← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37026

شرح صحيح مسلم - حسن أبو الأشبال

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (2 103 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

شرح حديث: (التمسوها في العشر الأواخر، فإن ضعف أحدكم أو عجز فلا يغلبن على السبع البواقي) قال: [وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا محمد بن جعفر] محمد بن المثنى العنزي البصري الملقب بـ الزمن، ومحمد بن جعفر الملقب بـ غندر. قال: [حدثنا شعبة] وشعبة هو شيخ محمد بن جعفر، بل إن شعبة تزوج بأم محمد بن جعفر، فيكون محمد بن جعفر تربى في حجره ورضع من علمه. قال: [عن عقبة - وهو ابن حريث - قال: سمعت ابن عمر ﵄ يقول: قال رسول الله ﷺ : (فالتمسوها في العشر الأواخر، فإن ضعف أحدكم أو عجز فلا يغلبن على السبع البواقي)]، كأن النبي ﵊ قال ذلك في ليلة الثالث والعشرين، ولم يبق من الشهر إلا سبع ليال، وكأنه قال: فإن عجز أحدكم أو ضعف عن الاجتهاد في العبادة في اليومين أو في الليلتين الماضيتين، فلا أقل من أن يجتهد في السبع البواقي.

стр. 282

شرح حديث: (تحينوا ليلة القدر في العشر الأواخر، أو قال: في التسع الأواخر) قال: [وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن جبلة قال: سمعت ابن عمر ﵄ يحدث عن النبي ﷺ أنه قال: (من كان ملتمسها فليلتمسها في العشر الأواخر). وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا علي بن مسهر عن الشيباني -وهو أبو إسحاق الشيباني - عن جبلة ومحارب كلاهما عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (تحينوا ليلة القدر في العشر الأواخر، أو قال: في التسع الأواخر)]. فقوله: (تحينوا). أي: اطلبوها وتحروها في وقتها، ووقتها في العشر الأواخر، أو في التسع الأواخر، وذكر العشر خرج مخرج الغالب وليس المقصود حقيقة العشر؛ لأن الليالي الفردية لا تنتهي إلا بليلة التاسع والعشرين، حتى وإن كان رمضان ثلاثين يوماً، كما قال النبي ﵊: (ما من أيام العمل الصالح فيها أفضل عند الله من العشر الأوائل من ذي الحجة) مع أن المقصود التسعة؛ لأن اليوم العاشر عيد، ولكنه كلام خرج مخرج الغالب، يعني: التسعة تقرب إلى العشرة، وكذلك التسع في رمضان تقرب إلى العشر، فليس المقصود حقيقة العشر وإنما المقصود التسع.

стр. 283

شرح حديث: (أُريت ليلة القدر ثم أيقظني بعض أهلي فنسيتها فالتمسوها، في العشر الغوابر) قال: [حدثنا أبو الطاهر وحرملة بن يحيى التجيبي - وكلاهما مصري - قالا: أخبرنا ابن وهب - وهو مصري - عن يونس - وهو ابن يزيد الأيلي - عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (أُريت ليلة القدر)] هنا الرؤية تمت للنبي ﵊ نفسه، والصحابة رأوها واختلفوا فيها، فمنهم من رآها ليلة السابع والعشرين، ومنهم من رآها في السبع الأوائل، ومنهم من رآها في السبع الأواخر، فجمع النبي ﷺ بين هذا كله وقال: (التمسوها في العشر، أو في التسع) ثم تأتي رؤية النبي ﵊. قال: [(أُريت ليلة القدر، ثم أيقظني بعض أهلي فَنُسِّيتُها، فالتمسوها في العشر الغوابر)] أي: البواقي من الشهر. أحياناً أنت ترى رؤيا جميلة وتفرح معها، وتشعر بأن روحك تحلق في السماء السابعة، ثم تفاجأ بمن يوقظك فتقوم، فربما من فرط همك وغمك تشعر أن هذا الخير قد انقضى عنك، وتنسى ما كنت فيه من خير، فالنبي ﵊ قد رأى ليلة القدر في منامه ليس حقيقة، فكأنه أراد أن يجمع عليه أمره حتى يحدث بها، فإذا ببعض نسائه قد أيقظته ﵊، فقام ناسياً لتحديد وتعيين تلك الليلة. قال: [وقال حرملة: (فَنَسِيتُها)] يعني: في رواية: (فَنُسِّيتُها) ورواية: (فَنَسِيتُها) وهذا يدل على جواز أن يقول القائل: أُنسيت كذا أو نَسيت كذا، كلاهما جائز، لأن بعض أهل العلم قالوا: لا ينبغي أن يقول المرء: أنا نسيت كذا؛ هذا خطأ لا يوافق اللغة ولا الشرع، وإنما الموافق للغة والشرع أن تقول: أُنسيتها أو نُسِّيتُها، وقد جاء في حديث عند البخاري: (أن النبي ﵊ سمع رجلاً يقرأ آية من كتاب الله أو يقرأ قرآناً، فقال: ﵀ قد أذكرني آية كنت قد أنسيتها) يعني: غابت عنه ﵊، لكن الراجح من أقوال أهل العلم: أن لفظ أُنسيتها أولى من نَسِيتها، لكن هذا لا يعني أنها رواية شاذة أو منكرة أو لا تصح لغة ولا اصطلاحاً، وإنما نُسِّيت ونَسِيت بمعنى واحد، والقائلون بالأولى أخذوا هذا من قول الله : ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾ [الكهف:٦٣] يعني: لو أنك رددته إلى أصله لكان نَسِي غير نُسِّي، فقالوا: النسيان من الشيطان، وهذا تأويل فيه تكلف، خاصة وقد ثبت هذا المصطلح.

стр. 284

شرح حديث أبي سعيد الخدري في اعتكاف النبي العشر الأواسط من رمضان برواية قتيبة بن سعيد قال: [حدثنا قتيبة بن سعيد - وهو الثقفي - حدثنا بكر بن مضر عن ابن الهاد -وهو يزيد بن عبد الله بن الهاد، هكذا المحدثون يقولون: ابن الهاد، واللغويون يثبتون الياء: ابن الهادي، وهم أولى بهذا من المحدثين -عن محمد بن إبراهيم - وهو التيمي - عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي سعيد الخدري ﵁ وهو من صغار الصحابة اسمه سعد بن مالك بن سنان ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يجاور -يعني: يعتكف- في العشر التي في وسط الشهر، فإذا كان من حين تمضي عشرون ليلة، ويستقبل إحدى وعشرين يرجع إلى مسكنه)] يعني: أنه كان يعتكف عشرة أيام فقط، وهي التي في وسط الشهر، وهذا يدل على أن الاعتكاف إنما شرع مؤخراً ولم يشرع أولاً؛ لأن النبي ﵊ اعتكف العشر الأوائل وخرج من معتكفه، واعتكف العشر الوسطى وخرج من معتكفه، ثم اعتكف العشر الغوابر، واستقر على ذلك حتى وفاته ﵊. قال: [(ورجع من كان يجاور معه)] يعني: ورجع من اعتكافه من كان قد اعتكف معه في العشر الوسطى، وخرج منه بخروج النبي ﵊. قال: [(ثم إنه أقام في شهر، جاور فيه تلك الليلة التي كان يرجع فيها، فخطب الناس، فأمرهم بما شاء الله، ثم قال: إني كنت أجاور هذه العشر -يعني: كنت أعتكف هذه العشر الوسطى- ثم بدا لي أن أجاور هذه العشر الأواخر)] يعني: رأيت أن أعتكف هذه العشر الأواخر. قال: [(فمن كان اعتكف معي فليبت في معتكفه)] يعني: من اعتكف معي العشر الوسطى وأراد أن يواصل معي الاعتكاف فلا يخرج من معتكفه، لكن ليبت في معتكفه وليثبت وليمكث فيه. قال: [(وقد رأيت هذه الليلة فأنسيتها -أي: ليلة القدر- فالتمسوها في العشر الأواخر في كل وتر -أي: في كل ليلة وترية- وقد رأيتني أسجد في ماء وطين)] يعني: أنا رأيت ليلة القدر، ورأيت من علاماتها وأماراتها في هذه الليلة أني أسجد لصلاة الفجر في ماء وطين، وهذه العلامة الماء والطين ليست في كل عام إلى يوم القيامة، بل رمضان يأتي أحياناً برمته من أوله إلى آخره في عز الحر حيث لا مطر ولا طين، وربما يأتي رمضان في عز المطر فيأتي من أوله إلى آخره والمطر ينزل في كل وقت من الليل والنهار. إذاً: فليست هذه العلامة صالحة لكل زمان ومكان، وإنما هذه العلامة صالحة لهذه الليلة من هذا العام من هذا الشهر، في حين رؤية النبي ﵊ ليلة القدر حينئذ. قال: [قال أبو سعيد: مطرنا ليلة إحدى وعشرين]، يبين أبو سعيد الخدري راوي الحديث أن هذه الليلة التي رأى فيها النبي ﵊ ليلة القدر هي ليلة إحدى وعشرين. قال: [(فوكف المسجد في مصلى رسول الله ﷺ ] (وكف) بمعنى: قطر ماءً حتى ابتلت الأرض، وكان مسجده ﵊ مسقوفاً بجريد النخل، كان مسجداً متواضعاً؛ لأن النبي ﵊ نهى عن زخرفة المساجد، وبين أن زخرفتها من علامات الساعة، قال: (لا تحمروا ولا تصفروا في المساجد) فنهى عن زخرفتها وزركشتها والمباهاة بها، وبين أن ذلك من أشراط الساعة وعلاماتها، وقد وقع الناس فيما حذر منه النبي ﵊. وكل مسجد بني على البساطة واهتم أهله بالدعوة إلى الله كانت ثماره طيبة، وشجرته طيبة، أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، أما الذين انشغلوا بزخرفة المساجد وبنائها على أحدث طراز من الخارج والداخل، فقلَّ أن تكون في هذه المساجد دعوة إلى الله . والواقع يشهد بهذا، فكم من مساجد كلفت ملايين مملينة، وكم من مساجد أشقت شعوبها، يعني: حرموا الشعوب وأنفقوا هذه الأموال الوقفية على بناء المساجد وزخرفتها، وربما كلفت ميزانية مسجد واحد فقط ما يكفي لتزويج آلاف الشباب أو حجهم أو عمرتهم، أو قضاء مصالح عامة في الأمة. فمسجد النبي ﵊ كان مسقوفاً بجريد النخل، فلا يكاد المطر يسقط على سقف المسجد إلا وينزل مباشرة إلى الأرض، فيختلط بالرمل والتراب فيحدث من ذلك ما يسمى بالطين. قال: [(فنظرت إليه وقد انصرف من صلاة الصبح -أي: فنظرت إلى النبي ﵊ وقد انصرف من صلاة الصبح- ووجهه مبتل طيناً وماءً)] إذاً: تحققت رؤيا النبي ﵊ حيث قال: (إني رأيت ليلة القدر، ورأيت أني أسجد في ماء وطين) أي: بعد أن انتهت ليلة القدر وأقامها وأحياها بالذكر والصلاة وغير ذلك، وهذه الليلة ثبت أنه ﵊ قامها وأحياها حتى الصباح، ويسمى قيام الليل بذلك؛ لأن المرء يقوم جل الليل ومعظمه، وقلّ أن يصدق ذل

стр. 285

حكم ملامسة الجبهة للأرض عند السجود وهذا كلام محمول على أن هذا الطين أو هذا التراب كان شيئاً يسيراً لا يمنع من تمكن الجبهة من الأرض والتماسها بالأرض؛ لأن هذا فرض في السجود؛ ولذلك قال النبي ﵊: (أمرت أن أسجد على سبعة أعظم، وذكر منها: الجبهة) والإجماع على أن الأنف تابع لها، فالذي يصلي على جبهته وقد غرز طاقيته أو قلنسوته أو عمامته في جبهته حتى بلغت حاجبه هذا على خطر عظيم جداً، فإن كان يفعل ذلك متعمداً بطلت صلاته، وإن كان يفعله جاهلاً فلا شيء عليه حتى يتعلم ويعلم، فيرجع إلى ما أمر به النبي ﵊: (أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: الجبهة، واليدين، والركبتين، والقدمين) هذه سبعة. وربما قال قائل: ولم الجبهة بالذات مع أن الواحد يمكن أن يصلي ويسجد على الركبتين وهي مغطاة، وكذلك يصلي في الجورب ويصلي في الخف ويصلي في النعل، نقول: إجماع أهل العلم أن الأصل في الجبهة الكشف لا التغطية، ولذلك أوجبوا أن تمس الجبهة الأرض، أو يمس منها شيء يتحقق به لغة مس الجبهة للأرض. فالإنسان الذي ينزل طاقيته إلى حد حواجبه إذا دخل في الصلاة فليرفع هذا الساتر حتى تمس جبهته الأرض والتراب، والشيعة عليهم من الله ما يستحقون يفعلون غير هذا؛ لأن الشيعة لهم دين يتدينون به غير دين الإسلام، وغير دين أهل السنة والجماعة في كل شيء، إلا شيئاً يسيراً، الشيعة يسجدون على حجارة، وعندهم مصانع لهذه الحجارة، كان في الأول يسجدون على بلطة، فلما انتهى البلط تقريباً؛ لأنهم يأخذن البلط من ماء وطين معين من كربلاء، فلما انتهى البلط الذي في كربلاء أنشئوا مصانع لصنع حجارة معينة، على اعتبار أن هذه الحجارة مربعة وفيها مكان مريح للجبهة، وتجد الإقبال الكبير من الشيعة على شراء هذه الحجارة، مما جعلهم يطالبون المصنع بأن يكثر من إنتاج هذه الحجارة، حتى يحصل كل الشيعة على هذه الحجارة، فهم يعتقدون أن الصلاة غير صحيحة إلا على هذه الحجارة، ودخلت مسجداً ذات مرة سنة (١٩٧٤م) فوقع في يدي كتاب من كتب الشيعة، وكان ثمرة سيئة من ثمرات عدم تلقي العلم على أيدي المشايخ، وقع في يدي كتاب اسمه: (وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) وحينها لم يكن عندي علم لا عن الشيعة ولا عن السنة، وفيه: أن الصلاة لا بد أن تكون على الأرض وعلى الحجارة، فاتخذت حجارة للصلاة عليها، وأنا في سنة (١٩٧٤م) كنت في أول ثانوي، فدخلت المسجد في مدينة المنصورة فأخرجت الحجر من جيبي ووضعته لأسجد عليه، فكان هناك واحد بجانبي فلما رأى الحجر قال: أنت شيعي، قلت له: نعم والحمد لله، فقال لي: لماذا تصلي هنا؟ قلت: أصلي يا أخي في بيت ربنا، ودخل الإمام في الصلاة وكاد أن يركع وما زلنا نتجادل مع بعض فتركني ودخل في الصلاة وأنا دخلت، وكان كلما جئت لأسجد على الحجارة أخرها الأخ بيده، وبعد الصلاة قلت له: أنت جاهل، قال لي: لا، أنت الجاهل، والظاهر أنك شيعي ولا تعرف، فقلت له: خذ هذا الكتاب واقرأ فيه حتى تعلم ما فيه، فقال لي: تعال فأتى الإمام وقال له: هذا الأخ معه حجارة يسجد عليها، فكلمني الإمام بطريقة فيها عجرفة وعنجهية، فتمسكت بما أنا عليه، ورميتهم كلهم بالجهل والإلحاد وترك السنة ومعاداة النبي ﷺ ؛ لأن كل هذا الكلام كان موجوداً في الكتاب، وأخذت الكتاب ومشيت، ثم صليت في مسجد في قرية مجاورة لنا، فجئت لأخرج الحجارة من الجيب فلم أجدها، فتحسرت وندمت، فلما جئت لأسجد رفعت طرف السجادة حتى أسجد على البلاط، فقال لي الرجل الذي كان بجانبي: لماذا تعمل هكذا؟ قلت له: السنة السجود على الأرض مباشرة، قال لي: هذا عمل الشيعة، وهم ليسوا من أهل السنة، قلت: وما يدريك أنت؟ قال: كنت في العراق والشيعة يفعلون هذا، أما أهل السنة فلا يفعلون ذلك، فوقعت كلماته في قلبي أبرد من الماء البارد في اليوم الحار، فقلت له: سأراجع نفسي، فقال: راجع نفسك، فذهبت من المنصورة إلى القاهرة ودخلت على شيخنا وإمامنا الكبير الشيخ كشك ﵀ بعد صلاة الجمعة، فلما وصلت إليه قلت له: يا شيخ! الموضوع كيت وكيت وكيت وكيت، قال لي: هذا ضلال مبين، هذا مذهب الشيعة عليهم لعنة الله، وظل يسبهم، فبقيت سنة كاملة أتردد بين المنصورة والقاهرة؛ من أجل أن أصلي وراء الشيخ كشك يوم الجمعة، فقد كان صاحب فضل علي بعد ذلك الرجل الفلاح الذي لا يعرف شيئاً، ولا حتى يحسن أن يكتب اسمه، حتى تعرفوا أن الواحد قد يتلقى علمه ممن هو دونه.

