Полный текст (2 103 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.
стр. 2031
أقوال العلماء في جواز إخراج الكفارة بعد اليمين وقبل الحنث
قال: (واختلفوا في جوازها بعد اليمين وقبل الحنث) يعني: أنا حلفت ألا آكل طعامك، ثم رأيت بيني وبين نفسي أن آكل الطعام وهو البر والخير، فقلت: أكفر أولاً عن يميني ثم آكل.
فالعلماء اختلفوا، فقال بعضهم: المعروف أن التكفير يكون بعد الوقوع وبعد العمل؛ لأنه يكون قد حنث في يمينه، أما قبل العمل فلم يحصل حنث، والحقيقة أن هذا اجتهاد مع ورود النص؛ لأن النبي ﵊ قال: (من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها؛ فليكفر عن يمينه، وليأت الذي هو خير)، وفي رواية: (فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه)، فإذا كان النبي ﵊ بهذين النصين قد أجاز لنا الكفارة بعد اليمين وبعد الحنث وقبله فهما سواء، وتكون الكفارة حينئذ لمجرد أن المرء اعتقد أن الخير في غير ما حلف عليه، ولا يلزم من ذلك إتيانه الفعل المخالف لما حلف عليه، حتى تجب عليه كفارة اليمين.
قال: (واختلفوا في جوازها بعد اليمين وقبل الحنث: فجوزها مالك والأوزاعي والثوري والشافعي وأربعة عشر صحابياً، وجماعات من التابعين، وهو قول جماهير العلماء، لكن قالوا: يستحب كونها بعد الحنث) يعني: قالوا بجواز الكفارة قبل الحنث، ولكن بعد الحنث تكون مستحبة.
ثم قال: (واستثنى الشافعي التكفير بالصوم) يعني: الشافعي مع الجمهور في المذهب السابق، لكنه استثنى فقط إذا كانت الكفارة بالصوم، فما هي حجته؟ (فقال: لا يجوز الصيام قبل الحنث؛ لأنه عبادة بدنية، فلا يجوز تقديمها على وقتها، كالصلاة، وصوم رمضان) يعني: أيجوز أنني أصوم رمضان في شعبان؟ لا يجوز، ولا يجزئ عني، وإذا دخل علي رمضان يجب علي أن أصوم، حتى وإن صمت شعبان كله بنية رمضان، هذا لا يصلح، وهي عبادة ساقطة من الأصل؛ لأنها في غير وقتها، فكذلك إذا كان المكفر ليمينه فقيراً لا يستطيع أن يطعم ولا أن يكسو ولا أن يعتق، فيتعين حينئذ عليه الصيام؛ فلذلك قال: إلا الصيام فلا يصح أن يكون قبل الحنث؛ لأن الحنث هو الوقت الذي يجب بعده الصيام.
ثم قال: (وأما التكفير بالمال فيجوز تقديمه كما يجوز تعجيل الزكاة) وذلك أن النبي ﷺ طلب من العباس زكاة ماله معجلة عاماً أو عامين، وأخذها وأنفقها في سبيل الله.
فهذا دليل تعجيل الزكاة، فإذا كان عندك مال وجبت فيه زكاة فلا بأس قبل حلول الحول بعام كامل أن تدفع كل شهر مائة جنيه، إذا كانت هناك حالة تستدعي المساعدة، وهي من مصارف الزكاة؛ فلا بأس أن تدفع لها زكاة مالك عاماً أو عامين أو ثلاثة أو أربعة أو عشرة، لا بأس بذلك أبداً، زكاة معجلة، أما التأخير فلا يجوز، بدليل أن الزكاة إنما تجب بشرطين: حولان الحول، وبلوغ النصاب، فلا يجوز تأخيرها، وعلى ذلك إجماع أهل العلم.
стр. 2032
وجه تبويب الإمام البخاري بقوله تعالى: (والله خلقكم وما تعملون) لحديث: (ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم)
ثم قال ﵀: (قوله ﵊: (ما أنا حملتكم، ولكن الله حملكم)، ترجم البخاري لهذا الحديث قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦]).
لقد كان الإمام البخاري أمة، وهذا دليل ساطع وبرهان بين على أن هذا الرجل كان مفتوحاً عليه من الله تعالى، فالإمام البخاري لما ذكر هذا الحديث بوب له بباب: ((وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ))، والمعلوم يقيناً عند أهل السنة والجماعة أن الله تعالى لا خالق غيره، ولا رب سواه، والله تعالى خلقنا وأعمالنا.
وهذه القضية كانت مثار جدال عظيم جداً فيما يتعلق بالفتنة التي مر بها الإمام أحمد مع الدولة العباسية، فيما يتعلق بكلام الله ، هل كلام الله تعالى مخلوق أم غير مخلوق؟ قالت المعتزلة: كلام الله تعالى مخلوق، وقال أهل السنة والجماعة: كلام الله تعالى صفة من صفاته، لازمة لذاته، يتكلم بما شاء، وكيف شاء، وفي أي وقت شاء، وكلام الله تعالى لما كان صفة من صفاته، فصفاته غير مخلوقة.
إذاً: فيكون كلامه غير مخلوق.
لكن العلماء بعد ذلك وقعوا في مسألة أخرى، وهي: هل اللفظ بالقرآن مخلوق أم غير مخلوق؟ لما عجزوا أن يجادلوا علماء أهل السنة فيما يتعلق بخلق القرآن، أثاروا الذعر في الأمة مسألة فرعية أخرى وهي: هل اللفظ بالقرآن مخلوق أم غير مخلوق؟ اللفظ مخلوق؛ لأن اللفظ هذا هو نطقك أنت، إذا تلوت آية من كتاب الله فإنما تخرج منك بحرف وصوت ولهاة وأضراس وأسنان ولسان يتكلم، فهذه الحركات التي تخرج مني الآن وتسمعون بها صوتي مخلوقة.
إذاً: هذه الحركات التي أفعلها الآن مخلوقة، تكلمت بالقرآن أو بغير القرآن، يعني: الآن لا أتكلم عن القرآن إنما أنا أتكلم عن طريقتي أنا كمخلوق في النطق، سواء نطقت بالقرآن أو بغير القرآن، فكل ما نعمل من خير وشر هو مخلوق لله .
فالإمام البخاري بوب لهذا الحديث: (ما أنا حملتكم، ولكن الله حملكم)، قال: باب: ((وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ))، يعني: أن النبي ﵊ لما أتته الإبل غنيمة دفعها إلى الأشعريين، فكون النبي ﵊ تسلم الغنيمة، ثم دفع منها ستة أو خمسة أو ثلاثة أبعرة للأشعريين، فهذا العمل أو هذه الحركة التي فعلها النبي ﵊ مخلوقة، ومع ذلك النبي ﵊ لم يملك ذلك؛ لأنها من أموال الغنائم، فالنبي ﵊ لم يحمل الأشعريين على الحقيقة، وما هو إلا عبارة عن أداة أخذت ثم أعطت، لكن المال في الحقيقة هو مال الله .
إذاً: أراد الإمام البخاري بهذا الباب أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، وهذا مذهب أهل السنة، خلافاً للمعتزلة كما قلنا.
قال النووي: (وقال الماوردي: معناه: أن الله تعالى آتاني ما حملتكم عليه، ولولا ذلك لم يكن عندي ما أحملكم عليه.
قال عياض: ويجوز أن يكون أوحى الله تعالى إليه أن يحملهم، أو يكون المراد دخولهم في عموم من أمر الله تعالى بالقسم فيهم).
стр. 2033
حكم لحم الدجاج والسمك
قال: (أما قوله في لحم الدجاج: (رأيت النبي ﷺ يأكل منه)، فيه إباحة لحم الدجاج وملاذ الأطعمة، والدجاج يطلق على الذكور والإناث).
من العجيب أن شخصاً يقول: الدجاج حرام، هل هناك من يقول: إن الدجاج حرام؟! الإمام النووي في القرن السادس الهجري يقول: وفي هذا الحديث دليل على أن لحم الدجاج حلال، فأحياناً نأخذ أقوالاً لأهل العلم نظن أنها من البديهيات، ثم نفاجأ بأنها من الأمور اللازمة فعلاً لإزاحة الغمة عن الأمة، كيف؟ عندما أسمع أن هناك شيخاً في هذا الزمان يقول: إن الكلب حلال طاهر يجوز أكله، ولحم الدجاج الأبيض نجس لا يجوز أكله، ما دليله الذي يزعمه، يقول: إن هذه الفراخ البيضاء أو الدجاج الأبيض إنما يأكل طعاماً قد اختلط بالدم، والدم المسفوح دم نجس، وبالتالي فإن الدجاج الذي يأكل هذا الطعام الذي اختلط بالدم يكون نجساً، نقول: لا يمكن أن يكون هذا أبداً فقهاً؛ لأن الذي يقرأ كتب الفقه يعلم أن هذا ليس فقهاً، وإذا كان هذا فقهاً فكبر على الأمة كلها أربعاً، إذا كان هؤلاء هم الفقهاء المتصدرون فلا حياة للأمة بهذا الشكل أبداً.
وقد دعاني أحد الإخوة إلى غداء فقال: ماذا تريد أن تأكل؟ قلت: أنا أحب السمك.
قال: وأنا أحرمه.
فقلت: يقول النبي ﵊ في البحر: (هو الطهور ماؤه، الحل ميتته)، فهذا نص صريح لا يجوز لنا الاجتهاد معه، ثم وصلت بالنقاش معه على هذا.
فهذا كلام لا يستحق النقاش، لابد أن يترك من أول وهلة؛ لأنه كلام لا يتفق مع قرآن، ولا مع سنة، ولا مع أقوال أهل العلم، ولا مع العقلاء، لكن صار كلاماً يحتاج إلى نقاش، فمثل من يقول: الظهر ثلاث ركعات، أو مثل من ينظر إلى الشمس ويقول: قد انتهى اليوم، وهي ما زالت في رابعة النهار، فهذا الكلام لا يحتاج إلى نقاش، بل يحتاج إلى نعال، فإذا بهذا الأخ يقول: أنا يغلب على ظني تحريم السمك؛ ولذلك أنا لا آكله عند أحد، قلت له: ولم؟ قال: لأن السمك يأكل لحم الأموات الذين يغرقون في البحار.
لو قال هذا الكلام أمام أناس عوام لصدقوه، يقول: كم من طائرات تسقط في البحر؟ وكم من سفن تغرق في البحر؟ ولحم الإنسان حرام، والسمك يأكله، فالسمك بهذا يكون حراماً.
هذا الكلام لا يمكن أبداً أن يصدق، ولا يمكن أبداً أن يكون ديناً، فأرجو ألا تكون هذه شبهة، ومطلوب مني الرد عليها.
فقوله: (في هذا الحديث إباحة لحم الدجاج، وملاذ الأطعمة، ويقع اسم الدجاج على الذكور والإناث) يعني: أن هذا الدجاج حلال، وهذا فيه الرد على من يقول: إنه حرام، بحجة أن كل مصانع الصناعات الغذائية التي تصنع أغذية الطيور والحيوانات يضيفون نسبة (١%) من الدم الناشف المجفف المعالج على الطعام.
أتتصورون أيها الإخوة أن التحريم متعلق بـ (١%)؟ أعطيكم مثالاً: لو أن راوياً روى مائة حديث، ولكنه خلط في حديث واحد، فهل نقبل المائة الحديث كلها ونعمل بها، أم نرد المائة حديث كلها؛ لأجل أنه خلط في حديث واحد غير معلوم لنا؟ نأخذ الكل، وهذا الكلام محل اتفاق، فلا أحد يخالف فيه؛ لأن النبي ﵊ يقول: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث)، معنى ذلك: أن الكثرة دائماً تغفر الإساءة، فأنت عندما تدخل بلاداً وتجد فيها شخصاً خبيثاً وبقية أهل القرية كلهم طيبين، لا يمكن أن تخرج أبداً من هذه القرية بحكم أن في هذه القرية واحداً منهم غير مرغوب فيه، فهذا ظلم في الحكم على الآخرين.
فالدجاج يأكل نسبة دم (١%) و (٩٩%) من الغذاء حلال، من يقول: إن هذا الطعام حرام أكله، فضلاً أن نتاج هذا الطعام يحرم من باب أولى؟ ما يقول هذا إلا إنسان بالفعل قد فقد عقله، إنسان مخبول، فالبيضة حلال من باب أولى.
يقول النبي ﵊ كما في حديث النعمان بن بشير في الصحيحين: (الحلال بين والحرام بين)، وقد شرحنا هذا الحديث مراراً، حتى لا يقول أحد: هذا الطعام الذي يعد للدجاج الأبيض محل شبهة، نقول: لا، ليس شبهة، فنسبة (١%) لا تعد شبهة؛ لأنه لا يصح أبداً أن نجعل ديننا كله عبارة عن شبهات، نتوقف في كل شيء لأجل أن فيه شبهة، ولا أريد أن أعيد هذا الكلام؛ لأننا شرحنا هذا الحديث في أربع محاضرات، فيغني عن إعادته، فلا أريد أن أسمع شخصاً يقول: إن طعام الدجاج فيه شبهة لأجل (١%) من دم في وسط (٩٩%) من طعام حلال، فلا خلاف على حله.
стр. 2034
أقسام اليمين باعتبار المحلوف عليه
الأصل أن يفي الحالف باليمين، ويجوز له العدول عن الوفاء إذا رأى في ذلك مصلحة راجحة وبراً وتقوى، كما قال الله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [البقرة:٢٢٤]، أي: لا تجعلوا الحلف بالله مانعاً لكم من البر والتقوى والإصلاح، فتقول: أنا أعرف أن هذا بر وتقوى وإصلاح، لكن أنا حلفت، نقول: لا يكون اليمين عائقاً في طريق البر والتقوى والإصلاح، بل جعل الله تعالى لنا فسحة الرجوع عما حلفنا لمصلحة أرجح، وهي تحصيل البر والتقوى والإصلاح.
