ... وكل أمر سوى الفحشا تأتمر
стр. 306
وقريب منه قوله:
سهرت بعد رحيلي وحشة لكم ... ثم استمر مريري وارعوى الوسن
وقول البحتري:
لعمرك ما المكروه إلا ارتقابه ... وأبرح مما حل ما يتوقع
وقوله:
كأنَّ رقاب الناسِ قالت لسيفه ... عدوّك قيسي وأنت يماني
هذا من أفراد أبيات أبي الطيب المتنبي بل من أجود جيده. وذاك أن شبيبا هذا
الخارجي عربي من بعض بطون قيس عيلان. وبينهما وبين اليمن عداوة ما قد شهر. وقد جرت العادة بنسبة السيوف إلى اليمن. ثم أن شبيباً قتل. فيريد إنه قتل بسيف نفسه، ولم يقتله كافور. فيريد كأن الرقاب لما حل بها من عظيم ضربه لها أرادت التغريب بينه وبين سيفه فقالت لسيفه: أنت يمني ورفيقك من قيس عيلان فهلا قتله. فسمع منها ما قالت فقتلته طالباً ترة نفسه، وترة اليمن في قيس عيلان. فانظر ما أحسن ما عبَّر عن قتله على يد كافور وهذه القصيدة من أولها إلى آخرها هجو (لكافور) ومدح لشبيب ومعرضها مدح كافور، وذم شبيب. فتأمل، فالصنعة فيها عجيبة جداً.
стр. 307
وقوله:
دعته بمفزع الأعضاء منها ... ليوم الحرب بكر أو عوان
حرفه أبو الفتح فرواه بموضع الأعضاء. ثم قال: أي دعته السيوف بمقابضها. والرماح بأعقابها. لأنها مواضع الأعضاء منها بحيث يمسك الضارب والطاعن. ويحتمل أن يكون أراد دعته الدولة بموضع الأعضاء من السيوف. ومعنى (دعته) اجتذبته، واستمالته. هذا كلامه. وما نعلم أحدا من رواة هذا الديوان روى هذا البيت إلا (مفزع الأعضاء). وإذا حرف عن وجهه شعر لم يجد بداً من تمحل يخرج معناه. وهذه لشظه من أمحل المحال، لأنه ما دعي نقيض الدولة، ولا سافلة الدولة. وإنما يريد قوله:
بعضد الدولة امتنعت وعزت ... وليس لغير ذي عضد يدان
ولا قبض على البيض المواضي ... ولا حظ على السمر اللدان
فجعل العضد مفزع الأعضاء لما بينه في البيتين قبله. فان قال: قد قلت أن معنى (دعته) اجتذبته، واستمالته فان دولة بني هاشم ما استمالت عضد الدولة بالسيوف، ولا الرماح. وإنما اجتذبته. واستمالته بالملك
стр. 308
الذي ملكته. وقد قال: والرماح
بأعقابها. وما سمعنا أحداً سمى سافلة الرمح عقبه. فرحم الله أبا الفتح من كم لون اخطأ في هذا البيت. وهبه زل في المعنى فكيف رضى لنفسه بالعي - غفر الله له ولنا -. على أن هذه القصيدة لم يقرأها على أبي الطيب فما أظنه لقيه بعد خروجه إلى فارس. والذنب للناس.
وقوله:
وكأن ابنا عدو كإثراء ... له ياءي حروف أنيسيان
كأنه يعرض بعدو هـ ابنان. والسبب في ذلك أن لعضد الدولة ولدين عند إنشاده هذه القصيدة. فهو يدعو على عدو يكون له وله ابنان. كما للممدوح ابنان. ويدعو لولديه بقوله:
فعاشا عيشة القمرين يحيا ... بنورهما ولا يتحاسدان
وانيسان تصغير إنسان. وروى تصغيره انيسيلن بياءين في ألفاظ يسيرة شذت. منها اصيلال في تصغير أصيل بلام أخرى زائدة مع الألف. وعشيشيه وعشيشيات وكنيكنه في تصغير كنكه وهي البيضة المأكولة. فهاتان إليان وإن كانتا زيادة في عدد الحروف فهما نقصان من حيث المعنى، لأنهما للتصغير. فيقول: جعل الله ولديه وإن كانا مكثرين لعدده نقصانا من جاهه ومحله كهذين اليائين. وما احسن ما صاغ لولا بهده عن الإفهام.
