Полный текст (314 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وقوله:
سريت إلى جيحان من أرض آمد ... ثلاثاً لقد أدناك يسرٌ وأبعدا
ولم يفسر هذا البيت الشيخ أبو الفتح تفسيراً شافياً. وهذا كلامه قال جيحان نهر أي أدناك سيرك من النهر، وأبعدك من آمد. وهذا - أيدك الله - كلام غير مفيد. إذ كل من سار من موضع إلى آخر فقد أدناه ركضه من مقصده وأبعده من حيث
انفصل عنه. فلو سار غلوة أو فرسخاً فما وجه المدح في هذا إذا تأولناه على ما تأوله أبو الفتح وما فائدة البيت.
ووجه تأويله عندي ما أقول. وذلك أن جيحان من أرض آمد على مسافة بعيدة قد علم ذلك وقوله: سريت إلى جيحان من أرض آمد، وهذه مسافة بعيدة لا يصل فيها أحد بمستوى ثلاث ولو أن قائلا قال: سريت إلى الكوفة من بغداد لفهم عنه إنه قد وصل إلى الكوفة. إذ سرى إليها من بغداد. ويجوز أن يفهم عنه إنه سرى إلى الكوفة ولم يصل إليها ولكن الكلام بعضه يدل على بعض لاسيما من عادة العرب الاختصار والاقتصار، فنحن نفهم من قول أبي الطيب:
سريت إلى جيحن من أرض آمد
أنك وصلت إلى هذا النهر من آمد في ثلاث ليال ليصح معنى تعجبه بقوله: (لقد أدناك ركض وأبعدا) ولولا ذلك لما كان لتعجبه وجه.
стр. 72
وقوله ثلاثاً يريد في ثلاث. فلما حذف حرف الجر نصب وأعمل فيه (سريت).
وقوله:
هنيئاً لك العيد الذي أنت عيده ... وعيد لمن سمى وضحى وعيد
تكلم الشيخ أبو الفتح على العيد بكلام من باب التصريف، وأعرض عن معنى البيت. وقوله: أنت عيده يريد تحل له أنت محل العيد في القلوب. إذ كان العيد مما يفرح الناس له. فكذلك هذا العيد يفرح بوصوله إليك. كما قال في مكان آخر:
جاء نيروزنا وأنت مرادهُ ... وورت بالذي أراد زِنادهُ
وقوله: ذكر اسم الله على أضحيته، كقوله تعالى: وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها. وقوله تعالى: واذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها. فذكر اسم الله عليها واجب على المسلمين. فيريد أنت عيد كل مسلم.
وقوله:
يدقُ على الأفكار ما أنت فاعلٌ ... فيتركُ ما يخفى ويأخذ ما بدا
стр. 73
قال الشيخ أبو الفتح هذا البيت مثل قول عمار الكلبي:
ما كل قولي مشروحاً لكم فخذوا ... ما تعرفون وما لم تعرفوا فدعوا
وختم كلامه، وهذا البيت لعمري من البيت الذي ذكره. ولقائل أن يقول منه أخذه. لولا أن عمار الكلبي محدث قد أدرك زماننا. وهو رجل بدوي أمي كأنه قد أنشدت له قصيدة على فصاحتها ملحونة أولها:
تسد ما بين حاديها بذي خُصَلِ ... كالبرد نصفان هداب ومنسوج
إلا أنا نعرف معنى البيت ثم نتكلف في كيفية أخذه. فإن كان قد سمعه المتنبي فإنه لم يأخذ معناه ولكن نقله إلى معنى آخر. فأما أن يقال هذا مثل هذا ويختتم الكلام فتقصير بين.
ومعنى هذا البيت: إن ما تبتدعه من المكارم يخفى على أفكار الشعراء. فيذكرون في أشعارهم ما يظهر منها، ويتركون ما يخفى على أفكارهم. وليس يريد أن المقتدين بك في المكارم يأخذون ما ظهر منك ويتركون ما خفي لأنه لو أراد ذلك لما أتى بالأفكار. ولقال يدق على الكرام. لو أراد ذلك لما قال: (يترك ما يخفي ويأخذ ما بدا) وكان الأبلغ في المدح أن يقول: إذا فعلت فعلا لم يهتد إلى فعل مثله أحد فلم يأت له. كما قال في مكان آخر:
تبكوا وراءك يا بن أحمد قُرّحٌ ... ليست قوائمهن من آلاتها
وأما قول عمار فيعني أن قولي أدق من أن يفهموا جميعه، فخذوا
стр. 74
ما عرفتم، ودعوا ما لم تعرفوا، فنقله إلى المدح أبو الطيب، وأقام دقة صنعه في اقتناء المكارم دقة معنى الشاعر. وأول الأبيات:
ماذا لقيتُ من المستعمرين ومن ... قياس نحوِهُمُ هذا الذي ابتدعوا
أن قلتُ بكراً يكونُ لها ... معنى خلاف الذي قاسوا وما ذرعوا
قالوا لحنتِ وهذا الحرف منخفضٌ ... وذاك نصب، وهذا ليس يرتفع
وضّربوا بين عبد الله واجتهدوا ... وبين زيد فطال الضرب والوجعُ
فقلت واحدةٌ فيها جوابهُم ... وأفضل والقول بالإيجاز ينفع
حتى يصير إلى القوم الذين غذُوا ... بما غذيت به والوقل يستمع
فتعرفوا مِنهُ معنى ما أفوه به ... حتى كأني وهم في لفظه شَرعَ
كم بين قَوم قد احتالوا لمنطقهم ... وبين قومٍ على إعرابه طُبعوا
وبين قوم رأوا شيئاً معانيه ... وبين قوم حكوا بعض الذي سمعوا
وقوله:
فارقتكم فإذا ما كان عندُكمُ ... قبل الفِراقِ أذى بعد الفراقِ
أي كانت منكم أحوال أكرهها فكانت قبل الفراق عندي أذى فقد صارت بعد الفراق يداً لأني أتسلى إذا ذكرتها عنكم وتزهدني فيكم، فهي
стр. 75
على الحقيقة يد إذ كانت سبباً للسلو عنكم. وفسر ذلك قول بعده:
إذا تذكرت ما بيني وبينكم ... أعان قلبي على الوجد الذي أجد
يريد أني أجد عليكم وجداً ينال مني، فإذا تذكرت ما صنعتم من قبح الصنيع أعان قلبي على الوجد الذي عرض له، وسلاني وصبرني. فقلبي نصب لأنه مفعول به من أعان وفاعله ما بيني وبينكم. وقوله: ما بيني وبينكم يريد من أحوال الهوى، وقبح الجزاء على حبي لكم. وقد خفف الشيخ أبو الفتح في تفسير هذين البيتين ولم يأت بكبير فائدة.