وقال الله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم:٢]، أي: شرع الله لكم تحليل الأيمان بعمل الكفارة، وجاء في الحديث: (إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها؛ فائت الذي هو خير، وكفر عن يمينك).
يقول سيد سابق ﵀: (أقسام اليمين باعتبار المحلوف عليه).
يعني: أحياناً يكون حراماً، وأحياناً يكون مكروهاً، وأحياناً يكون واجباً، وأحياناً يكون مستحباً، وأحياناً يكون مندوباً، فذكر فيه الأحكام الشرعية الخمسة.
قال: (أن يحلف على فعل واجب أو ترك محرم، فهذا يحرم الحنث فيه؛ لأنه تأكيد لما كلف الله تعالى به عباده) كالذي يقول: والله لأبرن والدي، فهو حلف على شيء واجب عليه ابتداء، أو يقول: والله لا أزني، والله لا أسرق؛ لأنه في هذه الأبواب ينطلق لا يلوي على شيء، تأتيه الفاجرة فيفجر بها، أو يتيسر له المال الحرام فيسرقه أو ينهبه، فهو بهذا اليمين أراد أن يربي نفسه، ولا سبيل له إلا اليمين؛ فقال: والله لا أسرق بعد ذلك، هذا يمين واجب، فهو يحلف على ترك محرم؛ فهذا يحرم الحنث فيه؛ لأنه لو حنث فقد وقع في حرام آخر، وقع في الزنا والسرقة.
إذاً: الأول: أن يحلف على فعل الواجب وترك المحرم، فالحنث فيها من أعظم المعاصي في هذه الحالة؛ لأنه سيجمع بين معصيتين: التفريط في الواجب، وفعل المحرم، والوقوع في الحنث.
النوع الثاني: (أن يحلف على ترك واجب، يقول: والله لا أزور والدتي) هذا المثال واضح، وهو بلاء عام مستشر في المجتمع، لكن لو قال: والله لأضربن زوجتي، فإذا كان هناك موجب للضرب، وذلك بأن يكون قد تدرج معها في الإصلاح، حتى تعين في حقه لها الضرب لأجل الإصلاح؛ فحينئذ يجب عليه أن يضرب للإصلاح لا للانتقام، لكن إذا لم تأت زوجته بموجب الضرب، ولم تفعل فعلاً يستوجب ضربها، ثم هو يقول: والله لأضربنها؛ فهذا قد حلف على فعل محرم، فهذا يجب الحنث فيه؛ لأنه حلف على معصية، كما تجب الكفارة في ذلك.
الثالث: (أن يحلف على فعل مباح أو ترك هذا المباح؛ فهذا يكره فيه الحنث ويندب البر).
الرابع: (أن يحلف على ترك مندوب أو فعل مكروه؛ فالحنث مندوب، ويكره التمادي فيه، وتجب الكفارة).
الخامس: (أن يحلف على فعل مندوب أو ترك مكروه فهذا طاعة لله تعالى، فيندب له الوفاء، ويكره الحنث.
أما قول الله : ﴿لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة:٢٢٥]، لغو اليمين أن يقول: لا والله، وبلى والله، فهذا كلام درجت عليه الألسنة دون أن تقصد حقيقة اليمين، فهذا لا كفارة فيه، ولا يأثم في لغو اليمين.
لقد تدرج الناس من الحلف بالله إلى الحلف بأشياء أخرى، تجد الشخص يحلف باستمرار: علي الطلاق إلا ما شربت معي الشاي، عليّ الطلاق إلا ما أكلت معي, امرأتي طالق إذا لم تأت معي، وكثير من التطليقات تقع بهذا، يقول الإمام الماوردي: مثل هذه المصطلحات وضعها الشارع لأداء مهمة معينة في حياة المكلفين، فلا يجوز التلاعب بها.
стр. 2035
الألفاظ الصريحة في الشرع لا تستعمل لغير معناها المراد أصلاً
يقول العلماء: قول الرجل لامرأته: أنت طالق، هذا لفظ صريح، واللفظ الصريح لا يحتاج معه إلى نية.
بخلاف اللفظ الضمني، لو قال لامرأته: اخرجي من بيتي، أو اغربي عن وجهي، أو الحقي بأهلك، فنقول له: ما هي نيتك في ذلك؟ لأن هذه اللفظة يجوز أن تكون للتهديد، ويجوز أن تكون لمجرد الزيارة؛ فقوله لها: الحقي بأهلك يعني: اذهبي لزيارتهم؛ لأنها لم تزرهم من مدة طويلة، ففي هذه الحالة لابد من سؤاله عن نيته، لكن لو كان اللفظ صريحاً، كأن يقول لها: أنت طالق، ففي هذه الحالة هذا طلاق واضح، سواء قصد أو لم يقصد، نوى إيقاع الطلاق أو لم ينو؛ لأنه صريح لا يحتاج إلى نية، فإذا قال: أنا لم أنو، نقول: لا تتلاعب بألفاظ الشرع؛ لأن الشارع قد وضع لفظ: (أنت طالق) لإيقاع الطلاق، فلا يجوز أن تستخدم هذا اللفظ في غير محله، وما أعد له في الشرع.
فمثلاً: أحد كبار القوم يفتي ويقول: من لم يخرج ثلاثة أيام في الشهر، أو أربعين يوماً في السنة، أو أربعة أشهر في العمر فهو كافر مرتد، هكذا قال، وهو من كبار القوم، فلما ناقشناه في ذلك، قال: أنا ما قلت، وهذا الكلام ملفق علي، فلما وجدنا الشريط الموجود فيه هذا الكلام، وسمعه بنفسه، أحرج، فأراد أن يخرج من هذا، وقال: معذرة، نحن معاشر الجماعة لنا معان خاصة لمصطلحات خاصة.
نقول: هذا كلام لا يوافق شرعاً ولا لغة؛ لأن الشارع وضع كلمة (مرتد) لشيء معين، وكلمة (كافر) لشيء معين؛ فلا يجوز التلاعب بهذه المصطلحات التي لها مدلول صريح، فأنا عندما أقول: فلان هذا كافر مرتد، ماذا تفهم من ذلك؟ تفهم منه أنه خرج من الملة، فلا يجوز استخدام هذه المصطلحات في غير ما وضعت له لغة ولا شرعاً، أما أن تطلقها على الناس وبعد ذلك تقول: هذه مصطلحات خاصة، فبأي دليل صارت هذه المعاني خاصة؟ هذا هروب من المأزق فقط، لكن هب أننا سنسلم أن لها معاني معينة مخصوصة عندكم في الجماعة، فهذه الجماعة تتكون من أناس لا علاقة لهم بالعلم الشرعي، ولا بالتكاليف الشرعية، بل ربما معظمهم لا يصلي ولا يصوم، وقد جمعتهم من المقاهي والطرقات وغير ذلك، ثم أنت تسمعهم وعلى الملأ في خطبة الجمعة هذا الكلام، فإنه قد يأتي إلي أنا ويسألني: هل خرجت يا شيخ؟! فأقول له: لا، فيقول: أنت كافر مرتد.
إذاً: هذه الجماعات ستتحول من صوفية إلى خوارج في المستقبل، أن تتكون لدى عامة الجماعة فكرة أن من ترك الخروج فهو مرتد وكافر.
قبل ذلك كنا نعاني من جماعة التكفير، ولا زلنا نعاني منهم بعض الشيء، لكن بحدود، وأنا أخشى في المستقبل أن نعاني من هذه الجماعة، جماعة الدعوة والتبليغ.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2036
شرح صحيح مسلم - كتاب الأيمان والنذور - يمين الحالف على نية المستحلف
من حفظ الشريعة لحقوق الناس أن جعلت يمين الحالف على نية المستحلف، وأنه لا يجوز التورية والمعاريض في الأيمان المتعلقة بالحقوق، وخاصة عند التخاصم أمام القاضي، أما في غير الحقوق فتجوز التورية والمعاريض حتى عند القاضي، خاصة إذا ألزمه بالحلف بغير الله تعالى، كالحلف بالطلاق والعتاق، ولا يجوز الاستثناء في اليمين إلا باتصال الاستثناء باليمين، وكون الحالف قد نوى الاستثناء قبل الفراغ من اليمين؛ لأن الاستثناء المتصل باليمين يمنع انعقاده.
стр. 2037
باب يمين الحالف على نية المستحلف
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
وهذا هو الباب الرابع من كتاب الأيمان.
قال النووي رحمه الله تعالى: (باب يمين الحالف على نية المستحلف) يعني: اليمين ليس على نية الحالف، إنما على نية المستحلف، فإذا حلَّفك القاضي يميناً فلا يصح لك أن توَرِّي في هذا اليمين، أو تستخدم المعاريض؛ لأن القاضي لا يحلِّف أحداً إلا إذا كانت هذه الخصومة يترتب عليها إثبات حقوق للآخرين أو نفيها، فحينئذ هذه اليمين لا تصح فيها التورية؛ لأنها تمنع الآخرين حقهم، أو تثبت حقاً لإنسان ليس له حق، فلا يصح أن تتذرع بعد استحلاف القاضي لك أنك ما كنت تقصد ما حلفت عليه؛ لأن هذا بإجماع أهل العلم غير جائز.
стр. 2038
شرح حديث: (يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا يحيى بن يحيى وعمرو الناقد، قال يحيى: أخبرنا هشيم بن بشير عن عبد الله بن أبي صالح، وقال عمرو: حدثنا هشيم بن بشير أخبرنا عبد الله بن أبي صالح] عبد الله بن أبي صالح لأول مرة تقريباً يمر معنا، وقيل: اسمه عباد، وقال بعض أهل النقد: عبد الله، فبعضهم يجعل عبد الله اسماً وعباداً لقباً، وبعضهم يجعل اسمه عباداً وعبد الله لقباً له، وهو ابن أبي صالح السمان ذكوان، وله أخ مشهور بالرواية هو سهيل بن أبي صالح الذي يروي عن أبيه عن أبي هريرة غالباً، فـ سهيل إمام كبير ثقة، مكثر للرواية، بخلاف عباد أو عبد الله فإنه مقل جداً في الرواية، كما أنه في العدالة والتوثيق يقل عن أخيه كثيراً.
قال: [أخبرنا عبد الله بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك -وقال عمرو -: يصدقك به صاحبك)] أي: يمينك على ما يستحلفك عليه صاحبك، فهو يطلب منك أن تصدقه في مراده.
стр. 2039
شرح حديث: (اليمين على نية المستحلف)
قال: [وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا يزيد بن هارون عن هشيم عن عباد بن أبي صالح -وهو عبد الله المذكور في الإسناد الأول- عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (اليمين على نية المستحلِف)] وهذا اسم فاعل، بخلاف المستحلَف فإنه اسم مفعول، فليس اليمين على نية المستحلَف، وإنما هو على نية الحالف.
стр. 2040
مذهب الشافعية في معنى حديث: (اليمين على نية المستحلف)
قال النووي: (وهذا الحديث محمول على الحلف باستحلاف القاضي) يعني: هذا الحديث محمول على فض المنازعات والخصومات وغيرها، واستحلاف القاضي للخصوم أو للشهود على نية المستحلِف، أي: على نية القاضي الذي طلب منك اليمين أن تقسمه على إثبات شيء أو نفيه، وهذا محل إجماع، واختلف بعد ذلك إذا لم يكن المحلف هو القاضي، فمنهم من قال: لا يحنث ولا يأثم بذلك إذا ورى، ومنهم من قال: يأثم ويحنث، ولا تقبل منه التورية، لكن المسألة المجمع عليها أن القاضي إذا حلَّف متهماً أو خصماً أو شاهداً فلا تصح التورية من المستحلَف حينئذ.
ثم قال: (فإذا ادعى رجل على رجل حقاً، فحلفه القاضي فحلف، وورَّى فنوى غير ما نوى القاضي؛ انعقدت يمينه على ما نواه القاضي -لا على ما نواه المستحلِف- ولا تنفعه التورية، وهذا مجمع عليه، ودليله هذا الحديث والإجماع).
والتورية: هي أن توهم الذي أمامك إذا سألك سؤالاً أنك تجيب على عين السؤال، وإجابتك تصلح أن تكون لأكثر من سؤال.
مثال ذلك: إذا طرق عليك الباب أحد، فردت امرأتك من خلف الباب فسألها الطارق: فلان موجود، فقالت: ليس موجوداً هنا، وتشير إلى مكان بعينه تقصده، أي: خلف الباب، وأنت في غرفة من الغرف، فهي قد ورَّت في كلامها، واستخدمت المعاريض في كلامها، كما لقي بعض المشركين النبي ﷺ وهو في طريقه إلى المدينة، وهم لو عرفوه لقصدوا قتله، فلما لقوه هو ومن معه قالوا: (من أين القوم؟ فقال النبي ﵊: نحن من ماء)، يقصد: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء:٣٠]، فهو لم يكذب، لكنه أراد شيئاً، والسائل أراد شيئاً آخر.
فهذه هي التورية أو المعاريض، ولها صور أخرى حتى لا يسميها أحد بالكذب، وكما قال السلف: (إن في المعاريض مندوحة عن الكذب).
