← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37026

شرح صحيح مسلم - حسن أبو الأشبال

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (2 103 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الجهاد ثمن الجنة قال ﵊: (ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة)، فلا بد أن تدفع لها مهراً وثمناً، وثمنها ومهرها أن تجاهد في سبيل الله ، ولما شوقهم إلى ذلك قالوا: (نحن المشمرون يا رسول الله فأمرنا، قال: الجهاد)، وما أحوج الأمة الآن إلى الجهاد، ومن تصور أن العز يكمن في غير الجهاد فقد أخطأ، العز مع الأعداء لا يكون إلا بالسيف والسنان، والعز مع أهل البدع لا يكون إلا بالقرآن والبيان وبالحجة، أما أهل الكفر والجحود فلا سلام معهم قط، والله العظيم لا يوجد شيء مع اليهود اسمه سلام، إذا كنا في معادلة بين تكذيب الساسة، وتكذيب الله ، فنكذب الساسة، لا يوجد شيء اسمه سلام نهائياً، اليهود لا يقرعهم إلا عصا من نار ومن حديد، أما سلام فلا، وإلا فنحن نسمع عن السلام منذ نعومة أظفارنا وما رأينا في يوم قط سلاماً، بل كله دعاوى وأكاذيب باطلة. والنبي ﵊ لما شوق أصحابه إلى الجنة قالوا: نحن مستعدون ونحن مشمرون، قال: (عليكم بالجهاد). والناس الآن ينظرون إلى الجهاد على أنه سفك للدماء، وخراب للديار، وتضييع للأموال، وهدم وتكسير في البنيان، ولا ينظرون إليه أنه سبب في النعيم السرمدي الأبدي في جنة الخلد، وهذا في المآل، وأما في الدنيا فهو العز والسؤدد، واليهود لا تفزعهم هذه المليارات من أعداد المسلمين أبداً، إنما يفزعهم لحية واحدة يلقونها على ساحل البحر المتوسط، تفزعهم وتقض مضجعهم؛ حتى لو كانت هذه اللحية لحية أضعف إنسان من المسلمين، فما بالك إذا كانت هذه اللحية قوية كلحية عمر بن الخطاب أو أبي بكر الصديق أو صلاح الدين الأيوبي؟! هم يعلمون جيداً أن العدو الأوحد إنما يكمن فيما أسموه هم بالأصوليين، أو بالرجعيين، أو بالوهابيين، أو بالإرهابيين، أو غير ذلك، وما هذه الحرب الضروس إلا منبتها أوامر يهودية، ولذلك مهما بلغ عدد المسلمين فإن هذا أمر لا يفزعهم، كما قال ذاك الكلب الهالك مناحيم بيغن لما دخل مدرسة من مدارس المسلمين فأبى المدرس أن يسلم عليه، وقال له المدرس: موعدنا معكم غداً في حرب ينتصر فيها الإسلام، ويهزم فيها الكفر، كما قال ﵊: (لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود فيقول الحجر والشجر: يا مسلم تعال! خلفي يهودي فاقتله)، قال مناحيم بيغن: لا يكون ذلك إلا في يوم يكون فيكم من يتمسك بدينه ويكون فينا من يفرط في دينه، يعني: مناحم بيغن فاهم الرسالة جيداً، لكن للأسف الشديد المسلمون لا يفهمون شيئاً من ذلك.

стр. 142

الحث على طلب الجنة والهروب من النار قال النبي ﵊: (ما رأيت مثل الجنة، نام طالبها، ولا رأيت مثل النار نام هاربها)، قوله: (ما رأيت مثل الجنة نام طالبها) يعني: قصر في طلبها، (وما رأيت مثل النار نام هاربها) يعني: الذي يهرب من النار ينبغي أن يعمل لذلك، والذي يطلب الجنة ينبغي أن يعمل لها، وقال النبي ﷺ : (عجباً لمن يطلب الجنة ولا يأتي لها بمهرها، ويهرب من النار بزعمه وهو يقع فيما يؤدي إليها)، وقال في رواية أخرى: (يا قوم! اطلبوا الجنة جهدكم، واهربوا من النار جهدكم، فإن الجنة لا ينام طالبها، وإن النار لا ينام هاربها). وقال: (إنما يدخل الجنة من يرجوها، وينجو من النار من يخافها). وقال ﵊ في حديث أنس بن مالك: (يؤتى بأشد المؤمنين ضراً في الدنيا) أي: أبأس واحد في الدنيا من أهل الإيمان يؤتى به، والنبي ﷺ يقول: (أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل)، وربما يكون العبد طائعاً لله ويبتلى، وهذا البلاء أو الابتلاء على مرتبتين: إما أن تكون صاحب معصية فينزل عليك البلاء حتى يمحو الله هذه الخطايا والسيئات، والإنسان عبد مذنب، والنبي ﷺ يقول: (كل بني آدم خطاء)، وهذا لفظ عموم (وخير الخطائين التوابون) إذاً: افرض أنك عبد أخطأت ولم تدركك التوبة أولم تتب، فينزل عليك البلاء فيكون هذا البلاء كفارة لذنوبك. ولذلك يقول الرسول ﵊ كما في رواية الترمذي من حديث أنس: (وإن الله تعالى يصب البلاء على عبده صباً حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة)، فالبلاء له قيمة عظيمة جداً، البلاء من الأدواء، والأسقام، والعلل، والأمراض، والهموم، والغموم، وغير ذلك مما يصيب العبد، فإن ذلك يصيبه لمصلحته، وإن العبد يجزع، ويفزع، ويغضب إذا نزل به بلاء، وربما تسخط القدر وسأل الله تعالى: لماذا يا رب تعمل بي ذلك؟ وهذا كفر واعتراض على الله تعالى في أقداره، وأقدار الله تعالى كلها رحمة وخير وبركة، فينبغي إذا نزل بالعبد الضر أن يؤمن بذلك، وأن يرضى به، كما يقول العلماء: الصبر على البلاء قضية كل مسلم، والرضى بالبلاء لا يكون إلا من العباد، تصور بلاءً ينزل عليك وتصبر عليه هذا هو الواجب عليك، وهذا عمل الكبار من أهل الطاعة من الأئمة والعلماء وغيرهم. قال: (يؤتى بأشد المؤمنين ضراً -أي: يوم القيامة- فيغمس في الجنة غمسة ثم يقال له: هل رأيت ضراً قط؟ فيقول: لا يا رب، ويؤتى بأنعم أهل الدنيا -أي: من أهل الكفر- ويغمس في النار غمسة واحدة، ثم يقال له: هل رأيت نعيماً قط؟ فيقول: لا يا رب). إذاً: هذا الحديث عند الإمام مسلم أمر مطمئن جداً للقلب، فمهما نزل بك من ضر فاعلم أن ما عند الله خير لك وأبقى، فتصور لما ينزل بك من الضر ما نزل ثم يؤتى بك يوم القيامة فتغمس في الجنة غمسة، تنسى كل بلاء، تنساه تماماً حتى يكون السائل لك هو الله فيقول لك: (عبدي هل رأيت بؤساً قط) أي: في حياتك، فتقول: لا والله.

стр. 143

شرح صحيح مسلم - كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها - أول زمرة تدخل الجنة في صورة القمر لقد جاءت الأحاديث الشريفة تصف لنا الجنة وما فيها من النعيم المقيم؛ لتحثنا على الجد والعمل لطلبها، وقد جاء فيها: أن أول زمرة تلج الجنة صورهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون فيها ولا يتمخطون ولا يتغوطون، آنيتهم من الذهب والفضة، ومجامرهم من الألوة، ولكل واحد من أهل الجنة زوجتان يُرى مخ ساقها من وراء اللحم، قلوبهم كقلب رجل واحد، فهم في نعيم دائم لا ينقطع.

стр. 144

باب في صفات الجنة وأهلها وتسبيحهم فيها بكرة وعشيا بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، أما بعد:

стр. 145

شرح حديث: (أول زمرة تلج الجنة) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن رافع، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ فذكر أحاديث منها: وأنتم تعلمون أن هذا السياق الإسنادي إنما ينظم إلى ما تسمى بصحيفة همام بن منبه عن أبي هريرة. قال همام: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: كيت وكيت وكيت مائة واثنين وأربعين حديثاً، جمعها الإمام أحمد في مسنده، في المجلد الثاني من مسند أبي هريرة، فذكر أحاديث منها: وقال رسول الله ﷺ : (أول زمرة تلج الجنة)]. وكلمة (تلج) بمعنى: تدخل. ولكن الولوج فيه معنى زائد على الدخول، كأنه الدخول بقوة، ولذلك: (أتى رجل إلى النبي ﵊ فاستأذن قال: أألج يا رسول الله؟) يعني أأدخل يا رسول الله؟ (فقال النبي ﵊ لـ أنس: اذهب فعلمه كيف يستأذن. فخرج إليه أنس فقال: إذا أردت الاستئذان فقل: أأدخل ولا تقل أألج؟). فكأن الله كافأ عباده المؤمنين الذين يدخلون الجنة أنهم يدخلونها دخولاً قوياً، فالولوج يناسب الجنة ولا يناسب الدنيا، ولذلك أنكر النبي ﵊ على من أراد أن يلج في بيته، وأثبت أن دخول الجنة هو دخول وزيادة، والزيادة هي الولوج. قال: [(أول زمرة)] أي: أول عصابة، ومجموعة، وفوج يدخلون الجنة [(صورهم على صورة القمر ليلة البدر)] وهذا لا يلزم المماثلة والمشابهة في الصورة من جميع الوجوه. فقولك: فلان مثل فلان، لا يلزم أنه مثله في الطول، والعرض، واللون، ولون العينين، وطول اللحية، ولون اللحية، وفي الأخلاق، والهدي، والسمت، لا يلزم أن يكون كذلك، وإنما تقول: محمد كأحمد. أي: في الأدب. محمد كإبراهيم. أي: في حسن الخلق. محمد كزيد. أي: في الطول. محمد كإبراهيم في العرض. لا يلزم أن تكون المماثلة من كل زاوية وناحية، إنما يقال: فلان كفلان في بعض الشبه، وفي بعض الصفة، ولا يلزم أن تكون المماثلة في كل الصفات، فهكذا النبي ﵊ شبه أول زمرة تدخل الجنة: (أنها على صورة القمر ليلة البدر)، وتسميته للقمر ليلة البدر يعني: في شدة وضاءته وجماله وحسنه وتمامه، فهذه الزمرة التي تدخل الجنة تكون صورهم كصورة القمر لا أنهم أقمار، فلا يكون الإنسان قمراً كما لا يكون القمر إنساناً، لكنه شبه الداخل أولاً إلى الجنة بأن صورته كصورة القمر، وفي الحديث أن النبي ﵊: (كان إذا سر من شيء تهلل وجهه كأنه القمر ليلة البدر). وفي الحقيقة ليس هو كالقمر في ليلة البدر، وإنما هذا تشبيه في أحد الأوصاف، كان إذا ضحك، وتبسم، وتهلل وجهه يفرح الإنسان الناظر إليه أكثر من فرحه أو كفرحه إذا نظر إلى القمر ليلة البدر. ثم قال: [(لا يبصقون فيها)]. والبصق هو التفل. وهذا يدل على ذم هذه الصفة في الدنيا، إذا سرت في الطريق فرأيت رجلاً يبصق على الأرض فلابد أنك تتأذى منه. ثم قال: [(ولا يمتخطون)]. أي: من النخامة، والنخاعة، وأنتم تعلمون: (أن النبي رأى رجلاً يتنخم في قبالة المسجد، وكان إمام قومه فقال النبي ﵊: لا يصلين لكم -أي: لا يؤمكم بعد ذلك- فلما أتى ليؤم الناس منعوه وقالوا: إن رسول الله منعك أن تصلي بنا إماماً، فذهب إلى النبي ﵊ وقال: أمنعتني يا رسول الله أن أصلي بالقوم؟ قال: نعم؛ لأنك آذيت الله ورسوله بالنخامة في المسجد). وفي الحديث: (وجد النبي ﵊ نخامة في جدار المسجد أو في قبالته فحكها ﵊. وفي هذا دليل على تواضعه ومراقبته لحرمة بيوت الله . وقال: (إذا وجد أحدكم النخامة فليدلكها بقدمه). أي: إذا كانت طرية. وفي قول له: (إذا وجد أحدكم النخامة في المسجد فليحكها بأظفره). وهذا إذا كانت يابسة جافة. قال: [(لا يبصقون فيها، ولا يمتخطون، ولا يتغوطون فيها)]. ومع هذا النعيم الذي يأكلونه ويتلذذون ويتنعمون به في كل وقت وحين لا تنقطع لهم لذة ومع هذا فهم لا يتغوطون، ولا يبولون، ولا يمتخطون، ولا يتفلون. قال: [(آنيتهم، وأمشاطهم من الذهب والفضة)]. أي: الأواني التي يأكلون فيها، والملاعق التي يأكلون بها من الذهب والفضة، ومن أكل في هذه الأواني في الدنيا لابد وأنه سيحرم منها في الآخرة، والجزاء من جنس العمل، والنبي ﷺ يقول: (إن الذي يأكل في آنية الذهب والفضة كأنما يجرجر في بطنه نار جهنم) أي: من أكل بهما في الدنيا كأنه

