Полный текст (314 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
قال: وهذا من سعادة هذا الشاب واستيلائه على ذروة الفضل، كما قال.
وقوله:
وتكملة العيش الصبا وعُقيبه ... وغائب لون العارضين وقادمُه
وما خضب الناس البياض لأنه ... قبيح ولكن أحسن الشعر فاحمه
قال الشيخ أبو الفتح: قال أبو الطيب: عنيت (بعقيه) الهرم والشيب لأنه يتلوه. والأولى عندي أن يعني الشباب. ألا ترى إنه قال بعده: وغائب لون العارضين
وقادمه، يعني كمال العيش الصبا ثم الشباب وسواد الشعر فيه ثم الشيب. وهذا المعنى من قول ابن الرومي. وهو أجود من هذا:
سلبت سواد العارضين وقبله ... بياضهما المحمود إذ أنا أمرد
وأجود منهما قول الشيخ أبو العلاء المعري. وإن كان قد غير المعنى بعض التغيير وزاد:
وكالنار الحياة فمن رماد ... أواخرها وأولها دخان
وقوله:
وما خضب الناس البياض لأنه ... قبيح ولكن أحسن الشعر فاحمه
стр. 247
قد سمعت الناس يتكلمون فيه، ويقولون: هو كلام متناقض. لأنه نفى أن يكون البياض قبيحاً. ثم قال: أحسن الشعر فاحمه فدل على أن أقبحه أبيضه. وهذا عنت لأنه ليس كل حسن بممتنع أن يكون هاهنا ما هو أحسن منه، ولا كل حسن بموجب أن يكون سواده قبيحا. وقد بكت أبو الطيب بقوله: أحسن الشعر. يخبر بذلك إن البياض حسن إلا أن الشعر حده يستحسن فيه السواد فقط.
وقوله:
نحن من ضايق الزمان له فيكَ ... وخانته قربك الأيام
قال الشيخ أبو الفتح: قال أبو الطيب: أردت ضايقه فزدت اللام. وهذا كقوله تعالى: إن كنتم للرؤيا تعبرون. وقوله: عسى أن يكون ردف لكم. وهذا ما ذكر وجهٌ. وللأخر قوله: خانته لوجب أن يقول مع هذا التأويل لهم. لان نحن للجماعة إلا إنه حمل على لفظ من.
وعندي له وجه آخر، وهو أن تكون الهاء في له عائدة على الزمان يريد نحن من ضايق الزمان لنفسه فيك. أي لأجل نفسه وكلا الوجهين من باب التعسف. والذنب لأبي الطيب لا للمفسر.
وعندي له وجه آخر، وهو أن تكون الهاء في له عائدة على الزمان يريد نحن من ضايق الزمان لنفسه فيك. أي لأجل نفسه وكلا الوجهين من باب التعسف. والذنب لأبي الطيب لا للمفسر.
стр. 248
وقوله:
ضلالاً لهذا الريح ماذا تريده ... وهدياً لهذا السبيل ماذا يؤمم
قال للريح ضلالاً. وللسيل هدياً. لان الريح تؤذي ولا تنفع في الظاهر كما قال:
ليت الرياح صنع ما تصنع ... بكرن ضراً وبكرت تنفع
وقال للمطر هدياً لأنه يريد إنه يسقي الديار، وينبت المرعى وينتفع به. ألا تراه قال بعده:
فزار التي زارت بك الخيل قبرها ... وجشمه الشوق الذي تتجشم
يعني قبر والدة سيف الدولة. وكان زار قبرها في هذه الغزوة. قال الشيخ أبو الفتح: وإنما قال للمطر هدياً لأنه شبيه لسيف الدولة في سحة. ألا تراه يقول بعده:
تلاك وبعض الغيث يتبع بعضه ... من الشام يتلو الحاذق المتعلم
وليس بممتنع ما قال. والذي قلناه أولى لأنه يريد الدعاء على الريح لضرها. والدعاء للمطر لنفعه. فهذه مطابقة من حيث المعنى.
стр. 249
وقوله:
كأجناسها راياتها وشعارها ... وما لبسته والسلاح والمسمم
لم يتعرض الشيخ أبو الفتح لشرح هذا البيت. وفيه كلام. وذلك إنه يريد جنسها حديد على المجاز لصبرها على الكد والتعب. فكأنها خلقت من حديد. والشعار هنا ليس مما يلي الجسد من الثياب الذي هو ضد الدثار. وإنما هو شعار الجيش الذي يدعون به كقوله في الأخرى:
تناكر تحته لولا الشعار
يريد نداؤهم بشعار سيف الدولة. ويعني أن شعارهم أيضاً حديد. لأنهم يقولون سيف الدولة المنصور أو ما يشبهه من الكلام. والسيف حديد من هذا اللقب ويدل على قوله: وما لبسته. فلو أراد بالشعار اللباس لما كرر. ويريد مما لبسته التجافيف من الحديد. وقد فسر ذلك بقوله:
لها في الوغى زي الفوارس فورقها ... فكل حصان دارع متلثم
فأما قوله راياتها. والرايات تكون من خرق. فإنه على ما ظن - والله أعلم - وجعل الرماح لهم رايات يعني رماحهم راياتهم. أو يعني أن عليها اسم سيف الدولة مكتوب فجعلها حديداً لما كان المكتوب عليها حديد.
стр. 250
وقوله:
رجلاه في الركض رجل وليدان يد ... وفعله ما تريد الكف والقدم
قال الشيخ أبو الفتح: يصف استواء وقع قوائمه، وصحة جريه. كما قال جرير:
من كل مشترف وإن بعد المدى ... ضرم الرقاق مناقل الأجرال
أي يتوقى في جريه وطء الصخور لحذقه به. وإذا توقى وطء الصخور على ما حكاه لحذقه فأي قرابة بينه وبين كونه صحيح الجري غير متفاوته متلائم وضع اليدين والرجلين وما أراه إلا أعجب ببيت جرير ثم سمع هذا البيت فأعجبه فجعله مثله من حيث الاستحسان لا من حيث الانتباه. وهذا المصراع ببيت رؤبة أشبه وهو قوله:
يهوين شتى ويقعن وقفا
وقوله: وفعله ما تريد الكف والقدم. أي جريه يغنيك عن تحريك السوط والقدم لاستحثاثه. فجعل ذلك التحريك منها إرادة.
