Полный текст (2 103 стр.). Показаны 2066–2103 · переход к 2071.
стр. 2066
شرح حديث أبي مسعود الأنصاري في كفارة من ضرب عبده
قال: [حدثنا أبو كامل الجحدري -وهو فضيل بن حسين - حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا الأعمش عن إبراهيم التيمي - وهو إبراهيم بن يزيد بن شريك التيمي الكوفي.
عن أبيه قال: قال أبو مسعود البدري]، وهو عقبة بن عمرو الأنصاري، ويقال له: بدري، والغالب أنه لم يشهد بدراً، وإنما كان يسكن مكاناً اسمه بدر فنسب إليه، وهو ليس ممن شهد بدراً.
قال أبو مسعود: [(كنت أضرب غلاماً لي بالسوط، فسمعت صوتاً من خلفي: اعلم أبا مسعود! فلم أفهم الصوت من الغضب، قال: فلما دنا مني إذ هو رسول الله ﷺ ، فإذا هو يقول: اعلم أبا مسعود! اعلم أبا مسعود!)] وهذا التكرار فيه تهديد ووعيد شديد.
[(قال: فألقيت السوط من يدي)، وفي رواية: (فسقط السوط من يدي).
(فقال: اعلم أبا مسعود! أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام)] وهذا تهديد ووعيد شديد.
والنبي ﵊ رأى رجلاً يضرب دابة فقال: (من لم يَرحم لا يُرحم)، وفي رواية: (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) وهذه دابة، فكيف بالغلام الذي هو إنسان كما أنك إنسان؟ [(قال: فقلت: لا أضرب مملوكاً بعده أبداً)]، لأنه استشعر أن قدرة الله تعالى عليه أعظم من قدرته على ذلك العبد.
قال: [وحدثناه إسحاق بن إبراهيم أخبرنا جرير، (ح) وحدثني زهير بن حرب حدثنا محمد بن حميد المعمري]، والمعمري نسبة لملازمته لـ معمر بن راشد البصري قال: [عن سفيان، (ح) وحدثني محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق أخبرنا سفيان، (ح) وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عفان حدثنا أبو عوانة كلهم عن الأعمش بإسناد عبد الواحد نحو حديثه، غير أن في حديث جرير: (فسقط من يدي السوط من هيبته)]، أي: من هيبة رسول الله ﷺ .
قال: [وحدثنا أبو كريب محمد بن العلاء حدثنا أبو معاوية -وهو محمد بن خازم الضرير - حدثنا الأعمش -وهو سليمان بن مهران الكوفي - عن إبراهيم التيمي -وهو إبراهيم بن يزيد بن شريك الكوفي التيمي - عن أبيه عن أبي مسعود الأنصاري قال: (كنت أضرب غلاماً لي فسمعت من خلفي صوتاً: اعلم أبا مسعود! لله أقدر عليك منك عليه، فالتفت فإذا هو رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله! هو حر لوجه الله؛ فقال: أما لو لم تفعل للفحتك النار، أو لمستك النار)]، أي: للفحتك النار يوم القيامة، حيث يقتص الله لهذا العبد أو لهذا المملوك منك بالعذاب في النار.
قال: [وحدثنا محمد بن المثنى وابن بشار واللفظ لـ ابن المثنى قالا: حدثنا ابن أبي عدي عن شعبة عن سليمان].
وإذا روى شعبة عن سليمان؛ فاعلم أنه سليمان بن مهران الأعمش.
قال: [عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي مسعود: (أنه كان يضرب غلامه، فجعل يقول: أعوذ بالله! فجعل يضربه).
ويبدو أن الغضب كان قد تسلط عليه جداً، حتى أنه لم يسمع استعاذة العبد بالله أول مرة، وقد يغضب الشخص غضباً شديداً فيضرب امرأته أو ولده فيستعيذ بالله ويستجير به وهو لا يكف عنه، وليس هذا من باب عدم تعظيم الله وإجلاله، ولكن ثورة الغضب قد تطغى على عقله، فيندفع يضرب ولده ليس تهاوناً بأمر الله تعالى واستخفافاً بهذه الاستعاذة، وإنما فرط الغضب أدى به إلى ذلك، مع إجلاله وتعظيمه لله .
قال: [(فقال الغلام: أعوذ برسول الله! فتركه)].
والذي يعظم رسول الله فمن باب أولى لابد أن يعظم الله ، وإذا كان العبد لا يعظم الله فتعظيمه لرسول الله لا ينفعه، وربما استعاذ هذا الغلام برسول الله بعد أن هدأت ثورة سيده شيئاً ما فأدرك استعاذة المضروب أو المملوك.
قال: [(فقال رسول الله ﷺ : والله لله أقدر عليك منك عليه، قال: فأعتقه)]، أي: أبو مسعود.
قال: [وحدثنيه بشر بن خالد أخبرنا محمد بن جعفر عن شعبة بهذا الإسناد، ولم يذكر قوله: (أعوذ بالله)، أو قوله: (أعوذ برسول ال
стр. 2067
فوائد من أحاديث باب صحبة المماليك وكفارة من لطم عبده
قال العلماء في أحاديث هذا الباب: فيها الرفق بالمماليك، وحسن صحبتهم، وكف الأذى عنهم، كما أجمع المسلمون على أن عتقه بهذا ليس واجباً، وإنما هو مندوب رجاء كفارة ذنبه، فعتق العبد لأجل اللطمة مندوب وليس واجباً، وهذا إجماع.
وهذه الأحاديث فيها إزالة إثم ظلمه، ومما استدلوا به لعدم وجوب إعتاقه: حديث سويد بن مقرن بعده؛ لأن الأمر للوجوب في قوله: (فأمره أن يعتقه).
والأمر للوجوب إلا أن يصرفه صارف، وهذا الصارف في حديث سويد بن مقرن أنه لما اعتذر عن إعتاق العبد لأنهم ليس لهم خادم إلا هو قال ﵊: (فليستخدموها، فإذا استغنوا عنها فليخلوا سبيلها).
ولو كان أمراً واجباً حتماً حالاً لما قبل النبي ﷺ معذرة هؤلاء.
وأجمع العلماء أنه لا يجب إعتاق العبد بشيء فعله مولاه به.
قال: (واختلفوا فيما كثر من ذلك وكان شنيعاً من ضرب مبرح منهك لغير موجب لذلك، أو حرقه بالنار، أو قطع عضواً له، أو أفسده، أو نحو ذلك مما فيه مثلة -أي: تشويه لبدنه- فذهب مالك وأصحابه والليث إلى عتق العبد على سيده بهذا)، أي: بهذا الضرب أو المثلة، وقال بعض أهل العلم: للعبد على سيده العتق، ويكون ولاؤه له، ويعاقبه السلطان على فعله.
وقال جمهور العلماء: لا يعتق عليه، أي: لا يجب عليه، حتى وإن ضربه ضرباً مبرحاً لا يعتقه، أي: ليس ذلك على سبيل الوجوب وإنما هو على سبيل الندب والاستحباب.
واختلف أصحاب مالك فيما لو حلق رأس الأمة، أو لحية العبد، واحتج مالك بحديث ابن عمرو بن العاص في الذي جب عبده فأعتقه النبي ﷺ ، أي: قطع ذكره، فأمره النبي ﵊ بإعتاقه.
وأما قوله ﷺ : (من ضرب غلاماً له حداً لم يأته أو لطمه فإن كفارته أن يعتقه)، فهذه الرواية مبينة أن المراد ضربه بلا ذنب، وليس على سبيل التعليم والتأديب.
стр. 2068
التغليظ على من قذف مملوكه بالزنا
قال: (باب: التغليظ على من قذف مملوكه بالزنا)، يعني: اتهمه بهذه التهمة دون أن يأتيها العبد.
قال: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا ابن نمير -وهو عبد الله - (ح) وحدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا أبي حدثنا فضيل بن غزوان قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي نعم حدثني أبو هريرة ﵁ قال: قال أبو القاسم ﷺ : (من قذف مملوكه بالزنا يقام عليه الحد يوم القيامة، إلا أن يكون كما قال)]، أي: يقام عليه الحد يوم القيامة، إلا أن يكون هذا العبد قد زنى بالفعل، واتهام السيد له اتهام صحيح، وقد تحقق منه.
قال: [وحدثناه أبو كريب حدثنا وكيع، (ح) وحدثني زهير بن حرب حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق كلاهما عن فضيل بن غزوان بهذا الإسناد، وفي حديثهما: سمعت أبا القاسم ﷺ نبي التوبة يقول: (من قذف مملوكه بالزنا يقام عليه الحد يوم القيامة، إلا أن يكون كما قال)].
وهذا الحديث فيه إشارة إلى أنه لا حد على قاذف العبد في الدنيا.
стр. 2069
فروق الأحكام بين العبد والحر
والعبد يفترق عن الحر فيما يتعلق ببعض الأحكام، لا بأصل الأفضلية، فإنه لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أسود، ولا لحر على عبد، ولا لعبد على حر إلا بالتقوى، وهذا في يوم القيامة، وأما في الدنيا فإنهما يختلفان في بعض الأحكام، فلو أن حراً اتهم حراً بالزنا بغير بينة ولا شهادة فإنه يجلد حد القذف؛ لأنه اتهم عرض الآخرين بغير بينة، بل لو رأى ثلاثة نفر رجلاً يزني بامرأة ورأوا الإيلاج، فلا يحل لهؤلاء الثلاثة أن يقولوا: فلان زان، أو زنا بفلانة، إلا أن يكونوا أربعة؛ لأن هذا من شرط الشهادة في الزنا، فلو قام هؤلاء الثلاثة وشهدوا عند الحاكم أو القاضي بأن فلاناً زنى بفلانة فإنه يجب على القاضي أن يقيم عليهم حد القذف؛ لعدم اكتمال عدد شهود الزنا، ولو حلفوا مع هذه الشهادة أيماناً مغلظة فإن ذلك لا يصلح ولا ينفعهم، بل لابد من بلوغ الأربعة.