стр. 286

شرح حديث أبي سعيد الخدري في اعتكاف النبي العشر الأواسط من رمضان برواية ابن أبي عمر قال: [حدثنا ابن أبي عمر قال: حدثنا عبد العزيز الدراوردي عن يزيد -هو ابن الهاد - عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: (كان رسول الله ﷺ يجاور في رمضان العشر التي في وسط الشهر) وساق الحديث بمثله غير أنه قال: (فليثبت في معتكفه)] قال في الرواية الأولى: (فليبت في معتكفه) وفي هذه الرواية قال: من يريد أن يقعد معنا فليثبت في معتكفه في العشر الأواخر. قال: [غير أنه قال: (فليثبت في معتكفه. وقال: وجبينه ممتلئاً طيناً وماءً)] الجبين: هو طرف الجبهة، وللإنسان جبينان، الجبين الأيمن والجبين الأيسر، والذي في المقدمة هو الجبهة، ولا تعارض بين قوله في الرواية الأولى: (ووجهه مبتل طيناً وماءً) يعني: فيه شيء يسير لا يؤثر على التصاق الجبهة بالأرض، أما قوله: (وجبينه ممتلئاً طيناً وماءً) والجبينان هما جانبا الجبهة، ولا بأس أن يمتلئ الجبين طيناً وماءً، لكنه لا يمنع من التصاق الجبهة بالأرض؛ لأن هناك فرقاً بين الجبين وبين الجبهة، فإذا امتلأ الجبين طيناً فلا مانع أن تكون الجبهة بلا طين.

стр. 287

شرح حديث أبي سعيد الخدري في وقوع ليلة القدر ليلة إحدى وعشرين في زمن النبي قال: [حدثني محمد بن عبد الأعلى قال: حدثني المعتمر - وهو ابن سليمان التيمي - حدثنا عمارة بن غزية الأنصاري قال: سمعت محمد بن إبراهيم يحدث عن أبي سلمة عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (إن رسول الله ﷺ اعتكف العشر الأول من رمضان، ثم اعتكف العشر الأوسط في قبة تركية -يعني: قبة صغيرة من صوف أو من خيش- على سدتها حصير -يعني: الباب من حصير وهو الخوص- قال: فأخذ الحصير بيده فنحاها في ناحية القبة)] يعني: أخذ هذه السدة وجعلها في ناحية من هذه القبة أو المكان الذي خصه للمعتكف. وفي هذا جواز أن يتخذ المعتكف لنفسه قبة ومكاناً خاصاً يعتكف فيه، لا يدخل عليه فيه أحد. قال: [(ثم أطلع رأسه فكلم الناس)]، بعدما نحى الباب الذي من الحصير أخرج رأسه من الباب فكلم الناس. قال: [(فدنوا منه -أي: اقتربوا منه- فقال: إني اعتكفت العشر الأول ألتمس هذه الليلة)] أي: أنه ظن أن هذه الليلة في العشر الأول قبل أن يخبر أنها في العشر الأواخر. قال: [(ثم اعتكفت العشر الأوسط)] أي: أيضاً التماساً لهذه الليلة. قال: [(ثم أُتيت فقيل لي)] أي: أتاني ملك أو رأى ذلك رؤيا. قال: [(فقيل لي: إنها في العشر الأواخر)]، والغالب أن الذي أتاه إنما هو جبريل ﵇؛ لأنه كان يأتيه بالوحي. قال: [(فمن أحب منكم أن يعتكف فليعتكف، فاعتكف الناس معه)]. وهذا يدل على أن الاعتكاف للاستحباب. قال: [(قال: وإني أريتها ليلة وتر)]. أي: رأيتها في المنام أو فيما يرى النائم وأنها في ليلة وترية. قال: [(وأني أسجد صبيحتها في طين وماء)] يعني: في أثناء الصلاة. وكون ليلة القدر في ليلة وترية هذا عام إلى قيام الساعة، لكن في هذه الليلة بالذات ومن هذا العام الذي قال فيه النبي ﷺ هذا القول ستمطر السماء، وسيبتل المسجد، وسنصلي الصبح في الطين والماء. قال: [(فأصبح من ليلة إحدى وعشرين)]. قوله: (فأصبح) أي: فصلى صبيحة ليلة واحد وعشرين في طين وماء. قال: [(وقد قام إلى الصبح -أي: إلى صلاة الصبح- فمطرت السماء، فوكف المسجد)] أي: فنزل المطر من سقف المسجد إلى الأرض. قال: [(فأبصرت الطين والماء -هذا كلام أبي سعيد - فخرج حين فرغ من صلاة الصبح وجبينه وروثة أنفه فيهما الطين والماء -يعني: طرف أنفه التي هي الأرنبة- وإذا هي ليلة إحدى وعشرين من العشر الأواخر)]. قال: [حدثنا محمد بن المثنى حدثنا أبو عامر - وهو العقدي - حدثنا هشام عن يحيى - وهو ابن أبي كثير - عن أبي سلمة قال: (تذاكرنا ليلة القدر)] يعني: تسامرنا وجعل كل منا يحدث أخاه عن ليلة القدر وعن فضلها وعن محلها وعن وقتها وشرفها وغير ذلك. قال: [(فأتيت أبا سعيد الخدري ﵁ وكان لي صديقاً)] أبو سعيد الخدري سعد بن مالك بن سنان الخدري المدني كان صديقاً لـ أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف. قال: [(فقلت: ألا تخرج بنا إلى النخل؟ -أي: إلى البساتين والمزارع- فخرج وعليه خميصة، فقلت له: سمعت يا أبا سعيد! رسول الله ﷺ يذكر ليلة القدر؟ فقال: نعم، اعتكفنا مع رسول الله ﷺ العشر الوسطى من رمضان، فخرجنا صبيحة عشرين، فخطبنا رسول الله ﷺ فقال: إني أريت ليلة القدر وإني نَسيتها أو أُنسيتها، فالتمسوها في العشر الأواخر من كل وتر، وإني أريت أني أسجد في ماء وطين، فمن كان اعتكف مع رسول الله ﷺ فليرجع، قال: فرجعنا وما نرى في السماء قزعة -يعني: قطعة من سحاب- وجاءت سحابة فمطرنا حتى سال سقف المسجد، وكان من جريد النخل، وأقيمت الصلاة -أي: صلاة الفجر- فرأيت رسول الله ﷺ يسجد في الماء والطين، قال: حتى رأيت أثر الطين في جبهته) وحدثنا عبد بن حميد أخبرنا عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليمني أخبرنا معمر بن راشد البصري اليمني. (ح) وحدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي - الإمام المصنف - أخبرنا أبو المغيرة حدثنا الأوزاعي] عالم الشام، ليس هناك في زمانه في الشام أفضل منه، وكان مجاهداً، وقد واجه الحجاج بن يوسف الثقفي فوعظه وأغلظ له في الوعظ حتى بكى الحجاج. قال: [كلاهما عن يحيى بن أبي كثير بهذا الإسناد نحوه، وفي حديث

стр. 288

شرح حديث أبي سعيد في التماس ليلة القدر في الليلة الخامسة أو السابعة أو التاسعة والعشرين قال: [حدثنا محمد بن المثنى وأبو بكر بن خلاد قال: حدثنا عبد الأعلى حدثنا سعيد -هو ابن أبي عروبة - عن أبي نضرة -هو المنذر بن مالك بن قُطَعَة - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (اعتكف رسول الله ﷺ العشر الأوسط من رمضان يلتمس ليلة القدر قبل أن تُبان له)] يعني: قبل أن يخبر ويأتيه الوحي بأنها في العشر الأواخر. قال: [(فلما انقضين -أي: فلما مرت هذه العشر الأوسط- أمر بالبناء فقوض)] يعني: لما انتهت هذه العشر الأوسط أمر بهذه الخيمة فنزعت وأزيلت. قال: [(ثم أبينت له أنها في العشر الأواخر فأمر بالبناء فأعيد)] أي: لما أخبر بليلة القدر أمر بالخيمة فأعيد تركيبها وبناؤها مرة أخرى. قال: [(ثم خرج على الناس فقال: يا أيها الناس! إنها كانت أبينت لي ليلة القدر، وإني خرجت لأخبركم بها، فجاء رجلان يحتقان معهما الشيطان فَنُسِّيتُها)] يعني: أنا رأيت في ليلة الحادي والعشرين أن ليلة القدر ليست في العشر الأوسط من الشهر وإنما هي في الأواخر منه، وربما رآها تحديداً في ليلة بعينها، وقام من نومه وأتى أصحابه ليخبرهم بميعاد هذه الليلة من ذلك العام، وليست هذه الليلة متعينة في كل عام. قوله: (فجاء رجلان يحتقان معهما الشيطان) فتحاقا أو تخاصما أو تلاحيا كلها بمعنى واحد، والمعنى: أن كل واحد منهما يدعي أن له حقاً عند صاحبه، ويطالب صاحبه بالحق الذي عنده، وكان معهما الشيطان، فلما رأى ذلك النبي ﵊ نسي ما كان سيحدث به أصحابه، وهذا يدل على أن الخصومة والملاحاة سبب للعذاب والشقاء، وسبب لرفع الخيرات وجلب المضرات. وقال النبي ﵊ في رواية أخرى: (وإني خرجت لأخبركم بليلة القدر، غير أني رأيت رجلين منكما قد تخاصما فرفعت) فهل معنى (رفعت) نسيتها أو أُنسيتها، أم أنها رفعت هذه الليلة وتحولت إلى ليلة أخرى؟ على خلاف بين أهل العلم، وهذا يدل على أن الخصومة والملاحاة والخلافات سبب لمحق البركات وجلب المضرات. قال: [(فالتمسوها في العشر الأواخر من رمضان، التمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة)] يعني: التمسوها في التاسعة والعشرين والسابعة والعشرين والخامسة والعشرين، مع أنه كان حقه أن يقول: التمسوها في الخامسة والسابعة والتاسعة؛ للترتيب، ولكنه أتى من الآخر قال: (التمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة)، ولذلك لم يتفطن أحد من أهل العلم إلى هذه الأعداد إلا ابن تيمية عليه رحمة الله، فقال كلاماً جميلاً سأذكره. ومبدأ الحساب للمجتهد المطلق أمر لازم، وإلا كيف سيتعامل مع الأعداد والأرقام الموجودة في الكتاب والسنة؟ لا بد أن يكون فقيهاً بمادة الحساب والرياضة، ولذلك الإمام السيوطي عليه رحمة الله ادعى أنه مجتهد مطلق، وأراد أن يصنع لنفسه مذهباً يخالف فيه مذهب إمامه؛ لأنه كان شافعي المذهب، فخالفه في ثمان عشرة مسألة فقط، فرأى أن العملية ما تستأهل مذهباً منفرداً؛ لأنه كان يفكر بنفس الطريقة التي كان يفكر بها الشافعي والشافعية، فكيف يخالفهم والمنهج الفكري واحد، والأصول واحدة؟ الشاهد: أن الإمام السيوطي ظن أو ترجح لدى نفسه أنه يحق له أن يكون مجتهداً مطلقاً، لأنه بلغ في العلم شأناً عظيماً جداً، وكان كعبه عالياً في العلم، خاصة فيما يتعلق بالعلوم الحديثية، وكان ذا شأن عظيم، لكن الإمام السخاوي كان يعيش معه في عصر واحد، فلم يكن السيوطي يصنف كتاباً إلا ويرد عليه السخاوي والعكس بالعكس، والسيوطي له أكثر من ألف ومائتي مصنف، وقيل: ألفا مصنف، ما ترك باباً من أبواب العلم إلا وصنف فيه مؤلفاً: أدب، لغة، حديث، فقه، تفسير، ما ترك شيئاً إلا وصنف فيه كتباً وصار إماماً فيه، فقال له السخاوي: أنت قلت: إنك مجتهد مطلق كيف ذلك وأنت تجهل الحساب، هذه المادة الوحيدة التي لم يكن يفقه السيوطي فيها شيئاً، والحساب من ألزم العلوم لعلم المواريث وغيره من المسائل الشرعية التي تحتاج إلى الحساب والرياضة، فـ السيوطي ليس عنده استعداد أن يستوعب مسألة واحدة في الحساب، فـ السخاوي قال له: أنت لست مجتهداً مطلقاً، فيرد السيوطي على السخاوي، وذلك عندما ألّف السخاوي كتاباً اسمه: (ألف سيخ في عين من حرم الفتيخ) والفتيخ هو حديد، وكان السيوطي يحرم الفتيخ، فرد عليه بكتاب اسمه: (الفتيخ في عين من أحل الفتيخ) وكل واحد يأتي بأدلته، ودار بينهما من المهاترات والمناظرات الشيء الكثير جداً، وقد ذكر السخاوي طرفاً عظيماً جداً في

стр. 289

شرح حديث عبد الله بن أنيس في وقوع ليلة القدر ليلة ثلاث وعشرين في زمن النبي قال: [عن عبد الله بن أنيس أن النبي ﷺ قال: (أريت ليلة القدر ثم أنسيتها، وأراني صبحها أسجد في ماء وطين، قال: فمطرنا ليلة ثلاث وعشرين)] قبل ذلك قال: ليلة واحد وعشرين، وهذا يدل على أن الليلة متنقلة. قال: [(فصلى بنا رسول الله ﷺ ، فانصرف وإن أثر الماء والطين على جبهته وأنفه. قال: وكان عبد الله بن أنيس يقول: ثلاث وعشرين)] أي: في عام آخر؛ لأنها لا ترى في السنة مرتين وإنما مرة واحدة، لكن اختلاف الروايات يدل على اختلاف السنوات. قال: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا ابن نمير ووكيع عن هشام عن أبيه عن عائشة] هشام هو هشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزبير عن عائشة ﵂. [قالت: قال رسول الله ﷺ : (التمسوا -وفي رواية- تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان)].

