Полный текст (2 103 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
كلام النووي في صيام الست من شوال
قال النووي ﵀: (في هذا الحديث دلالة صريحة لمذهب الشافعية وموافقيهم في استحباب صوم هذه الست، وقال مالك وأبو حنيفة: يكره ذلك).
من العلماء من قال: صيام هذه الستة حرام.
وابن الجوزي عليه رحمة الله في كتابه العظيم (التحقيق لمسائل الخلاف بين أهل العلم) ذكر ثمانية أقوال لأهل العلم في حكم صيام ست من شوال، فذكر منها: أنه جائز، وذكر منها: أنه مستحب، وذكر منها: أنه واجب، وذكر منها: أنه مباح، وذكر منها: أنه مكروه، وذكر منها: أنه حرام.
ومن ذهب إلى كراهته وحرمته إنما قال ذلك مخافة المواظبة عليها؛ لأجل ألا يظن الناس أن صيام هذه الستة واجب، وهذا وإن كان بعيداً لكن على أية حال له وجه، والاجتهاد فيه سائغ، وإن كان العمل على خلافه عند جماهير العلماء، وهذا الحديث قاض بالرد على جميع من خالف ذلك، وأن صيام هذه الستة أمر مستحب، خاصة بعد أن استقرت السنة واستقرت الأحكام الشرعية.
قال: (قال مالك في الموطأ: ما رأيت أحداً من أهل العلم يصومها) يعني: الست من شوال، لكن بعض السنن تركها كثير جداً من الصحابة مثل: سنة الاعتكاف، لما تأتي تبحث عن أسماء الصحابة الذين حققوا هذه السنة تجدهم قلة في جنب أعداد الصحابة الغفيرة، فهم تركوها إما لانشغالهم، أو لمخالفتهم المواظبة على هذه السنة؛ فيظن الناس أو من لا علم له بأن الاعتكاف واجب، فكذلك صيام هذه الستة.
قال: (قال مالك: ما رأيت أحداً من أهل العلم يصومها، فيكره لئلا يظن وجوبه.
ودليل الشافعي وموافقيه هذا الحديث الصحيح الصريح، وإذا ثبتت -هذه قاعدة من قواعد أهل السنة والجماعة- السنة لا تترك لترك بعض الناس أو أكثرهم أو كلهم لها) يعني: أن السنة قاضية على الناس، والناس لا يقضون على السنة، حتى لو أن الصحابة كلهم تواطئوا على ترك العمل بحديث فلا يوافقون على ذلك، هذا على فرض أن هذا حدث، ولا يحدث؛ لأن الإجماع الذي لا خلاف عليه هو إجماع الصحابة، والصحابة لا يجمعون على باطل قط، والأمة في مجموعها في كل زمان وفي كل عصر معصومة من الإجماع على الباطل أو من الوقوع في الباطل، لكن قد يقع عالم في الباطل، واثنان، وثلاثة، وعشرة، فإذا زلت قدم عالم في باطل أو تكلم بكلام خالف فيه الدليل، تجد عشرات بل مئات العلماء في أمة لا إله إلا الله في شرق الأرض وغربها يردون عليه باطله وخطأه الذي أخطأ فيه، بهذا يظهر الحق للأمة، والأمة في مجموعها معصومة أن تقع في الباطل، وإذا كانت كذلك فالعصمة أقرب إلى الصحابة من غيرهم؛ لقرب عهدهم بنزول الوحي، وفهمهم لكلام الرب ﵎، وأنه نزل بلغتهم، وأنهم أعلم الناس بكلام الله وكلام رسوله ﷺ .
فقوله: (وإذا ثبتت السنة لا تترك لترك بعض الناس أو أكثرهم أو كلهم لها) يعني: أن الفيصل هنا والرجوع للدليل لا للناس.
كذلك إذا كان الدليل يحتاج إلى إعمال فكر وبذل جهد لاستنباط الفوائد واستخراج النكت منه، فلا شك أن اجتهاد العلماء أولى من اجتهاد غيرهم، يعني: لما يجيء شيخ الإسلام ابن تيمية فيجتهد في حديث وأنا أجتهد في حديث فلا شك وبلا توقف أن اجتهاد شيخ الإسلام ابن تيمية أولى من اجتهاد غيره؛ لأن عقله أرجح وعلمه أتم، وعنده ملكة في الاستنباط أكثر من غيره، وهو صاحب جد واجتهاد وغير ذلك، فإذا ترك بعض الناس العمل بالدليل الصحيح الصريح، وجب على المسلمين ترك كلام من خالف الدليل والعمل بالدليل.
قال: (قال الشافعي: والأفضل أن تصام الستة متوالية عقب يوم الفطر) لكن تفريقها جائز؛ لقوله ﵊: (من شوال) و (من) هنا تبعيضية تفيد التجزئة.
стр. 247
شرح صحيح مسلم - كتاب الصيام - بيان أن لكل بلد رؤيتهم وأن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر
العبرة في دخول الشهر القمري رؤية الهلال لا الحساب الفلكي، لكن يستأنس بالحساب الفلكي، واعتماد الرؤية هو الموافق للنصوص الشرعية، ويترتب على ذلك أن لكل بلد رؤيتهم، فمتى اختلفت المطالع، وتباعدت المسافات بين البلدان، فكل بلد له رؤية خاصة به، لكن إذا تقاربت المسافات بين البلدان واتحدت المطالع فرؤية إحدى البلدان لازمة لجميع البلدان المجاورة لها المتحدة معها في المطلع.
стр. 248
الأقوال في رؤية الهلال في بلد دون بلد
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فمع الباب الخامس من كتاب الصيام في صحيح مسلم، وهو باب في غاية الأهمية، والذي سبقه باب هام جداً، وهو هل العبرة في دخول الشهر على الحساب الفلكي المحدث أم أنه على الرؤية العينية؟ ذكرنا هناك أن الاعتماد إنما هو على الرؤية العينية؛ لقوله ﵊: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) لا على الحساب الفلكي، إنما هذا أمر محدث.
والحساب الفلكي لا بأس أن نستأنس به، بحيث يكون في المرتبة الثانية بعد مرتبة الرؤية بالعين، أما أن يكون الاعتماد عليه وترك الرؤية بالعين فهذا ترك لشيء من سنة النبي ﵊.
أما رؤية الهلال في بلد هل تلزم جميع البلاد، أو تلزم بعض البلاد دون بعضها، أو تلزم البلد الذي رؤي فيه الهلال فحسب؟ هذه ثلاثة مذاهب في هذه المسألة.
فبعضهم يقول: إذا رئي الهلال في بلد لزم الأخذ به في جميع بلاد المسلمين.
وبعضهم يقول: بل يلزم فقط القطر الذي رئي فيه دون غيره، وهو ما يعبر عنه بأسلوب آخر: أن كل قطر اشترك في الليل والنهار ولو كان بينهم اختلاف يسير، فإن رؤية الهلال في إحدى بلدان هذا القطر تلزم جميع القطر دون غيره، يعني: نحن الآن في مصر والشام والعراق والأردن والسعودية وغيرها من البلاد المجاورة والمحيطة التي على خط واحد من خط الاستواء، فالنهار عندنا جميعاً واحد، والليل عندنا جميعاً واحد، وإن كانت هناك فروق يسيرة نصف ساعة ربع ساعة فهذا أمر لا يضر، فكلنا نشترك في الليل والنهار، ليلنا واحد ونهارنا واحد.
أما لو نظرت إلى بلاد أوروبا مثلاً أو أقصى المغرب العربي، أو بلاد أمريكا لوجدت أن الليل هنا نهار هناك، والنهار هناك ليل هنا، فهل يلزم من كان في أمريكا رؤية الهلال هنا في مصر؟
الجواب
لا، لا يلزمه.
وهذا أحد المذاهب وهو أقواها في المسألة؛ لأن الهلال ربما يظهر الآن في هذه اللحظة التي نحن فيها، وهذه اللحظة هي هناك بدء النهار في أمريكا، فلو قلنا لهم: ظهر الهلال عندنا لقالوا: لقد صلينا الفجر وشربنا الشاي ولم تنعقد نيتنا، فليلكم هو عندنا نهار، فهل يصح أن نلزمهم برؤية الهلال عندنا؟ لا، لا يصح، ولذلك هذا الرأي الثاني هو أرجح الأقوال في المسألة.
الرأي الثالث: أن كل أهل بلد رأوا الهلال فإنما هذه الرؤية تلزمهم دون غيرهم، الخلاف هنا كيف نحدد هذا البلد؟ هل هي بهذه المسميات والمصطلحات التي وضعها المستعمرون والأجانب؟ يعني: هل رؤية أهل مصر تلزم أهل ليبيا أم لا تلزمهم؟ إذا قلنا بأن رؤية أهل مصر لا تلزم رؤية أهل ليبيا، فكيف نحدد المسافة والحدود بين البلدين، هل هي بأقصى البلاد من جهة الشمال لمصر ومن جهة الجنوب لليبيا؟ لو أن رجلاً ليبياً وآخر مصرياً بينهما جدار، وهو الذي يفصل حدود مصر عن حدود ليبيا، فإذا رأى المصري الهلال هل تلزم هذه الرؤية صاحبه الليبي الذي بينه وبينه ربما (١٠سم) أو (١٥سم)، أم لليبي أن يقول له: أنت رؤيتك لا تلزمني؛ لأني ليبي وأنت مصري؟ هذه أمور هي أدعى لتفرق الأمة وتمزق وحدتها، والذي يترجح لدي في القضية: أن رؤيتنا تلزم جميع البلاد التي تشترك معنا في الليل والنهار، ولا تلزم غيرهم من أصحاب الأقطار البعيدة الذين يختلفون معنا في أصل الليل والنهار، لا في بعض الليل والنهار، فإذا زادوا عنا ساعة أو قلوا عنا ساعة فإن رؤيتهم تلزمنا ورؤيتنا تلزمهم كذلك.
стр. 249
باب بيان أن لكل بلد رؤيتهم وأنهم إذا رأوا الهلال ببلد لا يثبت حكمه لما بعد عنهم
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب بيان أن لكل بلد رؤيتهم، وأنهم إذا رأوا الهلال ببلد لا يثبت حكمه لما بعد عنهم] قوله: (وأنهم إذا رأوا الهلال ببلد لا يثبت حكمه لما بعد عنهم) أي: البلد البعيد عنهم لا يلزم برؤيتهم.
قال: [حدثنا يحيى بن يحيى ويحيى بن أيوب وقتيبة وعلي بن حجر قال يحيى: أخبرنا وقال الآخرون: حدثنا إسماعيل وهو ابن جعفر عن محمد وهو ابن أبي حرملة عن كريب: (أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام، قال: فقدمت الشام فقضيت حاجتها، واستهل علي رمضان -يعني: دخل علي رمضان- وأنا بالشام، فرأيت الهلال ليلة الجمعة -يعني: كريب رأى الهلال بالشام ليلة الجمعة- ثم قدمت المدينة في آخر الشهر -أي: في آخر شهر رمضان- فسألني عبد الله بن عباس ﵄ -أي: سأله عن أحوال معاوية وأحوال أهل الشام- ثم ذكر الهلال فقال: متى رأيتم الهلال؟ -أي: متى رأيتم الهلال بالشام- فقلت: رأيناه ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيته؟ فقلت: نعم، ورآه الناس -يعني: لست أنا فقط الذي رأيته، وإنما رآه معي بقية الناس أو بعض الناس- وصاموا وصام معاوية)] أي: صاموا بصيام الأمير، لما صام معاوية صام الناس واعتمدوا رؤية كريب وغيره من الناس.
قال: [(فقال ابن عباس: لكنا رأيناه ليلة السبت)] يعني: نحن هنا بالمدينة أو بمكة رأيناه ليلة السبت، وأهل الشام رأوه ليلة الجمعة، والنبي ﵊ يقول: (صوموا لرؤيته) فضمير الجمع في قوله: (صوموا) هل هو موجه إلى جميع المسلمين في أنحاء الأرض، أم موجه إلى أهل كل قطر، أم موجه إلى أهل كل بلد، أم موجه إلى كل فرد على حدة؟ أما القول الأخير فمردود وباطل؛ لأنه لا يتصور أن النبي ﵊ يلزم كل رجل في أمته أن يرى الهلال، وأنه إذا لم ير الهلال لا يصوم، هذا أمر باطل، وإن كان بعض أهل العلم قال به، لكن ضمير الجمع هنا في قوله: (صوموا) موجه لأهل هذه الأقوال الثلاثة التي ذكرناها آنفاً.
قال: [(لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه)] هذا كلام ابن عباس، يعني: رؤيتكم لهلال رمضان ليلة الجمعة في الشام أمر لا يجعلنا نعتمده ونحن بالمدينة أو مكة؛ لأن ابن عباس اعتبر أن بلده لها رؤية خاصة، وأن الشام لها رؤية خاصة.
إذاً: مذهب ابن عباس هو أن لكل أهل بلد رؤية تخصهم، مع أن حديث كريب مع ابن عباس ربما لا يخدم الواقع الذي يمر به المسلمون الآن؛ لأن ابن عباس ﵄ ما أخبر ببدء رمضان في الشام إلا في نهاية شهر رمضان، أما الهلال الآن لو ظهر في أقصى البلاد فسيصل خبره سريعاً بواسطة الهاتف، بالمذياع، بالتلفزيون، بالإنترنت، بأي وسيلة من هذه الوسائل المتقدمة المتطورة تستطيع أن تعرف في لحظة أن الهلال ظهر في بلاد المشرق أو في بلاد المغرب، أو في بلاد آسيا أو إفريقيا أو غيرها من البلدان.
قال: [(فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه -أي: إذا رأيناه قبل تمام الشهر ثلاثين صمنا تسعاً وعشرين فقط، وإذا لم نره أكملنا العدة ثلاثين يوماً- فقلت: أولا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟)] يعني: ألا تكتفي يا ابن عباس برؤية معاوية والناس للهلال، وأن الناس هناك قد صاموا مع معاوية.
قال: [(فقال ابن عباس: لا، هكذا أمرنا رسول الله ﷺ ].
ابن عباس رد على كريب وقال له: لا، لا نعتمد رؤيتكم ولا صيامكم؛ لأن هذا ليس باباً من أبواب الرواية، وإنما هو باب من أبواب الشهادة، وبين الرواية والشهادة فروق: منها: أن الشهادة ترد إذا لم يكتمل نصاب هذه الشهادة، ومذهب ابن عباس أن دخول الشهر إنما يثبت بشاهدين لا بواحد، ولذلك رد شهادة كريب لا رؤيته.
وقول ابن عباس: (لا، هكذا أمرنا رسول الله ﷺ ابن عباس لم يذكر هذا الأمر الذي أمر به النبي ﵊، ولذلك اختلف فيه أهل العلم، فقالوا: إنما اكتفى ابن عباس بنقل أصل الأمر الذي أمر به النبي ﵊، وقال: (هكذا أمرنا) أي: أمر بفحوى كلام ابن عباس؛ لأن ابن عباس لم ينقل نص الأمر عن النبي ﵊.