وقوله:
اليوم عهدكُمُ فأين الموعدُ ... هيهات ليس ليوم عهدكم
قال الشيخ أبو الفتح أي أموت وقت فراقكم، فلا أعيش إلى غد ذلك اليوم. فليس لذلك اليوم غد عندي وهذا ما ذكره ﵀ إلا أن البيت لا يتكشف معنى سائره
بهذا القدر من القول، وإنما معناه اليوم عهدكم أي اليوم آخر يوم اجتمعنا فيه فعرفوني متى الموعد باللقاء. إذا افترقنا. ثم تدارك بقوله:
هيهات ليس ليوم عهدكم غد
قوله: أين الموعد كأنه نعى على نفسه ما أتته. وقال: وما سؤالك عن موعد اللقاءات وأنت لا تحبين بعد فراقهم فلأجل هذا الاستدراك الذي
стр. 76
لم يوضحه استبهم معناه ولم يتعرض الشيخ أبو الفتح لشرحه. وقوله اليوم عهدكم هو من قول الشاعر:
وأخر عهد منه يوم لقيته ... بأسفل وادي الدوم والثوبُ يُغسلُ
وليس من العهد الذي هو العقد في مثل قول الحارث بن حلزة:
واذكروا حلف ذي المجاز وما ... قدّم فيه العهود والكفلاء
وكثيراً ما يستعمل العهد مكان الوعد إذا كانا من باب الموبقة فبما قال: اليوم عهدكم فأين الموعد فجمع بين اللفظين. اشتبه على من سمعه. وظن إنه يقول اليوم وعدكم الذي وعدتموني فأنجزوا وعدي فلذلك وجب إظهار ما أراده أبو الطيب.
وقوله:
صح يال جُلهَمة تذرك وإنما ... أشفار عينك ذابلٌ ومهّند
حيٌ يشار إليكَ ذا مولاهُمُ ... وهم الموالي والخليقة أعبُد
أما البيت الأول فقد فسره ابن جني تفسيراً مضطرباً. فإنه قال:
стр. 77
أي تحدق بك الرماح والسيوف فتغطي عينيك كما تغطيها الأشفار. وهذا كأنه من قول الآخر:
وإذا دُعوا لنزال يوم كريهة ... ستروا شُعاع الشمسِ بالخُرصان
هذا تفسيره. وعندي أن الأمر بخلاف ذلك. وما بال السيوف والرماح تغطي بها عينه دون سائر الأعضاء. بل أي موضع في هذا البيت لفظه تدل على التغطية. ولم يتكلف ما يعسر تمحله فيقال كثرت عليه الرماح والسيوف حتى صارت كأنها
غطاء على عينه إذا مدَّ بصره. والعين قد تبصر ما في السماء ولا تغطيه عليها الرماح والسيوف. هذا والشاعر يقول غير ما ذهب إليه، ويريد غير ما تمحله. وإنما قوله: (تذرك وإنما أشفار عينيك) كقولك: تركت زيداً وإنما عينه سماء هاطلة. وتركته وإنما جنبه دم سائل، إذا أثخنته ضرباً وتركت الأرض وإنما جنة.
يريد إذا صحت يا لجلهمة اجتمعت إليك فهابك كل واحد كأنك إذا نظرت إلى رجل بعينك أشرعت إليه رماحاً، وصلت عليه بسيوف. كأنه قال: صح بال جلهمةِ يتركك. وهذا حالك من الهيبة في القلوب.
فان قال المحتج عن الشيخ أبي الفتح إنه ذهب بقوله: تغطى عينك كما تغطيها الأشفار إلى ما أوردناه من معنى الهيبة لحضور السيوف والرماح لا على تشبيه الشفر بالرمح، أو غنائه مغناه فمبطلُ فما يدعيه إذا كان الرجل لم يأت بمعنى التغطية البتة. وقد ادعاه الشيخ أبو الفتح لفظاً ثم زاده توكيداً بأن قال: كأنه مأخوذ من قول القائل:
стр. 78
سدوا شعاع الشمس بالفرسان
ومعنى السد والتغطية. وما أراده أبو الطيب بمعز عنهما. ولو قال: كأنه من قول القائل
عيناه سهمان له كلما ... أراد قتلي بهما سلما
كان أسلم له وأصوب
وأما البيت الثاني فأنا ضممناه إلى هذا البيت لأن بينهما تعلقاً نورده إن شاء الله.
قوله: حيٌ، ريد به جلهمة حيٌ يشار إليك أيها الممدوح أنك مولاهم أي سيدهم وهم الموالي أي السادات. يريد أنك لم تسدهم لكونهم عبيداً. بل أنت سيدهم وهم سادة البشر.
وكثير من النسخ المعتمدة وجدنا فيها (حتى يشار إليك). ولم نروه. إلا أن هذه
الرواية سائغة لطيفة. يعني انهم يجتمعون حولك لا يتخلف عنك منهم أحد إذا صحت بآل جلهمة فعل المسودين المذعنين لك بالفضائل والرئاسة والسؤدد لك عليهم.
فهذا هو المتعلق بينهما. وان كان قد تخللهما قوله:
من كل اكبر من جبال تهامة ... قلباً ومن جود الغوادي أجود
كأنه توكيد للمعنى. وتعظيماً لشأنهم أعقبه ذكره سؤدد الممدوح عليهم مما ذكره من فضلهم.
стр. 79
وقوله:
أنى يكون أبا البرية آدمٌ ... وأبوك والثقلان أنت محمد
في اللفظ تقديم وتأخير إذا تصورته لم يشتبه المعنى. وتقديره، كيف يكون أبا البرية آدم. وأبوك محمد وأنت الثقلان. يريد إنه إذا كنت أنت الثقلين وأبوك محمد فإذن أبو البرية أبوك لا غيره وقوله: والثقلان أنت يريد الجن والأنس. أي أنت توازيهما فظلاً. وقد كرر هذا المعنى في شعره فأظهر قوله:
ومنزلك الدنيا وأنت الخلائق
وليس يقال في هذا المعنى مأخوذ لكثرته على السن الناس. وقد أورد الشيخ أبو الفتح حكاية عن أبي تمام مستحسنه. وجملتها إنه اتخذ هذا المعنى من قول أبي نواس
ليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد
وهذا كله من الآية: إن إبراهيم كان أمة صلى الله عليه وعلى آله.
وقوله:
ولا الديار التي كان الحبيب بها ... تشكو إليّ ولا تشكو إلى أحد
وقال الشيخ أبو الفتح: لم يبق فيّ فضل للشكوى، ولا في الديار أيضاً فضل، لأن
الزمان أبلاها. وهذا على ما قاله الشيخ أبو الفتح وغير هذا التفسير أولى لما أنا ذاكره.
стр. 80
وهو أن هذا التفسير يوجب أن يكون المراد: لا أنا أشكو إلى أحد ولا الديار تشكو إلي لخفائها ودروسها فكأنه قدم آخر الكلام قبل أوله فصار مضطرباً من المحتمل السائغ، لا من الظاهر البارز.