стр. 146

شرح حديث: (إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون ولا يتفلون) قال: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم -واللفظ لـ عثمان - قال عثمان: حدثنا، وقال إسحاق -وهو ابن إبراهيم المعروف بأنه: ابن راهوية - أخبرنا جرير عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون)]. إذاً: في الجنة أكل وشرب. وبعض الناس يقول: نعيم الجنة نعيم معنوي، وهذا خبل وجنون؛ لأن النعيم المعنوي لا يؤكل ولا يشرب، والنعيم المعنوي هو كما أن لو أن واحداً الآن دخل إلينا وألقى إلينا خبراً جميلاً سررنا به، هذا بلا شك يحدث عندنا لذة سماع الأخبار الطيبة والمبشرات، فلا شك أنه قد حصل اللذة بسماع الأخبار فهذه لذة معنوية وليست محسوسة مادية، ولذلك نعيم الجنة حسي ومعنوي، وهذا مذهب أهل الحق أهل السنة والجماعة أن نعيم الجنة حسي ومعنوي، ورؤية الله في الجنة في يوم المزيد الذي تسميه بعض النصوص أنه يوم الجمعة نعيم معنوي، والرؤية حقيقة لله ، لكن إذا أثبتت النصوص أننا نأكل في الجنة ونشرب فكيف نأكل معنوياً ونشرب معنوياً؟! لابد أن نأكل شيئاً محسوساً، وفي الجنة لو أن واحداً في يده رمانة أو تفاحة فأكل نصفها واشتهى قبل إتمام النصف الثاني نوعاً آخر من الفاكهة لتحول النصف الذي في يده الذي لم يؤكل بعد من التفاح رماناً؛ لأنه اشتهى الرمان، وهذا شيء عجيب، الواحد منا إذا اشتهى شيء في الدنيا أتى منه بكيلو باثنين كيلو، وإذا اشتهى شيئاً آخر لا يقربه حتى يمر على الشيء الأول يوم يومين أسبوع أسبوعين على حسب حالته، لكن في الجنة إذا كان في يدك مانجو مثلاً فأنت أكلت منه حتى شبعت فتمنيت لو أكلت رماناً فما تبقى في يدك من مانجو يتحول إلى رمان في يدك، فنعيم الجنة لا يمكن أن يقاس عليه نعيم الدنيا، كما قال ابن عباس: ليس من تشابه بين نعيم الجنة ونعيم الدنيا إلا في الأسماء. هذا اسمه رمان وهذا رمان، ولكن شتان ما بين طعم هذا وطعم ذاك، وبين حقيقة هذا وحقيقة ذاك. قال: [(إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون ولا يتفلون، ولا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يمتخطون. قالوا: فما بال الطعام؟)]. يعني: سؤال يحتاج إلى جواب، أنت يا رسول الله الآن تقول: هم يأكلون ويشربون، لكنهم لا يتغوطون ولا يبولون، إذاً: الطعام هذا أين يذهب؟ قال: [(قال: جشاء)]. والجشاء هو الريح الذي يخرج من الفم مع الصوت عند الشبع، فهذا اسمه الجشاء، وهذا في الدنيا عيب، وفي الآخرة ليس عيباً؛ لأن هذه الوسيلة التي يتخلص بها من دخل الجنة من بقية طعامه، أو هذه أحد الوسائل للتخلص من الطعام. وجاء في حديث آخر: (فتجرع أو تكرع رجلاً بين يدي النبي ﵊ وقال: إليك عنا يا فلان فإنما الجشاء من الشبع). [(قال: جشاء، ورشح كرشح المسك، يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النفس)]-وفي رواية قال: (كرشح المسك) -.

стр. 147

شرح حديث: (يأكل أهل الجنة فيها ويشربون) قال: [وحدثني الحسن بن علي الحلواني]. الحلواني وليس الحَلواني. أي: من حلوان، وهي قرية في العراق اسمها حلوان؛ لأن حلوان المشهورة عند المقرئين هي حلوان المعروفة، لكن هناك قرية أعظم منها وأشهر قبل أن يكون في مصر حلوان كانت في العراق، وكانت نهضة لأهل العلم في زمن من الأزمنة، فـ الحسن بن علي الحلواني، وحجاج بن الشاعر كلاهما يرويان عن أبي عاصم النبيل. [قال الحلواني: حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج] وهو عبد الملك بن عبد العزيز الأموي كان إماماً في العلم، ولكنه مدلس، والمدلس إذا صرح بالسماع أخذنا حديثه وإلا فلا، فهذا ابن جريج يقول: أخبرني أبو الزبير. وأبو الزبير يقول: أخبرني، وأخبرني من صيغ السماع أو من الصيغ التي تفيد السماع. إذا قال المدلس: أخبرني، أو أنبأني، أو حدثني، أو سمعنا، أو حدثنا، أو أنبأنا، فكل هذا الألفاظ تدل على أنه قد سمع بنفسه، فإذا قال مدلس شيئاً من هذه الصيغ أمنا بذلك تدليسه، واحتملنا حديثه، وكذلك أبو الزبير المكي محمد بن مسلم بن تدرس هو مدلس، ولكنه قال: أنه سمع جابر بن عبد الله، فنأمن بذلك من تدليس ابن جريج ومن تدليس أبي الزبير. [عن جابر قال: قال النبي ﵊: (يأكل أهل الجنة فيها، ويشربون، ولا يتغوطون، ولا يمتخطون، ولا يبولون، ولكن طعامهم ذاك جشاء كرشح المسك، يلهمون التسبيح والحمد -أي: والتحميد- كما يلهمون أو تلهمون النفس)]. يقول الإمام النووي: (مذهب أهل السنة وعامة المسلمين أن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون، ويتنعمون بذلك وبغيره من ملاذ وأنواع نعيمها تنعماً دائماً لا آخر له ولا انقطاع أبداً)، وأهل الجنة إذا دخلوا الجنة لا يموتون فيها، فالجنة نعيمها دائم لا ينقطع وبين أيديهم وفي متناولهم في كل وقت وحين، وهم لا يموتون فيها أبداً. إذاً: نعيمهم دائم دواماً لا نهاية له، ولا انقطاع له. قال: (وإن تنعمهم بذلك على هيئة تنعم أهل الدنيا) يعني: هم يتنعمون في الجنة كما كانوا يتنعمون في الدنيا. يعني: هو يريد أن يمعن إمعاناً في إحقاق مذهب أهل الحق من أهل السنة أنهم يأكلون أكلاً حقيقاً ويشربون شرباً حقيقاً كما كانوا يأكلون ويشربون في الدنيا إلا ما بين الدنيا والآخرة من التفاضل في اللذة والنفاسة. (النبي ﵊ في ليلة كسوف القمر لما صلى بأصحابه فتأخر ﷺ حتى كاد أن يصل إلى الصف الأول ثم تقدم ﵊ ومد يده ثم وضعها على صدره واستمر في القراءة، قالوا: يا رسول الله! ما بالك فعلت شيئاً لم نكن نعهده عليك؟ قال: رأيت الجنة والنار رأي العين، وإن إبليس أتى بشهاب من نار وأراد أن يشوش علي صلاتي فتأخرت، فلما ذهب تجلت لي الجنة فتقدمت حتى كدت أقطف منها عنقوداً -ولما مد يده كاد يقطف منها عنقوداً -: ولو أني فعلت ما شبعتم منه إلى يوم القيامة) يعني: من هذا العنقود فقط فإن البشر يستمرون يأكلون منه إلى يوم القيامة لا يشبعون من جماله وحلاوته. أنت في هذا الوقت لو وضع أمامك قليل من العنب لابد أن بركة يوسف والي ستحل في هذا الطبق من كيماويات وغير ذلك، فلا شك أنك تأكل شيئاً يسيراً ثم ترفع يدك وتقول: كفاية سم، مع أنه في الأصل عنب وهو في الظاهر لذة، لكنه سم في العنب، وقس على العنب كل أنواع الثمار، والفواكه، والخضروات، حتى القمح إذا كنا إلى يومنا هذا نزرع القمح، والذي ذلنا هو أننا لا نزرع القمح. قال: (وإن تنعم الجنة بذلك على هيئة تنعم أهل الدنيا إلا ما بينهما من التفاضل في اللذة والنفاسة التي لا يشارك نعيم الدنيا إلا في التسمية وأصل الهيئة). يعني: هذا تفاح وهذا تفاح، لكن شتان بينهما، وهذا عنب وهذا عنب، لكن شتان بينهما، وشتان ما بين الطعم والمذاق واللذة وإن اتفقا في الهيئة والشكل والاسم، فليس بين نعيم الجنة ونعيم الدنيا من شبه ومماثلة إلا في الاسم والهيئة، أما في الجوهر فيختلف تماماً. وأهل الجنة لا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يمتخطون، ولا يبصقون، وقد دلت دلائل القرآن والسنة في هذه الأحاديث التي ذكرها مسلم وغيره أن نعيم الجنة دائم لا انقطاع له أبداً، لن يكون أحد في الجنة بخيلاً، لا توجد هذه الأشياء التي هي في الدنيا، ودناءة الأنفس أيضاً لن يكون لها أصل في الجنة، وعلى آية حال ما من شيء يطلبه العبد من ربه إلا وهو بين يديه بإذن الله تعالى.

стр. 148

باب في دوام نعيم أهل الجنة (الباب الثامن: في دوام نعيم أهل الجنة). يعني: استمرار النعيم وعدم انقطاعه. (وقول الله تعالى: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:٤٣]). الباء هنا في قوله (بِمَا): باء السببية. أي: بسبب ما كنتم تعملون دخلتم الجنة؛ ومعلوم أن دخول الجنة بفضل الله ورحمته، ولو أراد الله تعالى أن يعذب الطائع لعذبه وهو غير ظالم له، ولو أراد أن ينجي الظالم من النار وأن يدخله الجنة لفعل لذلك بحكمته وعدله : ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]. فهذا باب عظيم من أبواب القدر، فإذا كان يوم القيامة فإن نعيم الآخرة لا ينقطع، بل هو دائم ديمومة لا انقطاع لها ولا انتهاء لها، وينادى على الناس يوم القيامة أن هذه الجنة التي أورثتموها ودخلتموها إنما هي بسبب أعمالكم. إذاً: الأعمال سبب وليست هي التي يركن إليها، ولذلك قال النبي ﵊: (كل الجنة يدخلون الجنة إلا من أبى قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى). وقال ﵊: (لا يدخل أحد الجنة بعمله). أي: لا يدخل أحدكم الجنة ابتداءً بعمله وإنما برحمة الله. (قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل). إذاً: دخول الجنة برحمة الله، ودخول النار بعدل الله، لا يظلم الله تعالى الناس شيئاً: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ [يونس:٤٤].

стр. 149

شرح حديث: (من يدخل الجنة ينعم لا يبأس) قال: [حدثني زهير بن حرب قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت بن أسلم البناني البصري، عن أبي رافع، عن أبي هريرة ﵁: عن النبي ﷺ قال: (من يدخل الجنة ينعم لا يبأس)] (ينعم): أي: يتلذذ، وتحصل له اللذة والنعيم. (لا يبأس) أي: من البؤس، والهم، والغم. أنتم تعلمون أن الدنيا دار هم وبلاء، هذا الهم والبلاء يصيب المؤمن والكافر، ويصيب العاصي والطائع، ويصيب الجميع، فليس من أحد في الدنيا إلا ويصيبه الهم والغم عظمت ثروته أو قلت، كثر أولاده أو لا ولد له، كثرت زوجاته أو لا زوجة له، صغيراً كان أو كبيراً، أنثى أم ذكراً، عبداً أم حراً، الكل قد أصابه الهم والغم في حياته الدنيا، وإن تظاهر بالسعادة فعنده ما عنده، والبيوت ما أغلقت إلا على براكين من نار، هذا الأبواب التي جعلت على مداخل البيوت والشقق أغلقت على براكين كادت أن تنفجر، وهذا شأن الدنيا، فمهما نزل بعبد الضر والبلاء فلابد له من فرج؛ لأنه لا يملك الفرج إلا الله، لكن ينبغي على هذا العبد الذي نزل به الضر والهم أن يلجأ، وأن يتضرع إلى الله ، وأن ينتهز الأوقات التي تجاب فيها الدعوات وتصعد إلى رب الأرض والسماوات، والله تعالى ينزل إلى السماء الدنيا من عليائه نزولاً يليق بجلاله، فيقول لعباده في الثلث الأخير من الليل: ألا هل من داع فأجيبه؟ الله تعالى هو الذي يجيب الدعوات، فلم تضن على نفسك بأن تقوم لله تعالى في وقت أنت على يقين أنه يقبل منك الدعاء، ثم تذهب لتشكو إلى فلان أو علان، وأولى بك أن تشكو لربك الذي يملك تفريج الهم، وكشف الضر، المهم أن تقوم له في الوقت المحدد من آخر الليل فتصلي ركعتين، أو أربع ركعات، أو ست، أو ثمان أو إحدى عشرة ركعة ثم تجلس بعد ذلك تسبح: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٧ - ١٨]. قال الإمام الحسن البصري: كانوا يصلون من منتصف الليل إلى وقت السحر فإذا كان السحر جلسوا ورفعوا أكف الضراعة إلى الله يسألونه حاجاتهم، هذا الوقت الذي يجدر بنا جميعاً أن ننتصب لله تعالى فيه بالليل، وأن يطلب الواحد منا ولو دعوة واحدة من ربه في كل ليلة. ولو تعددت حاجاتك عند الله وكانت كثيرة، فالله تعالى بيده مفاتيح الأرض والسماوات، يملك كل شيء، فهو يملك العباد وما يملكون، وهو الذي يملك قلوب العباد، وكثير من الناس بينه وبين إخوانه منازعات، وهو يتصور أو يعتقد أن هذه المنازعات لا حل لها البتة، ولا يمكن أن تنكشف، وهذا سوء ظن بالله تعالى، فلو أنه دعا الله في ليلة أن يفرج كربه لكان لزاماً أن تفرج الكروب، ولذلك قال النبي ﵊: (ما بال أحدكم يستعجل الإجابة حتى يدع الدعاء). يستعجل الإجابة يقول: يا رب! دعوت ولم تستجب لي. وكم من امرأة كانت تحت رجل فكانت سر تعاسته، فلما طلقها وتزوجت رجلاً آخر كانت قمة السعادة بينهما، والعكس بالعكس، فينبغي أن يسلم المرء أمره كله لله تعالى يفعل فيه ما يشاء، فالله ﵎ يعلم الخير والشر ، وهو الذي يعلم ذلك. والنبي ﷺ يقول: (إذا هم أحدكم بالأمر). يعني: إذا دخل في نفس أحدكم شيء يريد أن يصنعه. والصحابة ﵃ كانوا يستخيرون الله تعالى في شراك نعالهم، وهذا من التسليم لقدر الله تعالى وقضائه، قال للصحابة: (إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب اللهم إن كان هذا الأمر -ويسميه- خيراً لي في ديني، ومعاشي، وعاقبة أمري آجله وعاجله، فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه، وإن كان هذا الأمر -ويسميه- شراً لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري آجله وعاجله فاصرفه عني). أي: فاصرفه عني يا رب بعلمك. إذا كنت تعلم في الأزل أن هذا تعس وبؤس اصرفه عني. (واصرفني عنه، ثم اقدر لي الخير حيث كان). ومعنى: (اللهم إنه كنت تعلم) أي: أنك تعلم، مثل قول ربنا: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١]، و (قد) هنا تفيد التحقيق، مع أن (قد) قد تأتي للشك. وعلماء اللغة يسمون هذا: الحرف الزائد أو الكلام الزائد، ومعناه أن الجملة تستقيم بغيره لا أن في كلام الله حرفاً زائداً لا قيمة له حاشا لله. (فاللهم إن كنت تعلم): أي اللهم إن كان سبق في علمك الأزلي الذي علمته وكتبته في اللوح المحفوظ قبل أن تخلق الخلق بخمسين ألف سنة أن كذا وكذا تكون فيه سعادتي فيسره لي، وهذا ليس على سبيل الشك وإنما على سبيل التحقيق. قال: (من يدخل الجنة ينعم لا يب

