Полный текст (2 103 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
شرح حديث: (يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح)
قال: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب وتقاربا في اللفظ قالا: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش].
أبو معاوية هو محمد بن خازم الضرير، والأعمش هو سليمان بن مهران الكوفي.
[عن أبي صالح].
وهو السمان عبد الله بن ذكوان المدني.
[عن أبي سعيد]-وهو الخدري، واسمه سعد بن مالك بن سنان المدني - قال: قال رسول الله ﷺ : (يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح)].
أملح يعني: مليح.
وزيادة في الملاحة، فالأملح أحسن من المليح، مثل فلان حسن والثاني أحسن، فلان فاضل والثاني أفضل منه.
وقد سمعت درساً في عقيقة لأحد الشيوخ وهو يقول: ليس هناك دليل قط على أن الخروف الذي يذبح أو الشاة التي تذبح لابد أن تكون قرناء ومن قال بذلك فقد ابتدع في دين الله ما ليس منه، وفي الحقيقة (النبي ﵊ عق عن الحسن والحسين كبشين أملحين).
فكلمة أملح توقف عندها العلماء، والكبش المليح هو الكبش النفيس، الجميل، ذو القيمة، فمثلاً: عمر أفضل من زيد في ذكائه، وفي منظره، وفي مخبره، وفي الطول، وفي العرض، وفي لون العينين، وفي لون البشرة، وتاجر الأغنام والمواشي يفضل الخروف الأقرن؛ لأن سنه أنسب من سن الآخر، ولحمه طيب، وغيره لم يكن كذلك.
وصائغ الفضة أو الذهب يعرف أن هذه السبيكة مضروبة، وأنها جيدة، أو غير ذلك، ولكنه عرف ذلك إما بلسان العرب أو أحوالهم ومقاييسهم التي يتوارثها الأجيال جيلاً بعد جيل إلى يومنا هذا وإلى قيام الساعة، فالعرب عرفت الملاحة من حيثيات متعددة، فيعدون الخروف الأقرن أفضل من غير الأقرن، فالعرب تعد الملاحة بالقرن، وهو ليس شرطاً في العقيقة، ولكنه مستحب.
يعني: يستحب أن تكون العقيقة والأضحية بخروف أقرن، ولو كانت بأنثى جاز، ولو من الماعز كانت ذكراً أو أنثى جاز؛ لأنهما من فصيلة واحدة، والعرب يطلقون لفظ الشاة على المعز والضأن.
وأما كون الدليل لم يذكر في أنه أقرن ربما يكون كذلك، لكننا لا نرد أن الملاحة بالقرن؛ لأن العرب قد عدوا الملاحة في القرن، بدليل أن النبي ﵊ قال: (يجاء بالموت على صورة كبش أملح).
ولو لم يكن لدى السامعين معنى الملاحة لقالوا: يا رسول الله! ما المقصود بالأملح؟ لكنه خاطبهم بذلك لأنهم يعرفون الملاحة من غيرها.
قال: (فيوقف بين الجنة والنار).
أي: يؤتى بالموت على صورة كبش، والموت عرض من الأعراض، والأعراض كلها مخلوقة، ولذلك قال الله تعالى: ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ [الملك:٢]، فالحياة عرض وهي مخلوقة، والموت عرض وهو مخلوق كذلك، بخلاف من قال: إن الموت عدم يقابل الحياة.
وهذا كلام الفلاسفة ولا قيمة له في الشرع، فيجاء بالموت الذي هو عرض في صورة المحسوس الذي هو الكبش الأملح.
[(حتى يوقف بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون، ويقال: نعم هذا الموت)].
يشرئبون.
أي: يطيلون أعناقهم ينظرون إليه حتى يعرفونه ويقولون: نعم نعرفه، هذا هو الموت.
قال: [(ويقال: يا أهل النار هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون، ويقال: نعم هذا الموت)].
إذاً: أهل الجنة يعرفون الموت، وأهل النار يعرفون الموت.
قال: [(فيأمر به فيذبح)].
يؤمر بهذا الكبش الأملح بأن يذبح بين الجنة والنار، وهو يكون آخر من يذبح، لأنه علامة وأمارة على انتهاء أسطورة الموت، فلا موت بعد موت هذا الكبش.
قال: [(ثم يقال: يا أهل الجنة، خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم:٣٩] وأشار بيده إلى الدنيا)].
أي: كلنا في هذه الدنيا في غفلة عظيمة عن العمل الصالح، وعن تقوى الله ، وعن البر والصلة وغير ذلك فنحن في غفلة عظيمة، سنندم عليها في يوم يسمى يوم الحسرة.
وفي الحديث: (إذا أدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار قيل: يا أهل الجنة).
ثم ذكر الحديث فذلك قوله : ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم:٣٩]، ولم يقل ثم قرأ رسول الله ﷺ ، وأشار بيده إلى الدنيا.
стр. 177
شرح حديث: (يدخل الله أهل الجنة الجنة ثم يقوم مؤذن)
قال: [حدثنا زهير بن حرب، والحسن بن علي الحلواني، وعبد بن حميد قال عبد: أخبرني، وقال الآخران: حدثنا يعقوب -وهو ابن إبراهيم بن سعد المدني - حدثنا أبي عن صالح وهو ابن كيسان، حدثنا نافع أن عبد الله قال: إن رسول الله ﷺ قال: (يدخل الله أهل الجنة الجنة، ويدخل أهل النار النار، ثم يقوم مؤذن بينهم)].
المؤذن بمعنى المنادي.
[(فيقول: يا أهل الجنة لا موت، ويا أهل النار لا موت).
أي: كل خالد فيما هو فيه.
طبعاً نحن نعتقد أن من دخل النار من عصاة الموحدين خرج منها يوماً ما حتماً ولابد، وهذا الحديث موضعه بعد آخر رجل يخرج من النار من الموحدين ويدخل الجنة.
стр. 178
شرح حديث: (إذا صار أهل الجنة إلى الجنة)
قال: [حدثني هارون بن سعيد الأيلي وحرملة بن يحيى قالا: حدثنا ابن وهب -وهو عبد الله - حدثني عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب؛ أن أباه حدثه عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: (إذا صار أهل الجنة إلى الجنة، وصار أهل النار إلى النار أتي بالموت حتى يجعل بين الجنة والنار، ثم يذبح، ثم ينادي مناد: يا أهل الجنة! لا موت، ويا أهل النار لا موت، فيزداد أهل الجنة فرحاً إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حزناً إلى حزنهم)].
стр. 179
شرح حديث: (ضرس الكافر أو ناب الكافر مثل أحد)
قال: [حدثني سريج بن يونس، حدثنا حميد بن عبد الرحمن، عن الحسن بن صالح، عن هارون بن سعد، عن أبي حازم، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ضرس الكافر أو ناب الكافر مثل أحد، وغلظ جلده مسيرة ثلاث)].
أي: ثلاث ليال، أو ثلاثة أيام.
وهذا يدل على عظم النار، كما أننا قلنا عن عظم الجنة: إذا كان حظ أدنى الناس فيها عشرة أمثال الدنيا، فما بالك بنصيب الأنبياء، والصديقين والشهداء والرفقاء؟! وكذلك النار عظيمة جداً، وعميقة جداً، ومحرقة جداً، ضرس الكافر الواحد فيها كجبل أحد، فما بالك بأضراسه بل وأسنانه وقواطعه، وإذا كان غلظ جلده مسيرة ثلاثة أيام، فما بالكم بجوارح الكافر كلها كم ستكون؟ وما بالكم بجميع الكفار والمنافقين أين يكونون وكيف يكونون في هذه النار العظيمة الذي جعل الله: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة:٢٤]؟
стр. 180
شرح حديث: (ما بين منكبي الكافر في النار مسيرة ثلاثة أيام)
قال: [حدثنا أبو كريب وأحمد بن عمر الوكيعي قالا: حدثنا ابن الفضيل عن أبيه، عن أبي حازم عن أبي هريرة يرفعه].
ومعنى يرفعه أي: يقول فيه قال النبي ﵊.
[(ما بين منكبي الكافر في النار مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع)].
قوله: (ما بين منكبي الكافر).
أي: من الكتف إلى صفحة العنق يسمى منكباً، مسيرة ثلاثة أيام للراكب الجواد المسرع.
стр. 181
شرح حديث: (ألا أخبركم بأهل الجنة كل ضعيف متضعف)
قوله ﵊: [(ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف)].
والمتضعف -بالفتح والكسر- معناه: من يستضعفه الناس ويحتقرونه ويتجبرون عليه لضعف حاله في الدنيا.
يقال: تضعفه واستضعفه.
أما المتضعف فمعناه: المتواضع المتذلل المنكسر لله .
قال: (قال القاضي عياض: وقد يكون الضعف هنا رقة القلوب ولينها، وإخباتها للإيمان، والمراد أن أغلب أهل الجنة هؤلاء، كما أن معظم أهل النار هم القسم الآخر).
قوله: [(مدفوع بالأبواب)].
