← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37026

شرح صحيح مسلم - حسن أبو الأشبال

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (2 103 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

كتاب الفرائض إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد:

стр. 387

تعريف الفرائض كتاب الفرائض هو كتاب في المواريث، والوصايا المتعلقة بالمورث، وكذلك بتركته؛ ولذلك قال العلماء من أهل اللغة: الفرائض: جمع فريضة، وهي من الفرض، والفرض هو: التقدير المحدد شرعاً، يقال: فرض الله كذا، بمعنى: حدَّ الله كذا، أي: جعل هذا الفرض حدًّا محدداً في الشرع لا يحل لمن حدد لأجله أن يتعداه، ومن تعداه فقد ظلم نفسه، وعرَّض نفسه للعقوبة في الدنيا والآخرة. ويقال للعالم بالفرائض، أو لمن مهر في هذا العلم وفي هذا الفن: فرضي، كما كان يقال ذلك لـ زيد بن ثابت، إذ كان أفرض أصحاب النبي ﵊، ومن بعده علي بن أبي طالب، ومن بعدهما عمر بن الخطاب ﵃. وأريد أن أقول لك: إن هناك بعض العلوم كانت علماً على أصحابها، وبعض الأشخاص كانوا علماً على بعض العلوم، وكثير من أصحابه ﵊ كانوا علماء في كل شيء، وفي كل فرع من فروع العلم، لكنَّ أحدهم كان يبرز في علم معين، فمثلاً: حذيفة بن اليمان كان بارزاً فيما يتعلق بعلم الفتن وأشراط الساعة وغيرها. وكذلك زيد بن ثابت كان أفرض الأمة في زمن النبي ﵊. وأما الإرث في الميراث فقال المبرد: أصله العاقبة؛ لانتقاله من شخص إلى آخر. قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا يحيى بن يحيى، وأبو بكر بن أبي شيبة، وإسحاق بن إبراهيم -يعني ابن راهويه، واللفظ لـ يحيى، قال يحيى: أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا ابن عيينة -وهو سفيان بن عيينة - الزهري، عن علي بن حسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد ﵄ أن النبي ﷺ قال: (لا يرث المسلم الكافر، ولا يرث الكافر المسلم)]. وفي رواية: (لا يتوارث أهل ملتين شتى)، يعني: مختلفتين، وبعض أهل العلم يضعف هذه الرواية، وهي عند أبي داود وابن ماجه من حديث عبد الله بن عمرو، ولها شاهد عند الترمذي من حديث جابر. قال النووي رحمه الله تعالى: (أجمع المسلمون على أن الكافر لا يرث المسلم، وسواء كان كفراً أصلياً أو كفراً طارئاً؛ كمن ارتد من المسلمين، فلو أن ولداً بالغاً ارتد عن الإسلام فإنه لا يرث أباه المسلم. كما أن الرجل لو أسلم وبقي أولاده على الكفر، كأن بقوا على النصرانية مثلاً، أو على اليهودية، أو أياً كانت ملتهم غير ملة الإسلام؛ فإنهم لا يرثونه إجماعاً).