وقال بعضهم: بل عنى ابن عباس ﵄ بقوله: (هك
стр. 250
حكم الهلال إذا رؤي في بلد يختلفون عن غيرهم في الليل والنهار
يقول الإمام النووي ﵀: (حديث كريب وابن عباس ظاهر الدلالة للترجمة، يعني: أن لكل بلد رؤيتهم، وأنهم إذا رأوا الهلال ببلد لا يثبت حكمه لما بعد عنهم) وأنا أؤكد على قوله: (لما بعد عنهم)؛ لأن المذهب الراجح الذي يترجح لدينا: هو أن أهل بلد إذا رأوا الهلال لا يثبت حكمه لمن اختلفوا معهم في الليل والنهار.
قال: (والصحيح عند أصحابنا -أي: عند الشافعية- أن الرؤية لا تعم الناس) يعني: المذهب الراجح عند الشافعية أن الرؤية لا تعم الناس، بل تختص بمن قرب.
إذاً: ما هو حد القرب والبعد؟ هو الاشتراك في الليل والنهار، أن نكون جميعاً على خط متقارب من خط الاستواء، فلو نحن رأينا الهلال مثلاً في مصر فهل يلزم البلدان المجاورة لمصر العمل بهذه الرؤية؟ لقد انطبع في أذهان الناس أنهم يتوجهون في بداية شهر رمضان إلى بلاد الحجاز ويعتمدون رؤيتهم،
و
السؤال
لم الحجاز بالذات؟ الحجاز ما هي إلا بلد من بلدان المسلمين، هي كمصر وليبيا والجزائر وتونس والعراق والأردن وسوريا وغيرها من البلدان، فإذا سمعت خبراً من سورية يقول: قد رأينا الهلال هل تعتمد هذه الرؤية؟ لا تعتمدها؛ لأنك اعتدت على أن ترتبط في عبادتك ببلد معين، وأنا أقول: إن رؤية أهل هذه البلاد التي ذكرتها والتي لم أذكرها ممن قرب من البلدان تلزم جميع البلدان، والأسبقية لمن سبق.
تكلمنا عن الحساب الفلكي وقلنا: إنه يستأنس به ولا يعتمد عليه، وفي السعودية ينظرون في الحساب الفلكي، لكنهم لا يعتمدونه أصلاً، والحكومة السعودية تمنح جائزة لمن رأى الهلال عشرة آلاف ريال في كل شهر، وهذا حدا ببعض الناس أن يسارعوا إلى الإعلان بأنهم قد رأوا الهلال وهم في الحقيقة لم يروه، ولذلك ثبت عدة مرات في الأعوام المتأخرة أن بدء رمضان كان في السعودية على غير حقيقته، وهذا ليس مطعناً عاماً في أهل البلاد، وإنما مطعن فيمن م يتق الله .
فالأصل في هذا الأمر أنه يتم بلا جائزة وبلا منحة، وجائزته عند ربه.
لكن الذي أريد أن أنبه عليه لو أن أحداً رأى الهلال في مصر فإنه يلزم جميع البلاد، وإن لم يره أهل الحجاز، ولو ظهر الهلال ورئي رؤيا العين في سوريا وفي بغداد من رجل ثقة أمين عدل فإنه يلزم جميع أهل القطر، فإننا نعنى ونهتم في كل شهر ببدايته ونهايته على كل خبر يأتينا عن ثقة من أي بلد من هذه البلاد، ولكن لا نعتمد الاعتماد الكلي على بلاد الحجاز.
стр. 251
توجيه الإمام النووي لحديث ابن عباس مع كريب في رؤية الهلال
قوله: (فقلت: نعم ورآه الناس وصاموا وصام معاوية) إلى آخره.
يقول النووي: (والصحيح عند أصحابنا أن الرؤية لا تعم الناس، بل تختص بمن قرب على مسافة لا تقصر فيها الصلاة).
دعك من هذه الجزئية.
ثم قال: (وقيل: إن اتفق المطلع -أي: قربهم من خط الاستواء- لزمهم رؤية واحدة.
وقيل: إن اتفق الإقليم وإلا فلا.
وقال بعض الشافعية: تعم الرؤية في موضع جميع أهل الأرض) يعني: الذي يرى في أي قرية من القرى على وجه الأرض هذه الرؤية تلزم جميع المسلمين على وجه الأرض، وهذا رأي فاسد.
ثم يقول النووي: (نقول: إنما لم يعمل ابن عباس بخبر كريب؛ لأنه شهادة، فلا تثبت بواحد، لكن ظاهر حديثه أنه لم يرده لهذا؛ وإنما رده لأن الرؤية لم يثبت حكمها في حق البعيد) يعني: على افتراض أن ابن عباس قَبِل كلام كريب ولكنه لم يعمل به؛ لأن بلاد الشام بلاد بعيدة جداً عنهم بينهم وبينها شهر، فرؤيتهم لا تلزمهم؛ لأن لهم رؤية تخصهم.
والحقيقة هذه المسألة فيها أبحاث كثيرة جداً وصنفت فيها فوق عشر رسائل رأيتها، ومدارها على هذه الآراء الثلاثة، وأرجح هذه الآراء -وهو الذي يهمنا- أن رؤية أي بلد من بلاد المسلمين المجاورة التي تشترك في الليل والنهار تلزم جميع البلاد، بشرط أن تكون رؤية عين، لقوله ﷺ : (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته) أي: رؤية العين هذه، إما بالعين المجردة وإما بالمكبرات والعدسات والأجهزة الحديثة.
أما الحساب الفلكي في البدء والنهاية للشهر فهذا يستأنس به ولا يعتمد عليه، لكن الفرق بيننا وبين أمريكا أنهم يختلفون عنا عشر ساعات، وأقصى غرب أمريكا يختلف معنا في أربع عشرة ساعة، فهل يقال: إنهم يشتركون معنا في الليل والنهار؟ لا يقال ذلك؛ لأنهم يختلفون معنا في الأصل، أصل الليل عندنا نهار عندهم، والعكس بالعكس، فلا يقال: إنهم متفقون معنا قط، والذي يختلف معنا في خمس ساعات أو أربع ساعات لا بد أن مواقيت الصلاة تختلف بيننا وبينهم كذلك.
وأنا ذهبت إلى بلد في أمريكا في أقصى الجنوب النهار عندهم دوماً أربع ساعات فقط، والليل عشرون ساعة، والعكس في أقصى شمال أمريكا يكون النهار عشرين ساعة، والليل أربع ساعات، فكانوا يسألوننا: كيف نحسب صلاتنا؟ قلنا: قدروا لها قدرها.
فتصور أن أهل أقصى الجنوب كانوا يصلون الصلوات الخمس في خلال أربع ساعات، واتصلوا بالشيخ ابن باز ﵀ والشيخ الألباني ﵀ والشيخ ابن عثيمين ﵀، فالجميع اتفقوا على أن أهل هذه البلاد يقدرون للصلاة قدرها: ما بين الصبح إلى الظهر أكثر مما بين الظهر إلى العصر، وما بين الظهر إلى العصر هو نفس الذي بين العصر والمغرب، وبين المغرب والعشاء شيء يسير، فقدروا لها قدرها، فكانوا يقدرون بالساعات إلا الصبح والمغرب هذه بالشروق وهذا بالغروب.
стр. 252
باب بيان أنه لا اعتبار بكبر الهلال وصغره وأن الله تعالى أمده للرؤية فإن غم فليكمل ثلاثون
стр. 253
شرح حديث: (إن الله أمده للرؤية فهو لليلة رأيتموه)
قال: [باب بيان أنه لا اعتبار بكبر الهلال وصغره، وأن الله تعالى أمده للرؤية، فإن غم فليكمل ثلاثون.
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا محمد بن فضيل عن حصين عن عمرو بن مرة عن أبي البختري - وهو سعيد بن فيروز الطائي - قال: (خرجنا للعمرة، فلما نزلنا ببطن نخلة قال: تراءينا الهلال -أي: تكلفنا رؤية الهلال في موضعه وفي مخرجه الذي يخرج منه عادة- فقال بعض القوم: هو ابن ثلاث، وقال بعض القوم: هو ابن ليلتين، قال: فلقينا ابن عباس فقلنا: إنا رأينا الهلال، فقال بعض القوم: هو ابن ثلاث، وقال بعض القوم: هو ابن ليلتين.
فقال: أي ليلة رأيتموه؟ قال: فقلنا: ليلة كذا وكذا، فقال: إن رسول الله ﷺ قال: إن الله أمده للرؤية فهو لليلة رأيتموه)]، ومعناه: أنه أطال مدة هذا الهلال حتى رأيتموه، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ﴾ [الأعراف:٢٠٢] قرئ من وجهين أي: يطيلون لهم، فإن الله أطال هذا الهلال حتى رآه الناس.
فنكون مع رؤية من رآه حتى وإن زاد الشهر وإن نقص، فلو أنك بنفسك رأيت الهلال هنا فبدأت الصوم، والحجاز بدءوا بعدك بيوم، فذهبت لتعتمر، فرأوا هم الهلال في التاسع والعشرين أو رأوه في الثلاثين، فإما أن تزيد يوماً أو أن تنقص يوماً، فإن كان نقصاً فيلزمك أن تعيد يوماً بعد العيد.
لكن لا بد أن تعرف أن كثيراً من مسائل الفقه محل اختلاف بين أهل العلم، فيها الراجح، وفيها المرجوح، وفيها الباطل المردود، أما الباطل المردود فلم يقل به أحد من العلماء الأجلاء الكبار الذين يعتمد عليهم، أما الراجح والمرجوح فلا بد أن تعلم أن الخلاف له أول وله نهاية، أحد هذه الآراء في قمة هذه المسائل، وأحد هذه الآراء في أدنى المسائل، ولا أستطيع أن أرد هذا الرأي الذي هو أنزل الآراء؛ لأن الدليل يشهد له أحياناً، وبين الأعلى والأسفل آراء أخرى، ولذلك لما يحصل شيء عندك تسأل وتقول: أنا أريد أن أعلم حكم الدين في هذه القضية، فيجيبك العالم ويقول: حكم الدين في هذه القضية كيت وكيت وكيت.
فتقول له: هل هناك أحد قال بغير هذا القول؟ أنت بنفسك تبحث عن قول آخر يوافق ما أنت عليه، فإذا وجدته في أقوال أهل العلم تشبثت به؛ لأنه يوافق ما في نفسك.
стр. 254
شرح حديث: (إن الله أمده لرؤيته، فإن أغمي عليكم فأكملوا العدة)
قال: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا غندر عن شعبة وحدثنا ابن المثنى وابن بشار قالا: حدثنا محمد بن جعفر أخبرنا شعبة عن عمرو بن مرة قال: سمعت أبا البختري قال: (أهللنا رمضان ونحن بذات عرق)] ذات عرق هي ميقات أهل العراق، ومن أتى من جهة العراق يريد حجاً أو عمرة فليحرم من هذا الميقات المكاني.
وميقات أهل اليمن يلملم.
وميقات أهل مصر رابغ أو الجحفة.
وميقات أهل المدينة أبيار علي، التي هي ذو الحليفة.
بعد أن ذكر النبي ﵊ هذه المواقيت المكانية قال: (هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن) يعني: هذه المواقيت لأهلها إذا مروا بها، ولمن أتى عليها من غير أهلها، فأنا عندما أكون في المدينة وأريد أن أعتمر فهل أرجع إلى رابغ خمسمائة أو ستمائة كيلو، أو أمر على ميقات أهل المدينة وهو ذو الحليفة وأحرم منه؟ أحرم من ذي الحليفة.
قال: [(أهللنا رمضان ونحن بذات عرق، فأرسلنا رجلاً إلى ابن عباس ﵄ يسأله، فقال ابن عباس ﵄: قال رسول الله ﷺ : إن الله قد أمده لرؤيته، فإن أغمي عليكم فأكملوا العدة)].
أراد النبي ﵊ أن يبين مسألة اعتقادية: وهي هل يمكن أن يظهر الهلال ويختفي دون أن يراه أحد من المسلمين؟ لا، غير ممكن؛ لأن هذا يتنافى مع رحمة الله بخلقه، ولذلك من رحمته وفضله أن يمد الهلال مداً، بمعنى: أنه يبقيه حتى يراه الناس، فإن خفي على قوم ظهر لآخرين, وإن خفي على واحد ظهر لآخر، وهذا هو مد الله للهلال.
فقوله: (إن الله قد أمده حتى ترونه) يعني: أن الله تعالى قد أبقاه في السماء ظاهراً واضحاً، فإن خفي على بلد ظهر لآخر فمثلاً: بين العراق والأردن ألف كيلو، فلو اعتبرت أن العراق بلد والأردن بلد، وأن أهل كل بلد من هذين البلدين لا يلزم برؤية البلد الآخر؛ لبعد المسافة، فعندنا هنا بين القاهرة وبين أسوان ألف كيلو، نفس المسافة التي بين العراق والأردن، فهل يمكن أن يقال: إن لأسوان رؤية خاصة بها، والقاهرة رؤية خاصة بها؟ لا، بل الرؤية كما تلزم أسوان التي تبعد عن القاهرة ألف كيلو تلزم كذلك الأردن التي تبعد عن العراق أيضاً ألف كيلو.
أما قوله: (فإن أغمي عليكم).
لا يمكن أن تصيب الغمة جميع المسلمين في شرق الأرض وغربها؛ لأن الهلال ربما حال بيننا وبين رؤيته غمامة أو غياية في السماء في مصر، هذه الغمامة ليست موجودة في الحجاز، وليست موجودة باليمن، ولا بالسودان، ولا بالعراق، ولا بالأردن؛ لأنه لا يعقل أن الغمامة ستحجب الهلال أو الشمس أو القمر عن العالمين بحيث لا يراهما أحد من الخلق، لا يمكن؛ لأن هذا يتنافى مع فضل الله وحكمته ورحمته، ولذلك النبي ﷺ أراد أن يطمئننا فقال: (إن الله قد أمده لرؤيته) يعني: سترونه في مطلع كل شهر ولا بد، وهذا أمر حتمي، وهذه المسألة لا بد أن تكون من عقيدتك: أن الهلال يغم على قوم أو قرية أو بلد أو دولة ويظهر لغيرها، المهم أنه سيظهر وسيراه الناس، وإن خفي على البعض.
قوله: (فأكملوا العدة) أي: الواجب الشرعي على المسلمين أن يكملوا العدة ثلاثين، عدة شعبان إذا كان في بدء رمضان، وعدة رمضان إذا كان ظهور العيد.
стр. 255
باب بيان معنى قوله ﷺ : (شهرا عيد لا ينقصان)
قال: [باب بيان معنى قوله ﵊: (شهرا عيد لا ينقصان)] يعني: شهر رمضان الذي ينتهي بالعيد، وشهر ذي الحجة الذي فيه العيد.
فالمتبادر إلى الذهن أن معنى قوله: (شهرا عيد لا ينقصان) أنهما يكونان ثلاثين يوماً، والإمام مسلم أتى بهذا الحديث في هذا الموطن بالذات حتى يبين المعنى الصحيح لهذا الحديث؛ لأن هذا الحديث لو سمعته في أي مكان غير درس العلم لقلت: قوله: (لا ينقصان) يعني: هما على التمام ثلاثون يوماً باستمرار وباطراد.