يعني: يأتي إليك من أجل أنه رجل فقير فتقوم بطرده من الباب؛ لأنه لا يتناسب مع حشمة الأغنياء ووجاهتهم، مع أن هؤلاء هم أتباع الأنبياء، وهم ناصرو الأنبياء، وهم أهل الإيمان حقاً، ولا يعني ذلك أن الأغنياء ليسوا من أهل الإيمان، لكن الغالب على الفقراء والضعفاء والمساكين أنهم أهل الإيمان، والغالب أن أهل الغنى يصرفهم غناهم عن الله ، وصاحب الملايين في هذا الوقت لا يمكن نراه في هذا المسجد، لأنه قد شغلته أمواله عن الحضور والتذلل والانكسار، فإذا شغلته يوماً بعد يوم وعاماً بعد عام نسي بركة هذه المجالس، ولم يتذوق حلاوتها، فكان بعيداً أو هو يبعد شيئاً فشيئاً عن حلاوة الإيمان، ولا ننفي عنه الإيمان والإسلام، وإنما نقول: إنه فقد حلاوة الإيمان، والمؤمن لا يتذوق حلاوة الإيمان إلا بطلب العلم الشرعي، وسماع كلام الله وكلام الرسول ﵊، وهذا الغني قد صرفه غناه عن سماع كلام الله، وإن كان مؤمناً لكن الفارق جوهري بين تذوق المؤمن المطيع لحلاوة الإيمان، وتذوق العاصي لحلاوة الإيمان.
قوله: (كل ضعيف متضعف) أي: متذلل منكسر لله ، لا يشمخ بأنفه إلى السماء، ويمن على الله : ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات:١٧]، فكل واحد منا محتاج إلى مراجعة ووقفة مع الذات من أول لحظة في حياته حتى يقدم على الله ﵎.
قوله: (لو أقسم على الله لأبره).
معناه: لو حلف يميناً طمعاً في كرم الله تعالى بإبراره لأبره.
وقيل: لو دعاه لأجابه.
يقال: أبررت قسمه وبررته.
والأول هو المشهور.
قوله: [(وأما أهل النار: فكل عتل جواظ مستكبر)].
أما العتل: فهو الجافي الشديد الخصومة في الباطل، وهذا يحدث معنا كثيراً جداً، الواحد لما يأتي يعد أوصاف أهل النار يجد كل الأوصاف متوفرة فيه، فهو يعرف الحق ويجادل، ويماحك، ويخاصم، وهو في نفس الوقت يعلم أنه على الباطل، فكيف يكون هذا من أهل الجنة الداخلين أولاً مع الداخلين؟ ومعنى (كل عتل) أي: كل جاف شديد الخصومة في الباطل.
وقيل الجافي: هو الفظ الغليظ.
وأما الجواظ: فهو الجموع المنوع.
وقيل: الجواظ هو كثير اللحم المختال في مشيته.
أي: المستكبر في مشيته.
وقيل: هو القصير البطين.
أي: صاحب كرش.
وقيل: هو الفاخر، أي: الذي يفخر بنفسه على الخلق.
وأما الزنيم: فهو الدعي في النسب، رجل انتسب إلى قوم وهو يعلم أنه ليس منهم، وشبه بزنمة الشاة.
وأما المتكبر والمستكبر: فهو صاحب الكبر، وهو بطر الحق وغمط الناس.
أي: رد الحق وظلم الناس.
[قال النبي ﵊: (ألا أخبركم بأهل الجنة! كل ضعيف متضعف لو أقسم على الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار كل جواظ زنيم متكبر).
وفي رواية: (كل عتل جواظ مستكبر).
وفي رواية في وصف أهل الجنة: (رب أشعث مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره)].
يعني: ربما يكون هناك من شعره أشعث من ينظر إليه لا يعبأ به ولا يحترمه ولا يقدره، وإذا طرق عليه بابه ينهره ويزجره ويطرده من الباب، وهذا الذي تراه على هذه الصفة وتلك الهيئة منزلته عند الله عظيمة بحيث أنه لو دعا الله لأجابه، فلم تدفعه؟ فلو دعا عليك لأجابه الله .
أما من قال أن الشعث هم البله، يلزمه أن يقول أن هؤلاء المجانين هم ممن ينطبق عليهم قوله: (أشعث) لكن الأشعث هو كل ضعيف يستضعفه الناس، كما قال النبي ﵊ لما مر عليه رجل: (ما تقولون في هذا؟ قالوا: يا رسول الله! إنه لجدير إذا تكلم أن يسمع، وإذا نكح أن ينكح).
يعني: الناس كلها تتمنى أن تزوج هذا، وأن تتكلم معه لشرفه، وبعض الناس لا يزال محتفظاً بصورة قد تصورها أيام الشقاوة مع الرئيس الفلاني، أو الأمير الفلاني، أو اللاعب الفلاني، أو الراقصة الفلانية، فهو لا يزال يذكر ماضيه ويفتخر به، مع أنه أولى به أن يطمسه تماماً، وألا يذكره، لكنه على أية حال يرى أن هذا فخر، ولو كان قد التقط تلك الصورة مع رجل ضعيف متذلل منكسر لا يسمع به الناس، يخلو بربه في الليل فيكسب من نوره سبحانه، لقال: تلك الصورة ليس لها قيمة ويتمنى ألا أحد يراها، مع أنها شرف.
стр. 182
شرح حديث: (إلام يجلد أحدكم امرأته)
[حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو كريب قالا: حدثنا ابن نمير عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن أبي زمعة -كنيته أبو زمعة - قال: قال النبي ﷺ : (﴿إِذْ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ [الشمس:١٢].
انبعث فيها رجل عزيز عارم منيع في رهطه مثل أبي زمعة)].
النبي ﷺ يذكر أن الذي قتل الناقة كان رجلاً عارماً منيعاً في قومه وهو رجل عزيز في أهله مثل أبي زمعة، النبي ﷺ يشبه أبا زمعة بهذا الشقي الذي انبعث فقتل الناقة، فالشقي الذي انبعث فقتل ناقة صالح كان عارماً عزيزاً منيعاً ذو مكانة ووجاهة في قومه مثل أبي زمعة، وليس معنى ذلك أنه شبه أبا زمعة بذلك الشقي.
[ثم ذكر النساء فوعظ فيهن ثم قال: (إلام يجلد أحدكم امرأته)].
يعني: لماذا يجلد أحدكم امرأته؟ قال: [(جلد الأمة).
وفي رواية: (جلد العبد، ولعله يضاجعها من آخر يومه).
ثم وعظهم في ضحكهم من الضرطة فقال: (إلام يضحك أحدكم مما يفعل)].
قوله في هذا الحديث: (إلام يجلد أحدكم امرأته؟) يعني: لماذا يضربها كما يضرب أحدكم عبده أو أمته؟ فلعله يحتاجها في الليل للجماع والفراش، فإذا احتاجها وقد ضربها بالنهار فكيف يطلبها في الفراش؟! فالذي يفعل ذلك أشبه بالحيوانات، بل الحيوانات أفضل منه، فالحيوان إذا أراد الوقوع في أنثى وكان بينهما من الخلاف والمشاجرة والرفض وغير ذلك هو يعرف أنه لا يمكن مع هذا الجو المكهرب أن ينال مراده، ولذلك هو لا يطلبها، فالنبي ﷺ يقول: (يجلدها جلد العبد والأمة ثم يطلبها في الليل).
وهذا شيء بعيد جداً حتى نفسياً، أمر لا يمكن تحصيله، ومن حصله مع هذا الجو لابد أنه قد فقد كل إحساسه.
ثم قال النبي ﵊: (إلام يضحك أحدكم مما يفعل) أي: من الضرطة.
وهي: خروج الهواء من الدبر بصوت، فإذا فعل الواحد شيئاً من ذلك أو فعل في حضرة قوم كان له من التعليقات الباردة السخيفة بالقول أو الفعل، وهذا في الحقيقة من سوء الأدب، والمطلوب أن الواحد إذا سمع شيئاً من ذلك من صاحبه أن يتغافل عنه، ويعتبر أن ذلك شيء لم يكن، ويزعم أنه لم يسمع شيئاً؛ حتى وإن سئل يجيب بأنه لم يسمع شيئاً، وهذا من الخلق الكريم، وصاحب الخلق الكريم لا يتوقف عند هذه التفاهات، وقد يخيل إليه أنه سمع شيئاً حتى يعلق تلك التعليقات السخيفة الباردة، وفي النهاية يتبين أن صاحبه لم يفعل شيئاً.
وفي إيطاليا سنة (٨٧م) علمت أن من صفات هذا الشعب أنهم يفعلون ذلك بغير أدنى حرج في المواصلات العامة، وفي الشوارع والطرقات وفي كل مكان رجالاً ونساءً بدون أن يعلق واحد منهم شيئاً على الآخر، والمصريون كذلك تعلموها منهم، مع أننا لنا أخلاق وآداب تختلف عنهم، ينبغي أن نتأدب بها، ولا ينبغي أن نتكلف هذا الفعل تكلفاً ونتعمده من أجل أن نثبت للناس أننا إيطاليون.
стр. 183
شرح حديث: (رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار)
قال: [حدثني زهير بن حرب حدثني جرير عن سهيل -وهو سهيل بن أبي صالح السمان - عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف أبا بني كعب هؤلاء يجر قصبه في النار)].