وأما لو اتهم سيد عبده بالزنا فإنه يقام عليه الحد لكن في يوم القيامة، وأما في الدنيا فلا، وهذا مجمع عليه، ولكن يعزر قاذفه، يعني: يعزر السيد، ولا يقام عليه الحد إلا في الآخرة.
والتعزير باب واسع ومتروك لاجتهاد السلطان، بخلاف الحد فإنه لا اجتهاد للحاكم أو السلطان فيه.
وإذا بلغه ما يستوجب الحد فليس حراً بأن يقيمه أو لا يقيمه، بل لابد من إقامته؛ لأن هذا حق الله ، وإذا تاب العبد بينه وبين ربه قبل أن يبلغ الحد إلى السلطان فإنه لا يلزمه إقامة الحد، كما أنه لا يلزم العبد كذلك أن يبلغ أمره إلى السلطان؛ لأنه تكفيه التوبة بينه وبين الله .
قال: فيه إشارة إلى أنه لا حد على قاذف العبد في الدنيا، وهذا مجمع عليه، ولكن يعزر قاذفه؛ لأن العبد ليس بمحصن، وسواء في هذا كله من هو كامل الرق وليس فيه سبب حرية، وكذلك المدبر.
стр. 2070
من أحكام المدبر
والمدبر هو: العبد الذي أعتقه سيده بشرط أن يكون ذلك بعد موته، فهذا العبد يطلق عليه: مدبر، أي: أنه حر في دُبر حياة سيده، وهذا مثل أن يقول شخص: لو مت فداري موقوفة على الأيتام، فما دام حياً فداره ملك له، فكذلك لو قال: عبدي حر إذا أنا مت، أو بعد مماتي عبدي حر، فهذا العبد لا يورث إذا مات سيده؛ لأنه مدبر، يعني: أخذ الحرية في دبر حياة سيده.
стр. 2071
من أحكام المكاتب
والمكاتب عنده سبب للحرية، ولكنه ليس حراً تماماً، فالمكاتب عبد، ولكنه كاتب سيده على أن يطلقه ليعمل ويتكسب؛ ليؤدي لسيده المال المتفق على إعتاقه، فلو كان لشخص عبد فقال له: تعال أكاتبك على أن تدفع لي ألف دينار كل يوم كذا، أو كل أسبوع كذا، أو كل شهر كذا لمدة كذا، فليس له الحرية في التصرف فيه باعتبار نفسه سيداً وباعتبار المكاتب عبداً؛ لأنه بهذه المكاتبة قد أطلق سراحه للعمل والتكسب؛ ليقضي له المال الذي اكتتبا عليه في مقابل حريته وعتقه، هذا هو المكاتب.
فالمكاتب ليس حراً تماماً وليس عبداً تماماً، بل هو في مدة المكاتبة حر أو شبه حر، وذلك من أجل أن يتكسب؛ لأن الأصل أن العبد وما يملك ملك لسيده، إلا أن يكون مكاتباً فماله ملكه، يقضي منه عن نفسه لسيده حتى يعتق في نهاية المدة المتفق عليها.
стр. 2072
من أحكام أم الولد
وأم الولد، وهي امرأة رقيق عند سيدها، ولكن سيدها استعملها حتى أنجب منها ولداً، فالأم أخذت الحرية من حرية ولدها، فهناك فرق بين الأمة وأم الولد، فأم الولد كانت في أصلها أمة ليست زوجة، ولكنها أمة، والأمة هي ملك اليمين، وليست حرة، وأما الزوجة فهي حرة، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون:٥ - ٦].
فملك اليمين هي المملوكة، ولسيدها أن يأتيها أو لا يأتيها، فإن أتاها وأنجب منها فتنتقل بسبب حرية ولدها -لأن الولد هو السبب في عتقها- من أمة إلى أم ولد، ولا تكون حرة تماماً، ولكنها بين الحرية وبين الرق، فهي أم ولد.
قال: ومن بعضه حر، أي: ومن بعضه حر وبعضه عبد.
هذا في حكم الدنيا، وأما في حكم الآخرة فيستوفى له الحد من قاذفه؛ لاستواء الأحرار والعبيد في الآخرة.
стр. 2073
معنى أن النبي ﷺ نبي التوبة
وقوله: (سمعت أبا القاسم ﷺ نبي التوبة)، سمي بذلك لأنه بعث ﷺ بقبول التوبة بالقول والاعتقاد، وكانت توبة من قبلنا بقتل أنفسهم، وكانت علامة توبة اليهود أن يقوموا على أنفسهم بالتقتيل، ولذلك أورد ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره: أن توبة بني إسرائيل كانت بالقتل، حتى اجتمع سبعون ألفاً منهم في ليلة مظلمة فقاموا على أنفسهم قتلاً حتى قبل الله تعالى توبتهم، وتخيل هذا الشيء.
فرحم الله هذه الأمة وجعل نبيها نبي التوبة ونبي الرحمة.
قال: ويحتمل أن يكون المراد بالتوبة الإيمان والرجوع عن الكفر إلى الإسلام؛ لأن أصل التوبة الرجوع.
نكتفي بهذا القدر، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 2074
الأسئلة
стр. 2075
الوقت المعتبر للاستثناء في اليمين
السؤال
هل يكون الاستثناء قبل أو وقت أو بعد اليمين، أرجو التوضيح من فضيلتكم؟
الجواب
الاستثناء في اليمين محل خلاف على هذه الأقوال الثلاثة المذكورة في السؤال، والراجح الاستثناء قبل اليمين أو في أثناء اليمين، أما بعد اليمين بوقت طويل فإن هذا لا يصح.
стр. 2076
حكم الصدقة الجارية عن الميت
السؤال
هل يجوز أن أعمل صدقة جارية لشخص قد مات من مالي أنا، وهل يكون لي من الأجر شيء؟
الجواب
هذا بإذن الله تعالى صدقة جارية لمن فعله تنفعه وتنفع الميت على كل حال.
والله أعلم.
стр. 2077
حكم قراءة التشهد كاملاً في التشهد الأوسط
السؤال
ما حكم قراءة التشهد الذي بعد الركعتين كاملاً في الصلاة الرباعية والثلاثية؟
الجواب
أعتقد أن قراءة التشهد إلى قولك: إنك حميد مجيد، في التشهد الأول والثاني سواء، وهذا مذهب الشافعية والظاهرية، وهو الذي يترجح لدي لقوته، وأما من فرق بين التشهد الأول والثاني في الصلاة غير الثنائية وقال: إن التشهد إلى منتصفه في التشهد الأول، وفي الثاني إلى قوله: إنك حميد مجيد فتقسيمه هذا ليس عليه دليل، والتشهد كله مذكور في حديث ابن عباس وابن مسعود وغيرهما وفي نهايته: (أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله).
ثم علمهم النبي ﵊ الصلاة والسلام عليه لما نزل قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وسألوه: (يا رسول الله! السلام عليك قد عرفناه، فكيف نصلي عليك؟ قال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم) إلى آخر هذه الصلاة المعروفة المحفوظة، كما أمرهم ﷺ بجعلها في الصلاة، فانضمت إلى ما كان أولاً.
فأما من ضمها في التشهد الأخير وأسقطها في التشهد الأول فيحتاج إلى حجة وبرهان، ولا برهان ولا حجة على هذا التقسيم.
فالذي يترجح لي من قول أهل العلم: أن التشهد يقال كاملاً في التشهد الأول والثاني إلى قولك: إنك حميد مجيد، ويزاد في التشهد الثاني الدعاء.
والله تعالى أعلم.
وهذا نفس قراءة الفاتحة إذا كنت تعتقد أن الفاتحة واجبة القراءة خلف الإمام، فإذا صليت خلف إمام أسرع في القراءة، أو أدركت الإمام في الركوع فإن الوجوب يسقط عنك لفوات المحل، وكذلك لو صليت خلف إمام يعجل بقراءة التشهد، أو يقرأ نصفه ويقوم فلا حرج عليك إذا قرأت من التشهد القدر الذي يسمح به الجلوس ومتابعة الإمام بعد ذلك في القيام إلى الثالثة، فلا حرج عليك حينئذ لفوات محل الوجوب كذلك.
وأما إذا صليت أنت بالناس فإنما يلزمك أن تعبد الله تعالى بما يترجح لديك.
стр. 2078
حكم ضرب الزوجة وأهمية التربية
السؤال
هل يجوز للزوج ضرب وجه الزوجة مداعباً؟ وإذا ضرب وجه زوجته جاداً فهل هناك كفارة لذلك، وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
هذا إثم عظيم يحتاج للتوبة، وإلى طلب المسامحة من المضروب، وأما الضرب للتأديب والتعليم في غير الوجه فإنه يجوز في كل حال.
وأوصي نفسي كما أوصي الجميع بالرفق بالنساء إلا فيما يتعلق بتأديبهن وتعليمهن، وهذا الأمر جاد وخطير، وهو يؤدي إلى التفلت، وليس من التعليم ولا التأديب.