стр. 150

شرح حديث أبي سعيد وأبي هريرة في نعيم الجنة: (إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً) [وقال أبو إسحاق: أن الأغر حدثه عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (ينادى مناد: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً)]. أي: فلا يصيبك سقِم أو سقَم. الذي يدخل الجنة يكون صحيحاً، فتياً، قوياً، لا يمرض أبداً، فليس في الجنة مرض؛ لأن المرض ضعف وهزال في البدن، وهذا يتنافى مع النعيم واللذة في الجنة، فلا مرض في الجنة أبداً بل الصحة والعافية الدائمة السرمدية الأبدية التي لا نهاية لها. قال: [(وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً)]. أي: حياة لا نهاية لها: (يا أهل الجنة خلود بلا موت، ويا أهل النار خلود بلا موت). قال: [(وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا)]. أي: ستظلوا طول عمركم شباب، لا يصيبكم كبر السن. قال: [(وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا، فذلك قوله : ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:٤٣])].

стр. 151

باب في صفة خيام الجنة وما للمؤمن فيها من الأهلين (الباب التاسع: في صفة خيام الجنة وما للمؤمن فيها من الأهلين). الجنة فيها خيام، لكن ليست كخيام العرب، فنعيم الجنة لا يشابه نعيم الدنيا إلا في الاسم، هذه اسمها خيمة وهذه خيمة. ولا وجه للمقارنة. والمؤمن له زوجة، وأولاد، وأصدقاء، والله لئن دخلنا الجنة واشتهى أحد منكم أن يلقى أخاه الذي يعرفه في مسجد الرحمة والله ليقابلنه، وهذا كان يصلي معي، ويصوم معي، ويعينني على الطاعة، وأعينه على الطاعة، فيا رب أريد أن أراه، اشتقت إليه، يكون فوراً من غير قيام حتى لو كان هذا في آخر الجنة وأنا في أولها أو العكس، بمجرد أن أشتهي لقاءه أكون أمامه.

стр. 152

شرح حديث: (إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة) قال: [حدثنا سعيد بن منصور، عن أبي قدامة الحارث بن عبيد، عن أبي عمران الجوني، عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس، عن أبيه]. الذي هو أبو موسى الأشعري عبد الله بن قيس. [عن النبي ﷺ قال: (إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة)]. خيمة الجنة من لؤلؤة. أي: درة ياقوتة واحدة. مجوفة. يعني: فارغة من الداخل. وفي رواية: (مجوبة). ولا أدري هو تصحيف أو نص آخر وإذا كان نصاً فالمعنى واحد. ومعنى مجوبة: أي: مثقوبة يعني: لها باب، حتى يدخل إليها من أراد أن يدخل من الأهل والأصحاب، فكونها مجوبة أو مجوفة المعنى واحد، ولكنها من لؤلؤة. قال: [(طولها ستون ميلاً)]. أي: طولها في السماء ستون ميلاً، وهذا لا يمكن أن تجد خيمة في الدنيا بالشكل هذا، والميل حوالي اثنين كيلو إلا ربع تقريباً، فتصور أن لؤلؤة الجنة طولها في السماء حوالي مائة كيلو في السماء، وهذا من فضل الله ، لو اشتهى أن يطير فيها طار. قال: [(للمؤمن فيها أهلون)]. أهلون: جمع أهل، والأهل هم الزوجة. وأهلون يدل على التعدد بغير تنغيص، ولا وضع السم في الطعام، ولا تكييف، لا يوجد هذا الكلام تماماً. ألم يقل الله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ [الأعراف:٤٣]، لن يكون هناك غل، لا هذه ستغضب من هذه ولا هذه ستغضب من هذه، سيكون منتهى الود والألفة، والله هو الذي جعل أصل خلقهم على الحب والود والوفاء، لا توجد امرأة ستغير من الأخرى، وإذا دخل على إحدى زوجاته لا تراه زوجاته الأخريات ولا يسمعن منه خبراً من سعة الخيمة. قال: [(يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضاً)]. يعني: يذهب إلى هذه، وإذا ترك هذه لا تراه الأخرى. وهذا فيه سلوى للذي يريد أن يتزوج الثانية ولا يستطيع أن يتزوج لأنه خائف، وهذا توحيد الخائفين، قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء:٣].

стр. 153

شرح حديث: (في الجنة خيمة من لؤلؤة) قال: [وحدثنا أبو غسان المسمعي حدثنا أبو عبد الصمد حدثنا أبو عمران الجوني، عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: (في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة عرضها ستون ميلاً)]. الرواية الأولى: طولها (٦٠) ميلاً. والرواية الثانية: عرضها (٦٠) ميلاً. والجمع بين الروايتين: أن طول الخيمة (٦٠) ميلاً في السماء وعرضها على الأرض (٦٠) ميلاً أيضاً. إذاً: الخيمة مربعة فهي (٦٠×٦٠). قال: [(في كل زاوية منها أهل، ما يرون الآخرين، يطوف عليهم المؤمن)]. يعني: لا يوجد واحدة ترى الأخرى، ولو رأتها لا توجد مشكلة. قال: [وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا همام، عن أبي عمران الجوني، عن أبي بكر بن أبي موسى بن قيس الأشعري، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: (الخيمة درة -والدرة بمعنى اللؤلؤة- طولها في السماء ستون ميلاً في كل زاوية منها أهل للمؤمن لا يراهم الآخرون)].

стр. 154

باب ما في الدنيا من أنهار الجنة (الباب العاشر: ما في الدنيا من أنهار الجنة). باب إثبات أن بعض أنهار الدنيا هي أنهار الجنة، أو أن أصل مائها من الجنة. قال: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة، وعبد الله بن نمير، وعلي بن مسهر، عن عبيد الله بن عمر، (ح) وحدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا محمد بن بشر العبدي، حدثنا عبيد الله بن عمر العمري، عن خبيب -أي: ابن عبد الرحمن - عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (سيحان، وجيحان، والفرات، والنيل، كل من أنهار الجنة)]. أي: كل نهر من هؤلاء من أنهار الجنة، وسيحان، وجيحان ليسا سيحون وجيحون، والنيل في مصر، والفرات في العراق يفصل بين أرض الشام وأرض الحجاز. أولاً: نتعرف على هذه الأنهار وطبيعتها، ثم نتطرق بعد ذلك كيف أن هذه الأنهار من أنهار الجنة. قال النووي: (أعلم أن سيحان وجيحان -وهما النهران الأولان- غير سيحون وجيحون، فأما سيحان وجيحان المذكوران في هذا الحديث اللذان هما من أنهار الجنة هما في بلاد الأرمن). وبلاد الأرمن قرب الشام، وليست بلاد الأرمن بلاد الشام وإنما هي قريبة من الشام. قال: (فجيحان هو المعروف الآن بنهر المصيصة، وسيحان نهر إذنة، وهما نهران عظيمان جداً أكبرهما جيحان). قال: (أما قول الجوهري في صحاحه: جيحان نهر بالشام. فغلط). يعني: أخطأ في ذلك؛ لأنه قال أن جيحان نهر بالشام. قال: (أو أنه أراد المجاز) يعني: أنه ببلاد الأرمن وهي قريبة من بلاد الشام فسماها الشام مجازاً فإذا كان يقصد ذلك وإلا فلا. قال: (قال الحازمي: سيحان نهر عند المصيصة، قال: وهو غير سيحون). يعني: سيحون شيء وسيحان شيء آخر. قال: (وقال صاحب نهاية الغريب: سيحان وجيحان نهران بالعواصم عند المصيصة وطرسوس، واتفقوا كلهم على أن جيحون وراء خراسان عند بلخ، واتفقوا على أنه غير جيحان، وكذلك سيحون غير سيحان. وأما قول القاضي عياض: هذه الأنهار الأربعة أكبر أنهار بلاد الإسلام، فالنيل بمصر، والفرات بالعراق، وسيحان وجيحان ويقال سيحون وجيحون ببلاد خراسان ففي كلامه إنكار). الإمام النووي يقول أن القاضي أخطأ في ذلك؛ لأنه جعل سيحان وجيحان هما سيحون وجيحون، وهذا خطأ كما قلنا من قبل، وأنه قال: الفرات بالعراق وليس بالعراق فنقم عليه ذلك، كما أنه قال: أنهما -أي: سيحان وجيحان- في بلاد خرسان. قال: (وأما سيحان وجيحان فهما ببلاد الأرمن بقرب الشام). فهذه أخطاء ردها النووي على القاضي عياض. قال: (وأما كون هذه الأنهار من ماء الجنة؛ لأن النبي ﷺ قال: (وإنها من ماء الجنة). أي: هذه الأنهار من ماء الجنة). أي: معنى أن هذه الأنهار من ماء الجنة. (ففيه تأويلان ذكرهما القاضي عياض. أحدهما: أن الإيمان عم بلادها). والإيمان سبب لدخول الجنة، وهذا تأويل بعيد أن الإيمان عم بلادها. قال: (أو أن الأجسام المضتغذية بمائها صائرة إلى الجنة). فهذه البلاد يعيش فيها اليهود، ويعيش فيها النصارى ويشربون ويتغذون من مائها فكيف يدخلون الجنة؟ وإنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، واليهود والنصارى لا حظ لهم في الجنة، ولا حظ في الجنة إلا لمن آمن ووحد. فحينئذ يكون هذا تأويل مردود؛ لأنه بعيد جداً. قال: (والثاني وهو الأصح: أنها على ظاهرها). أي: أن هذا الحديث على ظاهره لا يحتاج إلى تأويل. (ولها مادة من الجنة) أي: لهذه الأنهار مدد من السماء، لا يعلمه إلا الله، خاصة وقد جاء في روايات سبقت وشرحناها تفصيلاً وأثبتنا أن لهذه الأنهار مدد من الجنة، وأنتم تعلمون أن الجنة والنار مخلوقتان الآن، وأن النبي ﵊ دخل الجنة فرأى فيها كيت وكيت وكيت، وذكرنا هذه المرئيات، واطلع على النار فوجد أكثر أهلها النساء، فالجنة والنار مخلوقتان الآن قائمتان الآن لا يدري أحد مكانهما، وهذا يفوض علمه إلى الله ، فحينئذ يجب أن نعتقد أن هذه الأنهار إنما أصلها وأصل منبتها من الجنة، وأنها تستمد ماءها من الجنة، فإذا أرادوا أن يضحكوا علينا بعد ذلك ويقولون: إن هذا النيل يستمد ماءه من بحيرة ناصر سنقول: إن النيل وبحيرة ناصر يستمدان الماء من الجنة، وإذا كان هذا الماء الذي بين أيدينا هو ماء أصله من الجنة، فعيب علينا أن نلوثه بالقاذورات والفضلات وآثار التغوط وأكثر من ذلك، وعيب علينا أن نسمح لغير بلاد المسلمين أن يلوث هذه المياه بالكيماويات والسموم وغير ذلك حتى صرنا أفقر بلاد العالم في الماء، مع كثرته ووفرته لكن ماء النيل بين أيدينا ونخشى أن نستعمله ونقول: لابد من تكريره أولاً، وهناك منظر يؤذي قلوب الموحدين: أن ترى على كل مكان من النه