стр. 290

شرح حديث أبي بن كعب في كون ليلة القدر ليلة سبع وعشرين قال: [وحدثنا محمد بن حاتم وابن أبي عمر كلاهما عن ابن عيينة قال ابن حاتم: حدثنا سفيان بن عيينة عن عبدة وعاصم بن أبي النجود سمعا زر بن حبيش يقول: (سألت أبي بن كعب ﵁ فقلت: إن أخاك ابن مسعود يقول: من يقم الحول يصب ليلة القدر)] يعني: الذي سيصلي العام كله سيدرك ليلة القدر، وهذا مذهب خاص لـ ابن مسعود فقد كان يرى أن ليلة القدر في رمضان وفي غير رمضان، وأن من قام الحول كله لا بد له من إصابة ليلة القدر. قال: [(فقال: ﵀، أراد ألا يتكل الناس)] انظر إلى الأدب من أبي بن كعب مع ابن مسعود، حيث قال: رحم الله أخي ابن مسعود، ثم بين بأدب شديد جداً خطأ ابن مسعود بعد أن دعا له بالرحمة ووجد له مخرجاً وعذراً بقوله: (أراد ألا يتكل الناس) يعني: هو أراد أن تجتهدوا في العبادة في جميع السنة، لم يجعلها في العشر الأواخر، ولا في رمضان، بل في السنة كلها. قال: [(أما إنه قد علم أنها في رمضان)] يعني: أبي بن كعب أثبت أن ابن مسعود يعلم أنها في رمضان، ولكنه قال لكم خلاف ما يعلم؛ حتى لا تتكلوا، وهذا من فقه الدعوة. قال: [(وأنها في العشر الأواخر، وأنها ليلة سبع وعشرين)] يعني: مذهب أبي بن كعب أنها على التعيين من كل عام ليلة سبع وعشرين، وكان يقسم على ذلك ولا يستثني، يقول: أقسم بالله العظيم أو أحلف بالله غير حانث ولا مستثن أنها ليلة السابع والعشرين فيما مضى؛ لأنها لو كانت فيما بقي لكانت في أول الشهر يوم اثنين أو ثلاثة. وهذا يدل على أن العالم لا يلزمه أن يفتي بكل ما يعلم؛ لأنه لا بد وأن ينظر في مصلحة المستفتي، أحياناً يأتيك الرجل فيقول لك: أنا قلت لامرأتي: عليها الطلاق، قد تقول: وقع الطلاق، والطلاق لم يقع، وهذا اللفظ عند بعض أهل العلم يقع به الطلاق، وعند الجمهور طلاق ضمني، يعني: إذا نوى به الطلاق وقع، وإذا لم ينو لم يقع، يقول لك: أنا لم أنو، هذه زوجة وعشرة سنين وعيال وأكل وشرب وملابس فكيف أنوي؟ لم أنو والله، فإن كان من أهل العلم أو طالب علم مؤدب محترم وصاحب دين وعلم ووقع في مثل هذا تقول له: لا شيء عليك ولا حرج، عليك كفارة يمين؛ لأن هذا صاحب دين وتحرٍ، ويعلم أن نساء المؤمنين ليس بالأمر الهين، وخراب البيوت ليس بالأمر الهين، بخلاف من قد جثم الشيطان على صدره بالليل والنهار، فمثل هذا يخوف، وسار جماهير أهل العلم قديماً وحديثاً أنه ليس بلازم أن يفتي الرجل المستفتي بما هو حق في الشرع، بل يمكن أن يتجاوزه لمصلحة المستفتي، استناداً إلى المصلحة الخاصة للمستفتي، وأنه لا يضره بالفتوى؛ لأنه ليس كل العلم ينفع الناس، فمن العلم ما يفتنهم ويضرهم ويضلهم، ولذلك قال علي بن أبي طالب ﵁: حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟. ويقول ابن مسعود: ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة. مع أنه دين وعلم وأدلة، لكن لا تبلغ لهذه الأدلة عقول الخلق، فينبغي أن يخاطبوا على قدر عقولهم؛ حتى لا يكذبوا الله تعالى ورسوله. إذاً: فالأصل أن يتفرس المفتي في وجه المستفتي، وألا يعطيه من العلم إلا ما ينفعه، أقل منه لا، زيادة عنه لا، أقل منه يجعله يفرط، وأكثر منه يضله ويشقيه. قال: [(ثم حلف - أي أبي - لا يستثني - أي لا يقول: إن شاء الله - أنها ليلة سبع وعشرين، فقلت: بأي شيء تقول ذلك يا أبا المنذر؟ -وهذه كنية أبي - قال: بالعلامة أو بالآية التي أخبرنا رسول الله ﷺ أنها تطلع يومئذ لا شعاع لها)]، لم يذكر العلامة وهي الشمس؛ لبيانها وعدم الحاجة إلى ذكرها، فالشمس تطلع في ذلك اليوم لا شعاع لها، نحن في هذا الوقت عندما ننظر إلى الشمس وهي في جهة المشرق عند طلوعها نرى أشعة مثل الحبال والخطوط تخرج من الشمس إلينا، ففي ليلة القدر تمتاز عن بقية الليالي فيما يتعلق بعلامتها وأمارتها في صبيحة تلك الليلة، وهي أن الشمس تخرج في صبيحة ليلة القدر بيضاء نقية لا شعاع لها صافية، من ينظر إليها يسعد جداً بنظره إليها، بخلاف غيرها من الأيام، فإنك لا تطيق النظر إليها كثيراً؛ لأنه يؤذيك شعاعها، لكن في هذا اليوم بالذات تخرج بلا شعاع. إذاً: هذه إحدى الأمارات والعلامات على أن الليلة الماضية والمنصرمة كانت ليلة القدر. قال: [وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة قال: سمعت عبدة بن أبي لبابة يحدث عن زر بن حبيش عن أبي بن كعب رضي ال

стр. 291

شرح صحيح مسلم - كتاب الإمارة - الناس تبع لقريش والخلافة في قريش بين النبي ﷺ أن الناس تبع لقريش في الجاهلية والإسلام، وأن الخلافة العامة في قريش، وهذا أمر أجمع عليه أهل السنة والجماعة، وقد بين النبي ﷺ أنه سيلي أمر المسلمين اثنا عشر خليفة كلهم من قريش يكون على أيديهم عز الإسلام ونصرة راية الحق، وقد اختلف العلماء في الزمان المحدد لهؤلاء الخلفاء على أقوال عدة.

стр. 292

باب الناس تبع لقريش، والخلافة في قريش إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستغفره ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. قال ﵀: (باب: الناس تبع لقريش، والخلافة في قريش) الناس تبع لقريش في الخير والشر، والإمارة والإمامة، والإمام الأعظم -أي: الخليفة العام- من قريش.

стр. 293

شرح حديث أبي هريرة: (الناس تبع لقريش) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب وقتيبة بن سعيد قالا: حدثنا المغيرة -يعنيان: الحزامي] أي: أنه المغيرة بن عبد الرحمن المدني نزيل عسقلان، ولقبه قصي [ح وحدثنا زهير بن حرب - أبو خيثمة النسائي نزيل بغداد- وعمرو الناقد المصري قالا: حدثنا سفيان بن عيينة كلاهما -أي: المغيرة بن عبد الرحمن الحزامي وسفيان بن عيينة - عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ . وفي حديث زهير: يبلغ به النبي ﷺ ]. أي: في طريق الأعرج قال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ . وفي حديث زهير قال أبو هريرة: يبلغ به النبي ﷺ . ومعنى يبلغ به: بعد طبقة الصحابة إلى النبي ﷺ ، فهو يرفعه إلى النبي ﷺ . كذلك معنى قول الراوي عن الصاحب: يرفعه. أي: يرفعه إلى النبي ﷺ . فمعنى يبلغ به ويرفعه: أن هذا القائل لهذا الكلام هو النبي ﷺ ، فإما أن يقول التابعي: قال الصاحب: سمعت النبي ﷺ . أو: قال النبي ﷺ . أو: أبلغ إلى النبي ﷺ . أو يبلغ إلى النبي ﷺ . أو يرفعه. كله في معنى واحد، وهو أن القائل لهذا الكلام هو النبي ﷺ . قال: [وقال عمرو -أي عمرو الناقد - رواية] معنى رواية: رواية عن النبي ﷺ . أي: يبلغ به أو يرفعه، والمعنى واحد. [قال النبي ﷺ : (الناس تبع لقريش في هذا الشأن)] أي: أتباع لقريش في شأن الإمارة أو الخلافة [(مسلمهم لمسلمهم وكافرهم لكافرهم)] أي: أن الناس في إيمانهم وإسلامهم وفي كفرهم تبع لقريش. ولو نظرت في أيام الجاهلية قبل مبعث النبي ﷺ لعلمت أن الناس في هذه الحالة من الكفر كانوا أتباعاً لقريش، وأن قريشاً كانت تسود العرب وتقودها مع كفرها وضلالها، فهذا يدل على أن قريشاً كانت رأساً في الضلال قبل البعثة، وكذلك هي رأس في الخير بعد الإسلام وبعد فتح مكة. قال: [(الناس تبع لقريش في هذا الشأن مسلمهم لمسلمهم وكافرهم لكافرهم)] أي: المسلمون تبع لقريش في الإسلام، والكفار تبع لقريش في الكفر. قال: [وحدثنا محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر] وهو معمر بن راشد البصري نزيل اليمن يروي عن همام بن منبه أو ابن منبه كلاهما سواء، [قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ، فذكر أحاديث منها]، هذه الأحاديث تسمى صحيفة همام عن أبي هريرة وهي حوالي (١٤٢) حديثاً يرويها همام عن أبي هريرة، لم يقل فيها همّام باستمرار: حدثنا أبو هريرة قال: سمعت النبي ﷺ يقول كذا وإنما قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: كيت وكيت وكيت حتى عد (١٤٢) حديثاً تسمى الصحيفة، أخرجها الإمام أحمد بن حنبل في الجزء الثاني من مسنده، وهو الجزء الذي يشمل رواية أبي هريرة ﵁. قال: [فذكر أحاديث منها: وقال رسول الله ﷺ : (الناس تبع لقريش في هذا الشأن مسلمهم تبع لمسلمهم، وكافرهم تبع لكافرهم)].

стр. 294

شرح حديث جابر: (الناس تبع لقريش في الخير والشر) قال: [وحدثني يحيى بن حبيب الحارثي حدثنا روح -وهو روح بن عبادة البصري - حدثنا ابن جريج] وهو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج وهو مدلّس، ونحن نعلم أن المدلّس إذا لم يصرّح بالسماع توقفنا في قبول حديثه، فهو هنا صرّح بالسماع، كما أن شيخه أبو الزبير المكي محمد بن مسلم بن تدرس مدلّس كذلك، ولكنه قد صرّح بالسماع من جابر بن عبد الله الأنصاري فانتفت عنهما شبهة التدليس؛ لأن المدلّس إذا صرّح بالسماع وإذا قال: سمعت فلاناً، أو حدثني فلان، أو أخبرني، أو أنبأني تنتفي عنه فوراً شبهة التدليس؛ لأن المدلّس ليس كاذباً، وإنما هو يوهم المستمع أو القارئ أنه سمع ولم يسمع، فهو يقع في الوهم، وإن كان يربطه بالكذب على القائل، لكنه ليس كذّاباً كذباً صريحاً. قال [ابن جريج: حدثني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: قال النبي ﷺ : (الناس تبع لقريش في الخير والشر).