قوله (في البيت السابق)
ما الشوق مقتنعاً مني بذي الكمد ... حتى أكون بلا قلب ولا كبد
كأنه يقول: ولا الديار تقنع مني به. ثم فسر لأي حال لا تقنع منه به فقال: تشكو إليّ أي إنها شكواها. سائغ وهي مما لا يعقل شكو إلي بدروسها وزوال جمالها. وأنا لا يحسن بي الشكوى إلى أحد لأنني ممكن يعقل ولا يحسن بي إظهار الحب، وإفشاء السر فيكون عطف نفياً على نفي تقدمه لا عطف على جملة لم تأت بعد.
ومما يزيد المعنى الذي ذكره ترذيلا قوله: لا تشكو إلى الديار لأنه لم يبق فيها فضل لشكوى فكيف عرفها وإذا بلغ الحال في دروسها فلا سبيل إلى معرفتها.
وقوله:
متى لحظت بياض الشيب عيني ... فقد وجدته منها في السواد
قال الشيخ أبو الفتح: أي كأن ما في وجهي من الشيب نابت في سواد عيني تكرهاً له. وهذا كما قال الشيخ أبو الفتح، وعبارة أحسن من هذه أولى. وذلك أن العين لا ينبت فيها الشعر الأبيض ولا الأسود.
стр. 81
ولو كانت العين من الأعضاء التي ينبت فيها الشعر لما ضرها الشعر النابت فيها ولو ضرها ذلك لما بلغ التكره له حيث يضرب به المثل. والأولى أن يقال: إذا نظرت إلى شيبي فكأنه عاينت بياضاً نزل في سوادها، من البياض المستكره الذي ينزل فيه من العلة.
ولعل الشيخ أبا الفتح تجنب هذه المقالة لأنه رآه أضاف البياض إلى الشيب فظن
في العين من شعر أيضاً ليصح فيه معنى البيت. وتأويل بياض الشيب في العين زائد في معناه وحسنه، وذلك إنه يريد بياضاً مستهجناً مستقبحاً كبياض الشيب كما قال البحتري
وددت بياض السيف يوم لقيتني ... مكان بياض الشيب حل بمفرق
وبياض السيف لا يحل بالمفرق، وإنما السيف يحل به. فأراد التسوية بين البياضين وهذا واضح كثيراً
وقوله:
متى ما ازددتُ من بُعد التناهي ... فقد وقع انتقاصي في ازديادي
стр. 82
وقوله وقع: يحتاج إلى تفسير لئلا يتوهم فيه ما يستزل عن المعنى. يقال وقع زيد في المكروه، ووقعنا في وعث من الأرض. ووقع قلبي في تهمة. وكذلك يقال وقع شيبي في الزيادة. ووقع نزق الغلام في إنقاص. والمعنى أن الازدياد بعد التناهي نقصان كأنه يريد أن التناهي هو بلوغ الأشد واستيفاء الأربعين سنة فإذا ازددت بعدها نقصت القوى وعدت انتقص بعدما كنت ازداد. وكأنه من المعنى الذي له:
فبعثنا بأربعين مهاراً ... كل مهر ميدانه إنشاده
عدد عشته ترى الجسم فيه ... زائداً لا يراه فيما تزاده
ولأجل هذا أتى به بعد قوله:
متى لحظت بياض الشيب عيني ... فقد وجدته منها في السواد
وقوله: (فقد وقع انتقاصي في ازدياد) يريد قد ابتدأ نقصاني يزيد. وهذا المعنى من قوله:
ولجدت حتى كدت تبخل حائلاً ... للمنتهى ومن السرور بكاء
على أن المعنى من قول القائل:
وأسر في الدنيا بكل زيادة ... وزيادة الدنيا هي التنقيص
والأول فيهما جميعاً قوله:
وحسبك داء أن تصحّ وتسلما
стр. 83
وقوله:
وأبعد بعدنا بعد التداني ... وقرب قربنا قرب البعاد
قال الشيخ أبو الفتح أي أبعد بعدنا مثل التداني كان بيننا. وقرب قربنا مثل قرب البعاد كان بيننا أي قربني إليه بحسب ما كان بيني وبينه من البعد. وهذا تفسير واضح إلا أنا نريد أن نزيده شرحاً إذ كان البيت معقد اللفظ فنقول:
إن قربنا وبعدنا مفعول بهما. وقوله بعد التداني، وقرب البعاد منصوبان على المصدر كقول الشاعر:
له صريف صريف العقو بالمسد
وله نهيق الحمار. يريد كنهيق الحمار.
وقد يقال في العبارة عن تفسير هذا البيت لفظ آخر يزيده وضوحاً. وهو إنه يقول: قبل أن اجتمعنا كان القرب بعداً، والبعد قرباً، لانا كنا على البعد متواصلين. وعلى قرب الضميرين متباعدين فلما اجتمعنا صار البعد بعداً حقيقياً. والقرب قرباً حقيقياً. وكأنه في المصراع الأول نظر إلى قول ابن المعتز:
أنا على البعاد والتفرق ... لنلتقي بالذكر أن لم نلتقِِ
وكأن في المصراع الثاني مضاده لقوله:
وكان على قربنا بيننا ... مهامه من جهله والعمى
стр. 84
وقوله:
أقل فعالي بله أكثره مجد ... وإذا الجد فيه نلت إن لم أنل جد
بله: بمعنى دع أكثره، وكيف أكثره. كأنه لو تأتي له الوزن لقال: أقل فعالي مجد، فكيف أكثره وبله: وقد تكلم عليه ابن جني بنحو الورقتين من الكلام، ولا معنى
لتكراره. ومعنى هذا المصراع أني لا أفعل شيئاً إلا ومغزاي الجد، وإياه أنحو، وإليه أدأب. كأنه لو صرح بالأقل لقال: يومي مجد وأكلي مجد، وشربي مجد، وأخذي مجد وعطائي. ولو صرح بالأكثر لقال، تغريري بنفسي ودخولي في المهالك. وسيري في المفاوز ولقائي الملوك وتيهي عليهم.
وأما قوله:
وذا الجد فيه نلت أم لم أنل جد
فالجد هنا ضد الهزل. والجد بمعنى الحظ والبخت. فيقول جدي وتشمير إلى هذه الغاية في (سبيل) طلب المجد هو بخت وحظ من الله تعالى. فان نلت ما أريده أو لم أنله محظوظ ومبخوت.
وقوله:
من القاسمين الشكر بيني وبينهم ... لأنهُمُ يُسدي اليهم بأن يسدوا
стр. 85
يريد انهم لكرمهم يعتقدون منه فضلاً عليهم لمن قصدهم واستماحهم، فهم يشكرونه على ذلك وأنا اشكرهم على ما أولوني من الجميل. وهو يشكرونني على أخذي نوالهم.