стр. 155

باب: يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير (الباب الحادي عشر: يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير). إما أن يكون المراد بذلك: الرقة والخفة، وإما أن يكون المراد بذلك: الخوف والفزع. ويؤيد المعنى الأول قول النبي ﵊ لما رأى أهل اليمن: (أتاكم أهل اليمن هم أرق الناس أفئدة وألين الناس قلوباً). ومعلوم أن قلب المؤمن مثل قلب الكافر في نفس اللون، ونفس القوام، لكن المراد معنوي فقد تعظ الناس بالجنة والنار وتذكر لهم الوعيد الشديد فربما انفطر وانصدع قلب المؤمن لأول وهلة، وربما لا ينصدع قلب الكافر حتى آخر لحظة، والقلوب منها القلب القاسي، والقلب اللين، والقلب الرطب بذكر الله، والقلب القاسي ببعده عن الله وبعده عن ذكر الله، فالقلوب أنواع، كما قال النبي ﷺ : (القلوب أربعة). قال ﵊: [(يدخل الجنة أقوام أفئدتهم)]. والفؤاد هو لب القلب [(مثل أفئدة الطير)]. فإما أن يكون المقصود بذلك الرقة واللين كما قال ﷺ : (أتاكم أهل اليمن هم أرق الناس أفئدة وألين الناس قلوباً، الفقه يمان، والإيمان يمان والحكمة يمانية). فالنبي ﵊ يثني على أهل اليمن، وهم أهل لهذا الثناء، وأحق بهذا الثناء، وقد عرفهم النبي ﵊ حق المعرفة، ولا تزال هذه الصفات يتمتع بها الشعب اليمني إلى يومنا هذا، تجدهم أقرب الناس إليك، وأحن الناس عليك، وألطف الناس محادثة، وأطوع الناس عند النقاش، وأأدب الناس عند الخلاف، هذه حقيقة صفات الشعب اليمني إلى يومنا هذا، كما أن النبي ﵊ مدح الأنصار، وبلاد الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار، وهذا المدح تجده فيهم إلى الآن، وأهل مكة تجد فيهم القسوة، والغلظة، والجفاء، والعنجهية، والكبر، والغطرسة، وقلة الأدب، إلا من رحم الله ! وإما أن يكون المعنى المراد مثل أفئدة الطير في الخوف والهيبة؛ لأن الطير أفزع الخلق، تجد الحمامة في عز النوم وأول ما تسمع صوتاً غريباً ولو من بعيد تصير في أعالي السماء، قد فزعت وخافت. وكأنه أراد أن يقول: لا يدخل الجنة إلا من حقق كمال الخوف والرجاء لله . وأنتم تعلمون أن الخوف والرجاء جناحا المؤمن في السير إلى ربه، فلا يغلب الخوف على الرجاء ولا يغلب الرجاء على الخوف وإنما هما جناحان يسيران في مسار واحد في الحياة الدنيا. وأما في حال الصحة فقد قال بعض أهل العلم بجواز تغليب باب الخوف حتى يزيد الخائف من العمل؛ ولذلك: (لما قرأت عائشة ﵂: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠]، قالت: يا رسول الله! أهذا الزاني الذي يزني، والقاتل الذي يقتل، والسارق الذي يسرق؟ قال: لا يا ابنة الصديق، إنما هؤلاء أقوام أتوا بصلاة وصيام وزكاة يخافون ألا يتقبل منهم). أي: فيحملهم خوفهم هذا على المزيد من العمل، فالخوف المشروع هو الخوف الذي يجعل الخائف يزداد من الطاعات، أما الخوف الذي يؤدي إلى الإياس والقنوط من رحمة الله فليس هذا هو الخوف المشروع، إنما هذا خوف على غير مذهب أهل الحق وعلى غير مذهب أهل السنة والجماعة. والرجاء كذلك يكون بعد العمل، فالمؤمن يصلي ويرجو الله تعالى أن يتقبل منه ذلك، ويصوم ويرجو الله تعالى أن يتقبل منه ذلك، ويفعل الطاعات وينتهي عن المعاصي ويرجو الله تعالى أن يثبته على الإيمان بعد العمل بعد بذل الوسع وإفراغ الجهد في مرضات الله تعالى، فهو يرجو ربه أن يتقبل منه ذلك، وأن يعفو عن السيئات والهفوات. لكن رجاء لا عمل معه لا ينفع، والذي لا يصلي ويزعم أنه متكل على رحمة الله ليس بصادق مع نفسه إذ كيف سيرحمه الله وهو الذي أعرض عن شرعه ودينه؟ وقد سمع الوعيد والتهديد في القرآن والسنة ولم يحرك فيه ساكناً، فكيف يعفو عنه الله ؟ ولو شاء الله أن يعفو عنه لعفا، لكن هناك أحكام شرعية ينبغي أن تتمسك بها حتى تكون أهلاً لرحمة الله ، فبعض الناس يتصور أن الرجاء أن يدع العمل، ويعتقد أن رجاءه ينفعه. كلا وألف كلا، لا ينفعه ذلك، وليس هذا باب الكلام عن الخوف والرجاء. ويمكن أن يحمل قوله: (مثل أفئدة الطير): أي في التوكل على الله ، خاصة في الرزق والأجل، ولذلك ضمن الله لعباده الأرزاق والآجال، فقال النبي ﵊: (إن روح القدس) أي: جبريل (نفث في روعي) أي: حدثني سراً. (أن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها). أي: يا محمد اعلم في نفسك، وأخبر أمتك أن أحداً لن يموت حتى يأخذ رزقه كاملاً بغير نقصان، والمطلوب هو (فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، واعلموا أن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته). أي: ما عليك إلا أن تطيع الله، ولا أقل من أن تكون كالعصفور، والحمام، وال

стр. 156

شرح حديث: (خلق الله تعالى آدم على صورته) قال: [حدثنا محمد بن رافع، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همام، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﵊: (خلق الله تعالى آدم على صورته)]. الضمير في قوله: (صورته) يعود على آدم، وهو أقرب اسم مذكور مفرد للضمير فيعود عليه الضمير. خلق الله آدم على صورته. أي: على صورة آدم. وبعض أهل العلم أنكر هذا التأويل فقال: وليس في هذا بلاغة ولا فصاحة، والنبي ﷺ هو أبلغ الخلق وأفصح الخلق، فلا يتصور أن يكون التقدير هكذا خلق الله آدم على صورة آدم، وحملوا الضمير على الرحمن الذي قد جاء في حديث آخر: (خلق الله آدم على صورة الرحمن). وهذا أرجح القولين عندي، لكن لا يلزم من ذلك أن تكون صورة الله تعالى هي نفس صورة الرجل من خلقه، فيكون المعنى: كما أن الله تعالى له ذات وصورة لا يعلم كيفيتها إلا هو ، فكذلك آدم لما خلق كان له صورة. فيكون التقدير: خلق الله آدم على صورة كما أن الله تعالى على صورة، ولا يلزم من المماثلة بين الاسمين أو الوصفين المماثلة من كل وجه، بل يحكم هذا وذاك قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]. أي: ليس كمثله شيء لا في الذات ولا في الصفات، وكما أن نعيم الجنة لا يتفق مع نعيم الدنيا إلا في الاسم فقط، ولا يلزم منه المماثلة والمشابهة كما قلنا من قبل، فكذلك لله تعالى صورة، ولا بد؛ لأنه ذات علية ، وكل ذات لها أوصاف؛ ولذلك وصف نفسه بأوصاف، ووصفه رسوله ﵊ بأوصاف، وسمى الله تعالى نفسه بأسماء، وسماه رسوله بأسماء، فنتوقف عند حد ثبوت الأسماء والصفات الثابتة في الكتاب والسنة لله من غير خوض في الكيفية. وهذا مذهب أهل الحق لا نفوض في المعنى، ولا نفوض في العلم وإنما نفوض الكيفية، فالله تعالى له صورة؛ لأنه أخبر أن له صورة، ونمسك عن ماهية هذه الصورة وكيفيتها، وآدم له صورة ولا يلزم المماثلة والمشابهة من إثبات الصورة لله وإثبات الصورة لآدم. نكتفي بهذا القدر، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً

стр. 157

شرح صحيح مسلم - كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها - شدة حر نار جهنم وبعد قعرها خلق الله النار للكفار من خلقه، والعاصين من عباده، ووعدها بملئها منهم، وقد جاء الأمر بالتعوذ منها ومن حرها وأهوالها، والتي لا يعرف مقدارها إلا الله ، وقد جعلها الله على دركات لكل دركة من دركاتها ناسها، حتى يصل آخرهم إلى دركها الأسفل.

стр. 158

باب في شدة حر نار جهنم وبعد قعرها وما تأخذ من المعذبين إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، أما بعد: فمع الباب الثاني عشر من كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها: (باب في شدة حر نار جهنم) أعاذنا الله وإياكم منها (وبعد قعرها، وما تأخذ من المعذبين).

стр. 159

شرح حديث: (يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عمر بن حفص بن غياث، قال: حدثنا أبي عن العلاء بن خالد الكاهلي، عن شقيق وهو شقيق بن سلمة الكوفي، أبو وائل، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : (يؤتى بجهنم يومئذ -أي يوم القيامة- لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها)]. قوله: (يؤتى بجهنم): هذا يدل على أن جهنم تغدو وتجيء، وأنها تجيء حتى تلتهم أهلها الذين أعدوا لها، وخلقوا لها، وكذلك الجنة، كما قال الله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الشعراء:٩٠]. أي: وقربت الجنة، فالجنة تقرب من أهلها حتى يدخلوا فيها، والنار كذلك يقربون منها حتى يدخلوا فيها، وفي الغالب أن كلمة (يقرب) تكون في موضع الإكرام، فالإكرام يقرب للضيف، ولذلك فإن من السنة أن يقرب الطعام إلى الضيف ولا يوضع في مكان ثم يدعى الضيف أن ينتقل إليه، ولذلك فإن إبراهيم ﵊ قرب لأضيافه عجلاً حنيذاً للأكل منه. (يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام). والزمام هو الشيء الذي يتحكم فيه الساحب. (كل زمام يجره سبعون ألف ملك). هذا يدل على عظم النار وسعتها وشدتها، سبعون ألف ملك في سبعين ألف ملك، والناتج سيكون عدداً هائلاً، وإنما ذلك لعظمها وشدتها.

стр. 160

شرح حديث: (ناركم هذه التي يوقد ابن آدم جزء من سبعين) قال: [حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا المغيرة بن عبد الرحمن الحزامي، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ناركم هذه -أي: نار الدنيا- التي يوقد ابن آدم جزء من سبعين جزءاً من حر جهنم)]. أي: هذه النار التي يوقدها ابن آدم هي جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم. يعني: أن نار الدنيا تضرب في سبعين، ويصح أن تكون هذه النار هي نار جهنم، وقد سمعت بعض مشايخنا يقول: هذا الجزء من النار الذي يوقده ابن آدم هو مجموع ما أوقده ابن آدم من لدن آدم إلى قيام الساعة. أي: هذه النار كلها التي بالمصانع الحربية، والحديد، والصلب، والإسمنت وغير ذلك مما يوقده الناس من النار لطعامهم وشرابهم لو اجتمعت منذ أن خلق الله النار حتى يوم القيامة فمجموع هذه النار يمثل في نار جهنم جزءاً من سبعين جزءاً، ولعمري لو كانت هذه النار كعود الكبريت لكفت، ولكن هذه النار أعدها الله للكفار الذين يستحقون ذلك وزيادة. قال: [(قالوا: والله إن كانت لكافية)]. الصحابة لما سمعوا ذلك قالوا: والله لو أن النار التي أعدت للآخرة مثل نار الدنيا لكانت كافية. [قال: (فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءاً، كلها مثل حرها)]. أي: كل جزء منها مثل حر نار الدنيا التي يوقدها ابن آدم. قال: [حدثنا محمد بن رافع، حدثنا عبد الرزاق]. وهو عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليمني كان إماماً جليلاً، وهو شيخ اليمن في زمانه، لم يكن أحد يتقدم عليه، واليمن منذ أن دخلت في الإسلام إلى يومنا هذا لا يبرز فيها في كل قرن أو في كل مدة من الزمان إلا واحداً، لا يبرز فيها اثنان في آن واحد إلا نادراً جداً كما برز الصنعاني والشوكاني، إنما في كل قرن من القرون أو مدة من الزمان يبرز فيها واحد فقط، وأول البارزين فيها أبو موسى الأشعري ﵁، ثم أبو هريرة وكلاهما من اليمن، وأنتم تعلمون أن إسلام أبي هريرة كان متأخراً، فقد أسلم بعد رجوع النبي ﵊ من غزوة خيبر، ولازم النبي ﷺ ثلاث سنوات وبضعة أشهر على ملء بطنه، فهو القائل ﵁: أما المهاجرون فقد شغلتهم تجارتهم، وأما الأنصار فقد شغلهم حرثهم وزراعتهم، وأما أنا فلزمت النبي ﷺ على ملء بطني أو قال: على شبع بطني. فحصل من العلم ما لم يحصله الأكابر، وما لم يحصله من تقدم عليه كـ أبي بكر وعمر وغيرهما، ولذلك لعلكم تعلمون الإفكة والشبهة التي حرص أعداء الإسلام أن يوجهوها إلى الإسلام بالطعن في أبي هريرة؛ لأنه أعظم الصحابة على الإطلاق رواية إلا ما كان من عبد الله بن عمرو بن العاص. قال أبو هريرة: وإني لأكثر الناس رواية، وحفظاً عن رسول الله ﷺ إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب. أي: عبد الله بن عمرو كان كاتباً، وأبو هريرة كان أمياً لا يكتب، وكان عنده من الذاكرة الشيء العجيب جداً؛ ولذلك دعاه بعض ملوك بني أمية في المدينة أن يحدثه بأحاديث، فحدثه بأربعمائة حديث، وكان الخادم يكتب من خلف الستار، وبعد عامين استدعاه، وقال: أتذكر شيئاً مما حدثتني به آنفاً؟ أي: منذ عامين. فقال: نعم. والخادم يراجع ما كان قد كتبه منذ عامين من خلف الستار، فلما قص عليه أبو هريرة ما كان قد أسمعه آنفاً خرج الخادم وقال: والله يا أمير المؤمنين ما قدم ولا أخر، ولا حذف، إنما حدث بها من أولها إلى آخرها بنفس الترتيب. أبو هريرة أعجوبة الزمان في الحفظ، وابن عباس أقل منه حفظاً، ومع هذا كان ابن عباس يسمع القصيدة مكونة من ألف بيت شعراً فإذا قيل لـ ابن عباس أحفظتها؟ يقول: نعم. فيقول الشاعر: كلا وألف كلا. فيقول ابن عباس متحدياً: أتحب أن تسمعها مني من أولها إلى آخرها أم من آخرها إلى أولها؟ وهذا شيء عجيب، والسلف ﵃ كانت ذاكرتهم قوية. وأبو هريرة ﵁ لما أتى مسلماً إلى النبي ﵊ وأعلن إسلامه قال النبي ﵊: (هل لك حاجة يا أبا هريرة؟ قال: نعم يا رسول الله! أن تدعو لأمي أن تسلم فإن أبغض الناس إليها أنت، فدعا لها النبي ﵊ فأسلمت، قال: هل لك حاجة يا أبا هريرة؟ قال: يا رسول الله! ادع الله لي، فدعا له بالخير والبركة والنماء). وفي مجلس ما قال النبي ﵊: (من يبسط رداءه فأدعو له فلا ينسى من العلم شيئاً. قال