стр. 388

أقوال أهل العلم في توريث المسلم من الكافر إذاً: المسألة فيما يتعلق بتوريث الكافر من المسلم لا تجوز، وعلى ذلك إجماع أهل العلم، ولم يخالف في ذلك أحد، أما ميراث المسلم من الكافر فقد وقع النزاع بين أهل العلم في جواز ذلك من عدمه: فالجمهور على عدم الجواز؛ أخذاً بظاهر هذا الحديث: (ولا يرث المسلم الكافر)، وقد نازع في ذلك بعض أهل العلم، فقالوا: بل يرث المسلم الكافر، واحتجوا بدليل: (الإسلام يعلو ولا يعلى عليه). لكن هذا الحديث ورد في بيان فضل الإسلام على غيره من ملل الكفر، وهذا الذي يبدو من ظاهر الرواية، ولذلك تعجب الإمام النووي أيما تعجب ممن ذهب إلى جواز ميراث المسلم من الكافر بحجة علو الإسلام، وأنه يعلو ولا يعلى عليه. فقال عليه رحمة الله: (ليس في هذا دليل على جواز التوريث بين المسلم والكافر، وغاية ما في هذا الدليل إثبات علو الإسلام على غيره من سائر ملل الكفر، ولم يذكر الميراث من قريب ولا من بعيد؛ ولذلك لا يصلح دليلاً، والذين قالوا بجواز توريث المسلم من الكافر ورد عنهم الرأي الآخر الذي يوافق مذهب الجمهور. قال النووي عليه رحمة الله: (ورأيهم الذي يوافَق فيه جمهور أهل العلم بمنع التوريث -أي: منع توريث المسلم من الكافر- أكثر صحة وصواباً من رأيهم الأول). يعني: كأن النقل عن هؤلاء بجواز التوريث -أي: توريث المسلم من الكافر خاصة- في ثبوته نزاع. وقد ورد عنهم رأي آخر وهو المنع، وأدلته قوية وأسانيده ثابتة، فكأن الأمر فيه شبه إجماع على عدم توريث المسلم من الكافر، لكن الإجماع المقطوع به: هو عدم جواز توريث الكافر من المسلم، لقول النبي الكريم: (لا يرث المسلم الكافر، ولا يرث الكافر المسلم). قال النووي: (وأما المرتد فلا يرث المسلم بالإجماع)، إذاً: عندنا مسألتان فيهما إجماع: الأولى: عدم توريث الكافر من المسلم. والثانية: عدم توريث المرتد من المسلم. وشبه الإجماع انعقد على عدم توريث المسلم من الكافر، وهو صواب لظاهر الرواية.

стр. 389

أقوال أهل العلم في توريث المسلم من المرتد وأما المسلم فلا يرث المرتد عند الشافعي ومالك وربيعة وابن أبي ليلى وغيرهم، بل يكون ماله فيئاً للمسلمين، يعني: لو أن شخصاً ارتد عن الإسلام فلا يرثه أولياؤه، وإنما يؤخذ ماله فيوضع في الخزانة العامة للدولة، أو فيما يعرف عند الفقهاء في بيت مال المسلمين، والفيء لا يطلق إلا على المال الذي اكتسب بغير حرب، أي: بغير جهد. وقال أبو حنيفة والكوفيون والأوزاعي وإسحاق: يرثه ورثته من المسلمين. وأما المسلم فهل له أن يرث المرتد أم لا؟ مذهب الجمهور: لا يكون بينهما توارث. وذهب الكوفيون وأصحاب الرأي إلى توريث المسلم من المرتد؛ وروي ذلك عن علي وابن مسعود وجماعة من السلف، لكن قال الثوري وأبو حنيفة: ما كسبه في ردته فهو للمسلمين. يعني: أنهم يفرقون بين ماله قبل الردة، وبين ماله بعد الردة، فيقولون: الذي اكتسبه بعد ردته هو مال أو فيء للمسلمين، فيوافقون في ذلك جمهور أهل العلم. أما ما اكتسبه في حال إسلامه قبل الردة فلورثته من المسلمين أن يرثوه. وقال الآخرون: الجميع لورثته من المسلمين، وهذا مذهب ثالث. إذاً: عندنا مذهب الجمهور، ومذهب أهل الرأي من الكوفيين، ومذهب ثالث لبعض أهل العلم القائلين بأن جميع المال الذي اكتسبه قبل الردة وبعدها إنما هو ميراث لورثته.

стр. 390

أقوال أهل العلم في توريث الكفار بعضهم من بعض وأما توريث الكفار بعضهم من بعض؛ كاليهودي من النصراني وعكسه، والمجوسي منهما وهما منه؛ فقال به الشافعي وأبو حنيفة ﵄ وآخرون، ومنعه مالك؛ لأنهم أصحاب ملتين، اليهود أصحاب ملة، والنصارى أصحاب ملة، والمجوس أصحاب ملة؛ وكل هؤلاء أصحاب ملل شتى مختلفة. وفي الحديث: (لا يتوارث أهل ملتين شتى)، فالذي قال بمنع التوارث بين الملل اعتمد على ظاهر هذه الرواية، والذين قالوا بجواز ذلك اعتبروا أن كل ملل الكفر ملة واحدة، فليست الملل إلا ملة إيمان، أو ملة كفر. وبالتالي حملوا: (لا يتوارث أهل ملتين شتى) على ظاهر قوله ﵊: (لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم)، فقالوا: ليس في الملل إلا ملة كفر، أو ملة إسلام. وبعض العلماء يرى أنه لا يرث حربي من ذمي، ولا ذمي من حربي، وهما الاثنان كفار، واختلاف الدين الأصل فيه حديث النبي ﵊: (لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم)، وحديث: (لا يتوارث أهل ملتين شتى).