فإذا طلب القاضي من إنسان أعمى أن يحلف اليمين: هل رأيت فلاناً يفعل كذا، فيقول الشاهد الأعمى: لا والله ما رأيته، مع أنه سمعه، فالقاضي من كثرة ما اعتاد أن يحلِّف اليمين على نحو معين، قال لهذا الشاهد الأعمى الذي جيء به ليشهد أنه سمع: هل رأيت فلاناً يقول كذا؟ فيقول: لا والله ما رأيته.
فيمضي القاضي شهادته على ما ورى به.
والأصل أن اليمين تنعقد على نية القاضي، أما يمين هذا المستحلَف فلا تصح منه؛ لأنه استخدم المعاريض.
وانعقاد الإجماع على أن اليمين على نية القاضي؛ لتعلق هذا اليمين بحقوق الآخرين.
ثم قال: (فأما إذا حلف بغير استحلاف القاضي وورَّى تنفعه التورية، ولا يحنث، سواء حلف ابتداء من غير تحليف، أو حلفه غير القاضي وغير نائبه في ذلك، ولا اعتبار بنية المستحلِف غير القاضي).
يعني: هم يفرقون بين حالتين: في حالة أن تذهب إلى المحكمة فيحلفك القاضي، فهذا فيه الإجماع على أن اليمين على نية المستحلِف لا على نية المستحلَف.
أما لو ذهبت أنت إلى المحكمة ولم يحلفك القاضي أو نائبه، وإنما أنت ابتدرته باليمين دون استحلاف منه، واستخدمت في يمينك تورية، وقصدت ما كان مطلوباً منك مستخدماً التورية، فتنفعك التورية، ولا تحنث في يمينك، سواء حلفت ابتداءً من غير تحليف، أو حلفك غير القاضي وغير نائبه، ولا اعتبار لنية المستحِلف من غير القاضي أو نائبه.
ثم قال: (وحاصله أن اليمين على نية الحالف في كل الأحوال، إلا إذا استحلفه القاضي أو نائبه في دعوى توجهت عليه فتكون على نية المستحلف وهو مراد الحديث) يعني: اليمين على نية الحالف في كل الأحوال إلا في حالة واحدة، وهي إذا حلفه القاضي.
ثم قال: (أما إذا حلف عند القاضي من غير استحلاف القاضي في دعوى؛ فالاعتبار بنية الحالف لا بنية المستحلِف، وسواء في هذا كله اليمين بالله تعالى أو بالطلاق والعتاق، إلا أنه إذا حلفه القاضي بالطلاق أو بالعتاق؛ تنفعه التورية) لأنه لا يجوز للقاضي أن يحلف أحداً إلا بما ينعقد به اليمين الشرعي، وهو بالله وأسمائه وصفاته.
فإذا قال: عبدي معتق إن كان كذا، أو إن لم يكن كذا، فلا يعتق العبد عند جماهير العلماء، وكذلك إذا قال: امرأتي طالق إن كان كذا، فلا تطلق امرأته عند جمع من العلماء.
قال: (وسواء في ذلك كله اليمين بالله تعالى، أو بالطلاق أو العتاق، إلا أنه إذا حلفه القاضي بالطلاق أو بالعتاق تنفعه التورية، ويكون الاعتبار بنية الحالف؛ لأن القاضي ليس له التحليف بالطلاق والعتاق، وإنما يستحلِف بالله تعالى).
يعني: إذا حلفك القاضي بالله؛ فلا يجوز لك أن توري، أما إذا حلفك بالطلاق فوريت في هذا فتنفعك التورية؛ لأنه لا يحل للقاضي أن يحلفك بالطلاق ولا بالعتاق، فلو أن اسم امرأتك (طالق) في البطاقة الشخصية، فقال القاضي: قل: امرأتي طالق ما فعلت كذا، القاضي يقصد اليمين، وهذا يقصد ذكر اسمها، فقال: امرأتي طالق ما فعلت كذا، فهو ورى وقصد ذكر اسم امرأته.
وكذلك لو حلفه القاضي وقال: قل: امرأتي طالق، فقال: بل امرأتي طلاق، فقبل القاضي منه ذلك؛ لأنه يعلم الفرق بين كلمة طالق وطلاق، فطلاق أبلغ، ثم أُخبِرَ القاضي بعد ذلك ب
стр. 2041
مذهب المالكية في معنى حديث: (اليمين على نية المستحلف)
قال النووي: (ونقل القاضي عياض عن مالك وأصحابه في ذلك اختلافاً وتفصيلاً، فقال: لا خلاف بين العلماء أن الحالف من غير استحلاف ومن غير تعلق حق بيمينه له نيته، ويقبل قوله).
يعني: إذا حلف من غير أن يستحلفه أحد فيوري، أو حلف بعد أن يحلفه أحد غير القاضي كذلك له أن يوري، لكن نتيجة هذا الحلف لا يتعلق بها حق للآخرين، فلو حلف مستخدماً التورية أو المعاريض؛ فإنه لا يأثم بذلك ويقبل قوله.
ثم قال: (وأما إذا حلف لغيره في حق أو وثيقة متبرعاً، أو بقضاء عليه؛ فلا خلاف أنه يحكم عليه بظاهر يمينه، سواء حلف متبرعاً باليمين أو باستحلاف) يعني: لو ابتدأ هو اليمين، أو حلفه الآخرون؛ فإنه حينئذ يأثم، وتلزمه التوبة.
ثم قال: (وأما فيما بينه وبين الله تعالى فقيل: اليمين على نية المحلوف له).
اختلف المتأخرون في إعادة الضمير في قوله: (له) هل هو المفعول له إذا أتى الشاهد فحلِّف، فلا شك أنه يحلف لمصلحة أحد المتنازعين، فهل المقصود في عود الضمير في قوله: (على نية المحلوف له) هل هو أحد الخصمين المتنازعين، أو المحلوف له، أي: القاضي؟ على خلاف، الراجح أنه القاضي، واليمين حينئذ على نية المستحلِف وهو القاضي.
ثم قال: (وقيل: على نية الحالف، وقيل: إن كان مستحلَفاً؛ فعلى نية المحلوف له، وإن كان متبرعاً باليمين؛ فعلى نية الحالِف، وهذا قول عبد الملك وسحنون، وهو ظاهر قول مالك وابن القاسم، وقيل عكسه، وهي رواية يحيى عن ابن القاسم، وقيل: تنفعه نيته فيما لا يقضى به عليه، ويفترق التبرع وغيره فيما يقضى به عليه، وهذا مروي عن ابن القاسم أيضاً.
وحكي عن مالك أن ما كان من ذلك على وجه المكر والخديعة فهو فيه آثم حانث، وما كان على وجه العذر فلا بأس به) يعني: إذا كنت تحلف وتستخدم التورية على سبيل المكر والخديعة، فأنت تأثم بذلك، حتى وإن كنت المبتدئ باليمين.
أما إذا استخدمت التورية وحلفت، وكان على وجه العذر، فأنت معذور في ذلك، ولا بأس عليك.
ثم قال: (وقال ابن حبيب -من المالكية- عن مالك: ما كان على وجه المكر والخديعة فله نيته، وما كان في حق فهو على نية المحلوف له.
قال القاضي: ولا خلاف في إثم الحالف بما يقع به حق غيره، وإن ورَّى، والله أعلم).
إذاً: اليمين على نية المستحلِف، خاصة إذا كان المستحلِف قاضياً، فإذا حلفك القاضي بالله فلا يحل لك أن توري في هذا اليمين، هذا أمر.
الأمر الثاني: إذا كان هذا اليمين متعلقاً بحق الآخرين، فهذا أوكد في أن اليمين على نية المستحلِف، أما إذا حلفت على شيء مبتدئاً بالله تعالى، فلا يجوز لك كذلك أن توري، وهذا هو الراجح في مذهب المالكية دون الشافعية.
ونقلنا الإجماع على أن المقصود بهذا القاضي.
على أية حال يترجح لدي في نهاية الأمر مذهب مالك: أن اليمين على نية المستحلِف، خاصة إذا كان المستحلِِف هو القاضي؛ لتعلق حقوق الآخرين به، وهذا أوكد في حرمة التورية إذا حلفك القاضي بالله تعالى.
أما إذا ابتدرت أنت اليمين، فالراجح من مذهب مالك لا يحل لك التورية؛ لأن الذي أمامك إنما يحملك على ظاهر قولك، ويسمع منك هذا، فإذا كان الذي أمامك يقبل منك ظاهر قولك، وتريد أن تستخدم التورية والمعاريض فلا بأس بذلك بغير يمين.
هذا هو الذي يترجح لدي في الباب كله من أوله إلى آخره.
стр. 2042
باب الاستثناء
قال: (باب الاستثناء).
الاستثناء: هو ما جاء بعد (إلا) غالباً، أو ما كان معلقاً على المشيئة، حتى وإن سبقه يمين، كما لو قلت: والله لأفعلن كذا إلا أن يشاء الله، فقولك: والله لأفعلن كذا، هذا يمين قد انعقد على الجزم بفعل هذا الشيء، فإن لم تفعله ستحنث في اليمين ويلزمك الكفارة، أما إذا قلت: والله لأفعلن كذا إلا أن يشاء الله، أي: إلا أن يشاء الله ألا أفعله فلا أفعله، هذا هو التقدير، فإذا لم تستثن وحنثت لزمتك الكفارة.
والاستثناء دائماً رافع للكفارة، كما قال النبي ﵊: (من حج أو اعتمر فأهل وشرط؛ فلا حنث عليه).
وقال للمرأة: (أهلي واشترطي على ربك، وقولي: لبيك اللهم عمرة أو حجاً، فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني) يعني: تشترط من الميقات.
بعض الناس يتصور أن الدخول في الإهلال والنسك بمجرد لبس الإزار والرداء، وليس الأمر كذلك، حتى لو لبستهما من بيتك فإن النسك لا ينعقد إلا في الميقات المكاني، وهو لأهل مصر الجحفة أو رابغ، ولأهل اليمن يلملم، وللعراق ذات عرق، وللمدينة ذو الحليفة، قال النبي ﵊: (هن لهن -أي: هذه المواقيت- ولمن مرَّ بهن من غير أهلهن، لمن أراد الحج أو العمرة).
فهذه المواقيت هي بداية الدخول والتلبس بالنسك، لكن هب أنك قلت: لبيك اللهم عمرة! ثم بدأت تلبي حتى وصلت إلى المطار أو الميناء أو غير ذلك، فإذا هناك من الأعذار ما يسمح للقائمين على الأمر إلى ردك لبلدك، كأن تكون الفيزة مثلاً غير صحيحة، أو أوراقك غير رسمية أو غير ذلك من الأعذار، فأرجعوك إلى صالة المغادرة، وركبت الطائرة ورجعت إلى بلدك، فماذا عليك حينئذ؟ الذي عليك أن تذبح شاة لفقراء الحرم؛ لأنك لم تشترط ولم تقل: فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، أما لو اشترطت فأرجعوك فلا شيء عليك ولا دم؛ لأنك قلت: يا رب! أنا تلبست بنسك، فإن حبسني حابس فمحلي، أي: فتحللي من ملابس الإحرام ومواصلة النسك حيث حبستني، أي: في نفس المكان الذي حبستني فيه، ولا حرج علي حينئذ، ولا دم علي حينئذ، فدائماً الاستثناء والاشتراط في اليمين يقطع الحنث، كما يقطع كذلك الكفارة.
فلو قلت مثلاً: والله إني لا أزور فلاناً قط إلا أن يشاء الله، فهذا قد تحقق الشرط المستثنى، وهذا الاستثناء يمنع انعقاد اليمين.
стр. 2043
شرح حديث أبي هريرة في طواف سليمان بن داود على نسائه في ليلة واحدة
قال: [حدثني أبو الربيع العتكي وأبو كامل الجحدري فضيل بن حسين واللفظ لـ أبي الربيع، قالا: حدثنا حماد بن زيد البصري، حدثنا أيوب بن أبي تميمة السختياني البصري عن محمد بن سيرين البصري عن أبي هريرة ﵁ قال: (كان لسليمان ستون امرأة، -أي: سليمان بن داود ﵉ فقال: لأطوفن عليهن الليلة)].
الطواف كناية عن الجماع، كأنه قال: لأجامعن نسائي الليلة كلهن.
ثم قال: [(فتحمل كل واحدة منهن، فتلد كل واحدة منهن غلاماً فارساً يقاتل في سبيل الله، فلم تحمل منهن إلا واحدة، فولدت نصف إنسان؛ فقال رسول الله ﷺ : لو كان استثنى؛ لولدت كل واحدة منهن غلاماً فارساً يقاتل في سبيل الله)].
يعني: لو قال: إن شاء الله.
قال: [وحدثنا محمد بن عباد وابن أبي عمر واللفظ له، قالا: حدثنا سفيان بن عيينة عن هشام بن حجير المكي عن طاوس بن كيسان اليماني عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (قال سليمان بن داود نبي الله: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة، كلهن تأتي بغلام يقاتل في سبيل الله، فقال له صاحبه أو الملك: قل: إن شاء الله، فلم يقل، ونَسِي)].
وفي رواية: (ونُسِّي).
فقوله: (صاحبه أو الملك) يعني: ربما يكون أحد أصدقائه، وربما يكون القرين من الملائكة.
ثم قال: [(فلم تأت واحدة من نسائه، إلا واحدة جاءت بشق غلام، فقال رسول الله ﷺ : ولو قال: إن شاء الله لم يحنث، وكان دركاً له في حاجته)] أي: كان لحاقاً له في حياته.
قال: [وحدثنا ابن أبي عمر العدني محمد بن يحيى حدثنا سفيان بن عيينة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ﷺ مثله أو نحوه.
وحدثنا عبد بن حميد أخبرنا عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليمني أخبرنا معمر بن راشد البصري اليمني عن عبد الله بن طاوس عن أبيه طاوس عن أبي هريرة قال: (قال سليمان بن داود: لأطيفن الليلة على سبعين امرأة)].