إذاً: ما معنى قوله: (شهرا عيد لا ينقصان)؟ أي: لا ينقصان في الثواب والأجر، وهذا أرجح الأقوال في هذا الحديث.
يعني: لو أتى رمضان تسعة وعشرين يوماً فأجره كما لو كان ثلاثين يوماً.
وكما أن في شهر رمضان من الفضائل والمناقب والمنح الربانية ما ليس في غيره من الشهور، فكذلك شهر ذي الحجة فيه يوم عرفة الذي يكفر ذنوب سنة مضت وسنة لاحقة، إن لم يكن فيه إلا هذا اليوم لكفى، ولذلك اختلف أهل العلم في أفضل الأيام بين رمضان وذي الحجة.
أنتم تعلمون الأحاديث التي وردت في بيان فضل العشر الأوائل من ذي الحجة، وهي في الصحيحين وفي غيرهما، كما لا يخفى عليكم فضل العشر الأواخر من رمضان، والأحاديث التي أتت ووردت في فضل هذه الأيام في الصحيحين وغيرهما، فهل العشر الأواخر من رمضان أفضل، أم العشر الأوائل من ذي الحجة؟ اختلف أهل العلم، وأرجح الأقوال في هذا هو قول شيخ الإسلام ابن تيمية: أن أيام ذي الحجة أفضل؛ لأن ذا الحجة يمتاز بأن عرفة في النهار والنحر في النهار، ويوم النحر هو اليوم المتمم للعشر، والنحر في النهار، ولا بأس أن يكون في الليل، لكن العادة أن الحجاج وغير الحجاج ينحرون في النهار دون الليل، فالنحر إنما يتم فيه، والنحر عبادة عظيمة.
أما ليالي رمضان فامتازت على ليالي ذي الحجة؛ لأن فيها ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، وهي حوالي ثلاث وثمانين سنة وأربعة شهور.
قال الإمام النووي: (قوله ﵊: (شهرا عيد لا ينقصان: رمضان، وذو الحجة) الأصح أن معناه: لا ينقص أجرهما والثواب المرتب عليهما وإن نقص عددهما)، يعني: وإن نقص عدد رمضان إلى تسعة وعشرين وكذلك شهر ذي الحجة، فإن الثواب يكون كاملاً لمن تعبد إلى الله في هذين الشهرين.
ثم قال: (وقيل: معناه: لا ينقصان جميعاً في سنة واحدة غالباً) يعني: إذا جاء رمضان تسعة وعشرين يوماً فلا يمكن أن يأتي معه ذو الحجة في نفس السنة تسعة وعشرين يوماً، لا بد أن يكون ثلاثين يوماً، أما أن ينقصا في سنة واحدة فلا، لا بد أن يكون أحدهما أتم من الآخر، وهذا رأي وإن كان وجيهاً إلا أن الأول أقوى منه.
ثم قال: (وقيل: لا ينقص ثواب ذي الحجة عن ثواب رمضان؛ لأن فيه المناسك، وهو قول ضعيف، قاله الخطابي، والأول هو الصواب المعتمد.
ومعناه: أن قوله ﵊: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه).
وقوله ﵊: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) وغير ذلك.
فكل هذه الفضائل تحصل سواء تم عدد رمضان أم نقص، وكذلك في شهر ذي الحجة، والله تعالى أعلم).
стр. 256
باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر وغير ذلك
قال: [باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر، وأن له الأكل وغيره حتى يطلع الفجر] يعني: له الحق في أن يطعم ويشرب ويجامع ويأتي ما هو حرام على الصائم قبل طلوع الفجر، أما إذا طلع الفجر فالطعام والشراب والشهوة حرام عليه، وأن الصيام لا يجب إلا بطلوع الفجر.
стр. 257
شرح الأحاديث في معنى الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر
قال: [وبيان صفة الفجر الذي تتعلق به الأحكام من الدخول في الصوم، ودخول وقت صلاة الصبح وغير ذلك.
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن إدريس عن حصين عن الشعبي عن عدي بن حاتم ﵁ قال: (لما نزلت: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧])] أظن أن هذه الزيادة (من الفجر) ليست في هذا الموضع بالذات من الحديث؛ لأن قوله : ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧] نزلت وحدها، يعني: هذا الحرف فقط نزل وحده، لما أخطأ عدي بن حاتم وغيره من الصحابة، وأول الخيط الأبيض والخيط الأسود بتأويلات غير سليمة وغير سديدة، أنزل الله ﵎ قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧] أما حين نزلت: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ [البقرة:١٨٧]، فكانوا يأخذون هذا النص على ظاهره، فهذا عدي بن حاتم نفسه هو صحابي كبير جاء بخيط أبيض وخيط أسود ووضعه تحت المخدة، وظل يأكل ويشرب حتى طلع الفجر، فلما بلغ ذلك النبي ﵊ قال: (إن وسادك لعريض) يعني: ستظل تأكل إلى حد الشروق.
فلما كان ذلك من عدي بن حاتم وبعض الصحابة ﵃، أنزل الله ﵎ قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧]، فعلموا أن الخيط الأبيض هو النهار، والخيط الأسود هو الليل، والفرق بين الخيط الأبيض الذي هو النهار، والخيط الأسود الذي هو الليل هو طلوع الفجر.
ثم قال: [(قال له عدي بن حاتم -أي: قال للرسول ﵊: يا رسول الله! إني أجعل تحت وسادتي عقالين: عقالاً أبيض وعقالاً أسود، أعرف الليل من النهار)] العقال: هو الحبل أو الذي يضعه بعض العرب هذه الأيام على الغترة أو الشماغ.
فقوله: (أعرف الليل من النهار) يعني: أعرف أن الفجر دخل، فقال النبي ﵊: (إن وسادك لعريض) يعني: سيبقى ليلك طويلاً جداً ما سينتهي.
قال: [(إنما هو سواد الليل وبياض النهار)] يعني: المقصود ومراد الرب ﵎ بقوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ [البقرة:١٨٧] يعني: حتى يخرج النهار وينشق من الليل وهو الفجر الصادق.
قال: [حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري حدثنا فضيل بن سليمان حدثنا أبو حازم حدثنا سهل بن سعد قال: (لما نزلت هذه الآية: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ [البقرة:١٨٧] قال: كان الرجل يأخذ خيطاً أبيض وخيطاً أسود فيأكل حتى يستبينهما)] يعني: لا يزال يأكل حتى يتبين له الخيط الأبيض من الأسود، ولم يكن عندهم كهرباء، ويمكن يأكل إلى حد الشروق.
قال: [(حتى أنزل الله : ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧] فبين ذلك)] أي: بين أن المراد بالخيط الأبيض النهار، والخيط الأسود الليل.
قال: [حدثنا محمد بن سهل التميمي وأبو بكر بن إسحاق قالا: حدثنا ابن أبي مريم أخبرنا أبو غسان حدثني أبو حازم عن سهل بن سعد ﵁ قال: (لما نزلت هذه الآية: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ [البقرة:١٨٧] قال: فكان الرجل إذا أراد الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأسود والخيط الأبيض، فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له رئيهما -يعني: الاطلاع عليهما ومعرفة ألوانهما- فأنزل الله بعد ذلك: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧] فعلموا أنما يعني بذلك الليل والنهار)].
يعني: الربط ليس له أي علاقة في القضية، ولكنهم اجتهدوا فأخطئوا، وهذا يدل على أن الصحابة ﵃ غير معصومين، إنما المعصومون هم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
стр. 258
شرح حديث: (إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم)
قال: [حدثنا يحيى بن يحيى ومحمد بن رمح قالا: أخبرنا الليث.
(ح) وحدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه ﵃ عن النبي ﷺ قال: (إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا تأذين ابن أم مكتوم)]، هذا يدلنا على أن للفجر أذانين، وإذا كان المسجد صغيراً لا بأس أن يقوم بالأذانين واحد، ولا بأس من اتخاذ أكثر من مؤذن في وقت واحد في المسجد الواحد إذا كان الأذان في أحد نواحيه لا يسمع من كان في النواحي الأخرى، فحين يتوجه المؤذن شمالاً بغير مكبر الصوت ويؤذن ولا يسمع من كان في الناحية الأخرى فلا بأس باتخاذ مؤذن آخر، وقد اتخذ عمر بن عبد العزيز وعبد الملك بن مروان وغيرهما من الخلفاء والأمراء مؤذنين فأكثر للمسجد الواحد، لكن لا يقيم في المسجد إلا واحد؛ لأن الجماعة واحدة حينئذ.
أما النداء فشأنه إخبار الناس وإعلامهم بدخول وقت الصلاة، فلا بد أن يتم هذا الإعلان، فإذا أعلنت أنا في الناحية الغربية، وبقي من كان في جميع النواحي لم يسمع؛ فلا بأس من اتخاذ مؤذن.
أما الآن فقد أغنانا عن اتخاذ عدة مؤذنين للمسجد الواحد هذه المكبرات الصوتية، فإن المؤذن الواحد يكفي؛ لأن العلة التي لأجلها شرع الأذان قد بلغت الناس، وهو أنهم جميعاً قد سمعوا النداء في كل واد وفي كل مكان وفي كل ناحية، فقامت عليهم الحجة بالإتيان إلى المسجد.
فقوله: (إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا تأذين ابن أم مكتوم) هذا يدلنا على أن في مسجد النبي ﷺ كان يؤذن له في الفجر مؤذنان: بلال، وابن أم مكتوم.
أما بلال فكان يؤذن قبل طلوع الفجر الصادق، وأما ابن أم مكتوم فكان يؤذن بعد طلوع الفجر الصادق، أي: في أول الوقت.
ونحن نقول: الفجر الصادق؛ لأن هناك فجراً كاذباً وفجراً صادقاً، والعرب كانوا في ذلك الوقت ولا يزال الناس الآن في البوادي والصحاري يميزون ويعرفون أوقاتهم بالنجوم، ويعرفون أوقاتهم بمطلع القمر، ويعرفون الفجر الصادق من الكاذب وغير ذلك، لكن نحن بيننا إفرنج وأفندية، وبالتالي لا نعرف أن نميز الأوقات بالنجوم وغيرها؛ لأننا لم نتعود أن نعرف أيامنا وليالينا وطرقنا عن طريق هذه النجوم وهذه المجرات التي أجراها الله ﵎ لنا.
هناك فجران: فجر مستطيل في السماء من فوق إلى تحت، ترى خطاً أبيض ينزل من فوق إلى تحت بنفس الخط المستطيل، وهذا الخط سرعان ما يتلاشى ويظهر خط آخر معترضاً من الشمال إلى اليمين، أو من اليمين إلى الشمال.
إذاً: نحن عندنا خطان: الخط الأول: خط رأسي في السماء، من فوق إلى تحت، فسرعان ما يتلاشى هذا الخط.
الخط الثاني: خط عرضي، يأتي بالعرض وليس بالطول.
الخط الأول يغلب عليه الحمرة، والخط الثاني يغلب عليه البياض، وبلال كان يؤذن عند ظهور الخط الأول، وهو الفجر الكاذب، أما الفجر الصادق فهو الخط الثاني الذي يأتي بالعرض، وعند بداية ظهور هذا الخط كان يؤذن ابن أم مكتوم، وهنا يحرم الطعام والشراب والجماع.
وفي أذان بلال يقول النبي ﵊: (ليرجع قائمكم وينبه نائمكم) أي: ليستيقظ النائم ويستعد للصلاة، وإذا كان مستيقظاً يصلي أو غير ذلك؛ خشية دخول الفجر، كذلك لو أردت أن تستعد للصيام أو تنوي أو غير ذلك فقدامك مدة وفترة تستطيع فيها أن تقضي حاجتك.
قال: [حدثني حرملة بن يحيى أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم).
حدثنا ابن نمير - محمد - حدثنا أبي - عبد الله بن نمير - حدثنا عبيد الله وهو - ابن عمر العمري - عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: (كان لرسول الله ﷺ مؤذنان: بلال، وابن أم مكتوم الأعمى، فقال رسول الله ﷺ : إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم، قال: ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا)] يعني: ينزل بلال ويطلع ابن أم مكتوم.
المؤذنون قديماً كانوا يؤذنون من المئذنة، والمئذنة هي غرفة صغيرة تبنى ع
стр. 259
شرح حديث: (لا يمنعن أحداً منكم أذان بلال من سحوره فإنه يؤذن بليل)
قال: [حدثنا زهير بن حرب حدثنا إسماعيل بن إبراهيم - وهو المعروف بـ ابن علية - عن سليمان التيمي عن أبي عثمان - وهو النهدي - عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يمنعن أحداً منكم أذان بلال -أو قال: نداء بلال - من سحوره، فإنه يؤذن بليل -أو قال: ينادي بليل-)] يعني: إذا سمعتم أذان بلال فكلوا واشربوا كما تريدون؛ لأن بلالاً يؤذن قبل الوقت، فمن كان يصلي فيعجل في الانتهاء من صلاته وقضاء وتره، ومن كان نائماً فأمامه فرصة أنه يقوم ويتوضأ ويستعد، ومن كان مستيقظاً ويظن أنه بقي وقت طويل على الفجر فليعلم أن الوقت قد ضاق، فليعجل بالسحور.
قال: [(ليرجع قائمكم)] يعني: إذا كان أحدكم قائماً في صلاة الليل فليعجل بانتهاء هذه الصلاة.
قال: [(ويوقظ نائمكم، وقال: ليس أن يقول هكذا وهكذا، وصوب يده ورفعها)] (صوب يده) أي: خفضها.
وقوله ﵊: (ليس أن يقول هكذا وهكذا) يعني: ليس هو الفجر الذي ترونه في السماء من فوق إلى تحت، فإذا رأيتم الخط المستطيل في السماء من فوق إلى تحت فليس هو الفجر.
قال: [(حتى يقول هكذا وفرج بين أصبعيه)] يعني: فرق بينهما.
قال: [حدثنا ابن نمير حدثنا أبو خالد الأحمر عن سليمان التيمي بهذا الإسناد، غير أنه قال: (إن الفجر ليس الذي يقول هكذا، وجمع أصابعه ثم نكسها إلى الأرض، ولكن الذي يقول هكذا، ووضع المسبحة على المسبحة)] المسبحة: هي السبابة، وسميت بالسبابة؛ لأن العرب كانوا يسبون بها، الذي يريد أن يشتم أحداً يؤشر له بسبابته، ويسبح بها أيضاً، فسميت هذه الإصبع التي تلي الإبهام المسبحة والسبابة؛ لأن التسبيح والسب يكونان بها.
قال: [(إن الفجر ليس الذي يقول هكذا، وجمع أصابعه ثم نكسها في الأرض، ولكن الذي يقول هكذا، ووضع المسبحة على المسبحة ومد يده)] يعني: ليس الفجر الصادق هو الذي يستطيل في السماء وإنما هو الذي يأتي بالعرض.
فقوله: (ووضع المسبحة على المسبحة ومد يديه) هنا يبين التكييف الشرعي لمعرفة الفجر الصادق.