стр. 391

موانع الإرث المرتد عن الإسلام لا يرث أقاربه المسلمين، لكنهم يرثونه، ولا يعتبر هذا من التوارث بين دينين؛ لأنه لا اعتراف بانتقاله إلى الدين الآخر، ولا إقرار له عليه، وهذا مذهب بعض أهل العلم من الأحناف وغيرهم، لكن الراجح أنه لا يكون بينهما توارث أبداً، وهذا مانع من موانع الإرث. المانع الثاني: اختلاف الدار الذي هو الوطن، هل هي دار كفر أم هي دار إسلام وإيمان؟ وكذلك بالنظر إلى ملة الوارث والمورث، وقد ذكرناه كذلك. المانع الثالث: الرق، فلا يرث الرقيق؛ لأن ما يملكه ملك لسيده، فلو مات الحر أو مات السيد قوم العبيد، أو وزع العبيد على التركة، ووزع العبيد على الوارثين، وبالتالي لا يرث العبد سيده؛ لأنه في ذاته مال متقوم لسيده، وسبب الميراث لم يقم بين السيد والمورث، فلا وجه لتوريثه من ملكه. المانع الرابع: القتل، كأن يقوم الوارث بقتل مورثه اعتداء وعدواناً بغير حق، أو استعجالاً لانتقال الميراث إليه، فإنه يعاقب بالحرمان من الميراث فضلاً عن القصاص؛ ولذلك من أعظم أسباب منع انتقال التركة إلى الوارث: القتل، أي: قتل الوارث مورثه، وقد جاء في المادة الخامسة من قانون الميراث -وهو قانون في الغالب على مذهب الأحناف-: من موانع الإرث: قتل المورث عمداً، سواء كان القاتل فاعلاً أصلياً أم شريكاً أم كان شاهد زور أدت شهادته إلى الحكم بالإعدام وتنفيذه، وهذا إذا كان القتل بلا حق ولا عذر، وكان القاتل عاقلاً بالغاً له من العمر خمس عشرة سنة. وهذا كلام جميل، وأصل هذا الكلام كله من حديث النبي ﵊: (لا يرث القاتل شيئاً)، وحديث: (ليس لقاتل ميراث) , وفي رواية: (لا ميراث لقاتل).