(أطيفن) و (أطوفن) هما لغتان فصيحتان.
قال: [(لأطيفن الليلة على سبعين امرأة تلد كل امرأة منهن غلاماً يقاتل في سبيل الله، فقيل له: قل: إن شاء الله، فلم يقل، فأطاف بهن، فلم تلد منهن إلا امرأة واحدة نصف إنسان، قال: فقال رسول الله ﷺ : لو قال: إن شاء الله لم يحنث، وكان دركاً لحاجته)].
أي: كان دركاً ولحاقاً لتحقق مراده، وهو أن يرزق من كل امرأة بولد، ولكنه لم يرزق من أي امرأة بإنسان؛ لأنه لم يقل: إن شاء الله، ولم يستثن.
قال: [وحدثني زهير بن حرب - أبو خيثمة النسائي نزيل بغداد- حدثنا شبابة -وهو ابن سوار المدائني نسبة إلى المدائن ببلاد فارس- حدثني ورقاء -هو ابن عمر اليشكري أبو بشر الكوفي نزيل المدائن- عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (قال سليمان بن داود: لأطوفن الليلة على تسعين امرأة)].
بعض الحمقى وإن شئت فقل: بعض الملاحدة يرد هذا؛ وحجته في ذلك أمران: الأمر الأول: اضطراب هذه الروايات، مرة ذكر تسعين، ومرة سبعين، ومرة ستين، وفي غير الصحيح أكثر من تسعين، كما جاء في رواية: (لأطوفن الليلة على نسائي التسع والتسعين)، وفي رواية: (لأطوفن الليلة على مائة امرأة)، قال: هذا اضطراب.
الأمر الثاني: كيف لرجل أن يطوف على هذا العدد، وهذا معلوم استحالته في حق أي بشر.
و
الجواب
أن هذا العدد له مفهوم يسمى عند الأصوليين: مفهوم العدد، فهل مفهوم العدد حجة؟ مذهب جماهير الأصوليين أن مفهوم العدد ليس بحجة، وإنما المراد منه الكثرة، وليس المراد اعتبار عين العدد، كما لو قلت لصاحبك: أنا اتصلت بك مائة مرة، أو أتيتك للزيارة مائة مرة ولم أجدك، وفي حقيقة الأمر أنت ما أردت تحديد العدد، أنك حقاً أتيت مائة مرة عداً، وإنما أردت أن تخبره أنك أتيته كثيراً.
إذاً: مفهوم العدد عند جماهير العلماء ليس بحجة، وإنما المراد ذكر الكثرة؛ هذا أحد وجوه الرد.
الرد الثاني: أن سياق الروايات ليس سياق حصر، قال: (لأطوفن الليلة على ستين امرأة)، وفي رواية: (سبعين امرأة)، وفي رواية: (تسعين امرأة)، وفي رواية: (تسعة وتسعين)، وفي رواية: (مائة) فهل ثبت أن سليمان بن داود كان مت
стр. 2044
كلام النووي في أحاديث باب الاستثناء
стр. 2045
من فوائد حديث أبي هريرة في طواف سليمان بن داود على نسائه في ليلة واحدة
قال الإمام النووي: (في هذا الحديث فوائد: منها: أنه يستحب للإنسان إذا قال: سأفعل كذا أن يقول: إن شاء الله؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً * إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف:٢٣ - ٢٤]).
واستخدام المشيئة دائماً يكون في أمر مستقبلي، بخلاف الحمد فإنه في أمر قد مضى.
فمثلاً: لا تقل: أنا فعلت كذا بالأمس إن شاء الله؛ لأنه لا وجه له؛ لكن تقول: أنا فعلت كذا بالأمس والحمد لله، فهو كلام مستقيم جملة وتفصيلاً، ولا تقل: أنا سأفعل كذا غداً والحمد لله، بل قل: أنا سأفعل كذا غداً بإذن الله، أو بمشيئة الله، أو إن شاء الله.
إذاً: فتعليق العمل على المشيئة يكون في أمر مستقبلي، أما إذا كان في الماضي فإنه يتعلق بالحمد.
ثم قال: (ومنها: أنه إذا حلف وقال متصلاً بيمينه: إن شاء الله تعالى؛ لم يحنث بفعله المحلوف عليه، وأن الاستثناء يمنع انعقاد اليمين؛ لقوله في هذا الحديث: (لو قال: إن شاء الله لم يحنث، وكان دركاً لحاجته)).
هنا يذكر شرطاً مهماً، وهذا الشرط محل اتفاق، وهو أنه لو وصل الاستثناء بالحلف، فقال: والله العظيم لأفعلن كذا يوم الجمعة القادمة إن شاء الله، فهذا لم يقع فيه نزاع، إذا لم يفصل بين اليمين والاستثناء فإنه لا ينعقد به يمين، ولا يحنث لمخالفة هذا اليمين، لكن لو قال لولده: والله لو فعلت كذا لأضربنك، وفي اليوم التالي قال: إن شاء الله، فلا يصح، أما لو قال لولده: والله لو فعلت كذا لأضربنك إن شاء الله، ففعل الولد المحلوف عليه؛ فلا يلزم الأب هذا اليمين، ولو ترك الضرب لولده لم يحنث؛ لأنه علق الضرب على مشيئة الله، وقد شاء الله ألا يضربه؛ فلا يحنث بهذا اليمين، ولا تلزمه الكفارة.
стр. 2046
شروط صحة الاستثناء
قال: (ويشترط لصحة هذا الاستثناء شرطان: أحدهما: أن يقوله متصلاً باليمين).
أن يقول: والله لأفعلن كذا إن شاء الله، والله لأتركن كذا إن شاء الله.
إذاً: فتعليق المشيئة يكون متصلاً باليمين.
ثم قال: (والثاني: أن يكون نوى قبل فراغ اليمين أن يقول: إن شاء الله تعالى) وهذا الشرط محل نزاع: قال البعض: متى تنعقد هذه النية، قبل أن يحلف، أم في مبتدأ اليمين، أم في أثناء اليمين، أم قبل أن يفرغ من اليمين؟ كل رأي من هذه الآراء قال به بعض أهل العلم.
الشرط الأول وهو أن يتصل الاستثناء باليمين، هو محل اتفاق.
أما الشرط الثاني، فمثاله: لو قلت لولدي: لو فعلت كذا لأضربنك، فأدركت نفسي وقلت: إن شاء الله، فمتى انعقدت النية؟ في آخر اليمين، صحيح أن الكلام متصل، لكن النية انعقدت في آخر اليمين.
بخلاف ما أن أسمع صوته في الشارع وأعرف أنه إنسان مشاغب ومشاكس، فأخرج له ناوياً تهديده وتعليق الضرب بالمشيئة، فأقول له: والله لأضربنك إن شاء الله، فالكلام كله متصل، وهذا ليس فيه نزاع.
ثم قال: (قال القاضي: أجمع المسلمون على أن قوله: (إن شاء الله) يمنع انعقاد اليمين بشرط كونه متصلاً).
يعني: الاستثناء يجعل اليمين غير منعقدة، بمعنى أنك لو خالفت ما نويت عليه لا تحنث ولا تلزمك الكفارة؛ لأن الاستثناء يبطل اليمين، فلو قلت له: والله لأضربنك إن شاء الله، فتركت ضربه فلا حرج عليك، ولا إثم ولا كفارة ولا حنث؛ لأنه ليس يميناً.
ثم قال: (ولو جاز منفصلاً كما روي عن بعض السلف؛ لم يحنث أحد قط في يمين، ولم يحتج إلى كفارة) يعني: خالف بعض أهل العلم وقالوا بجواز أن يكون الاستثناء منفصلاً، فيرد القاضي عياض عليهم ويقول لهم: إذا جاز الاستثناء منفصلاً لا يحنث أحد قط في يمين، كما لا يحتاج أحد قط إلى كفارة يمين، فإذا كنتم تتفقون معنا في أن اليمين منعقدة، وأن الحالف الحانث تلزمه الكفارة لأنه حنث في يمينه؛ فحينئذ يلزمكم أن تقولوا بإثبات الاتصال، وبعدم جواز الانفصال في الاستثناء.
فمثلاً: لو أن شخصاً يشرب ماء بارداً ومزاجه جيد للغاية، ويقول لزوجته: يا أم محمد! فتجيب عليه: نعم؟ فيقول لها: أنت طالق! فهو غير غضبان، ولا سكران، بل يأكل ويشرب وهو مستريح للغاية، ثم يذهب إلى شيخ ليفتيه فيقول له: ماذا فعلت؟ فيقول: أنا كنت أمزح معها! فيفتيه المفتي بأن طلاقه وقع، ويقول له: لو لم يقع الطلاق بهذا اللفظ على نحو ما ذكرت؛ فليس في الدنيا شيء اسمه طلاق.
كذلك الذي يقول بجواز الانفصال بين الاستثناء واليمين، لا بد أن يبطل مدلول الآيات في كتاب الله في كفارة الأيمان والحنث، ويلزمه كذلك رد هذه الأحاديث الصحيحة.
إذاً: لو أن رجلاً الآن حلف على شيء وغداً يستثني أو بعد غد يستثني أو بعد شهر، أو بعد عام يستثني، هل يصح منه هذا الاستثناء؟ لا يصح، وهذا مذهب جماهير العلماء.
стр. 2047
أقوال العلماء في قدر وقت اتصال الاستثناء باليمين
قال: (واختلفوا في الاتصال، فقال مالك والأوزاعي والشافعي والجمهور: هو أن يكون قوله: (إن شاء الله) متصلاً باليمين من غير سكوت بينهما، ولا تضر سكتة النفس) يعني: كأن يقول: والله العظيم لأفعلن كذا وكذا إن شاء الله، والذي فصل بين اليمين والاستثناء أنه أراد أن يتنفس، فهذا أقوى الآراء في المسألة، وهو الذي تشهد له الأدلة الشرعية، وهو مذهب جماهير العلماء.
ثم ذكر الرأي الثاني: (وعن طاوس والحسن وجماعة من التابعين: أن له الاستثناء ما لم يقم من مجلسه) هؤلاء جعلوا الحد الجائز انفصال المجلس، هب أن هذا المجلس طال ساعتين أو ثلاثاً أو أربعاً، عندهم مهما طال.
ثم قال: (وقال قتادة: ما لم يقم أو يتكلم.
وقال عطاء: قدر حلبة ناقة.
وقال سعيد بن جبير: بعد أربعة أشهر.
وعن ابن عباس: له الاستثناء أبداً متى تذكره، وتأول بعضهم هذا المنقول عن هؤلاء على أن مرادهم أنه يستحب له قول: إن شاء الله تبركاً، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف:٢٤]، ولم يريدوا به حل اليمين ومنع الحنث).
يعني: الجمهور قالوا: سنقبل قول عطاء والحسن وابن عباس وسعيد بن جبير، لكن ليس على سبيل الاستثناء في الحكم، إنما على سبيل الاستثناء للبركة بذكر اسم الله تعالى، إلا أن يشاء الله، كما في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف:٢٤].
стр. 2048
حكم الاستثناء في الطلاق والعتق
ثم قال: (أما إذا استثنى في الطلاق والعتق وغير ذلك سوى اليمين بالله تعالى، فقال: أنت طالق إن شاء الله تعالى، أو أنتَ حر إن شاء الله تعالى، أو أنتِ علي كظهر أمي إن شاء الله تعالى، أو قال: لزيد في ذمتي ألف دينار أو درهم إن شاء الله، أو إن شفى الله تعالى مريضي فلله علي صوم شهر إن شاء الله أو ما أشبه ذلك؛ فمذهب الشافعي والكوفيين وأبي ثور وغيرهم بصحة الاستثناء في جميع الأشياء، كما أجمعوا عليها في اليمين بالله تعالى، فلا يحنث في طلاق ولا عتق، ولا ينعقد ظهاره ولا نذره، ولا إقراره ولا غير ذلك مما يتصل به قوله: إن شاء الله.
وقال مالك والأوزاعي: لا يصح الاستثناء في شيء من ذلك إلا اليمين بالله تعالى) تنبه لهذا الأمر، تكلم العلماء في هذه المسألة فقط من باب تقرير مسألة شرعية، فلا تظل كلما دخلت بيتك أو خرجت منه قلت لامرأتك: أنت طالق إن شاء الله لا؛ فهذا عند الجمهور تلاعب بألفاظ الشرع، وإن قال جمهور العلماء أن الاستثناء في هذا لا يحنث به المرء؛ فاعلم أن مالكاً ومن معه قالوا: لا يصح فيه الاستثناء بل يقع، يعني: المسألة محل نزاع بين أهل العلم في الطلاق والعتق وغير ذلك.
فهب أن الطلاق والعتق لا يقعان بالاستثناء، فلا يصح من مسلم أن يتلاعب بألفاظ الشرع.
قال: (وقوله ﷺ : (لو قال: إن شاء الله لم يحنث)، فيه إشارة إلى أن الاستثناء يكون بالقول ولا تكفي فيه النية) يعني: لابد فيه من التلفظ؛ لأن اليمين قد تلفظ به، فلو استثنى في قلبه لا يصح منه ذلك، بل لابد أن يتلفظ بقوله: إن شاء الله، اتصالاً باليمين، أما لو عقد النية على الاستثناء لا يقبل منه ذلك، ولا يكون قد استثنى، وإنما يحنث لانعقاد يمينه.