стр. 251
هذا من قول امرئ القيس:
فللزجر الهوب وللساق درة ... وللسوط أخرى غربها يتدفق
ويحمل معنى آخر. وهو أن يريد إذا احتجت إلى تصريفه يميناً ويساراً فهو مؤدب
عليه لا يحرجك إلى ذلك. بل يتصرف من غير تحريك العنان، ولا للفخذ والقدم فقد يستعين الفارس على تحريك دابته بفخذيه وقدميه كما تصرف بعنانه وإلى هذا المعنى ذهب في قوله:
وأدبها طول الطراد فطرفه ... يسير إليها من بعيد فتفهم
وقوله:
بأي لفظ تقول الشعر زعنقه ... تجوز عندك لا عرب ولا عجم
تجوز عندك هاهنا ليس من مجاز السير كقول الشاعر:
وقولوا لها ليس الضلال أجازنا ... ولكننا جزنا لنلقاكم عمدا
وإنما هو مجاز الدرهم الزائف. يقال: هذا درهم جائز إذا كان مهما. وربما جاز. ودرهم زائف إذا لم يجز. أنشد ابن الأعرابي:
стр. 252
ترى ورق العسان فيها كأنهم ... دراهم منها مستجاز وزائف
يعني إن هؤلاء الشعراء الذين يقصدونك ليسوا بأهل منك للإقبال عليهم، ولا الأفضال عليهم. لأنهم ليسوا عرباً ولا عجماً، ولا معرفة لهم، ولا أدب فكيف يجوز عليك مثلهم. وسمعت من سنشد: يخور. فكنت أظنه تصحيف. ولئن صحف فالمعنى جيد. لأنه من خوار الثور. شبه كلامهم لجهلهم بالخوار. ألا ترى البحتري كيف قال يعني المستعين:
بكى المنبر الغربي أو خار فوقه ... على الناس ثور قد تدلن غبغبه
وهذا التصحيف في بيت أبي الطيب يشبه تصحيف بعضهم في قوله أيضاً:
والصدق من شيم الكرام فبين ... أمن الشراب تتوب أم من تركه
وجد بعضهم فنبئن مكتوباً بالألف حال التنوين فانشد فنبنا يريد نبأ من النبأ. وهو الخير فخفف الهمزة. وجوازه ما لاشك فيه. وهذا من سعادة هذا الرجل بشعره.
стр. 253
وقوله:
يُفدَّى أتمُ الطير عمداً سلاحَهُ ... نسور الملا أحداثها والقشاعم
وما ضرها خلقٌ مخالبٍ ... وقد خلقت أسيافها والقوائم
قال الشيخ أبو الفتح: إن روايته تفدى بالتاء أثبت لما أراد النسور. وإن كان لفظ (أتم) مذكراً. وليكن كما زعم فإن التاء لا تمتنع. وفي قوله: أتم الطير عمراً تنكيت. وذلك إنه يريد أن سلاحك ليس بمعمر، بل سريع التحطيم والانكسار. كما قال أيضاً:
وإن طال أعمار الرماح بهدنةٍ ... فإن الذي يعمرن عندك عام
وما لا يعمر فلا يجب أن يفديه المعمر. لأنه التفدية تقدم إلى الهلاك قبل المفدى وإنما تفديه هذه النسور طول عمرها، لأنه قد كفاها التعب للأرزاق. وقتلت ما تطعمه. ولا تجشمها مشقة في طلبه. وبكت أيضاً بقوله: أحداثها والقشاعم أي ليس الفاني عمره بأسمح بهذا السلاح بعمره من الحدث منها المنتظر لعمر طويل تتعقب حداثته لانتفاعها به، وتعويلها في الأرزاق عليه. وقوله:
وما ضرها خلق بغير مخالب
стр. 254
مما يسأل عنه. فيقال: كيف ذاك، وهي لا تخلو من المخالب فعن ذاك جوابان.
أحدهما يعني به الفرخ الحدث الذي لا يمكنه الانتفاع بمخالبه لضعفه والمسّن الذي عجز عن طلب القوت. ألا تراهم يقولون في المثل: أبر من النسر. ويفسرون ذلك بأن النسر إذا أسس آوى الوكر وجعل فرخه يزقه كما كان يزقه في حداثته. فهذا جواب يوضحه قوله أحداثها والقشاعم. يريد فرخها الذي ينهض، ومسنها الذي عجز عن النهوض.
وأما الجواب الثاني إنه يريد وما ضرها لو خلقت بغير مخالب. كما تقول: ما ضر النهار ظلمته مع حضورك، وليس النهار مظلماً ولكنك تريد: ما ضر النهار لو خلق مظلماً مع حضورك. فتأمله فهو وجد جيد.
وقوله: والقوائم لا فائدة في ذكرها غير القافية. على إنها لم كانت السيوف لا ينتفع بها إلا بقوائمها أتى بها. وإن قال قائل: يعني قوائم خيله التي سارت إلى الحرب كان وجهاً. على إنه قال: يفدي سلاحه وقوائم خيله ليست من السلاح.
وقوله:
إذا كان ما تنويه فعلاً مضارعاً ... مضى قبل أن تلقى عليه الجوازم
الجوازم كلها للتعويق منها (لم) للنفي، ولا للنهي، ولام الأمر للغائب، ولا للحاضر ففيه معنى تراخي وصول الأمر إليه. وحروف الجزاء شرط، فكلها تعويق يريد أن ما تنويه إذا كان فعلا مستقبلا مضى ووقع قبل ان يعوقه معوق لسعادة جدك، أو لسرعة ما تمضيه. ويجوز
стр. 255
أن يعني (لا) التي هي للنهي وحدها، جمعها لأنه يريد تكرير العذال لها في قولهم: لا تفعل، ولا تصنع، ولا تحارب. فيكون معنى البيت معنى المثل المعروف: سبق السيف العذل، أي انك سباق بما تهم الأعداء. وفيه أيضا معنى ضربهم المثل في السرعة كقول ذي الرمة:
أصاب خصاصة فبدا كليلاً ... كلا وانغلّ سائره انغلالا
يريد ك (لا) في السرعة إذا نطقت بها. وأقام المضارع مقام المستقبل. وقد تكلم أبو الفتح عليه، وأهمل أهم منه. ويجوز أن يعني بالجوارم لام الأمر في قولك ليفعل زيد فجمعها لأنها في أفعال كبيرة. يريد أن يسبق مضاؤها لحوق هذه اللام بها في اللفظ. وذلك من مذهب الغلو والإفراط.
وقوله:
إذا خاف ملكٌ من مَليكِ أجرتهَ ... وسيفك خافوا والجوارَ تسام
ليس الواو في قوله: وسيفك خافوا واو الحال. وإنما هي واو عطف. ومعنى البيت: آجرهم، وأبذل لهم الصلح الذي يطلبونه. لان من عادتك أن تجير كل ملك خاف من ملك. وقد خافوا سيفك فأجرهم منه. ألا تراه يقول قبله:
стр. 256
وإن نفوساً يممتك منيعة ... وإن دماء أملتك حرام
ويقول بعده:
لهم عنك بالبيض الخفاف تفرق ... وحولك بالكتب اللطاف زحام
يقول: عند الحرب ينهزمون عنك، ولا يقاومونك. ثم يجتمعون حولك بالكتب يسألون فيها العفو. وجعلها لطافاً لأنها مكتوبة تبعث على كتمان. لكل كبير، وكل دمستق، وكل بطريق يتقرب إليك على كتمان من صاحبه. ثم تزدحم الرسل بها حولك. لأنهم يجتمعون عندك. وان تكاتموا حين صدروا. ولم يعرض الشيخ أبو الفتح لتفسير هذين البيتين أصلا.