وفي بعض لفظ هذا البيت ما يدل على الغض من الممدوحين. إذ جعلهم يسدي إليهم بأن يقبض نوالهم. وهذا هجو، إذ جعلهم كمن يؤنف من فيض نواله، وبمنزلة من لا يجد من يفضل عليه، وهل هو إلا من قوله:
وفيض نواله شرف عزٌ ... وفيض نوال بعض القوم ذام
على إنه وإن خذله الوزن، ومنعه استيفاء غرضه فقد علم إنه إنما يريد شده فرحه بالعطاء حتى كأن من يسأله يمن عليه. فما أكثر ما جاء نظير هذا من شعره وشعر غيره. وأجود من قال:
إنك لا تدري إذا جاء سائل ... أأنت بما تعطيه أم هو أسعد
ثم أتبع هذا البيت معنى يشبه أن يكون مبتكراً وما حمله على الرضى بهذا اللفظ الموجه إلا ما نواه في الثاني وهو قوله:
فشكري له شكران شكر على الندى ... وشكر على الشكر الذي وهبوا بعد
стр. 86
فهذا المعنى من تعسفه في أغرب مما مضى إذ يقول: شكروني على أخذ نوالهم شكرتهم على شكرهم إياي. وشركتهم على ما أعطوني فصار لهم شكرين.
وقوله: الذي وهبوا بعد. جعلوا الشكر الذي أتوه له هبة ثانية منهم. وصار مستحسناً وزيادة في المعنى والصنعة.
وقوله:
وشامخ من الجبال أقود ... زرناه للأمر الذي لم يعهد
للصيد والنزهة والتمرد
قال الشيخ أبو الفتح: إنما قال: لم يعهد أي إن الأمير مشغول بالجد والتشمير عن اللهو واللعب والتفسير على ما حكاه، إن كانت الرواية (لم يعهد) بضم الياء لا محيص عنه والأجود عندي هو ما أرويه (لم يعهد) بفتح الياء، ويكون ضميره للشامخ من الجبال. يعني إنه لم يعهد الصيد فيه، لعلوه وارتفاعه ولم يقدر على وحشه إلا هذا الأمير لعظيم شأنه. ألا تراه يقول:
فردِ كيافوخ البعير الأصيد ... يسار في مضيقه والجلمد
في مثل متن المسد المعقد
فوصفه بالارتفاع والوعورة وضيق الطريق. فهذا أراد بقوله: لم يعهد. ألا نراهم يمتدحون بالصيد ومطاردة الوحوش. على أن عامه شعر امرئ القيس، وكثير من الشعراء بعده افتخار بالطرد. وقد مدح أبو الطيب كثيراً به ولم يستنكف لأحد من الممدوحين منه كقوله:
стр. 87
وذي لجب لا ذو الجناح أماه ... بناج ولا الوحش المثار بسالم
وقوله لعضد الدولة:
لم يبق إلا طرد السعالي ... في الظُلمِ الغائبةِ الهلال
على ظهر الإبل الأبُّال
وخص الإبل الأبال لأنها عندهم من الجن. وكذلك الظلم عندهم تنتشر فيها الجن فوق ما ينتشر في الضوء.
وقوله:
أحلما نرى أم زماناً جديداً ... أم الخلق في شخص حيّ أعيدا
يريد ب (حي) رجلاً واحداً، دعته الضرورة إلى ذلك. وإنما هو من قول أبي نواس:
ليس على الله بمستنكرٍ ... أن يجمع العالم في واحد
إلا إنه أراد الزيادة في هذا المعنى، يعني أن الخلق الهالكين أيضاً أعيدوا في شخص حي فحسن حي بهذا التقدير. وهذا كقوله أيضاً:
стр. 88
ولقيت كل الفاضلين كأنما ... ردّ الإلهُ نفوسهم والأعصرا
ومثله:
مضى وبنوه وأنفرت بفضلهم ... وألف إذا ما جمعت واحد فرد
وقوله:
يباعدن حباً يجتمعن ووصله ... فكيف بحب يجتمعن وصده
الحب: المحبوب. فعل بمعنى مفعول، مثل طحن بمعنى مطحون.
стр. 89
وسلوك بمعنى مسلوك، وذبح بمعنى مذبوح. ويباعدن بمعنى يبعدن. قال الله تعالى: ربنا باعد بين أسفارنا. أي بعد بينها وقد قرئ: بعد أيضاً.
ومعنى البيت ليس من العويص الغامض. وإنما وعر مسلكه على الإفهام بقوله: يجتمعن. وكأنه أتى بهذه اللفظة ليصح به الوزن. كأنه يقول: يبعدن عني حبيباً
وصله موجود كائن بكونها. فكيف اطمع في جيب صده موجود. فوضع يجتمعن موضع الوجود والكون. وقد فسر هذا البيت بقوله:
أبي خلْقُ الدنيا حبيباً تديمُهُ ... فما طلبي منها حبيباً تردُهُ
وهذا البيت هو الأول بعينه، لا اختلاف بينهما في شئ من الوضع ولا المعنى. وفي شعره كثير مما فسر الأبيات السابقة بالتالية. فمنها قوله في هذه القصيدة:
فلا ينحلل في المجد مالُك كلُهُ ... فينحل مجدٌ كان بالمال عقدُهُ
ثم قال:
فلا مجد في الدنيا لمن قَل مالُهُ ... ولا مال في الدنيا لمن قلَّ مجدُهُ
هذا المعنى هو المعنى الذي تقدمه بعينه. ومثله كثير:
стр. 90
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا
فوضع النّدى في موضع السيف في العلى ... مضرٌ كوضع السيف في موضع
الندى
وقوله:
بوادٍ به ما بالقلوب كأنه ... وقد رحلوا جيد تناثر عقده
قال الشيخ أبو الفتح: قوله: به ما بالقلوب. أي قد قتله الوجد لفقدهم. فيجري هذا مجرى قوله أيضاً:
لا تحسبوا ربعكم ولا طللة ... أول حيّ فراقكم قتله
ومعنى هذا البيت: إن هذا الوادي به من الوحشة لرحيل هؤلاء الأظعان عنه ما بقلوبنا. فأما قول أبي الفتح: أي قتله الوجد لفقدهم فليس في البيت ما يدل على القتل. ولا القتل مما يتوجه على القلب دون غيره من الأعضاء. ولا ادري من أين أتى بهذه اللفظة الأجنبية في تفسيره هذا البيت الظاهر.
وقوله:
أنا اليوم من غلمانه في عشيره ... لنا والدٌ منه يُفدّيه وِلدُهُ
стр. 91
قد كان يجب أن يقول: في عشيرةٍ، لهم والد منه. إلا أن له عادة في قطع الكلام الأول قبل استيفاء الفائدة. وإتمام الخبر. وقد فعل ذلك في كثير من شعره فسنذكر بعضه.