стр. 295

شرح حديث ابن عمر: (لا يزال هذا الأمر في قريش) قال: [وحدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس] وأحياناً يقول مسلم: حدثنا أحمد بن يونس، وينسبه إلى جده لكثرة ملازمته لجده ويسقط من النسب أباه، حتى إذا أردت أن تبحث عن ترجمة أحمد بن عبد الله بن يونس تكون أنت عالماً بنسب الرجل، ولو كنت لا تعلم أن أحمد بن حنبل اسمه أحمد بن محمد بن حنبل لا بد أنك ستحتار في البحث عن ترجمته، وكثير من الناس يذهب إلى كتب التراجم ليفتّش عن ترجمة راو بعينه، مشهور بنسبته إلى جده مثلاً كـ أحمد بن محمد بن حنبل، فيبحث في باب أحمد بن حنبل، فلا يجد في الرواة من يسمى أحمد بن حنبل، فيظن أن هذا الكتاب لم يشتمل على ترجمة الإمام، فيقول: فبحثت في كتاب التقريب أو التهذيب أو الكمال أو غير ذلك من كتب الرجال فما وجدت ذكراً له. وفي الحقيقة هو مذكور في كل هذه الكتب، ولكن بهذا الاسم الثلاثي أحمد بن محمد أي: اسم الآباء في باب الميم، ولكنه ذهب ليبحث عن ترجمته في باب الحاء في اسم الأب أحمد بن حنبل، فلم يجد له ذكراً في هذا الموطن، فكذلك الذي يبحث عن ترجمة أحمد بن عبد الله بن يونس يبحث عن هذا الاسم الثلاثي. وربما يكون الحافظ ابن حجر في كتاب التقريب أو التهذيب علم أن هذا موطن يخطئ فيه كثير من الناس، فيقول في باب الياء بالنسبة للأب أحمد بن يونس تجده قد سبق في أحمد بن عبد الله بن يونس، فإذا قال ذلك فقد أراحك، وإلا فقد حدث هذا معي منذ سنوات فيما يسمى بـ عبد الله بن منيع، فأنا بحثت عنه بهذا الاسم وإذا به اسم طويل جداً، وفي آخره منيع، وما دلني على ذلك إلا شيخنا الفاضل رحمة الله تعالى عليه الشيخ عبد المحسن العباس، وهو أستاذ الحديث في الجامعة الإسلامية، وله كتب في المصطلح كثيرة. قال: [وحدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس حدثنا عاصم بن محمد بن زيد عن أبيه قال: قال عبد الله: قال رسول الله ﷺ : (لا يزال هذا الأمر في قريش -أي: الإمارة- ما بقي من الناس اثنان)] وهذا يدل على أن الإمارة والخلافة في قريش إلى يوم القيامة، وربما يدخل في هؤلاء الخلفاء المهدي المنتظر؛ لأنه آخر الخلفاء على الإطلاق، وهو قرشي من أهل بيت النبي ﷺ ، بل من أولاد فاطمة ﵂، واسمه يواطئ اسم النبي ﷺ ، واسم أبيه يواطئ اسم أبي النبي ﷺ . أي: اسمه محمد بن عبد الله القرشي، فلا يأتك بعد هذا صعيدي أو منوفي فيقول: أنا المهدي المنتظر. لا بد من معرفة أصله: هل هو قرشي أم لا؟ ولا يمنع أن يكون القرشي منوفياً -وإن كانت هذه عجيبة من العجائب- فلو أنه انتقل من قريش إلى منوف أو إلى الصعيد فلا بأس أن تكون الأسرة هاجرت وهو منها، وهذا تقدير الله حتى يعم الأمر، فيظهر فجأة ومرة واحدة، فإن عيسى بن مريم ﵇ بشّر بنبي يأتي من بعده اسمه أحمد، فلما تسمى محمد ﵇ بهذا الاسم، خفي على الناس أن محمداً كأحمد، وكان أول من تسمى في الدنيا باسم أحمد هو نبينا ﷺ ، فقال الشانئون: إنما بشّر عيسى ﵇ برجل اسمه أحمد ولم يقل: محمد، فقال النبي ﷺ : (أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحى به الذنوب، وأنا الحاشر وأنا العاقب) أي: الذي يُحشر الناس على قدميه ﵊ أو بين يديه ﷺ ، فهذه أسماؤه الخمسة، وله أسماء أخرى قد ذكرناها من قبل ومرت بنا.

стр. 296

شرح حديث جابر بن سمرة: (لا ينتهي هذا الأمر حتى يكون على الناس اثنا عشر خليفة) قال: [حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا جرير -وهو ابن عبد الحميد الضبي الكوفي عن حصين - حصين بن عبد الرحمن الكوفي - عن جابر بن سمرة قال: سمعت النبي ﷺ يقول. (ح) وحدثنا رفاعة بن الهيثم الواسطي -واللفظ له- حدثنا خالد -يعني ابن عبد الله الطحان]، الواسطي، وواسط هي قرية بالعراق من أعمال الحجاج بن يوسف الثقفي عليه من الله ما يستحق. قال: [عن حصين عن جابر بن سمرة قال: دخلت مع أبي على النبي ﷺ فسمعته يقول: (إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة -أي: لا ينتهي هذا الأمر حتى يكون على الناس اثنا عشر خليفة- ثم تكلم بكلام خفي علي فقلت لأبي: ما قال؟ قال: كلهم من قريش)] هذه الكلمة لم يسمعها جابر، وفي هذا إثبات أن جابراً وأباه صحابيان. قال جابر بن سمرة: دخلت مع أبي على النبي ﷺ فسمعته يقول كلاماً وخفي علي بعض كلامه، فسألت عنه قال: (كلهم من قريش). قال: [حدثنا ابن أبي عمر] وهو محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني اليمني انتقل إلى مكة واستوطنها، وتتلمذ على يد سفيان بن عيينة. قال: [حدثنا سفيان عن عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (لا يزال أمر الناس ماضياً وقائماً ومستمراً ما وليهم اثنا عشر رجلاً، ثم تكلم النبي ﷺ بكلمة خفيت علي فسألت أبي: ماذا قال رسول الله ﷺ ؟ قال: كلهم من قريش)] أي: هؤلاء الاثنا عشر خليفة كلهم من قريش. قال: [وحدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا أبو عوانة عن سماك بن جابر بن سمرة عن النبي ﷺ بهذا الحديث ولم يذكر: (لا يزال أمر الناس ماضياً)]. قال: [وحدثنا هداب بن خالد الأزدي -وقيل: هدبة - حدثنا حماد بن سلمة عن سماك بن حرب قال: سمعت جابر بن سمرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة -أي: أن الإسلام عزيز في ظل اثني عشر خليفة من قريش- ثم قال كلمة لم أفهمها فقلت لأبي: ما قال؟ قال: كلهم من قريش). حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو معاوية محمد بن خازم الضرير عن داود -وهو ابن أبي هند - عن الشعبي -وهو عامر بن شراحيل بفتح الشين- عن جابر بن سمرة قال: قال النبي ﷺ : (لا يزال هذا الأمر عزيزاً إلى اثني عشر خليفة، ثم تكلم بشيء لم أفهمه فقلت لأبي: ما قال؟ قال: كلهم من قريش). (ح) حدثنا نصر بن علي الجهضمي حدثنا يزيد بن زريع -إمام البصرة، أثنى عليه الإمام أحمد بن حنبل أعظم ثناء- حدثنا ابن عون. (ح) وحدثنا أحمد بن عثمان النوفلي -واللفظ له- حدثنا أزهر حدثنا ابن عون عن الشعبي عن جابر بن سمرة قال: (انطلقت إلى رسول الله ﷺ ومعي أبي فسمعته يقول: لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً إلى اثني عشر خليفة، فقال كلمة صمنيها الناس -أي: أصابني بسبب صياحهم واختلاط أصواتهم الصمم، فلم أتمكن من سماع الكلمة التي قالها- فقلت لأبي: ما قال؟ قال: كلهم من قريش). حدثنا قتيبة بن سعيد وأبو بكر بن أبي شيبة حدثنا حاتم -وهو ابن إسماعيل - عن المهاجر بن مسمار عن عامر بن سعد بن أبي وقاص قال: كتبت إلى جابر بن سمرة مع غلامي نافع: أن أخبرني بشيء سمعته من رسول الله ﷺ . قال: فكتب إلي: سمعت رسول الله ﷺ يوم جمعة عشية رجم الأسلمي -أي: ماعز الأسلمي الذي رجمه النبي ﵊ في الزنا- يقول: (لا يزال الدين قائماً حتى تقوم الساعة)]. وهذه بشرى عظيمة، فمهما حاول المحاولون فالدين قائم وظاهر، وله أئمته الذين يظهرونه في كل زمان ومكان، حتى تقوم الحجة على جميع الخلق، فيأتي الناس جميعاً يوم القيامة ولا حجة لهم بين يدي الله ، إما مؤمن يدخل الجنة برحمة الله تعالى، وإما كافر يدخل النار بعمله وبسبب كفره. قال: [(لا يزال ا

стр. 297

كلام النووي في أحاديث باب (الناس تبع لقريش)، و (الخلافة في قريش) قال الإمام النووي عليه رحمة الله: (هذه الأحاديث وأشباهها دليل ظاهر أن الخلافة مختصة بقريش لا يجوز عقدها لأحد من غيرهم، وعلى هذا انعقد الإجماع في زمن الصحابة). وأنتم تعلمون أن أفضل الإجماع ما أجمعت عليه الصحابة، فالإجماع الذي ليس محل نزاع ولا اختلاف هو إجماع الصحابة ﵃، فانعقد إجماع الصحابة أن الخلافة والإمارة العامة في قريش لا في غيرهم، ولا يمنع أن يكون الخليفة العام يولي ولاة على الأمصار من غير قريش؛ لأن المقصود بالإمارة هنا: ليست الإمارة الخاصة أو إمارة الدويلات، أو الدول والأمصار التابعة للولاية العامة، وإنما المقصود في هذه النصوص: الإمارة العامة والخلافة العامة. أي: الخليفة الكبير الذي يعيّن ولاة على الأمصار، فلا بأس أن يكون الولاة على الأمصار من قريش أو من غير قريش، وإنما الإمام العام يكون من قريش. قال: (وعلى هذا انعقد الإجماع في زمن الصحابة، فكذلك بعدهم، ومن خالف فيه من أهل البدع أو عرض بخلاف من غيرهم -أي: ومن خالف في هذا الأمر وخالف في هذا الإجماع فإنه من أهل البدع- فهو محجوج بإجماع الصحابة والتابعين فمن بعدهم بالأحاديث الصحيحة. قال القاضي -أي: القاضي عياض -: اشتراط كونه قرشياً هو مذهب العلماء كافة). إذاً: شرط في الخليفة العام أن يكون قرشياً، وكثير من الجماعات يزعمون أن أميرهم هو الخليفة العام، ولا يصرّح بهذا إلا في أضيق الحدود وفي المجالس الخاصة، بل من الجماعات من يكفّر الجماعات الأخرى وربما كفّر عامة المسلمين لتركهم بيعة هذا الخليفة أو هذا الأمير أو ذاك الإمام، وهذا الكلام كله باطل. ومنهم من يحتج بنصوص الإمارة العامة على جماعته، ولصالح الإمارة التي قد بايع فيها، ولا شك أن هذا كله لا يلزم المسلم، ومن مات بغير بيعة على هذا النحو في هذا الزمان فإنه لا شيء عليه. ويحتجون بحديث: (من مات وليس في رقبته بيعة فقد مات ميتة جاهلية) ولا شك أنك لو بايعت لأبطلت البيعات الحاصلة في الجماعات الأخرى؛ لأنها جماعات منشقة مارقة خارجة عن الجماعة الأم، وعلى ذلك لا يلزمك أن تبايع جماعة من الجماعات، وإنما الذي يلزمك أن تعبد الله ﵎ بالكتاب والسنة وبفهم سلف الأمة، وخذه من أي جماعة شئت، ومن أي إمام شئت، ومن أي عالم شئت، وافهمه من أي كتاب شئت، المهم أنك لست مطالباً في هذا الزمان إلا بقال الله وقال الرسول على فهم سلف الأمة لهذه النصوص. فهذه الجماعات التي على الساحة كلها لا يلزمني قط مبايعتها ولا مساندتها إلا فيما يتعلق بقول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢]، ودون ذلك خرط القتاد. (قال القاضي عياض: اشتراط كون الإمام قرشياً هو مذهب العلماء كافة، وقد احتج به أبو بكر وعمر ﵃ على الأنصار يوم السقيفة فلم ينكره أحد] أي: حينما توفي النبي ﷺ ، واجتمع الأنصار يريدون أن يكون الخليفة منهم، دخل عليهم أبو بكر وذكّرهم بهذه الأحاديث وهذه النصوص وأن الإمارة والإمامة دائماً في قريش لا في الأنصار، وهذا دين وحق وشرع، ليس طلباً للإمامة والزعامة، وإنما هو تحقيق للحق الشرعي الذي جاء به محمد ﵊، ولم ينكر على أبي بكر ولا عمر أحد من الأنصار أن الخليفة يشترط فيه أن يكون قرشياً. (قال القاضي عياض: وقد عدها العلماء في مسائل الإجماع). أوردها ابن حزم في مسائل الإجماع وابن المنذر في مسائل الإجماع، ونقل الإجماع النووي والحافظ ابن حجر وغير واحد بأن الخليفة العام لا بد أن يكون قرشياً. قال: (ولم ينقل عن أحد من السلف فيها قول ولا فعل يخالف ما ذكرنا). أي: أن السلف والخلف كلهم متفقون على هذا الشرط. قال: (وكذلك من جاء بعدهم في جميع الأعصار والأمصار).

стр. 298

رأي أهل البدع في كون الخلافة في قريش قال القاضي عياض: (ولا اعتداد بقول النظام). والنظام هو سيد المعتزلة في زمانه. قال: (ولا اعتداد بقول النظام ومن وافقه من الخوارج وأهل البدع). إذاً: القائلون بجواز كونه من غير قريش هم من أهل البدع، كـ النظام وهو كبير المعتزلة في زمانه، والخوارج قاطبة أجمعوا على جواز كونه من غير قريش، وإجماعهم ليس محل اعتبار ولا كرامة عند أهل السنة؛ لأنهم أصلاً مخالفون لأهل السنة في أصول الاعتقاد، فكف يعتبر خلافهم؟ بل هم خلاف من هم خير منهم شيئاً يسيراً كالشيعة، فكيف يُعتبر خلاف الخوارج والمعتزلة لأمر أجمع عليه الصحابة والتابعون ومن بعدهم من أهل السنة والجماعة إلى يومنا هذا؟ لكن المؤسف جداً أن نرى في هذا الزمان بعض من ينتسب إلى السلفية وأهل السنة والجماعة ويقول: بالإمكان أن يكون الخليفة من غير قريش، وظني أنه متتبّع لهذه الأخبار ولهذه الجماعات، ويأتي في مساجد السنة ويزعم أن الخليفة يمكن أن يكون غير قرشي، فهذا القول مردود منه وممن هو أفضل منه؛ لأنه مخالف لإجماع المسلمين فضلاً عن مخالفته لنصوص سيد المرسلين ﷺ ، ولم يقل بهذا القول الذي قاله هذا الشيخ إلا أهل البدع، ولا سلف له إلا هم. قال القاضي: (ولا اعتداد بقول النظام ومن وافقه من الخوارج وأهل البدع أنه يجوز كونه من غير قريش، ولا بسخافة ضرار بن عمرو -المبتدع الضال- في قوله: إن غير القرشي من النبط وغيرهم يُقدم على القرشي لهوان خلعه إن عرض منه أمر). ضرار بن عمرو هذا من أكابر أسياد المبتدعة، يقول: نحن لا نأتي بقرشي ونعينه إماماً، وإنما نأتي بنبطي -أي: من البربر- ونعينه إماماً؛ وذلك لأن الإمام معرّض للخلع، والخلع لا يليق بكرامة القرشي، فنحن نريد أن نبعد القرشي عن هذه الإهانة، فلو قلنا: من الذي افترض هذا الفرض أنه إذا عُيّن خُلع؟ الجواب أهل البدع هم الذين افترضوا هذا الفرض؛ ولذلك دللوا عليه بما يثبت له الكرامة والعزة، فكأنها كما يقول الناس: كلمة حق أُريد بها باطل! ولا شك أن أهل البدع دائماً إذا ابتدعوا شيئاً جمّلوه وزينوه وزخرفوه بزخرف القول؛ حتى يدخل على السذّج من أبناء المسلمين، فهو لا يرفض إمامة القرشي ويضع مكانه النبطي رفضاً باتاً وبدون إبداء أسباب، وإنما يقول: أنا أرفض إمامة القرشي حفاظاً على كرامة القرشي، حتى لا يُخلع أو يهان أو يسب أو يشتم أو غير ذلك. قال: (ولا سخافة ضرار بن عمرو في قوله: إن غير القرشي من النبطي وغيرهم يقدم على القرشي لهوان خلعه إن عرض منه ما يؤدي إلى خلعه. وهذا الذي قاله من باطل القول وزخرفه، مع ما هو عليه من مخالفة إجماع المسلمين، والله أعلم).