وهذا للقادر على الكلام، أما غير القادر كالذي لا يتكلم وإنما يتعامل بالإشارة، فالأخرس مثلاً إذا أراد أن يحلف أشار إلى السماء، فعلم منه أنه يريد القسم، أو ربما إن كان يسمع لكنه لا يتكلم، وإنما يتعامل بالإشارة، فحينئذ يجب عليه وصف الاستثناء بالإشارة.
أو أن إنساناً لا يستطيع أن يشير ولا يتكلم، لكنه يتعامل كتابة، فحينئذ يلزمه أن يكتب الاستثناء والمشيئة بعد كتابته لليمين، وإلا فلا يقبل منه غير ذلك.
ثم قال: (أما قوله ﷺ : (فقال له صاحبه: قل إن شاء الله) -أي: صاحب سليمان- قد يحتج به من يقول بجواز انفصال الاستثناء) يعني: بعد أن حلف سليمان ﵇ وانتهى من الحلف قال له صاحبه: قل إن شاء الله، فهذا حجة لمن قال بجواز الفصل؛ لأن صاحبه قال له: قل إن شاء الله، ومع ذلك بعد أن ذكره نسي مرة أخرى.
فهذه شبهة.
ثم قال: (وأجاب الجمهور عنه بأنه يحتمل أن يكون صاحبه قال له ذلك وهو بعد في أثناء اليمين) يعني: وهو مازال يتكلم قال له صاحبه ذلك، فبعد أن فرغ من كلامه نسي.
ثم قال: (أو أن الذي جرى منه ليس بيمين، فإنه ليس في الحديث تصريح بيمين).
وفي رواية قال: (والله لأطوفن الليلة على كذا وكذا)، قالوا: لفظ الجلالة هنا لم يقصد به اليمين، وإنما ما أراد به لفظاً دارجاً، لم يقصد منه حقيقة اليمين.
أما قوله: (فتحمل كل واحدة منهن، فتلد كل واحدة منهن غلاماً فارساً يقاتل في سبيل الله) هذا قاله سليمان على سبيل التمني للخير، وقصد به الآخرة والجهاد في سبيل الله تعالى، لا لغرض من أغراض الدنيا.
(أما قوله: (فولدت نصف إنسان، أو شق غلام) قيل: هو الجسد الذي ذكره الله تعالى أنه ألقي على كرسيه.
وأما قوله: (لو كان استثنى لولدت كل واحدة منهن غلاماً فارساً يقاتل في سبيل الله)، هذا محمول على أن النبي ﷺ أوحي إليه بذلك في حق سليمان، لا أن كل من فعل هذا يحصل له هذا) يعني: ليس بلازم أن تقول: والله لأجامعن امرأتي الليلة وتأتي بغلام أو بمجاهد يجاهد في سبيل الله، ليس بلازم أن تأتي بغلام؛ لأن النبي ﷺ أخبر عما كان من أمر سليمان، لا عن أمر كل إنسان، وليس المقصود أن كل إنسان لو حلف واستثنى فيما يتعلق بجماع امرأته يكون ذلك حقيقة؛ لأن إخواننا الذين لم يرزقوا بأولاد ذكور، أو لم يرزقوا بأولاد ولا حتى بإناث، لو كان هذا وعداً لكل من أقسم، لما كان هناك حاجة لأطباء العقم وغيرهم بالمرة، ولقالوا ذلك، وحصلوا على الولد.
стр. 2049
حكم استخدام كلمة (لو) و (لولا) فيما مضى وفيما يستقبل
قال: (أما قوله: (لو قال: إن شاء الله لجاهدوا) فيه جواز قول: لو، ولولا.
قال القاضي: وهذا يستدل به على جواز قول: لو، ولولا، وقد جاء في القرآن كثيراً، وفي كلام الصحابة والسلف، بل ترجم البخاري على هذا الحديث: باب: ما يجوز من اللو).
ظاهره التعارض مع قوله ﵊: (فلا تقل: لو كان كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان)، فيتوهم التعارض، توجد آيات وأحاديث فيها: (لو، ولولا)، وهذا حديث ينهانا أن نقول لشيء: لو كان كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فالجمع كما في قول الله تعالى: (في قول لوط ﷺ : ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود:٨٠]-فهنا استخدم لو- وقول النبي ﷺ : (لو كنت راجماً بغير بينة لرجمت هذه)).
قاله ﵊ لامرأة بغي معلومة البغاء، وذاع خبرها وانتشر صيتها، وهذه المرأة هي عناق كانت في الجاهلية بغياً، وكان بيتها بيت دعارة، وبيت زنا، وكانت تقف على باب دارها وتدعو الناس إليها، حتى أسلم صاحبها، فلما دخل مكة مستخفياً رأته، فقالت: يا فلان! ألك حاجة في أن تبيت عندنا الليلة؟! قال: لا، وهذا الرجل قد استأذن النبي ﵊ أن يتزوجها، فلم يأذن له، فقال: إني استأذنت النبي ﷺ أن أتزوجك فلم يأذن لي، قالت: أليس لك أن تبيت عندنا الليلة؟! قال: لا، قد منعني من ذلك إسلامي وإيماني، فقال النبي ﵊: (لو كنت راجماً أحداً بغير بينة لرجمت هذه)، ولكنه أُمر في الشرع ألا يرجم إلا من أقرت بالزنا على نفسها، أو رآها أربعة شهود رأي عين، فلما لم يكن هذا وذاك قال: (لو كنت راجماً)، أي: لو أذن لي ربي أن أرجم امرأة بغير بينة لرجمت هذه، ولكن لما كانت البينة شرطاً لم يرجمها النبي ﵊.
قال: (وقوله: (لو مد لي الشهر لواصلت)) يعني: استخدم كلمة (لو)، وذلك لما نهى النبي ﷺ أصحابه عن وصال الصوم، فواصلوا، فواصل بهم، ولكن أدركهم عيد الفطر، فقال النبي ﵊: (لو مد لي الشهر لواصلت)؛ أي: عقوبة لأصحابه الذين خالفوا أمره وواصلوا الصوم، رغم نهيه عن ذلك؛ ليرى كيف سيعمل الصحابة.
ثم قال: (وقوله ﵊: (لولا حدثان قومكِ بالكفر لأتممت البيت على قواعد إبراهيم) وقال ﵊: (لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار)) فاستخدم (لولا) في الحديثين مع أنه قد نهى عنها، وأمثال هذا كثير.
ثم قال: (والذي يفهم من ترجمة البخاري وما ذكره في الباب من القرآن والآثار: أنه يجوز استعمال (لو، ولولا) فيما يكون للاستقبال، أما جواز ذلك في أمر قد مضى على سبيل التحسر والتأثم وترك الإيمان بالقدر فهو غير جائز) يعني: لك أن تستخدم (لو) كما لو قلت: لو أصبح بي الصباح لزرتك، هذا كلام مباح، وهو في المستقبل، أما قول النبي ﷺ : (ولا تقولن لشيء: لو كان كذا لكان كذا وكذا)؛ لأنه في شيء مضى، وقلته على سبيل التندم والتحسر، وترك الإيمان بالقدر، ولذلك قال: (ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل)، يعني: في الأمور الماضية، أما في الأمور المستقبلة فلا بأس بكلمة (لو، ولولا).
قال: (وأما هذا الحديث الذي نحن فيه، فإنما أخبر النبي ﷺ عن يقين نفسه، أن سليمان لو قال: (إن شاء الله لجاهدوا) إذ ليس هذا مما يدرك بالظن والاجتهاد، وإنما أخبر عن حقيقة أعلمه الله تعالى بها، وهو نحو قوله ﷺ : (لولا بنو إسرائيل لم يخنز اللحم، ولولا حواء لم تخن امرأة زوجها)) هذا الحديث في الصحيحين؛ لأن الله منَّ على بني إسرائيل بالمن والسلوى، المن هو اللحم، والسلوى هي الحلوى، فالله وهب بني إسرائيل الطعام والحلوى، وأمرهم بالأكل منهما، فادخروهما، فكان أول لحم أنتن في بني إسرائيل.
أما قوله: (لولا حواء لم تخن امرأة زوجها)، هو تأثير إبليس عليها بالغواية والإضلال، وإقناعها قبل إقناع آدم بالأكل من الشجرة، ثم سلطها إبليس بعد ذلك على آدم، حتى أكل من الشجرة، قال: (لولا حواء لم تخن أنثى زوجها)، فخيانة حواء أن قبلت بغواية إبليس فأغوت زوجها.
فها هو استخدم هنا كلمة: (لولا).
ثم قال: (فلا معارضة بين هذا وبين حديث النهي عن (لو)، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران:١٥٤].
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٨].
وكذلك ما جاء من (لولا) كقوله تعالى: ﴿
стр. 2050
الأسئلة
стр. 2051
حكم من أقسم عليه صاحبه ولم يبر يمينه
السؤال
أقسم رجل على امرأته بالله أن تفعل شيئاً مباحاً مقدوراً عليه، فرفضت إبرار قسمه فهل عليه كفارة؟
الجواب
جعل النبي ﵊ من حق المسلم على المسلم أن يبر قسمه، سواء كان ذكراً أم أنثى، فمن حق المسلم على المسلم إبرار القسم، فهذا حق لكل مسلم على أخيه، سواء كان بين الزوجين أو بين المسلمين على العموم.
فيجب على من أقسم عليه أخوه بيمين أن يبره، فإذا لم يفعل ذلك وهو قادر على أن ينفذه فهو آثم، لكن تجب على الحالف الكفارة.
стр. 2052
حكم من حلف على أنه لا يستريح قلبه حتى يتحدث مع أحد الشيوخ
السؤال
كنت أنوي التحدث مع أحد الشيوخ، فلم يشأ الله في ساعتها، فقلت: والله لن يستريح قلبي حتى أتكلم معه، فماذا أفعل الآن؟
الجواب
أنت لم تقسم على شيء، ولذلك ليس في هذا القسم حنث، أنت قلت: لن يستريح قلبي إلا عندما أتكلم مع هذا الشيخ، فأنا أقول لك: تعال وكلم واحداً من الشيوخ، ولو كنت تريد أن تحدثني بعد المحاضرة فتعال.
стр. 2053
حكم تصريف الفوائد الربوية
السؤال
وضعت أموالي في البنك، ولما علمت أنها تعطي فوائد ربوية أخذت المال وأخرجت منه المال الأصلي ونزعت الفوائد، فهل يجوز لي أن أتبرع بها في مشروع كفالة اليتيم؟
الجواب
أولاً: جزاك الله خيراً، وأحسن إليك، وسددك حين فعلت ذلك، أما هذا المال لا بد أن تعلم أنه مال خبيث، وبالتالي فإنه لا يحل طعامه ولا شرابه، لا يطعم به ولا يشرب، وإنما ينفق في المصارف العامة، كبناء المستشفيات مثلاً أو المدارس أو إنشاء الطرق أو بناء الحمامات أو غير ذلك؛ أما بناء المساجد وإطعام الفقراء والأيتام به وغير ذلك فلا وألف لا؛ لأن النبي ﵊ قال: (أيما جسم نبت من سحت فالنار أولى به).
стр. 2054
الحكم على حديث: (ولولا حواء لم تخن امرأة زوجها)
السؤال
ما حكم حديث: (ولولا حواء لم تخن امرأة زوجها)؟
الجواب
حديث: (ولولا حواء لم تخن امرأة زوجها) حديث صحيح.
стр. 2055
شرح صحيح مسلم - كتاب الأيمان والنذور - النهي عن الإصرار على اليمين
من سنن الله في خلقه أن جعل بعض عباده لبعض سخرياً، وممن سخره الله لبعض عباده الخدم والموالي، وقد نظم سبحانه العلاقة بين الخادم وسيده، فلم يعط للسيد الحق المطلق في استخدام العبد فيما لا يطيق أو يحسن، كما ندب إلى حسن صحبة الخادم والرفق في معاملته، وحرم ظلمه والإساءة إليه، بل وحصر بعض الكفارات عند الوقوع في بعض المعاصي في إعتاق العبيد، وما ذاك إلا لعظم حقهم وخطورة الإضرار بهم وظلمهم.
стр. 2056
باب النهي عن الإصرار على اليمين فيما يتأذى به أهل الحالف مما ليس بحرام
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
أما بعد: الباب السادس من كتاب الإيمان في صحيح مسلم: قال النووي ﵀: (باب النهي عن الإصرار على اليمين فيما يتأذى به أهل الحالف مما ليس بحرام).
يعني: لو حلف الرجل على أهله يميناً أن يفعل كذا أو ألا يفعل كذا، وكان أهل الحالف يتضررون من هذا اليمين ضرراً جسيماً بليغاً، والحنث في هذا اليمين ليس بمعصية فيجب عليه أن يحنث؛ حتى لا يتضرر أهله بسبب هذا اليمين.
فلو قال رجل لامرأته: والله لا تذهبي إلى بيت أهلك، ولم يقل لها: أنت طالق إن ذهبت، وإنما قال: والله لا تذهبي إلى بيت أهلك فهذا فضلاً عن مخالفته لهدي الشرع والآداب المحمدية يتنافى مع آداب الحياة الزوجية، فنقول له: كفر عن يمينك وائت الذي هو خير، فلو قال: لا، أنا أشعر بالإثم في الحنث، وأتورع عن الحنث، واستمر وأصر على هذا اليمين، فنقول له: السنة في مثل هذا أن تحنث وأن تكفر، وإصرارك على اليمين أعظم إثماً من الحنث، هذا إذا ثبت الإثم، ولا إثم في الحنث ما دمت ستكفر.
فإذا حلف الرجل على أهله يميناً يتضررون به وجب عليه أن يحنث وأن يكفر عن يمينه ما لم يكن الحنث معصية.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ فذكر أحاديث منها].
وصحيفة همام عن أبي هريرة صحيفة معروفة.