فمنه قوله:
وأني لمن قوم كأن نفوسنا ... بها أنف أن تسكن اللحم والعظما
وكان يجب أن يقول: كأن نفوسهم ليتم الكلام الأول. هذا على الظاهر المتعارف. وقد كان الذي يذهب إليه في هذا الباب قوياً جداً لكثرته في كلامهم وحملهم الكلام على المعنى، وصرفهم الضمير عن وجهه، وترك ردة مع الحاجة إليه وذلك لان الضمير بالضمير الثاني هو الأول في حقيقة الكلام وإن اختلفت علاماتهما ولو لم يأت إلا قول الله تعالى: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع اجر من أحسن عملا. وقوله: والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين لكفى وأقنع. إذ ليس في الخبر ما يرجع إلى الأول. والذين من الأسماء النواقص فإذا جاء ذلك في أسماء محتاجة إلى صلاتها فهي في غيرها أولى. ومثل هذا من الشعر القديم قول الراجز
يا ابجر بن ابجر يا أنتا ... أيت الذي طلقت عام جُعتا
قد أحسن الله وقد أسأتا
كان الواجب أن يقول: أيت الذي طلّق. ومن ذلك قول
стр. 92
أبي النجم
يا أيها الذكر الذي قد سؤتني ... وفضحتني وطردت أم عياليا
كان يجب أن يقول: قد ساءني. ومثله
أنا الذي سمتني أمي حيدره
القياس يوجب أن يقول: سمته.
وقوله:
وأنت التي حببت شعباً إذا بدا ... إليّ وأوطاني بلاد سواهما
والكلام وأنت التي حببت. وقول كثير:
стр. 93
وأنت التي حببتِ كل قصيرة ... إليَّ وما تدري بذاك القصائر
ومثله:
وأنت التي ما من صديق ولا عدي ... يرى نضو ما أتعبت إلا آوى ليا
ومثله:
وأنت الذي ربيت ذا الملك ناشئاً ... وليس له أمٌ سواك ولا أب
قال الشيخ أبو الفتح: كلمته غير مرة في هذا فاعتصم بأنه إذا أعاد الذكر على لفظ الخطاب كان أبلغ وأمدح من أن يرده على لفظ الغيبة. لأنه لو قال: وأنت الذي ربّى ذلك الملك لعاد الضمير من لفظ الغيبة، فإذا قال ربيت فقد خاطبه وكان أبين. ولعمري إنه لكما ذكر. ولكن الحمل على المعنى عندنا لا يسوغ في كل موضع. ولا يحسن.
هذا كلام ابن جني. وقال أيضاً: لولا أنا سمعنا مثله من الشعر للعرب لرددناه.
стр. 94
قلت وقد لجّ أبو الطيب في هذا الباب حتى قال ك
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ... وأسمعت كلماتي من به صمم
وقال:
قوم تفرست المنايا فيهم ... فرأت لكم في الحرب صبر كرام
وقال:
أيها الواسع الفناء وما فيه ... مبيت لمالك المجتاز
وقال:
كريم متى استوهبت ما أنت راكب ... وقد لقحت حرب فإنك نازل
وقد استقريت شعره كله فوجدته لا ينزل عن هذا المذهب في كل ما مدح به. فإذا أورد ضميراً في ذم رده إلى الكلام الأول تفادياً أن يخاطب به مواجهاً، أو يرده إلى نفسه مخبراً فقد قال:
стр. 95
أنا الذي نام إن نَبّهتُ يقظانا
ألا تراه كيف هرب من أن يقول: أنا الذي نمت، لما كان كلام ذم لفظاً، ولم يؤثر الإخبار به عن نفسه. وهذا من أدق ما في شعره من الحسن وأدله على حكمته واستيلائه على قصب السبق في شعره.
وجرير قد خلط هذين المذهبين في بيته فقال:
ألم أك ناراً يصطليها عدوكم ... وحرزا لما ألجأتُمُ من ورائيا
وباسط خير فيكُ بيمينه ... وقابضَ شر عنكُمُ بشماليا
ولم تجر العادة باستقصاء ما يجري في هذا المجرى من الإغراب. إلا إنه لما تعلق بالمعنى وأردنا التنبيه على مذهبه في أكثر شعره قادتنا الضرورة إلى إيراده.
وأما قوله:
لنا ولدٌ منه يفديه ولده
يريد أن الجاري في العادة أن يفدى الوالد ولده لفظاً أي يقول: فديته. أعني كقول:
فديت بنتي وفديت أمها
стр. 96
وكالمثل المضروب: يحمل شن ويفدي لكيز وخبره أن أخوين: أحدهما شن، والآخر لكيز كان شن باراً بأمه فكان يحملها على ظهره في اسفاره، وكانت الأم إلى لكيز أميل فكانت تفدي لكيزاً وهي على عاتق ابنها شن. فيقول أبو الطيب: كافور لما بمنزلة الوالد إلا أنا نحن نفديه، ولا يفدينا هو. وكأنه يريد بذكر الوالد التعريض له بأنه خصيّ وإنه ربى ولد ابن طغج تربية الوالد. فكرر ذلك فقال:
إنما أنت والد الأب القاطع ... خير من واصل الأولاد
وقوله: وأنت الذي ربيت ذا الملك ناشئاً، وقوله منه بمكانة، كما تقول: رأيت من زيد أسداً ولي منك أخ شفيق.
وقوله:
يُخلّف من لم يأت دارك غايةً ... ويأتي فيدري أن ذلك جهده
قال الشيخ أبو الفتح: أي إذا اجتهد الإنسان في بلوغ الغاية فإنما مقصده دارك لأنها النهاية.
هذا على ما قاله ﵀ إلا إنه يحتاج لهذا البيت إلى فضل تبيان.
قوله:
يخلف من لم يأت دارك غاية
أي الغاية دارك، ونهاية ما يأتيه مكتسب المجد أن يقصد، ونهاية ما يأتيه مكتسب المال. فمن لم يأت دارك فقد خلف غاية لم يأتها فإذا أتاها علم أن ذلك جهده في اقتناء المكارم واكتساب المال. والغرض إن قصدك هو نهاية الآمال كما قال:
стр. 97
هو الغرض الأقصى ورؤيتك المنى ... ومنزلك الدنيا وأنت الخلائق
وقوله:
ووعدك فعل قبلَ وعدٍ لأنه ... نظيرُ فعال الصادق القول وعده
قال الشيخ أبو الفتح: يقول: الصادق إذا وعد وفى فكأن وعده لصحة وقوع موعده فعل.