فلا يصح للرجل الذي رفع شعار التوحيد وشعار الالتزام أن يضرب في الوجه؛ لأن الأمر خطير جداً، وأشرف مكان في البدن الوجه.
والحالات التي يتربى عليها المرء لها تأثير في شخصيته كثيراً، فإذا تربى الولد أو الغلام أو الطفل الصغير على الرقة والكرامة والسيادة ولم يؤذ في ضرب ولا إيذاء ولا شتم فإنه يكبر بهذه الأخلاق، ولا يجرؤ أحد قط أن يضربه أو يشتمه فضلاً أن يلطمه، ولذلك لو صار سيداً في مكان من الأمكنة أو في محل الرياسة والحكم أو غير ذلك فإنه لا يقبل بإيذاء الغير، وأما إذا تربى التربية الخطأ، مثل اللطم في الوجه أو غير ذلك، فسيكبر بهذه الأخلاق ويكون ضعيف الشخصية، ويذم عليه ذلك.
فالطريقة التي يتربى بها الطفل تؤثر فيه كثيراً جداً، وهذا يدل على أهمية التربية.
стр. 2079
حكم شهادة الفاسق
السؤال
ما حكم شهادة الفاسق؟
الجواب
الجمهور على عدم جوازها، بخلاف الأحناف فإنهم قالوا بصحة هذه الشهادة، والراجح اشتراط العدالة، أما وقد عمت البلوى فإن شهادة الفاسق الآن معمول بها في القضاء كله، وأما من جهة الفقه فالمسألة فيها نظر.
стр. 2080
حكم من مات وعليه صوم من رمضان
السؤال
توفيت أختي في شهر رمضان وكانت مريضة ولم تستطع الصوم في شهر رمضان بأكمله، فما هي الفدية على ذلك؟
الجواب
هذه المريضة التي ماتت -يرحمها الله ينظر كم صامت في هذا الشهر وكم بقيت فيه، لأن السائلة تقول: ماتت في رمضان، فإذا كانت ماتت مثلاً في يوم عشرين وقد صامت عشرة أيام وبقي عليها عشرة، فهذه السائلة -وهي أختها الحية- بالخيار، فإما أن تصوم عنها هذه الأيام العشرة أو تطعم عنها في كل يوم مسكيناً.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 2081
شرح صحيح مسلم - كتاب الأيمان والنذور - إطعام المملوك مما يأكل، وإلباسه مما يلبس، ولا يكلفه ما يغلبه
لقد جاءت الشريعة الإسلامية بالإحسان إلى العبد المملوك والرفق به، ومراعاة حاله، وعظمت أجر المملوك القائم بحقوق الله وحق سيده، وجعلت له أجرين على ذلك.
стр. 2082
باب إطعام المملوك مما يأكل، وإلباسه مما يلبس، ولا يكلفه ما يغلبه
стр. 2083
شرح حديث أبي ذر في كيفية معاملة المملوك في المأكل والملبس وعدم تكليفه ما لا يطيق
قال المصنف ﵀: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع -وهو ابن الجراح الرؤاسي - حدثنا الأعمش عن المعرور بن سويد قال: (مررنا بـ أبي ذر بالربذة -وهي اسم مكان- وعليه برد وعلى غلامه مثله)]، والبرد هو الثوب الواحد، بخلاف الحلة فهي ثوبان، وأثمن وأنفس ثياب العرب الحلل، بخلاف البرد فإنها من عامة لباس العرب.
وفي الأثر أن ابن عباس سأل عكرمة مولاه عن معنى آية فلم يعرفها، فربطه في سارية المسجد ثلاثة أيام حتى أتى بالمعنى على وجهه، قال عكرمة: فحلني ابن عباس وأهداني حلة، فكانت عندي تساوي الدنيا وما فيها.
قال: [(وعليه برد وعلى غلامه مثله، فقلنا: يا أبا ذر! لو جمعت بينهما كانت حلة -أي: لو أخذت برد غلامك وضممته إلى بردك لكانت حلة- فقال: إنه كان بيني وبين رجل من إخواني -أي: من المسلمين- كلام، وكانت أمه أعجمية -أي: ليست عربية- فعيرته بأمه -أي: سبته وشتمته بأمه- فشكاني إلى النبي ﷺ ، فلقيت النبي ﷺ فقال: يا أبا ذر! إنك امرؤ فيك جاهلي)].
والجاهلية عند الإطلاق تعني الكفر، وهي هنا ليست بمعنى الكفر، وإنما هي معصية، ولذلك أخرج البخاري هذا الحديث في كتاب الإيمان وعنون له: باب المعاصي من أمر الجاهلية، أي: من أخلاق الجاهلية وليست من أخلاق الإسلام.
قال: [(قلت: يا رسول الله! من سب الرجال سبوا أباه وأمه)]، يعني: يا رسول الله! هو سبني، فأنا سببته، فلما سبني في شخصي سببته بأمه وهو المعتدي أولاً، فظن أبو ذر أن ابتداء وقوع السب عليه يؤهله ويجوز له أن يتعدى هو في سب الآخرين، فالرجل سبه أولاً، ثم قام أبو ذر بسب هذا الرجل بأمه وعيره وشتمه بأمه، فقال النبي ﵊: [(يا أبا ذر! إنك امرؤ فيك جاهلية، هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، فأطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون، ولا تكلفوهم ما يغلبهم؛ فإن كلفتموهم -أي: ما يغلبهم وما لا يطيقون- فأعينوهم)].
حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير -وهو ابن معاوية بن حديج الجعفي - (ح) وحدثنا أبو كريب -وهو محمد بن العلاء الهمداني - حدثنا أبو معاوية -وهو محمد بن خازم الضرير - (ح) وحدثنا إسحاق بن إبراهيم -وهو المعروف بـ ابن راهويه - أخبرنا عيسى بن يونس -وهو ابن أبي إسحاق السبيعي - كلهم يروي عن الأعمش بهذا الإسناد]، يعني: عن الأعمش عن المعرور بن سويد عن أبي ذر.
[وزاد في حديث زهير وأبي معاوية بعد قوله: (إنك امرؤ فيك جاهلية)، قال: قلت -أي: أبو ذر - على حال ساعتي من الكبر؟]، يعني: كأنه استنكر أن يكون فيه خصلة من خصال الجاهلية بعد تقدمه في السن، وبعد هذا العمر الطويل الذي قضاه في الإسلام هل لا يزال فيه بعض أخلاق الجاهلية، فقال: (على حال ساعتي من الكبر يا رسول الله؟!) يعني: هل يعقل بعد هذه المدة وبعد هذا العمر كله في الإسلام لا تزال بعض أخلاق الجاهلية فيَّ؟! [قال: (قلت: على حال ساعتي من الكبر؟ قال: نعم)، وفي رواية أبي معاوية: (نعم، على حال ساعتك من الكبر)، وفي حديث عيسى: (فإن كلفه ما يغلبه فليبعه)].
وفي الحقيقة هذا اللفظ فيه تصحيف، والذي يترجح هو رواية معظم الرواة: (فإذا كلفه ما يغلبه فليعنه).
[وفي حديث زهير: (فليعنه عليه)، وليس في حديث أبي معاوية: (فليبعه)، ولا (فليعنه)، انتهى عند قوله: (ولا يكلفه ما يغلبه).
حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار -واللفظ لـ ابن المثنى - قالا: حدثنا محمد بن جعفر -وهو المعروف بـ غندر - حدثنا شعبة -وهو ابن الحجاج العتكي - عن واصل الأحدب -وهو واصل بن حيان الأحدب الأسدي الكوفي - عن المعرور بن سويد قال: (رأيت أبا ذر وعليه حلة وعلى غلامه مثلها، فسألته عن ذلك؟ قال: فذكر أنه ساب رجلاً على عهد رسول الله ﷺ -والمسبوب هو بلال بن رباح - فعيره بأمه، قال: فأتى الرجل النبي ﷺ فذكر ذلك له -أي: فاشتكى المسبوب سبته إلى النبي ﷺ فقال النبي صلى
стр. 2084
شرح حديث أبي هريرة في حق المملوك على سيده
قال: [وحدثني أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن سرح أخبرنا ابن وهب -وهو عبد الله بن وهب المصري - أخبرنا عمرو بن الحارث -وهو المصري- أن بكير بن عبد الله بن الأشج حدثه عن العجلان مولى فاطمة عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق)].
فقوله: (للمملوك)، أي: على سيده، فله حق له واجب في ذمة سيده، وهو إطعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق.
قال: [وحدثنا القعنبي قال: حدثنا داود بن قيس -وهو داود الفراء الدباغ أبو سليمان القرشي مولاهم المدني- عن موسى بن يسار -وهو المطلبي مولاهم المدني- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا صنع لأحدكم خادمه طعامه ثم جاءه به وقد ولي حره ودخانه)]، يعني: إذا صنع الخادم لك طعاماً أو شراباً وقد عانى من حره ودخانه وإعداده وصنعته، ومن فعل هذا فلا شك أنه قد شم هذا الطعام، وتاقت نفسه إليه، وهو لم يأكل منه بعد.