وقوله:
عُقبى اليمينِ على عُقبى الوغى ندمُ ... ماذا يَزيدكَ في إقدامك القسم
قال الشيخ أبو الفتح: إذا حلفت أن تلقى من لست من رجاله فهل يزيد يمينك في شجاعتك. هذا كما قال تفسير المصراع الثاني، فما بال تفسير المصراع الأول. وهو أحوج إلى التفسير. ومعناه عاقبة اليمين على ما يكون من الحرب ندامة. يريد أن من حلف لأظفرن في هذه الحرب كان عاقبة حلفه الندم. لأنه ربما لم يظفر فيندم لم حلفت فحنثت. فقوله (على) متعلقة بقوله (اليمين). كقوله أيضاً:
يميناً لو حلفت وأنت ناءٍ ... على قتلي بها لَضَربتُ عُنقي
стр. 257
إلا أن المعنى وضح هنا بقوله: حلفت. فقد اعتادوا حلفت على كذا ولم يعتادوا يميني على كذا. وعقبى، رفع لأنه مبتدأ. وندم خبر. وقد زاد المصراع الثاني وضوحاً. وأفاد فائدة أخرى بقوله بعده:
وفي اليمين على ما أنت فاعله ... ما دل انك في الميعاد متهم
وهذا من قول القائل:
قليل الألايا حافظ ليمينه ... فإن سبقت منه الإلية برت
فقوله قليل (قليل الألايا) دل على إنه يرى الإكثار منها قادحاً في المروة. ووجه قدحه منها ما ذكر أبو الطيب، وهو إنه دال بيمينه على إنه متهم إذا وعد. فينفي بها التهمة عن ميعاده. ولولا ذلك لوعد ولم يحلف. وهذا البيت لفظ ومعنى من قول الراجز. أنشده ابن الأعرابي في نوادره:
يا أيها المولى على جهد القسم ... بعض التألي لا تسفه أو تلم
وإنما اليمين حنث أو ندم ... وإنما الفجور والتقوى طعم
ويقسم الله لعبد ما قسم
وقوله:
الراجع الخيل مُرمْاةَ مقوَّدةً ... من كل مثلٍ وبار أهلها ارم
محفاة أي أحفاها كثرة السير. فهي تقاد ولا تركب رفقاً بها. ولا تكون محفاة ملقية نعالها الحديد لأنها خيل عراب لا تحتاج إلى النعال. ألا تراه يقول:
стр. 258
وكل جواد تلطم الأرض كفُهُ ... بأغنى عن النعل الحديد من النعلِ
وقوله أيضا:
تماشى بأيدٍ كلما وافت الصفا ... نقشن به صدر البزاة حوافيا
بل أحفاها سلوكها الجبال في طلب الروم. وهب لم تتعود إلا البر. ولو أراد إلقاءها نعالها الحديد لقال له: فهلا أنعلها إذا ألقت النعال، وهو ملك لا تعوزه النعال حيث سار. ويجوز أن تكون من الإحفاء الذي هو التقصي. كالخبر إنه صلى الله عليه أمر بإحفاء الشوارب، وإعفاء اللحى. و (وبار): مدينة خربت. وارم: جيل هلكوا قديماً يقول: تدع الديار خرباً، وأهلها قتلى. وليس يريد أن وبار أهلها ارم في الحقيقة، بل يريد أن الديار كوبار خرابا. وأهلها كارم هلاكا.
وهذا البيت له نظير في هذه القصيدة بعينها وهو قوله:
عبرت تقدمهم فيه وفي بلد ... سكانه رمم مسكونها حمم
أي إنه احرق الديار فهي حمم، وقتل أهلها فهم رمم. والحمم، جمع حمه: وهو كل ما احترق كقول طرفة:
أم رماد دارس حممه
стр. 259
والرمة: العظم البالي. والحمه قد يراد به الموت كالحمام. وليس في هذا المكان.
وقوله:
فلم يَتَمَ سروجٌ فتحَ ناظرها ... إلا وجيشك في جفنيه مزدحم
والنقع يأخذ حراناً وبقعتها ... والشمس تسفر أحياناً وتَلَتَثمِ
(سروج): بلد. والهاء في جفنيه للناظر، ولا لسروج. ألا تراه قال: ناظرها ولم يقل جفنيها.
يقول: لم تصبح إلا وخيلك مزدحمة عليها. فجعل الصباح لها بمنزلة فتح الناظر من النوم. وحران من سروج على بعد. فيقول: وصل الغبار إليها لعظم الحرب. والبقعة بضم الباء وفتحها معروفة. إلا أن الشيخ أبا العلاء منع من ضمها. وقال بقعتها: بفتح الباء. وذكر أن بحران مكاناً كالبطحاء يعرف ببقعة حران. هكذا بفتح الباء فحكيت ما سمعت وآخر بأن الضم لا يجوز، لأنه لولا أن بقعه مكان بها مخصوص لكان ذكره البقعة هاهنا محال لا فائدة فيه. لأن البقع إذا اخذ حران أخذ بقعتها وإن لم يذكرها. بكنه عنى هذا المكان الواسع بها المجاور لها.
стр. 260
وقوله:
جيش كأنك في أرض تطاوله ... فالأرض لا أمم والجيش لا أمم
تطاوله التاء للأرض. وليس للمخاطب. ولو أمكنه الوزن لقال: كأنه في أرض تطاوله أي تنظر أيهما أطول. ثم قال فلا الأرض قريبة. ولا الجيش قريب يعني كلاهما طويل وفسره أيضاً بقوله:
إذا مضى علم منها بدا علم ... وإن مضى علم منه بدا علم
فالعلم الأول: الجبل من قول الشاعر:
كأنه علم في رأسه نار
والعلم الثاني علم الجيش الذي هو المطرد. فما أحسن ما اتفق له تكرير لفظ واحد بمعنيين مختلفين على أن لو قال إذا قطعن علماً بدا علم وهذا علم الجبل وحده ومثل هذا له:
وجيش كلما حاروا بأرض ... وأقبل أقبلت بهم تحار
وقوله:
وأصبحت بقرى هنزيط جائلة
стр. 261
ترعى الطبي وخصيب نبته اللِّمم
البيت ظاهر المعنى. وإنما أتينا به لئلا يظن ظان أن ترعى ضميره للخيل وإنما ترعى فاعله الظبا. وفي البيت من الغلق إنه حذف ما يدل عليه المعنى. فإنه يريد الظُبا في خصيب نبته اللمم فوقها، أو بها، أو ما شاكل ذلك. وقوله: خصيب نبته اللمم. يريد في مكان فيه من الروم ذوات الشعور لما أتى بترعى أتى خصيب. وشبه الشعور بنبات الأرض. وكثرتها بالخصب فيه. ولو كان ضمير ترعى للخيل لكانت ترى بضم التاء. كما قال الشاعر:
رعيتها أكرم رعي عودا ... الصل والصفصل واليعضيدا
لأن الخيل لا ترعى الظبا، وإنما ترعيها اللمم. وسئل بعض الأعراب عن غنم كان يرعاها: لمن هذه الغنم فقال: الله راعيها، وأنا مرعيها.