هذا كما قال إلا أنا نزيد اللفظ بيانا. يقول: كل من كان وافياً بمواعيده فوعده نظير فعله. أي كأنه إذا وعد شيئاً فقد فعله لركون النفس إليه، وشدة الاعتماد عليه ونقيض هذا قوله:
أصبحت أروح مثرٍ خازناً ويداً ... أنا الغني وأموالي المواعيد
هذا هزو، يقول: أنا مثر ولا تعب على خازني، ولا على يدي، إذ كان إثرائي من
المواعيد لا من المال. والمواعيد لا يتعب فها الخزان والأيدي. وكذلك قوله:
جود الرجال من الأيدي وجودهم ... من اللسان فلا كانوا ولا الجود
وقوله:
لولا لم تجب بي ما أجوب بها ... وجناء حرف ولا جرداء قيدود
قال الشيخ أبو الفتح: لولا ما اطلبه من العلي لم تقطع بي الفلاة ولا المهالك ناقة هذه حالها، ولا فرس هذه صفتها.
стр. 98
قلنا لابد للفظ من بيان اشفي من هذا القول، فوجناء حرف فاعله لم تجب. وما أجوب بها بمعنى الذي وموضعها النصب. وقد وضعها موضع الفلاة. أي لم تجب بي الفلاة التي أجوبها بها وترك مفعول أجوب لأنه معلوم مفهوم. والهاء في (بها) قبل الذكر وهي للوجناء والجرداء فكأنه لو واتاه الوزن لقال: لولا العلي لم تجب بي الوجناء ما أجوبه بها من فلاة ومهمة.
ونظير هذا البيت قوله وان كان مدحاً لا افتخارا:
في سبيل قتالك والسلم ... وهذا المسير والأجذام
وإنما شرحنا هذا الشرح لئلا يتوهم متوهم إن الهاء في (بها) راجعة إلى العلى.
وقوله:
ما يقبض الموت نفياً من نفوسهم ... إلا في يده من نتنها عود
هذا البيت ظاهر المعنى. وقد تكلف له القاضي أبو الحسن ﵀ ما كان غنيا عنه. وذكر إنه عيب بهذا. وقيل: إنّ العود يعني عود الطيب ليس بذي رائحة فيغني عند الشم أو يفزع إليه من نتنِ. ثم قال: وقد قال المحتج عنه إنه لا يباشر بيده الموت قبض روحه تقززاً واستقذاراً فيحمل عوداً من الأعواد التي هي قضبان أو قطعة خشب من أي شجر كانت ليقبضها به.
стр. 99
ولعمري أن المتوهم على أبي الطيب إنه يعني عود الطيب لعاجز. وإن الاحتجاج
عنه والنفح دونه من الكلف التي كفاها الله، وهذا الشيخ أبو الفتح فسر هذا البيت فقال أي لا يباشر الموت أنفسهم وقت قبضه إياها ضربه مثلا، هذا كلامه ألا تراه أورد غرض الرجل بدياً من غير تعريج على محال، أو توهم لغير الواجب. وما أغرى القاضي أبا الحسن إلا ذكره للنتن فحسب أن لابد من طيب يقابل النتن به. وقد علم أن أبا الطيب جدا لعالم إن العرب لم تسم العود المتبخر به عوداً إلا إنه بعض العيدان وجنس منها، وانهم لا يوردونه هذا المورد إلا إذا كان في الكلام ما يدل على الغرض. ولم نسمع أحداً من الشعراء، ولا في نثر من نثر الفصحاء: أخذت بيدي عوداً، وناولني فلان عوداً على لفظ التنكي، والمراد هذا الطيب. وإنما يقولون أخذت مندلاً أو ألوة أو مجمراً. والعود معرفاً من الأسماء التي تختص به. فإذا أتوا بعود منكراً أوردوه في اللفظ دال على الطيب فقالوا: تبخرت بعود ونكثت بعود. وما أشبه ذلك ألا ترى إلى قول الحارث بن حلزة:
أوقدتها بين العقيق بشخصين بعودٍ ... كما يلوح الضياء
ألا تراه لا يدري أعود الطيب أم عود الحطب إلا أن يدعيه مدح تحسينا للمعنى. وإلى قوله:
ذات فرع كأنما ضرب العنبر فيه بماء ورد وعود
ولم ينفر ذكر العود هاهنا إذ ذكره مع الطيب، وعلم إنه يريد عود الطيب. والعود الذي عليه الأوتار هذه سبيله. لا يقال: أخذت عوداً
стр. 100
فيعلم أنك عنيت البربط إلا في الكلام ما يدل عليه وإلا لم يعلم ما عنيت كقول بشار:
إذا قلدت أطرافها العود زلزلت ... قلوباً دعاها للصبابة داع
ولولا ما في البيت من الدليل على ما عنى لقال: الكرينة فإنها من أسماء العود فيما فسر به الحديث المروي: نهى رسول الله ﷺ عن الكرينة والعرصبة. والكرينة: البربط. والعرطبة: الطنبور. وقالوا: هما تعريب كرنة
بالفارسية أي صناجة (واد بنه أي إليه الحمل). وقد قيل: الكرينة المغنية. وانشد بيت الطرماح:
تقصر معداهن كل مولول ... عليهن يستكنهن أيدي الكراين
وقد يقال: ميت يحمل على أعواده. فذكر الميت ليعلم أنك أردت الجنازة. ولولا ذلك ما علم أن الأعواد أعوادها.
وقوله:
العبد ليس لحر صالح بأخ ... لو إنه في ثياب الحر مولود
لم يفسر هذا البيت الشيخ أبو الفتح. ولابد له من تفسير. هذا يعرض بابن طغج. يقول: كلن لا يحب أن يركن إليه. ولا يتخذه أخاً وصاحباً لو إنه حر ولد في ثياب حر. والهاء في قوله: لو إنه عائده إلى ولد ابن طغج. كأنه يقول: لو إنه حر لما اتخذ العبد أخاه. يريد هو ولد زنا ولولا ذلك لما رضي بهذه الهضيمة. يعزيه به، ويذمه على تسلطه.
стр. 101
قوله:
وعندها لذّ طعم الموت شاربُهُ ... إن المنية عند الذّل قنديدُ
القنديد: الخمر. وقيل هي التي فيها الافاويه والطيب. وأنشدوا بيت الأعشى:
ببابل لم تعصر فجاءت سلافه ... تخالط قنديداً ومسكاً مختما
يريد أن المنية عند الذل طيبة كالقنديد. كأنه لو أمكن أن يقال: أن المنية عند الذل عسل أو ما أشبه ذلك. وهذا كقول القائل:
الموت أحلى عندنا من العسل
لا عار بالموت إذا الموت نزل
إلا أن في الخمر معنى التساقي الذي يستعمل في الموت والحرب. وليس في العسل ذلك. وهم يقولون: ورد الموت، وسقيته الموت، وليس لغيرها من الأطائب
هذه المشاركة في اللفظ. ألا ترى إلى قول القائل:
فما في تساقي الموت في الحرب سبة ... على شاربيه فاسقني منه واشربا
стр. 102
وإلى قول الآخر:
أسود شرى لاقت اسود خفية ... تساقت على حرد دماء الأساود
وقوله:
كلما قال ناء أنا منه ... سرف قال آخر ذا اقتصاده
قال أبو الفتح أي ليس على نائله قياس. وهذا مثل لان السائل لا يقول شيئاً. هذا على ما قال الشيخ أبو الفتح إلا إنه لم يشف واسيا في بعض العبارة.