стр. 161

شرح حديث: (كنا مع رسول الله إذ سمع وجبة) [حدثنا يحيى بن أيوب، حدثنا خلف بن خليفة، حدثنا يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة]. هناك في طبقة التابعين اثنان كل واحد منهما يكنى بـ أبي حازم أحدهما يروي عن أبي هريرة والثاني: يروي عن سهل بن سعد الساعدي. أما الذي يروي عن سهل بن سعد فهو سلمة بن دينار، والذي يروي عن أبي هريرة هو سلمان مولى عزة. [قال أبو هريرة (كنا مع رسول الله ﷺ إذا سمع وجبة)]. وجبة: سقطة، كأن شيئاً سقط من السماء، فأحدث دوياً وزلزالاً. [(فقال النبي ﵊: تدرون ما هذا؟ قال: قلنا: الله ورسوله أعلم)]. هكذا أدب الصحابة ﵃ حتى وإن كانوا يعلمون، كانوا دائماً يردون العلم إلى الله ورسوله، وهذا في حياة الرسول، وإلا فمن الخطأ في الاعتقاد: ما يتعاطاه الناس فيما بينهم: أنك تسمع الرجل الآن يقول: الله ورسوله أعلم. والصواب أن يقول: الله أعلم. أما (الله ورسوله) فهذا في زمان الرسول وفي حياة الرسول ﵊. والنبي ﵊ يسأل معاذ بن جبل: (يا معاذ أتدري ما حق الله على العبيد؟ قال: الله ورسوله أعلم). وهو يعلم. أم كيف أسلم؟ فقضية الإيمان والتوحيد كانت عندهم قضية محسومة معروفة. ويسألهم في عرفة: (أتدرون في أي يوم أنتم، في أي شهر أنتم، في أي بلد أنتم؟ وهم يقولون: الله ورسوله أعلم). وهذا من الأدب. أما الآن لو أن شيخاً سأل سؤالاً، أو رجلاً من أهل العلم سأل سؤالاً وحوله عشرة من الطلاب لسمعت اثنا عشرة إجابة. ولو أن واحداً سأل سؤالاً، لأجاب كل واحد من الواقفين بإجابة أو إجابتين، ولا يزال الشيخ بعد لم يتكلم. أهذا أدب؟! أهذه أخلاق؟! كان الواحد منهم إذا سئل وجبر على السؤال لا يتكلم، ويزعم أنه لا يعرف شيئاً ولا يحسن شيئاً، أما الآن فتجد الطالب جاهلاً وراسباً في الإعدادية، ومع هذا لا يفلت منه سؤال وكلها إجابات بالهوى، وبالرأي، وبالذوق، والوزن، أما في التأصيل العلمي فليس عنده شيء، ومع هذا فهو جريء: (أجرأ الناس على الله أجهلهم بالله) ولو أن المرء تعلم العلم وتعلم معه الأدب لهرب دائماً من موطن المسئولية. وهذا ابن أبي ليلي كان يقول: أدركت مائة وعشرين من أصحاب النبي ﵊ كلهم كان إذا سئل في مسألة ود أن أخاه كفاه، وإذا سئل في حديث ود أن أخاه كفاه، فكان الداخل يدخل فيسأل الأول، فيحيله إلى الثاني، والثاني إلى الثالث، حتى يسأل المائة وأكثر من ذلك فيرجع بها إلى المسئول الأول، فلا يجد بداً إلا أن يتكلم فيتكلم حينئذ. وكذلك الذي نقوله في الإفتاء والتدريس نقوله في القضاء، وفي الفصل في الخصومات والمنازعات، هذا سفيان الثوري إمام الحديث، وإمام الفقه في الكوفة حمله الوالي أن يتولى القضاء فاحتال حيلة ليخرج من ذلك. وفي هذا الوقت لما يقولون: هناك منصب قضاء، نريد من يتولى قاضي المحكمة الجنوبية في الجيزة، فستحصل الرشوات بمئات الآلاف، ودعايات وإعلانات بمئات الآلاف وغير ذلك من المخالفات الشرعية، وكل ذلك ليجلس على مكان يحكم فيه بغير ما أنزل الله، وهذا بلاء آخر، والأصل فيه أنه هو البلاء الأول. أما سفيان الثوري لما أرغم على قبول القضاء أنزل اللعاب من فمه لكي يقال أنه لا يصلح لذلك، وأنه معتوه. ففهم الوالي ذلك فقال له: مهما عملت فلابد وأن تكون قاضياً. فقال: دعني أستخير ربي وأنظر في أمري. قال: لك ذلك. سترجع إلينا ثانية يا سفيان؟ قال: نعم. فخرج سفيان بدون حذاء ثم رجع مرة أخرى إلى مجلس الوالي، فأخذ نعله وانصرف. فقال أحد العلماء الحاضرين: يا أيها الولي لا يرجع سفيان. قال: لقد وعدنا أنه سيرجع. قال: لقد ترك حذاءه ورجع فأخذه. فهذا هو ما قصده سفيان. وإننا في هذا الوقت لو عرضنا أفعالنا وأقوالنا على أفعال السلف وأقوالهم، لوجدنا اختلافاً كبيراً، الواحد لما يعرض أقوله وأعماله على أقوال وأعمال السلف يجد نفسه صفراً، ويوقن بالهلاك ويوقن بالنار لولا رحمة العزيز الغفار . قال: [(كنا مع رسول الله ﷺ إذا سمع وجبة)]. أي: سقطة. [(فقال النبي ﷺ : تدرون ما هذا؟ قال: قلنا الله ورسوله أعلم. قال: هذا حجر رمي به في النار منذ سبعين خريفاً، فهو يهوي في النار إلى الآن حتى انتهى إلى قعرها)]. أي: حجر ألقي في نار جهنم منذ سبعين عاماً فهو يهوي في النار إلى الآن، وهذا يدل على بعد قعر جهنم، ولذلك فإن المنافقين الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر لو سمعوا هذا وعلموا

стр. 162

شرح حديث: (إن منهم من تأخذه النار إلى كعبيه) قال: [وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا شيبان بن عبد الرحمن -وهو النحوي - قال: قال قتادة: سمعت أبا نضرة يحدث عن سمرة أنه سمع النبي ﷺ يقول: (إن منهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه إلى حجزته، ومنهم من تأخذه إلى عنقه)]. قتادة مدلس، والمدلس إذا قال: قال فلان، أو عن فلان فلا يؤمن منه التدليس، والتدليس من أخطر العلل، التي يمكن أن تصيب الإسناد، وهناك علل تصيب الراوي، وعلل تصيب الإسناد نفسه، وهناك علل إذا اجتمعت في الراوي أو انفردت فيه أصابت الراوي نفسه، وقد يكون الراوي ثقة، لكنه يأتي بعلة تصيب الإسناد مثل التدليس، فالتدليس هذا من العلل التي تصيب الإسناد ولا تصيب الرواة؛ لأن الراوي يكون ثقة ومدلساً. وتدليس الإسناد: هو أن يقول الراوي: قال فلان أو عن فلان، ولا يقول: حدثنا، ولا أخبرنا، ولا أنبأنا. لا يأتي بصيغة تفيد السماع، وإنما يأتي بصيغة تحتمل السماع كقال، وعن، وهو يقصد أن فلاناً قال هذا، لكنه لم يلق فلاناً الذي قال هذا الحديث، ولم يسمع منه هذا الحديث وإنما قال: قال فلان؛ حتى يوهم السامع أنه قد سمع وليس كذلك، وهذا تزييف، والراوي يروي عمن لقيه وسمع منه، ولكنه في هذا الإسناد بالذات روى عنه ما لم يسمع عنه بصيغة تحتمل السماع. إياك أن تقول: (بصيغة تفيد السماع)، فـ (قال، وعن)، توهم ولا تفيد، فتوهم الناس أنك قد سمعت منه وليس الأمر كذلك، هذا نوع من أنواع التدليس. النوع الثاني: اسمه تدليس التسوية، يأتي الراوي الثقة المشهور بنوع معين من التدليس اسمه تدليس التسوية. قال: [يحدث عن سمرة أنه سمع نبي الله ﷺ يقول: (إن منهم من تأخذه النار إلى كعبيه)] يعني: منهم من تصله النار إلى الكعبين. قال: [(ومنهم من تأخذه إلى حجزته)]. وفي رواية: (إلى حقويه). والحجز أو الحقو هو مقعد الإزار والسراويل من البدن، وهو العظمة الناتئة في الجنبين، اسمه الحجز، أو الحجاز الذي يحجز ما بين أسفل البدن وأعلاه، فالنار تبلغ العبد إلى هذا المبلغ، أو تبلغ إلى كعبيه، أو ركبتيه. قال: [(ومنهم من تأخذه إلى عنقه)]. يعني: تبلغه النار إلى العنق، وهذا في موقف الحشر والحساب، وذلك العرق قبل دخول النار، يوم يخرج الناس من الأجداث سراعاً إلى أرض المحشر وتدنو الشمس من الرءوس حتى تكون منهم على قدر ميل. قال الراوي: إما أن يكون الميل هو ميل الأرض -أي: المسافة- وإما أن يكون الميل هو المرود الذي تكتحل به المرأة. فهذا يسمى ميلاً في اللغة. يوم تدنو الشمس من الرءوس فيكون الناس في عرقهم على قدر أعمالهم، فمنهم من يبلغه العرق إلى كعبيه، ومنهم إلى ركبتيه، ومنهم إلى حقويه، ومنهم إلى عنقه حتى يلجمه العرق إلجاماً كل هؤلاء في موقف واحد، وفي أرض واحدة هي أرض المحشر، فانظروا إلى عظيم صنع الله وعظيم قدرة الله تعالى، أنك تقف في العرق إلى كعبيك ومن بجوارك يلجمه العرق إلجاماً، لا يبغي عرقه عليك، ولا يبغي عرقك عليه، كل واحد في عرق على قدر عمله هو، وإذا كان العرق هذا ماء يسيل، فالله يركب فيه القدرة ويأمره بأن لا يسيل، فيمتثل، والعرق مخلوق ولا بأس أن يركب الله تعالى فيه تمييزاً ليتلقى الأمر ويعمل به في ذلك الوقت، وفي هذا الوقت ليس هناك مخلوق يخالف الأمر أو يرتكب النهي، ولذلك لما قال النبي ﵊: (يأتي الناس إلى ربهم يوم القيامة حفاة عراة غرلاً). والغرل هو الذي لم يؤخذ من عضوه هذه القطعة الزائدة التي تسمى الختان أو الخفض عند النساء، كل إنسان يرجع إلى ربه كاملاً حتى هذا الجزء الدقيق الذي يختن من البدن يرجع إليه ويأتي إلى ربه كما خلقه أولاً، حينئذ قالت عائشة: (يأتون عراة ينظر بعضهم إلى سوأة بعض! قال: يا عائشة الأمر أشد من ذلك). يعني: لا يمكن لأحد أن يفكر فيما تخافين منه. لا يمكن أن يخطر ببال أحد. إذا كان المرء في هذه الدنيا لو نزلت عليه مصيبة أو أصابه مرض لا يجامع، ولا يأكل، ولا يشرب، وتصبح حياته كلها مقلوبة، فكيف بمن يقابل الملك الجبار الذي ينتقم من الجبابرة والظلمة؟ لو يعلم الظالم ما عند الله من العذاب لتمنى أن يكون تحت الأرض وليس فوقها.

стр. 163

شرح حديث: (ومنهم من تأخذه النار إلى ترقوته) قال: [حدثني عمرو بن زرارة، أخبرنا عبد الوهاب -يعني ابن عطاء - عن سعيد، عن قتادة]. إذا كان الراوي غير منسوب ومسمى فقط هكذا (سعيد) عن قتادة فاعلم أنه سعيد بن أبي عروبة البصري. إذا كان في الإسناد البصري سعيد عن قتادة فهو سعيد بن أبي عروبة البصري فهو أروى الناس وألزم الناس لـ قتادة. وإذا ذكر قتادة وعنه سعيد فإنما هو أبو عروبة وقتادة هو ابن دعامة السدوسي البصري، والعرب كانوا يتسمون من وحي البيئة، فمنهم من كان يسمى بأسماء الحيوانات، والطيور، والنباتات والأشجار، فالدعامة هي الأصل التي هي الخرسانة، تقول: هذه دعامة البيت. قال: [سمعت أبا نضرة يحدث عن سمرة بن جندب أن النبي ﷺ قال: (منهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه النار إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه النار إلى حجزته، ومنهم من تأخذه النار إلى ترقوته)]. الترقوة هي العظمة بين ثغرة النحر والعاتق. وهي هذه العظمة التي بجوار الرقبة كما في الرواية الأولى: (ومنهم من تأخذه النار إلى عنقه) والعنق هو الرقبة. [حدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار، قالا: حدثنا روح -وهو روح بن عبادة - حدثنا سعيد بهذا الإسناد]. أي: بنفس السياق الأول، وهو سعيد، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن سمرة. [وجعل مكان حجزته: حقويه] حَقويه أو حِقويه في الرواية صحيح.