قال: [وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا معتمر بن سليمان وحدثنا إسحاق بن إبراهيم - وهو المعروف بـ ابن راهويه - أخبرنا جرير - وهو ابن عبد الحميد الضبي - والمعتمر بن سليمان كلاهما عن سليمان التيمي بهذا الإسناد، وانتهى حديث المعتمر عند قوله: (ينبه نائمكم ويرجع قائمكم).
وقال إسحاق: قال جرير في حديثه: (وليس أن يقول هكذا ولكن يقول هكذا -يعني الفجر- هو المعترض وليس بالمستطيل)] يعني: الفجر الصادق هو الفجر المعترض وليس هو الفجر المستطيل.
قال: [حدثنا شيبان بن فروخ حدثنا عبد الوارث - وهو ابن سعيد البصري - عن عبد الله بن سوادة القشيري حدثني والدي - الذي هو سوادة - أنه سمع سمرة بن جندب يقول: سمعت محمداً ﷺ يقول: (لا يغرن أحدكم نداء بلال من السحور، ولا هذا البياض حتى يستطير)].
قوله: (ولا هذا البياض) يعني: ولا هذا الخط المستطيل حتى يستطير ويأتي بالعرض.
والعرب تطلق على الأبيض أحمر والأحمر أبيض؛ ولذلك كانت عائشة ﵂ بيضاء، وأطلق عليها في عدة أحاديث بعضها حسن ومعظمها ضعيف بأنها الحميراء، فالعرب تطلق لفظ الأحمر على البياض.
قال: [وحدثنا زهير بن حرب حدثنا إسماعيل بن علية حدثني عبد الله بن سوادة عن أبيه عن سمرة قال النبي ﵊: (لا يغرنكم أذان بلال -يعني: لا تهتموا بأذان بلال من جهة الحل والحرمة؛ لأن أذان بلال لا يمنع الطعام ولا الجماع ولا الشراب- ولا هذا البياض، حتى يستطير هكذا)] أي: يعترض في كبد السماء.
قال: [وحدثنا أبو الربيع الزهراني حدثنا حماد - يعني ابن زيد - عن عبد الله بن سوادة عن أبيه عن سمرة قال: قال النبي ﵊: (لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال -أي: لا يمنعنكم أذان بلال أن تتسحروا- ولا بياض الأفق المستطيل هكذا، حتى يستطير هكذا) وحكاه حماد بيديه، يعني: معترضاً] وهذا الذي
стр. 260
كلام الإمام النووي في حديث: (إن بلالاً يؤذن بليل)
قال: [باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر، وأن له الأكل وغيره حتى يطلع الفجر] يعني: له الحق في أن يطعم ويشرب ويجامع ويأتي ما هو حرام على الصائم قبل طلوع الفجر، أما إذا طلع الفجر فالطعام والشراب والشهوة حرام عليه، وأن الصيام لا يجب إلا بطلوع الفجر.
стр. 261
حكم الأكل والشرب بعد الأذان الأول، وجواز أذان الأعمى
قال الإمام النووي في شرحه لحديث: (إن بلالاً يؤذن بليل): (قوله: (إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا تأذين ابن أم مكتوم) فيه جواز الأذان بالصبح قبل طلوع الفجر.
وفيه جواز الأكل والشرب والجماع وسائر الأشياء حتى يطلع الفجر.
وفيه جواز أذان الأعمى.
لأن المؤذن يشهد على نفسه أن الفجر قد دخل، وبالنسبة للناس والعامة يخبرهم بأن الفجر قد دخل، فالأذان شهادة وخبر في الوقت نفسه.
قال: (قال الشافعية: هو جائز) يعني: أذان الأعمى جائز، كذلك إمارة الأعمى جائزة، يعني الإمارة الصغرى، أما الإمارة الكبرى فلا يجوز أن يكون الخليفة أعمى.
قال: (قال الشافعية: أذان الأعمى جائز، فإن كان معه بصير كـ ابن أم مكتوم مع بلال فلا كراهة فيه) لأن بعض أهل العلم كره أذان الأعمى خاصة في الفجر؛ لأن الأعمى لا يرى؛ ولذلك كره بعض أهل العلم أذان الأعمى خاصة في صلاة الفجر؛ لأن أذان الفجر عندهم متعلق برؤية الخط المستطير المعترض ولا يراه الأعمى، فربما أذن قبله، أو ربما أذن بعده فأوقع الناس في حرج، ولكن لو كان معه بصير، كـ بلال مع ابن أم مكتوم فلا كراهة في ذلك، وإن لم يكن معه بصير كره؛ للخوف من غلطه.
стр. 262
استحباب الأذانين في الصبح
قال: (وفي هذا الحديث استحباب أذانين في الصبح) هذا في رمضان وغيره، وهذه المسألة أثيرت هنا في هذا النص وفي هذا الدليل لتعلق الصوم به، وإلا فهناك أدلة أخرى شهدت بأن الفجر كان يؤذن له اثنان من المؤذنين أحدهما قبل الفجر، والآخر بعد طلوع الفجر.
وهناك مشكلة في صلاة الفجر في مساجد الأوقاف، تجدهم يقيمون الصلاة بعد عشر دقائق، أو بعد ربع ساعة من الأذان، وأذانهم للفجر قبل الوقت، يعني: في أثناء الفجر الكاذب، وهناك أبحاث كثيرة نزلت وكتبت وصنفت تبين هذا الكلام من علماء بالشرع ومن علماء بالفلك، والمسألة هذه ليست حديثة، بل هي قديمة جداً، فأنا قرأت رسالة للشيخ أحمد شاكر عليه رحمة الله، وقد مات منذ أربعين سنة وزيادة، وهو من جلة علماء الأزهر، يقول: إن الصلاة في مسجد الحسين وفي غيره التي تؤدى قبل ميعادها الحقيقي بنصف ساعة، ليس خمس دقائق أو عشر دقائق، وهذه الرسالة اسمها (رسالة الأشهر العربية)، إذا أردتم أن ترجعوا لها فارجعوا لها، وله كتاب اسمه: مقالات الشيخ أحمد شاكر وهذه المقالة أيضاً في داخل هذا الكتاب فاقرءوها.
فالإخوة الحريصون على أداء الصلاة في أوقاتها يؤخرون في مساجدهم الصلاة إلى ثلث ساعة أو خمس وعشرين دقيقة أو نصف ساعة، بخلاف المساجد التي ربما نزل المؤذن من أعلى السطح وقد فاتته ركعة أو ركعتين، فهذا فيه حرج شديد جداً؛ لأن الصلاة مبناها على الاحتياط، والاحتياط في أداء الصلاة بالتأخير، وأقل ما يقال في استحباب تأخير صلاة الفجر: إنه من باب الاحتياط؛ لأننا إذا أخرناه عن وقته لم نخرج عن الوقت، فضلاً عن أننا نكون على يقين بدخول الوقت، والذين يقولون بجواز الصلاة قبل وقتنا الذي نصلي فيه بعشر دقائق أو بربع ساعة هل يختلفون معنا في أننا نؤدي الصلاة في وقتها؟ لا، وهل نختلف نحن معهم في أنهم يؤدون الصلاة في غير وقتها أو في وقتها؟ نعم، نختلف معهم، فإذا كانت القضية فيها اتفاق وافتراق فيصير الاتفاق أولى من الافتراق، فيجب عليهم أن يصيروا إلى ما نحن عليه، وأن يؤخروا الصلاة عن الوقت الذي يصلون فيه؛ لأن هذا هو وقت الاحتياط، بل هذا هو وقت اليقين أننا نصلي في وقت الفجر الصادق، يعني: الذي يصلي بعد الأذان بعشر دقائق ربما يصلي في الوقت وربما لا يصلي في الوقت، أما الذي يصلي بعد نصف ساعة من الوقت فلا بد وأنه يصلي في الوقت.
وسمعت شيخنا الألباني وقد سئل: أنا أصلي في مسجد بجواري يقيم الصلاة قبل وقتها؟ والشيخ الألباني من مذهبه عدم صلاة الفجر إلا بعد مرور نصف ساعة من الأذان الذي تسمعه بالإذاعة، ولا بأس أن تصلي السنة ركعتي الفجر بعد خمس وعشرين دقيقة من الأذان.
وهذا السائل سأل وقال: أنا أسكن بجوار مسجد كذا، وهو يصلي بأمر الحكومة ويقدم الصلاة؟ فقال الشيخ: صل معهم وعدها من صلاة الليل، ثم انطلق إلى أهلك وصل بهم الفرض.
الأصل أنه يناط التصحيح بإمام المسجد ويبين المسألة أو يعتزل.
وأنا سألت الشيخ عليه رحمة الله، قلت له: وما قيمة هذه الصلاة، إذا كان قد صلى في الليل إحدى عشرة ركعة وأوتر وانتهت صلاته؟ قال: حتى لا تحدث الفتنة، فيلزمه صلاة الفجر في البيت بعد صلاتها مع الناس مخافة الفتنة فقط، لكن ليس بواجب عليك، لكنك لو تعودت التخلف عن صلاة الفجر فسيسأل الناس: لماذا يتخلف فلان عن صلاة الفجر؟ وستجد المحتسبين والمتبرعين يتهمونك في دينك، صحيح، وهذا شر من الذي لم يذهب إلى المسجد قط.
وأنا لما قرأت قديماً رسالة الشيخ أحمد شاكر ورسالة عبد الملك علي الكليب، في أن الفجر يكون بعد نصف ساعة، كنت أنبه الإخوة وأقول لهم: هذا الفجر فجر باطل، ونحن لا يلزمنا الصلاة معهم، والصلاة معهم باطلة، فأشرت عليهم أننا نصلي الفجر جماعة في المسجد بعد أن يمضي الناس، لكن الناس كانوا يتأخرون في المسجد بعد تأديتهم لصلاة الفجر، فكنا نروح والناس موجودون، فلما تكرر هذا منا قالوا: لماذا أنتم تتأخرون، وتأتون في وقت معين بعد صلاة الجماعة؟ فذكرنا لهم الحكاية كيت وكيت وكيت وكيت، وقلنا لهم: أنتم تركتم وأنتم ستذهبون إلى النار، فحصلت فتنة في المسجد من ضرب وشجار، ونحن في ذلك الوقت نعتبر أنفسنا مجاهدين ومظهرين للشريعة وغير ذلك، وما كان منا إلا أن حرمنا ومنعنا من دخول المسجد نهائياً، لا في الوقت ولا في غير الوقت.
قال: (وفيه اعتماد صوت المؤذن) يعني: لو سمعت صوت المؤذن فاعتمد عليه في الطعام والشراب والنكاح.
وفي هذا الحديث دليل لجواز الأكل بعد النية، يعني: لو تسحرت الساعة الواحدة بالليل وعقدت نيتي على الصيام، ثم سمعت أذان المؤذن الأول فبدا لي أن آكل، فيجوز لي أن آكل حتى بعد عقد النية بالصيام، ما دام الفجر الصادق لم يطلع، بخلاف صيام أهل الكتاب، فصيام أهل الكتاب بعد انعقاد النية يحرم الطعام والشراب، لكن عليك أن تجدد نيتك ولا يضرك هذا.
стр. 263
شرح صحيح مسلم - كتاب الصيام - نسخ قوله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه فدية)
اختلف الصحابة ومن بعدهم في قوله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه فدية) هل هي منسوخة بقوله: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه)؟ فمنهم من قال بالنسخ، ومنهم من قال بالتخصيص، وأنه لا يصار إلى النسخ مع إمكان الجمع بين الآيتين، ووجه الجمع: أن من شهد رمضان يجب عليه صومه، إلا الذين لا يطيقونه ولا يقوون على صيامه لعجز ومرض وسفر، أو مرضع أو حامل يشق عليها الصوم، فإن زال العذر فعليهم القضاء، أو الإطعام لمن لم يطق الصوم لكبر أو لمرض لا يرجى برؤه.
стр. 264
باب نسخ قوله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) بقوله: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه)
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم.
وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
هذا هو الباب الخامس والعشرون من كتاب الصيام، ولم تكن الدراسة بالترتيب؛ لأننا آثرنا أن نتناول الأبواب التي تخص صيام الفريضة، أما صيام النوافل فسنعود إليه إن شاء الله تعالى بعد رمضان.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب بيان نسخ قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤] بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥].
حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا بكر - يعني ابن مضر - عن عمرو بن الحارث عن بكير - ابن عبد الله الأشج - عن يزيد مولى سلمة عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: (لما نزلت هذه الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤] كان من أراد أن يفطر ويفتدي، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها)] والتي بعدها: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥]، في أول الأمر كان من يجد شيئاً ولو يسيراً من المشقة في الصيام فله أن يفطر ويفتدي عن هذا اليوم بإطعام مسكين، فعلى هذا يترجح لدينا أن قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ [البقرة:١٨٤] يعني: يقدرون على صيامه، ولكنهم يجدون في الصوم مشقة عظيمة أن يفطروا ويفدوا، وهذا التأويل هو تأويل سلمة بن الأكوع وغيره من الصحابة، والمذهب عند أهل العلم أن من روى حديثاً عن النبي ﵊ وفسره فتفسيره أولى من تفسير غيره، لأن الراوي أدرى وأعلم بمراد النبي ﵊ من هذا الحديث، أما معنى الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة:١٨٤] أي: يطيقون صيام شهر رمضان.
﴿فِدْيَةٌ﴾ [البقرة:١٨٤] فغير مستقيم؛ لأن الذي يفطر هو الذي يفدي لا الذي صام وأطاق الصيام، فإما أن تكون الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة:١٨٤] أي: يعجزون تماماً عن صيامه، وإما على الذين يطيقونه بمشقة عظيمة جداً، فالله شرع لهم الفطر في مقابل الفدية، هذا في أول الأمر، ولكن حكم هذه المسألة نسخ بقول الله : ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥].
وستأتي الروايات معنا في البيان أن الصيام في أول الأمر كان لمن أراد، لكن الذي لا يصوم عليه أن يفدي.
قال: [حدثني عمرو بن سواد العامري أخبرنا عبد الله بن وهب أخبرنا عمرو بن الحارث عن بكير بن عبد الله الأشج عن يزيد مولى سلمة بن الأكوع عن مولاه سلمة بن الأكوع ﵁ أنه قال: (كنا في رمضان)] وقوله: (كنا في رمضان) ليبين أن هذه الآية إنما هي متعلقة بصيام الفرض لا بصيام التطوع.
قال: [(كنا في رمضان على عهد رسول الله ﷺ من شاء صام، ومن شاء أفطر فافتدى بطعام مسكين)] يعني: حدث هذا في العهد النبوي، فلو حدث بعد العهد النبوي لقلنا بأن الأمر فيه نزاع أو فيه خلاف، فإذا نسب الأمر الشرعي لزمن النبوة ارتفع الخلاف؛ لأن الحاكم والآمر والناهي فيه هو النبي ﵊، إذاً فلا نزاع معه، فحكمه هو الحكم، وقضاؤه هو القضاء المبرم ﷺ .
فقوله: (على عهد النبي ﵊ يعني: في عهد النبوة.