стр. 392

شروط القتل الذي به يحصل منع الإرث لكن ليس كل قتل يمنع به الوارث من الميراث، بل لابد من شروط تتوفر في القتل: الشرط الأول: أن يكون القتل عمداً، يعني: أن تتوجه إرادة القاتل وقصده إلى إزهاق روح المقتول، وعليه القتل الذي يؤثر في الميراث هو القتل العمد، أما الخطأ فلا يؤثر على انتقال الميراث إلى صاحبه. فمثلاً: شخص صوب سلاحه نحو عصفور أو حمامة واقفة بجوار صاحب ما، فلم تتوجه إرادته قط لقتل هذا الرجل، لكنه في العادة -كما يفعل غيره من الصيادين- إنما أراد قتل هذا العصفور أو الحمامة أو هذا الطير، فخطأ انحرفت يده، أو أسرع هذا الرجل من مكانه جهة السهم أو جهة الرصاصة فمات، فهذا قتل خطأ. كذلك: رجل أصيب بما يسميه العامة بغصة في أثناء الطعام، فقال لولده: اضرب على ظهري، فضربه على ظهره فمات، فهذا أيضاً قتل خطأ لا يمنع من الميراث. إذاً: مدار البحث عندنا في القتل العمد. أيضاً: رجل كبير في السن أو امرأة كبيرة في السن معها ابنتها أو معها ابنها أو ابن ابنها أو غير ذلك من أصحاب الفرائض -وسنذكرهم وأوقات ورثهم- فهذا الشاب أو تلك الفتاة تعجلت قتل أمها، أو تعجل الولد قتل أبيه ليرث، فإما أن يكون إثبات هذا القتل بأنه عمد بإقرار القاتل، أو بشهادة الشهود إذا كان الشهود قد رأوه وهو يقتل ولم يرهم، أو غير ذلك من أدلة الإثبات، فحينئذ يمنع هذا من الميراث، ويجب عليه القصاص، ويستوي في العمد أن يكون القاتل هو الفاعل الأصلي، أي: الذي باشر فعل القتل والضرب حتى الموت وإزهاق الروح، فيستوي في ذلك أن يكون الفاعل أصلياً، أو يكون شريكاً فيه، مثل ما أنك تريد أن يموت أبوك، فتقول لأحد أصحابك: ما رأيك أن نأتي به على شرفة، ثم ننظر الوقت المناسب لقتله، فيجتمع على موت هذا الرجل اثنان أو ثلاثة أو أربعة أو عشرة أو مائة أو بلد أو قرية بأسرها، فهؤلاء جميعاً شركاء في الجريمة، ويجب أن يقادوا به، والولد معهم؛ لأنه يستوي أن يكون فاعلاً أصلياً لذاته، أو أن يكون شريكاً مع غيره، أو حتى أن يكون شاهد زور ترتب على هذه الشهادة حكم القاضي بالإعدام على هذا الرجل، وتم تنفيذ الحكم. الشرط الثاني: أن يكون القاتل في حال القتل مكلفاً، أي: أن يكون عاقلاً بالغاً، وقد اختلف أهل العلم في العقل وخاصة في البلوغ، فمنهم من اعتبر السن في البلوغ، ومنهم من اعتبر العلامات والأمارات في البلوغ. فمثلاً قالوا: حد البلوغ عند الولد على خلاف بينهم وكذلك البنت من اثنتي