النبي ﷺ أخبرنا أن الله قد أطلعه على النار ورأى أهلها، وقد دخل الجنة ورأى أهلها، وهذا أمر مستقر، فإنه دخل الجنة ورأى فيها كيت وكيت وكيت، وأخبر بما رأى ﵊، واطلع على النار ورأى فيها كيت وكيت وكيت، ورأى فيها عمرو بن لحي يجر أمعاءه؛ لأنه أول من أمر أهل مكة بعبادة الأصنام، فهو الذي جلب الأصنام من الشام ووضعها حول الكعبة، وأمر أهل مكة بعبادة هذه الأصنام من دون الله ، فـ عمرو بن لحي هو زعيم الشرك، وسيد المشركين، رآه النبي ﵊ في النار يجر أمعاءه ويدور فيها كما يدور الحمار حول الرحى.
[وعن ابن شهاب قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: إن البحيرة هي التي يمنع درها للطواغيت].
البحيرة التي ذكرها الله تعالى في القرآن هي التي يمنع درها -أي: لبنها- للطواغيت.
وهي تلك الأصنام فلا يحلبها أحد من الناس، وإنما هي وقف لهذه الأصنام.
[وأما السائبة: فهي التي تنطلق بغير قيد لتأخذ مرعاها، وهي التي كانوا يسيبونها لآلهتهم فلا يحمل عليها شيء].
يعني: السائبة التي ليس لها ضرع ولا لبن لا يحمل عليها شيء بل هي وقف لهذه الأصنام، وصاحبة اللبن لا يستفيد بلبنها أحد، وإنما لبنها متروك لتلك الأصنام وهذه الأوثان، فهو أول من شرع هذا الشرك وهذا الكفر.
[قال ابن المسيب: قال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ : (رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار وكان أول من سيب السيوب).
стр. 184
شرح حديث: (صنفان من أهل النار لم أرهما)
قال: [حدثني زهير بن حرب حدثنا جرير عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (صنفان من أهل النار لم أرهما)].
أي: هذان الصنفان من أهل النار لم يكونا في زمانه.
قال: [(قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس)].
ولا يلزم أن هذه السياط كأذناب البقر، المهم أنها كناية عن ظلم العباد.
قوله: (يضربون بها الناس).
أي: بغير حجة ولا برهان ولا ذنب اقترفوه، ولذلك يقول الإمام النووي: (هذا الحديث من معجزات النبوة، فقد وقع ما أخبر به ﷺ ، فأما أصحاب السياط فهم غلمان والي الشرطة).
هؤلاء الظلمة الذين يضربون الناس ويعذبون الناس بغير ذنب ارتكبوه، ولا جريرة اقترفوها.
قال: [(ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات، رءوسهن كأسنمة البخت المائلة)].
والبخت هي الإبل.
قال: [(لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها)].
والحكم النهائي أن هذان الصنفان لا يدخلان الجنة، ولا يشمان رائحتها.
قال: [(وإن ريحها ليوجد من مكان كذا وكذا)، وفي رواية: (من مسيرة خمسمائة عام)].
أما معنى الكاسيات العاريات ففيه أقوال لأهل العلم، أحدها: كاسيات من نعمة الله، عاريات من شكرها.
والثاني: كاسيات من الثياب، عاريات من فعل الخير، والاهتمام لآخرتهن، والاعتناء بالطاعة.
الثالث: يكشفن شيئاً من أبدانهن إظهاراً لجمالهن، فهن كاسيات في الحقيقة عاريات.
والرابع: يلبسن ثياباً رقيقة تصف ما تحتها، فهن كاسيات عاريات في المعنى.
وأما: (مائلات مميلات) فقيل: الميل هو الانحراف، والزيغ، فهن زائغات عن طاعة الله تعالى، وما يلزمهن من حفظ الفروج وغيرها، ومميلات أي يعلمن غيرهن مثل فعلهن.
وقيل: مائلات أي: متبخترات في مشيتهن، مميلات لأكتافهن.
وقيل: مائلات يتمشطن المشطة الميل وهي مشطة البغايا، معروفة لهن.
مميلات: يمشطن غيرهن تلك المشطة.
وقيل: مائلات إلى الرجال، مميلات لهم بما يبدين من زينتهن وغيرها.
وأما قوله: (رءوسهن كأسنمة البخت) فمعناه: يعظمن رءوسهن بالخمر والعمائم، يعني: المرأة تضع عمامة على رأسها، والعمامة هي كل ما يعم الرأس عن الرجل والمرأة كالخمار تماماً، فهن يعممن رءوسهن بالخمر والعمائم مما يلف على الرأس حتى تشبه أسنمة الإبل، وهذا هو المشهور في التمثيل.
ويجوز أن يكون معناه: يطمحن إلى الرجال ولا يغضضن أبصارهن عنهم، ولا ينكسن رءوسهن.
واختار القاضي أن المائلات: تمشط المشطة الميلاء وهي ظفر الغدائر، وشدها إلى فوق، وجمعها في وسط الرأس، فتصير كأسنمة البخت، فتجعل شعرها كبة فوق رأسها.
ومراد التشبيه بأسنمة البخت إنما هو لارتفاع الغدائر أو الظفائر فوق رءوسهن، وجمع عقائصهن وتكسرها بما يظفرنه حتى تميل إلى ناحية من نواحي الرأس كما تميل سنام البعير، يقال: ناقة ميلاء إذا كان سنامها يميل إلى أحد شقيها.
فقد كفر بالله واستحق الخلود في النار، فهو لا يشم رائحة الجنة أبداً ويخلد في النار، لأنه استحل ما حرم الله بعد قيام الحجة عليه، وإذا فعل ذلك متأولاً، أو بجهل، أو بعلم أنها معصية ووقع فيها مع اعتقاده الجازم أنه عاص ويقر بذلك، فيكون معنى لا يدخلن الجنة: أي: أولاً مع الداخلين، يعني: لا يدخلن في أول الأفواج التي تدخل الجنة، ولكنهم يدخلون بعد تطهيرهم من أرجاسهم وأدناسهم في نار جهنم.
стр. 185
شرح حديث: (يوشك إن طالت بك مدة أن ترى قوماً في أيديهم مثل أذناب البقر)
قال: [حدثنا ابن نمير حدثنا زيد -يعني: ابن حباب - حدثنا أفلح بن سعيد حدثنا عبد الله بن رافع مولى أم سلمة قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول ﷺ : (يوشك إن طالت بك مدة)].
النبي ﷺ يقول لـ أبي هريرة يوشك يا أبا هريرة إن طال بك زمانك أو طال بك العمر.
قال: [(أن ترى قوماً في أيديهم مثل أذناب البقر يغدون في غضب الله ويروحون في سخط الله)].
يعني: في الصباح والمساء، لا تفارقهم اللعنة، ولا يفارقهم الغضب والسخط، وهو غضب الله وسخطه عليهم؛ لأنهم يظلمون العباد، ويحاربون العباد، ويقتلون العباد، ويضربون العباد بغير حجة ولا برهان، بل قامت الحجة والبراهين على أن هؤلاء مظلومون وهم أصحاب حق وأصحاب دعوة صحيحة، ومع ذلك يضربون ويعذبون، ويسحلون، ويصعقون، ويظلمهم الظالمون بغير حجة ولا برهان، فهؤلاء جزاؤهم عند الله أنهم يغدون في غضب الله، ويروحون في سخط من الله .
[حدثنا عبيد الله بن سعيد، وأبو بكر بن نافع، وعبد بن حميد، قالوا: حدثنا أبو عامر العقدي، حدثنا أفلح بن سعيد، حدثنا عبد الله بن رافع - مولى أم سلمة - قال: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن طالت بك مدة، أوشكت أن ترى قوماً يغدون في سخط الله، ويروحون في لعنته)].
واللعن والطرد يكونان من رحمة الله تعالى.
قال: [(في أيديهم مثل أذناب البقر)].
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
стр. 186
الأسئلة
стр. 187
عذاب الشيطان في جهنم بالنار
السؤال
كيف يعذب الشيطان في النار وهو من النار؟
الجواب
ابن آدم يعذب بطين وقد خلق منها، لو أخذنا في هذا الوقت حجراً نستطيع أن نهشم به رأسك وعظمك، فكيف تعذب أنت بهذا الحجر والحجر من طين وأنت قد خلقت من طين؟ إذا كان الذي خلق من طين يعذب بالطين فكذلك الذي خلق من النار يعذب بالنار.
стр. 188
حكم الاستعانة بالجن في علاج السحر
السؤال
ما حكم الاستعانة بالجن في علاج السحر والصرع وغير ذلك؟
الجواب
هذا أمر لا يجوز.
стр. 189
حكم من أفطر يوم عرفة لعذر شرعي
السؤال
امرأة مسلمة مقيمة بمصر جاءها الحيض في يوم عرفة، فهل يضيع عليها أجر صيام هذا اليوم، وماذا تفعل بعد أن تطهر؟
الجواب
لا يلزمها أن تعيد هذا اليوم، وإذا كانت بدأت الصيام فجاءها الحيض في أثناء النهار، أو لم تبدأ بالمرة ولكنها عقدت النية أنها إن طهرت صامت فلها أجر ذلك اليوم بإذن الله تعالى.
стр. 190
حكم قضاء الصلوات المفروضة لمن تركها شهوراً وسنين عديدة
السؤال
رجل كان تاركاً للصلاة ثم التزم، فهل يقضي الصلاة التي فاتته قبل أن يلتزم؟
الجواب
هذا مذهب جماهير العلماء، والمذهب الحق الذي أراه حقاً هو أن تارك الصلاة يلزمه التوبة، والتوبة تجب ما كان قبلها، وإنما يكثر من النوافل والصدقات إذا كان من أصحاب المال وغير ذلك، أما أن يعيد مع كل فرض فرضاً، أو فرضين أو ثلاثة فهذا وإن كان كلام جماهير العلماء لكن ليس عليه أي دليل.