قال: [(فليقعده معه -وهذا أمر للسيد أن يقعده معه- فليأكل، فإن كان الطعام مشفوهاً قليلاً)]، ومعنى مشفوهاًَ، أي: امتدت وكثرت عليه الشفاه، والشفاه جمع شفه، بمعنى: أن الأيدي والأفواه التي تأكل من هذا الطعام كثرت جداً بحيث يصير الطعام بالنسبة إلى من اجتمع عليه قليلاً، حتى وإن كان في أصله كثيراً، مثل أن يعد طعاماً يكفي خمسة، ثم يجتمع عليه خمسون، فيكون هذا الطعام قليلاً بالنسبة لهم، ولو وضع لثلاثة لفضل عنهم؛ لأنه كثير، ولو وضع لعشرين فسيكون قليلاً؛ لأنه لم يعد لهذا العدد، وإنما أعد لأقل من ذلك.
قال: [(فإن كان الطعام مشفوهاً قليلاً فليضع في يده منه أكلة أو أكلتين)]، يعني: يضع في يد الخادم لقمة من هذا الطعام أو لقمتين.
[قال داود: يعني لقمة أو لقمتين.
قال النووي: (الظاهر أنه كان عبداً تحت أبي ذر)؛ لأنه قال: (كان بيني وبين بعض إخواني كلام)، أو (رجل من إخواني كلام).
قال: (والظاهر أنه كان عبداً، وإنما قال: (من إخواني)؛ لأن النبي ﷺ قال له: (إخوانكم خولكم، فمن كان أخوه تحت يده) إلى آخر الحديث.
وأما قوله: (إنك امرؤ فيك جاهلية)، أي: هذا التعبير من أخلاق الجاهلية).
فهذا الذي قلته وعيرت به أخاك هذا من أخلاق الجاهلية، ففيك خلق من أخلاقهم، وينبغي للمسلم ألا يكون فيه شيء من أخلاق الجاهلية.
стр. 2085
نقاش الشيخ مع أحد أفراد جماعة التكفير والهجرة
وفيه النهي عن التعيير وتنقيص الآباء والأمهات، وإثبات أن ذلك من أخلاق الجاهلية.
وهذا اللفظ ليس على ظاهره كما توهمه الخوارج في هذا الزمان وقبل هذا الزمان من أن كل لفظ فيه براءة الذمة أو فيه: (ليس منا)، أو فيه ذكر للجاهلية، أو غير ذلك من هذه الألفاظ يحمل على الظاهر، ويخرجون صاحبه من الملة.
وعندما تناقشت مع بعض قيادات جماعة التكفير قال: لو أننا حملنا هذه النصوص على غير الظاهر لعطلنا نصوصاً كثيرة، فانظر كيف دخل عليهم الشيطان، فقال: إن النصوص التي يقول فيها ﵊: (ليس منا من فعل كذا)، أو (من فعل كذا فقد برئت منه الذمة) لا بد من حملها على ظاهرها، وأن من فعل كذا فليس من المسلمين، يعني: من الكافرين، فقلت: لم يحملها هذا المحمل إلا الخوارج، قال: هم أعلم الأمة، قلت: لا يشاركك في هذا القول أحد، أي: من أهل السنة والجماعة، بل علماء الأمة قاطبة لهم تأويلات كثيرة جداً لهذه الأحاديث، وليس هذا منها، بل ما أولوا ظواهر هذه النصوص إلا رداً لهذه المقالة التي تقولها أنت الآن، فقال: إن معنى قول: من فعل كذا ليس منا، أي: ليس من أخلاقنا ولا من هدينا ولا من طريقتنا ولا من سنتنا تعطيل للنص النبوي، كما أنه من باب أولى تعطيل لكلام الله ، فقلت: إذا كان الأمر كذلك فماذا تقول في أبي ذر الذي قال له النبي ﷺ : (إنك امرؤ فيك جاهلية)؟ قال: كافر! قلت: هذا الرجل الذي هو أمة وحده، وله من المناقب والشمائل والفضائل ما يعجز عنه الآلاف من أصحابه ﵊، وله المنزلة العليا والمكانة السامية، وهو إن شاء الله تعالى من أهل الجنة، كيف تستبيح أن تطلق عليه هذا؟ ثم قرأت عليه ترجمة أبي ذر من كتاب سير أعلام النبلاء، وغيرها من الكتب التي ترجمت للصحابة، كمعرفة الصحابة لـ أبي نعيم، وكتاب الحافظ ابن حجر الإصابة في تمييز الصحابة وغيرها.
فقال: كل هؤلاء ليس لهم عبرة عندي، أو كلمة نحو هذه الكلمة؛ لأنه لا يعبأ ولا يحترم إلا رأسه وعقله فقط، قال: والمعلوم من لفظ الجاهلية عند الإطلاق أنه بمعنى الكفر، فقوله: (إنك امرؤ فيك جاهلية) يعني: فيك كفر، وهكذا العلم عند هؤلاء (١+١ =٢) ليس له تأويل ولا تفسير، وهذا بلا شك كلام باطل.
وخلاصة كلامي مع هذا المنازع: أنني حكمت بيني وبينه أحد العلماء في الأردن في سنة (١٩٨٥م)، وهو الشيخ محمد إبراهيم شقرة في مكتبه في وزارة الأوقاف، وقلت: بيني وبين هذا خصومة، وأصلها: حديث أبي ذر، فقد قال فيه كذا، فاحكم بيننا.
فقال: يا بني! أنت من التكفير؟ قال: أنا من جماعة المسلمين.
قال: لا عليك من الأسماء، الآن عرفت مذهبك.
فقلت: هو قال لي كذا وكذا.
قال: لا، أنا ما قلت هذا.
قلت: إذاً تقسم على كتاب الله ثلاثاً أنك ما قلت هذا.
قال: أنا لا أقسم.
قال الشيخ: إنما يلزمك القسم؛ لأن هذا معرض التهمة، فيلزمك القسم.
فلما أوشك على القسم هدده الشيخ وخوفه بالله .
فقال: أنا قلت.
فقلت له: على منهجك فأنت كافر.
قال: ولم؟ قلت: لأنك كذبت، والكذب نفاق أو صفة من صفات النفاق، قال ﵊: (ثلاث من كن فيه كان منافقاً خالصاً: إذا حدث كذب)، ومن كانت فيه واحدة منها كانت فيه خصلة من نفاق، والنفاق كفر.
فقال له الشيخ: ماذا تقول الآن؟ وأنا في الحقيقة في تسلسل النقاش أوافق أبا الأشبال أنك تكفر بهذا، فما موقفك؟ قال: وأنا أوافقكم.
وسهل جداً الإيمان والكفر عند هؤلاء.
стр. 2086
مناقشة الشيخ محمد شقرة مع زعيم جماعة التكفير
وقد أتى زعيمهم الكبير فناقش الشيخ الألباني ثلاثة أيام، وفي نهاية الأمر ضاق الشيخ منه ففتح شباك الغرفة -عليه رحمة الله- وقال له: يا شيخ محمود! أترى أن هؤلاء الناس الذين في الشارع كفار؟ فقال: والناس لماذا؟ انظر نفسك أنت!! ثم قال الشيخ بعد ثلاثة أيام: هذا فراق بيني وبينك، انتهى الأمر.
فاصطحبته إلى الشيخ أبي مالك محمد بن إبراهيم شقرة، وكان للشيخ محمد هيبة عظيمة جداً، وهو رجل من أهل العلم الأثبات، وكنت على اتصال دائم في كل يوم لمعرفة نتيجة مباحثات اليوم كله مع الشيخ الألباني، فقال الشيخ محمد: تعالوا غداً إلى مكتب الأوقاف، فذهبت به في الغد إليه، فقال له الشيخ: اسمع، الكلام معنا لا بد أن يكون محدداً ومركزاً، ولا نريد خروجاً عن الموضوع.
قال: أفعل.
قال: لماذا المجتمع كافر؟ قال: لأنه يتعامل مع الحكام الكفرة.
قال الشيخ: يعني: من تعامل مع الكفار يكفر؟ قال: نعم.
قال: فقد تعامل النبي ﵊ مع اليهود، أما علمت أنه مات ﵊ ودرعه مرهونة عند يهودي؟ فاستعظم الأمر، وقال: يا شيخ! دعنا من هذه.
قال: فأنت عندما أتيت إلى الأردن كيف أتيت؟ قال: جهزت لي جوازاً كما يفعل الناس.
قال: أظن أنه إذا كانت الحكومة كافرة فلا أقل من أن يتركز الكفر في وزارة الداخلية التي أخذت منها الجواز، فأنت تعاملت مع الكفار، صحيح أم لا؟ قال: صحيح.
فقال له: وهذا أليس كفراً؟ قال: بلى، هذا كفر.
قال الشيخ: هذه الثياب التي تلبسها من الذي صنعها؟ مصر أم غيرها؟ فأخذت أنظر إلى الثوب فقلت: والله يا شيخ! واضح أنه ياباني.
فقال: بلاد اليابان دولة كافرة أم لا؟ قال: كافرة.
فقال الشيخ: ومن الذي حاكها وصنعها؟ وهل صنعت في مصر؟ قال: نعم.
قال: وهل أنت متأكد أن الذي صنعها واحد من جماعتك أم من عامة الناس؟ قال: من عامة الناس.
فقال: فأنت قد لبست ثوباً صنعه كافر.
ثم قال: وماذا ركبت إلى هنا؟ هل ركبت حماراً؟ قال: لا، ركبت طيارة.
قال: ولم شاركت هؤلاء الكفار في سياراتهم وطائراتهم؟ أليس هذا كفراً؟ قال: بلى.
وظل الشيخ يعدد له في كل حياته حتى أسود وجهه وقال: يا شيخ! أنا لا أخفيك أني والله كافر.