стр. 299

معنى قول النبي ﷺ (الناس تبع لقريش في الخير والشر) قال: (قوله ﷺ : (الناس تبع لقريش في الخير والشر) فمعناه: في الإسلام والجاهلية). المعلوم أن موطن قريش الأصلي هو مكة المكرمة، وأن قريشاً لم تستقر بعد فتح مكة في هذا المكان، بل انتقل منهم من انتقل إلى المدينة، وأرسل النبي ﷺ من أرسل في الأمصار هنا وهناك ليعلموا الناس الدين، ومنهم من ولد له في البلد الذي سافر إليه، وهاجر إليه، فمنهم من استقر ومنهم من رجع إلى بلاده، ثم بعد ذلك هاجرت أسر عظيمة وقبائل وبطون إلى كثير من البلدان، ومعظم القرشيين هاجروا من مكة والمدينة إلى غيرها من الأمصار، ومعظمهم هاجر إلى صعيد مصر، فلا يبعد في المستقبل أن يكون الإمام من صعيد مصر. (الناس تبع لقريش في الخير والشر) معناه: في الإسلام والجاهلية. النبي ﵊ قال لـ هرقل الروم: (أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين) أي: تؤجر على إسلامك وتؤجر على إسلام أتباعك؛ لأن الأتباع لو رأوه أسلم لأسلموا؛ ولذلك دائماً يقولون: إذا سقط الرأس سقط من دونه. لكن ما دام الرأس قائماً فلا يزال الأمر في حزم وقوة وشدة، فكذلك الناس تبع لقريش في الإسلام والجاهلية، في الخير والشر. قال: (كما هو مصرح به في هذه الروايات؛ لأنهم كانوا في الجاهلية رؤساء العرب، وأصحاب حرم الله، وأهل حج بيت الله). وأصحاب السقاية والرعاية وخدمة الحجيج وغير ذلك. فهم كانوا رءوساً في الجاهلية. (وكانت العرب تنظر إسلامهم). أي: أن الناس كلها تتطلع: هل أسلمت قريش أم لا؟ هل استجابت قريش لدعوة هذا النبي الذي هو منهم وهو ابن من أبنائها أم لا؟ فإذا قيل: (لم يستجيبوا) فكّر الواحد ألف مرة قبل أن يستجيب لهذه الدعوة. يقول: إذا كان هذا ابناً من أبنائهم ولم يتّبعوه ولم ينصروه، بل حاربوه، فهذا يدل على أنه ليس على الحق، وهم أعلم به منا؛ ولذلك كانوا يتأخرون دائماً عن الإسلام وعن المبادرة إلى اتباع النبي ﵊. هذا في الجاهلية. فلما أسلمت قريش في فتح مكة كان فتحاً عظيماً ونصراً مبيناً للإسلام وأهله، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، حينما رأوا قريشاً قد دخلت في دين محمد ﷺ ، فتبعهم الناس، وجاءت وفود العرب من كل جهة، ودخل الناس في دين الله أفواجاً. وكذلك في الإسلام هم أصحاب الخلافة، والناس تبع لهم، وبيّن ﷺ أن هذا الحكم مستمر إلى آخر الدنيا ما بقي من الناس اثنان.

стр. 300

الأمر بحكم قريش مستمر إلى قيام الساعة إذاً: الإمارة والخلافة العامة في قريش ما بقي في الناس اثنان، وهذا أمر منذ مبعث النبي ﵊ إلى قيام الساعة، وأنتم تعلمون أن أبا بكر قرشي، وعمر قرشي، وعثمان قرشي، وعلياً قرشي، والحسن قرشي، ومعاوية بن أبي سفيان قرشي، وكذلك أولاده، وعمر بن عبد العزيز كذلك قرشي، فهؤلاء جميعاً خلفاء راشدون، وهم بلا شك داخلون في هذه الخلافة، بعضهم أحسن خلافة من بعض، وبعضهم كان أقوى من بعض، لكن كلهم كانوا عاملين بالإسلام وهديه، وكلهم يعملون لنصرة الإسلام، وكانوا يتقون الله تعالى فيما ولوا من أمر المسلمين، وبعضهم أفضل من بعض كما قلنا، وكان أفضلهم على الإطلاق أبو بكر الصديق، ومن بعده عمر، ومن بعده عثمان، ووقع النزاع في أواخر عهد عثمان في مقتله، ثم أتت الفتن، وكثرت في زمن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وقام إليه رجل وقال: يا أمير المؤمنين! ألست أمير المؤمنين حقاً؟ قال: بلى. قال: فلِم وقع هذا النزاع في زمنك ولم يقع في زمن أبي بكر وعمر؟ قال: لأن أبا بكر وعمر كانا أميرين على مثلي، وأنا أمير على أمثالكم. كما قال السلف: أعمالكم عمّالكم. يعني: كيفما تكونوا يول عليكم. وبيّن ﷺ أن هذا الحكم مستمر إلى آخر الدنيا ما بقي في الناس اثنان، وقد ظهر ما قاله ﷺ ، فمن زمنه ﵊ إلى الآن الخلافة في قريش. وهذا التقرير من الإمام النووي. يقول: الخلافة منذ زمن النبي ﵊ إلى يومنا هذا -أي: في القرن السادس الهجرية- كلها في قريش، وكانت الخلافة منذ زمنه ﵊ إلى نهاية القرن السادس تزيد عن اثني عشر خليفة، ولذلك لم يقل النبي ﵊: الخلافة اثنا عشر خليفة، وإنما قال: (يتولى فيكم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش) أي: الموصوفون بالعدل والرشاد، ولا يمنع أن يكون هناك من هو دون ذلك. قال: (وقد ظهر ما قاله ﷺ ، فمن زمنه ﵊ إلى الآن الخلافة في قريش).

стр. 301

التعصبات بين مذاهب أهل السنة والجماعة أمر مذموم قال القاضي عياض: استدل أصحاب الشافعي بهذا الحديث على فضيلة الشافعي. وذلك لأنه قرشي. والحديث نص في الإمارة والشافعي ليس أميراً، كما أن الحديث نص في أفضلية قريش، فهو من هذا الباب فقط يثبت فضيلة الشافعي؛ لأنه قرشي. وقد وقعت مهاترات وتعصبات بين أصحاب المذاهب، حتى دعاهم هذا التعصب إلى الافتراء والكذب على النبي ﷺ ، فالأحناف والشافعية عداوتهم معلومة على مر التاريخ إلى يومنا هذا، حتى في الأزهر ينظر الشافعي إلى الحنفي كما لو كان يهودياً، وفي زمن من الأزمان كان لا يتزوج الشافعي من الحنفية، ولا الحنفي من الشافعية، وإذا رُفع الأمر إلى القاضي فإنه ينتحل مذهباً يخالف مذهب القضية المرفوعة إليه، ومعلوم أن الكعبة لها أربعة أركان، فكان الأحناف يجلسون في ركن، والمالكية في ركن، والشافعية في ركن، والحنابلة في ركن، والذي يفاجأ أنه صلى في جماعة الحنابلة وهو شافعي يرجع فيعيد صلاته. وهذا شر مستطير وتفريق للأمة. وأدى هذا التعصب إلى أن افترى الأحناف حديثاً كذباً وزوراً على النبي ﵊، أنه قال: (فيكون في أمتي رجل هو أبو حنيفة سراج أمتي) أو: (سراج أمتي أبو حنيفة النعمان). وهما حديثان مكذوبان. وبعد أن أثبتوا الفضل لإمامهم أرادوا ذم الشافعي ليستمر لهم الكمال، فقالوا: قال النبي ﷺ : (سيخرج رجل من أمتي محمد بن إدريس أشد عليها من إبليس). يقصدون الإمام الشافعي، اسمه محمد بن إدريس، ومعلوم أن أبا حنيفة مات سنة (١٥٠) هـ، والشافعي ولد في نفس السنة، فقال الأحناف: حينما ولد إمامكم أبى إمامنا الحياة، كأنه هو الذي أمات نفسه. ويقول الشافعية رداً عليهم: حينما ولد إمامنا أبى إمامكم الحياة؛ لأنه لا يهنأ له الحياة في ظل إمامنا وهو طفل رضيع! فكل هذه تعصبات لا قيمة لها، فـ أبو حنيفة ليس قرشياً، بل هو كوفي، وأحمد بن حنبل ليس قرشياً، بل هو بغدادي، ومالك ليس قرشياً بل هو مدني، أما الشافعي فهو قرشي، فهو من هذه الجهة أفضل من الأئمة الثلاثة، ومن جهة الفقه كذلك هو أفقه من الثلاثة، أما منزلته عند الله فالعلم عنده سبحانه، فالله تعالى أعلم بمن اتقى، فإن الإمام أحمد بن حنبل له من العلم والفضل والثبات في المحن ما ليس للشافعي، فهو إمام أهل السنة بالاتفاق. وأما تقرير مسائل للاعتقاد فقد اشتهر به الإمام مالك رحمه الله تعالى، فهو الذي عاصر ابتداء ظهور البدع والفتن في العقيدة، وفي صفات المولى ، فقرر مسائل الاعتقاد على مذهب الصحابة والتابعين، ثم برز على هذه الأصول بعد ذلك من جاء بعده كـ الشافعي، فـ الشافعي تلميذ مالك، بل صحبته أمه من مكة إلى المدينة وعنده من العمر عشر سنوات، فقدم إلى الإمام مالك وقال: يا إمام! أريد أن أقرأ عليك الموطأ، فنظر إليه الإمام واستصغره. قال: اذهب فالتمس من يقرأ لك. فقال: يا إمام! أحفظ الموطأ عن ظهر قلب. قال: أنت؟ قال: نعم. قال الشافعي: فقرأته عليه في أربعة مجالس. أي: من حفظه سرده سرداً على الإمام في أربعة مجالس. فسُر به مالك جداً وقرّبه إليه وكان مستملياً له. أي: أنه يجلس بجواره ويقرأ، والإمام مالك يشرح الموطأ. وكذلك الإمام أحمد كان تلميذاً للشافعي. فالأول أبو حنيفة؛ ولذلك يسمونه الإمام الأعظم. أي: أكبرهم وأولهم، والمكان الذي كان يسكن فيه في العراق يسمى إلى الآن بالأعظمية؛ نسبة إلى الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان رحمه الله تعالى، ورضي عنهم أجمعين.

стр. 302

الجمع بين حديث (الخلافة بعدي ثلاثون سنة)، وحديث (حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة) أما قوله ﵊: (إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش)، وفي رواية: (لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر رجلاً كلهم من قريش)، وفي رواية: (لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة كلهم من قريش). فقد قال القاضي عياض: (هنا يتوجّه سؤالان: الأول: أنه قد جاء في الحديث الآخر: (الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكاً عاضاً) كما في الحديث الطويل: (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون فيكم ما شاء الله أن تكون، فإذا أراد الله أن يرفعها رفعها)، وقد رُفعت الخلافة الراشدة التي كانت على منهاج النبوة، وكان مدتها ثلاثون سنة وبضعة أشهر، وهي خلافة الأربعة: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، والنبي ﷺ قال: (ثلاثون سنة) أي: تقريباً بزيادة أو بنقصان. وهذا من أعلام نبوته ﵊. قال: (فإذا شاء الله أن يرفعها رفعها، ثم يكون ملكاً عاضاً) وهو ملك بني أمية والعباسيين وغيرهم. قال (فيكون فيكم ما شاء الله أن يكون، ثم إذا أراد الله أن يرفعه رفعه، ثم يكون ملكاً جبرياً) وهو الذي تمر به الأمة اليوم، فالملك الجبري: أن يؤتي بهؤلاء السلاطين والحكام بغير اختيار من شعوبهم ولا اقتراع ولا انتخاب ولا رضا، وإنما جيء بهم فجثموا على صدور شعوبهم، وهم يعلمون أن الذي جاء بهم قادر على أن يذهب بهم مرة أخرى؛ ولذلك يعقدون الولاء لهم، فهم حكام في بلادهم لتنفيذ مصالح الغرب، وكنا من قبل نقول: لتنفيذ مصالح الغرب والشرق، وإن شاء الله غداً لا يكون هناك غرب بإذن الله تعالى، ولا يبقى إلا الإسلام عزيزاً منتصراً ما دام الناس يرجعون إلى دينهم، ويطيعون الله تعالى، ويطيعون النبي ﷺ . فإن قيل: جاء في الحديث: (الخلافة بعدي ثلاثون سنة) أي: الخلافة التي على منهاج النبوة. ثم تكون ملكاً عاضاً؛ وهذا مخالف لحديث اثني عشر خليفة؛ لأن الخلافة التي مكثت ثلاثين سنة كانت خلافة الراشدين وهم أربعة، فإنه لم يكن فيها إلا الخلفاء الراشدون الأربعة، والأشهر أنها التي بويع فيها الحسن بن علي؟ ف الجواب المراد في حديث: (الخلافة ثلاثون سنة) أي: خلافة النبوة. وقد جاء مفسراً في بعض الروايات: (خلافة النبوة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكاً عاضاً) ولم يشترط في هذا أن يكونوا اثني عشر خليفة، فلم يشترط أنها خلافة على منهاج النبوة، وإنما بين أن الخلافة التي تكون على منهاج النبوة هي خلافة الخلفاء الراشدين بعد عهد النبوة، ثم خلافة المهدي؛ لأنه قال: (ثم يكون ملكاً جبرياً، فيكون فيكم ما شاء الله أن يكون، فإذا شاء الله أن يرفعه رفعه، ثم تكون الخلافة على منهاج النبوة ثم سكت ﵊. وهذا بشير خير لهذه الأمة: أن الخلافة بعد هذا الملك الجبري الذي تعاني منه الأمة تكون على منهاج النبوة بإذن الله تعالى. وهذا لا يعني: أننا ننتظر حتى يأتي المهدي المنتظر، بل لا يمنع أن تكون هناك خلافة على منهاج النبوة قبل ظهور المهدي المنتظر، فلا بد أن يبذل كل منا جهده لإعادة الخلافة مرة أخرى ولقيام الدين مرة أخرى في الأرض. السؤال الثاني: أنه قد ولي أكثر من هذا العدد، أي: أكثر من اثني عشر تولوا الإمارة، فكيف يقول النبي ﷺ : (هم اثنا عشر أميراً) مع أن الذي تولى إلى يومنا هذا أكثر من ذلك، بل إلى عهد الإمام النووي كانوا أكثر من ذلك؟ الجواب هذا اعتراض باطل؛ لأنه ﷺ لم يقل: لا يلي إلا اثنا عشر خليفة. أي: لم يذكرهم على سبيل الحصر، وإنما قال: (يلي). وقد ولي هذا العدد، ولا يضر كونه وجد بعدهم غيرهم. هذا إن كان المراد باللفظ: (كل وال)، ويحتمل أن يكون المراد مستحق الخلافة العادلين إلى يوم القيامة لا يزيد عن اثني عشر خليفة. هل أبو بكر كان مستحقاً للخلافة؟ الجواب: نعم. مستحق بالإجماع المعتبر؛ لأن الشيعة والخوارج لا يقرون بهذا، وكذلك عمر كان مستحقاً وعثمان وعلي كانا مستحقين، ثم لا يمنع بعد ذلك أن يكون هناك مئات أو آلاف الخلفاء ليسوا هم المعنيين بهذا الحديث، وقد مضى منهم من عُلم، ولا بد من تمام اثني عشر خليفة قبل قيام الساعة. وقيل: إن معنى هذا الحديث: أنهم يكونون في عصر واحد. أي: لا تقوم الساعة حتى يتولى اثنا عشر خليفة أمر المسلمين في زمان واحد وفي عصر واحد، فيكون بعضهم في الشرق وبعضهم في الغرب، وبعضهم في الجنوب وبعضهم في الشمال. أي: يجتمع اثنا عشر خليفة على إمرة المسلمين، يتبع كل واحد منهم طائفة من المسلمين. قال ا