قال: [وقال رسول الله ﷺ : (والله لأن يلجَّ أحدكم بيمينه في أهله آثم له عند الله من أن يعطي كفارته التي فرض الله)].
فالنبي ﵊ يقسم هنا مع أنه صادق بغير قسم، لكن لتوكيد الأمر، قال: (لأن يلج أحدكم بيمينه في أهله)، واللجاج هو الإصرار، يعني: لئن يصرَّ أحدكم على يمينه الذي حلفه على أهله أن يفعل كذا، أو ألا يفعل كذا.
(آثم له)، يعني: أكثر إثماً وأعظم جرماً له.
(عند الله من أن يعطي كفارته التي فرض الله)، يعني: يجب عليه أن يحنث، وأن يكفر عن هذا الحنث، وألا يعبأ بهذا اليمين بعد الكفارة؛ لأن إصراره على اليمين الذي تضرر به أهله وليس معصية لله أعظم من الحنث.
قال النووي: (معنى الحديث: أنه إذا حلف يميناً تتعلق بأهله ويتضررون بعدم حنثه، والحنث ليس بمعصية؛ فينبغي له أن يحنث، فيفعل ذلك الشيء ويكفر عن يمينه، فإن قال: لا أحنث، بل أتورع عن ارتكاب الحنث وأخاف الإثم فيه فهو مخطئ بهذا القول، بل استمراره في عدم الحنث وإدامة الضرر على أهله أكثر إثماً).
стр. 2057
باب نذر الكافر إذا أسلم
قال: (باب نذر الكافر وما يفعل فيه إذا أسلم).
والنذر واجب، فلو أن إنساناً نذر أن يصوم فإن هذا النذر ليس من باب النافلة، وإنما هو صوم واجب، وإذا نذر أن يصلي نافلة كذلك، أي: أن هذه النافلة تصبح واجبة، فلم تعد بالنذر من باب المندوبات والمستحبات، بل من باب الواجبات، فالنذر واجب.
فإذا نذر الكافر -أي: في أيام كفره- ثم أسلم بعد ذلك، فيلزمه أداؤه بعد الإسلام.
قال: [حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي ومحمد بن المثنى وزهير بن حرب واللفظ لـ زهير قالوا جميعاً: حدثنا يحيى -وهو ابن سعيد القطان - عن عبيد الله العمري قال: أخبرني نافع عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: (يا رسول الله! إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام).
وأهل الجاهلية كانوا يعظمون المسجد الحرام، فـ عمر في أيام جاهليته وحال كفره كان قد نذر لله تعالى أن يعتكف ليلة في المسجد الحرام.
فقال النبي ﵊ له بعد إسلامه: [(فأوف بنذرك)]، أي: يلزمك الوفاء بنذرك.
ففي هذا الحديث: نذر عمر أن يعتكف ليلة، وقد اختلف أهل العلم فيما يتعلق بشرط الصوم في الاعتكاف، فبعضهم يقول: الصوم شرط في الاعتكاف، والبعض الآخر يقول: ليس بشرط، وهو الذي يترجح من كلام أهل العلم، ودليلهم هذا الحديث، فـ عمر نذر أن يعتكف ليلة، والليل ليس محلاً للصيام، وإنما محل الصيام هو النهار، فكونه قد نذر ليلة أن يعتكف في المسجد الحرام والنبي ﷺ أمره بالوفاء بهذا النذر يدل على عدم اشتراط الصوم في الاعتكاف.
قال: [وحدثنا أبو سعيد الأشج -وهو عبد الله بن سعيد الكندي الكوفي - حدثنا أبو أسامة -وهو حماد بن أسامة - وحدثنا محمد بن المثنى -وهو العنزي المعروف بـ الزمن - حدثنا عبد الوهاب -وهو ابن عبد المجيد الثقفي - وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن العلاء وإسحاق بن إبراهيم جميعاً عن حفص بن غياث، (ح) وحدثنا محمد بن عمرو بن جبلة بن أبي رواد حدثنا محمد بن جعفر -وهو غندر - حدثنا شعبة كلهم عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر، وقال حفص -أي: حفص بن غياث - من بينهم عن عمر]، أي: ولم يقل: عن ابن عمر فحسب، بل قال: عن ابن عمر عن عمر.
قال: [أما أبو أسامة وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي ففي حديثهما (اعتكاف ليلة)، وأما في حديث شعبة فقال: (جعل عليه يوماً يعتكفه)].
والمعروف أن اليوم إذا أطلق فإنه يراد به النهار بخلاف الليل، ولذلك كتب الأذكار كلها دائماً تسمى بأذكار اليوم والليلة، فاليوم ليس أربعاً وعشرين ساعة، وإنما هو من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، والليلة من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، فهناك فرق بين اليوم وبين الليلة، ولكن أهل اللغة يطلقون تجوزاً على الليل يوماً، وإن كان هذا ليس من جهة التقسيم اللغوي.
قال: [وليس في حديث حفص ذكر يوم ولا ليلة].
وكأن عمر ﵁ قال: (يا رسول الله! إني نذرت أن أعتكف في الجاهلية)، ولم يذكر يوماً ولا ليلة، فقال ﵊: (أوف بنذرك).
قال: [وحدثني أبو الطاهر أخبرنا عبد الله بن وهب حدثنا جرير بن حازم أن أيوب -وهو ابن أبي تميمة السختياني البصري - حدثه أن نافعاً -وهو نافع الفقيه مولى عبد الله بن عمر - حدثه أن عبد الله بن عمر حدثه: (أن عمر بن الخطاب سأل رسول الله ﷺ وهو بالجعرانة بعد أن رجع من الطائف، فقال: يا رسول الله! إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف يوماً في المسجد الحرام، فكيف ترى؟ قال: اذهب فاعتكف يوماً، قال: وكان رسول الله ﷺ قد أعطاه جارية من الخمس، فلما أعتق رسول الله ﷺ سبايا الناس سمع عمر بن الخطاب أصواتهم يقولون: أعتقنا رسول الله ﷺ ! فقال: ما هذا؟ فقالوا: أعتق رسول الله ﷺ سبايا الناس، فقال عمر: يا عبد الله! اذهب إلى تلك الجارية فخل سبيلها).
وهذا الحديث يبين أن النب
стр. 2058
اختلاف ألفاظ حديث نذر عمر في الجاهلية
وقد اختلفت ألفاظ هذا الحديث، ففي بعضها أنه سأله في الجعرانة وهو راجع من الطائف، وفي بعضها أنه سأله وهو راجع من حنين، وفي بعضها أنه سأله عن نذر يوم، وفي بعضها أنه سأله عن اعتكاف ليلة.
فكأن عمر ﵁ نذر في الجاهلية مرة أن يعتكف ليلة، فأمره النبي ﷺ باعتكاف هذه الليلة، ونذر مرة أخرى في الجاهلية أن يعتكف يوماً، وكان قد نسي هذا لما سأل أولاً عن اعتكاف الليلة، فلما تذكر نذره الثاني في الجاهلية -وهو أنه نذر كذلك أن يعتكف يوماً- سأل النبي ﵊ فقال له النبي ﵊: (أوف بنذرك).
وهذا هو الجمع بين الروايات، وبعض الناس يقول: يطلق على الليل اليوم، فيكون مرد ذلك كله إلى أن عمر نذر أن يعتكف يوماً لا ليلة، وهذا كلام مردود حتى على قول من قال بلزوم الصوم في الاعتكاف؛ لأن الكافر لا يصح منه الصوم، وعمر بن الخطاب لم يكن قبل الإسلام يهودياً ولا نصرانياً من أهل الكتاب، بل كان مشركاً عابد وثن، ولا يصح منه صيام والحالة هذه، ولذلك سأل بعد إسلامه عن حكم هذا النذر، وسواء نذر أن يعتكف ليلة أو يعتكف يوماً؛ لأن كلاهما وقع منه ﵁.
والنبي ﵊ أمره بأن يوفي بنذره في الحالين، وليست الحجة في نذر عمر، بل الحجة في قول النبي ﵊، ونذر عمر هذا شيء ثانوي؛ ولكن الحجة في أن النبي ﷺ أمره بالوفاء بنذره، فالحجة في أمره ﵊، قال: (أوف بنذرك)، والنذر وقع في حالين: في حال الليل وفي حال النهار.
قال: [وحدثنا أحمد بن عبدة الضبي حدثنا حماد بن زيد حدثنا أيوب عن نافع قال: ذكر عند ابن عمر عمرة رسول الله ﷺ من الجعرانة، فقال: لم يعتمر منها، قال: وكان عمر نذر اعتكاف ليلة في الجاهلية، ثم ذكر نحو حديث جرير بن حازم ومعمر عن أيوب.
وإنكار عبد الله بن عمر هنا لعمرة النبي ﷺ من الجعرانة إنما هو إنكار متعلق بعلم عبد الله بن عمر، وليس إنكاراً مطلقاً، وهذا الإنكار فيه نفي حدوث العمرة من الجعرانة، وهو نفي لعلم ابن عمر أن النبي ﵊ اعتمر من الجعرانة، ولكن قد ثبت في الحديث عند مسلم: أن النبي ﵊ اعتمر أربع عمر، إحداهن من الجعرانة، والحديث ثابت وصحيح.
وأما ابن عمر فأنكر ما لم يكن في علمه، والإنكار ليس اتهاماً للآخرين، والكذب يطلق أحياناً ويراد به غير الحقيقة، فليس من لازم الكذب تأثيم قائله، كما قال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى لـ ابن عباس: (إن نوف البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى بن عمران، أي: ليس هو موسى النبي، وإنما هو موسى غيره، فقال ابن عباس: كذب عدو الله).
فالكذب يطلق على الكلام الذي خرج على غير حقيقته في الواقع، سواء تعمده صاحبه أم لم يتعمده، هذا تعريف الكذب عند أهل السنة، بخلاف المعتزلة.
стр. 2059
كلام النووي في أحاديث باب حكم نذر الكافر
قال: (باب نذر الكافر وما يفعل فيه إذا أسلم).
والنذر واجب، فلو أن إنساناً نذر أن يصوم فإن هذا النذر ليس من باب النافلة، وإنما هو صوم واجب، وإذا نذر أن يصلي نافلة كذلك، أي: أن هذه النافلة تصبح واجبة، فلم تعد بالنذر من باب المندوبات والمستحبات، بل من باب الواجبات، فالنذر واجب.
فإذا نذر الكافر -أي: في أيام كفره- ثم أسلم بعد ذلك، فيلزمه أداؤه بعد الإسلام.
قال: [حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي ومحمد بن المثنى وزهير بن حرب واللفظ لـ زهير قالوا جميعاً: حدثنا يحيى -وهو ابن سعيد القطان - عن عبيد الله العمري قال: أخبرني نافع عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: (يا رسول الله! إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام).
وأهل الجاهلية كانوا يعظمون المسجد الحرام، فـ عمر في أيام جاهليته وحال كفره كان قد نذر لله تعالى أن يعتكف ليلة في المسجد الحرام.
فقال النبي ﵊ له بعد إسلامه: [(فأوف بنذرك)]، أي: يلزمك الوفاء بنذرك.
ففي هذا الحديث: نذر عمر أن يعتكف ليلة، وقد اختلف أهل العلم فيما يتعلق بشرط الصوم في الاعتكاف، فبعضهم يقول: الصوم شرط في الاعتكاف، والبعض الآخر يقول: ليس بشرط، وهو الذي يترجح من كلام أهل العلم، ودليلهم هذا الحديث، فـ عمر نذر أن يعتكف ليلة، والليل ليس محلاً للصيام، وإنما محل الصيام هو النهار، فكونه قد نذر ليلة أن يعتكف في المسجد الحرام والنبي ﷺ أمره بالوفاء بهذا النذر يدل على عدم اشتراط الصوم في الاعتكاف.
قال: [وحدثنا أبو سعيد الأشج -وهو عبد الله بن سعيد الكندي الكوفي - حدثنا أبو أسامة -وهو حماد بن أسامة - وحدثنا محمد بن المثنى -وهو العنزي المعروف بـ الزمن - حدثنا عبد الوهاب -وهو ابن عبد المجيد الثقفي - وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن العلاء وإسحاق بن إبراهيم جميعاً عن حفص بن غياث، (ح) وحدثنا محمد بن عمرو بن جبلة بن أبي رواد حدثنا محمد بن جعفر -وهو غندر - حدثنا شعبة كلهم عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر، وقال حفص -أي: حفص بن غياث - من بينهم عن عمر]، أي: ولم يقل: عن ابن عمر فحسب، بل قال: عن ابن عمر عن عمر.
قال: [أما أبو أسامة وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي ففي حديثهما (اعتكاف ليلة)، وأما في حديث شعبة فقال: (جعل عليه يوماً يعتكفه)].
والمعروف أن اليوم إذا أطلق فإنه يراد به النهار بخلاف الليل، ولذلك كتب الأذكار كلها دائماً تسمى بأذكار اليوم والليلة، فاليوم ليس أربعاً وعشرين ساعة، وإنما هو من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، والليلة من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، فهناك فرق بين اليوم وبين الليلة، ولكن أهل اللغة يطلقون تجوزاً على الليل يوماً، وإن كان هذا ليس من جهة التقسيم اللغوي.
قال: [وليس في حديث حفص ذكر يوم ولا ليلة].
وكأن عمر ﵁ قال: (يا رسول الله! إني نذرت أن أعتكف في الجاهلية)، ولم يذكر يوماً ولا ليلة، فقال ﵊: (أوف بنذرك).