стр. 191
المكان الذي يحرم منه من كان دون الميقات
السؤال
كنت مقيماً هذا العام في جدة قبل الحج بعشرين يوماً، وقمت بهذه المدة بأعمال العمرة وذهبت إلى الميقات، لأنني نويت التمتع، ثم في ليلة الثامن من ذي الحجة قمت بالمبيت بالحرم المكي وفي صبيحة يوم الثامن أحرمت من الحرم وذهبت إلى منى، فهل علي شيء من أجل أنني لم أحرم من جدة؟
الجواب
ليس عليك شيء، وإحرامك صحيح؛ لأنه من كانوا من دون المواقيت فإنهم يحرمون من أماكنهم حتى أهل مكة يحرمون من مكة.
стр. 192
حكم تشمير البنطلون وهو تحت القميص
السؤال
ما حكم تشمير البنطلون وهو لا يظهر تحت القميص؟
الجواب
لا حرج عليك فيه؛ لأن النهي فيه نهي تنزيه، وإذا كان فالأولى أن تقطع هذه الزيادة.
стр. 193
نصيحة في ترك مجاورة النصارى والحذر من سحرهم
السؤال
في البيت الذي أسكن فيه يوجد اثنان من النصارى، ومنذ فترة ظنت زوجتي أنهم قد يعملون لنا أعمالاً، وسبب هذا الظن أن زوجة أحدهم قد طلبت من زوجتي قطعة ملابس أطفال، ولكن زوجتي رفضت، فبم تنصحنا؟
الجواب
أنصحك في الحقيقة إما أن ترحل عن هذا المكان، وإما أن تقطع علاقتك بهم أبداً، فهم أهل سحر وأذى، وفي الحقيقة الكنيسة في هذا الزمان لها من أعمال السحر ما لم يكن لها قبل ذلك، حتى صار القساوسة أهل تخصص في مسألة السحر والحسد وغير ذلك.
стр. 194
حكم دفع الرشوة للحصول على وظيفة حكومية
السؤال
دفعت رشوة في حصولي على عمل تابع للحكومة، وعلمت أن ذلك ذنب، فماذا أعمل الآن مع العلم أنني سأستلم العمل في وقت قريب؟
الجواب
خلاص أنت دفعت، الذي يسأل -يا إخواني- على الشيء يسأل قبل العمل لا بعد العمل، أما وقد دفعت لا قيمة للسؤال حينئذ، لكني أنصح من لم يدفع ألا يدفع.
стр. 195
كيفية ذبح الكبش بين الجنة والنار
السؤال
من سيذبح الكبش الذي هو الموت بين الجنة والنار؟
الجواب
يقول الله تعالى له مت فيموت.
стр. 196
حكم الصلاة في مسجد به قبر، وحكم زيارة النساء للقبور
السؤال
ما صحة القراءة على الميت في القبر، وما هو الوارد في زيارة النساء للقبور، وهل يجوز الصلاة في مسجد به قبر؟
الجواب
الذي يطمئن إليه قلبي أنه لا تجوز الصلاة في مسجد به قبر، فمن صلى في مسجد به قبر يعيد الصلاة إذا كانت في الوقت.
أما الوارد عموماً في زيارة القبور فهو الدعاء، والذكر والموعظة، قال ﵊: (كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها تذكركم الآخرة)، فهذه فائدة الزيارة.
وزيارة النساء مكروهة أو هي جائزة مع الكراهة، لحديث أم عطية الأنصارية في الصحيحين أنها قالت: (نهانا النبي ﵊ عن زيارة القبور ولم يعزم علينا)، أي: ولم يؤكد النهي؛ فتبين الجواز.
وأخذنا الكراهة من نهيه الأول الذي لم يؤكده: (نهانا عن زيارة القبور ولم يعزم) أي: ولم يؤكد على هذا النهي، ولو أكده لقلنا بالحرمة، ولكنه لم يؤكد فنقول بالكراهة مع الجواز.
والنبي ﵊ كان إذا زار القبور قال: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين، أنتم السابقون ونحن إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لنا ولهم) ويستمر بالدعاء لأهل القبور جميعاً.
وقالت عائشة ﵂ كما في الصحيحين: (أن النبي ﷺ كان يبيت عندي فانسل من فراشه فأتبعته حتى جاء على البقيع ورفع يديه يدعو لأهل البقيع، فلما أراد أن ينفتل) يعني: لما أنزل يديه وأراد أن يرجع، (أسرعت الرجوع إلى بيتي، فدخل النبي ﷺ علي في حجرتي فلما رآني قال: أتظنين أن يحيف الله عليك ورسوله؟ قالت: ثم لهزني لهزة أوجعتني.
وقال: إن ربي أمرني أن أذهب إلى البقيع فأدعو لأهل البقيع).
هذا هو الشاهد: (إن ربي أمرني أن أذهب إلى البقيع فأدعو لهم)، قال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة:١٠٣]، فدعاء النبي ﷺ ليس كدعاء الغير، ونحن مأمورون بما أمر به النبي ﵊.
стр. 197
شرح صحيح مسلم - كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها - باب النهي عن سب الدهر
لقد اختص الله هذه الأمة بالعقيدة الإسلامية الصافية، وحرص الشارع الحكيم على وقاية هذه العقيدة من كل ما يشوبها أو يدنس صفاءها ونقاءها، فحذر من أي فعل أو قول يمكن أن يقدح فيها، ومن ذلك نهيه عن بعض الألفاظ وتحذيره منها، وهي ألفاظ كثيراً ما تدور على ألسنة الناس دون أن يلقوا لها بالاً، معتقدين عدم تأثيرها في عقيدتهم، أو قدحها في توحيدهم.
стр. 198
باب النهي عن سب الدهر
الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
أما بعد: فمع الجزء الخامس عشر، وهو الذي يبدأ بكتاب الألفاظ من الأدب وغيرها، والمؤلف هنا لم يتكلم عن كل الآداب الإسلامية، وإنما تكلم عن بعض المسائل والمواضيع الأدبية التي ينبغي أن يتحلى بها المسلم فقال رحمه الله تعالى: (باب: النهي عن سب الدهر) وهو الباب الأول في كتاب الألفاظ من الأدب.
стр. 199
شرح حديث: (يسب ابن آدم الدهر وأنا الدهر)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثني أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن سرح وحرملة بن يحيى -وكلاهما مصريان- قالا: أخبرنا ابن وهب -وهو مصري كذلك، واسمه عبد الله بن وهب القاضي المصري الكبير المعروف- قال: حدثني يونس عن ابن شهاب] يونس إذا كان بين ابن وهب وابن شهاب الزهري فإنما هو يونس بن يزيد الأيلي لا غيره.
[قال ابن شهاب: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن].
وأبوه هو عبد الرحمن بن عوف الزهري الصحابي المعروف، وولده اسمه أبو سلمة، وإن كان الاسم هذا كنية، فهو ممن عرف بأن اسمه كنيته، اسمه أبو سلمة وكنيته كذلك.
[قال: قال أبو هريرة ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (قال الله : يسب ابن آدم الدهر وأنا الدهر بيدي الليل والنهار)].
وهذا حديث قدسي.
قال: [وحدثناه إسحاق بن إبراهيم -وهو المعروف بـ الحنظلي إسحاق بن راهويه - وابن أبي عمر -وهو محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني نزيل مكة، وتلميذ ابن عيينة - واللفظ لـ ابن أبي عمر قال إسحاق: أخبرنا، وقال ابن أبي عمر: حدثنا سفيان].
إذا حدث ابن أبي عمر عن سفيان فهو سفيان بن عيينة؛ لأننا قلنا: إن ابن أبي عمر عدني نزيل مكة.
يعني: هو من عدن ولكنه نزل مكة واستقر بها، ولازم بها سفيان عشرين عاماً.
قال: [قال: حدثنا سفيان عن الزهري عن ابن المسيَّب].
أو ابن المسيِّب كلاهما صحيح، وابن المسيب هو سعيد بن المسيب المدني، وهو زوج ابنة أبي هريرة ﵁.
قال: [يحدث عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (قال الله : يؤذيني ابن آدم يسب الدهر)].
وسبب الإيذاء: هو أن ابن آدم يسب الزمن والأيام، وكلاهما الدهر، [(قال: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر أقلب الليل والنهار)].
وبعض المحدثين أنكر أن يكون الدهر مرفوعاً، وقالوا: الصواب أن يكون منصوباً.
أي: وأنا الدهرَ: ولكن الصواب من مذهب جماهير المحدثين وجل اللغويين أنه بالرفع الدهرُ.
стр. 200
شرح حديث: (يؤذيني ابن آدم يقول: يا خيبة الدهر)
[وحدثني عبد بن حميد قال: أخبرنا عبد الرزاق].
وهو ابن همام الصنعاني اليمني.
[قال: أخبرنا معمر].
ومعمر هو ابن راشد البصري الصنعاني.
يعني: هو من أهل البصرة، ولكنه نزل صنعاء اليمن فاستقر بها وتزوج منها وبقي فيها.
[عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (قال الله : يؤذيني ابن آدم يقول: يا خيبة الدهر)].
وسبب الإيذاء هنا هو نوع آخر من أنواع السب [(فلا يقولن أحدكم: يا خيبة الدهر؛ فإني أنا الدهر أقلب ليله ونهاره)].
أقلب: يعني: أُبدِّل بين ليله ونهاره، أو أجعل الخلائق في الليل والنهار يتقلبون، فالوضيع يصير شريفاً والشريف يصير وضيعاً، والغني يصير فقيراً، والفقير يصير غنياً، والمريض يصير صحيحاً، والصحيح يصير مريضاً، وغير ذلك، وهذا نوع من أنواع التقليب الذي يقع في الدهر.
أي: في الزمن.
[(قال الله : أقلب ليله ونهاره، فإذا شئت قبضتهما)].
أي: أقمت الساعة.
[وحدثنا قتيبة قال: حدثنا المغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد].
وأبو الزناد هو عبد الله بن ذكوان، وكنيته أبو عبد الرحمن، أما أبو الزناد فهو لقب له.
[عن الأعرج].
وهو عبد الرحمن بن هرمز الأعرج المدني.
[عن أبي هريرة ﵁].
وهو على الراجح عبد الرحمن بن صخر الدوسي.
[أن رسول الله ﷺ قال: (لا يقولن أحدكم: يا خيبة الدهر؛ فإن الله هو الدهر).
стр. 201
شرح حديث أبي هريرة في النهي عن سب الدهر
وحدثني زهير بن حرب].
وهو أبو خيثمة النسائي.
[قال: حدثنا جرير].
وهو ابن عبد الحميد الضبي الكوفي.
[عن هشام عن ابن سيرين].
الذي يروي عن ابن سيرين هو هشام بن حسان الأزدي، وهشام بن عروة يروي كذلك عن ابن سيرين، لكنه هنا هشام بن حسان عن ابن سيرين، وإن كان هشام بن حسان في مرتبة الصدق والأمانة ولم يرتق إلى مرتبة الثقة أو الحافظ، إلا أنه من أثبت الناس في ابن سيرين.
[قال هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﵊ قال: (لا تسبوا الدهر)].
وهذا حديث نبوي، وليس حديثاً قدسياً.
[قال: (لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر)].
هذا نهي من النبي ﵊؛ لأن الله هو الدهر.
وفي الرواية الأولى: (قال الله : لا يقولن أحدكم: يا خيبة الدهر؛ فإن الله هو الدهر).
وعند أحمد من حديث أبي هريرة كذلك أن النبي ﵊ قال: (لا تسبوا الدهر؛ فإن الله قال: أنا الدهر، الأيام والليالي لي أجددها وأبليها).
أي: ملك لي وهي بيدي.
أجددها وأبليها.
يعني: تجديدها بالليل بعد النهار والنهار بعد الليل، وهذا بيد الله ومن صنعه وخلقه، فليس أحد يملك ذلك إلا الله.
ومعنى أبليها.
يعني: أفنيها وأنهيها.
ثم قال ﵊: (وآتي بملوك بعد ملوك) وهذا بقية الحديث.
أي: يذهب ملوك ويأتي من بعدهم ملوك آخرون إلى قيام الساعة.
стр. 202
تأويل حديث: (فإن الله قال: أنا الدهر)
والقول بأن الدهر من أسماء الله يرده الإجماع المنعقد سلفاً وخلفاً أن الدهر ليس من أسماء الله وإذا كان الإجماع على هذا النحو، ولم يأت لا في زمن الصحابة ولا من بعدهم أن من أسماء الله ﵎ الدهر، فلابد من تأويل هذا الحديث.
وأما تأويله في رواية: (إن الله هو الدهر) فقد قال العلماء: وإطلاق الدهر هنا من باب المجاز؛ وسببه أن العرب كان من شأنها أن تسب الدهر عند النوازل والحوادث والمصائب النازلة بها من موت أو هرم أو تلف مال أو غير ذلك، فيقولون: يا خيبة الدهر.
يعني: يسبون الدهر.
وأنتم تعلمون أن الدهر هو الأيام والليالي، وهو الأعصر والأزمان، وهذه الأعصر والأزمان لا تفعل شيئاً في هذه المصائب، وليست سبباً في نزول المصائب، بل المصائب مخلوقة لله ، والشر مخلوق لله ، وكذلك الأيام والليالي مخلوقة لله ، والأيام والليالي ليس لها دخل في نزول المصائب والنوازل والحوادث، ولكن العرب كانت تتشاءم من يوم تقع فيه نازلة أو مصيبة، فيطلقون ألسنتهم بسب الدهر ولعنه، فيقولون: يا خيبة الدهر ونحو هذا من ألفاظ سب الدهر، فقال النبي ﵊: (لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر).
أي: فإن الله هو الذي خلق الدهر.
أي: لا تسبوا فاعل النوازل؛ لأن الليل والنهار ليسا بفاعلين للنوازل، وإنما فاعل النوازل وخالقها هو رب الليل والنهار وهو رب الدهر، فإذا سببتم الدهر ولعنتموه فكأنكم تسبون خالق النوازل وخالق الدهر وخالق الحوادث وخالق الليل والنهار، وهذا هو الذي نهى عنه ﵊، فإنكم إذا سببتم فاعلها وقع السب على الله تعالى؛ لأنه هو فاعلها ومنزلها، وأما الدهر الذي هو الزمان فلا فعل له، بل هو مخلوق من جملة خلق الله تعالى.
والمعنى: فإن الله هو الذي فعل النوازل وأوجدها وخلقها وأحدثها؛ وهي مما يقع في الكون، والله هو الخالق لجميع الكائنات والنوازل والحوادث.
وهذا الكلام قاله الإمام المنذري ووافقه الشيخ الألباني كذلك في الصحيحة.
стр. 203
باب كراهة تسمية العنب كرماً
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: كراهة تسمية العنب كرماً].
الكرْم والكرَم شيء واحد، والعرب كانت تطلق على العنب كرَم أو كرْم، على عادتهم في اتخاذ الخمر من العنب، فإذا شربوها سكروا، وإذا سكروا جادوا بها في مجالسهم، وأنتم تعلمون أن هذه المجالس باقية إلى الآن، حتى إن السكارى الآن يقولون: إن فلاناً هذا كريم جداً.
فإذا جئت تنظر في حال فلان هذا تجده رئيسهم في السكر، فيقولون: فلان أكرم واحد فينا.
يعني: هو الذي يُشرب الجالسين، يشتري خمراً ويوزعه على أصحابه كلهم.
يعني: هو يسقي الجميع، فسمي كريماً؛ لأنه يجود بالخمر على غيره.
فكذلك العرب كانت تفعل في جاهليتها، فلهذا يسمون العنب كرماً؛ لإظهار إكرام فاعله، فمن جاد بالشرب والسكر والخمر على غيره سمي عندهم كريماً.
ورغم أن هذا اللفظ يحمل معنى طيباً محموداً إلا أن النبي ﷺ كره أن يُطلق هذا اللفظ المحمود على ما هو مذموم أصلاً في الشرع، فقال: (لا تقولوا للعنب كرماً، بل أولى الناس بهذا الاسم العبد المسلم أو الرجل المسلم أو قلب المؤمن)، فإنه أولى بهذا الاسم من هذا السكير العربيد؛ لأن قلب المؤمن حي بنور الإيمان، لا يقارف هذه المعاصي ولا يشرب الخمر، فهو أولى بكرمه وتعففه عن المعاصي وعن هذه الأوحال ممن اقترفها.
قال: [حدثنا حجاج بن الشاعر حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن أيوب].
معمر بن راشد عن أيوب بن أبي تميمة السختياني وهو كيسان.
قال: [عن ابن سيرين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يسب أحدكم الدهر فإن الله هو الدهر، ولا يقولن أحدكم للعنب: الكرم؛ فإن الكرم الرجل المسلم)].
أي: فإن الكريم هو الرجل المسلم.
حدثنا عمرو الناقد وابن أبي عمر قالا: حدثنا سفيان].
وهو: سفيان بن عيينة.
[عن الزهري عن سعيد].
وهو: سعيد بن المسيب.
[عن أبي هريرة عن النبي ﵊ قال: (لا تقولوا كرماً فإن الكرم قلب المؤمن).
حدثنا زهير بن حرب حدثنا جرير -وهو جرير بن عبد الحميد الضبي الكوفي - عن هشام عن ابن سيرين - هشام عن ابن سيرين هو هشام بن حسان الأزدي - عن أبي هريرة عن النبي ﵊ قال: (لا تسموا العنب الكرم فإن الكرم الرجل المسلم).
وحدثنا زهير بن حرب -وهو أبو خيثمة النسائي نزيل بغداد- حدثنا علي بن حفص - المدائني أبو الحسن البغدادي - حدثنا ورقاء -وهو ابن عمر اليشكري نزيل المدائن وهو كوفي أبو بشر - عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يقولن أحدكم الكرم، فإنما الكرم قلب المؤمن).
وحدثنا ابن رافع -وهو محمد - قال: حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن همام قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن النبي ﵊ بأحاديث.
منها هذا الحديث من صحيفة همام عن أبي هريرة، أخرجها الإمام أحمد بن حنبل في الجزء الثاني من المسند وهي حوالي مائة واثنين وأربعين حديثاً.