стр. 303

معنى حديث (عصيبة من المسلمين يفتتحون البيت الأبيض) قوله ﵊: (عصيبة من المسلمين يفتتحون البيت الأبيض بيت كسرى أو آل كسرى). المعلوم أن كسرى لقب لمن تولى أمر فارس، وقيصر أمر الروم، فهل المراد بهذا الحديث ظاهره: (عصيبة من المسلمين يفتتحون البيت الأبيض بيت كسرى أو آل كسرى)؟ ثبت في البخاري من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال: (إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن أموالهم في سبيل الله وهذا مؤذن بفتح البلدين. أما بلاد فارس فقد فُتحت ودخلها الإسلام في زمن عمر بن الخطاب ﵁، ولكنها تحتاج إلى فتح جديد الآن، وتحتاج إلى نشر السنة فيها بعد أن نشروا التشيّع، وانتشرت البدع هناك؛ حتى غلب على أهل هذه البلاد المروق والخروج من دين الإسلام بالكلية، ومن تولى فيهم زعامة دينية هو أقرب إلى الكفر منه إلى الإيمان، خلافاً للشعب فإنه تبع لكل ناعق. فإذا كان ظاهر هذا الحديث هو المراد فنتوقف عند الظاهر، ونقول: إن عصابة قليلة من المسلمين يفتتحون هذه البلاد في آخر الزمان كما افتتحت في أول الزمان، وربما يكون المقصود بالفتح: هو الفتح الأول الذي حصل في زمن عمر، وربما لا يكون هذا الظاهر مراداً للنبي ﵊، وهذا من عندي وهو قابل للثبوت والرد، فقد يكون هذا الحديث معناه: أن عصابة من المسلمين يفتحون الأرض كلها حتى يفتحون البيت الأبيض في أمريكا، ويفتحون بلاد فارس، ويفتحون بلاد الروم، ويفتحون سائر البلدان وهم عصابة قليلة من الأمراء والوجهاء والسلاطين من قريش، وفي هذا بشارة عظيمة بسقوط دولة الروم، وسقوط أعظم قوة تحمل الصليب في العالم اليوم وهي دولة أمريكا، وهذا كلام قابل للرد، وليس اعتقاداً جازماً عندي. قال: (وإذا أعطى الله أحدكم خيراً فليبدأ بنفسه) وهذا تماماً كما في قوله ﵊: (ابدأ بنفسك ثم بمن تعول) إذا أعطاك الله خيراً فأنعم على نفسك ومن على نفقتك، ووسّع على نفسك وعلى من تعول؛ ولذلك قال النبي ﵊: (وأفضل الصدقة ما كان عن ظهر غنى) أي: ما فضل عن حاجتك. وقوله: (أنا الفرط على الحوض) ﵊، والفرط والفارط هو: الذي يتقدم القوم إلى الماء ليهيئ لهم ما يحتاجون إليه.

стр. 304

الأسئلة

стр. 305

حكم من شك في خروج صوت أو ريح أو مذي حال صلاته السؤال أشعر بوسوسة في كل صلاة بأنني أمذيت، وأنا لا أعرف هل هذا مذي أم ماذا؟ وأشك هل خرج ابتداءً أم لا؟ الجواب على أية حال إذا حدّثتك نفسك بشيء في الصلاة فاستمر في صلاتك ولا تخرج منها حتى تجد ريحاً أو تسمع صوتاً، قال النبي ﵊: (لا ينفتل أحدكم من صلاته حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) ليس معنى ذلك: أنه لا يخرج من الصلاة حتى يسمع الصوت أو يشم الرائحة الحقيقة، وإنما المراد: لا يخرج أحدكم من صلاته بمجرد الوسوسة، ولا يخرج إلا ليقين؛ وأنت على يقين أنك على وضوء، واليقين هنا لا يزول بالشك، وإنما يزول بيقين مثله.

стр. 306

حكم قراءة القرآن متكئاً السؤال ما حكم من قرأ القرآن متكئاً دون عذر؟ الجواب هذا أمر جائز، وإن كان الأولى والأفضل أن تتهيأ كأحسن ما يكون من ملبس ومجلس، كأن تجلس بوقار، وتكون على وضوء. كل هذا من مستحبات التعامل مع كتاب الله . قراءة وتلاوة وتدبراً وتفسيراً، وجائز أن تقرأ القرآن على أي وجه كان.

стр. 307

الحكم على حديث (البس جديداً، وعش حميداً، ومت شهيداً) السؤال ما صحة حديث (البس جديداً، وعش حميداً، ومت شهيداً)؟ الجواب حديث صحيح.

стр. 308

حكم الخلافة إذا لم يكن الخليفة من قريش السؤال هل كون الخليفة من قريش شرط لصحة الخلافة. بمعنى: هل تبطل الخلافة إذا لم يكن الخليفة من قريش، وما حكم الخلفاء العثمانيين الأتراك؟ الجواب الخلافة العثمانية خلافة معتبرة، ويا ليتها دامت، لكن أنتم قد سمعتم أن الخلافة شرط فيها أن تكون قرشية، وهي الخلافة التي أخبر عنها النبي ﵊، وهي الخلافة التي فيها إعزاز للدين وقيام للإسلام ونجدة للمسلمين، وهي في اثني عشر خليفة، والخلافة كثيرة جداً، وقد مضى أكثر من مائة خليفة، ففي الدولة العباسية الثانية ضعف أمر الإسلام وكان لا يزال اسم الخليفة موجوداً، وانحدرت قوة المسلمين من قوة القوة في زمن الخلافة الراشدة إلى القوة المجردة في زمن بني أمية، إلى شبه القوة في أول بني العباس، إلى الضعف والخور في الدولة العباسية الثانية، إلى البدع والنفاق في الدول التي أتت بعد الدولة العباسية، وتجد أن عنوان الخليفة يدل على قوة الدولة في زمانه، كالمقتدي بالله، والمعز لدين الله، والمستنصر بالله، والمستنجد بالله مع أن الأصل في كل مسلم أنه مستنجد، فأنت مستنجد بالله؛ لغلبة الكفر عليك، أو لغلبة بلاد الكفر على بلادك، فأنت تشعر من اللقب نفسه بمكانة الدولة في دول العالم كله، فهذا شرط كما قلنا، ولا يحل لأحد أن يخالف الإجماع الذي انعقد.

стр. 309

القول العدل في الإمام أبي حنيفة السؤال ما هو القول العادل في أبي حنيفة ومذهبه؟ الجواب يغلب على مسألة المذاهب أمران كما قيل: يهلك في علي اثنان: أحدهما: مغال، والثاني: جاف. أحدهما مغال جداً في علي حتى جعله إلهاً، فشابه النصارى في قولهم: عيسى هو الله، والثاني: متجاف عنه جداً حتى بلغ به الأمر إلى تكفير علي بن أبي طالب ﵁. هذا الأمر يشبهه أمر أبي حنيفة رحمه الله تعالى، أبو حنيفة ﵀ كان بعيداً عن منارة العلم في زمانه، ومنارة العلم كانت في مكة والمدينة، ولا شك أن الذي يبعد عن موطن العلم يخفى عليه بعضه أو معظمه، وهذا الذي حدث، وكان أبو حنيفة مجتهداً بلا نزاع رحمه الله تعالى، بدت منه بوادر فيما يتعلق بالله وفي بعض مسائل الاعتقاد، ولم يصنف كتاباً قط لا في العقيدة ولا في الفقه، وإنما صنّف تلاميذه، فإن كان قال ما قال -وقد ورد في كتاب الفقه الأكبر ما يُنكر- فلا شك أن هذا يرد عليه، وإن كان هذا من تلاميذه فالتبعة عليهم، لكن الإمام أبا حنيفة كان إمام الرأي، وكان سفيان الثوري إمام الأثر، وهما متعاصران بلديان، فكلاهما كوفي، وكان بينهما ما بينهما من المشاحنات، نقلها ابن حبان ﵀ في كتاب الضعفاء والمجروحين، حتى قال سفيان في أبي حنيفة قولاً شنيعاً شديداً، واعتمده من أتى بعده، والأصل في هذا أنهما قرينان، وكلام الأقران في بعضهم يطوى ولا يروى، وقد تكلم ابن إسحاق في مالك، وتكلم مالك في ابن إسحاق، وتُكلّم في الشافعي وتُكلّم في البخاري وفي مسلم وفي غير علم من أعلام الأمة، لكن هذا الكلام عند منصة التحقيق لا يثبت ولا تثبت له قيمته، ويبقى عندنا أن الحق يؤخذ من كل من جاء به، والباطل يرد على كل من جاء به، فـ أبو حنيفة إمام من الأئمة بلا منازع، والأصل ألا يكون فيه نزاع رحمه الله تعالى، وندافع عنه ونثبت أن لحوم العلماء مسمومة، ومن تعرّض لهم بالثلب ابتلاه الله قبل موته بموت القلب، وكفى بها عقوبة. أبو حنيفة ﵀ كانت له مواقف رائعة جداً في نصرة دين الله ، وكان إماماً في الفقه مفنناً، وإن كان يغلب عليه الرأي والاجتهاد لخفاء الدليل عليه؛ ولذلك تجد أن حظ أبي حنيفة من الرواية ضعيف بالنسبة إلى رواية الآخرين كـ مالك والشافعي وابن حنبل، فهؤلاء فقهاء ومحدثون، أما هو فكان فقيهاً وحظه من التحديث قليل، حتى جُمع مسنده في كُتيّب صغير، ولا شك أن الواحد منا إذا خفي عليه الدليل واحتاج إلى التأويل تأوّل، وإذا احتاج إلى الاجتهاد اجتهد، مع أننا لسنا أهلاً للاجتهاد، لكن إذا اضطررنا إلى ذلك اجتهدنا، فلِم تجوّز هذا لنفسك وتستبعده على إمام كـ أبي حنيفة، فينبغي أن نترحّم على الجميع ونترضّى عن الجميع، ونسأل الله تعالى أن يثيب منهم من كان مجتهداً مصيباً، وأن يعفو عمن أخطأ، فله أجر واحد كما أخبر النبي ﷺ .

стр. 310

حكم العقود التي يجريها البنك الإسلامي في مدن مصرية السؤال أخ يسأل عن العقود التي يجريها البنك الإسلامي في هذه المدن الجديدة كمدينة (الشيخ زايد) و (٦ أكتوبر) (والعاشر من رمضان) وغيرها من المدن؟ الجواب هذه عقود ربوية كلها، التعامل معها تعامل ربوي، ولا يجوز الإقدام عليه قط إلا كما يجوز للمضطر أن يأكل لحم الميتة، وإلا فلا.

стр. 311

حكم الصلاة على الميت في المقبرة لمن لم يصل عليه من قبل السؤال هل يجوز صلاة الجنازة على الميت في المقبرة بعد دفنه لمن لم يستطع في وقت الصلاة عليه، وهل على هذا دليل، أم هذه بدعة؟ الجواب يجوز الصلاة على الميت -حتى وإذا صُلي عليه- في المقابر لمن لم يصل عليه، ودليل ذلك أن امرأة كانت تقم المسجد بالمدينة، فلما ماتت صلى عليها الصحابة في الليل ودفنوها، فقال النبي ﷺ حينما افتقدها بعد ثلاث: (أين فلانة التي كانت تقم المسجد؟ قالوا: يا رسول الله! ماتت، فصلينا عليها ودفناها، فقال: هلا آذنتموني؟ ثم أشير إلى قبرها فوقف فصلى وصلى الناس معه). ولا حجة لمن يقول: هذه خصوصية للنبي ﵊؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة:١٠٣] والصلاة على الميت فرض كفاية، وقد تمت بصلاة الأصحاب، كما أن النبي ﷺ لم يفعل هذا في كل من مات ولم يصل عليه، إنما فعل هذا مع تلك المرأة رضي الله تعالى عنها، وصلى أصحابه بعده، فهذه الصلاة ليست هي الصلاة المنهي عنها في المقابر، وليست من الصلاة في المساجد التي فيها قبور، بل هذه الصلاة صلاة مخصوصة ليس فيها ركوع ولا سجود، ولا يقصد بها الاستشفاع أو التقرب أو المناجاة أو الاستغاثة بالأموات. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 312

شرح صحيح مسلم - كتاب الإمارة - الاستخلاف وتركه - النهي عن طلب الإمارة من تمام أمر المسلمين تنصيب خليفة عليهم يسوس أمور دنياهم بدينهم، ولهذا الاستخلاف صور متعددة كلها ثابتة عن سلفنا الصالح، ومن ذلك: ترك الاستخلاف وجعل الأمر شورى، كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ ، ومنه: الاستخلاف كما فعل الصديق ﵁ حيث استخلف عمر الفاروق، وقد أجمع العلماء على انعقاد الخلافة باختيار أهل الحل والعقد، كما فعل عمر ﵁؛ إذ جعل أمر الخلافة في ستة نفر من كبار الصحابة يختارون واحداً منهم ليكون خليفة على المسلمين.