قال: [وحدثني أبو الطاهر أخبرنا عبد الله بن وهب حدثنا جرير بن حازم أن أيوب -وهو ابن أبي تميمة السختياني البصري - حدثه أن نافعاً -وهو نافع الفقيه مولى عبد الله بن عمر - حدثه أن عبد الله بن عمر حدثه: (أن عمر بن الخطاب سأل رسول الله ﷺ وهو بالجعرانة بعد أن رجع من الطائف، فقال: يا رسول الله! إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف يوماً في المسجد الحرام، فكيف ترى؟ قال: اذهب فاعتكف يوماً، قال: وكان رسول الله ﷺ قد أعطاه جارية من الخمس، فلما أعتق رسول الله ﷺ سبايا الناس سمع عمر بن الخطاب أصواتهم يقولون: أعتقنا رسول الله ﷺ ! فقال: ما هذا؟ فقالوا: أعتق رسول الله ﷺ سبايا الناس، فقال عمر: يا عبد الله! اذهب إلى تلك الجارية فخل سبيلها).
وهذا الحديث يبين أن النب
стр. 2060
حكم نذر الكافر
قال النووي ﵀: (اختلف العلماء في صحة نذر الكافر، فقال مالك وأبو حنيفة وسائر الكوفيين وجمهور أصحابنا -أي: من الشافعية-: لا يصح من الكافر نذر.
وقال المغيرة المخزومي وأبو ثور والبخاري وابن جرير وبعض أصحابنا: يصح، وحجتهم ظاهر حديث عمر.
وأجاب الأولون عنه: أنه محمول على الاستحباب، أي: يستحب لك أن تفعل الآن مثل ذلك الذي نذرته في الجاهلية).
فالجمهور على أن نذر الكافر لا يصح، وغير الجمهور على صحته، ودليلهم هذا الحديث، ولو كان نذر الكافر لا يصح منه وليس بمعتبر لقال ﵊ لـ عمر: لا بأس عليك، أو لا حرج عليك، أو لا تفعل، فلما قال له: (أوف بنذرك) دل على اعتبار نذره الذي نذره في الجاهلية، وهذا فيه دليل على أن النذر واجب في حقه، وأما أنه مندوب ومستحب كما قال بعض أهل العلم فهذا كلام غير سديد.
стр. 2061
حكم الاعتكاف بغير صوم
قال: (وفي هذا الحديث دلالة لمذهب الشافعي وموافقيه في صحة الاعتكاف بغير صوم، وفي صحته بالليل كما يصح بالنهار، وسواء كانت ليلة واحدة أو بعضها أو أكثر، ودليله حديث عمر هذا: (إني نذرت أن أعتكف ليلة)، وليست محلاً للصيام.
وأما الرواية التي فيها اعتكاف يوم فلا تخالف رواية اعتكاف ليلة؛ لأنه يحتمل أنه سأله عن اعتكاف ليلة وسأله عن اعتكاف يوماً)، يعني: حدث منه هذا وذاك.
قال: (فأمره بالوفاء بما نذر، فحصل منه صحة اعتكاف ليلة واحدة لما أمره باعتكاف الليل، ثم أمره باعتكاف النهار حسبما وجه إليه من سؤال، فهذا يدل على صحة الاعتكاف في الليل كما يصح الاعتكاف في النهار.
وفي رواية عند الدارقطني بإسناد جيد لما نذر عمر أن يعتكف ليلة في المسجد الحرام فسأل رسول الله ﷺ فقال له: (أوف بنذرك، فاعتكف عمر ليلة).
فهذا صريح في أن الاعتكاف قد تم بالفعل، (فاعتكف عمر ليلة)، وهذا مذهب الشافعي، وبه قال الحسن البصري وأبو ثور وداود وابن المنذر، وهو أصح الروايتين عن أحمد.
قال ابن المنذر: وهو مروي عن علي وابن مسعود، وقال ابن عمر وابن عباس وعائشة وعروة بن الزبير والزهري ومالك والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق في رواية: لا يصح إلا بصوم، وهو قول أكثر العلماء).
وهذا القول ليس قولاً سديداً ولا صحيحاً، وإنما الصحيح صحة الاعتكاف من غير صوم، وأنت تعمل هذا في الحياة العملية، ففي رمضان عندما تريد الاعتكاف تذهب إلى عملك صباحاً وترجع عصراً إلى معتكفك ثم تخرج منه في الفجر.
ففي الحقيقة أنت لم تعتكف صائماً، وإنما اعتكفت مفطراً في الليل، وكثير من الناس يدخل المعتكف بعد أن يفطر في بيته ويذهب إلى المسجد لصلاة العشاء، وينوي الاعتكاف إلى الصلاة، وهذا على رأي ضعيف.
стр. 2062
باب صحبة المماليك وكفارة من لطم عبده
قال: (صحبة المماليك وكفارة من لطم عبده).
ولفظ صحبة المماليك لفظ لطيف جداً، فكأن السيد صاحب لعبده، وكأن العبد صاحب لسيده، وليس خادماً ولا مولى ولا عبداً ولا رقيقاً عنده، فهذه الكلمة مشعرة بالود والتراحم بين المسلمين حتى مع اختلاف درجاتهم وطبقاتهم.
стр. 2063
شرح حديث ابن عمر في كفارة من لطم عبده
قال: [حدثني أبو كامل فضيل بن حسين الجحدري حدثنا أبو عوانة -وهو الوضاح بن عبد الله اليشكري - عن فراس -وهو ابن يحيى الهمداني أبو يحيى الكوفي المعروف بـ المُكتب - عن ذكوان أبي صالح السمان عن زاذان أبي عمر -وهو الكندي البزاز، نسبة إلى البز وهي الثياب، وقيل: هو متاع البيت الخاص بالثياب، والبزاز هو بائع أو صانع الثياب- قال: (أتيت ابن عمر وقد أعتق مملوكاً، قال: فأخذ من الأرض عوداً أو شيئاً، فقال: ما فيه من الأجر ما يسوى هذا)].
والأصح: ما يساوي هذا، وأما (ما يسوى) فهو من الألفاظ العامية، ولعل هذا من تصرف بعض الرواة.
قال ابن عمر [: (إلا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من لطم مملوكه أو ضربه فكفارته أن يعتقه)].
والعلماء يفرقون في ضرب المماليك أو في ضرب الخدم -والخدم هم الإماء الرقيق- بين الضرب المبرح والضرب الخفيف، وقال الدارقطني: إذا كان ضرباً مبرحاً فإنما كفارته العتق، وإذا كان ضرباً خفيفاً لا يتأذى به المملوك فليس على سيده شيء.
وعبد الله بن عمر لما أعتق هذا المملوك أخذ عوداً من الأرض وظل ينكت به في الأرض وهو يقول: (ما في عتق هذا المملوك من الأجر ما يسوى هذا)، يعني: كأنه يقول: ليس لي في عتق هذا المملوك أجر إلا أجراً ضئيلاً جداً؛ لأنني ما أعتقته احتساباً لله ، وإنما أعتقته كفارة، أي: أنه لم يكن منه العتق الأولي بغير كفارة.
قال: [وحدثنا محمد بن المثنى وابن بشار واللفظ لـ ابن المثنى قالا: حدثنا محمد بن جعفر -وهو المعروف بـ غندر - حدثنا شعبة عن فراس الهمداني قال: سمعت ذكوان يحدث عن زاذان: (أن ابن عمر دعا بغلام له، فرأى بظهره أثراً -أي: أثر الضرب الذي ضربه إياه ابن عمر - فقال له: أوجعتك؟ قال: لا، قال: فأنت عتيق)].
وقول العبد لما قال له سيده عبد الله بن عمر: أوجعتك؟ قال: لا، يدل على أن هذا الضرب غير مبرح، وعلى هذا يكون أعتقه ابن عمر استحباباً وخروجاً من الخلاف، وربما يكون جواب العبد بقوله: لا، أو: ما أوجعتني على سبيل التأدب مع سيده، مع أنه قد أوجعه، فأراد ابن عمر ﵁ أن يخرج من ذنبه مخافة أن يكون دفعه الحياء إلى عدم ذكر ألمه ووجعه، فقال: فأنت عتيق، أي: أنت حر لوجه الله.
[(قال: ثم أخذ شيئاً من الأرض فقال: ما لي فيه من الأجر ما يزن هذا، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من ضرب غلاماً له حداً لم يأته، أو لطمه فإن كفارته أن يعتقه)].
(من ضرب غلاماً له حداً)، أي: قدر ما يساوي حداً، ولا حد في أقل من عشرة أسواط، فمهما فعل المرء من ذنب، فإنه يحرم على المؤدب أو المعلم أو السلطان أو السيد أن يضربه تعزيراً فوق عشرة أسواط، إذا لم يكن هذا الذنب كبيرة من كبائر الذنوب، ويستحق إقامة الحد عليه، وأقل الحد عشرة أسواط.
وهذا يدخل فيه المعلم والمدرس والكبير والزوج والأب، وننبه جميع المسئولين ومن كان تحت أيديهم رعايا أنه إذا أخطئوا فإنما يعزرون ما لم يبلغ خطؤهم إلى درجة الحد، ولا إقامة للحد في هذه الأزمان -ولا حول ولا قوة إلا بالله- فلم يبق لنا إلا التعزير، والتعزير أقصاه عشرة أسواط، وليس بلازم أن تأتي بأقصى عقوبة في التعزير، والتعزير منه التوبيخ والوعظ والزجر واللوم والهجر، ويكون الضرب في نهاية الأمر، ويكون ضرباً غير مبرح.
وليس لازماً أن يبلغ الضرب في التعزير أقصاه، بل ربما يكفي ضربه ضربة واحدة أو اثنتين أو ثلاثاً، وقد يضرب الواحد منا ولده فوق هذا الحد، أي: العشرة الأسواط، وربما يضرب المعلم التلميذ فوق العشرة الأسواط، وربما يضرب السيد عبده فوق العشرة الأسواط، فإذا كان ذلك بغير بلوى قد وقع فيها العبد فيكون هذا السيد قد حده في غير ما يستوجب الحد، فكفارته أن يعتق، وكذلك إذا لطمه على وجهه، فقد قال ﵊: (إذا ضرب السيد عبده حداً لم يأته، أو لطمه)، والمعروف أن اللطمة لطمة واحدة، وتكون على صفحة الوجه أو ما غطى من الوجه، فانظر إلى هذا الفقه العجيب، فإن ضربه فوق العشرة أسواط، أو لطمه على وجهه لطمة واحدة ففي الحالتين الكفارة إعتاق هذا العبد؛ لأن الوجه له حرمة تختلف عن حرمة بقية البدن، ولما لطم معاوية بن الحكم السلمي جارية له ذهب إلى النبي ﵊ وقال: (يا رسول الله! إني لطمت جاريتي)، ولا يقال للضرب لطم إلا إذا كان في الوجه.
(قال: أين هي؟ قال: هي ذي، فأدناها النبي عليه الصلاة و
стр. 2064
شرح حديث معاوية بن سويد في كفارة من لطم عبده
قال: [وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن نمير، وحدثنا ابن نمير واللفظ له حدثنا أبي حدثنا سفيان عن سلمة بن كهيل -وهو الحضرمي أبو يحيى الكوفي - عن معاوية بن سويد -وهو ابن مقرن أبو سويد الكوفي - قال: (لطمت مولى لنا فهربت، ثم جئت قبيل الظهر فصليت خلف أبي، فدعاه ودعاني -أي: دعا ولده الذي لطم، ودعا الملطوم وهو المولى أو العبد- ثم قال: امتثل منه -أي: قال للعبد: اقتص من هذا الولد- فعفا)]، أي: استعفى، وطلب أن يعافيه سيده من القصاص، أو فعفا عن الولد.
[(ثم قال: كنا بني مقرن على عهد رسول الله ﷺ ليس لنا إلا خادم واحدة)].
والأصل أن يقول: خادم واحد، ولكن الخادم يطلق على الذكر والأنثى، فيقال: رجل خادم وامرأة خادم، ولا يقال: امرأة خادمة، فهذه ليست فصيحة، وإنما الفصيح: (امرأة خادم).
قال: [(فلطمها أحدنا، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: أعتقوها، قالوا: ليس لهم خادم غيرها، قال: فليستخدموها، فإذا استغنوا عنها فليخلوا سبيلها)]، يعني: أنه أمرهم أن يعتقوها، فلما قالوا: ليس لهم خادم غيرها، قال: (فليستخدموها، فإذا استغنوا عنها فليعتقوها أو ليخلوا سبيله).
وقوله: (امتثل منه) معناه: عاقبه قصاصاً، وقيل: افعل به مثل ما فعل بك، وهذا محمول على تطييب نفس المولى المملوك، وإلا فلا يجب القصاص في اللطمة ونحوها، وإنما الواجب التعزير، ولكنه تبرع فأمكنه من القصاص فيها.
وفي هذا الحديث: الرفق بالموالي واستعمال التواضع.
стр. 2065
حديث سويد بن مقرن في كفارة من لطم عبده
قال: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير واللفظ لـ أبي بكر قالا: حدثنا ابن إدريس -وهو عبد الله بن إدريس بن يزيد الأودي، أبو محمد الكوفي - عن حصين -وهو ابن عبد الرحمن السلمي أبو الهذيل الكوفي - عن هلال بن يساف قال: (عجل شيخ فلطم خادماً له -يعني: تعجل وأسرع ولطم خادماً له- فقال له سويد بن مقرن: عجز عليك إلا حر وجهها؟ -يعني: لم تلق إلا صفحة وجهها- لقد رأيتني سابع سبعة من بني مقرن ما لنا خادم إلا واحدة لطمها أصغرنا؛ فأمرنا رسول الله ﷺ أن نعتقها)].