وهكذا قال! ولا يمكن أن يبقى العلم بهذا الشكل أبداً، ولا يمكن أن يصلح هذا ديناً، ومن قال: إن هذا دين الله الذي أنزله من السماء فقد أعظم على الله الفرية، ولا يمكن أبداً أن يقاس الدين بالقلم والمسطرة نهائياً، فهذا ليس دين الله ، بل دين الله يؤخذ من أفواه أهل العلم، أما الاجتهادات الشخصية والفردية وإغلاقك على نفسك باب بيتك ثم تقرأ وتفهم كما يحلو لك فهذا أول طريق الانحراف.
стр. 2087
حكم الرد على الشاتم بشتم أمه وأبيه
قول أبي ذر: قلت: يا رسول الله! من سب الرجال سبوا أباه وأمه، وقول الرسول ﷺ : يا أبا ذر! إنك امرؤ فيك جاهلية فمعناه أن أبا ذر اعتذر عن سبه أم ذلك الإنسان بقوله: إنه سبني يا رسول الله! ومن سب إنساناً سب ذلك الإنسان أبا الساب وأمه، فأنكر عليه النبي ﵊ ذلك وقال له: لا، هذه من أخلاق الجاهلية، فسبك أباه إذا سبك من أخلاق الجاهلية، وأما لو سبك فسببته لكان تعادلاً، وإن عفوت فهو أفضل، وأما أن تتعدى إلى الوالدين فهو تعد، وهذا كأن يسبك إنسان فتضربه، وهذا بلا شك مقابلة السيئة بأعظم منها، فسب الرجل أبا الساب لا شك أنه تعد في القصاص، ولذلك قال: هذا من أخلاق الجاهلية، فلا يباح للمسبوب إلا أن يسب الساب نفسه بقدر ما سبه، ولا يتعرض لأبيه ولا لأمه، وهذه آداب عظيمة نحتاجها في حياتنا اليومية.
стр. 2088
الإحسان إلى العبد المملوك
وقوله: (هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، فأطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم) أي: المماليك، والأمر بإطعامهم مما يأكل السيد وإلباسهم مما يلبس محمول على الاستحباب لا على الإيجاب، وكأن المعنى: أطعموهم وألبسوهم، ولا تجعلوهم عرايا ولا جوعى، ولا يلزم إذا أتى مثلاً السيد ببدلة له بألف جنيه أو بسبعمائة جنيه أن يعطي العبد مثلها، بل يأتي له بثوب متوسط جديد ويكفي، ولا بأس بذلك، المهم ألا يدعه عرياناً.
وإذا صنع طعاماً فليطعمه من هذا الطعام، أو على الأقل يطعمه مما هو من أمثاله على قدر حاجته، وهذا الأمر للسيد ليس على سبيل الوجوب بل على سبيل الاستحباب، وهذا إجماع المسلمين.
وأما فعل أبي ذر في أنه ألبس غلامه برداً في مقابلة برده فإنما فعل ذلك على سبيل الاستحباب لا على سبيل الوجوب.
والذي يجب على السيد نفقة المملوك وكسوته بالمعروف بحسب البلدان والأشخاص، وسواء كان ذلك من جنس نفقة السيد ولباسه أو دونه أو فوقه، ولو قتر السيد على نفسه تقتيراً خارجاً عن عادة أمثاله إما زهداً وإما شحاً فلا يحل له التقتير على المملوك وإلزامه موافقته إلا برضاه.
ولو كان السيد رجلاً زاهداً متقشفاً وليس له علاقة بالدنيا نهائياً، ولا يأكل إلا قليلاً ولا يلبس إلا اليسير من اللباس فليس له إلزام عبده بهذا التقشف والزهد، وإنما يطعمه ويلبسه على قدر ما عنده من مال، يعني: أن العبد الذي يعمل خادماً أو مملوكاً لدى هذا السيد ربما يأمر الشرع سيده بأن يلبسه ويطعمه أفضل مما يلبس ويطعم كثير من الأحرار؛ لأن هذا هو الذي يناسب المستوى المادي لهذا السيد.
وأما اختيار السيد نفسه طريقاً آخر للزهادة فهذا شيء يرجع إليه هو، ولا يحل لهذا السيد أن يحمل عبده أو مملوكه على التقشف والزهادة إلا إذا كان ذلك برضى من العبد.
وأجمع العلماء على أنه لا يجوز للسيد أن يكلف العبد من العمل ما لا يطيقه، فإن فعل ذلك لزمه إعانته إما بنفسه أو بغيره، كأن يشتري رقيقاً آخر لمعاونة هذا العبد، أو غير ذلك من أوجه المساعدة.
وأما قوله: (للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيقه) فهو موافق لحديث أبي ذر السابق.
وقوله: (إذا صنع لأحدكم خادمه طعامه ثم جاءه به وقد ولي حره ودخانه، فليقعده معه فليأكل فإن كان الطعام مشفوهاً قليلاً فليضع في يده منه أكلة أو أكلتين)، قال داود: يعني: لقمة أو لقمتين.
فأما الأكلة فهي اللقمة، وأما المشفوه فهو القليل، أي: بالنسبة إلى من اجتمع عليه من الناس.
وفي هذا الحديث: الحث على مكارم الأخلاق، والمواساة في الطعام، ولا سيما في حق من صنعه أو حمله؛ لأنه ولي حره ودخانه، وتعلقت به نفسه، وشم رائحته، وهذا كله محمول على الاستحباب لا على الوجوب.
ومن الأخلاق النادرة جداً التي تجدها في هذا الزمان: أن يكون لشخص خدم يصنعون له طعاماً، وتكون رائحته شهية جداً تتعلق به النفوس، ثم لا يدعوهم إليه، وقد جعل الشرع له مخرجاً، فإذا كان قد دعا أناساً ولديه طباخون وخدم يخدمونه في بيته، وقد أعدوا المائدة للطعام، وهو يستنكف أن يدعو العبيد ليأكلوا معه على نفس المائدة فلا بأس أن يناولهم من هذا الطعام، يعني: يعد لهم طعاماً أو سفرة يأكلون منها ولو كانت بجوار المائدة أو في مكان آخر، ولا يحرم من أعدها ومن صنعها منها.
стр. 2089
باب ثواب العبد وأجره إذا نصح لسيده، وأحسن عبادة الله
قال: (باب ثواب العبد وأجره إذا نصح لسيده وأحسن عبادة الله)، ومعنى نصح: أخلص في الخدمة لسيده.
قال: [حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك عن نافع عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: (إن العبد إذا نصح لسيده وأحسن عبادة الله، فله أجره مرتين)]، أي: مرة على حسن عبادته لله، ومرة على حسن خدمته لسيده.
[وحدثنا زهير بن حرب ومحمد بن المثنى قالا: حدثنا يحيى -وهو ابن سعيد القطان -، (ح) وحدثنا ابن نمير -وهو محمد - قال: حدثنا أبي، (ح) وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا ابن نمير -وهو عبد الله - وأبو أسامة -وهو حماد بن أسامة - كلهم عن عبيد الله -وهو ابن عمر العمري - (ح) وحدثنا هارون بن سعيد الأيلي حدثنا ابن وهب حدثني أسامة جميعاً عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ بمثل حديث مالك السابق.
حدثني أبو الطاهر وحرملة بن يحيى قالا: أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس -وهو ابن يزيد الأيلي - عن ابن شهاب الزهري قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: قال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ : (للعبد المملوك المصلح أجران)].
والمصلح ضد المفسد، وهذا يدل على أن هذا العبد لا يستحق الأجرين إلا إذا كان مملوكاً مصلحاً، أي: مخلصاً ناصحاً لسيده.
[(والذي نفس أبي هريرة بيده لولا الجهاد في سبيل الله والحج وبر أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك)].
وهذا الكلام قاله أبو هريرة، وفي بعض الروايات عند أبي داود قال: قال النبي ﵊: (للعبد المملوك المصلح أجران، والذي نفسي بيده لولا الجهاد في سبيل الله والحج لأحببت أن أموت مملوكاً).
وظاهر هذه الرواية لا تدل على الإدراج، والإدراج هو: إدخال كلام في كلام آخر بياناً للمعنى، أو إظهاراً لحكم من الأحكام، أو إثبات أمنية متعلقة بنص الحديث.
وقوله ﵊: (للعبد المملوك المصلح أجران)، هذا الكلام يمكن أن يصدر من النبي ﵊ ولا حرج فيه.
ثم قوله: (والذي نفسي بيده) يدل على أنه تابع للحديث، ولكنه كلام مدرج، أي: ملحق بالكلام الأصل وليس منه.
فالكلام الأول: (للمملوك المصلح أجران) كلام النبي ﷺ قطعاً، وأما قوله: (لولا الجهاد وبر أمي لأحببت أن أموت مملوكاً) فلا يمكن أن يكون هذا من كلام النبوة، فقوله: (لولا الجهاد والحج) يمكن أن يصدر هذا الكلام من النبي ﵊، ولكن المستحيل أن يقول: (وبر أمي)؛ لأن أمه كانت قد ماتت منذ زمن أيام أن كان صغيراً، وكذلك لا يتمنى نبي مرسل أن يكون مملوكاً؛ لأن الثابت أن الله تعالى ما أرسل نبياً ولا رسولاً إلا من أشراف وأحساب وأنساب قومه، والرق ينزل العبد، بخلاف الحرية، والله تعالى لم يرسل رسولاً حراً فحسب، بل أرسله من أفضل أحرار قومه، ومن أحسنهم وأشرفهم نسباً، فكيف يقول النبي ﵊: (وبر أمي لأحببت أن أموت مملوكاً).