وقوله: (من شاء صام) أي: في رمضان وفي حضرة النبي ﵊.
وقوله: (ومن شاء أفطر فافتدى بإطعام مسكين) يعني: كان الصيام في أول الأمر لمن يريد، والذي لا يريد أن يصوم عليه الفدية، والفدية إطعام مسكين واحد في كل يوم.
ثم قال: [(حتى أنزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥])] يعني: كانت المسألة اختيارية إلى أن نزل قول الله : ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥] أي: فمن حضر منكم شهر رمضان ومن أدركه وهو حي مكلف عاقل فليصمه، وهذا أمر، والأمر في الكتاب والسنة يدل على الوجوب.
إذاً: صيام شهر رمضان حين نزول قول الله : ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [الب
стр. 265
ذكر الإمام النووي لأقوال العلماء في قوله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه فدية)
قال النووي عليه رحمة الله عند هذا الحديث: (قال القاضي عياض: اختلف السلف في الأولى -أي: في الآية الأولى- هل هي محكمة أو مخصوصة أو منسوخة؟) (هل هي محكمة) بمعنى: أنها لا تحتمل إلا مذهباً واحداً، أو هي مخصوصة من عموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥]، هذا كلام عام لكل الناس إلا المريض والعاجز، وبالتالي فتصير هذه الآية مخصوصة من عموم، أم أنها منسوخة؟ وإذا كانت منسوخة فهل كلها منسوخة أم بعضها منسوخ والبعض الآخر غير منسوخ؟ ونحن نعلم أن المحكم غير المتشابه وغير المخصوص وغير المنسوخ، فالمنسوخ هو حكم سبق في الإسلام عليه العمل، ثم أتى أمر آخر بعد ذلك وأبطل العمل بالدليل الأول، كما في قوله ﵊: (وإني أنهاكم عن زيارة القبور).
فتبين بهذا الحديث أن زيارة القبور إما محرمة أو مكروهة حسب النهي، هل هو للتحريم أو للكراهة؟ ثم قال النبي ﵊: (إلا إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها؛ فإنها تذكر الآخرة) فقوله ﵊: (ألا فزوروها فإنها تذكر الآخرة) ناسخ لقوله: (وإني أنهاكم عن زيارة القبور).
كان الحكم أولاً في زيارة القبور النهي المطلق للرجال والنساء على السواء، سواء كان النهي للتحريم أو للكراهة، ثم رخص النبي ﵊ بعد ذلك في زيارة القبور وبين العلة من ذلك، وأن الزيارة للقبور تذكر الزائر آخرته وتذكره ربه، فهنا الصيام كان أولاً اختيارياً، حتى نزل قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥] فقوله ((فَلْيَصُمْهُ)) أمر مؤكد بالفاء واللام، يعني: لا خيار له.
لكن هذه الآية ألا يمكن أن تكون مخصوصة؟ كما هو معلوم أنه لا يصار إلى النسخ إلا إذا استحال الجمع بين الدليلين والعمل بهما معاً، فهل أرد دليلاً بدليل، وأبطل عمل دليل بدليل آخر، أم أتأول للدليلين وأعمل بهما معاً؟ يقول العلماء: الإعمال خير من الإهمال، يعني: أن تعمل بالدليلين معاً خير من أن تعمل بواحد وترد الآخر.
إذاً: يمكن أن أقول: إن قول الله : ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة:١٨٤] أي: يجدون مشقة في الصيام.
﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤] غير منسوخ، أما قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥] فأقول: هذا كلام عام، والآية الأولى مخصوصة من هذا العموم، يعني: كما تقول أنت لولدك: حذار أن تأخذ من جيبي مائة جنيه إلا جنيهاً واحداً، فلو أنك توقفت عند تحذيرك الأول قبل الاستثناء: حذار أن تأخذ من جيبي مائة جنيه لشمل الجنيه الواحد أيضاً من باب أولى، لكن قوله: (إلا جنيهاً) هذا استثناء من المائة، فمعنى ذلك: أنه يجوز لك أن تأخذ جنيهاً ولا يجوز لك أن تأخذ أكثر من ذلك، فهذا استثناء وخصوص من عموم النهي، فلك أن تقول في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥] ليصم جميع من حضر رمضان، إلا الذين لا يطيقونه ولا يقوون عليه إلا بمشقة وبذل الطاقة والجهد المضني فلهم أن يفطروا؛ لأن هذا الجهد المضني إما أن يكون عن عجز وشيخوخة وكبر سن ومرض وسفر، فكل هؤلاء رخص لهم الشارع بأدلة أخرى تخصهم بالفطر، وعليهم الفدية.
فالله رخص لمن كان على سفر أن يفطر، ومن كان مريضاً، ومن كان عاجزاً عن الصيام لكبر سن، لشيخوخة، لمرض، لحمل، لرضاع، لولادة لغير ذلك من الأعذار المشروعة أن يفطر، وهذا هو قول عبد الله بن عمر وابن عباس وغيرهما من الصحابة ﵃، فهؤلاء قالوا: نحن نخالف سلمة بن الأكوع، وسلمة بن الأكوع رغم مكانته العظيمة جداً بين أصحاب النبي ﵊ إلا أنه ليس في الفقه كـ عبد الله بن عباس وكـ عبد الله بن عمر فهما أفقه منه، وكذلك خالفه أبو هريرة ﵁، مع أن أبا هريرة لم يسلم إلا قبل موت النبي ﵊ بأربع سنوات فقط، أو ثلاث سنوات وسبعة أشهر، إلا أن أبا هريرة حصل له الحظ العظيم جداً من العلم والفقه، وشاع اسمه وانتشر علمه في الآفاق وفي الأقطار؛ لأن أبا هريرة مكث في المدينة حتى احتاج الناس إلى علمه، وتصدر بأمر الولاة والأمراء في دولة بني أمية للإفتاء والتدريس والتحديث وغير ذلك.
فهذا أبو هريرة ﵁ يخالف سلمة بن الأكوع، وكذلك عبد الله بن عمر مع جلالته وإمامته يخالف سلمة بن الأكوع، وناهيك عن مخالفة ابن عباس ﵁ الذي دعا له النبي ﵊ بالفقه والتأويل، قال: (
стр. 266
باب قضاء رمضان في شعبان
قال: [باب قضاء رمضان في شعبان] يعني: من فاته رمضان أو شيء من رمضان متى يقضيه؟ هل يلزمه القضاء على الفور والتو بمجرد أن ينتهي رمضان، أم على التراخي؟ مذهب الجمهور أن قضاء الأيام التي أفطرها المسلم في رمضان تجب على التراخي؛ بدليل أن عائشة ﵂ زوج النبي ﵊ كانت تقضي ما فاتها من رمضان في شعبان.
قال: [حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس حدثنا زهير - وهو ابن معاوية بن حديج - حدثني يحيى بن سعيد - وهو الأنصاري - عن أبي سلمة -وهو ابن عبد الرحمن بن عوف قال: سمعت عائشة ﵂ تقول: (كان يكون علي الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان، الشغل من رسول الله ﷺ ، أو برسول الله ﷺ ] يعني: يمنعني انشغالي وخدمتي، ويعني: تجهيزها نفسها وتعرضها للنبي ﵊ لعله يريدها أو يرغبها أو يواقعها، فالذي كان يمنعها أن تقضي ما فاتها من رمضان هو انشغالها بخدمة النبي ﵊.
وربما أرادها النبي ﵊ فقالت له: إني صائمة، فأصابه من ذلك ضيق أو شيء من هذا، والنبي ﵊ يقول: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تصوم نافلة وزوجها شاهد إلا بإذنه) يعني: أن المرأة لا تصوم صيام التطوع إلا بعد إذن زوجها.
انظر عظمة الإسلام، كيف رتب هذا الحق العظيم جداً على المرأة للرجل، وهو ألا تصوم التطوع -والصوم عبادة وهو حق لله إلا إذا استأذنت زوجها وهو عبد من العباد، يعني: هذا الحق لله ، والله تعالى ونبيه ﵊ شرعا ألا تصوم المرأة وألا تتعبد إلى الله بهذه العبادة إلا بعد إذن زوجها.
أي عظمة تبلغ هذا في أي ملة أو في أي دين ألا تصوم المرأة إلا بعد إذنك أنت أيها الزوج؛ لأن حقك ورغبتك في وقاع المرأة وجماعها في النهار أعظم من أن تتقرب هي بهذا الحق وبهذا الصيام إلى الله ، ولذلك النبي ﵊ يقول: (لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، لكنه لا سجود لأحد في الإسلام) أي: لا سجود لأحد إلا لله ، ولكن لو كان هناك سجود لكان أولى الناس بالسجود أن تسجد المرأة لزوجها، ثم يبين النبي ﷺ بقوله: (لعظم حقه عليها).
فلا بد أن تعلم كل امرأة أن حق زوجها عليها مقدم على حق أبيها وأمها وجميع محارمها، بل ومقدم على حقوق جميع الخلق إلا النبي ﵊، فإذا تعارض حق الزوج مع حق الرسول ﵊، قدم حق الرسول ﵊.
إذاً: حق الزوج مقدم، فإذا أمر الرجل امرأته بأمر وأمرها أبوها بأمر، فليقدم أمر الزوج، إلا أن تكون المرأة في بيت أبيها قبل العقد أو بعده قبل البناء، فيقدم أمر أبيها على أمر زوجها.
قال: [حدثنا إسحاق بن إبراهيم - وهو المعروف بـ ابن راهويه المروزي أبو محمد - أخبرنا بشر بن عمر الزهراني حدثني سليمان بن بلال حدثنا يحيى بن سعيد بهذا الإسناد غير أنه قال: (وذلك لمكان رسول الله)] يعني بدلاً من قولها: (وذلك الشغل برسول الله) قالت: (وذلك لمكان رسول الله ﷺ .
قال: [وحدثنيه محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق] وهو ابن همام الصنعاني اليمني إمام اليمن في زمانه، وهو شيخ أحمد بن حنبل وشيخ علي بن المديني، وهو شيخ المشايخ من أئمة الدين وعلماء الجرح والتعديل.
وكان أحمد بن حنبل يعرف قدر عبد الرزاق؛ لأن عبد الرزاق كان علماً، والله يبث في هذه الأمة أعلاماً، يبلغون في فنونهم درجة الإمامة دون أن يحصلوا على شهادات، أو يتخرجوا من مدارس تمنحهم هذه الشهادات وهذه الإمامات، فالشيخ الألباني عليه رحمة الله خلف آلاف الطلاب والعلماء، لكن لم يبلغ واحد منهم درجة الإمامة كما بلغ الشيخ الألباني، يعني: أنت الآن عندما تسمع هذا الحديث صححه فلان وفلان وفلان، وتعد عشرين ثلاثين خمسين واحداً وكلهم من تلاميذ الشيخ الألباني وعلماء، فهؤلاء كلهم لا يأتون عند (صححه الألباني)؛ لأن الله تعالى غرس في قلبك إمامة هذا الرجل، فهذا في علمه وفنه وبابه إمام، وهذا لا يمنع أن تكون هذه الإمامة موجودة في غيره، ولكن لم تتهيأ قلوب الخلق لتقبل إمامة فلان وإنما تقبلت إمامة رجل آخر، وكذلك الذي يقال في شيخنا الألباني يقال في الشيخ ابن باز، والشيخ
стр. 267
أقوال العلماء في قضاء الصوم الواجب على الفور أو التراخي
ومذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وجماهير السلف والخلف: أن قضاء رمضان في حق من أفطر بعذر كحيض وسفر يجب على التراخي وتستحب المبادرة به، بخلاف داود قال: تجب المبادرة به في أول يوم من بعد العيد، وهذه الأحاديث ترد عليه.
والقول بعدم وجوب المبادرة بصوم القضاء؛ لأن الوقت موسع، كما لو أن شخصاً فاتته جماعة الإمام في صلاة المغرب، وبين المغرب والعشاء ساعة ونصف، فهل يلزمه لزوماً شرعياً أكيداً أن يصلي في أول الوقت؟ لا يلزمه؛ لأنه لا زال الوقت موسعاً، لكن لو افترضنا أن صلاة المغرب هذه يستغرق المصلي فيها عشر دقائق، ولم يبق من الوقت إلا عشر دقائق فهنا ضاق الوقت، وفي هذه الحالة تجب عليه صلاة المغرب على الفور؛ لأن الوقت ضيق، وإنما تجب الصلاة عليه على التراخي في أول الوقت، لكن يستحب المبادرة.
وهذه مسألة أخرى تتعلق بالوقت الموسع والوقت المضيق، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله: لو قام رجل لصلاة الفجر متأخراً، ولم يبق بينه وبين طلوع الشمس إلا مقدار وقت لا يسمح له إلا بأحد أمرين: أن يغتسل فيخرج الوقت، أو يتيمم ويصلي ويدرك الوقت، ماذا يعمل؟ تعرض العلماء لمسائل في غاية الدقة، وتكلم ابن تيمية في هذه المسألة، يقول: في المسألة مذاهب، ولكل مذهب أدلته، ثم يعدد أربعة مذاهب في المسألة، ويذكر دليل كل مذهب، ثم يقول: والراجح عندي كيت بدليل كيت، يعني: أتى بمذهب خامس في المسألة، وذكر أدلة أخرى خفيت على أصحاب المذاهب الأربعة، وهذا شيء عجيب، كان ابن تيمية أمة وحده، لو أن الله تعالى ما خلق من علماء الأمة غير ابن تيمية وابن القيم لكفى، مع أن ابن تيمية في ميزان أحمد بن حنبل لا شيء، وابن تيمية وابن القيم في ميزان الشافعي لا شيء، لكن أنا أقول لك: لو لم يخلق الله تعالى إلا هذين الاثنين وبهذه المكانة والمنزلة من العلم لكفيا الأمة علماً واجتهاداً وإفتاءً وتدريساً إلى يوم القيامة، فما بالك والأمة غنية وثرية بعلمائها وطلاب علمها إلى يوم القيامة في كل زمان ومكان.
فـ ابن تيمية عليه رحمة الله يقول: يتيمم ويصلي حتى لا يخرج الوقت.
ولكن يبقى نزاع: هل يعيد هذه الصلاة بعد طلوع الشمس أم لا يعيدها بعد الاغتسال؟ فشيخ الإسلام ابن تيمية رجح أنه يتيمم ويصلي مع وجود الماء؛ لأن الذي منعه من استعمال الماء هو ضيق الوقت، لكن رجح ابن تيمية أيضاً أن يعيد الصلاة بعد الغسل بعد طلوع الشمس، وصلاته بالتيمم كان لإدراك الوقت، والحصول على الأجر.
لكن لو كان التيمم من أجل صلاة الجماعة فلا تلزم الجماعة حينئذ، بل يلزمه الغسل والصلاة منفرداً.
إذاً: يستحب المبادرة بقضاء صوم رمضان، فمذهب الجمهور أنه ليس واجباً عليه، لكن يستحب المبادرة به للاحتياط.