وقوله: قال آخر ذا اقتصاده. ذا إشارة إلى النائل الأول الذي قال: أنا سرف. كأن النائل الثاني كذبة إذ كان أعظم منه فقال: بل هو اقتصده. وقول أبي الفتح: فليس على نائلة قياس. عبارة رديئة وعي في الكلام. فإنه لو كان أبو الطيب قال ذلك لكان قد نسب الممدوح إلى الهوج. إذ كان معناه إنه ربما أعطى القليل من يستحق الكثير. وأعطى الكثير من يستحق القليل. وكان كقول القائل:
стр. 103
فإنّها خطرت من وساوسه ... يعطي ويمنع لا بخلا ولا كرما
وقوله في هذه القصيدة يصف سيفاً:
كلما استل ضاحكته إياه ... تزعم الشمس إنها أراده
الاياة: ضوء الشمس. والريد: الترب وجمعه: أراد وريدان. كذا في الجمهرة وأنشد فيه يصف:
قالت سليمى قولةً لريدها ... ما لابن عمي مقبلاً من سيدها
بذات لوث عينها في جيدها
فالشمس مؤنثة، والاياة مؤنثة. ولا ذكر هاهنا ترجع إليه الهاء في إرادة إلا السيف. والاياة نكرة تحاج لها إلى ضمير يرجع إليها في باقي الكلام. فان كانت
(الهاء) راجعة إلى اياة فالهاء في إراده. أما للشمس وأما للسيف وان كانت الهاء في أنها للشمس. فالهاء في ارآده لا تصلح أن ترجع إلى اياة لأنها مؤنثة فيها علامة تأنيث. وقد أهمل أبو الفتح هذا الفحص حتى لم يطر حسناته وارآد جمع، والشمس واياه موحدان.
والذي عندي في هذا البيت إنه ذكر الشمس إذ لم يكن تأنيثها حقيقياً واضطرت القافية إلى تذكيره. وقد فعلت العرب مثل ذلك. قال قائل:
فلا مزنة ورقت ودقها ... ولا أرض أبقل أبقا لها
стр. 104
وقول الأعشى:
أرى رجلاً منهم أسيفاً كأنما ... يضم إلى كشحيه كفاً مخضبا
وقد فعل أبو الطيب مثل ذلك في قوله:
ومخيب العذال فيما أملوا ... منه وليس يرد كفاً خائبا
فأما وجه جمعه الارآد والاياة موحدة فإنه حملها على المعنى في قوله: كلما سُل. . . فإنه عنى سلات كثيرة. فكل سله ريد للشمس. وفي البيت نظر آخر وهو أن الريد: الترب، وإنما يقال فلانة ريدة لفلانة أي هي في سنها. ولا فائدة لكون السيف ريد للشمس في السن، بل الفائدة في أن يكون ضوءه في مثل ضوئها في المنظر.
والقول في ذلك عندي إنه أقام الريد مقام النظير والشبيه اتساعا في الكلام وتعويلا على دلالة الخطاب.
وقوله:
مثلوه في جفنه خفية الفقد ... ففي مثل إثره إغماده
هذا البيت يحتاج إلى إشباع في التفسير. والذي قاله أبو الفتح: كان جفن هذا السيف مغشي فضة منسوجة عليه فكأنه حكوه ببقاء الفضة التي له على جفنه
صوناً من الفقد لئلا تأكل جفنه.
هذا كلامه وفيه زلل كثير في مواضع سأبينها لك فافهمه. فأحد ما زل فيه قوله: حكوه ببقاء الفضة التي على جفنه مع قوله كان مغشي عليه
стр. 105
لفضة منسوجة. فإذا كان المعنى ما حكاه فكان يجب أن يغشى بعضه مطروقه مصفحة لكون بقاؤها مثل بقائه وهيئتها كهيئته. فأما المنسوجة فلا بقاء لها. وقد زعم إنها كانت منسوجة فقد نقص آخر كلامه أوله. والآخر قوله: صوناً له من الفقد. فقد ظن أبو الفتح إنه يعني أن لو لم يغش لفقد. وليت شعري كيف هذا من بين السيوف كلها غير مغشاة بفضة فما يفقد. والآخر قوله: لئلا يأكل جفنه. وقد علم أن السيف قد يأكل جفنه ولا يفقد. وإنما يفقد إذا كان ذاك الجفن وصلاحه له من بعد وقد يحل أيضاً بهذا القول من حيث أن السيف إذا غشى بفضة منسوجة لم يمتنع من أكله جفنه لأن تلك الفضة لا تجعل على مكان حده. ولو جعلت عليه لكان السيف ماضياً فيها لأنها ممطولة دقيقة جداً. والذي عنا أبو الطيب غير ما حكى، وإنما شبه أثره بنسيج الفضة على جفنه فهو إذا كان من الفرند المسمى المزرد أشبه شيء بنسيج حتى أن في السيوف المجلوبة من بعض بلاد الترك سيوفاً حدودها فولاذ، ومتونها حديد من المديل وهو المسمى بالفارسية (ترماهن) يهز أحدها ثم يعطف طرفة فيلتقي مع قائمة ثم يخلى فيعود إلى استوائه، وعلى متونها كأحسن ما يكون من النسيج. فيزعمون إنها تتخذ من حديد يمطل كما تمطل الفضة. فإذا صار على دقة الوتر نسج منه على هيئة التكة. فإذا فرغ من نسجه نفخ عليه حتى إذا صار ناراً طرق فاتحدت تلك القوى وتلازمت فإذا برد كشف عنه بالمداوس، والبس حداً من (الساترمان) الجيد فلا نرى فلانداً أحسن من فرندها. وهي تقد الفارس، وتهتك الدرع بلينها ومضائها. فقد ادعى أبو الطيب لحذقه بصنعة الشعر أن ما نسج على جفنه من الفضة تصوير لما على متنه من الفرند فعل ذلك به
أراده إلا تفقده العين يكونه في غمده بل كأنها ناظرة إليه. ولم يرد بقوله خشية
стр. 106
الفقد ضياعه وذهابه بل أراد إنه لحسنه لا يشتهي مالكه أن يفقد نظره بإغماده فقد مثله في جفنه. فانظر كيف اضطرب هذا الفاضل وكيف تحمل فلم يظفر ولم يحل.