وقوله:
ترمى على شفرات الباترات بهم ... مكامن الأرض والغيظان والاكم
وجاوزوا أرسناسا معصمين بها ... وكيف يعصمهم ما ليس ينعصم
يعني أن الأرض تلفظ إلى سيوفه كل من هرب منه في مكمن أو غائط أو توارى بأكمة أو صعدها. (وأرسناس): نهر عظيم معروف. يقول: ظنوا انهم جاوزا
(ارسناس) يحول بينك وبينهم. وكيف
стр. 262
يعصمهم منك، لأنك تقطعه وتركبه بخيلك، وبالسفن التي اتخذت له. يقول: لو انعصم نفشه منك لعصمهم. ولكنك قطعته اليهم، وعبرته على سفن اتخذتها، وهي المقربة التي ذكرها حيث يقول:
تلقى بهم زبدَ التَّيارِ مُقرَبةٌ ... على جحافلها من نَضحِه رنم
رثم: بياض في الشَّفة العليا من الدابة. شبه الزبد على مقدمها بالرثم.
دُهُم فوارسُها ركّاب أبطنها ... مكدودة وبقوم لابها الألم
جعلها دهما لأنها مطلية بالقار. وموضع الركاب من السفينة بطنها. وهي مكدورة لأنها يعمل في السير عليها. والألم، يريد به التعب. وذلك لان التعب يلحق بالملاحين لا السفن لحذفهم بالمجاديف. فهم القوم الذين زعم أن الألم ينالهم من كدها ثم قال:
نتاج رأيك في وقتٍ على عجلِ ... كلفظ حرف وعاه سامع فهم
يقول: إنك لما هممت بالعبور اتخذت له السفن على عجلة فكانت المدة في اتخاذها كمدة فهم السامع كلمة نطق بها الناطق. وقوله: حرف يحتمل معنيين.
أحدهما حرف من الحروف الثمانية والعشرين، وليس كلها إذا نطق بها مفردة وعى منها السامع معنى بل بعضها. وهي ق من وقيت، وع من وعيت العلم ود من وديت القتيل. ويكون تخصيصها لأنها أقل الكلم ذوات المعاني. فزمان النطق بها أقل زمان.
стр. 263
والثاني أن يريد بالحرف الكلمة الواحدة. وكتب العلماء مملوءة من ذلك يقولون: ليس في العرب إلا حرف أو حرفان. يريدون (كلمة أو كلمتان). ويقولون في القراءات: هذه من حروف أبي عمرو أي كلماته التي قرأ بها. فهو يريد لفظ كلمة وعاها سامع فهم.
وقوله:
والأعوجية ملء الطرقِ خلفُهمُ ... والمشرقيةُ ملء اليوم فوقهم
لما كانت الخيل مما تنبسط في الأرض جعل الطرق منها ممتلئة. ولما كانت السيوف مما تعلوا في الجو وتهبط عند الضرب جعلها ملء النهار، لأن النهار ما بين الأرض والسماء. إذ كان نوره من الشمس. والشمس تطلع من مشرقها ثم تعلو في الجو.
وهذا نظير ما مضى في هذا الكتاب من معنى قوله:
كأن نجومه حليٌ عليه ... وقد حذيت قوائمه الجبوبا
يصف ليلا جعله من السماء إلى الأرض. فهو كالفرس الأدهم. نجومه حليه، والأرض نعله.
وقوله:
واسلم ابنُ شمشقيق إليَّته ... إلا انثنى فهو ينأى وهي تبتسم
стр. 264
قوله: إلا انثنى متصل بقوله: إليته. وكان الدمستق حلف برأس ملك الروم إنه يثبت في لقاء سيف الدولة. فلما انهزم جعله كأنه أسلم (إليته) وتركها سدى لا يرعى عليها. فهو يمضي في هزيمته، (والإلية) تبسم أي تضحك من هربه ثم قال:
لا يأملُ النفسَ الأقصى لمهجته ... فيسرق النَّفسَ الأدنى ويغتنم
يريد إنه يغتنم الأنفاس، لأنه موقن بالقتل فيرى أنفاسه كلها قبل القتل غنيمة وكأن يواعد نفسه أن يكون القتل وقت كذا فأقصى أنفاسه النفس الذي يرتد إليه وقت خروج روحه. فهو لشدة فزعه، وانقطاع أمله لا يرجو ذلك النفس في ذلك الوقت لاستبعاده أن يبقى إلى حين ذلك فهو يغتنم ما طف من الأنفاس. وهذا المعنى لا حقيقة له. ولكنه على مذهبهم في التعبيد. وزعم الشيخ أبو الفتح إنه يقول: إنه من وهله وخوفه لا يستتم نفسه. وأنت تشهد أن البيت لا يدل على إنه يستتم أو يحزم
قبل التمام. بل جعل له نفسين دانيا وقاصياً.
وقوله:
كفّي أراني ويكٍ لومك ألومك ... هم أقام على فؤاد أنجما
قال الشيخ أبو الفتح يقول: أراني هنا الهم لومك إياي أحق بأن يلام مني. وهذا أيدك الله من باب اللغة والتصريف، وما نروم فيهما شأوه رحمه. على أني غير واثق بان تقول: فلان ألوم من فلان. يعني هو أحق بأن يلام. لأن أفعل يبني من فعل الفاعل. فتقول:
стр. 265
زيد أضرب من عمرو. والسيف أقتل من الرمح. ولا يبنى من فعل المفعول به ألا ترى أنك لا تقول: زيد أضرب من عمرو وتريد أن الضرب أوقع به من عمرو. وهذا ما لا خلاف فيه بين أهل العربية، وإلا في الشاذ الذي لا يقاس عليه.