كما أنه لم يكن مملوكاً قط ﷺ .
قال سعيد: [وبلغنا أن أبا هريرة لم يكن يحج حتى ماتت أمه لأجل صحبتها].
وسعيد بن المسيب هو زوج ابنة أبي هريرة، والذي يترجح لدي أن هذا الكلام وصله بلاغاً عن أبي هريرة عن طريق امرأته، يعني: ابنة أبي هريرة التي كانت تحت سعيد، فهي التي أخبرت سعيداً أن أبا هريرة لم يكن يحج حتى ماتت أمه؛ لأجل صحبتها، وهذا محمول على حج النافلة دون حج الفريضة؛ لأن أبا هريرة ﵁ أسلم في العام السابع من الهجرة، في أعقاب غزوة خيبر أو في أثنائها، وحج مع النبي ﵊ حجة الوداع، وكانت هي الفريضة لـ أبي هريرة ولم يكن حج قبلها، فيكون معنى كلامه (لولا الجهاد في سبيل الله والحج -أي: حج النافلة- وبر أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك)؛ وهذا طمعاً في أن يكون له أجران: الأجر الأول: أجر عبادة ربه.
والأجر الثاني: أجر خدمة سيده.
فهو لم يتمن الرق إلا لأجل الثواب.
وأما قوله: (إن أبا هريرة لم يكن يحج حتى ماتت أمه لصحبتها)، فهذا يدل على وجوب بر الوالدين.
وقد تكلم الشافعية حول ما إذا تعارضت حاجة الوالدين مع حج
стр. 2090
باب من اعتق شركاً له في عبد
قال: (باب من أعتق شركاً له في عبد).
والعبد يمكن أن يجتمع فيه عدة أسياد أو شركاء، ويمكن أن يكون سلماً لرجل، أي: ليس له فيه شريك، فإذا قام أحد الشركاء بإعتاق نصيبه في هذا العبد فيكون بعض العبد حراً، والبعض الآخر رقيقاً، فيقوم العبد، فإذا كان في مقدور من أعتق شركه أن يعتق الباقي من ماله فيجب عليه ذلك؛ حتى لا يتضرر العبد ولا بقية الشركاء.
стр. 2091
شرح حديث ابن عمر فيمن أعتق شركاً له في عبد
قال: [حدثنا يحيى بن يحيى قال: قلت لـ مالك: حدثك نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (من أعتق شركاً له في عبد فكان له مال يبلغ ثمن العبد -أي: فكان لمن أعتق نصيبه مال يبلغ ثمن العبد- قوم عليه قيمة العدل -أي: مثل قيمة العبد من غير وكس ولا شطط، ومن غير نقصان ولا جور ولا زيادة- فأعطى شركاءه حصصهم، وعتق عليه العبد؛ وإلا فقد عتق منه ما عتق)]، يعني: لا بد من شيء من اثنين، فإما أن يعتق الباقي كأن يكون له ربع العبد، وهذا العبد بألف دينار مثلاً، فأعتق نصيبه - أي: المائتين والخمسين ديناراً- فإذا كان هذا المعتق صاحب مال قوم هذا العبد، ودفع لكل شريك من هؤلاء مائتين وخمسين ديناراً، ويكون هذا السيد الذي أعتق هذا العبد قد أعتق رقبة في سبيل الله، والعتق من أكبر الطاعات لله ، فمن أعتق شركاً له في عبد قوم عليه العبد إن كان صاحب مال، فيعطي بقية الشركاء حصصهم، ويعتق عليه العبد، يعني: يكون هذا العبد عتيقه، ويكون ولاؤه لهذا الرجل وحده، وليس للأربعة.
وإذا لم يكن صاحب مال فيكون قد أعتق حصته فقط، ويكون الثلاثة الباقون شركاء في ثلاثة أرباع العبد، يعني: بعد أن كان هذا العبد مكلفاً بخدمة أربعة يكلف الآن بخدمة ثلاثة.
قال: [حدثنا ابن نمير حدثنا أبي حدثنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (من أعتق شركاً له من مملوك فعليه عتقه كله إن كان له مال يبلغ ثمنه -وهذا شرط- فإن لم يكن له مال عتق منه ما عتق)]، يعني: نصيبه فقط.
وفي رواية ابن عمر: (من أعتق نصيباً له في عبد فكان له من المال قدر ما يبلغ قيمته قوم عليه قيمة عدل، وإلا فقد عتق منه ما عتق).
وفي رواية قال عبد الله: إن رسول الله ﷺ قال: (من أعتق عبداً بينه وبين آخر -أي: في شركة بينه وبين آخر- قوم عليه في ماله قيمة عدل، لا وكس ولا وشطط -والوكس: البخس والنقص والشطط: الزيادة والجور- ثم عتق عليه في ماله إن كان موسراً)]، ودائماً الشركاء يدور أمرهم بين الوكس والشطط.
فمثلاً: إذا كان اثنان أصحاب محل، أو كانا وارثين ولهما أخت ففي الغالب يأخذ الولدان الميراث، ويزعمان أنهما استرضيا الأخت الوارثة، وأن البنت لا أصول لها، يعني: أن البيت ليس لها نصيب فيه، والأرض ليس لها نصيب فيها، ويقولان: نعطيها قرشين وينتهي الأمر، فالبنات في هذا الزمان بالذات لا نصيب لهن في الميراث وهذا ظلم عظيم جداً.
والعجيب أن الرجال الذين يأخذون الميراث ويذهبون به دون البنات يبتلون بأخبث الأمراض في أنفسهم وأهليهم وأولادهم، ويبتلون كذلك بالفشل في حياتهم وفي خاصة أنفسهم، ولا يعتبر أحد، ثم يموت ويأتي ولده فيكرر نفس المأساة التي فعلها أبوه، ويأتي الحفيد ويكرر نفس المأساة التي فعلها أبوه وجده، ولا يعتبر مع أنه ذاق السم الزعاف في خدمة والده وهو مريض وقعيد وطريح الفراش عشرات السنين، ويعلم أن هذا بسبب الظلم، وأنها عقوبة من السماء نزلت، ثم هو يأتيها، فإذا تمكن من الظلم ظلم، ومعظم البلاء الذي ينزل بالأمة بسبب الظلم؛ لأن العدل قامت على أساسه السماوات والأرض، فمن خالف ناموس الكون وميزانه الرباني الذي لأجله خلق الخلق فلا بد أن يبتليه الخالق .
قال ابن عمر: قال النبي ﷺ : (من أعتق شركاً له في عبد عتق ما بقي في ماله -يعني: ألزم بإعتاق بقية العبد من ماله- إذا كان له مال يبلغ ثمن العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق)]، أي: فلا يكلف ولا يلزم إلا بنصيبه؛ لأنه ليس صاحب مال.
стр. 2092
شرح حديث أبي هريرة في الضمان على من أعتق نصيبه من العبد
قال: [وعن بشير بن نهيك عن أبي هريرة ﵁: (عن النبي ﷺ قال في المملوك بين رجلين: فيعتق أحدهما، قال: يضمن)]، يعني: إذا كنت أنا وأنت شريكان في عبد، فأعتقت أنا نصيبي فأنا أضمن عتق بقية العبد بشرط أن أكون صاحب مال، وإلا فقد أعتقت نصيبي الذي يخصني.
وفي رواية قال ﵊: [(من أعتق شقيصاً من مملوك؛ فهو حر من ماله)].
والشقيص هو: الحظ والنصيب، فمن أعتق نصيبه في مملوك؛ فهذا المملوك حر من مال هذا الذي أعتق.
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: [(من أعتق شقيصاً له في عبد فخلاصه في ماله إن كان له مال، فإن لم يكن له مال استسعي العبد غير مشقوق عليه)]، والمشقوق هو: المشدود، من الشدة، أي: لا نشق عليه، (استسعي العبد غير مشقوق عليه)، ويكون إما بطلب عتق العبد من بقية الشركاء، أو من الشريك الذي أعتق حظه، أو بالمكاتبة يقوم بها العبد.
فإذا قوم مثلاً بألف دينار، والسيد الذي يملك نصفه قد أعتق نصيبه، وليس عنده مال ليعتق النصف الآخر، فإن كان صاحب مال فهو ضامن، وإن لم يكن صاحب مال استسعي العبد في نصيب الذي لم يعتق غير مشقوق عليه؛ لأن الأصل أن العبد مال، وصاحب الحق في هذا العبد له حرية التصرف في نصيبه في العبد، والشريك الثاني له حق أخذ نصف ثمن العبد وهو يريده، فإذا كان الذي أعتق صاحب مال فيعتق كله، وإما أن يكاتب السيد الثاني هذا العبد على أن يعتقه بغير خدمة حتى يجمع له ثمن النصف الثاني، ثم يستسعى في نصيب الذي لم يعتق غير مشقوق عليه.