يقول ﵀: (فإن أخره - أي: فإن أخر الصوم - فالصحيح عند المحققين من الفقهاء وأهل الأصول: أنه يجب العزم على فعله) يعني: لو فاتتني صلاة المغرب مع الإمام وإن كان الوقت موسعاً معي، لكن يلزمني واجب آخر هو العزم على الصلاة، فيفرقون بين إتيان الصلاة والعزم عليها، فلو أنك حين أذن للمغرب توضأت وانطلقت إلى المسجد لتصلي مع الإمام فهذا إتيان للصلاة وليس عزماً عليها، لكن لو فاتته الجماعة، ففواتها ليس عذراً في عدم العزم عليها، فمن عزم وعقد قلبه على أن يصلي هذا الفرض الذي فاته فأدركه الموت لا يعد من تاركي الصلاة، فعزمك هذا يغني عنك بين يدي الله .
ثم يقول رحمه الله تعالى: (وأجمعوا أنه لو مات قبل خروج شعبان لزمه الفدية في تركه عن كل يوم مد من الطعام، فأما من أفطر في رمضان بعذر، ثم اتصل عجزه فلم يتمكن من الصوم حتى مات، فلا صوم عليه) يعني: لو مرض شخص ومات قبل شعبان، فهذا الرجل إما أن يكون عازماً على الصيام من بعد رمضان الماضي أو غير عازم، فإن كان عازماً فلا إثم عليه؛ لأن وجوب القضاء عليه على التراخي، والشرع أذن له في أن يصوم على التراخي، يصوم في ربيع، أو في صفر، أو في رجب، أو في شعبان، أذن له الشرع في ذلك، فإذا أذن له الشرع أن يقضي ما عليه على التراخي، وعزم على أن يقضي ما فاته في رمضان في شعبان، لكنه مات قبل شعبان، فهل يعد مفرطاً في فرض من فروض الله ؟ لا، لا يعد مفرطاً.
стр. 268
قضاء أيام رمضان لا يشترط فيه التتابع
والذي عليه صيام رمضان هل يجب أن يقضيه على التتابع، أم أن التفريق يجزئه؟ فمثلاً: فاتتني خمسة أيام من رمضان حيث كنت مسافراً فيها، فهل يلزمني أن أصوم هذه الأيام الخمسة على الفور أم هي على التراخي؟ هي على التراخي، فإذا كانت على التراخي فهل يلزمني أن أتابع بين هذه الأيام مثلما كنت أصومها في رمضان خمسة أيام مع بعض، أو يمكن تفرقة هذه الأيام؟ نقول صيام القضاء في الفريضة وصيام التطوع لا يلزم منه التتابع، بل التفريق يجزئ، وقوله ﵊: (من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال) هل يلزم صيام الست على التتابع؟ لا يلزم، وهذا مذهب الجمهور، وإن كان بعض أهل العلم يقول بوجوب ذلك على التتابع، والراجح هو مذهب الجمهور.
стр. 269
حكم إفراد الجمعة والسبت بصيام
أما مسألة صيام الجمعة وحده فمكروه، وصيام السبت وحده أيضاً مكروه؛ لأن النبي ﵊ نهى عن إفراد الجمعة بصيام، ونهى عن إفراد السبت بصيام، فقال: (لا تصوموا الجمعة إلا أن تصوموا معه يوماً قبله أو يوماً بعده).
وقال ﵊: (لا تصوموا السبت إلا فيما افترض عليكم)، والحديث صححه شيخنا الألباني، وذهب إلى تحريم صيام السبت مطلقاً إلا في رمضان، وهذا المذهب قد خالف فيه شيخنا علماء الأمة، ولذلك لا نقول به، ومذهب الأمة وإجماعها عصمة، ونحن مع الأمة.
стр. 270
باب قضاء الصوم عن الميت
قال: [باب قضاء الصوم عن الميت] يعني: إذا مات ميت هل يصام عنه؟ هذه المسألة محل نزاع بين العلماء، منهم من قال: يصام عنه الواجب ولا يصام عنه الفريضة، يعني: لو مات شخص وعليه صيام نذر، مع أن النذر مكروه في الإسلام، فالنبي ﵊ قال: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه).
وقال: (إنما يستخرج بالنذر من البخيل) يقول: يا رب! لو نجحت ابني فسأذبح شاة، فهذا معناه: أنه إذا لم ينجح ابنه لم يذبح.
كان هناك شخص في بلدنا مرة نذر لله أن لو نجح ابنه فسيذبح شاة، فنجح ابنه، وقال لي: أنا نذرت أن أذبح شاة لو نجح ابني فنجح الولد، قلت له: وجب عليك الوفاء بالنذر، قال لي: لكن الولد لم يأتِ بمجموع كبير، قلت له: أنت لم تشترط على الله، فلو أنه قال: لله علي شاة إذا حصل ابني على (٩٠%)، فإذا حصل ابنه على (٨٩.
٥%) لا يجب عليه النذر، بل يستحب، فالاشتراط على الله جائز، لأن النبي ﵊ سألته امرأة في الإهلال، قال: (أهلي واشترطي، قالت: على من؟ قال: اشترطي على ربكِ، قالت: ماذا أقول يا رسول الله؟ قال: قولي: لبيك اللهم بعمرة، فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني) يعني: لو منعني أي مانع فسأتحلل من إحرامي ولا شيء علي، فهذا الاشتراط على الرب ﵎، لكن لو جئت إلى مطار جدة وعلي ملابس الإحرام وقد أهللت بالحج، وقلت: لبيك اللهم بحجة، لكن لم أقل: فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، فيجب علي أن أذبح شاة.
أما لو اشترطت على ربي وحبسني حابس، فإن لي أن أقوم وأخلع ملابس الإحرام وألبس الملابس العادية وأرجع في الطائرة التي جئت فيها، وليس علي شاة في هذه الحالة؛ لأنني قلت: يا رب، إن منعني مانع فائذن لي أن أتحلل في المكان الذي منعني فيه المانع وحبسني فيه الحابس، ولا شيء عليَّ، يعني لا دم علي، لكن إذا لم أشترط فيجب علي دم يذبح لفقراء الحرم، لا تذبحه للسيد البدوي، ولا عند الحسين، لا يجزئك، لا بد أن يذبح بمكة ويوزع على فقرائها.
стр. 271
شرح حديث: (من مات وعليه صوم صام عنه وليه)
قال: [وحدثني هارون بن سعيد الأيلي وأحمد بن عيسى قالا: حدثنا ابن وهب أخبرنا عمرو بن الحارث عن عبيد الله بن أبي جعفر عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه)] يعني: الذي يموت وعليه صيام إما صيام رمضان أو صيام نذر واجب فالحق هذا يكلف به الولي، وهذا الولي إما أن يكون وارثاً أو عصبة، فهل يجوز لأجنبي أن يصوم عن الميت؟ يعني: أنت صديقي فمت وعليك خمسة أيام من رمضان، أو خمسة أيام نذر لله ، ففي هذه الحالة هل ينفع أن أصوم عنك وأبوك وأخوك وعمك وخالك والعصب والورثة كلهم موجودون؟ يجوز بشرط إذن الولي؛ لأن الحق هذا كلف به الولي.
(من مات وعليه صوم صام عنه وليه)، فإن استأذنه أحد الأجانب في قضاء هذا الصوم فأذن جاز وإلا فلا.
стр. 272
شرح حديث المرأة التي أتت رسول الله تسأله عن أمها التي ماتت وعليها صوم شهر
قال: [وحدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا عيسى بن يونس حدثنا الأعمش -وهو سليمان بن مهران - عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄: (أن امرأة أتت رسول الله ﷺ فقالت: إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، فقال: أرأيتِ لو كان عليها دين أكنتِ تقضينه؟ قالت: نعم، قال: فدين الله أحق بالقضاء)] وهذا يبين لنا أن الصيام حق لله ، كما أن هناك حقوقاً مادية بين العباد، فهناك حقوق تترتب في ذمتك للعباد، وهذه لا يغفرها الله إلا إذا غفرها العباد، ولذلك من شروط التوبة: أن يتحلل المسلم من ذنبه إذا كان الذنب بينه وبين العباد، بأن يدفع إليهم حقوقهم أو يستسمحهم أو يستعفيهم.
أما الذي هو حق لله فإن الله تعالى إذا شاء عفا وإذا شاء عذب، أما حقوق العباد فيلزمك أن تستبرئ منها قبل ألا يكون دينار ولا درهم، وإنما هي الحسنات والسيئات، ولذلك سئل ﵊: (أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا يا رسول الله! من لا درهم له ولا دينار، قال: المفلس هو من أتى بصلاة وصيام وزكاة وحج وجهاد، ولكنه أتى وقد سب هذا وشتم هذا وسفك دم هذا وهتك عرض هذا، فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته أخذ هو من سيئاتهم، فطرحت عليه حتى طرح في النار)، هذا هو المفلس حقاً، المفلس في نظر الناس هو الذي ليس لديه فلوس، والمفلس عند الله هو الذي أتى بكثير من الطاعات، لكنه قد تعدى على الناس ولم يتحلل منهم، والغني والثري والهنيء والسعيد من أتى بصلاة وصيام وزكاة، وتحلل من حقوق العباد في الدنيا، قبل أن يدفع ما أتى به من طاعة إليهم، في موقف لا يصلح فيه المال ولا البنون.
стр. 273
شرح حديث الرجل الذي سأل النبي عن أمه التي ماتت وعليها صوم شهر
قال: [حدثني أحمد بن عمر الوكيعي حدثنا حسين بن علي عن زائدة -هو ابن قدامة - عن سليمان -وهو سليمان بن مهران الأعمش - عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ] في الحديث الأول جاءت امرأة، وهنا جاء رجل يسأل، يعني: تعدد الحوادث في المسألة الواحدة، وربما يكون الجواب على السؤال الواحد متعدداً حسب حال الشخص؛ لأن النبي ﷺ كانت عنده حكمة عظيمة، فكان يأتي الرجل فيتفرس فيه النبي ﵊ أنه عاق لوالديه، فيسأله الرجل: (يا رسول الله! أي الإسلام خير؟ فيقول: بر الوالدين) يعني: لديه قضية تحتاج إلى علاج.
ثم يأتي آخر ويقول: (يا رسول الله! أي الإسلام خير؟ فيقول: إيمان بالله)، فالسؤال واحد والجواب متعدد بتعدد حاجات السائلين ومصالح السائلين.
فهنا رجل يسأل ويقول: (يا رسول الله! إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها؟ فقال: لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها؟ قال: نعم)] يعني: لو كان على أمك هذه دين لجارتها أتقضيه عنها أو لا؟ قال: نعم، قال: فتقديم حقوق الله أولى من حقوق العباد، وهذا قياس.
قال: [(لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها؟ قال: نعم، قال: فدين الله أحق أن يقضى)].
стр. 274
شرح حديث المرأة التي قالت: يا رسول الله! (إن أمي ماتت وعليها صوم نذر)
ومن حديث ابن عباس أيضاً قال: [(جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله! إن أمي ماتت وعليها صوم نذر)] يعني: هذه المرأة نذرت أن تصوم أياماً غير رمضان، ولم تنذر صيام رمضان؛ لأنه فرض، وصوم النذر يقل في الفرضية عن صوم رمضان.
قالت: [(أفأصوم عنها؟ قال: أرأيتِ لو كان على أمكِ دين فقضيتيه أكان يؤدي ذلك عنها؟ قالت: نعم، قال: فصومي عن أمك)] يعني: لو كان على أمكِ دين وقضيتيه عنها هل سيسقط الدين عن أمكِ أو لا يسقط؟ (قالت: نعم، قال: فصومي عن أمكِ).
إذاً: الصيام تجوز فيه النيابة، لكن النيابة الخاصة بالولي لا العامة، وكذلك الحج يجوز فيه النيابة، لكن الصلاة لا تصح فيها النيابة، فمذهب جماهير أهل العلم أن الصلاة ليس فيها نيابة، فلا ينفع أن تصلي عن غيرك لا عن الحي ولا عن الميت، وهناك كثير من الأبناء يقولون: هذا أبونا كبير وليس قادراً أن يصلي، وأيضاً فقد عقله وبدأ يخرف وليس عنده تركيز، ويتبول على نفسه، فنحن نصلي عن والدنا من باب البر، نقول: لا، لا تصلوا عنه؛ فهو إما أنه مكلف فيصلي على أي هيئة وعلى أي حال بإمكانه، وإما أنه غير مكلف، قد فقد عقله فالله قد أسقط عنه الصلاة في هذه الحالة، والصلاة ليس فيها نيابة، إنما النيابة في الحج والصوم، وأنتم تعلمون الحديث الذي قال فيه رجل: (لبيك اللهم حجاً عن شبرمة، قال النبي ﵊: من شبرمة؟ قال: جار لي، قال: أحججت عن نفسك؟ قال: لا، يا رسول الله) هذا الشخص لم يحج عن نفسه وذهب يحج عن جاره، انظروا إلى الصداقة الصافية الخالصة لله ، يقدم صاحبه على نفسه، فقال النبي ﷺ : (حج عن نفسك أولاً، ثم حج عن شبرمة بعد ذلك).
وفي الحديث: (إن أبي لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: حج عنه).
يعني: لا يثبت على الجمل أو الحمار؛ لأنه عجز وكبر.
والمصريون لا يفكرون في الحج إلا بعد التقاعد بعشرين سنة، فإذا ذهب إلى الحج فيحتاج إلى أربعة أشخاص يحملونه ويطوفون به، وإذا قلت له: لماذا تأخرت؟ يقول: كنت أبني البيت، وكنت أزوج الأبناء والبنات، نقول لهذا وأمثاله: أنت لست مكلفاً بكل هذا، أنت مكلف بما فرضه الله عليك أولاً، فما فضل فلأولادك، لا يصلح أن تقدم أولادك على نفسك، فهذه فريضة وأنت قد ملكت مالاً تؤدي به هذه الفريضة، فتكون قد وجبت في حقك وجوباً فورياً، وأخر زواج ابنك وبنتك سنة أو سنتين، كذلك أخر بناء البيت واسكن في أي بيت؛ لأن الفريضة أحق من هذا، ولذلك معظم الحجاج المصريين في السبعين والثمانين والتسعين سنة، كلهم بعكاكيز، والذي ليس بعكاز يستند على اثنين، بخلاف بقية الشعوب ترى الواحد منهم يذهب إلى المنسك هذا، ومن منى إلى عرفات عشرة كيلو يمشيها على رجليه، قد تركب السيارة من منى إلى عرفات، لكن للزحام الشديد جداً لا تتمكن من ركوب السيارة، فأنت حين تمشي في الصباح من منى إلى عرفات ولا زالت الشمس غير قوية، خير لك، كذلك تمشي من عرفات إلى المزدلفة بعد المغرب والجو أهدأ من الظهر، فأنت تأخذ العشرة كيلو على رجليك وأنت منشغل بهذا الجمع، تفكر: كيف لو أنه محشور بين يدي الله ، ويوم الحج يذكرك بيوم الحشر، وبخروج الناس جميعاً إلى الله ليحاسبهم، ثم يلقي بعضهم في النار ولا يبالي، ويلقي بعضهم في الجنة ولا يبالي .