والمعنى إنه يقول لعاذلته: كفى لومك، أراني ألوم منك. أي أرى نفسي أقدر على اللوم منك. فلومك نصب بوقوع كفى عليه. ثم تم الكلام فابتدأ يشكو حاله يقول: حالي هم أقام على فؤاد أنجم. فهو رفع لأنه خبر مبتدأ محذوف أو رفع بالابتداء وخبره محذوف. كأنه يريد: هم أقام على فؤاد أنجم شكواي. ومثله في القصيدة:
غصنٌ على نَقَويْ فلاة نابتٌ ... شمسُ النهار تُقلِ ليلاً مظلما
يريد غصن هذه حاله. حبيبي أو حبيبتي غصن هذه حاله. وكذلك ارتفاع شمس على هذين التأويلين. فأما قوله: أراني فليس من الرؤية بالعين، وإنما هو من باب العلم. وإن كان قوله إذا كنت في هبوة لا أراني ممتنعاً. لأن العرب لا تقول في الأفعال المؤثرة: ضربتني وأكرمتني. واكتفت بضربت نفسي، وأكرمت نفسي. ووجب أن يقول أرى نفسي لأنه من الرؤية بالعين. فهذا البيت غير ممتنع لأنه من رؤية العلم. وهم يقولون في أفعال الشك واليقين نحو: ظننتني، وخلتني. وقد (يقرأ) قول المجنون:
ندمتُ على ما كان مني فعدتني ... كما فعل المغبون حين يبيع
стр. 266
وقول جران العود:
وقوله بعد هذا البيت:
لم تجمع الأضداد في متشابه ... إلا لتجعلني لغرمي مغنما
كصفات أوحدنا أبي الفضل التي ... بهرت فأنطق واصفيه وأفحما
الأضداد: هي الليل والشمس في قوله:
شمس النهار تقل ليلاً مظبما
وقضافة الغصن. وكثافة النقا في قوله:
غصنٌ على نقوى فلاة نابت
والمشابه يريد تشابه حسنها وتماثلها. وهذا كقول الأول:
أني غرضت إلى تناصف وجهها ... غرض المحب إلى المحب الغائب
فتناصف وجهها كونه غير متنافر الحسن، ليس فيه المتناهي والدرن. بل بعضه ملائم للبعض. ثم شبه اجتماع تلك الأضداد في الحسن المتشابه بصفات هذا الممدوح. إذ أنطقت الواصفين بحسنها وبهائها. ثم أفحمهم بعجزهم عن إدراك كنهها. فهذان أيضاً ضدان قد اجتمعا في صفاته المتشابهة. فهذا تخلص من التشبيب إلى المدح بارع. فجعل الفعل في أنطق وأفحم للممدوح لا للصفات.
стр. 267
وقوله:
نور تظاهر فيك لاهوتيةً ... فتكاد تعلم علم ما لن يعلما
ويهم فيك إذا نطقت فصاحةً ... من كل عضو منك أن يتكلما
اللاهوت والناسوت لفظتان مولدتان. يتكلم بها الفلاسفة، والمتكلمون يريدون الإلهي والإنساني من العلوم وغيرها. قال أبو الفتح: نصب لاهوتية على المصد، ويجون أن تكون حالا من الضمير في تظاهر. وقد كثر استماعي لهذه اللفظة بالهاء. وكلتا
الروايتين جيدة. ويهم ضميره للنور. أي يهم النور فيك أن يتكلم من كل عضو. وهذا التفسير الذي لامحيص عنه.
وله عندي وجه آخر، وهو أن تكون من مقحمة. ويكون فاعل يهم كل عضو. وهذا كقولك: ويهم من كل رجل أن يخاصمني. يريد ويهم كل رجل أن يخاصمني. ويكون ضمير أن يتكما للعضو. وعلى التأويل الأول للنور.
وقوله:
بحب قاتلتي والشيب تغذيتي ... هواي طفلا وشيبي بالغ الحلم
تغذيتي مصدر أضيف إلى المفعول. كما تقول: أعجبني شرب الماء ودق الثوب. يريد أني غذيت بحب قاتلتي وبالشيب. ثم فسر هذه
стр. 268
الجملة فقال: غذيت بهواي طفلا، وبالشيب عند بلوغ الحلم. يريد أني أحببت وأنا طفل. وشبت وأنا حالم لمقاساتي الشدائد. وهذا من قوله تعالى: (يوماً يجعل الولدان شيبا) وقوله طفلا، وبالغ الحلم نصبا على الحال من المفعول. قال الشيخ أبو الفتح: هذا كقولك: أكلت التفاحة نضيجة، أي في هذه الحال، وشربت السويق ملنوتاً. وقد جود في شرح هذا البيت وذكر إعرابه.
وقوله:
إذا بيت الأعداء كان استماعهم ... صريرَ العوالي قبلَ قعقعة اللجم
قال أبو الفتح: أي يبادر إلى اخذ الرمح فان لحق اسرج فرسه. فذاك وإلا ركب عريا. وهذا كقوله أيضاً:
حذاراً لمعروف الجياد فجاءة ... إلى الطعن قبلا ما لهن لجام
وأنت - أيدك الله - تعلم أن الحالة التي وصفها حالة المرهوق المستعجل. فأما التي يبيت العدو فهو على تمكن من الاستعداد. وإنما يعني صرير العوالي كما جرت العادة به في ذكرت صوت مقارع السلاح. وضرب بعضه بعضاً كقول
القائل:
أشارت إلى الحرب العوان فجاءها ... يقعقع في الأقراب أول من أتى
стр. 269
فلما قال: الصرير عُلم إنه يريد صوتها إذا أصابت العظام. يعني أن العدو مفاجئ بالطعن، فهو يسمع صرير الرمح في عظامه قبل قعقعة اللجام من الفارس الحامل عليه. وأيضاً فلو أراد إنه يركب إلى العدو فرسه عريا لما قال: قعقعة اللجم فليس ثمة لجام. وقوله: حذارا لمعروف الجياد فجاءة ليس فيه ذكر التبييت، إنما يعني إنه يفاجئ العدو. وليس يلزم الشاعر أن يلزم في المدح، ولا في الهجاء ولا غيرهما طريقة واحدة. بل يتصرف في كل مذهب. فيجعل الممدوح طوراً مفاجئ بالحرب، وتارة مبيتاً لها. وهذا متعارف كثير. ولم نسمع أحداً من الشعراء جعل صوت تقارع الرماح صريراً فليفدنا الشيخ أبو الفتح.
وقوله:
له رحمةٌ تُحيي العظامُ وغضبةٌ ... بها فضله للجرم عن صاحب الجرم
قال الشيخ أبو الفتح: يقول: إذا أغضبه مجرم لأجل جرم جناه تجاوزت غضبته قدر المجرم فكانت أعظم منه. فأما احتقره فلم يجازه. وأما جازاه فتجاوز عن قدر جرمه فأهلكه. وهذا تفسير جيد، إلا إنه كان يجب أن يذكر ما الفائدة من قوله: فضلة للجرم. ألم يود المعنى الذي قصده قوله بها فقتله للجرم على صاحب الجرم حتى قال مجرم. وأنا قائل في ذلك ما عندي: وهو إنه يريد وغضبة للجرم بها فضلة عن صاحب
стр. 270
الجرم فقدم الكلام وأخر. وإذا لم يتأول هذا التأويل كان قوله للجرم حشوا لا يحتاج إليه. أتى به لإقامة الوزن فقط.