стр. 164

باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء (الباب السادس عشر: باب النار يدخلها الجبارون، والجنة يدخلها الضعفاء). النار يدخلها الجبارون المتكبرون، والجنة يدخلها الضعفاء، والضعف له معان كثيرة سنتعرض لها إن شاء الله.

стр. 165

شرح حديث أبي هريرة في احتجاج النار والجنة قال: [حدثنا ابن أبي عمر حدثنا سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال النبي ﵊: (احتجت النار والجنة)]. احتجت: يعني: تخاصمتا، كل واحدة تكلمت بما عندها. [(احتجت النار والجنة فقالت هذه -أي النار-: يدخلني الجبارون والمتكبرون. وقالت هذه -أي الجنة- يدخلني الضعفاء والمساكين، فقال الله لهذه -أي للنار-: أنت عذابي، أعذب بك من أشاء)]. وربما قال: (أصيب بك من أشاء)] والإصابة تكون في الخير والشر. [(وقال لهذه -أي للجنة-: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء، ولكل واحدة منكما ملؤها)]. (ولكل واحدة منكما). أي: الجنة والنار. (ملؤها) يعني: لابد أن تمتلئ الجنة والنار، فقد خلق الله تعالى الجنة والنار وجعل لك منهما قسماً وقال: (يا أهل النار خلود بلا موت، ويا أهل الجنة خلود بلا موت). قال: [وحدثني محمد بن رافع حدثنا شبابة -وهو ابن سوار - حدثني ورقاء -وهو اليشكري، كما أن شبابة يشكري كذلك- عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (تحاجت النار والجنة، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين)] يعني: يدخلني الجبارون والمتكبرون. [(وقالت الجنة: فما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم وعجزهم؟ فقال الله للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي. وقال للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكم ملؤها)]. يعني: لابد أن تمتلئان. [(فأما النار فلا تمتلئ فيضع قدمه عليها فتقول: قط قط)] أي: قد امتلأت كفى، حسبي. [(فهنالك تمتلئ، ويزوى بعضها إلى بعض)] يعني: ينظم بعضها إلى بعض حتى تمتلئ تماماً على من فيها وبمن فيها.

стр. 166

كلام النووي في شرح حديث احتجاج الجنة والنار قال الإمام النووي: قوله ﷺ : (تحاجت النار والجنة) إلى آخره. هذا الحديث على ظاهره، وأن الله جعل في النار والجنة تمييزاً تدركان به فتحاجتا، ولا يلزم من هذا أن يكون ذلك التمييز فيهما دائماً). والجنة والنار الأصل أنهما ليستا عاقلتين، لم يكن لهما إدراك ولا تمييز ولا عقل، ومع هذا تخاصمت الجنة مع النار، وهذا يدل على أن الله تعالى يجعل في موقف هذه الخصومة إدراكاً وتمييزاً للجنة والنار حتى يتكلمان، فتقول الجنة: إنما يدخلني الضعفاء والمساكين، والعجزة، والسقط من الناس. ويجعل الله للنار إدراكاً حتى تتكلم، وهذا ليس بعزيز على الله. وأنتم تعلمون أنه قد تكلمت الجمادات والحيوانات والطيور والسباع منذ الأزل، منذ بداية الخلق إلى يومنا هذا كرامة من الله لبعض عباده، كما تكلم الطير والهوام والحشرات والدواب، حتى الريح تكلمت لسليمان ﵊، وتكلمت الجمادات للنبي ﵊ حتى تكلم البعير الذي لا يتكلم، واشتكى صاحبه إلى النبي ﵊. فحينئذ لا بأس أن يركب الله إدراكاً وتمييزاً حتى تحصل المحاجة أو المناظرة بين الجنة والنار وليس هذا ببعيد على الله، فالله تعالى على كل شيء قدير. قال: (وقوله ﷺ : (وقالت الجنة: فما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم وعجزهم؟). أما (سقطهم) فهم الضعفاء المتحقرون منهم. الذين لا يأبه لهم الناس كالعامل والخادم، فقد يكون الخادم عند الله أشرف وأفضل من المدير العام بصلاته وصيامه، وزكاته، وحسن خلقه، وأثقل شيء يوضع في الميزان هو حسن الخلق، فمثلاً: المدير العام متغطرس، متكبر، لا يصلي، ولا يصوم، ولا يزكي، ولا يحج، معه عامل يمسح له المكتب يصلي ويصوم، ويزكي ويحج، ولديه حسن الخلق، فهو أفضل عند الله من المدير العام، ولذلك سأل النبي ﵊ أصحابه عن رجل شريف في القوم، فقال النبي ﵊: (ما تعدون هذا عندكم؟ قالوا: يا رسول الله إنه لحري إذا نكح أن ينكح، وإذا تكلم أن يسمع، وإذا دخل أن يقام له. فمر آخر، فقال: ما تقولون في هذا؟ قالوا: يا رسول الله إنه لحري إذا نكح ألا ينكح، وإذا تكلم ألا يسمع، وإذا دخل لا يأبه له. قال: والله لهذا خير من ملئ الأرض من ذاك). يعني: الذي ترونه ضعيفاً متضعفاً مسكيناً وليست له قيمة في المجتمع، هذا عند الله في الميزان أثقل من ملء الأرض ممن أثنيتم عليه خيراً، فالموازين الشرعية تختلف عن موازين العباد. قال: (فالسقط: هم الضعفاء والمتحقرون منهم. والعجز: جمع عاجز. أي: العاجزون عن طلب الدنيا، والتمكن فيها، والثروة والشوكة). يعني: ليس هو لواء، ولا عميد، ولا عقيد، ولا غني، فهو إنسان ضعيف فقير، لا قيمة له في المجتمع في نظر الناس، فهذا هو العاجز. أي عجز عن طلب الدنيا والتمكن فيها، والثروة والشوكة، وفي رواية قال: (وغرتهم). وهم أصحاب الحاجة، والفاقة، والجوع، وفي راوية: (الغرث) وهو: الجوع. وغرتهم: هم البله الغافلون، جمع أبله غافل، وهم الذين ليس بهم فتك وحذق في أمور الدنيا، والذي يطلب الدنيا ويكون حاذقاً فتقاً فيها على حساب دينه أعد الله له النار، وهو نحو الحديث الآخر: (أكثر أهل الجنة البله). ولكنه حديث ضعيف. قال: (وقال القاضي: معناه أن سواد الناس وعامتهم من أهل الإيمان الذين لا يفطنون، فتدخل عليهم الفتنة أو البدعة وهم ثابتو الإيمان، وصحيحوا العقائد، وهم أكثر المؤمنين، وهم أكثر أهل الجنة). والمعتزلة هؤلاء أهل كلام وفلسفة، وما أضل المعتزلة إلا ترجمة كتب اليونان من اليونانية إلى العربية في زمن المأمون. يعني: كانت الترجمة هذه سلاح ذو حدين أعظمها الضلال؛ ولذلك لما ترجمت هذه الكتب إلى العربية تأثر كثير من المسلمين بفكر اليونانيين فبدءوا يحكمون عقولهم في الشرع حتى قدموا العقل على النقل فضلوا، ولابد أن يضل الإنسان الذي تخلق بهذا الخلق، ولذلك لما حار كثير منهم في طلب الحق وهو على فراش موته قال: أبرء إلى الله من كل ما قلت، وأرجع إلى دين العجائز. وذلك لأنه قدم عقله على الشرع، فكان يختار من العبادة ما يزكي له هذا المبدأ وهذا الأصل؛ لأنه ترك الشرع وراء ظهره، فتمنى وهو على فراش الموت أنه لم يترك الشرع، وهذا هو الفخر الرازي إمام كبير يقول وهو على فراش الموت: أبرء إلى الله من كل قول أو فعل عملته أو فعلته مخالف للسنة وأرجع إلى دين العجائز. يعني: يا ليتني على عقيدة أمي وجدتي وأبي الذين لم يكن لهم شيء في العلم، ولا يعرفون أي شيء عن هذه الأشياء. وأنتم تعلمون أن التلفزيون دمر عقائد العجائز، وعقائد الفلاحين، وعقائد الصعايدة، وعقائد طلاب العلم. قال: (وهم أكثر أهل الجنة، وأكثر المؤمنين. وأما العارفون، والعلماء العاملون والصالحون المتعبدون فهم قليلون وهم أصحاب الدرجات) فعامة أهل الجنة هم عامة المؤمنين، وأ

стр. 167

شرح حديث: (فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع الجبار فيها رجله) قال: [حدثنا محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ فذكر أحاديث منها: قال رسول الله ﷺ : (تحاجت الجنة والنار فقالت النار أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: فما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم وغرتهم)]، أي: أصحاب الحاجة أو البله. [(قال الله للجنة: إنما أنت رحمتي أرحم بك من أشاء. وقال للنار: إنما أنت عذابي، أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكما ملؤها. فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع الله ﵎ رجله، فتقول: قط، قط، فهنالك تمتلئ، ويزوى بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله من خلقه أحداً، وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقاًَ)]. قوله ﵊: (فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع الجبار فيها رجله) جاء في في رواية: (قدمه) وفيه إثبات القدم والرجل لله سبحانه. وقوله: (وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقاً). أي: يخلق خلقاً جديداً لم يسبق بخلق من قبل. والفوائد التي في هذا النص ما يلي: أن الرسول الكريم ﷺ أثبت لربه أن رجلاً، وأن له قدماً، وقد استنكف كثير من أهل العلم أن يؤمنوا بهذا على ظاهره وقالوا: إثبات الرجل والقدم لله تعالى تعني الجارحة، والله تعالى منزه عن الجوارح، والموصوف بها هم الخلق، وإذا أثبتنا الرجل على الحقيقة لله فإنما نقول: إن الله تعالى شبيه بخلقه حاشا لله تعالى. والأصل الأصيل عند أهل السنة والجماعة في باب الاعتقاد، وفي باب الصفات على جهة الخصوص: أنهم يثبتون لله تعالى ما أثبته لنفسه في كتابه، وما أثبته له رسوله ﷺ في سنته على المعنى اللائق بالله تعالى من غير تمثيل، ولا تكييف، ولا تعطيل، ولا تأويل. هذا هو معتقد أهل السنة والجماعة، وهو المعتقد الحق وكل من اعتقد في صفات الله تعالى غير ذلك فهو من الفرق الهالكة الضالة. والله تعالى له ذات، ولا يجوز لأحد قط أن يخالف في ذلك. وقال بعض الثنوية: الله تعالى ليس ذاتاً وإنما هو نور. وإنما نقول: إن من أسماء الله تعالى النور، وإذا كنا قد اتفقنا أن الله تعالى ذاتاً فليس هناك ذات مطلقاً إلا ولها صفات، فمن من الناس يستطيع أن يصرف ذات الله؟ الجواب لا أحد، فهذان أمران لا ثالث لهما، أنا لا أستطيع أن أصف شيئاً إلا رأيته أو رأيت له مثيلاً. فهل رأى أحد ربه؟ الجواب لا. الثاني: هل أحد يشبه الله ويماثله ويكافئه؟ الجواب: لا. إذاً: لا يستطيع أحد أن يصف الله تعالى، وإنما يجب على كل أحد أن يثبت لله تعالى ما أثبته لنفسه من صفات وأسماء على المعنى اللائق بالله تعالى، فإذا كانت هذه الذات تختلف بالضرورة والوجوب اللازم على ذوات المخلوقين، وإذا كانت ذوات المخلوقين مختلفة، فلي ذات وأنت لك ذات، لكني أبيض وأنت أسمر، أنت أطول وأنا أقصر، أنت متين وأنا نحيف، فهذه اختلافات في ذوات المخلوقين، فكيف بالخالق ، وكيف بصفات الخالق، فلابد أن نقول: إن لله تعالى صفات تختلف عن صفات المخلوقين، فأنا لي رجل، وللمولى سبحانه رجل، لأنه ورسوله ﵊ أثبتا ذلك. إذاً: لابد أن أسلم أن للمولى رجل وأن لي رجلاً، لكن شتان ما بين رجل الرحمن ورجلي، ما بين رجل الخالق ورجل المخلوق، لأن الصفات فرع عن الذات، فإذا كانت الذات مختلفة فلابد أن تختلف الصفات، فأقول: الله تعالى له رجل تختلف عن أرجل المخلوقين، له رجل تليق بعظمته وجلاله وكبريائه . ثم هل ثبت في نص أن لله تعالى رجلين، أو ثلاثة، أو أربعة أو واحدة؟ هل ثبت نص في ذكر رجلين لله تعالى أم واحدة؟ أنا لا أستطيع تصور الكلام هذا، فالخالق لا يقاس بالمخلوق، وهذا ممتنع في الأذهان أن تنزل صورة الرحمن على صورتك، فإثبات الرجل لله تعالى كما أثبتها لنفسه، هذا هو منتهى الكمال لله ، والمخلوق الذي له رجل واحدة يكون فيه عجز ونقص وعيب، لكن إثبات هذه الرجل الذي أثبتها لنفسه وأثبتها له رسوله ﵊ هذا منتهى الكمال لله . والله تعالى له عينان كما جاء ذلك في القرآن الكريم وفي السنة النبوية، فلا يصح في الأذهان أن أتصور أن الله تعالى له عينان كعيني وهما في نفس الموضع من الوجه كما أن عيني في نفس الموضع من الوجه، والذي يصح مني أن أثبت أن لله تعالى عينين وتنتهي قضيتي عند هذا الحد، لا أقول: المقصود بهما الرعاية والإحاطة، والمحافظة على العباد، والقيام على شئونهم، فهذا تأويل النص وخروج به عن ظاهره. وإن شئت فقل: هذا ما يسميه العلماء بالتعطيل. أي: تعطيل الذات عن الصفات. والله أثبت لنفسه الوجه، فلا يستطيع أحد أن يثبت أن لله تعالى أنفاً، فهذا إجرام في حق الله تعالى؛ لأنه لم يثبته لنفسه، ولم يثبته له نبيه ﵊. إذاً: في النهاية لابد أن أخرج بنتيجة وهي: أن

стр. 168

شرح صحيح مسلم - كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها - النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء يجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ عن الجنة والنار، من أنهما مخلوقتان وموجودتان الآن، ومحاجتهما في صفات من يدخلهما، وأن الله سبحانه قد أخذ على نفسه عهداً بأن لكل منهما ملأها، وغير ذلك من الأخبار التي وردت في سنة المصطفى ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى.