стр. 309
وقوله:
ذا الذي أنت جده وأبوه ... دنيه دون جده وأبيه
(ذا محله الرفع لأنه خبر مبتدأ محذوف كأنه يقول: هذا الذي جده. وقد تقدمه قوله أغلب).
أغلب الحيزين ما أنت فيه ... وولي النماء من تنمية
وقد كان ذكر سيف الدولة جد أبي العشائر وأباه. (فذا) إشارة إلى أبي العشائر
وليس بمبتدأ يكون جده خبره لأنه ليس يعني أن أبا العشائر دونك. ولا فائدة له في ذلك. ولا يحسن به أن يغض منه وسيف الدولة يمدحه. وليس (دون) بمعنى أوضع محلا ومنزلة. بل دون من قولك لمن يقرب منك: أنا احول دون أخيك، وأبوك دون أبيك. فيقول: أغلب الحيزين حيز أنت فيه، وولي النماء من تنمية. وهو أبو العشائر الذي أنت أبوه. وجده دون أبيه وجده. وقد أهمل أبو الفتح شرح هذا البيت. وهو مما يسأل عنه. ويجب الفحص عن معناه.
وقوله:
قالوا ألم تكنه فقلت لهم ... ذلك عيًّ إذا وصفناه
لا يتوقى أبو العشائر من ... ليس معاني الورى بمعناه
стр. 310
قال الشيخ أبو الفتح: في لفظ هذا البيت اختلال في صناعة الإعراب. وذلك أنهم قد عرفوا إنه لم يكنه فحكايته عنهم قالوا ألم تكنه. إنما هو على مذهب التقرير. لأنهم لم يشكوا في إنه لم يكنه فيستفهموه فصار كما تقول ألم تأت فأعطيك لا يريد استفهامه فإنما يريد إنه قد أتاك فأعطيته. وإذا كان تقريرا ففيه نقص واختلال. وذلك أن التقرير إذا دخل في لفظ النفي ردّه إلى الإيجاب في المعنى. وإذا دخل على لفظ الإيجاب رده إلى النفي في المعنى. ألا ترى إلى قول الله تعالى: أأنت قلت للناس. وهو تبارك اسمه لا يشك وإنما هو تقرير ومعناه إنك لم تقل. فهذا لفظ الإيجاب الذي عاد إلى النفي. وأما لفظ النفي الذي أعاده التقرير إلى الإيجاب فنحو قوله: أليس في جهنم مثوى للمتكبرين. أي أن فيها مثوى لهم. فقوله ألم تكنه ينبغي أن يعود في المعنى إلى انهم قد قالوا كنيته، أو كان عندهم ممن كناه. وهذا محال لأنهم قد أنكروا عليه ترك كنيته فلم يضع الكلام موضعه.
وهذا على ما قاله أبو الفتح إذا فسر هذا التفسير. ونحن نقول بل هو استفهام، لا يتضمن تقريراً. وما الذي يحوجنا إلى أن نجعله تقريراً ثم نخطئه وما يضر من
أن يكون استفهاما صريحاً. كأنهم سألوه: هل كناه، فقال لهم: لم أكنه، لأنه عي إذا وصفناه. فأي نقصان يلحق ما نحاه أبو الطيب من المعنى على هذا التأويل.
ثم قال لا يتوفى أبو العشائر البيت. . . وأبو الفتح أهمل تفسيره وهو محتاج إلى شرح. وذاك أن معناه متصل بما قبله. يقول: إذا لم تكنه لم يتوق أبو العشائر أن يشتبه معناه بمعنى غيره. وقوله:
стр. 311
(ليس معاني) بمعنى الالتباس وهو ظاهر. ولو روى ليس لكان يحتمل معنى جيداً فيكون قوله: ليس معاني الورى بمعناه من قول أبي نواس:
وليس لله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد
يقول: لا يتوفى أبو العشائر من لم تجتمع فيه معاني الورى. يريد إنه قد اجتمع فيه معاني الورى. فهو لا يشتبه بغيره فأفهمه فهو دقيق إلا إنه لم يروه.