وقوله:
أحقُ عافٍ بدمعك الهُمم ... أحدثُ شيء عهدا به القِدم
يقال: عفت الديار، وعفتها الريح. قال عنترة:
عفت الديار ومعلم الأطلال ... ريح الصبا وتجرم الأحوال
والعافي هنا: الدارس يقول: إن كنت تبكي الديار العافية فأحق منها بدمعك الهمم فقد عفت ودرست. ولم تبق همة إلا وقد درست. وقوله:
أحدث شيء به القدم
كلام أخرجه مخرج اللغز. يقول: القدم حديث العهد بها يريد الهمم. أي قد تقادمت وتنوسي عهدها فأحدث الأشياء بها عهداً هو القدم. ولو قال: قد تقادم عهدها لما كان في اللفظ من الحلاوة. ما في قوله: أحدث شيء عهدا بها القدم لما ترى من الصنعة وجعل حدائة عهد القدم بها قدماً لها.
стр. 271
وقوله:
أرانب غير انهم ملوك ... مفتحة عيونهم نيام
قال الشيخ أبو الفتح: المعهود في مثل هذا أن يقال: هم ملوك إلا أنهم في صور الأرانب. فتزايد وعكس الكلام مبالغة فقال: أرانب غير انهم ملوك. فجعل الأرانب حقيقة لهم والملوك مستعاراً منهم. وهذه عادة منه يفارق بها أكثر الشعراء. وهذا على ما قله غير أن الذي أتى به أبو الطيب أحسن في مذهب الشعراء وبقي من الشعر ما يستغنى عنه، وهي أرانب. وقد جرت العادة بأن تشبه في الذلة والخسة بالكلاب، وفي الروغان والجبن بالثعالب. ولم نسمع أحدا قال عند السب والذم هو أرنب. وقد سألت عن ذلك بعض من حضر من أهل الأدب فقال: أراه قال ذلك لأن الأرانب تحيض. فهو يدعي أنهم كالنساء اللواتي يحضن. ولو كان كما زعم لكان الأولى أن يقول: نساء. ليجمع الضعف والذلة إلى الحيض. والقول فيه ما أقول:
وذلك أن الأرنب لا يطبق جفنه يقضان ولا نائما، ولا حيا ولا ميتاً. فهو يقول: عيونهم مفتحة كالأيقاظ، وهم في الحقيقة نيام، فهم في ذلك أشباه الأرانب مع ذلتها
ودناءة قدرها. وإذا كان ذلك موجوداً في الأرانب فالذي يحكى أن الذئب ينام بإحدى مقلتيه ويحترس بالأخرى (غير ممتنع ولعله مما يطبق جفنا واحدا فظن الشاعر إنه يحترس بالأخرى) فقال:
стр. 272
ينام بإحدى مقلتيه ويتقي ... بأخرى الأعادي فهو يقظان هاجع
وقوله: مفتحة عيونهم بازاء قوله: أرانب مقدماً. وقوله: نيام بازاء قوله: ملوك مؤخراً. ولو قال: ملوك غير أنهم أرانب - على ما اقترح أبو الفتح - لقال نيام غير انهم مفتحة عيونهم. فان قال قائل فالعرب قد تذم فتشبه بالأرانب. ألا ترى إلى قول القائل:
ألا منح الإله طليق سلمى ... فصاحبه محشية الكلاب
قالوا في محشية الكلاب: إنها الأرانب، لأنها تحشو الكلب ربواً. من قولهم: حشى يحشى حشاً إذا أخذه الربو. فإن كان إنما ذم بذلك لأنه يريد سرعتهم في الفرار والهرب لا غيرها من المذام التي تصلح لمن يذم بها على الإطلاق فوجه جيد. غير انهم يضربون المثل في الذلة بالأرانب. ويقولن: إن العصفور ليطمع فيه فيقع على رأسه فينقره وقال عارف الطائي:
стр. 273
ولو نيل في عهد لنا لحم أرنب ... وفينا هذا العهد أنت معالقه
قلنا فقد جمعت الأرانب أوصاف المذام كلها من هرب وسرعة فرار، وحيض كحيض النساء وفتح العين مع النوم فجاد تشبيهه من كل الوجوه. وسمعت قوما من الصيادين يذكرون أن السنانير تكمن لها فتصطادها.
وقوله:
ولو لم يرع إلا مستحق ... لرتبته أسامهم المسام
стр. 274
قد خلط ابن جني في شرح هذا البيت. واتى بمحال. وأنا أورد ما قاله، وبطلانه. ثم أفسره. قال: فالذي يدبر أمور الناس يحتاج إلى من يدبره، وهو مخلى بلا ناظر
في أمره. فلو لم ينل الأمور إلا من يستحقه لخلا الناس من خلى وإياهم لأنه لا يستحق أن يلي عليهم أمورهم. وكيف يخلي من خلي وإياهم، وهو أميرهم، ومالك رقابهم. مرتبة أعلى منها يطلب، أم تخيلهم محرجا وتأتما.
وليس في البيت ما يدل على تأثمه. وإنما يريد بالمسام المال أفمرتبة أعلى منها يطلب، أم تخيلهم محرجا وتأتما.
وقوله:
وتملكه المسائل في نداه ... وأما في الجدال فلا يرام
قال الشيخ أبو الفتح: يقول: هو نظار خصيم ثبت في الجدل هو لعمري كما قال. إلا أن في البيت نكتة لم ينبه عليها. وتلك المسألة تستعمل في مكانين: أحدهما مصدر سألت زيداً مالاً إذا استعطيته إياها مسألة. كقول الراجز:
وافعل العارف قبل المسألة
والآخر سألت زيد عن خبرٍ، أو علم مسألة. وهذه مسائل الفقه، ومسائل من النحو وغيرهما. فلما كانت المسائل مشتركة بين العلم والعطاء فرق ولو لم يفرق لكان تفريطاً. وكان المخاطب ربما ظن إنه تملكه المسائل مسائل العلم فيعيا بها فاتبعه ما ينفى عنه العي والعجز في الجدل. ولا هذه الشركة في اللفظة بين المعنيين لما قال ذاك. ولمدحه بما
стр. 275
جرت العادة به من سائر الاماديح من غير باب العلم وثباته عند الجدال، ولدده عند الخصام.
وقوله:
إذا عُدَّ الكرامُ فتلك عجلٌ ... كما الأنواءُ حين تُعد عامُ
أفنى الشيخ أبو الفتح اسطراً من كتابه في غريب هذا البيت. وذكر النوء وتفسيره والاستشهاد عليه. ولم يتعرض للمعنى، وهو من دقيق المعاني هذه القصيدة وإفرادها والأنواء يعني بها طلوع منازل القمر وفيها خلاف. فمن العرب من
يجعل لكل كوكب من الثمانية والعشرين أعني منازل القمر نؤا مخالفا لنوء صاحبه في العدة. فجعل نوء الكوكب ثلاثة أيام ونوءاً آخر خمسة أيام. وآخر سبعة على قدر تجاربهم وإتيان سقوطه وطلوع رقيبه بحر أو برد أو مطر أو ريح. أو غير ذلك. ومنهم من يجعل لكل كوكب منها ثلاثة عشر يوماً بعد طلوعه معدودة في نوء. فكلما حدث من الغير الذي ذكرناها عده من أحداثه وثلاثة عشر يوماً في ثمانية وعشرين منزلة ثلاثمائة وأربعة وستون يوماً. وهي أيام السنة تنقص يوما شذ عن قسمتهم.