والأصل أنه لا يعتق منها إلا حظ اللطمة، أو إلا حظ من لطمها.
والعبد مال تجوز فيه الشراكة، يعني: يجوز أن يشترك اثنان وثلاثة وأربعة وعشرة ومائة في عبد واحد، فإذا لطم سيد واحد من هؤلاء عبداً فالأصل أن يعتق نصيبه فيه، فيكون بعض العبد حراً، والبعض الآخر رقاً، وهذا أمر جائز.
ولكن النبي ﵊ أمرهم جميعاً بالعتق، وهذا محمول على أن النبي ﵊ عرف أنهم على استعداد لأن يعتقوا العبد، فأمرهم جميعاً بإعتاق العبد.
قال: [حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار حدثنا ابن أبي عدي عن شعبة عن حصين عن هلال بن يساف قال: (كنا نبيع البز في دار سويد بن مقرن أخي النعمان بن مقرن، فخرجت جارية فقالت لرجل منا كلمة فلطمها، فغضب سويد)، فذكر نحو حديث عبد الله بن إدريس.
وحدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد حدثنا أبي حدثنا شعبة قال: قال لي محمد بن المنكدر: ما اسمك؟ قلت: شعبة فقال محمد: حدثني أبو شعبة العراقي -وهو المزني مولاهم الكوفي، معروف بكنيته- عن سويد بن مقرن: (أن جارية له لطمها إنسان، فقال له سويد: أما علمت أن الصورة محرمة؟ فقال: لقد رأيتني وإني لسابع إخوة لي مع رسول الله ﷺ وما لنا خادم غير واحد، فعمد أحدنا فلطمه فأمرنا رسول الله ﷺ أن نعتقه).
وحدثناه إسحاق بن إبراهيم -وهو المعروف بـ ابن راهويه - ومحمد بن المثنى عن وهب بن جرير أخبرنا شعبة قال: قال لي محمد بن المنكدر: ما اسمك؟ فذكر الحديث بمثل حديث عبد الصمد].
стр. 2066
شرح حديث أبي مسعود الأنصاري في كفارة من ضرب عبده
قال: [حدثنا أبو كامل الجحدري -وهو فضيل بن حسين - حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا الأعمش عن إبراهيم التيمي - وهو إبراهيم بن يزيد بن شريك التيمي الكوفي.
عن أبيه قال: قال أبو مسعود البدري]، وهو عقبة بن عمرو الأنصاري، ويقال له: بدري، والغالب أنه لم يشهد بدراً، وإنما كان يسكن مكاناً اسمه بدر فنسب إليه، وهو ليس ممن شهد بدراً.
قال أبو مسعود: [(كنت أضرب غلاماً لي بالسوط، فسمعت صوتاً من خلفي: اعلم أبا مسعود! فلم أفهم الصوت من الغضب، قال: فلما دنا مني إذ هو رسول الله ﷺ ، فإذا هو يقول: اعلم أبا مسعود! اعلم أبا مسعود!)] وهذا التكرار فيه تهديد ووعيد شديد.
[(قال: فألقيت السوط من يدي)، وفي رواية: (فسقط السوط من يدي).
(فقال: اعلم أبا مسعود! أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام)] وهذا تهديد ووعيد شديد.
والنبي ﵊ رأى رجلاً يضرب دابة فقال: (من لم يَرحم لا يُرحم)، وفي رواية: (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) وهذه دابة، فكيف بالغلام الذي هو إنسان كما أنك إنسان؟ [(قال: فقلت: لا أضرب مملوكاً بعده أبداً)]، لأنه استشعر أن قدرة الله تعالى عليه أعظم من قدرته على ذلك العبد.
قال: [وحدثناه إسحاق بن إبراهيم أخبرنا جرير، (ح) وحدثني زهير بن حرب حدثنا محمد بن حميد المعمري]، والمعمري نسبة لملازمته لـ معمر بن راشد البصري قال: [عن سفيان، (ح) وحدثني محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق أخبرنا سفيان، (ح) وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عفان حدثنا أبو عوانة كلهم عن الأعمش بإسناد عبد الواحد نحو حديثه، غير أن في حديث جرير: (فسقط من يدي السوط من هيبته)]، أي: من هيبة رسول الله ﷺ .
قال: [وحدثنا أبو كريب محمد بن العلاء حدثنا أبو معاوية -وهو محمد بن خازم الضرير - حدثنا الأعمش -وهو سليمان بن مهران الكوفي - عن إبراهيم التيمي -وهو إبراهيم بن يزيد بن شريك الكوفي التيمي - عن أبيه عن أبي مسعود الأنصاري قال: (كنت أضرب غلاماً لي فسمعت من خلفي صوتاً: اعلم أبا مسعود! لله أقدر عليك منك عليه، فالتفت فإذا هو رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله! هو حر لوجه الله؛ فقال: أما لو لم تفعل للفحتك النار، أو لمستك النار)]، أي: للفحتك النار يوم القيامة، حيث يقتص الله لهذا العبد أو لهذا المملوك منك بالعذاب في النار.
قال: [وحدثنا محمد بن المثنى وابن بشار واللفظ لـ ابن المثنى قالا: حدثنا ابن أبي عدي عن شعبة عن سليمان].
وإذا روى شعبة عن سليمان؛ فاعلم أنه سليمان بن مهران الأعمش.
قال: [عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي مسعود: (أنه كان يضرب غلامه، فجعل يقول: أعوذ بالله! فجعل يضربه).
ويبدو أن الغضب كان قد تسلط عليه جداً، حتى أنه لم يسمع استعاذة العبد بالله أول مرة، وقد يغضب الشخص غضباً شديداً فيضرب امرأته أو ولده فيستعيذ بالله ويستجير به وهو لا يكف عنه، وليس هذا من باب عدم تعظيم الله وإجلاله، ولكن ثورة الغضب قد تطغى على عقله، فيندفع يضرب ولده ليس تهاوناً بأمر الله تعالى واستخفافاً بهذه الاستعاذة، وإنما فرط الغضب أدى به إلى ذلك، مع إجلاله وتعظيمه لله .
قال: [(فقال الغلام: أعوذ برسول الله! فتركه)].
والذي يعظم رسول الله فمن باب أولى لابد أن يعظم الله ، وإذا كان العبد لا يعظم الله فتعظيمه لرسول الله لا ينفعه، وربما استعاذ هذا الغلام برسول الله بعد أن هدأت ثورة سيده شيئاً ما فأدرك استعاذة المضروب أو المملوك.
قال: [(فقال رسول الله ﷺ : والله لله أقدر عليك منك عليه، قال: فأعتقه)]، أي: أبو مسعود.
قال: [وحدثنيه بشر بن خالد أخبرنا محمد بن جعفر عن شعبة بهذا الإسناد، ولم يذكر قوله: (أعوذ بالله)، أو قوله: (أعوذ برسول ال
стр. 2067
فوائد من أحاديث باب صحبة المماليك وكفارة من لطم عبده
قال العلماء في أحاديث هذا الباب: فيها الرفق بالمماليك، وحسن صحبتهم، وكف الأذى عنهم، كما أجمع المسلمون على أن عتقه بهذا ليس واجباً، وإنما هو مندوب رجاء كفارة ذنبه، فعتق العبد لأجل اللطمة مندوب وليس واجباً، وهذا إجماع.
وهذه الأحاديث فيها إزالة إثم ظلمه، ومما استدلوا به لعدم وجوب إعتاقه: حديث سويد بن مقرن بعده؛ لأن الأمر للوجوب في قوله: (فأمره أن يعتقه).
والأمر للوجوب إلا أن يصرفه صارف، وهذا الصارف في حديث سويد بن مقرن أنه لما اعتذر عن إعتاق العبد لأنهم ليس لهم خادم إلا هو قال ﵊: (فليستخدموها، فإذا استغنوا عنها فليخلوا سبيلها).
ولو كان أمراً واجباً حتماً حالاً لما قبل النبي ﷺ معذرة هؤلاء.
وأجمع العلماء أنه لا يجب إعتاق العبد بشيء فعله مولاه به.
قال: (واختلفوا فيما كثر من ذلك وكان شنيعاً من ضرب مبرح منهك لغير موجب لذلك، أو حرقه بالنار، أو قطع عضواً له، أو أفسده، أو نحو ذلك مما فيه مثلة -أي: تشويه لبدنه- فذهب مالك وأصحابه والليث إلى عتق العبد على سيده بهذا)، أي: بهذا الضرب أو المثلة، وقال بعض أهل العلم: للعبد على سيده العتق، ويكون ولاؤه له، ويعاقبه السلطان على فعله.
وقال جمهور العلماء: لا يعتق عليه، أي: لا يجب عليه، حتى وإن ضربه ضرباً مبرحاً لا يعتقه، أي: ليس ذلك على سبيل الوجوب وإنما هو على سبيل الندب والاستحباب.
واختلف أصحاب مالك فيما لو حلق رأس الأمة، أو لحية العبد، واحتج مالك بحديث ابن عمرو بن العاص في الذي جب عبده فأعتقه النبي ﷺ ، أي: قطع ذكره، فأمره النبي ﵊ بإعتاقه.
وأما قوله ﷺ : (من ضرب غلاماً له حداً لم يأته أو لطمه فإن كفارته أن يعتقه)، فهذه الرواية مبينة أن المراد ضربه بلا ذنب، وليس على سبيل التعليم والتأديب.
стр. 2068
التغليظ على من قذف مملوكه بالزنا
قال: (باب: التغليظ على من قذف مملوكه بالزنا)، يعني: اتهمه بهذه التهمة دون أن يأتيها العبد.
قال: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا ابن نمير -وهو عبد الله - (ح) وحدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا أبي حدثنا فضيل بن غزوان قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي نعم حدثني أبو هريرة ﵁ قال: قال أبو القاسم ﷺ : (من قذف مملوكه بالزنا يقام عليه الحد يوم القيامة، إلا أن يكون كما قال)]، أي: يقام عليه الحد يوم القيامة، إلا أن يكون هذا العبد قد زنى بالفعل، واتهام السيد له اتهام صحيح، وقد تحقق منه.
قال: [وحدثناه أبو كريب حدثنا وكيع، (ح) وحدثني زهير بن حرب حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق كلاهما عن فضيل بن غزوان بهذا الإسناد، وفي حديثهما: سمعت أبا القاسم ﷺ نبي التوبة يقول: (من قذف مملوكه بالزنا يقام عليه الحد يوم القيامة، إلا أن يكون كما قال)].
وهذا الحديث فيه إشارة إلى أنه لا حد على قاذف العبد في الدنيا.
стр. 2069
فروق الأحكام بين العبد والحر
والعبد يفترق عن الحر فيما يتعلق ببعض الأحكام، لا بأصل الأفضلية، فإنه لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أسود، ولا لحر على عبد، ولا لعبد على حر إلا بالتقوى، وهذا في يوم القيامة، وأما في الدنيا فإنهما يختلفان في بعض الأحكام، فلو أن حراً اتهم حراً بالزنا بغير بينة ولا شهادة فإنه يجلد حد القذف؛ لأنه اتهم عرض الآخرين بغير بينة، بل لو رأى ثلاثة نفر رجلاً يزني بامرأة ورأوا الإيلاج، فلا يحل لهؤلاء الثلاثة أن يقولوا: فلان زان، أو زنا بفلانة، إلا أن يكونوا أربعة؛ لأن هذا من شرط الشهادة في الزنا، فلو قام هؤلاء الثلاثة وشهدوا عند الحاكم أو القاضي بأن فلاناً زنى بفلانة فإنه يجب على القاضي أن يقيم عليهم حد القذف؛ لعدم اكتمال عدد شهود الزنا، ولو حلفوا مع هذه الشهادة أيماناً مغلظة فإن ذلك لا يصلح ولا ينفعهم، بل لابد من بلوغ الأربعة.
وأما لو اتهم سيد عبده بالزنا فإنه يقام عليه الحد لكن في يوم القيامة، وأما في الدنيا فلا، وهذا مجمع عليه، ولكن يعزر قاذفه، يعني: يعزر السيد، ولا يقام عليه الحد إلا في الآخرة.
والتعزير باب واسع ومتروك لاجتهاد السلطان، بخلاف الحد فإنه لا اجتهاد للحاكم أو السلطان فيه.
وإذا بلغه ما يستوجب الحد فليس حراً بأن يقيمه أو لا يقيمه، بل لابد من إقامته؛ لأن هذا حق الله ، وإذا تاب العبد بينه وبين ربه قبل أن يبلغ الحد إلى السلطان فإنه لا يلزمه إقامة الحد، كما أنه لا يلزم العبد كذلك أن يبلغ أمره إلى السلطان؛ لأنه تكفيه التوبة بينه وبين الله .
قال: فيه إشارة إلى أنه لا حد على قاذف العبد في الدنيا، وهذا مجمع عليه، ولكن يعزر قاذفه؛ لأن العبد ليس بمحصن، وسواء في هذا كله من هو كامل الرق وليس فيه سبب حرية، وكذلك المدبر.
стр. 2070
من أحكام المدبر
والمدبر هو: العبد الذي أعتقه سيده بشرط أن يكون ذلك بعد موته، فهذا العبد يطلق عليه: مدبر، أي: أنه حر في دُبر حياة سيده، وهذا مثل أن يقول شخص: لو مت فداري موقوفة على الأيتام، فما دام حياً فداره ملك له، فكذلك لو قال: عبدي حر إذا أنا مت، أو بعد مماتي عبدي حر، فهذا العبد لا يورث إذا مات سيده؛ لأنه مدبر، يعني: أخذ الحرية في دبر حياة سيده.
следующие страницы →