[قال: (لا يقولن أحدكم للعنب الكرم، إنما الكرم الرجل المسلم).
حدثنا علي بن خشرم أخبرنا عيسى بن يونس -وهو ابن أبي إسحاق السبيعي - عن شعبة عن سماك بن حرب عن علقمة بن وائل -وهو ابن وائل بن حجر الحضرمي الكوفي، قيل: إن علقمة لم يسمع من أبيه، ولكن جاء عند الترمذي: أن علقمة قال: سمعت أبي.
فالذي يقول: إن علقمة لم يسمع من أبيه يرد عليه تصريح علقمة بأنه سمع من أبيه.
[عن النبي ﵊ قال: (لا تقولوا الكرم، ولكن قولوا: الحبْلة أو الحبَلة)].
إما بإسكان الباء أو بفتحها.
[(لا تقولوا للعنب: الكرم، ولكن قولوا: الحبَلة، أو الحبْلة يعني: العنب)، يعني: قولوا له: عنباً أو حبلة، فهذا لا بأس به.
قال: [وحدثنيه زهير بن حرب حدثنا عثمان بن عمر -وهو ابن فارس العبدي
стр. 204
بيان العلة من النهي عن تسمية العنب كرماً
إذاً: العنب يسمى إما عنباً أو حبلة، ولا نسميه كرماً؛ لأن هذا الاسم فيه كراهة شديدة جداً، قال ابن الجوزي: إنما نهي عن هذا؛ لأن العرب كانوا يسمونها كرماً، لما يدّعون من إحداثها في قلوب شاربيها من الكرم، فنهى النبي ﷺ عن تسميتها بما تمدح به لتأكيد ذمها وتحريمها، وليعلم أن ما في قلب المؤمن من نور الإيمان أولى بذلك الاسم الذي هو الكرم.
يقول الحافظ الإمام النووي: كانت العرب تطلق لفظة الكرم على شجر العنب، وعلى العنب، وعلى الخمر المتخذة من العنب؛ سموها كرماً لكونها متخذة منه، ولأنها تحمل على الكرم؛ لأن أصحاب المعاصي كانوا يجلسون مع بعضهم البعض يشربون الخمر، ويحب أحدهم أن يكون أحسن من الموجودين، فيوزع الخمر على الحاضرين؛ لأجل أن يكون صاحب الكرم والجود والسخاء والبذل، ولذلك حتى الذين يدخنون، فإن البخيل لديهم هو الذي لم يعط سيجارة أما ما لو أعطاها لأحد المدمنين فسيكون هو الكريم، فالكرْم تحمل على الكرم والسخاء، فكره الشرع إطلاق هذه اللفظة على العنب وعلى شجر العنب؛ لأن العرب إذا سمعوا بعد الإسلام لفظة الكرم التي تحمل على الكرم والبذل والسخاء ربما تذكروا بها الخمر، فهيجت نفوسهم إليها، فوقعوا فيها أو قاربوا ذلك، واستشرفتها نفوسهم، ولكن سموا العنب عنباً أو حبلة.
والشراب المتخذ منه يسمى خمراً؛ لأن وقع كلمة خمر على أذنك ليس كوقع كلمة كرم أو كريم، فهذه لها معنى وهذه لها معنى آخر، فالخمر وقعها على الأذن مذمومة، والكرم وقعها على الأذن ممدوحة.
أما قوله: إنما يستحق هذا الاسم الرجل المسلم أو قلب المؤمن؛ لأن الكرْم مشتق من الكرَم بفتح الراء، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] ولم يقل: أشربكم للخمر أو أشربكم للكرم، فسمى قلب المؤمن كرماً؛ لما فيه من الإيمان والهدى والنور والتقوى والصفات المستحقة لهذا الاسم.
قال أهل اللغة: يقال: رجل كرم، وامرأة كرم، ورجلان كرم، ورجال كرم، وامرأتان كرم، ونسوة كرم كله بفتح الراء وإسكانها كرَم وكرْم بمعنى كريم وكريمان وكرام وكريمات، فهذا وصف للمصدر كضيف وعدل، والله تعالى أعلم.
стр. 205
باب حكم إطلاق لفظة العبد والأمة والمولى والسيد
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: حكم إطلاق لفظة العبد والأمة والمولى والسيد] والحكم إما أن يكون جائزاً أو مكروهاً أو مستحباً أو مندوباً، وهذه الألفاظ موجودة في كتب الفقه أو كتب الحديث، مصحوبة بالأدلة والنصوص، لكن الكلام هنا ليس على أصل اللفظة.
وبالنظر إلى العنوان: (باب حكم إطلاق) تجد أن معناه: حكم الإكثار من استعمال هذه المصطلحات.
إذاً: هو يتكلم عن حكم استعمال هذه المصطلحات بصفة مستمرة حتى تكون هي الشائعة، فالعبد له حقوق في الإسلام وعليه واجبات، والسيد والمولى والأمة كذلك، وكل هذه المصطلحات، لابد أنك ستجد أبواباً كاملة تتعلق بأحكام كل من المولى والعبد والأمة والسيد.
وإطلاق لفظة (السيد) مباحة، لكنها تكره في بعض الأحيان، أما لفظة المولى فالأصل فيها الجواز، لكنها مكروهة أحياناً، وكذا لفظة الأمة أو العبد هي ألفاظ جائزة في الشرع ولكن في دائرة ضيقة، والتوسع في إطلاق هذه المصطلحات مكروه.
إذا: الأصل في حكم إطلاق هذه الألفاظ هو الجواز، وقد وردت في نصوص كثيرة من الكتاب والسنة:
стр. 206
شرح الأحاديث في النهي عن قول: عبدي وأمتي
قال: [حدثنا يحيى بن أيوب وقتيبة وابن حجر].
وابن حجر هو علي بن حجر السعدي.
قالوا: حدثنا إسماعيل بن جعفر المدني عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة].
والعلاء هو ابن عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي.
[أن رسول الله ﷺ قال: (لا يقولن أحدكم: عبدي وأمتي، كلكم عبيد الله)].
وهذا النهي موجه للسيد.
أي: إذا اشتريت عبداً من السوق أو غنمت عبداً من غزوة فإن هذا لا يعني أنه عبد وأنت حر، فأنت في حقيقة أمرك عبد كهذا العبد ولكن لله ، فهو عبد بالنسبة للسيد، والحر ليس عبداً بل هو غلام وفتى، أما السيد فهو رب العبد وسيده ومالكه، ولكن في حقيقة الأمر فإن المالك الحقيقي للسيد والعبد هو الله ، والعبودية لا تكون إلا لله ، ولذلك يكره أن يقول السيد: (هذا عبدي)؛ لأن لفظ العبودية خاص بالله ، وإن أجاز الشرع للسيد أن يقول عبدي؛ فإن هذا ليس على سبيل الدوام، وإنما أجاز له أن يقول عبدي أحياناً؛ للتفريق بينه وبين الحر، وللتفريق بينه وبين السيد، لا أن يطلق السيد لسانه بلفظ عبدي عبدي عبدي، ولكن ليقل: غلامي، فتاي -من الفتى- أما عبدي فإنها لا تقال إلا استثناءً، وأما الاعتياد عليها فمكروه؛ لأنها تشعر بأن هذا السيد رب حقيقي، وفيه نوع ألوهية وليس الأمر كذلك، بل العبودية كلها مصروفة لله سواء من الحر أو من السيد.
[(لا يقولن أحدكم: عبدي وأمتي كلكم عبيد الله، وكل نسائكم إماء الله، ولكن ليقل غلامي وفتاي وفتاتي)].
إذا كان عبداً فليقل: غلامي، وإذا كانت أمة فليقل: جاريتي وفتاتي.
[وحدثني زهير بن حرب حدثنا جرير عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يقولن أحدكم: عبدي فكلكم عبيد الله، ولكن ليقل: فتاي، ولا يقل العبد: ربي)].
وهنا نهي موجه للسيد أن يقول: عبدي؛ لأن العلة أن الكل عبيد لله ، والكلمة مشعرة بصرف شيء من العبودية لهذا السيد، وليس الأمر كذلك.
وكذلك وجَّه الأمر للعبد ألا يقول لسيده: (ربي)، وإن كان الرب بمعنى القيم، وهذا السيد قيم بشئون عبده وفتاه وغلامه.
ولا بأس أبداً أن تقول: رب البيت، فأنت إذا كنت متزوجاً وعندك زوجة وأولاد وغير ذلك فأنت رب البيت، فكلمة الرب بالألف واللام غير مضافة مخصوصة بالله ، فلابد من صرف الذهن إلى أنه الرب ﵎، أما إذا نويت أن تطلق هذا اللفظ على غير الله ، فينبغي لك أن تأتي بأمرين: الأمر الأول: تجريده من التعريف أي: من الألف واللام، فلا تقل (الرب) ولكن (ربَ).
الأمر الثاني: إضافته.
فتقول: رب البيت، ورب السيارة وغير ذلك.
قال: [(ولا يقل العبد: ربي، ولكن ليقل سيدي).
قال: [وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا: حدثنا أبو معاوية].
أبو معاوية هو محمد بن خازم الضرير، وأبو كريب هو محمد بن العلاء الهمداني الكوفي.
[وحدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا وكيع].