عشرة سنة إلى ست عشرة سنة، على اختلاف بين أهل العلم، هذا إذا نظرنا إلى البلوغ من جهة السن. أما من جهة الأمارات والعلامات فقالوا: البلوغ عند البنت إنما يكون بإنبات الشعر عندها تحت الإبط وفي العانة، وكذلك الحيض، وأما البلوغ عند الولد فبنزول المني، وبظهور شعر عانته، وبظهور شعر إبطه، واختلفوا في بقية العلامات. وعلى أية حال الشرطان اللذان تم الاتفاق عليهما، وما قبل هذين الشرطين يعد حدثاً من الأحداث لا يؤاخذ بالجناية، وإنما يؤاخذ بأقل من ذلك. واختار قانون الأحوال الشخصية فيما يتعلق بالأسباب المانعة من الميراث في القتل: أن يكون القاتل قد بلغ من العمر خمسة عشر عاماً، يعني: قبل هذا السن لا يعد جناية؛ لأنه حدث، وما بعد هذه السن ولو بلحظة يعد جناية؛ لأنه بالغ ومكلف وعاقل، فما الذي يجعله يقدم على هذا الفعل؟ وأما الحيل المؤدية إلى الحرام فهي حرام في الشرع، مثل أن يعمد وارث إلى قتل مورثه لا عن طريقه هو، لكن عن طريق تسليط الحدث على قتل المورث، كأن يقول شخص لابنه: اذهب فاقتل جدك، والولد عمره مثلاً عشر سنوات، فإن قتله فإن أباه يمنع من الإرث. وأما الابن فإنه محجوب بالأب إذا كان حياً. أما لو كان الأب ميتاً فإن الولد يحجب لو كان له أعمام. لكن لو أن الجد حي والأب مات وعنده أولاد، فإن الأولاد تحجب من ميراث الجد من أجل أعمامهم، أي: لوجود أولاد آخرين للجد. كأن يموت رجل، وترك أبناءً ذكوراً وإناثاً، وترك أبناء ابن ذكوراً وإناثاً، ففي هذه الحالة هؤلاء الأبناء الذين مات أبوهم في حياة جدهم يرثون من الجد تحت باب الوصية الواجبة، والوصية الواجبة تختلف عن مطلق الوصية. إذاً: أبناء الابن الذين مات والدهم يرثون من الجد تحت ما يسمى بالوصية الواجبة، وبالتالي لا يحجبون بالأعمام، وهل هناك أحد يقضي بهذا في هذه القضية؟ فإن قتل الولد أباه، وهذا الولد عمره أربعون سنة؛ لكنه مجنون، فإنه يرث؛ لأن الجنون علة مانعة من لحوق الإثم والقصاص؛ فكان قتله كأن لم يكن. ولا بد يا إخواني أن نتعلم الفرائض؛ لأن هذه وصية النبي ﷺ ، بل هي أمره؛ ولذلك ذهب بعض أهل العلم إلى وجوب تعلم الفرائض؛ لقوله ﵊: (تعلموا الفرائض وعلموها الناس)، وفي رواية ابن مسعود قال: (تعلموا الفرائض، والطلاق، والحج؛ فإنه دينكم)، والحديث عند الدارمي. والميراث في اصطلاح الفقهاء: هو استحقاق ما خلفه الميت من مال أو حق لسبب من أسباب الميراث الشرعية. والحق إما أن يكون ديناً