стр. 169

باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة. أما بعد: فمع الباب الثالث عشر من كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، وهو بعنوان: (النار يدخلها الجبارون، والجنة يدخلها الضعفاء).

стр. 170

شرح حديث: (احتجت النار والجنة) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا ابن أبي عمر -وهو محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني نزيل مكة- قال: حدثنا سفيان -وهو ابن عيينة - عن أبي الزناد عن الأعرج]. وأبو الزناد هو عبد الله بن ذكوان المدني، والأعرج: هو عبد الرحمن بن هرمز المدني كذلك. [عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (احتجت النار والجنة)]. أي: صار بين النار والجنة خصومة أو نزاع أو محاجة. [(فقالت هذه-أي النار-: يدخلني الجبارون والمتكبرون)]. فمن أوصاف أهل النار أنهم جبارون: ﴿كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [هود:٥٩]، والمتكبرون: هم الذين يغمطون الناس ويردون الحقوق. أي: يجحدونها ولا يقرون بها. [(وقالت هذه -أي الجنة- يدخلني الضعفاء والمساكين. فقال الله لهذه -أي: للنار-: أنت عذابي أعذب بك من أشاء، وربما قال: أصيب بك من أشاء، وقال لهذه -أي: للجنة-: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء، ولكل واحدة منكما ملؤها)]. لأن الله تعالى أخذ على نفسه عهداً أن يملأ الجنة، وأن يملأ النار، أعاذنا ألله وإياكم من النار! قال: [وحدثنا محمد بن رافع حدثنا شبابة -وهو ابن سوار المدائني - حدثني ورقاء -وهو المدائني كذلك- عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (تحاجت النار والجنة، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين. وقالت الجنة: فمالي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم وعجزهم؟ فقال الله للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي. وقال للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكما ملؤها، فأما النار فلا تمتلئ، فيضع قدمه عليها فتقول: قط قط)]. يعني: كفى، وحسبي. [(فهنالك تمتلئ ويزوى بعضها إلى بعض)]. يزوى. يعني: ينزوي وينضم ويجتمع بعضها على بعض إذا وضع الجبار ﵎ قدمه فيها. قال: [حدثنا عبد الله بن عون الهلالي حدثنا أبو سفيان -وهو محمد بن حميد - عن معمر بن راشد البصري عن أيوب بن أبي تميمة السختياني البصري عن ابن سيرين]. وابن سيرين عند الإطلاق هو محمد، وإلا فهناك أنس بن سيرين وهو أخو محمد، والراوي إذا حدث عنه يقول: حدثنا أنس بن سيرين. [عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (احتجت الجنة والنار). واقتص الحديث بمعنى حديث أبي الزناد. حدثنا محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام بن منبِه -أو منبه- قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ ]. وهذا الأحاديث التي يرويها همام عن أبي هريرة تسمى عند المحدثين: بصحيفة همام عن أبي هريرة أوردها الإمام أحمد في المجلد الثاني من مسنده، وهي تقريباً حوالي مائة واثنين وأربعين حديثاً. يقول فيها همام: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله. [فذكر أحاديث منها: قال رسول الله ﷺ : (تحاجت الجنة والنار فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين. وقالت الجنة: فما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم وغرتهم -وفي رواية وغَرسهم أو غرسهم- وقال الله للجنة: إنما أنت رحمتي أرحم بك من أشاء، وقال للنار: إنما أنت عذابي، أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكما ملؤها، فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع الله ﵎ رجله)]. وفي الرواية الأولى: (حتى يضع الجبار قدمه). [(فتقول: قط، قط، فهنالك تمتلئ، ويزوى بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله من خلقه أحداً، وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقاًَ)]. إذاً: القضية التي أريد أن أؤكد عليها وهي أنه إذا أدخل أهل النار النار وأهل الجنة الجنة يبقى في الجنة مكان، ويبقى في النار مكان، ولذلك في الحديث: (فإذا دخل أهل النار النار، قالت النار: هل من مزيد). الله تعالى يسألها: ﴿هَلِ امْتَلأْتِ﴾ [ق:٣٠]، وتقول: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق:٣٠]. أو ملك عن الله تعالى يسألها، ﴿هَلِ امْتَلأْتِ﴾ [ق:٣٠]، وهي دائماً تقول: ﴿

стр. 171

ذكر الخلق الذين ينشئهم الله للجنة وفي الحديث عدة مسائل: المسألة الأولى: أن هؤلاء الذين أنشأهم الله دخلوا الجنة ولم يعملوا خيراً قط، بل ولم يعملوا شراً قط، ليس لهم من الأعمال ما يؤهلهم إلى النار أو إلى الجنة، وهذه مسألة متقررة لدى أهل السنة والجماعة: أن الله ﵎ إذا عذب من لا يستحق العذاب في نظر الناس فهو يعذبه غير ظالم له؛ لأنه تعالى أعلم به من خلقه، وإذا أدخله الجنة لا يعني ذلك أنه قد استوجب الجنة ببعض العمل، ولكن دخول الجنة متوقف ابتداءً على فضل الله تعالى ورحمته، والعمل ما هو إلا سبب قد أمرنا به أمراً ونهياً، إتياناً وتركاً، لكننا لو عبدنا الله تعالى طيلة حياتنا فإننا لا نستحق بهذه العبادة تلك الجنة، وإنما يتحنن الله على عباده الذين أطاعوه في الأمر والنهي بأن يدخلهم الجنة، ورتب على ذلك سبباً وهو طاعتهم لله في الدنيا، فالعمل ما هو إلا سبب، لكن لو تخلف السبب فالأمر متعلق بمشيئة الله تعالى، إن شاء عذب وإن شاء غفر، فهؤلاء الخلق أنشأهم الله تعالى لأول مرة، وبغير عمل عملوه أدخلهم الجنة حتى امتلأت. وأطفال المسلمين الذين ماتوا قبل أن يبلغوا الحلم وأن يجري عليهم القلم يدخلون الجنة بغير نزاع بين أهل العلم، إنما وقع النزاع في أطفال المشركين، والراجح من مذهب أهل السنة والجماعة: أن أطفال المشركين إذا ماتوا قبل البلوغ دخلوا الجنة كذلك لأنهم أطفال، وربما بلغ الواحد منهم الخامسة، والسادسة، والسابعة وزيادة عن ذلك، وربما أتى من الأعمال التي تتناسب مع هذه الأعمار وهي أعمال شر وسوء، لكن الله تعالى يعفو عنها ويجعلها كأن لم تكن ويدخله الجنة إذا مات قبل البلوغ، فليس بغريب أن ينشئ الله تعالى خلقاً جديداً في اللحظة فيملأ بهم الجنة. قوله: (وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقاً). أي: يبتدئ لها خلقاً جديداً، ينشئهم ويخلقهم لأول مرة لم يعملوا خيراً قط. إذاً: دخول الجنة ليس متعلقاً بالثواب والعمل، إنما الثواب والعمل سبب لدخول الجنة، أما تخلف السبب عن المسبب فهذا أمر كلنا يعرفه، الواحد منا أحياناً يأكل ولا يشبع مع أن المقرر في الأذهان أن من أكل شبع، والواحد منا يتزوج لينجب ولا ينجب، فقد حصل السبب ولكن لم تحصل النتيجة، والواحد منا يذاكر لينجح وربما ذاكر وفي نهاية العام لم ينجح، مع أنه قد اتخذ السبب، فلا يلزم دائماً ربط الأسباب بالمسببات، لكن الله تعبدنا باتخاذ الأسباب، فلا يحل لأحدنا أن يمتنع من طعامه وشرابه ويقول: الله تعالى يطعمني ويسقيني، لا يحل له ذلك، كما أنه لا يحل له أن يتكاسل عن الجد والاجتهاد طول العام ويقول: إذا أراد الله تعالى النجاح لي وفقني إليه في آخر العام. وكذلك لا يحل لأحدنا أن يقول: أنا لا أتزوج النساء؛ لأن الله إذا شاء أن يرزقني الولد بغير زواج ولا نكاح فعل. نحن نعتقد أن كل ذلك في مقدور الله كما أنشأ عيسى بن مريم من أمه بغير أب، وكما أنشأ آدم بغير أب ولا أم، وكما أنشأ حواء من جنب آدم، فكل ذلك في مقدور الله تعالى، لكن هذه نواميس كونية الله قدرها لأمور معينة، ومعجزات تجري على أيدي هؤلاء، هذا فيما يتعلق بالنسبة للجنة.

стр. 172

معنى قوله: (قالت الجنة فما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس) المسألة الثانية: (قالت الجنة: فما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم وعجزهم). أما السقط: فهم الضعفاء والمحتقرون منهم، والبسطاء الذين لو نظر إليهم لزهد فيهم. والعجز: جمع عاجز أي العاجزون عن طلب الدنيا، والتمكن فيها، والثروة والشوكة. والغرت: معناه: أهل الحاجة والفاقة والجوع؛ لأن الغرت بمعنى الجوع. وغرتهم: أي البله الغافلون الذين ليس فيهم فتك وحذق في أمور الدنيا وهو نحو الحديث الآخر: (أكثر أهل الجنة البله). قال: (قال القاضي عياض: معناه: سواد الناس وعامتهم من أهل الإيمان الذين لا يفطنون للسنة فتدخل عليهم الفتنة أو البدعة أو غيرهما وهم ثابتو الإيمان، صحيحو العقائد، وهم أكثر المؤمنون، وهم أكثر أهل الجنة. وأما العارفون، والعلماء العاملون والصالحون المتعبدون فهم قليلون وهم أصحاب الدرجات). وفي الحديث: (أهل الجنة كل ضعيف متضعف) وهو الخاضع لله تعالى، المذل نفسه له وهو ضد المتجبر المستكبر.