وهو ابن الجراح العتكي.
[كلاهما عن الأعمش].
وهما وكيع ومحمد بن خازم الضرير أبو معاوية.
[والأعمش].
هو سليمان بن مهران الكوفي.
[بهذا الإسناد، وفي حديثهما: (ولا يقل العبد لسيده: مولاي)].
وفي الحقيقة لم يوافق أحد الأعمش في هذه الرواية، ولذلك قال الإمام النووي: اختلف الرواة عن الأعمش في ذكر هذه اللفظة، فلم يذكرها آخرون، وحذفها أصح.
والصحيح أنه لا بأس أن يقول العبد لسيده: يا مولاي، وكأن الأعمش أخطأ في هذه اللفظة.
[وفي حديث أبي معاوية قال: (فإن مولاكم الله .
стр. 207
شرح حديث: (لا يقل أحدكم: اسق ربك)
وحدثنا محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ فذكر أحاديث منها: وقال رسول الله ﷺ : (لا يقل أحدكم: اسق ربك، أطعم ربك، وضئ ربك)].
لأن معنى الرب تشعر بنوع من الربوبية، والربوبية مطلقة لله لا يجوز صرفها إلى غيره سبحانه، ولذلك فإن هذا الحديث مشعر بأن لفظ (رب) وإن كان في أصله جائزاً إلا أن تكراره وشيوعه أمر مكروه، ولذلك قال: (لا يقل أحدكم: اسق ربك، أطعم ربك، وضئ ربك)، فهذه الألفاظ فيها غضاضة.
ولو قال له: أطعم سيدك، اسق سيدك، وضئ سيدك، فلا بأس فهي ألفاظ محتملة، ولكن وضع لفظ (الرب) مكان (السيد) تمجه الأذن ولا تألفه.
[قال: (ولا يقل أحدكم: ربي، وليقل: سيدي ومولاي، ولا يقل أحدكم: عبدي وأمتي، وليقل: فتاي وفتاتي وغلامي)].
إذاً: هذه الألفاظ كلها في أصلها جائزة، لكن الإكثار منها وشيوعها أمر فيه كراهة.
стр. 208
العلة من النهي عن إطلاق لفظة العبد والأمة والسيد
قال العلماء: مقصود الأحاديث -أي: مقصود أحاديث الباب التي ذكرناها- أمران: أحدهما: نهي المملوك أن يقول لسيده (ربي)؛ لأن الربوبية لا تكون إلا لله تعالى؛ لأن الرب هو المالك أو القائم بالشيء، ولا تكون حقيقة هذا إلا لله تعالى، ولذلك سمي رباً، وسمي قيوماً؛ لأنه هو القائم على شئون خلقه.
فإن قيل: فقد قال النبي ﵊ في أشراط الساعة: (أن تلد الأمة ربتها أو ربها)، كما قلنا: إن كلمة (ربتها) مضافة إلى الهاء، وكذلك مجردة عن الألف واللام والنهي عن (الرب).
الجواب
من وجهين: أحدهما: أن هذا الحديث لبيان الجواز.
يعني: أن لفظ الرب ليس محرماً، ولكن استعماله وإشاعته فيه كراهة، ويبقى الأصل الجواز، ولذلك جاء في بعض الأحاديث النهي، وجاء في بعضها الإباحة، والأحاديث والآيات التي ورد فيها ذكر الرب جاءت لبيان الجواز، وأن النهي الذي ورد في بعض النصوص للأدب وكراهة التنزيه لا للتحريم.
يعني: تأدباً.
ونضرب لذلك بلفظة (الهن)، فالهن من أسماء الدبر، وهو من الأسماء الستة، فكلمة (هن) ألطف من كلمة (دبر)، وكذلك (السه) اسم من أسماء الدبر، كما في حديث النبي ﷺ : (العين وكاء السه، فإذا نام العبد فليتوضأ).
أي: أن العين حارسة على نقض الوضوء، كلما كان الرجل مستيقظاً فهو يعرف تماماً إذا كان متوضئاً أو فاقداً له، لكنه إذا نام فإنه لا يعرف ذلك.
ولو قلت لأحد الطلبة في السنوات الأولى: جاء أخوك، ورأيت أخاك، ومررت بأخيك، فإنه سيفهم هذه العبارات.
أما لو قلت: (جاء هنوك) أو (رأيت هناك)، أو (مررت بهنيك)، فإن الطلبة سيسألون عن معنى ذلك، ولهذا لم يفرضوا على الطلبة في هذه المستويات هذا الاسم السادس من الأسماء الستة، ولم يقرر إلا في الجامعات.
فقوله ﷺ : (أن تلد الأمة ربتها أو ربها) فيه جواز إطلاق هذا اللفظ، والأولى غيره، كما يجوز إطلاق لفظ الدبر، لكن أولى منه (الاست) و (السه) و (الهن)؛ لأن هذه ألفاظ لها وقع أطيب من وقع الدبر على المسامع.
الجواب الثاني: أن المراد: النهي عن الإكثار من استعمال هذه اللفظة واتخاذها عادة شائعة ولم ينه عن إطلاقها في نادر الأحوال، واختار القاضي هذا الجواب.
إذاً: النهي عن إطلاق هذه الكلمة وإشاعتها حتى تكون عادة، أما لو استعملت في أحوال نادرة فلا بأس بذلك.
ولا نهي في قول المملوك: (سيدي)؛ لقوله ﷺ : (ليقل: سيدي)؛ لأن لفظة السيد غير مختصة بالله تعالى اختصاص الرب، فإن كلمة الرب ألصق بالله من كلمة (سيد)، وقد ورد في النص أن الله هو السيد، كما في حديث: (لا تقولوا للمنافق سيد؛ فإن الله هو السيد) وهو حديث صحيح، لكن هذا النص ليس مشهوراًً كشهرة النهي عن إطلاق لفظ الرب، أو ليس من أسماء الله أنه السيد، بل ولا من صفاته، وإنما هو من باب صفات المعاني الواسعة، مثل الستار والمنعم وغير ذلك، فكلها صفات لله من جهة المعنى لا من جهة النص، فالمنعم ليس من أسماء الله ، وليس من صفات الله المنصوصة على أنها من صفاته سبحانه، وإنما المنعم صفة معنى لله وصفات المعاني بابها واسع؛ لأن المنعم الحقيقي على الخلق هو الله ولا خلاف في ذلك.
قال: [ولا نهي في قول المملوك سيدي لقوله ﷺ : (ليقل: سيدي)؛ لأن لفظة السيد غير مختصة بالله تعالى اختصاص الرب، ولا مستعملة فيه كاستعمالها، فلو قلت: رب، فإن ذهن المستمع ينصرف لله ، بخلاف لفظة: سيد، فلا ينصرف ذهنه لله .
إذاً: استعمال كلمة رب في جنب الله أكثر شيوعاً من استعمال كلمة سيد، ولذلك يجوز للعبد أن يقول: سيدي، والدليل على ذلك الرجل المجوسي الذي أتى إلى النبي ﵊ وقد أطلق شاربه حتى دخل في فمه وحلق لحيته، وكان مبعوثاً من أحد أمراء كسرى، فقال له النبي ﷺ لما رأى هيئته: (من أمرك بهذا؟) أي: من الذي قال لك أن تطيل شاربك وتحلق لحيتك؟ (قال: أمرني ربي) يقصد سيده: (فقال ﵊: وأنا أمرني ربي أن أطلق لحيتي، وأن أحف شاربي).
إذاً: شتان ما بين رب هذا المبعوث ورب محمد ﵊! قال: [حتى نقل القاضي عن مالك أنه كره الدعاء بسيدي، ولم يأت تسمية الله تعالى بالسيد في القرآن ولا في حديث متواتر، بل ورد في حديث آحاد: (لا تقولوا للمنافق سيد فإن الله هو السيد).
والنبي ﷺ أجاز إطلاق لفظ سيد على المخلوقين، فقال: (إن ابني هذا سيد وسيصلح الله تعالى به بين فئتين عظيمتين).
وقال ﵊ للأنصار: (قوموا إلى سيدكم) يعني: سعد بن معاذ.
وفي الحديث الآخر: (اسمعوا ما يقول سيدكم) يعني: سعد بن عبادة
стр. 209
باب كراهة قول الإنسان: (خبثت نفسي)
قال المصنف رحمه الله تعالى: (باب: كراهة قول الإنسان: خبثت نفسي).
أو أن يقول: إن نفسي خبيثة! فهذا اللفظ أنت منهي عنه إما لنفسك أو لغيرك، فلا تقل: هذا فلان خبيث، أو نفسه خبيثة، أو خبثت نفسي، أو خبثت نفس فلان فكل هذه من الألفاظ التي نهى عنها الشارع، ولكن قل: لقست نفسي أو لقست نفس فلان، والأولى ألا تتهم؛ لأن هذا ربما يعد من السباب أو الغيبة أو غير ذلك، ولكن إذا أردت أن تعبر بالخبث فقل: لقست نفسي، ولا تقل خبثت نفسي، وإن كانت الكلمتان تؤديان معنى واحد، فلقست بمعنى خبثت؛ واللقس في اللغة: هو الخبث، ولكن الشارع أراد أن ينزه عباده عن صريح الألفاظ المذمومة، فعندما تقول لفلان: أنت خبيث؛ فإنه يفهمها ويتأذى بها، لكنك لو قلت له: لقست نفسك.