стр. 393

أركان الإرث الأول: المورث، أي: الميت، وبالتالي فالذي يوزعه الأب على أبنائه قبل وفاته لا يسمى ميراثاً، وإنما يسمى عطية، أو منحة، أو هبة، أو غير ذلك. أما الميراث فهو ما خلفه الرجل بعد وفاته. ولذلك يلزم الأب أو يلزم الرجل صاحب المال أن يوزع على أبنائه المال بالسوية، ذكوراً كانوا أم إناثاً، ولا يقل: أنا سأعطي ولدي هذا شقة أربع غرف، وذاك شقة أربع غرف، ولهذه شقة فيها غرفتان؛ لأنها بنت؛ لأنك بذلك تعطي منحة ونحلة وهبة ولا تعطي ميراثاً، إذ الميراث ليس من حكمك ولا من شأنك، إنما هو من شأن الورثة بعد موتك، إنما أنت توزع الآن في حياتك؛ فعليك أن توزع بالسوية بين الأبناء جميعهم، ذكوراً كانوا أم إناثاً، فتعطي الولد عشرة آلاف، وتعطي البنت كذلك عشرة آلاف، وليس خمسة؛ لأن هذا ليس ميراثاً. وهذا بغض النظر عن الولد إن كان عاصياً أم باراً بوالده؛ لأن الوالد لابد أن يعتقد أن الله ﵎ عنده من العذاب ما هو أشد وأبقى لهذا العاصي، وقادر على أن ينتقم من هذا العاصي لوالده، فاتركه لله : ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤]. ولذلك حين فرض الله ﵎ هذه المواريث وحدها كان يعلم أن من الأبناء عصاة وطائعين، ومع هذا لم يفرق بين هؤلاء وهؤلاء، فقد كان يعلم أن من الأبناء من يأخذ مالاً ليتعلم به ويتزوج به ويبني به بيتاً، ويعلم أن بقية الأبناء إنما يعملون في الأرض بالليل والنهار، ولا حظ لهم إلا أن يعملوا، ومع هذا جعل القسمة على وتيرة واحدة. وإن كان الإمام أحمد بن حنبل عليه رحمة الله له مذهب في هذا، فقد قال: إذا أنفق الوالد على ولده مالاً حتى زوجه وبنى له داراً، ولم يكن ذلك لأخيه الصغير أو الأصغر، فإذا مات الأب كان للورثة أن يقيِّموا أو يقدروا للصغير الذي لم تبن له دار ولم يتزوج مقدار ما قد أخذه أخوه، ثم تقسم التركة عليهم، وهذه فتوى إمام، فلك أن تأخذ بها، أما مذهب الجمهور فيختلف عن ذلك. إذاً: وفاة المورث -الذي هو الميت- فيثبت لدينا أن فلاناً مات وترك ميراثاً أو تركة، سواء مات موتاً حقيقياً، بأن مات أمام أعيننا وغسلناه وصلينا عليه وكفناه ودفناه، أو مات موتاً حكمياً، كرجل فقد في الحرب في ظروف غامضة مثلاً لمدة اختلف فيها أهل العلم، لكن قانون الأحوال الشخصية أخذ بأحد المذاهب، وحدد مدة الفقد بأربع سنوات، وهذا لا يصلح أن ينطبق على رجل ترك امرأته وسافر مثلاً إلى العراق أو السعودية أو أمريكا أو إلى أي بلد، وقعد هناك أربع أو خمس سنين، فتقوم الزوجة وتذهب إلى المحكمة وتطالب باستخراج شهادة بموت زوجها حكماً من أجل أن تتزوج، فهذا لا يصلح نهائياً. أتعلمون أنه إلى الآن هناك أناس من عام (١٩٧٣م) أُخرجت لهم شهادات بالفقد أو بالموت حكماً بعد أربع سنوات، ثم رجعوا إلى بيوتهم بعد هذه الفترة الطويلة. ومن ذلك: أن أناساً في حرب (١٩٦٧م) أسروا واستطاعوا الهروب والفكاك من السجن في أثناء حرب (١٩٧٣م)، فقدم أحد الناس حتى وصل إلى قرية بجوار قريتي، ووصل في وقت متأخر من الليل، أو لعله تعمد الدخول إلى بلده في وقت متأخر، فطرق الباب ففتحت له أخته، ثم أرادوا أن يناموا، ولم يخبروا الأب حتى الصباح، وهذه حادثة ذكرت في الصحف والمجلات والجرائد- فلما قام الأب في الصباح ليصلي الفجر؛ وجد رجلاً أجنبياً بين بنتيه فقتله، حادث مؤلم جداً؛ ولذلك هذا الحادث أقض مضاجع جميع أهل القرى المجاورة، فكان كل واحد منهم يفكر لو أن ولده هو الذي رجع الذي قد بلغه أنه قد قتل في ١٩٦٧م، يقول: يمكن أن يكون مفقوداً، وأحبوا أن يريحوني ويطمنوني في هذه المسألة فقالوا: إنه قتل. فكل إنسان رجع لنفسه الأمل أن ولده ممكن يرجع له في يوم من الأيام، أو زوجها ممكن يرجع لها في يوم من الأيام، فقال: قبل أن أقتل أتأكد أنه المفقود. إذاً: فلا بد أن يكون هذا الموت إما حقيقياً أو حكمياً. الثاني: وجود الوارث؛ لأن السلطان يرث من لا وارث له، والسلطان يعني: بيت مال المسلمين. والوارث هو: من قام بينه وبين المورث سبب من أسباب الميراث، وستأتي معنا أسباب الميراث. الثالث: التركة، فلو مات مورث وعنده مائة يرثونه، ولم تكن له تركة، فهل يكون هناك مجال للميراث؟ والتركة هي الميراث أو الموروث، ويقصد به: كل ما تركه المورث من الأموال، كما أنه يشمل الحقوق القابلة لأن تورث، كحق مرهون لتحصيل دين.