ومن حديث بريدة بن الحصيب ﵁ قال: [(بينما أنا جالس عند رسول الله ﷺ إذ أتته امرأة فقالت: إني تصدقت على أمي بجارية، وإنها ماتت، فقال: وجب أجرك، وردها عليك الميراث)].
قولها: (إني تصدقت على أمي بجارية).
يعني: أعطت البنت جارية صدقة لأمها، فلما ماتت أمها دخلت الجارية ضمن الميراث، والبنت ترث أمها، فترث الجارية؛ لأنه يجوز أن يرث الواحد من صدقته، فمثلاً: أنت تعطي أمك ملابس وتعطيها ذهباً وغير ذلك، وكذلك تعطي أباك مالاً وإخوتك يعطونه معك، فيتكون عند الوالدين من الملابس والذهب والهدايا وغيرها، فمات الأب والأم، فكل ما لديهم يصبح ميراثاً، ولا يصلح أن يقول أخي: أنا أعطيت أبي وأمي كيت وكيت وكيت وهذا أعطاها كذا فكل واحد يأخذ الذي أعطاهما، لا، ما أعطيت لأمك أو لأبيك خرج من ملكك ودخل في ملكهما، فلما ماتت الأم كان ما خلفته ميراثاً لجميع الأبناء للذكر مثل حظ الأنثيين، وكذلك ما خلفه الأب.
لكن لو أن شخصاً تصدق بصدقة في سبيل الله ، ليس على أمه ولا على أبيه، تصدق بصدقة في سبيل الله ، كأن أوقف فرساً للجهاد في سبيل الله، فهل يجوز له أن يأخذه؟ ما يجوز، كذلك هل يجوز له أن يشتريه؟ أيضاً، لا؛ لأن عمر ﵁ تصدق بفرس في سبيل الله، فرأى هذا الفرس يباع في السوق، فاستأذن عمر النبي ﵊ أن يشتريه فقال له النبي: (
стр. 275
شرح صحيح مسلم - كتاب الصيام - فضل ليلة القدر والحث على طلبها والاعتكاف في رمضان
ليلة القدر فضلها عظيم، فهي خير من ألف شهر، ومن قامها إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن حرم خيرها فقد حرم، فحري بالمؤمن أن يجتهد في طلبها وإدراكها، وذلك بقيامها وشغل ساعاتها بالطاعات من صلاة وتلاوة قرآن وذكر ودعاء واستغفار وغير ذلك من الطاعات، وقد حرص عليها الرسول ﷺ وأصحابه حق الحرص، فكانوا يعتكفون العشر الأواخر من رمضان من أجل إدراكها، ولنا في رسول الله أسوة حسنة.
стр. 276
باب فضل ليلة القدر والحث على طلبها وبيان محلها وأرجى أوقات طلبها
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ .
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
سيكون الكلام في هذا الدرس عن ليلة القدر، والكلام في الأسبوع القادم - بإذن الله تعالى - سيكون عن الاعتكاف ومشروعيته ومكان الاعتكاف، وموطن البحث حينئذ سيكون عن موطن الاعتكاف؛ رداً لمن قال: إنه لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة، باعتبار أنها جزئية في غاية الأهمية، وأثارت جدلاً طويلاً في السنوات الأخيرة، فنجلي الأمر حينئذ بإذن الله تعالى.
стр. 277
شرح حديث (إن رجالاً من أصحاب النبي أروا ليلة القدر في المنام)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب فضل ليلة القدر والحث على طلبها وبيان محلها وأرجى أوقات طلبها.
حدثنا يحيى بن يحيى - هو التميمي النيسابوري أبو زكريا - قال: قرأت على مالك - وهو مالك بن أنس الإمام المشهور - عن نافع - الفقيه - عن ابن عمر ﵄ قال: (إن رجالاً من أصحاب النبي ﷺ أروا ليلة القدر في المنام، في السبع الأواخر، فقال النبي ﷺ : أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر)] يعني: أنا أرى أن رؤاكم قد تواطأت على أن ليلة القدر إنما تكون في السبع الأواخر من شهر رمضان.
فقوله: (فمن كان متحريها) أي: فمن كان يطلبها ويتحرى وقتها.
وقوله: (فليتحرها في السبع الأواخر) والنبي ﵊ كان من عادته أنه إذا صلى الغداة يلتفت إلى أصحابه ويقول: من رأى منكم رؤيا البارحة، فيحدثه كل إنسان بما رأى، إن كان خيراً قصه عليه وأوله له النبي ﵊، فإذا سكتوا قال النبي ﵊: وإني رأيت فيما يرى النائم في هذه الليلة كيت وكيت وكيت، فكان يقص عليهم ويقصون عليه، ويؤول لهم رؤياهم صلوات ربي وسلامه عليه، حتى قص عليهم قصصاً عجيبة فيما يتعلق بالجنة والنار، والجزاء والثواب والعقاب وغير ذلك مما هو معلوم لديكم.
وبين النبي ﵊ لأصحابه: أن من رأى في منامه شيئاً يكرهه فلا يقصه على أحد، وليستعذ بالله من الشيطان الرجيم، وليتفل عن يساره ثلاثاً، وليتحول عن مكانه، وربما قال: فليتوضأ، وليصل ركعتين، فهذا فيه العصمة من الكوابيس ومن الأحلام السيئة التي تقض مضجع صاحبها.
стр. 278
من آداب الرؤيا
فمن الآداب الشرعية فيها: الأول: ألا يقصها على أحد.
الثاني: إذا استيقظ أن يتفل عن يساره ثلاثاً ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، والتفل هو بين البصق والنفخ، أي: يكون فيه شيء يسير من الريق.
الثالث: أن يتحول عن مكانه، يعني: يترك المكان الذي كان ينام فيه، وينام على جنبه الأيمن أيضاً؛ لأن هذا من آداب النوم، لكن إذا كان ينام في أول السرير فلينم في وسطه أو في آخره، والعكس بالعكس إذا كان هناك سريران، فيغير موضع الفراش وليتحول عن مكانه.
الرابع: أن يتوضأ ويصلي ركعتين، وإذا قام الرجل من نومه فصلى ركعتين وشهد لله ﵎ بالتوحيد الخالص، فإنه لا يدعو بدعوة في هذا الوقت إلا استجيبت له، كما قال ﵊: (من تعار من الليل -أي: من استيقظ من ليله- فقام فتوضأ وصلى ركعتين لم يحدث فيهما نفسه بشيء، ثم قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له -إلى آخر الدعاء ثم قال-: لم يدع بشيء إلا استجيب له)، قال النبي ﵊: (فإذا فعلت ذلك، فإنها إن شاء الله لا تضرك) يعني: إذا التزمت هذه الآداب الشرعية فإن هذه الرؤيا إن شاء الله لا تضرك، فكم من أناس يرون في منامهم شيئاً يكرهونه فيقض مضجعهم، بل ويتأرقون أشد الأرق، يظنون أن هذا واقع بهم ولا محالة، فينتظرون هذا البلاء وهذا الشر وإن طالت مدة انتظارهم، والنبي ﵊ يقول: (إذا فعلت هذا) أي: إذا حافظت على هذه الآداب، (فإنها إن شاء الله لا تضرك)، يبشرك ﵊.
إذاً: كان من عادته ﷺ أنه يقول لأصحابه بعد صلاة الصبح: (من رأى منكم البارحة شيئاً) فتصوروا أن الصحابة في ذلك الوقت حين توجه هذا السؤال إليهم قالوا: (يا رسول الله! إنا رأينا ليلة القدر، ومحلها في السبع الأواخر من شهر رمضان، فقال ﵊: إني أرى رؤياكم قد تواطأت) يعني: هذه المنامات وهذه الرؤى قد اتفقت على أنها في السبع الأواخر من رمضان.
قال: (فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر) يعني: من رمضان.
стр. 279
شرح حديث: (أرى رؤياكم في العشر الأواخر، فاطلبوها في الوتر منها)
قال: [وحدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: (تحروا ليلة القدر في السبع الأواخر).
وحدثني عمرو الناقد وزهير بن حرب قال زهير: حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سالم -وهو ابن عبد الله بن عمر - عن أبيه - وهو عبد الله بن عمر ﵄ قال: (رأى رجل أن ليلة القدر ليلة سبع وعشرين، فقال النبي ﷺ : أرى رؤياكم في العشر الأواخر، فاطلبوها في الوتر منها)].
أما فقوله: (أرى رؤياكم في العشر الأواخر) يعني: لما رأى هذا الرجل ليلة القدر في ليلة السابع والعشرين أراد الرسول ﵊ أن يؤكد على مجموع الرؤى لا على رؤية هذا الرجل؛ لأن جل الصحابة الذين أخبروا برؤاهم أخبروا أنها في السبع الأواخر، بخلاف رجل واحد فإنه قال: إني رأيتها في ليلة السابع والعشرين، وإلا فمعظم رؤى الصحابة إنما كانت في العشر الأواخر.
وقوله: (فاطلبوها في الوتر منها) أي: في الليالي الوترية، ليلة الحادي والعشرين، والثالث، والخامس، والسابع، والتاسع والعشرين.
فهذه الليالي هي مناط ومحل ليلة القدر.
أما كون النبي ﵊ يعلم ليلة القدر، أو يعلم اسم الله الأعظم، أو يعلم ساعة الإجابة في يوم الجمعة أو غير ذلك، وأخفى ذلك على هذه الأمة، فإنما هذا الإخفاء كان لمصلحة عظيمة جداً، وهي أن يتحرى الناس العبادة، ويجتهدوا فيها في معظم هذه الأوقات؛ لأنك لو علمت يقيناً أن الساعة التي يجاب فيها الدعاء في يوم الجمعة هي ساعة كذا بالتحديد، لانقطعت في هذه الساعة للعبادة والدعاء والذكر والتسبيح، ولكن النبي ﵊ عمّى ذلك على الأمة فقال: (إن في الجمعة لساعة ما يدعو فيها أحد إلا استجيب له).
ولذلك اختلف العلماء في تحديد هذه الساعة، فمنهم من قال: هي في الصباح، ومن قال: هي في المساء، ومن قال: هي قبيل المغرب، ومن قال: في ساعة الجمعة، ومن قال: بين يدي الإمام وهو يخطب، وكل هذا إنما هو لمصلحة الأمة، وهي أن تجتهد في الدعاء والذكر والتسبيح والصلاة على النبي ﵊ في هذا اليوم من أوله إلى آخره.
كذلك أخفى النبي ﵊ علينا اسم الله الأعظم؛ حتى نجتهد في دعاء الله بجميع أسمائه الحسنى وصفاته العلى، كما أمرنا تعالى بقوله: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠] أي: ادعوه بجميع الأسماء، فلو أننا علمنا اسم الله الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب لما دعوناه إلا بهذا الاسم فقط، فإخفاء هذا الاسم فيه مصلحة عظيمة جداً.
كذلك لو أننا علمنا يقيناً ليلة القدر في رمضان لما صلينا ولا تعبدنا ولا ذكرنا ولا سبحنا الله تعالى بشيء إلا في هذه الليلة؛ لأنها ليلة هي خير من ألف شهر، فربما محت ذنوب سنين طويلة، فأنا وأنت قد نكتفي بالعبادة في هذه الليلة، فكان من المصلحة أن يخفى علينا محل هذه الليلة من بين الليالي؛ حتى يكون محل الاجتهاد واسعاً مدة عشر ليال على الصحيح.
стр. 280
شرح حديث ابن عمر (فالتمسوها في العشر الغوابر)
قال: [وحدثني حرملة بن يحيى أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب أخبرني سالم بن عبد الله بن عمر أن أباه ﵁ قال: (سمعت رسول الله ﷺ يقول لليلة القدر: إن ناساً منكم قد أروا أنها في السبع الأول، وأري ناس منكم أنها في السبع الغوابر، فالتمسوها في العشر الغوابر)] (الغوابر) هي البواقي والأواخر، فالغابر هو الشيء المتأخر، أو الشيء الباقي، وكلمة (الغوابر) في اللغة من كلمات الأضداد، يقال: فلان غبر أي: فلان مضى وانتهى، وفلان غبر أي: مات، وفلان غبر أي: تأخر، وفلان غبر أي: تقدم.
فكلمة (غبر) في اللغة من كلمات الأضداد، تطلق على الشيء وضده، تطلق على الأول وعلى الآخر، وعلى المتقدم وعلى المتأخر، فلما ذكرت هنا في مقابلة الأول فلا بد أنها تدل على الأواخر.
فقوله: (إن ناساً منكم قد أروا أنها في السبع الأول) اختلف العلماء في السبع الأول، هل هي السبع الأول من العشر الأواخر، أو السبع الأول من أول شهر رمضان؟ فهناك ناس رأوا في منامهم، والرؤى والأحلام لا ينبني عليها اعتقاد ولا أحكام، وإنما هي مبشرات.
وقوله: (وأري ناس منكم) أي: ورأى أناس آخرون منكم.
وقوله: (أنها في السبع الغوابر) أي: في السبع البواقي من الشهر.
وقوله: (فالتمسوها في العشر الغوابر) أي: فالتمسوها في العشر الأواخر والغوابر من شهر رمضان.
стр. 281
شرح حديث: (التمسوها في العشر الأواخر، فإن ضعف أحدكم أو عجز فلا يغلبن على السبع البواقي)
قال: [وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا محمد بن جعفر] محمد بن المثنى العنزي البصري الملقب بـ الزمن، ومحمد بن جعفر الملقب بـ غندر.
قال: [حدثنا شعبة] وشعبة هو شيخ محمد بن جعفر، بل إن شعبة تزوج بأم محمد بن جعفر، فيكون محمد بن جعفر تربى في حجره ورضع من علمه.
قال: [عن عقبة - وهو ابن حريث - قال: سمعت ابن عمر ﵄ يقول: قال رسول الله ﷺ : (فالتمسوها في العشر الأواخر، فإن ضعف أحدكم أو عجز فلا يغلبن على السبع البواقي)]، كأن النبي ﵊ قال ذلك في ليلة الثالث والعشرين، ولم يبق من الشهر إلا سبع ليال، وكأنه قال: فإن عجز أحدكم أو ضعف عن الاجتهاد في العبادة في اليومين أو في الليلتين الماضيتين، فلا أقل من أن يجتهد في السبع البواقي.
стр. 282
شرح حديث: (تحينوا ليلة القدر في العشر الأواخر، أو قال: في التسع الأواخر)
قال: [وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن جبلة قال: سمعت ابن عمر ﵄ يحدث عن النبي ﷺ أنه قال: (من كان ملتمسها فليلتمسها في العشر الأواخر).
وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا علي بن مسهر عن الشيباني -وهو أبو إسحاق الشيباني - عن جبلة ومحارب كلاهما عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (تحينوا ليلة القدر في العشر الأواخر، أو قال: في التسع الأواخر)].
فقوله: (تحينوا).