فأي المذهبين سلك أبو الطيب. فالمعنى الذي أراده حاصل. يقول: هذه الأنواء الثمانية والعشرون إذا حصلت كلها كانت عاما. وفي عام تستكمل. فكذلك الكرام إذا عدوا كانوا عجلا. أي كانوا هذه القبيلة، أي كلهم كرام، وليس كريم إلا عجليا كأنواء منازل القمر إذا حصلت كلها كانت عاما، والكرام إذا حصلوا كانوا عجلا. فهذا من احسن معاني شعره.
стр. 276
وقوله:
لمن مالٌ تَفَرقُهُ العطايا ... وتشرك في رغائبهِ الأنام
ولا ندعوك صاحبه فترضى ... لأن بصحبةٍ يجب الذمامُ
قال الشيخ أبو الفتح يقول فإذا كنت لا ترضى بان ينسب هذا المال إليك وعطاياك تفرقه وتمزقه فلمن هذا المال. هذا تفسير جيد. وقد سمعت من يفسر هذين البيتين تفسيرا ينقطع فيه أحد البيتين عن الآخر، وليس بممتنع. والذي أتى به الشيخ أجود وأولى. ونجن نأتي بذلك التفسير، ونبين فضل ما أتى به على المعنى الذي ذكرناه عن بعضهم قالوا: يريد لمن ما له هذه حاله، أي لا مال تمزقه العطايا غير مالك. فترك قوله: غير مالك لدلالة المعنى عليه. وهذا كقولك: لمن ثوب مثل ثوبي. يريد إلا لي. وهذا مفهوم. ثم أتى بمعنى آخر. فقال وأنت لا ترضى بان تدعى
صاحبه، لأن الصحبة مما يوجب الذمام. لولا وجب ذمام المال عليك لما فرقته. وهذا معنى حسن، والذي أتى به الشيخ أبو الفتح معنى جيد، وهو أولى بهما ليكونا متصلين. ولنكتة أخرى وهي إنه جعل لا يرضى بأن يدعى صاحبه فيحسن أن يقول: لمن هذا المال إذا لم يكن لك وقد تقدمه هذا القول فلئن تجعله متصلا به أولى من أن يكون معنى منفردا. وقد نبه بقوله: ندعوك، على هذه النكتة.
стр. 277
ولولا هذا الفرض لقال: ولا يصاحبك فترضى. فتأمل ما ذكرت فهو دقيق بوضحه الغوص والفكر.
وقوله:
ظلوم كمتنها لصب كخصرها ... ضعيف القوى من فعلها يتظلم
يعني أن متنها قوي ممتلئ، وخصرها نحيف دقيق. فهي تظلم العشاق، كما يظلم متناها خصرها. وظلمهما له انهما تكلفان خصرها الدقيق حملها وهما قويان وذاك ضعيف كخصرها. قوله: من فعلها يتظلم زيادة في البيت ليست بتلك الجيدة وإنما توصل بها إلى القافية. ولو استغنى عنها لكان أوفق للبيت. وفيه أيضاً نظر آخر. وذلك أن العادة جرت بأن يوصف العجز بالكبر. والخصر بالضعف والتطبيق بينهما في الشعر. ولو قال: ظلوم كردفها لكان أولى. ولكنه لم يستقم له الوزن. وقلما سمع الشعراء يذكرون في الشعر قوة متن المحبوب، بل يذكرونه بالهيف، ورشاقة الأعلى، مع وثارة الكفل. فيقولون: غصن على نقاء وما أشبهه. فتأمل فهو من ضعيف شعره. وأخذه من قول خالد الكاتب:
صباً كئيباً يتشكى الهوى ... كما اشتكى نصفك من نصفكا
стр. 278
وقوله:
ما نقلت من مشيئة قدماً ... ولا اشتكيت من دوارها ألما
قوله: في مشيئة تشبه كتابتها مشية. ومن سمع: نقلت قدماً توهم إنها مشية فعله
من المشي وظن البيت من رابع السريع وهو:
النشر مسك والوجوه واطرف الأكف غنم
وينشد: ولا اشتكت من دورها ألما.
ليكون أيضاً مستعلن. وإنما قال الرجل: في ممشيئة مفعلة. من شاء يشاء أي هي لعبة، وليست تمشي بمشيتها وأرادتها. ولقد أتعبني بعض مسجلي الأدب يوما بكلام إطالة، وزعم أن التكلف يحمل على مد هذه الياء وروايتها مشيئة وليس المفهوم إلا المشية حتى قلت له قطع البيت فإنه من المنسرح فأذعن بعد ما لم يكد.
وقوله:
إنما مُرَّةُ عوف بن سعدٍ ... جمرات لا تشتهيها النعام
قال السيخ أبو الفتح: أي هم أحر من الجمر على أعدائهم. قلنا: جمرات العرب قبائل معروفة. منها هذه القبيلة. وليس هنا حر ولا برد. فإن قال: إنما لقبوا جمرات لحرها على أعدائها فله ذاك إلا أن ذلك شيء قصد عند التقليب وفي البدء.
стр. 279
يقول أبو الطيب: هؤلاء جمرات، إلا أنهم ليسوا كالجمر التي تشتهيه النعام. وزعموا أن النعام يحمى له الحديد حتى يصير جمراً ثم يلقى إليه فتلتهمه وهي مشتهيه له غير مكرهة عليه فما أحسن ما فضل هذه القبيلة الملقبة بالجمرة بأن جعلها لا تشتهيها النعام، لأنها قبيلة ذات بأس وشدة لا ذات حمى في الحقيقة.
وقوله:
ألا لا أدري الأحداث حمداً ولا ذماً ... فما بطشها ولا كفها
قد سمعت قوماً ينشدون: لا أرى الاحداث، ويلحنون في ذلك ويحسبونه معنى قول القائل:
وإن أمير المؤمنين وفعله ... لكالدهر لا عار بما فعل الدهر
ولو عنى ذلك لسكت على قوله: لا أرها حمدا ولا ذما. ولو قال: أسمعها لكان أولى. والوزن ألجأه إلى لفظه أورى. ولو تأتي له لقال: ألا لا
стр. 280
أحمد الأحداث ولا أذمها. يقول: إذا لم يكن بطشها لجهل، ولا كفها لحلم فحمدها وذمها محال.