стр. 2093
شرح حديث عمران بن حصين: (أن رجلاً أعتق ستة مملوكين له عند موته)
قال: [حدثنا علي بن حجر السعدي وأبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب قالوا: حدثنا إسماعيل بن علية عن أيوب -وهو ابن أبي تميمة السختياني - عن أبي قلابة - وهو عبد الله بن زيد الجرمي البصري - عن أبي المهلب عن عمران بن حصين: (أن رجلاً أعتق ستة مملوكين له عند موته -أي: أن رجلاً حراً كان عنده ستة من العبيد اعتقهم جميعاً عند موته- لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم رسول الله ﷺ فجزأهم أثلاثاً)]، يعني: قسمهم: اثنين، اثنين، اثنين؛ لأن هذا الحر ليس حراً في إعتاق الستة؛ لأن هذا قائم مقام الوصية، والعبد ليس له أن يوصي من ماله إلا بمقدار الثلث، وهذا الثلث ينفذ حتى لو لم يرض الورثة، ولا ينفذ ما زاد على الثلث إلا برضا الورثة، وهذا الحر لم يكن له إلا ستة مملوكين فأعتقهم جميعاً، فرد النبي ﵊ هذا التصرف باستدعاء جميع المملوكين، وجزأهم ثلاثة أثلاث، اثنين، اثنين، اثنين، وأقرع بينهم، أي: ليخرج من يعتق، واللذان وقعت عليهما القرعة أعتقهما، وأما الباقون فهم مال انتقل بالميراث إلى أولاد المعتق؛ لأن العبد مال يورث.
وهذه الصورة ظاهرة من فعله ﵊، وهذا يدل على مشروعية بل وجوب العمل على نحو ما عمل النبي ﵊.
وبعض العلماء نازع في هذه الصورة، وقال: القرعة ليست جائزة، والحديث يرد عليهم، وكلامهم خطأ، وقالوا: إنما يعتق من كل عبد ثلثه؛ لأن العبيد الستة لو أعتقنا ثلث كل واحد لتم لنا في نهاية الأمر عتق الثلث، ولا نعتق اثنين ونجعل الأربعة عبيداً للورثة، وهذا سيدخلنا في دوامة أخرى، وهي إبطال تصرف صاحب المال الذي أوصى بعتق هؤلاء جميعاً، ولو كان ذلك صواباً لفعله النبي ﵊.
وأما كونه قد عدل عن هذه الصورة وأعتق ثلث المال المتمثل في اثنين دون الستة فهذا يدل على أهمية هذا التصرف واستحبابه.
قال عمران بن حصين: [إن رجلاً أعتق ستة مملوكين له عند موته لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم رسول الله ﷺ فجزأهم أثلاثاً، ثم أقرع بينهم -وهذا يدل على استحباب القرعة- فأعتق اثنين وأرق أربعة -أي: جعلهم رقيقاً- وقال له قولاً شديداً)]، أي: قال النبي ﷺ عن هذا الذي أعتق الستة ومات قولاً شديداً، وهذا القول هو: (لو أدركت ذلك ما صليت عليه)، يعني: لو أني علمت هذا قبل أن أصلي عليه صلاة الجنازة ما صليت عليه، وهذا يدل على الزجر الشديد جداً، وقوله: (لو أدركت ذلك ما صليت عليه)، لا ينفي صلاة عامة الناس على أصحاب المعاصي وأصحاب الكبائر، وإنما يدل على أن الإمام له أن يتخلى عن الصلاة على أصحاب المعاصي والكبائر؛ زجراً لأمثالهم ألا يقعوا فيما وقعوا فيه.
والنبي ﵊ شهد لـ ماعز الأسلمي بالجنة، ولكنه ما صلى عليه؛ زجراً لغيره أن يقترف ما اقترف ماعز رغم أنه تاب.
وصلى على الغامدية، رغم أنها أتت ما قد أتى ماعز، ولكن المقام استدعى الصلاة هنا، واستدعى ترك الصلاة هناك، وربما كان هناك في المصلين على ماعز من ينزجر بترك النبي ﷺ الصلاة على أمثال هؤلاء الذين وقعوا في كبائر الذنوب.
فللإمام أن يمتنع من الصلاة على أصحاب الكبائر زجراً لأمثالهم، ولكن لا يحل لمجموع من كلفوا بالصلاة على هذا الميت أن يمتنعوا جميعاً، وإلا أثموا جميعاً؛ لأن الصلاة على الميت حتى وإن كان صاحب ذنب وصاحب كبيرة فرض كفاية، إذا فعله البعض سقط عن الباقين، ويستحب للإمام ولا يجب عليه، وإن صلى على صاحب كبيرة فلا حرج عليه، حتى وإن مات وهو مصر عليها ولم يتب لا حرج على الإمام أن يصلي عليه، ولكن ترك الإمام للصلاة عليه لا شك أنه من باب السنة، ومن باب الزجر.
وفي رواية: [(أن رجلاً من الأنصار أوصى عند موته، فأعتق ستة مملوكين)].
يقول: (في هذا الحديث دلالة لمذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وداود وابن جرير والجمهور في إثبات القرعة في العتق ونحوه، وأنه إذا أعتق عبيداً في مرض موته أو أوصى بعتقهم وكانوا أكثر من الثلث أقرع بينهم، فيعتق ثلثهم بالقرعة.
وقال أبو حنيفة: القرعة باطلة، لا مدخل لها في ذلك، والحديث يرد عليه).
стр. 2094
باب جواز بيع المدبر
قال: (باب جواز بيع المدَبَّر).
والمدبَّر: هو من أوصى سيده بعتقه في دبر حياته، فهو عبد ولكن سيده أوصى في مرض موته، أو لما غلب على ظنه أن الحياة به ستنتهي أن يعتق هذا العبد في دبر حياته، وهذا جائز عند الجمهور، والدليل على جواز بيع المدبَّر الآتي: قال: [حدثنا أبو الربيع سليمان بن داود العتكي حدثنا حماد بن زيد عن عمرو بن دينار المكي عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄: (أن رجلاً من الأنصار أعتق غلاماً له عن دبر -أي: بشرط أن يكون ذلك في دبر حياته- لم يكن له مال غيره، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: من يشتريه مني؟ -وكان لا يزال الرجل صاحب المال حياً، والنبي ﷺ هو الذي عرض هذا العبد للبيع- فاشتراه نعيم بن عبد الله النحام بثمانمائة درهم فدفعها إليه)].
أي: أخذ النبي ﵊ الثمانمائة درهم وأعطاها لصاحب هذا العبد الذي أعتقه عن دبر.
قال: [قال عمرو: سمعت جابر بن عبد الله يقول: عبداً قبطياً مات عام أول]، يعني: كان هذا العبد عبداً نصرانياً، والقبطي مصري، ولكن عند الإطلاق القبطي هو النصراني.
ولا بأس باتخاذ العبيد من النصارى واليهود، وقد كان أبو لؤلؤة المجوسي مجوسياً، ومن باب أولى يجوز اتخاذ العبيد من اليهود والنصارى.
نسأل الله أن يمكننا من رقابهم رجالاً ونساءً.
وهذا الرجل الأنصاري اسمه أبو مذكور، واسم الغلام المدبَّر يعقوب.
قال: [وعن عمرو بن دينار قال جابر: (دبر رجل من الأنصار غلاماً له لم يكن له مال غيره، فباعه رسول الله ﷺ ، قال جابر: فاشتراه ابن النحام].
والنحام لقب لـ نعيم بن عبد الله، وفي الحديث: (إني دخلت الجنة فوجدت نحمة لـ نعيم) وقيل: (نحنحة)، واسم الصوت: نَحمة ونُحمة ونحنحة، هذا معنى النحام، فلما أخبر نعيماً بذلك لقبه الصحابة بـ النحام، أي: الذي كان يتنحم في الجنة وسمعه النبي ﵊.
قال: [عبداً قبطياً مات عام أول في إمارة ابن الزبير].
стр. 2095
كلام النووي على حديث جابر في بيع المدبر
قال: (في هذا الحديث دلالة لمذهب الشافعي وموافقيه أنه يجوز بيع المدبر قبل موت سيده لهذا الحديث، وقياساً على الموصى بعتقه، فإنه يجوز بيعه بالإجماع، وممن جوزه عائشة وطاوس وعطاء والحسن ومجاهد وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود الظاهري.
أما أبو حنيفة ومالك وجمهور العلماء والسلف من الحجازيين والشاميين والكوفيين فقالوا: لا يجوز بيع المدبر، وإنما باعه النبي ﷺ في دين كان على سيده، وقد جاء في رواية للنسائي والدارقطني أن النبي ﷺ قال له: (اقض به دينك).
يعني: هذا العبد المدبَّر لما باعه النبي ﷺ بثمانمائة درهم أعطاها لسيده وقال: (اقض بها دينك).
وقالوا: وإنما دفع إليه ثمنه ليقضي به دينه، وتأوله بعض المالكية على أنه لم يكن له مال غيره فرد تصرفه، لأنه لا يحل له أن يتصرف فيه كله، وإنما في ثلثه.
وقال هذا القائل: وكذلك يردُّ تصرف من تصدق بكل ماله، وهذا ضعيف بل باطل، والصواب نفاذ تصرف من تصدق بكل ماله.
وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: الأشبه عندي أنه فعل ذلك نظراً له، إذ لم يترك لنفسه مالاً، والصحيح ما قدمناه أن الحديث على ظاهره، وأنه يجوز بيع المدبَّر بكل حال ما لم يمت السيد، والله أعلم.
وأجمع المسلمون على صحة التدبير، ثم مذهب الشافعي ومالك والجمهور أنه يحسب عتقه من الثلث.
يعني: لو كان معتقاً يعتق منه الثلث فقط، والتدبير محل إجماع بين أهل العلم، لا خلاف بينهم في ذلك، والتدبير يقع في أشياء كثيرة، وليس في العبد فقط، فبإمكانك أن تقول: هذه الدار وقف على الأيتام في المكان الفلاني بعد موتي، فهذا تدبير في الدار، وبإمكانك أن تقول: هذا البستان وقف على الأرامل في المكان الفلاني بعد موتي، فهذا التصرف جائز، وهو صورة من صور التدبير، أي: إيقاف نفاذ التصرف إلى بعد موت من أوقفه.