стр. 313

حكم انعقاد الولاية لغير الله ورسوله ولغير الخليفة العام بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فقد بيّنا في الدرس الماضي ما يتعلق بواقع الأمة اليوم، وأن هذه الإمارات الحادثة على الساحة الدعوية إنما هي إمارات خاصة وليست إمارات عامة، أما الإمارة العامة فالمقصود: بها الخلافة العظمى. وهذه لا يجوز انعقادها بشروطها وأركانها وموجباتها إلا للخليفة العام. وأن من بايع إمام جماعته أو أمير جماعته على أنه إمام عام وعقد له البيعة بنفس أركان وشروط الإمارة العامة والخلافة العامة، فقد أجرم جرماً عظيماً في حق النصوص الشرعية الواردة في شأن الإمارة؛ لأنه يلزمه أن يقول بتعدد الإمارات بأنواعها وليس الأمر كذلك، كما يلزمه أن يكفر بلسان الحال أو المقال من لم يبايع، كما يلزمه كذلك لحوق الإثم والثواب في الطاعة والمعصية لهذا الأمير، وليس الأمر كذلك فيما يتعلق بما يرضي الله، وإن صحّت هذه الإمارات فهي لا تعدو كونها إمارات أو بيعات على البر والتقوى، ولا يلزمه فيها طاعة، وإذا لزمته طاعة لزمته من باب أن هذا عمل مشروع أوجبه الشرع أو ندب إليه، كما لا يلحق الإثم -أي: إثم مخالفة الأمير- لأن إمارته غير شرعية، فليست هي الإمارة التي يناط بها الثواب والعقاب في الطاعة والمعصية، وإذا كان ثم معصية أو عقاب فإنما الثواب والعقاب بالشرع لا بالبيعة، كما لو أن فلاناً من الناس مسئولاً عن هذا المسجد، قال: تأتي تخطب عندنا الجمعة؟ قلت له: نعم. آتي. قال: اتفقنا؟ قلت: اتفقنا، ثم تخلّفت عن خطبة الجمعة بلا عذر فإني آثم بتأثيم الشرع لي، وكان الاتفاق من باب قول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢]. فنحن لا نقول بجواز إنشاء هذه البيعات الدعوية على الساحة أبداً؛ لأنها ليست بمشروعة لا في الكتاب ولا في السنة ابتداءً. هذا أولاً. ثانياً: لأن عقد البيعة لآحاد الناس بغير برهان ولا بيّنة ولا دليل شرعي يُضعف الولاء دائماً لله ، ولذلك هؤلاء الذين بايعوا أو عندهم انتماء لجماعات دعوية دائماً يعتنون بالجماعة فقط -إلا من رحم الله- ودائماً يعتنون بإمامهم وأميرهم؛ ولذلك لو جاء القول الصريح في كتاب الله وفي سنة النبي ﵊ مخالفاً لهذا الإمام أو لهذا الأمير عملت الجماعة بقول الأمير وضربوا بكلام الله وكلام رسوله عرض الحائط؛ زعماً منهم أن كلام الله وكلام الرسول على رءوسنا، وملء قلوبنا وأعيننا ولكن هذا الكلام لا يناسب الواقع، وإنما هذا حكم شرعي، أما قول الإمام فهو فتوى شرعية وليس حكماً شرعياً، فنحن إذا تركنا كتاب الله إنما نتركه لفتوى شرعية، وهي فتوى الإمام أو المسئول أو الأمير، وإذا عملنا بكتاب الله؛ عملنا به أنه الأصل، وهو أصل الأحكام. نقول: كل هذا محاورة ومناورة مع كتاب الله ولا يصلح ذلك ولا ينتفع بها صاحبها لا في الدنيا ولا في الآخرة، وأبى الله تعالى إلا أن يفضح الظالمون المارقون عن فهم كتاب الله وعن سنة النبي ﷺ ؛ ولذلك فضح الله تعالى كل الجماعات على ملأ من الخلق، بأن صنّفت فيهم التصانيف، وكثير منهم زعم أنه تاب وأثبت أنه تاب منذ (٢٥) عاماً أو يزيد على ذلك. أبعد هذه الدعوة كلها وبعد هذا الفساد الذي أفسدت في الأرض أنت ومن معك تأتي اليوم بعد ضياع الوقت وتقول: أنا تبت إلى الله؟! على أية حال هذا أصل من أصول الدين، وهو قبول التوبة ما لم يغرغر العبد، والقول الذي قلته اليوم كنت تسمعه نصيحة خالصة منذ أن نشأت بدعتك، ولكنك صممت أذنك، وصككت على قلبك فلم تسمع كلام الحق أبداً. والحق دائماً أبلج واضح، وقد قال النبي ﵊: (من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل). فالإمارة لا يجوز انعقادها إلا لله تعالى ورسوله، ثم من ولاَّه الله تعالى، إلى يوم القيامة، وهو الخليفة العام الذي يعين الولاية من باطنه، ويعيّن ولاة الأمصار والبلدان من باطنه، فيجب طاعة هؤلاء؛ لأن طاعة الوالي من طاعة الخليفة وطاعة الخليفة من طاعة النبي ﵊ وهي من طاعة الله ، وما دون ذلك فخرط القتاد.

стр. 314

باب الاستخلاف وتركه قال: (باب الاستخلاف وتركه) أي: باب جواز الاستخلاف. إذا كان هناك خليفة عام ووافته المنية أو مرض مرضاً أوشك فيه على الموت فإنه يجوز له أن يولي كما يجوز له أن يترك الاستخلاف. أما جواز الاستخلاف فقد استخلف أبو بكر عمر بن الخطاب ﵁ واختاره للناس من دون الناس، وإذا تركت الخلافة فقد تركها النبي ﷺ ولم يستخلف من بعده أحداً، وإنما انعقدت البيعة لـ أبي بكر الصديق ﵁، فيجوز تركها ويجوز انعقادها. قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء حدثنا أبو أسامة - حماد بن أسامة - عن هشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزبير عن ابن عمر - عبد الله بن عمر العدوي ﵄ قال: حضرت أبي حين أصيب]. أي: حين طُعن في صلاة الفجر، والذي طعنه هو أبو لؤلؤة وكان مجوسياً ما سجد لله فضلاً عن أنه أسلم، ولذلك لما سأل عمر بعد إصابته: من قتلني؟ قالوا: أبو لؤلؤة، قال: الحمد لله أن لم يطعني أحد سجد لله سجدة. قال ابن عمر: [حضرت أبي حين أُصيب، فأثنوا عليه -أي: سمعت ثناء الناس عليه- وقالوا: جزاك الله خيراً، فقال: راغب وراهب]. أي: أن المرء بين راغب وراهب، بين خائف وراج، بين متمن بانعقاد الخلافة وبين متوقف فيها، فكلمة راغب وراهب محمولة على كل هذه المعاني. قال: [قالوا: استخلف -أي: يا عمر -، فقال: أتحمّل أمركم حياً وميتاً؟] أي: ما يدريه لو أنه استخلف أيصيب أم يخطئ، أيؤدي الأمانة أم يخونها؟ فقال: [لوددت أن حظي منها الكفاف لا علي ولا لي]. إن عمر بن الخطاب ﵁ لو أراد أحد أن يصنف في مناقبه مصنفات لكانت حمل بعير! إن عمر ﵁ يتمنى أن يخرج من الدنيا كفافاً ليس له من الخير شيء ولا يوجد عليه من الشر شيء! هذا عمر الإمام العادل! هذا فاروق الأمة الذي فرّق الله به بين الحق والباطل! هذا أول من صدع بالحق حول الكعبة على حين تخوف من الناس، فكان إسلامه نصراً لدين الله ولنبيه ولأصحابه الكرام! وها هو الذي يتمنى مع كل هذا أن يخرج من الدنيا لا له ولا عليه! عمر ﵁ الذي كان يبكي إذا تعثّرت ناقة في العراق أو بمصر أو بالشام أو في سائر البلدان، وهو الذي أخذ على عاتقه أنه مسئول عنها أمام الله ! إنه وال على كل شيء! على الإنسان وعلى الطير والحيوانات والحشرات وكل أصناف المخلوقات. قال: [لوددت أني خرجت منها على الكفاف لا علي -أي: من الإثم- ولا لي -أي: من الثواب-]. ولا شك أن هذا رجل سيأتي يوم القيامة لا يحاسب؛ لأنه لا له ولا عليه. قال: [فإن أستخلف -أي: بعد ضغطكم علي- فقد استخلف من هو خير مني أبو بكر، وإن أترك -أي: الاستخلاف- فقد تركه من هو خير مني رسول الله ﷺ ]. إن عمر بهذا الكلام الجميل يعطي درساً عظيماً جداً، وهو أنه لابد أن يكون للإنسان المسلم سلف في أقواله وأعماله، إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني، إذا ستخلفني أبو بكر الصديق ﵁ عليكم، فإن استخلفت عليكم أحداً فاعلموا أن لي سلفاً في هذا الاستخلاف، وإن تركتكم بغير استخلاف أو عاجلتني المنية بغير ذلك، فقد عاجلت المنية ﵊ ولم يستخلف، فأنا في كلا الحالين لي سلف فيما أفعل وفيما أقول؛ ولذلك قال سفيان الثوري ﵀: إن استطعت ألا تحك رأسك إلا بأثر فافعل. قال -أي عبد الله بن عمر -: [فعرفت أنه -أي: عمر - حين ذكر رسول الله ﷺ غير مستخلف] لأنه ذكر أن أبا بكر استخلف وذكر أن النبي ﷺ قد ترك الاستخلاف، فإذا تعارض قول أو فعل أبي بكر مع قول أو فعل الرسول ﷺ فالمقدم هو فعل الرسول ﵊، فانظر إلى هذه الفائدة التي استنبطها عبد الله بن عمر، فقد كان فقيهاً محنكاً. قال: [فعلمت أنه حين ذكر رسول الله -أي: ما كان منه من شأن الاستخلاف- غير مستخلف] لأنه لا يقدم قول أبي بكر وفعله على قول النبي ﵊ وفعله. قال: [فعلمت أنه غير مستخلف] إذا كان الأمر بين النبي ﷺ وبين أبي بكر يقدّم النبي ﵊، ولكن الثابت أن عمر بن الخطاب قد استخلف، ولكن ليست خلافة عين، وإنما خلافة انعقدت بعدة أشخاص وكانوا ستة. الأول: عثمان بن عفان، الثاني: علي بن أبي طالب، الثالث: أبو عبيدة بن الجراح، الرابع: عبد الرحمن بن عوف، الخامس:

стр. 315

كلام النووي في أحاديث الاستخلاف قال النووي عليه رحمة الله في قوله: (إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني) إلى آخر الحديث. قال: (حاصله: أن المسلمين أجمعوا على أن الخليفة إذا حضرته مقدمات الموت وقبل ذلك يجوز له الاستخلاف ويجوز له الترك -هذا جائز وذاك جائز- فإن تركه فقد اقتدى بالنبي ﷺ ، وإلا فقد اقتدى بـ أبي بكر. وأجمعوا على انعقاد الخلافة بالاستخلاف). هذه المسألة محل إجماع؛ وهذا الاستخلاف يلزم الأمة كلها، ولا يجوز لأحد أن يخرج عن هذا الخليفة المستخلف. قال: (وأجمعوا على انعقادها بعقد أهل الحل والعقد للإنسان إذا لم يستخلف الخليفة). أبو بكر الصديق ﵁ استخلف عليهم عمر، فوجبت البيعة لـ عمر في ذمة كل مسلم في ذلك الوقت، وكذلك النبي ﷺ ترك الاستخلاف، ولكن المهاجرين والأنصار -وهم الذين كانوا يمثلون أهل الحل والعقد كمجلس الشورى، وشتان بين الإيمان والكفر- انعقد بالإجماع على إمامة أبي بكر، فلما صعد المنبر أبو بكر الصديق ﵁ وخطب خطبته العظيمة، وهي أول خطبة بعد نبوة النبي ﵊ وبعد موته، قام المسجد بالإجماع فبايع أبا بكر الصديق ﵁؛ لعلمهم أنه لا يحل لهم أن يخالفوا الإجماع. فإذا كان الإجماع من أهل الحل والعقد المعتبرين المختارين برضى شعوبهم المسلمة وعلى ألفة من الكتاب والسنة؛ فحينئذ لا يجوز لأحد أن يتخلف عن قرار يصدر عنه، لا في شأن الخلافة ولا في شأن الاجتهاد؛ لأن هذا خروج على الأمة وعلى مقدرات الأمة. قال: (وأجمعوا على جواز جعل الخليفة الأمر شورى بين جماعة كما فعل عمر ﵁ بالستة). جعل الأمر شورى لأهل الحل والعقد أن يختار من بين هؤلاء الستة خليفة. فإن قيل: هل يجوز لأهل الحل والعقد حينئذ أن يختاروا واحداً غير الستة؟ الجواب لا يجوز؛ لأن هذا من مسائل الإجماع؛ ولذلك اختاروا منهم، ولو كان يجوز لهم ذلك لاختاروا من غيرهم. فإن قيل: ولِم لا يجوز أن يختاروا واحداً غير الذي عيّنهم الخليفة؟ الجواب لأن هذا خروج عن أمر الخليفة، والخليفة ما زال حياً. والوجه الثاني: أنهم لو اختاروا واحداً من غير الستة لكان لنا أن نفترض أنه ما عيّن ستة وإنما عيّن واحداً؛ لأن الذي يعيّن واحداً قد يعيّن مائة، كأنه قال لهم: لا تخرجوا عن هؤلاء الناس، فخرجوا فقد خالفوا أمير المؤمنين. قال: (وأجمعوا كذلك على أنه يجب على المسلمين جميعاً أن ينصّبوا من بينهم خليفة). ولم يقل على أهل الحل والعقد، وإنما يجب على المسلمين جميعاً أن يساهموا وأن يبادروا بنصب خليفة والبيعة له.