وقوله:
تجمعت في فؤاده هممُ ... ملء فؤاد الزمان إحداها
فإن أتى حظها بأزمنة ... أوسع من ذا الزمان أبداها
وصارت الفيلقان واحدة ... تعثر إحياؤها بموناها
فإن أتى حظها. الهاء للهمم. وأبداها أيضا هاؤها للهمم. يقول إن أتى حظ الهمم، وجدها بأزمنة أوسع من ذا الزمن أظهر تلك الهمم. فأما الآن فما يسع هذا الزمان تلك الهمم فهو لا يبديها. وعندي إنه لو قال حطه يريد حظ عضد الدولة يريد ماله من المعجزات وعجائب الدولة ومساعدة المقادير له لكان أمدح وأحسن والرواية بالتأنيث. ويعني بالفيلقين أهل هذا الزمان، وأهل تلك الأزمنة والفيلق الجيش العظيم. وهو مذكر. أنثه لأنه يعني الطائفة والجماعة، والزمرة وما أشبهها وجعلها تعثر إحياؤها بموتاها للزحمة. وقد كثرت الأزمنة وأهلها والدنيا واحدة. وهذا من قوله أيضا:
стр. 312
سبقنا إلى الدنيا فلو عاش أهلها ... منعنا بها من جيئة وذهاب
وقوله:
ولا تستطيلن الرماح لغارة ... ولا تستجدين العتاق المذاكيا
أتى بهذا البيت بعد قوله: فلا تستعدن. والبناءان متفقان في المعنى مختلفان في اللفظ فأردت الدلالة على اشتقاقها. أما تستعدن فيستفعلن من العدة. وهو استفعال بمعنى لو قال: لا تعدن لأدى ما يريد. وأما تستطيلن فليس من قولك: استطلت هذا الحبل، وهذا الرمح أي رأيته (طويلا ووجدته) طويلا بل هو بمعنى لا تطلبه جياداً. فالمعنيان متفقان من حيث يريد إعدادها. أما الرماح فطويلة، وأما الخيل فجياد. ولو قال: لا تطيلن الرماح، ولا تجيدن العتاق لأديا المعنى. والمعنى من قول عبد الرحمن بن داره:
стр. 313
فإن أنتم لم تقتلوا بأخيكم ... فكونوا بغايا للخلوق وللكحل
وبيعوا الردينيات بالخمر واقعدوا ... على الذل وابتاعوا المغازل بالنبل
هذه الأبيات التي أتينا بها عي التي توهمناها غلقة المعاني. ولعل قائلا أن يقول: فهلا فسر بيت كذا. وهلا أتى بمعنى كذا. وكل أحد له غرض مقصود. وما رأيناه غلقا يراه غيرنا ظاهرا. ولعل ما يراه غلقا رأيناه ظاهرا فليعذرنا متأملو هذا الكتاب. ويعلموا أننا أردنا نفع قارئه. وما توخينا دعوى لا الفضل على أبي الفتح بن جني. ولا سمت هممنا إلى مباراته. وبودنا لو أدركنا القراءة عليه، والاستفادة منه. والى الله نرغب في إنالة جواره، وإفراغ عفوه وغفرانه عليه وعلينا.
تم الكتاب
والحمد لله وحده وصلواته على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وعترته.
стр. 314
وكان الفراغ من تعليقه يوم الثلاثاء قابلته بالأصل المنقول منه والحمد لله حمد
السالمين.
فرغ من تحقيق هذا الكتاب عبد الكريم بن الحاج مجيد بن الشيخ عيسى بن الشيخ حسن بن الشيخ عبد الله الدجيلي الخزرجي النجفي بعد التعليق عليه وشرح غوامضه لغة وإعرابا وبعد مقدمة وافية ومن الله العون والتوفيق.