стр. 394

شروط الإرث أولاً: تحقق موت المورث حقيقة أو حكماً كما سبق، وهناك موت يسمى الموت التقديري، وهو موت الجنين الذي يسقط من بطن أمه بجناية عليها. كأن ضرب ابن أمه على بطنها وهي حامل فسقط الجنين ميتاً، فهذا ليس بميت حقيقة قبل نزوله، ولا ميت حكماً، وإنما يسمى موته موتاً تقديرياً، والقانون المصري لم يعترف بهذا النوع، ولم يعتبر هذا النوع من القتل أو الموت؛ ولذلك لم يذكره. أما الشرع فقد قال النبي ﵊: (إذا استهل الصبي؛ صلي عليه ووُرِّث)، يعني: إذا نزل الجنين من بطن أمه وصرخ، والحكمة من الصراخ أو الاستهلال حتى يتحقق من حياته؛ لأنه لو نزل ميتاً لا ميراث له، أو لو مات في بطن أمه ونزل فلا ميراث له. أما لو نزل ثم مات فإنه يرث؛ لظاهر الحديث: (إذا استهل الصبي؛ صلي عليه ووُرِّث)، وميراثه لورثته. فإن ورث من أمه ثم مات فإن أباه يرثه. إذاً: ميراث الصبي تماماً كميراث رجل بلغ الستين عاماً. ثانياً: تحقق حياة الوارث عند موت المورث، حقيقة أو تقديراً، فالجنين في بطن أمه له حياة تقديرية، فإذا مات أبوه وله إخوة -أي: هذا الجنين- فإننا سنقدر أن هذا الحمل حي، فإما أن يتم توزيع التركة على اعتباره ذكراً، ويخصم له حظه ونصيبه، فإن كان أنثى خصم منه النصف الثاني أو مقدار الزيادة ووزعت على بقية الورثة، وهنا تقسم التركة على اعتباره أنثى، فإن كان ذكراً أخذ من أنصباء الورثة ما يوازي نصيب الذكر من كل واحد، ثم يعطى لهذا الجنين حظه كاملاً. وفي القانون: يجب استحقاق الإرث عند تحقق حياة الوارث وقت موت المورث، أو وقت الحكم باعتباره ميتاً، ويكون الحمل مستحقاً للإرث إذا توفر فيه ما نُص عليه في المادة كذا وكذا. وتطبيقاً لهذا الشرط فإذا مات الثاني ولم نعلم أيهما مات أولاً؛ فلا استحقاق لأحدهما في تركة الآخر، سواء كانا موتهما في حادث واحد أم لا. أليس الولد يرث أباه، والأب يرث ولده؟ لكنهما ماتا في حادث سيارة أو طائرة، ونحن لم نعلم أيهما مات قبل الآخر، فإنه لا استحقاق لأحدهما في تركة الآخر، لكن لو اتضح لنا أن أحدهما مات قبل الآخر بدقيقة واحدة؛ ثبت الميراث بينهما، بمعنى: يرث الذي مات مؤخراً الذي مات مقدماً عليه بدقيقة، يعني: لو أننا نظرنا إليه يلفظ أنفاسه ثم تبع الروح البصر، ثم نظرت إلى الثاني ففعل ذلك؛ كان الثاني هذا وارثاً لذلك الذي مات قبله بدقيقة واحدة، وإن كان أقل من ذلك؛ لأنه تحقق لدينا موت أحدهما أولاً، ثم موت الآخر؛ فيرث الآخر من الأول، ولا إشكال في ذلك. لكن القضية التي نحن بصددها: إذا مات مورث ووارث في حادث أو في وقت لا نعلم أيهما مات أولاً؛ فلا ميراث بينهما، كأن ذهب ولد إلى المكان الفلاني وأخوه ذهب إلى المكان الآخر مثلاً، فأتانا الخبر أن هذا مات يوم الأربعاء في صلاة الظهر، والثاني مات أيضاً في يوم الأربعاء في صلاة الظهر، فإننا سنتحقق متى كان حصول الموت؟ في الساعة كم؟ في الدقيقة كم؟ حتى نعرف أيهما مات أولاً، وبالتالي نورث الأخير من الأول، وإذا لم يثبت فلا توارث بينهما، والتركة ستكون لبقية الورثة. أما هذان بالذات فلا توارث بينهما ما داما قد ماتا في وقت واحد، أو خفي علينا أيهما أسبق موتاً من صاحبه. ثالثاً: ألا يوجد في واحد من الورثة مانع من موانع الإرث التي ذكرناها.