وقوله في وصف هذا السيف:
وتقلَّدتُ شامة في نداه ... جِلدُها منفساته وعتاده
قد كنت ذكرت هذا البيت في كتابي الموسوم بالتجني على ابن جني، وأوردت ما حضرني من تخطئة فيما فسره به، وحضرني الآن فيما لم أورده سالفاً. وأنا أعيد قولي ولا انقم منه ثم أتبعه بما انفتح لي.
ذكر أبو الفتح قال: قوله: جلدها منفساته وعتاده. أي ما يلي هذا السيف مما تقدمه وتأخر عنه من بره كالجلد حول الشامة. وقوله: جلدها أي الجلد الذي يكون فيه. هذا ما أورده فهل يخبر من أين استنبط إنه عنى الجلد حول الشامة. وما الذي يمنع أن يعني جلد الشامة نفسها. وإذا كان ذلك على ما حكى بدياً فلم نقضه فقال: وجلدها أي الجلد الذي يكون فيه. وهل هذا إلا من سلب التوفيق. والذي كنت حكيت استماعاً واستفادة من الشيخ أبي العلاء احمد بن عبد الله بن سليمان المعري إنه يعنى ان الغمد لما عليه من الحلي والذهب انفس من السيف كان محلى بمائتين دنانير فجعل الغمد جلداً، إذ جعل السيف شامة. والذي لاح لي آنفاً إنه جائز أن يعني بجلده ظاهر الذي عليه الفرند لأن أنفس ما في السيف فرنده وبه يغالي بسومه إذ كان قطعه مما
стр. 107
لا يعلم إلا بالتجربة. وإنما يستدل على جودته بحسن فرنده. فهذا مما لا يمتنع، ويخرج به البيت من أن يكون مقصراً بالسيف، وغاضاً منه بعدما مدحه.
وقوله في صباه:
ذمُّ الزّمانُ إليه من أحبتِهِ ... من ذمَّ من بدره في حمد أحمده
قال أبو الفتح: الهاء في (أحبته) عائدة على العاشق. والهاء في (بدره) و (أحمده) جميعاً عائده على الزمان. والفاعل في (ذم) الثانية عائدة على العاشق أيضا. والبدر هو المعشوق. وأحمد هو المتنبي جعل نفسه أحمد الزمان أي ليس في الزمان أحمد آخر مثله. وقال أيضاً أي فالزمان يذم معه هجر أحبته إياه ويحمده أي يحمد أحمد لفضله ونجابته.
وهذا البيت على ما فسره إلا أنا نريد وضوحاً وبياناً. ونقول غير ما قال أيضا إذ كان البيت مما يستصعب كثيراً على إفهام قوم.
فقوله: (ذمَّ الزمان إليه) فهو من قوله: أحمد إليك الله وأذم زيداً. كما قال أيضاً:
أذم إلى هذا الزمان أهليه
стр. 108
وقوله: (من أحبته) جائز أن تكون الهاء للعاشق كما ذكر. والأولى عندي أن تكون عائدة على الزمان يريد: أحبة الناس فيه، أضافهم إلى الزمان لأنهم فيه. كأنه قال: الزمان له كل الأحبة في مذموم كما ذممت بدرك. ثم قال: (في حمد احمده) يريد ذمهم الزمان مع حمده إياي (ففي) بمعنى (مع). كما تقول: مرَّ وهو يقرأ في سيره، أي مع سيره. ومثله قول الشاعر:
رأيت الليالي ينتهبن شيبتي ... فأوضعت باللذات في ذلك النهب
وقوله:
وكنت السيفَ قائمه إليهم ... وفي الأعداء حدُّك والغِرارُ
فأمست بالبُديّة شفرتاه ... وأمسى خلفَ قائمه الحِيار
الحيار، والبدية، أما الحيار: فقريب إلى العمارة. وأما البدية: فواغلة في البر، وبينهما مسيرة ليلة. يقول: جاوزت الحيار في
стр. 109
طلبهم، فصار الحيار خلف قائم هذا السيف. ووصلت سرعان خيلك إلى البدية فتكت بالعدو، وأخرياتها لم تبعد على
الحيار كثيراً. يريد بذلك أما عظم العسكر أو بعد الهيبة. وقد خلط الشيخ أبو الفتح رحمة الله في تفسير هذا البيت، واتى بما يحتاج اليه، وبما هو مستغن عنه فقال في بعض فصوله: عظم حال السيف. فقال: كان الحيار خلف قائمة أي قائمه أدنى إلى عمارة من الحيار فيقتضي هذا الكلام أن تكون شفرتاه إذن في العمارة. لكنه اتبع هذا الكلام بأن قال: وكانت شفرتاه وقت كون قائمه دون الحيار بالبدية فقد نقض بهذا قوله أي قائمه أدنى إلى العمارة. لأن البدية كانت داخلة في البر لم تحصل الحيار خلف القائم إلا إذا تجاوزه إلى ناحية البدية: فأما إذا كان القائم أدنى إلى العمارة حصل الحيار خلفه إذ كانت شفرته في العمارة. ولا يجوز أن تكون شفرته في البدية والقائم أدنى إلى العمارة من الحيار. فيقال الحيار خلف قائمة بل يكون قدام قائمة اللهم إلا أن يقول عني بالخلف ما يلي السيف من أدناه لا ما يلي عضد الضارب ومعصمه. وهذا لا يفهم من كلام العرب.
فأقبلها المروجَ مُسوماتٍ ... ضوامر لا هزال ولا شيار
يعني إن ضمرها ليس بهزال، بل هي مصنوعة مضمرة. وذلك أنها تسقي اللبن وتقاد وتجري حتى تعرق فيسمى ذلك الحيد والطبخ. ومنه قول الراجز:
стр. 110
أنضجهنَّ الطبخ طبخ الضرعين ... والقود بعد القود حتى يهمين
وإذا فعل ذلك بها اشتد لحمها، وذاب شحمها فخفت أبدانها للجري. وأما الشيار فهن الحسان المناظر. وفلان ذو شيار، أي ذو هيبة. وهو رجل شير. ومنه قول الراجز:
كأنّها من بدن وشاره ... والحلي حلى التبر والحجارة
مدفع مشاء إلى قراره
والمصدر الشوار. ومنه قول زهير:
مُقْوَّرةٌ تتبارى لا شوار لها ... إلا القُطُوع على الأكوار والورك
والشوار في غير هذا: الفَرج. يقال: أبدى الله شوارك. وحكى أبو زيد: أجدت الدابة مشوارها إذا حسنت هيئتها. في هذا البيت وفي مشارتها انشد أبو زيد في نوادره:
وما هي إلا أن تقرب وصلها ... علاه كناز اللحم ذات مشارت
والهزال بكسر الهاء لا غير: جمع هزيل وإنما أتينا بهذا البيت (يعني بيت المتنبي) لما سمعنا قوماً يرددون هزال يظنونه مصدر هزلت الدابة. ولو أتى بمصدر لأتى معه بمصدر مثله. فقال: لا هزال ولا شوار.
следующие страницы →