فسيقول لك: وما معنى ذلك؟ وسيبحث عنها في لسان العرب -مثلاً- فيبحث في حرف اللام والقاف والسين، ويبحث في آخر حرف في الكلمة الثلاثية وهو السين، وبعد ذلك بحرف اللام ثم القاف بين اللام والسين.
قال: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا سفيان بن عيينة وحدثنا أبو كريب محمد بن العلاء -وهو الهمداني الكوفي - حدثنا أبو أسامة -وهو حماد بن أسامة -كلاهما عن هشام عن أبيه -أي: حماد بن أسامة وابن عيينة يرويان عن هشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزبير - عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (لا يقولن أحدكم: خبثت نفسي، ولكن ليقل: لقست نفسي).
وهذا حديث أبي كريب، أما حديث أبي بكر عن النبي ﷺ فإنه قال نفس الحديث ولم يذكر (لكن).
وحدثنا أبو كريب حدثنا أبو معاوية -وهو محمد بن خازم الضرير - وحدثني أبو الطاهر وحرملة قالا: أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: (لا يقل أحدكم: خبثت نفسي، وليقل: لقست نفسي)].
ومعنى لقست: غثت.
من الغثاء.
أي: ضاقت.
فإن قيل: فقد قال ﷺ في الذي ينام عن صلاة الصبح في وقتها: (فأصبح خبيث النفس كسلان) بخلاف طيب النفس النشيط، فكيف نجمع بين هذا الحديث وبين قوله: (لا يقل أحدكم: خبثت نفسي)؟ ف
الجواب
أن النبي ﷺ أخبر عن صفة غيره، وهو شخص مبهم وليس معلوم الحال، فلا يمتنع إطلاق هذا اللفظ عليه ما دام مجهولاً، ومادام قد وقع في أمر مذموم وهو ترك صلاة الفجر.
والله تعالى أعلم.
وهذه الآداب التي ذكرناها إنما تتعلق بحقوق المسلم على المسلم، أو بحق المسلم على نفسه، وقد ورد لفظ الخبث في الروايات الكثيرة عن اليهود والنصارى والمشركين، فاليهود وصفهم بذلك إمامهم وسيدهم في ذلك الوقت عبد الله بن سلام فقال: (يا رسول الله! سلهم عني فإنهم قوم بهت) وفي رواية: (فإنهم قوم خبث)، وليست الحجة في قول عبد الله بن سلام، وإنما الحجة في إقرار النبي ﵊ لهذا القول لما سمعه ولم ينكر عليه.
стр. 210
باب استعمال المسك وأنه أطيب الطيب
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: استعمال المسك وأنه أطيب الطيب].
الطيب أنواع متعددة جداً بلغت مئات الأصناف، والمسك هو أطيب الطيب، ويكره رد الريحان والطيب، وقد قال رسول الله ﷺ : (ثلاثة لا ترد: الوسادة، والدهن، واللبن) والدهن هو العطر، والوسادة هي المخدة، عندما يعطيك شخص مخدة أو مسند أو شيء تجلس عليه أو تركن عليه يستحب لك قبول هذا العرض، وكذلك اللبن، والفلاحون يعرفون بالفطرة أن اللبن لا يرد، والشرع أيدهم في ذلك من باب الاستحباب لا من باب الوجوب، وكذلك الطيب قبوله مستحب في الشرع ورده ليس بحرام، وإنما هو مكروه كراهة تنزيه، أما رده لعلة فلا يكره.
قال: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو أسامة -وهو حماد بن أسامة - عن شعبة قال: حدثني خليد بن جعفر -وهو ابن طريف الحنفي البصري أبو سليمان - عن أبي نضرة -وهو المنذر بن مالك بن قطعة العبدي - عن أبي سعيد الخدري - سعد بن مالك بن سنان - عن النبي ﷺ قال: (كانت امرأة من بني إسرائيل قصيرة تمشي بين امرأتين طويلتين)].
طبعاً هذه مذمة، واحدة طولها مترين من هنا والأخرى طولها مترين من هنا وهذه طولها مائة وأربعين أو مائة وثلاثين سنتيمتر، أي: أن عيبها ظاهر بشدة، ولو أنها مشت بمفردها فالأمر يستساغ، لكن امرأة قصيرة بين امرأتين طويلتين، كأنها تنادي على نفسها بالعيب.
قال: [(فلما علمت ذلك من نفسها، اتخذت رجلين من خشب)].
وما أكثر نساء اليوم اللاتي يتخذن الكعب العالي من أجل أن تبدو طويلة، ولذلك عندما تخلع المرأة هذه الجزمة أو الصندل تحس أنها نزلت من على سلم.
قال: [(فاتخذت رجلين من خشب، وخاتماً من ذهب مغلق مطبق، ثم حشته مسكاً وهو أطيب الطيب)].
يعني: تزينت بالطول وبالرائحة.
قال: [(فمرت بين المرأتين فلم يعرفوها)].
لأنهم يعرفون أنها قصيرة وليست صاحبة عطر.
[(فقالت بيدها هكذا)].
يعني: أنا مثلكن وأحسن منكن.
قال: [حدثني عمرو الناقد حدثنا يزيد بن هارون عن شعبة عن خليد بن جعفر والمستمر].
المستمر -هو ابن الريان الزهراني الإيادي أبو عبد الله البصري -قالا: سمعنا أبا نضرة يحدث عن أبي سعيد الخدري: (أن رسول الله ﷺ ذكر امرأة من بني إسرائيل حشت خاتمها مسكاً والمسك أطيب الطيب)].
يريد هنا أن يبين من هذه القصة: أن المسك هو أطيب الطيب، بل هو أحب الطيب إلى النبي ﵊.
[حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب كلاهما عن المقرئ -وهو أبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرئ - قال أبو بكر: حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ عن سعيد بن أبي أيوب حدثني عبيد الله بن أبي جعفر عن عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من عرض عليه ريحان فلا يرده)].
الريحان يطلق على جميع أنواع الطيب؛ لما له من رائحة [(فإنه خفيف المحمل طيب الريح)].
يعني: خفيف الحمل ليس بثقيل.
قال: [ومن حديث مخرمة عن أبيه عن نافع قال: (كان ابن عمر إذا استجمر استجمر بالألوة)].
(كان ابن عمر إذا استجمر) يعني: أشعل الجمار.
وهذا لا يزال الآن يستخدم في بلاد العرب، فكان عبد الله بن عمر إذا أراد أن يطيب المكان أو نفسه أو الضيفان استجمر بالألوة، وهو ما يسمى الآن بالعود.
قال: [(غير مطراة)].
يعني: استجمر بالعود ولم يخلطه بشيء.
فقوله: (غير مطراة) أي: غير مخلوط.
قال: [(وكافور)].
يعني: كان مرة يستخدم الألوة الذي هو العود الصافي غير مخلوط، ومرة يخلطه بكافور.
[ثم قال: (هكذا كان يستجمر رسول الله ﷺ ].
وفي أحاديث الباب: بيان أن المسك أطيب الطيب وأفضله، وأنه طاهر يجوز استعماله في البدن والثوب، ويجوز بيعه وهذا كله مجمع عليه إلا ما جاء عن الشيعة فهو باطل، ويرد عليهم بإجماع المسلمين والأحاديث الصحيحة في استعمال النبي ﷺ المسك واستعمال أصحابه كذلك له، وهو مستثنى من القاعدة المعروفة: (أن ما أبين من حي فهو ميت)، والنبي ﷺ قال: (هو أطيب الطيب)، والشيعة قالوا: المسك خبيث، وحرموه؛ لأن المسك يؤخذ من دم الغزال، والحقيقة أنه
стр. 211
الأسئلة
стр. 212
حكم ارتداء النساء لبعض أنواع الملابس كـ (الاسترتش) وغيرها
السؤال
هل يجوز ارتداء (الاسترتش) و (المينوجب) في المسجد؛ لأن بعض الأخوات يرتدين هذه الملابس في المسجد وفي صالات الأفراح، وأقرب هذه الأفراح هو الذي حضرته أنت في مسجد الحرمين بشارع خط مصر القديمة؟
الجواب
هذه الملابس لا بأس أن تلبسها المرأة سواء في الداخل أو في الخارج، لكن إذا لبسته في الخارج لا يجوز لها أن تظهر هذه الملابس، بل تلبس عليها العباءة أو فستان طويل أو غير ذلك.
стр. 213
حكم ذكاة الجنين إذا خرج حياً بعد ذبح أمه
السؤال
قوله ﵊: (ذكاة الجنين ذكاة أمه).
ما حكم الجنين إذا نزل حياً؟
الجواب
لو نزل حياً فإنه يذبح.
стр. 214
بيان ما تدرك به الركعة
السؤال
هل يكون إدراك الركعة بإدراك الركوع؟
الجواب
نعم.
يتم إدراك الركعة بإدراك الركوع حتى على مذهب القائلين بوجوب قراءة الفاتحة، فمن أدرك الركوع فقد أدرك الركعة وإن فات محل قراءة الفاتحة.
стр. 215
حكم من أصابته نجاسة وهو يصلي
السؤال
طفل تبول على ثياب أمه وهي تصلي، فهل تقطع الصلاة أم تتمها؟
الجواب
تقطعها وتغسل ملابسها.
следующие страницы →