стр. 316

بيان أن القول بوجوب نصب الخليفة معتقد أهل السنة والجماعة ورد علي سؤال يقول: إنك تقول بوجوب نصب الخليفة، وسمعناك في الدرس الماضي يوم السبت الماضي تقول: يجب على كل مسلم أن يساهم وأن يبادر في نصب الخليفة العام، واعلم أن هذا المطلب ليس مطلب أهل السنة والجماعة، وإنما هو مطلب أهل البدعة؟ الجواب إن الشبهة دخلت على السائل من باب خلط وجوب نصب الخليفة بين معتقد أهل السنة والجماعة وبين حزب التحرير، فحزب التحرير هذا حزب شر على الإسلام والمسلمين، وهو من الشيعة والقدرية؛ لأن هذا الشعب إنما يفخر بثوابت الإسلام وبدعائم الدين، وهذا الحزب ما أُنشئ إلا لإحداث البلبلة والقلقلة في صفوف المسلمين، وحربنا لهذا الحزب -في الشام تارة، وفي أمريكا تارة، وفي مصر تارة- لا يخفى على من كان يعرف جهاده -والحمد لله- ضد هؤلاء، بل ولي مصنّف في حزب التحرير وبيان عوار ما كانوا عليه من ديانة، لكنهم دائماً يطالبون بالخلافة، ولو انعقدت الخلافة من جبريل ﵇ لقالوا ببطلانها؛ لأنهم يقصدون أن يكون الخليفة من بينهم هم، فلو انعقدت لجميع الأنبياء والملائكة فهي عندهم باطلة، ولهم في الخلافة منهج منحرف عن منهج أهل السنة والجماعة، فليس هذا بطبيعة الحال ما نعنيه ولا نقصده. ثم من القائل: إن وجوب نصب الخليفة بدعة؟ هل إذا أتانا الخليفة نقول: لا. الخلافة بدعة؟! أظن أن كل مسلم صادق عالم بأمر دينه يتمنى أن لو يرسل الله تعالى إلينا خليفة، وإنكم لتعلمون أن الأمة في عز وسيادة وريادة طالما كان فيها خليفة، ولعلكم توقنون أن الذل والهوان ما لحق بالأمة إلا بعد موت آخر خليفة عثماني سنة (١٩٢٩م) على يد الكلب الهالك مصطفى كمال أتاتورك، فالإسلام ما أُهين إلا بعد موت هذا الخليفة، وكان هذا الخليفة يهدد أوروبا، فلا يمكن للأمة أن ترجع إلى ما كانت عليه من عز في عهد الخليفة العثماني إلا أن يشاء الله تعالى شيئاً آخر. قال: (وأجمعوا على أنه يجب على المسلمين نصب خليفة، ووجوبه بالشرع لا بالعقل). أي: إذا أردنا أن نحتج على وجوب نصب الخليفة، فإنما يكون ذلك بنصوص الشرع: قال الله، وقال الرسول، وأجمع الصحابة، أما أن نقول: مستند وجوب الخلافة أتى بالعقل، والعقل يوجب علينا نصب خليفة، والأمور لا يمكن أن تتم إلا بخليفة! فهذه كلها حلول عقلية، ونصب الخليفة دائماً يكون بالشرع لا بالعقل. قال: (وأما ما حكي عن الأصم أنه قال: لا يجب نصب خليفة، وعن غيره أنه يجب بالعقل لا بالشرع، فباطلان، أما الأصم -الذي قال: لا يجب نصب الخليفة- فمحجوج بإجماع من قبله). والإجماع حجة، وخاصة إجماع الصحابة الذي لا خلاف عليهم. قال: (وأما الأصم فمحجوج بإجماع من قبله، ولا حجة له في بقاء الصحابة بلا خليفة في مدة التشاور يوم السقيفة). يعني: الأصم لما قال: بعدم وجوب نصب الخليفة في كل وقت احتج بالمدة الزمنية اليسيرة بين موت النبي ﷺ وتنصيب أبي بكر، ولا شك أن هذه المدة ليس فيها حجة مطلقة للأصم؛ لأن الصحابة ما تركوا نصب الخليفة إلا من باب التفاهم في تعيين من هو الخليفة؟ ثم هل يمكن أن يؤخذ من بعض اليوم حجة في عدم الوجوب؟ أبداً لا يمكن أن يكون ذلك، بل كانوا في تلك المدة ساعين في النظر في كل من يعقد له. وأما القائل الآخر -وهو الذي قال: إن الخليفة يجب نصبه بالعقل لا بالشرع- ففاسد كذلك وفساده ظاهر؛ لأن العقل لا يوجب شيئاً، ولا يحسنه ولا يقبحه؛ لأن التحسين والتقبيح والوجوب والإثم وغير ذلك كله معروف بالشرع لا بالعقل.

стр. 317

اختلاف العلماء في نص النبي ﷺ على إمامة أبي بكر في هذا الحديث دليل على أن النبي ﷺ لم ينص على خليفة، وهذه المسألة محل نزاع، وقد ثبت أن النبي ﵊ نص على خلافة أبي بكر. قال: (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر)، لكن هذا في عموم الاقتداء، ومن الممكن أن يصرف النص عن ظاهره، فتكون خلافة أبي بكر على عموم الاقتداء، وأن هؤلاء من أئمة الهدى، بل أعظم أئمة الهدى من بعده، ولكن لا يلزم أن يكون الخليفة من بعده أبو بكر؛ لأنه يجوز نصب المفضول في وجود الفاضل، وغير ذلك من النصوص، ولا داعي لسردها؛ لأننا لسنا بصدد هذا، وهناك أدلة أخرى كثيرة على نص الإمامة لـ أبي بكر، منها: (مروا أبا بكر فليصل بالناس) فهذه إمارة الصلاة! والمعروف أن إمارة الصلاة جزء من الإمارة العامة، وليست هي الإمارة العامة، ومع ذلك فالنصوص كلها الواردة في إمارة وخلافة أبي بكر ليست صريحة في الخلافة العامة، بل مؤولة؛ ولذلك لم يختلف أهل السنة والجماعة على أن النبي ﷺ نص على إمامة أبي بكر. فهذه النصوص في ثبوت الإمامة، وأنه من أئمة الهدى إشارة إلى خلافته. إذاً: خلافة أبي بكر الصديق معلومة بالإشارة، وهذا قول جمهور أهل السنة. ومنهم من قال: لا. هذه النصوص كلها تُحمل على الخلافة العظمى، فتكون إمامة أبي بكر معلومة في الدين بالنص الظاهر. وهذه المسألة من مسائل الخلاف عند أهل السنة والجماعة، ولذلك هم لا يبدّعون ولا يفسّقون المخالف؛ لأن هذه من مسائل الخلاف المعتبر عند أهل السنة والجماعة، تماماً كما في التفضيل بين عثمان وعلي ﵄، فمنهم من كان يفضّل عثمان على علي، ومنهم من كان يفعل العكس، ويقولون: إمامة عثمان بن عفان جائزة في حضور علي بن أبي طالب وإن كان علي أفضل منه، لكن انعقد الإجماع بعد ذلك على رفع هذا الكلام، وأن عثمان أفضل من علي، وأولى بالإمامة من علي، وأن الخلفاء الراشدين الأربعة على ترتيبهم في الخلافة هم على ترتيبهم في الفضل، فـ أبو بكر أفضل من عمر، وعمر أفضل من عثمان، وعثمان أفضل من علي، وهذا هو الراجح. وكما قال الأصوليون: الإجماع بعد الخلاف يقطعه. إذا كانت هناك مسألة محل نزاع، ثم عقد الإجماع بعد ذلك على أحد الرأيين، فلا شك أن الخلاف قبل ذلك ينقطع. ففي هذا الحديث دليل على أن النبي ﷺ لم ينص على خليفة وهو إجماع أهل السنة وغيرهم. قال القاضي: وخالف في ذلك بكر ابن أخت عبد الواحد، فزعم أنه نص على أبي بكر. وقال ابن الراوندي: نص على العباس. وقال الشيعة والرافضة: نص على علي. وهذه دعاوى باطلة وتحفيز على الافتراء، ووقاحة في مكابرة الحس؛ وذلك لأن الصحابة ﵃ أجمعوا على اختيار أبي بكر، وعلى تنفيذ عهده إلى عمر، وعلى تنفيذ عهد عمر بالشورى، ولم يخالف في شيء من هذا أحد، ولم يدع علي ولا العباس ولا أبو بكر وصيتهم في وقت من الأوقات، وقد اتفق علي والعباس على جميع هذا من غير ضرورة مانعة من ذكر وصية لو كانت. فمن زعم أنه كان لأحد منهم وصية -كما تزعم الشيعة- فقد وصف الأمة إلى اجتماعها على الخطأ، واستمرارها عليه، وكيف يحل لأحد من أهل القبلة أن ينسب الصحابة إلى المواطأة والكذب والاتفاق على الباطل في كل هذه الأحوال، ولو كان شيء لنُقل، وإنه من الأمور الموضوعة.

стр. 318

باب النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها قال: (باب: النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها) أي: الإمارة العامة أو الخاصة. قال: [حدثنا شيبان بن فروخ حدثنا جرير بن حازم حدثنا الحسن -وهو ابن أبي الحسن البصري - حدثنا عبد الرحمن بن سمرة قال: قال لي رسول الله ﷺ : (يا عبد الرحمن! لا تسأل الإمارة. فإنك إن أعطيتها عن مسألة أكلت إليها) وفي رواية: (وكلت إليها -إما بالهمز وإما بالواو: أكلت أو وكلت إليها- وإن أعطيتها عن غير مسألة أعُنت عليها). يعني: أعانك الله عليها. شيء يفرض عليك فرضاً بخلاف شيء تطلبه أنت طلباً، فالذي تطلبه أنت لا تُعان عليه، والذي يُفرض عليك فرضاً يعينك الله تعالى عليه. قال: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن العلاء قالا: حدثنا أبو أسامة عن بريد بن عبد الله عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري قال: (دخلت على النبي ﷺ أنا ورجلان من بني عمي)]. يعني: من الأشعريين، وهناك فرق بين الأشعريين والأشاعرة، وإن كان أصل النسب واحداً؛ لأن أبا الحسن الأشعري هو منسوب إلى قبيلة الأشعريين أيضاً. قال: [(دخلت على النبي ﷺ . أنا ورجلان من بني عمي فقال أحد الرجلين: يا رسول الله! أمّرنا على بعض ما ولاك الله ]. يعني: أمّرنا على أي شيء حتى ولو كان كوماً من تراب. فإذا كان يفهم من ذلك أن الإمارة إلى هذا الحد، فلماذا ننقم على غيرنا ممن لا دين له ولا علم عنده ولا تقوى ولا صيام ولا صلاة ولا زكاة، وهو حريص على الإمارة؟ قال: [(فقال أحد الرجلين: يا رسول الله! أمّرنا على بعض ما ولاك الله ، وقال الآخر مثل ذلك، فقال: إنا والله لا نولي على هذا العمل أحداً سأله ولا أحداً حرص عليه)]. لأن سؤال السائل يدل على الرعونة والسفاهة والطيش والتطلّع، وبالتالي فإن هذه الأخلاق القلبية الرذيلة لا تؤهل المرء أبداً لأن يتولى عملاً، ولا يتولاه إلا من كان نقي العلم والعقل والعمل والقلب، هذا يكون أعظم للإمامة والإمارة. قال العلماء: الحكمة في عدم تولية من سأل الولاية: أنه يوكل إليها، ولا تكون معه إعانة من الله .

стр. 319

نماذج من ورع السلف ورفضهم للولاية يذكر أن سفيان الثوري ﵀ أرسل إليه الوالي ليعطيه القضاء، فامتنع سفيان، فحمله الوالي على المجيء فجاء ودخل مجلس الوالي، فطلبوا منه أن يتولى القضاء، فقام سفيان بأفعال غريبة حتى سال لعابه من فمه؛ ليظن الحاضرون أنه معتوه، وأنه لا يفهم شيئاً، فقال له الأمير: مهما عملت لابد أن تتولى القضاء، فلما حمله على ذلك قال له: دعني أستخير وأستشير وأرد عليك، قال: سترجع إلينا ثانية؟ قال: سأرجع، فخرج من مجلس الأمير وترك نعله، ثم عاد فأخذ نعله وانصرف، فتنبه أحد العلماء الحاضرين لذلك فقال: لن يرجع إليك أيها الأمير! قال: ولم؟ قال: إنه وعدك بأن يرجع، وقد ترك نعله في المجلس فرجع كما وعدك وأخذه، فلن يرجع إلى هنا مرة أخرى. وأبو حنيفة ﵀ جلد بسبب رفضه للقضاء سبع مرات. أما اليوم فانظروا إلى السفهاء والحمقى والمغفلين الذين يدفعون آلافاً، بل ملايين الجنيهات من أجل أن يتولوا منصب القضاء وهم لا يُحسنون أن يقضوا في شعيرة أو في حزمة جرجير، ومع هذا يفتون في الدماء والأموال والأعراض، ويتولون القضاء مع سكرهم وعربدتهم وسلوكهم المنحرف، ومجالسهم كلها مشبوهة، وأعمالهم كلها مبنية على الرشوات، ومع هذا يدفعون الآلاف والملايين لأجل الحصول على كرسي ذي رجلين أو ثلاثة لا أقول أربعة، وإنما كرسي مكسر، يريدون أن يكونوا قضاة، حتى ولو كان العمل حقيراً مرذولاً، وفرق بين كون هذا العمل حقاً لك تسعى للحصول عليه، ولا سبيل إليه إلا بالمال، أو تدفع المال لترد ولا سبيل لرفعه إلا بالمال، أما أن تكون عالماً بأن هذا المكان لست أهلاً له ثم تسعى إليه فهذا جرم عظيم وكبيرة من الكبائر؛ فإنه لا يجوز لأحد قط أن يسعى لولاية إلا إذا رأى عجز الناس عنها، ورأى من نفسه رشداً في ذلك، فإن يوسف ﵇: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٥]، أي: اجعلني وزير المال، فإنه لا أحد في ولايتك ولا في إمامتك يستطيع أن يقوم بهذه المهمة، وأنا على خبرة بذلك، فأنا أهل لذلك المنصب.

стр. 320

شرح حديث: (لا نستعمل على عملنا من أراده ومن طلبه) قال: [حدثنا عبيد الله بن سعيد ومحمد بن حاتم -واللفظ له- قالا: حدثنا يحيى بن سعيد القطان حدثنا قرة بن خالد حدثنا حميد بن هلال حدثني أبو بردة قال: قال أبو موسى: (أقبلت إلى النبي ﷺ ومعي رجلان من الأشعريين، أحدهما عن يميني والآخر عن يساري، فكلاهما سأل العمل، والنبي ﷺ يستاك)]. يعني: سألاه أن يكون عاملين. أي: واليين؛ لأن الوالي اسمه عامل. يعني: عامل للسلطان على البلدة الفلانية. قال: [(والنبي ﷺ يستاك)]. يعني: يتسوك بالسواك. قال: [(فقال: ما تقول يا أبا موسى! أو يا عبد الله بن قيس؟! قال: فقلت: والذي بعثك بالحق ما أطلعاني على ما في أنفسهما، وما شعرت أنهما يطلبان العمل)]. كان أبو موسى سيد الأشعريين؛ ولذلك نسب النبي ﷺ إليه القول من باب أن يكلّم العظيم العظماء، فرد بقوله هذا، واعتذر إلى النبي ﷺ بأنهم لم يخبراه ولم يطلعاه على ما في أنفسهما. [قال: (وكأني أنظر إلى سواكه تحت شفته وقد قلصت -يعني: قرضه- فقال: لن -أو- لا نستعمل على عملنا من أراده ومن طلبه، ولكن اذهب أنت يا أبا موسى! أو يا عبد الله بن قيس! فبعثه على اليمن)] والياً. اللذان جاءا معه وطلبا الإمارة حرماها، وأخذها أبو موسى لأنه لم يطلبها. قال: [(ثم أتبعه معاذ بن جبل، فلما قدم عليه، قال: انزل)].
следующие страницы →