وقوله:
منافعها ما ضرَّ في نفع غيرها ... تغذى وتروى أن تجوع وأن تظما
هذا أحد الأبيات التي زل بها الشيخ أبو الفتح أقبح الزلل. وقد مضى ذكر في كتاب (التجني). ولابد من إيراد ما ذكر، وإيراد الصحيح من معناه ليكمل الكتاب. قال الشيخ أبو الفتح: أي منافع الأحداث أن تجوع وأن تظمأ. وهذا ضار لغيرها ومعنى جوعها وظمئها أن يهلك الناس فتخلو منهم الدنيا. وهذا كقوله:
стр. 281
كالموت ليس له ري ولا شبع
فرحم الله أبا الفتح قد قال في نفع غيرها. فأي نفع للناس في أن يهلكوا. وأي حجة له في غفلته عن هذا. أترى لشيء من سائر خلق الله نفع في أن يهلك فضلا عن الحيوان. وإنما الهاء في منافعها راجعة إلى الجدة المرثية. يريد أن منافع هذه لصلاحها وإيثارها على نفسها، وكثرة صيانها وعبادتها ما جرت العادة به أن تضر. وذاك أنها تؤثر الجوع والظمأ، في الري والشبع. فإذا جاعت وظمئت كانت كأنها تغذت ورويت. وإيثار الجوع والظمأ من فعل العباد. وقوله: في نفع غيرها موضعه الرفع لأنه خبر ثان لمنافعها. والخبر الأول ما ضرَّ. كأنه يقول: منافعها في نفع غيرها. ووجه آخر وهو أن تكون (في) بمعنى (مع). يريد ما ضرها مع نفع غيرها. كما تقول: أردت شتمك في إكرام زيد. أي مع إكرام زيد. فأي معنى أظهر من هذا، فيتكلف الشيخ أبو الفتح ما يزري به عفى الله عنه. وبعد فالمعنى من قول القائل:
أقسم جسمي في حسوم كثيرة ... وأحسوا قراح الماء والماء بارد
وقوله:
ديار اللواتي دارهن عزيزة ... بطول القنا يحفظن لا بالتمائم
هذا البيت ظاهر المعنى واللفظ. وإنما أتيت به لنكتة. قرأته على الشيخ أبي العلاء فقلت له: أنشد: بطول القنا. أم بطولاها. أعني
стр. 282
هل هو فعل مصدر طال يطول طولا أن فعلاها، كما تقول: كبراها وصغراها. فقال: ما رويت إلا بكسر اللام. فقلت: التمائم في آخر البيت جمع وطول واحد فالا أنشد بطولي، يراد به طوال القنا ليكون جمعا مع جمع هذا في صنعة الشعر. فقال: ما احترت إلا مختارا غير أن الرواية ما ذكرت.
وقوله:
راعتك راعية المشيب بعارضي ... ولو إنها الأولى لراع الأسحم
أطال الشيخ أبو الفتح في غريب هذا البيت ولم يعرض لشرح معناه. وهو من دقيق معانيه ومعقدها. وأرى كثيرا من مسجلي الأدب يتخطون تفسيره. والهاء في قوله (لوانها) عائدة إلى الراعية. يقول: لو كان الأول من الشعر أبيض، والأسود طارئ لراع السواد. يريد: إنما راعك علة سيئ لا البياض. كأنه لو أراد إشباع اللفظ لقال: ولو إنها الأولى. والأسحم طار عليها لراعك الأسحم. وكان قوله أيضا:
مُنى كن لي أن البياضَ خضابُ ... فَيَخفى بِتبَييضِ القرُوُن شباب
стр. 283
من هذا المعنى مشتق. وإن كان من غير قبيله فتأمله. وقد أوضح هذا المعنى بقوله بعده:
ولقد رأيت الحادثات فلا أرى ... يققاً يميت ولا سوداً بعصم
وأعرف تباين هذا البيت من بيت أبي تمام:
طال إنكاري البياض ولو عمرت ... شيئاً أنكرت لون السواد
فإنه ينكر لون السواد لشيخوخته واستيلاء البياض عليه. وهذه يردعها الأسحم لأنه دليل الشيخوخة. ويحب البياض لأنه اللون الأول لون الشباب.
وقوله:
عيون رواحلي إن حرت عيني ... وكل بغام رازحة بغامي
قال أبو الفتح: سألته عن معنى هذا البيت فقال: معناه إن حارت عيني فعيون رواحلي عيني، وبلغمهن بغامي. أي إن حرت فأنا بهيمة مثلهن. كما تقول: إن فعلت كذا وكذا فإنك حمار، وأنت بلا حاسة. هذا ما ذكره. ولكن يزيده وضوحاً إن قال قائل فما يضر أن تحير رجل ركب المفازة فتاة. وليس الجهل بالدلالة في المفازة مما يذم به. فالجواب أن يريد إنه بدوي ومع ذلك فأني عارف بدلالات النجوم بالليل، والعلم بها من علم الأنواء وأبواب الأدب فلذلك أفتخر به، وبذلك على ذلك قوله: وكل بغام رازحة بغامي يريد بذلك أني فصيح شاعر عارف بالمنطق. وهكذا يقول الفصيح إذا اقسم يقول: أنا أعجمي إن لم أغلبك
стр. 284
بالحجة وأنا أخرس إن لم أخصمك بالجدل. فيقول أبو الطيب: إن تحيرت في المفازة فعيني البصيرة الحالمة عين راحلتي، ومنطقي الفصيح البليغ بغامها.
وقوله:
وقد أراد المياه بغير هادٍ ... سوى عدّي لها برق الغمام
قال الشيخ أبو الفتح: قال يعقوب: العرب إذا عدت للسحاب منه برقة لم أشك في أنها ناطرة قد سقيت، فنتبعها على الثقة. هكذا قال.
والذي قال ابن قتيبة في كتابه (الأنواء). انهم يعدون سبعين برقة. وقد قال ذلك بن نويره:
وهم ينزلون الغيث والغيث عازب ... إذا ماؤهم عدوا عليه البوارقا
стр. 285
ولقائل أن يقول: فدلائل المطر في السحاب، والبرق أكثر من أن تحصى. ألا
تراهم يقولون: أرينها نمره اركها مطره. وإلى قول معقر بن حماد البارقي لابنته - وهي تقوده وقد كف بصره، وسمع صوت رعد -: ما ترين، فقالت: (أرى سحماء غفاقه، كأنها حولاء باقة لها هيدب دان، وسير وان. فقال. ألمي بي إلى معلة فإنها لا تنبت إلا بمسجاة من السيل).
ألا ترى كيف وثق بالغيث فأمرها بالهرب إلى المنجاة. فلم خص أبو الطيب عدد البرق وليس ذلك في شهرة غيره من الدلائل. فالجواب إنه لم يرد الاستدلال على المطر فقط. وإنما أراد إنه يتبع البرق حتى يجد الماء، وذلك من فعل العارفين بمواقع الماء ومحاله. وقد تقدمه دعواه إنه خريت فلاة، لأنه إذا خالت السحابة عرف مخيلتها فأقام حتى يأتيه المطر. فتأمل موضع افتخاره.
وقوله:
لا شيَء أقبحُ من فحل له ذكرٌ ... تقوده أمةٌ ليست لها رَحمُ
هذا أيضاً تعريض بكافور لابن طغج وتغريب بينهما كقوله:
следующие страницы →