وفي هذا الحديث من الفوائد كذلك: نظر الإمام في مصالح رعيته، وأمره إياهم بما فيه الرفق بهم، وإبطال ما يضرهم من تصرفاتهم التي يمكن فسخها.
وفيه جواز البيع فيمن يدبَّر، وهو مجمع عليه الآن، وقد كان فيه خلاف ضعيف لبعض السلف نقلناه آنفاً، ولكن هذا الخلاف خلاف ضعيف، وليس عليه العمل.
أقول قولي هذا وأستغفر الله تعالى لي ولكم.
وصلى الله على نبينا محمد.
стр. 2096
الأسئلة
стр. 2097
دليل حمل حديث الأمر بإطعام العبد مما يأكل سيده على الاستحباب
السؤال
ما الدليل على حمل أحاديث إطعام العبد مما يأكل سيده وإلباسه مما يلبس على الندب والاستحباب؟
الجواب
الإجماع على أن هذا الأمر على الاستحباب وليس على الوجوب.
стр. 2098
حكم من عجز عن الوفاء بالنذر
السؤال
أقسمت على إلزام نفسي بعمل بعض النوافل، وعند القسم لم اشترط الاستطاعة في ذلك، كأن لا أشعر بالنوم مثلاً، فهل إذا لم أستطع أن أعملها يجب علي الكفارة أم لا؟ وهل إذا قضيتها علي الكفارة؟ بمعنى إذا لم أفعلها في الوقت الذي حددته ثم قضيتها؟
الجواب
بإمكانك أن تنوي بنومك طاعة، ولكن إذا كنت أقسمت أن تلزم نفسك بعبادة معينة في وقت معين، كأن أقسمت أن تصلي إحدى عشرة ركعة في كل ليلة مثلاً، ثم عجزت عن الوفاء بهذا النذر في ليلة من الليالي أو في بعض الليالي فقد قال عليه الصلاة السلام: (كفارة النذر كفارة اليمين).
فعليك أن تكفر عن هذا النذر الذي عجزت عنه بكفارة يمين.
стр. 2099
حكم منع الوالدة ولدها من صوم النافلة
السؤال
لو طلبت مني والدتي ألا أصوم النوافل لعلة أني ضعيف جسمياً فهل لي أن أصوم دون علمها؟
الجواب
لا، ليس لك ذلك؛ لأنك إذا كنت ضعيفاً وهزيلاً في بدنك فإن الصوم يضرك، وهذا هو ظاهر السؤال، لا بأس أن تجمع بين ترك الصوم وطاعة أمك، وهو أولى بلا شك، وقديماً حدث مثل هذا بين عبد الله بن عمرو بن العاص وبين نبينا ﵊، فـ عبد الله بن عمرو بن العاص كان من أعبد الصحابة على صغر سنه، وقد تزوج أول مرة وعمره اثنا عشر عاماً، وكان صواماً قواماً، تالياً لكتاب الله ، فكان يقرأ القرآن في كل يوم مرة، ويصلي طوال الليل ويصوم النهار، فلما تزوج امرأة من قريش تركها وأقبل على عبادة ربه في الليل، فلما أصبح أتاه أبوه عمرو بن العاص ﵁ فسأل امرأته عن حاله، فقالت: نعم العبد هو، يقوم الليل ويصوم النهار، ففهم ما تريد، فأخذ ولده عبد الله وذهب به إلى النبي ﵊ فقال: يا رسول الله! هذا العبد فعل كذا وكذا، وهما في طريقهما إلى النبي ﵊ قال له: سودت وجهي أمام قريش وفعلت كذا وكذا، وشيء من هذا الكلام، فقال ﵊: (يا عبد الله! كيف تصوم؟ قال: أسرد الصوم -يعني: أصوم كل يوم- فقال: إنما يكفيك أن تصوم ثلاثة أيام من كل شهر)، أي: ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر، وتصور أن عبداً يصوم طوال السنة وطوال العمر، والنبي ﵊ يحجمه في ثلاثة أيام، فقال: (يا رسول الله! أطيق أكثر من ذلك، فقال: اجمع إلى هذا صيام الإثنين والخميس، قال: أطيق أكثر من ذلك، قال: صم يوماً وأفطر يوماً -وهذا صيام نبي الله داود، فسكت على مضض- ثم قال له: كيف تقرأ القرآن؟ قال: في كل يوم مرة -وكيف بمن يختمه مرة في العمر- فقال له: بل اقرأه في شهر، فقال: يا رسول الله! أطيق أكثر من ذلك، قال: اقرأه في كل شهر مرتين، قال: أطيق أكثر من ذلك -حتى قال له-: اقرأه في ثلاث، ومن قرأ القرآن في أقل من ثلاث لم يفقه -فسكت؛ لأنه حدد له الحد الأدنى- ثم قال له: كيف صلاتك؟ قال: أصلي الليل كله، فقال: بل صل بعضه ونم بعضه، فقال عبد الله بن عمرو: فلما كبر سني ورق عظمي وضعفت عما أمرني به النبي ﵊ تمنيت أني ما رددت عليه أمره).
فالأخ لماذا ينذر أن يصوم أو يقوم أو يفعل طاعة معينة؟ والنذر كما قال ﵊: (إنما يستخرج بالنذر من البخيل)، فإن كنت قادراً على طاعة فاعملها بغير نذر؛ لأن النذر لا تضمنه، وأنت ضعيف لا تقدر عليه، وإذا كنت قادراً اليوم فربما تعجز عنه غداً، فأنت ابن يومك، وابن طاعة يومك، فإذا قدرت على طاعة ما في وقت ما فافعلها بغير نذر، مثل الذي يقول: يا رب! لو نجحت ولدي فسأذبح شاة، ولماذا لا يذبح الشاة لله إذا نجح ولده من غير نذر، وهذه ألطف.
فهو في الصورة الأولى: يعامل الله بالحد الأدنى من العبودية، كأنه يقول: يا رب! إذا عملت لي فسأعمل لك، وإذا لم تعمل لي لن أعمل لك.
وأما الصورة الثانية: فإنه يقدمها طيبة بها نفسه، وفي الغالب فإن الناذر إذا أوفى الله له العطاء ضن وبخل، ودائماً أسئلة الناذرين تقول: يا شيخ! أنا كنت قلت: لو أن الله تعالى فعل لي كذا فسأذبح خروفاً فهل ينفع أن آتي بخمسة كيلو من الجزار؟ وأقول: لا ينفع ذلك؛ لأن العبرة كلها بإهراق الدم بنية العبادة والقربة وإطعام اللحم.
وآخر يقول: أنا نذرت أصوم كل إثنين وخميس طول عمري، ثم تأتي عليه أيام لا يقدر على صيام شهر رمضان لكبر سن أو ضعف أو علة أو أي شيء، فلماذا يكلف الإنسان نفسه بأشياء عافاه الله تعالى منها؟ ولماذا لا يجعل طاعته لله تعالى بغير شرط، وهذا بلا شك أولى، ولذلك قال النبي ﷺ : (إنما يستخرج بالنذر من البخيل).
стр. 2100
حكم النذر الذي لم يتلفظ به الإنسان
السؤال
ما حكم النذر الذي نذره الإنسان في نفسه ولم يتلفظ به؟
الجواب
لو نواه في صدره ولم يتلفظ به لا يلزمه، فيشترط في النذر التلفظ.
стр. 2101
موضع رفع اليدين عند القيام من التشهد الأوسط
السؤال
هل رفع اليد في الصلاة في التشهد الأول يكون بعد القيام أم قبل القيام وهو في حالة الجلوس بعد الفراغ من التشهد؟ وما الدليل على ذلك؟
الجواب
النبي ﵊ كان يرفع يديه بعد القيام، وكان غالب أمره الرفع بعد القيام، (كان ﵊ إذا قام إلى الثالثة رفع يديه وكبر)، وقام فعل ماضي، (وكان يرفع يديه قبل القيام أحياناً).
هكذا الرواية.
وهذا يدل على استحباب الصورة الأولى، وجواز الصورة الثانية.
стр. 2102
بيان متى يقدم الحج على الزواج والعكس
السؤال
أيهما يقدم في عصرنا الحج أم الزواج؟
الجواب
هذه قضية نسبية تتعلق بكل شخص على حدة، فإذا كان الشاب مثلاً تواقاً إلى النساء وما معه من مال لا يكفي إلا للحج أو الزواج فلا شك أن الزواج يقدم في حقه، ويكون غير مستطيع للحج، ولا حرج عليه حينئذ.
وأما إذا كان أمر النساء لا يعنيه في شيء، ولا يفكر فيه، ويطرحه خلف ظهره، ويقدر على أن يصبر بغير عنت فلا شك أن الحج هو الفريضة، وهو الواجب في حقه قبل الزواج.
стр. 2103
حكم استحلال المعاصي والإصرار عليها
السؤال
هل مستحل الصغائر أو الكبائر المصر عليهما لا يكفر ويبقى على الإسلام ويصلى عليه؟
الجواب
لا، وتوجيه السؤال بهذا النحو خطأ، وعلى أي حال فالمستحل للذنب وإن كان صغيراً بعد قيام الحجة عليه وإصراره على الحل يكفر.