стр. 173

إثبات صفة القدم لله سبحانه المسألة الثالثة: (حتى يضع الجبار قدمه فيها). وهذه من صفات الله ، مسألة القدم أو الرجل صفة ذاتية لله ، وإثبات الرجل والقدم لله من صفات ذاته، ومنهج أهل السنة والجماعة في صفات المولى ليس إقراراً فقط، إنما إيمان جازم يكون باللسان والجنان والجوارح. وتعريف الإيمان: هو قول وعمل يزيد وينقص، قول باللسان، وعمل بالأركان، وكذا اعتقاد بالجنان، فلا أقول إقرار مع إمرار، أو إقرار وإمرار، وإنما اعتقاد وإمرار. ومعنى هذا: أنني أعتقد أن الرجل ثابتة لله على الوجه اللائق به ، ولا أخوض في كيفية الرجل، كيف هي؟ هل لها أصابع؟ هل لها أظافر؟ أعوذ بالله! فلا نعلم كيفيتها، ولا يعلم كيفيتها إلا الله . إذاً: أثبت النص عندي أن لله رجلاً، فيتوقف إيماني بهذه الرجل عند ثبوتها على المعنى اللائق لله تعالى، فلا أتعرض لها بالرد والإبطال، ولا أقول: ليس لله رجل؛ لأنه لو كان له رجل للزم أن تكون هذه الرجل جارحة، وإذا كانت جارحة فهي تشبه أرجل المخلوقين، هذا ضلال، كما أنه لا يصح لي أن أثبت الرجل لكني أؤولها وأصرفها عن ظاهرها. أقول: نعم إن لله تعالى رجل لكنها بمعنى القدرة، فأنا أثبت الصفة لكني أولتها، فهناك من يعطل الصفات، وهناك من يصرفها عن ظاهرها، وهناك من ينكرها وينفيها تماماً، وهناك على المقابل من يثبتها ويشبهها ويمثلها بصفات المخلوقين، وكلا الفريقين ضلا في هذا الباب ضلالاً عظيماً، أما موقف أهل السنة والجماعة من صفات الله تعالى صفات أفعاله وذاته فهو: الإيمان بها وإمرارها كما جاءت دون خوض في كيفيتها، فنثبت الرجل لله تعالى على المعنى والكيفية اللائقة به ، هو أعلم بنفسه وذاته وأسمائه وصفاته. لكن المطلوب مني أن أومن بهذه الصفة، وألا أتوقف عندها للخوض فيها ومعرفة كيفيتها. وكثير من أهل العلم وهم جمهور المتكلمين من الأشاعرة والفلاسفة لم يهنأ لأصل ذلك فقالوا: المراد بالقدم: المتقدم. قالوا: ومعناه شائع في اللغة. ومعناه: حتى يضع الجبار فيها من قدمه إليها. وهذا التكلف حتى يهربوا من إثبات الصفة، ففسروا القدم بمعنى المتقدم، وهذا بلا شك ضلال بعيد. والتأويل الثاني: أن المراد قدم بعض المخلوقين فيعود الضمير في قدمه إلى ذلك المخلوق المعلوم حتى يضع الجبار فيها قدمه. أي: قدم بعض خلقه. والتأويل الثالث: أنه يحتمل أن في المخلوقات ما يسمى بهذه التسمية. يعني: يمكن واحد من الخلق اسمه (قدمه) وهذا التأويل تأويل تافه. فقالوا: (حتى يضع الجبار فيها قدمه). أي: حتى يضع الجبار عبداً من عباده اسمه (قدمه). وقالوا: ويجوز أن يراد بالرجل الجماعة من الناس، لأن أهل العربية يقولون لمجموعة من الناس: رجل مثل: العصابة وغير ذلك فإنه يطلق على العصابة أيضاً رجل. قالوا: المقصود بالرجل هنا العصابة من الناس، ويجوز أن يراد بالرجل الجماعة من الناس، كما يقال: رجل من جراد. أي: قطعة منه. قال القاضي: (أظهر التأويلات أنهم قوم استحقوها وخلقوا لها). قالوا: ولا بد من صرفه عن ظاهره، لقيام الدليل القطعي العقلي على استحالة الجارحة على الله تعالى. ونحن معكم أنه تستحيل الجارحة على الله ، بمعنى أن الله تعالى لا توصف أوصافه بالجوارح، فالمخلوق صاحب جوارح، فهذه يدي جارحة، وعيني جارحة، وأذني جارحة، وأعضائي كلها جوارح، فلا يمكن أبداً أن نسمي صفات الله بالجوارح، وإلا صرنا إلى التشبيه، وهذا بلا شك كفر وضلال. فيقولون: لما قام الدليل القطعي العقلي على استحالة الجارحة على الله تعالى كان لابد من صرف الرجل، ومن صرف القدم. ونرد عليهم: إذا كنتم تذهبون هذا المذهب فهل تؤمنون أن لله تعالى ذاتاً؟ لابد أنهم سيقولون: له ذات. والمخلوق ذات، وأنتم تقولون أن لله تعالى ذاتاً، فلابد أن تصرفوا ذات الله لأنكم صرفتم الأوصاف، لأنه ما من ذات إلا وهي موصوفة بأوصاف، فإذا كنتم صرفتم هذه الأوصاف فيلزمكم أن تصرفوا الذات، وأنتم تعلمون أن صرف الذات يساوي العدم. فإن قالوا: الله تعالى عدم كفروا. وإن قالوا: أنه ذات فيلزم من ذلك أن ذاته متصفة بصفة، فلا يلزم على مذهب القاضي عياض -وكان أشعرياً جلداً- تأويل صفات المولى وتركها عن ظاهرها؛ لاستحالة الجارحة على الله. نعم يستحيل على الله تعالى أن يوصف بالجوارح، لكننا نقول: نثبت له الصفات ونؤمن بها كما جاءت، ونمرها ولا نخوض فيها بتأويل ولا بكيفية.

стр. 174

شرح حديث: (لا تزال جهنم تقول: هل من مزيد) قال: [حدثنا عبد بن حميد، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا شيبان عن قتادة، حدثنا أنس بن مالك أن نبي الله ﷺ قال: (لا تزال جهنم تقول: هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة ﵎ قدمه فتقول: قط قط وعزتك، ويزوى بعضها إلى بعض). وحدثنا محمد بن عبد الله الرازي، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء في قوله : ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق:٣٠]، فأخبرنا -أي: عبد الوهاب بن عطاء - عن سعيد -وهو ابن أبي عروبة البصري - عن قتادة عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد، حتى يضع رب العزة قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط، بعزتك وكرمك، ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله لها خلقاً فيسكنهم فضل الجنة)].

стр. 175

شرح حديث: (يبقى من الجنة ما شاء الله) قال: [حدثنا زهير بن حرب - أبو خيثمة النسائي نزيل بغداد- حدثنا عفان -وهو ابن مسلم الصفار - حدثنا حماد بن سلمة البصري أخبرنا ثابت -وهو ابن أسلم البناني - قال: سمعت أنساً يقول عن النبي ﷺ قال: (يبقى من الجنة ما شاء الله أن يبقى)]. يعني: يفضل في الجنة فضلة ثم ينشئ الله تعالى لها خلقاً مما يشاء، وهذا يدل على عظم الجنة، إذا كان أدنى أهل الجنة منزلة من كان له في الجنة مثل الدنيا وعشرة أمثالها، فكيف بأعظمهم منزلة؟ قرأت أن قرية اكتشفوها لا تعلم شيئاً قط عن الرسل ولا الرسالات، ولا يوجد أحد يفهمهم نهائياً، ويتكلمون بلغتهم التي تعارفوا فيما بينهم عليها لا يعلمون شيئاً مطلقاً، ولما قرأنا هذا البحث قلنا: سبحان الله! هذا يدل على عظم قول الله تعال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، فهؤلاء لم يبعث إليهم رسول بمعنى: أنه لم تصلهم دعوة الرسل وهم يوم القيامة في عافية، إلا ما قد عملوه وغلب على ظنهم أنه شر، فهم يحاسبون على أنهم يعرفون أن هذا شر وقد فعلوه.

стр. 176

شرح حديث: (يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح) قال: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب وتقاربا في اللفظ قالا: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش]. أبو معاوية هو محمد بن خازم الضرير، والأعمش هو سليمان بن مهران الكوفي. [عن أبي صالح]. وهو السمان عبد الله بن ذكوان المدني. [عن أبي سعيد]-وهو الخدري، واسمه سعد بن مالك بن سنان المدني - قال: قال رسول الله ﷺ : (يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح)]. أملح يعني: مليح. وزيادة في الملاحة، فالأملح أحسن من المليح، مثل فلان حسن والثاني أحسن، فلان فاضل والثاني أفضل منه. وقد سمعت درساً في عقيقة لأحد الشيوخ وهو يقول: ليس هناك دليل قط على أن الخروف الذي يذبح أو الشاة التي تذبح لابد أن تكون قرناء ومن قال بذلك فقد ابتدع في دين الله ما ليس منه، وفي الحقيقة (النبي ﵊ عق عن الحسن والحسين كبشين أملحين). فكلمة أملح توقف عندها العلماء، والكبش المليح هو الكبش النفيس، الجميل، ذو القيمة، فمثلاً: عمر أفضل من زيد في ذكائه، وفي منظره، وفي مخبره، وفي الطول، وفي العرض، وفي لون العينين، وفي لون البشرة، وتاجر الأغنام والمواشي يفضل الخروف الأقرن؛ لأن سنه أنسب من سن الآخر، ولحمه طيب، وغيره لم يكن كذلك. وصائغ الفضة أو الذهب يعرف أن هذه السبيكة مضروبة، وأنها جيدة، أو غير ذلك، ولكنه عرف ذلك إما بلسان العرب أو أحوالهم ومقاييسهم التي يتوارثها الأجيال جيلاً بعد جيل إلى يومنا هذا وإلى قيام الساعة، فالعرب عرفت الملاحة من حيثيات متعددة، فيعدون الخروف الأقرن أفضل من غير الأقرن، فالعرب تعد الملاحة بالقرن، وهو ليس شرطاً في العقيقة، ولكنه مستحب. يعني: يستحب أن تكون العقيقة والأضحية بخروف أقرن، ولو كانت بأنثى جاز، ولو من الماعز كانت ذكراً أو أنثى جاز؛ لأنهما من فصيلة واحدة، والعرب يطلقون لفظ الشاة على المعز والضأن. وأما كون الدليل لم يذكر في أنه أقرن ربما يكون كذلك، لكننا لا نرد أن الملاحة بالقرن؛ لأن العرب قد عدوا الملاحة في القرن، بدليل أن النبي ﵊ قال: (يجاء بالموت على صورة كبش أملح). ولو لم يكن لدى السامعين معنى الملاحة لقالوا: يا رسول الله! ما المقصود بالأملح؟ لكنه خاطبهم بذلك لأنهم يعرفون الملاحة من غيرها. قال: (فيوقف بين الجنة والنار). أي: يؤتى بالموت على صورة كبش، والموت عرض من الأعراض، والأعراض كلها مخلوقة، ولذلك قال الله تعالى: ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ [الملك:٢]، فالحياة عرض وهي مخلوقة، والموت عرض وهو مخلوق كذلك، بخلاف من قال: إن الموت عدم يقابل الحياة. وهذا كلام الفلاسفة ولا قيمة له في الشرع، فيجاء بالموت الذي هو عرض في صورة المحسوس الذي هو الكبش الأملح. [(حتى يوقف بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون، ويقال: نعم هذا الموت)]. يشرئبون. أي: يطيلون أعناقهم ينظرون إليه حتى يعرفونه ويقولون: نعم نعرفه، هذا هو الموت. قال: [(ويقال: يا أهل النار هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون، ويقال: نعم هذا الموت)]. إذاً: أهل الجنة يعرفون الموت، وأهل النار يعرفون الموت. قال: [(فيأمر به فيذبح)]. يؤمر بهذا الكبش الأملح بأن يذبح بين الجنة والنار، وهو يكون آخر من يذبح، لأنه علامة وأمارة على انتهاء أسطورة الموت، فلا موت بعد موت هذا الكبش. قال: [(ثم يقال: يا أهل الجنة، خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم:٣٩] وأشار بيده إلى الدنيا)]. أي: كلنا في هذه الدنيا في غفلة عظيمة عن العمل الصالح، وعن تقوى الله ، وعن البر والصلة وغير ذلك فنحن في غفلة عظيمة، سنندم عليها في يوم يسمى يوم الحسرة. وفي الحديث: (إذا أدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار قيل: يا أهل الجنة). ثم ذكر الحديث فذلك قوله : ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم:٣٩]، ولم يقل ثم قرأ رسول الله ﷺ ، وأشار بيده إلى الدنيا.

стр. 177

شرح حديث: (يدخل الله أهل الجنة الجنة ثم يقوم مؤذن) قال: [حدثنا زهير بن حرب، والحسن بن علي الحلواني، وعبد بن حميد قال عبد: أخبرني، وقال الآخران: حدثنا يعقوب -وهو ابن إبراهيم بن سعد المدني - حدثنا أبي عن صالح وهو ابن كيسان، حدثنا نافع أن عبد الله قال: إن رسول الله ﷺ قال: (يدخل الله أهل الجنة الجنة، ويدخل أهل النار النار، ثم يقوم مؤذن بينهم)]. المؤذن بمعنى المنادي. [(فيقول: يا أهل الجنة لا موت، ويا أهل النار لا موت). أي: كل خالد فيما هو فيه. طبعاً نحن نعتقد أن من دخل النار من عصاة الموحدين خرج منها يوماً ما حتماً ولابد، وهذا الحديث موضعه بعد آخر رجل يخرج من النار من الموحدين ويدخل الجنة.

стр. 178

شرح حديث: (إذا صار أهل الجنة إلى الجنة) قال: [حدثني هارون بن سعيد الأيلي وحرملة بن يحيى قالا: حدثنا ابن وهب -وهو عبد الله - حدثني عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب؛ أن أباه حدثه عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: (إذا صار أهل الجنة إلى الجنة، وصار أهل النار إلى النار أتي بالموت حتى يجعل بين الجنة والنار، ثم يذبح، ثم ينادي مناد: يا أهل الجنة! لا موت، ويا أهل النار لا موت، فيزداد أهل الجنة فرحاً إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حزناً إلى حزنهم)].

стр. 179

شرح حديث: (ضرس الكافر أو ناب الكافر مثل أحد) قال: [حدثني سريج بن يونس، حدثنا حميد بن عبد الرحمن، عن الحسن بن صالح، عن هارون بن سعد، عن أبي حازم، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ضرس الكافر أو ناب الكافر مثل أحد، وغلظ جلده مسيرة ثلاث)]. أي: ثلاث ليال، أو ثلاثة أيام. وهذا يدل على عظم النار، كما أننا قلنا عن عظم الجنة: إذا كان حظ أدنى الناس فيها عشرة أمثال الدنيا، فما بالك بنصيب الأنبياء، والصديقين والشهداء والرفقاء؟! وكذلك النار عظيمة جداً، وعميقة جداً، ومحرقة جداً، ضرس الكافر الواحد فيها كجبل أحد، فما بالك بأضراسه بل وأسنانه وقواطعه، وإذا كان غلظ جلده مسيرة ثلاثة أيام، فما بالكم بجوارح الكافر كلها كم ستكون؟ وما بالكم بجميع الكفار والمنافقين أين يكونون وكيف يكونون في هذه النار العظيمة الذي جعل الله: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة:٢٤]؟

стр. 180

شرح حديث: (ما بين منكبي الكافر في النار مسيرة ثلاثة أيام) قال: [حدثنا أبو كريب وأحمد بن عمر الوكيعي قالا: حدثنا ابن الفضيل عن أبيه، عن أبي حازم عن أبي هريرة يرفعه]. ومعنى يرفعه أي: يقول فيه قال النبي ﵊. [(ما بين منكبي الكافر في النار مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع)]. قوله: (ما بين منكبي الكافر). أي: من الكتف إلى صفحة العنق يسمى منكباً، مسيرة ثلاثة أيام للراكب الجواد المسرع.
следующие страницы →