أي: اطلبوها وتحروها في وقتها، ووقتها في العشر الأواخر، أو في التسع الأواخر، وذكر العشر خرج مخرج الغالب وليس المقصود حقيقة العشر؛ لأن الليالي الفردية لا تنتهي إلا بليلة التاسع والعشرين، حتى وإن كان رمضان ثلاثين يوماً، كما قال النبي ﵊: (ما من أيام العمل الصالح فيها أفضل عند الله من العشر الأوائل من ذي الحجة) مع أن المقصود التسعة؛ لأن اليوم العاشر عيد، ولكنه كلام خرج مخرج الغالب، يعني: التسعة تقرب إلى العشرة، وكذلك التسع في رمضان تقرب إلى العشر، فليس المقصود حقيقة العشر وإنما المقصود التسع.
стр. 283
شرح حديث: (أُريت ليلة القدر ثم أيقظني بعض أهلي فنسيتها فالتمسوها، في العشر الغوابر)
قال: [حدثنا أبو الطاهر وحرملة بن يحيى التجيبي - وكلاهما مصري - قالا: أخبرنا ابن وهب - وهو مصري - عن يونس - وهو ابن يزيد الأيلي - عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (أُريت ليلة القدر)] هنا الرؤية تمت للنبي ﵊ نفسه، والصحابة رأوها واختلفوا فيها، فمنهم من رآها ليلة السابع والعشرين، ومنهم من رآها في السبع الأوائل، ومنهم من رآها في السبع الأواخر، فجمع النبي ﷺ بين هذا كله وقال: (التمسوها في العشر، أو في التسع) ثم تأتي رؤية النبي ﵊.
قال: [(أُريت ليلة القدر، ثم أيقظني بعض أهلي فَنُسِّيتُها، فالتمسوها في العشر الغوابر)] أي: البواقي من الشهر.
أحياناً أنت ترى رؤيا جميلة وتفرح معها، وتشعر بأن روحك تحلق في السماء السابعة، ثم تفاجأ بمن يوقظك فتقوم، فربما من فرط همك وغمك تشعر أن هذا الخير قد انقضى عنك، وتنسى ما كنت فيه من خير، فالنبي ﵊ قد رأى ليلة القدر في منامه ليس حقيقة، فكأنه أراد أن يجمع عليه أمره حتى يحدث بها، فإذا ببعض نسائه قد أيقظته ﵊، فقام ناسياً لتحديد وتعيين تلك الليلة.
قال: [وقال حرملة: (فَنَسِيتُها)] يعني: في رواية: (فَنُسِّيتُها) ورواية: (فَنَسِيتُها) وهذا يدل على جواز أن يقول القائل: أُنسيت كذا أو نَسيت كذا، كلاهما جائز، لأن بعض أهل العلم قالوا: لا ينبغي أن يقول المرء: أنا نسيت كذا؛ هذا خطأ لا يوافق اللغة ولا الشرع، وإنما الموافق للغة والشرع أن تقول: أُنسيتها أو نُسِّيتُها، وقد جاء في حديث عند البخاري: (أن النبي ﵊ سمع رجلاً يقرأ آية من كتاب الله أو يقرأ قرآناً، فقال: ﵀ قد أذكرني آية كنت قد أنسيتها) يعني: غابت عنه ﵊، لكن الراجح من أقوال أهل العلم: أن لفظ أُنسيتها أولى من نَسِيتها، لكن هذا لا يعني أنها رواية شاذة أو منكرة أو لا تصح لغة ولا اصطلاحاً، وإنما نُسِّيت ونَسِيت بمعنى واحد، والقائلون بالأولى أخذوا هذا من قول الله : ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾ [الكهف:٦٣] يعني: لو أنك رددته إلى أصله لكان نَسِي غير نُسِّي، فقالوا: النسيان من الشيطان، وهذا تأويل فيه تكلف، خاصة وقد ثبت هذا المصطلح.
стр. 284
شرح حديث أبي سعيد الخدري في اعتكاف النبي العشر الأواسط من رمضان برواية قتيبة بن سعيد
قال: [حدثنا قتيبة بن سعيد - وهو الثقفي - حدثنا بكر بن مضر عن ابن الهاد -وهو يزيد بن عبد الله بن الهاد، هكذا المحدثون يقولون: ابن الهاد، واللغويون يثبتون الياء: ابن الهادي، وهم أولى بهذا من المحدثين -عن محمد بن إبراهيم - وهو التيمي - عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي سعيد الخدري ﵁ وهو من صغار الصحابة اسمه سعد بن مالك بن سنان ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يجاور -يعني: يعتكف- في العشر التي في وسط الشهر، فإذا كان من حين تمضي عشرون ليلة، ويستقبل إحدى وعشرين يرجع إلى مسكنه)] يعني: أنه كان يعتكف عشرة أيام فقط، وهي التي في وسط الشهر، وهذا يدل على أن الاعتكاف إنما شرع مؤخراً ولم يشرع أولاً؛ لأن النبي ﵊ اعتكف العشر الأوائل وخرج من معتكفه، واعتكف العشر الوسطى وخرج من معتكفه، ثم اعتكف العشر الغوابر، واستقر على ذلك حتى وفاته ﵊.
قال: [(ورجع من كان يجاور معه)] يعني: ورجع من اعتكافه من كان قد اعتكف معه في العشر الوسطى، وخرج منه بخروج النبي ﵊.
قال: [(ثم إنه أقام في شهر، جاور فيه تلك الليلة التي كان يرجع فيها، فخطب الناس، فأمرهم بما شاء الله، ثم قال: إني كنت أجاور هذه العشر -يعني: كنت أعتكف هذه العشر الوسطى- ثم بدا لي أن أجاور هذه العشر الأواخر)] يعني: رأيت أن أعتكف هذه العشر الأواخر.
قال: [(فمن كان اعتكف معي فليبت في معتكفه)] يعني: من اعتكف معي العشر الوسطى وأراد أن يواصل معي الاعتكاف فلا يخرج من معتكفه، لكن ليبت في معتكفه وليثبت وليمكث فيه.
قال: [(وقد رأيت هذه الليلة فأنسيتها -أي: ليلة القدر- فالتمسوها في العشر الأواخر في كل وتر -أي: في كل ليلة وترية- وقد رأيتني أسجد في ماء وطين)] يعني: أنا رأيت ليلة القدر، ورأيت من علاماتها وأماراتها في هذه الليلة أني أسجد لصلاة الفجر في ماء وطين، وهذه العلامة الماء والطين ليست في كل عام إلى يوم القيامة، بل رمضان يأتي أحياناً برمته من أوله إلى آخره في عز الحر حيث لا مطر ولا طين، وربما يأتي رمضان في عز المطر فيأتي من أوله إلى آخره والمطر ينزل في كل وقت من الليل والنهار.
إذاً: فليست هذه العلامة صالحة لكل زمان ومكان، وإنما هذه العلامة صالحة لهذه الليلة من هذا العام من هذا الشهر، في حين رؤية النبي ﵊ ليلة القدر حينئذ.
قال: [قال أبو سعيد: مطرنا ليلة إحدى وعشرين]، يبين أبو سعيد الخدري راوي الحديث أن هذه الليلة التي رأى فيها النبي ﵊ ليلة القدر هي ليلة إحدى وعشرين.
قال: [(فوكف المسجد في مصلى رسول الله ﷺ ] (وكف) بمعنى: قطر ماءً حتى ابتلت الأرض، وكان مسجده ﵊ مسقوفاً بجريد النخل، كان مسجداً متواضعاً؛ لأن النبي ﵊ نهى عن زخرفة المساجد، وبين أن زخرفتها من علامات الساعة، قال: (لا تحمروا ولا تصفروا في المساجد) فنهى عن زخرفتها وزركشتها والمباهاة بها، وبين أن ذلك من أشراط الساعة وعلاماتها، وقد وقع الناس فيما حذر منه النبي ﵊.
وكل مسجد بني على البساطة واهتم أهله بالدعوة إلى الله كانت ثماره طيبة، وشجرته طيبة، أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، أما الذين انشغلوا بزخرفة المساجد وبنائها على أحدث طراز من الخارج والداخل، فقلَّ أن تكون في هذه المساجد دعوة إلى الله .
والواقع يشهد بهذا، فكم من مساجد كلفت ملايين مملينة، وكم من مساجد أشقت شعوبها، يعني: حرموا الشعوب وأنفقوا هذه الأموال الوقفية على بناء المساجد وزخرفتها، وربما كلفت ميزانية مسجد واحد فقط ما يكفي لتزويج آلاف الشباب أو حجهم أو عمرتهم، أو قضاء مصالح عامة في الأمة.
فمسجد النبي ﵊ كان مسقوفاً بجريد النخل، فلا يكاد المطر يسقط على سقف المسجد إلا وينزل مباشرة إلى الأرض، فيختلط بالرمل والتراب فيحدث من ذلك ما يسمى بالطين.
قال: [(فنظرت إليه وقد انصرف من صلاة الصبح -أي: فنظرت إلى النبي ﵊ وقد انصرف من صلاة الصبح- ووجهه مبتل طيناً وماءً)] إذاً: تحققت رؤيا النبي ﵊ حيث قال: (إني رأيت ليلة القدر، ورأيت أني أسجد في ماء وطين) أي: بعد أن انتهت ليلة القدر وأقامها وأحياها بالذكر والصلاة وغير ذلك، وهذه الليلة ثبت أنه ﵊ قامها وأحياها حتى الصباح، ويسمى قيام الليل بذلك؛ لأن المرء يقوم جل الليل ومعظمه، وقلّ أن يصدق ذل
стр. 285
حكم ملامسة الجبهة للأرض عند السجود
وهذا كلام محمول على أن هذا الطين أو هذا التراب كان شيئاً يسيراً لا يمنع من تمكن الجبهة من الأرض والتماسها بالأرض؛ لأن هذا فرض في السجود؛ ولذلك قال النبي ﵊: (أمرت أن أسجد على سبعة أعظم، وذكر منها: الجبهة) والإجماع على أن الأنف تابع لها، فالذي يصلي على جبهته وقد غرز طاقيته أو قلنسوته أو عمامته في جبهته حتى بلغت حاجبه هذا على خطر عظيم جداً، فإن كان يفعل ذلك متعمداً بطلت صلاته، وإن كان يفعله جاهلاً فلا شيء عليه حتى يتعلم ويعلم، فيرجع إلى ما أمر به النبي ﵊: (أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: الجبهة، واليدين، والركبتين، والقدمين) هذه سبعة.
وربما قال قائل: ولم الجبهة بالذات مع أن الواحد يمكن أن يصلي ويسجد على الركبتين وهي مغطاة، وكذلك يصلي في الجورب ويصلي في الخف ويصلي في النعل، نقول: إجماع أهل العلم أن الأصل في الجبهة الكشف لا التغطية، ولذلك أوجبوا أن تمس الجبهة الأرض، أو يمس منها شيء يتحقق به لغة مس الجبهة للأرض.
فالإنسان الذي ينزل طاقيته إلى حد حواجبه إذا دخل في الصلاة فليرفع هذا الساتر حتى تمس جبهته الأرض والتراب، والشيعة عليهم من الله ما يستحقون يفعلون غير هذا؛ لأن الشيعة لهم دين يتدينون به غير دين الإسلام، وغير دين أهل السنة والجماعة في كل شيء، إلا شيئاً يسيراً، الشيعة يسجدون على حجارة، وعندهم مصانع لهذه الحجارة، كان في الأول يسجدون على بلطة، فلما انتهى البلط تقريباً؛ لأنهم يأخذن البلط من ماء وطين معين من كربلاء، فلما انتهى البلط الذي في كربلاء أنشئوا مصانع لصنع حجارة معينة، على اعتبار أن هذه الحجارة مربعة وفيها مكان مريح للجبهة، وتجد الإقبال الكبير من الشيعة على شراء هذه الحجارة، مما جعلهم يطالبون المصنع بأن يكثر من إنتاج هذه الحجارة، حتى يحصل كل الشيعة على هذه الحجارة، فهم يعتقدون أن الصلاة غير صحيحة إلا على هذه الحجارة، ودخلت مسجداً ذات مرة سنة (١٩٧٤م) فوقع في يدي كتاب من كتب الشيعة، وكان ثمرة سيئة من ثمرات عدم تلقي العلم على أيدي المشايخ، وقع في يدي كتاب اسمه: (وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) وحينها لم يكن عندي علم لا عن الشيعة ولا عن السنة، وفيه: أن الصلاة لا بد أن تكون على الأرض وعلى الحجارة، فاتخذت حجارة للصلاة عليها، وأنا في سنة (١٩٧٤م) كنت في أول ثانوي، فدخلت المسجد في مدينة المنصورة فأخرجت الحجر من جيبي ووضعته لأسجد عليه، فكان هناك واحد بجانبي فلما رأى الحجر قال: أنت شيعي، قلت له: نعم والحمد لله، فقال لي: لماذا تصلي هنا؟ قلت: أصلي يا أخي في بيت ربنا، ودخل الإمام في الصلاة وكاد أن يركع وما زلنا نتجادل مع بعض فتركني ودخل في الصلاة وأنا دخلت، وكان كلما جئت لأسجد على الحجارة أخرها الأخ بيده، وبعد الصلاة قلت له: أنت جاهل، قال لي: لا، أنت الجاهل، والظاهر أنك شيعي ولا تعرف، فقلت له: خذ هذا الكتاب واقرأ فيه حتى تعلم ما فيه، فقال لي: تعال فأتى الإمام وقال له: هذا الأخ معه حجارة يسجد عليها، فكلمني الإمام بطريقة فيها عجرفة وعنجهية، فتمسكت بما أنا عليه، ورميتهم كلهم بالجهل والإلحاد وترك السنة ومعاداة النبي ﷺ ؛ لأن كل هذا الكلام كان موجوداً في الكتاب، وأخذت الكتاب ومشيت، ثم صليت في مسجد في قرية مجاورة لنا، فجئت لأخرج الحجارة من الجيب فلم أجدها، فتحسرت وندمت، فلما جئت لأسجد رفعت طرف السجادة حتى أسجد على البلاط، فقال لي الرجل الذي كان بجانبي: لماذا تعمل هكذا؟ قلت له: السنة السجود على الأرض مباشرة، قال لي: هذا عمل الشيعة، وهم ليسوا من أهل السنة، قلت: وما يدريك أنت؟ قال: كنت في العراق والشيعة يفعلون هذا، أما أهل السنة فلا يفعلون ذلك، فوقعت كلماته في قلبي أبرد من الماء البارد في اليوم الحار، فقلت له: سأراجع نفسي، فقال: راجع نفسك، فذهبت من المنصورة إلى القاهرة ودخلت على شيخنا وإمامنا الكبير الشيخ كشك ﵀ بعد صلاة الجمعة، فلما وصلت إليه قلت له: يا شيخ! الموضوع كيت وكيت وكيت وكيت، قال لي: هذا ضلال مبين، هذا مذهب الشيعة عليهم لعنة الله، وظل يسبهم، فبقيت سنة كاملة أتردد بين المنصورة والقاهرة؛ من أجل أن أصلي وراء الشيخ كشك يوم الجمعة، فقد كان صاحب فضل علي بعد ذلك الرجل الفلاح الذي لا يعرف شيئاً، ولا حتى يحسن أن يكتب اسمه، حتى تعرفوا أن الواحد قد يتلقى علمه ممن هو دونه.
следующие страницы →