стр. 395

أسباب الميراث السبب في اللغة: ما يتوصل به إلى غيره. وفي الشرع: هو ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته. وفيما يلي نذكر هذه الأسباب: السبب الأول: النكاح، نقصد به عقد زواج صحيح؛ حتى لا يترتب على عقد الزواج الفاسد أو الباطل آثار، فإن وقع الطلاق بعد الزواج الصحيح فإن كان معقوداً عليها فليس لها إلا طلقة واحدة وتبين بينونة كبرى، فإذا أراد زوجها أن يراجعها فبمهر جديد وبعقد جديد، يعني: يتزوجها زواجاً جديداً بمهر وعقد جديدين، ويبقى لها عنده طلقتان، أو واحدة إذا كان قد طلقها مرة ثم طلقها بعد زواجه مرة أخرى. أما إذا كان الطلاق بائناً فلا توارث بينهما بعده، أي: إذا كان الطلاق بائناً بينونة كبرى، أو بينونة صغرى، بمعنى: أن المرأة طلقت طلاقاً أولياً أو ثانياً، ثم انتهت عدتها؛ فهذا يسمى طلاقاً بائناً بينونة صغرى، وبالتالي فإنها تحل لزوجها الذي كانت معه بمهر جديد وعقد جديد. أما المرأة المطلقة طلاقاً بائناً بينونة كبرى، يعني: طلقت ثلاث طلقات، ثم انقضت عدتها من الطلقة الثالثة؛ فإنها تحل لغيره، ولا تحل له إلا إذا تزوجت بغيره، ثم طلقت طلاقاً طبيعياً بغير اتفاق ولا تحليل، وأراد زوجها الأول أن يراجعها، أو يتزوجها زواجاً جديداً بثلاث طلقات؛ فيجوز ذلك، يعني: له عليها طلقات ثلاث جدد. أما إذا كان الطلاق بائناً فلا توارث بينهما بعده، إلا إذا كان المطلق قد أوقع الطلاق فراراً من ميراث زوجه، بأن أوقعه في مرض موته دون أن يطلبه الآخر، وأنتم تعرفون أن هذا الأمر يحصل كثيراً، فقد يقوم الرجل بتطليق زوجته لأجل حرمانها من الميراث: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [النساء:١٢]. فلابد أن يكون طلاقاً لا يقصد به إلحاق الضرر؛ ولذلك إذا أوصى شخص مثلاً بكل أمواله فلا تنفذ هذه الوصية؛ لأن الوصية لا تحل له إلا في ضمن الثلث، ولا تجوز بالزيادة على الثلث إلا بإجازة الورثة، فلا تنفذ هذه الوصية إلا في حدود الثلث رغماً عن الورثة، وفيما زاد عن الثلث لا تنفذ إلا بإرادة وموافقة الورثة، وإلا فلا نفاذ لها. فهذا الرجل يطلق امرأته في مرض موته لأجل الإضرار بها وحرمانها من الميراث، فإن ماتت الزوجة قبله بعد هذا الطلاق لم يرثها، بينما هي بنفسها ترث إذا مات وهي حية، وهو لا يرثها؛ معاملة له بقصده الذي كان قد قصده. أما إذا مات قبلها فإنها ترثه رغم أنها مطلقة، لكنها مطلقة أولاً بقصد الضرر. ثانياً: مات وهي لا تزال في العدة، وأنتم تعلمون أن المرأة في العدة لها حق الميراث. أما إذا مات قبلها فإنها ترثه ما لم تنقض عدتها؛ معاملة له بنقيض قصده، ومن ثم جاءت المادة الحادية عشرة من القانون: وتعتبر المطلقة طلاقاً بائناً في مرض الموت في حكم الزوجة إذا لم ترض بالطلاق، يعني: إذا رضيت سقط حقها في الميراث، وإذا لم ترض وأثبتت أن هذا الطلاق إنما تم لأجل الإضرار بها؛ فإنها زوجة وترث. السبب الثاني: الولاء بين المالك وبين من أعتقه من عبيده، حيث يرث الأول الثاني، يعني: أن المالك هو الذي يرث العبد. ومعلوم أن الرق قد ألغي وحرم قانوناً؛ لأنه لا بد أن تعلموا أن هناك قاعدة: ما دام أنه لا يوجد جهاد إذاً فليس هناك رق نهائياً. وقد ورد في متن الرحبية أسباب ميراث الورى فقال: أسباب ميراث الورى ثلاثة كلٌ يفيد ربه الوراثة وهي نكاح وولاء ونسب ما بعدهن للمواريث سبب أي: ليس هناك سبب رابع. وبهذا تنتهي أيضاً المقدمة في موانع الإرث، ومعنى الميراث وأسباب الميراث. وإن شاء الله في الدرس القادم يكون لنا مقدمة أيضاً في أصحاب الفرائض والعصبات. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 396

شرح صحيح مسلم - كتاب الحج - ما يباح للمحرم بحج أو عمرة وما لا يباح وبيان تحريم الطيب عليه شرع الله للمحرم لباساً خاصاً بالإحرام، وحرم عليه أنواعاً من الملابس التي لا تناسب هذه العبادة العظيمة، والتي ينبغي أن يظهر المسلمون فيها على مستوى واحد، لا فرق بين غنيهم وفقيرهم، وشريفهم ووضيعهم إلا بقدر ما عند أحدهم من التقوى والقبول عند الله .

стр. 397

باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة وما لا يباح، وبيان تحريم الطيب عليه الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ثم أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة. أما بعد: لقد بين الرسول ﷺ ما يجوز للمحرم أن يلبسه وما لا يجوز عندما سئل: (ما يلبس المحرم من الثياب يا رسول الله؟! قال: لا تلبسوا القمص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف). والبرنس: هو كل ثوب متصل بغطاء الرأس، مثل الجاكت الذي له طربوش يوضع على الرأس، وهذا هو الغالب في ثياب العرب، وثياب المغرب والجزائر وتونس وغيرها مرتبطة بغطاء الرأس إلى هذا اليوم. قال: (ولا البرانس ولا الخفاف)، يعني: لا يجوز للمحرم أن يلبس خفاً. (إلا ألا يجد النعلين)، فحينئذ يلبس الخف، ولكن (ليقطعهما أسفل من الكعبين). ثم تكلم عن الطيب فقال: (ولا تلبسوا من الثياب شيئاً مسه الزعفران ولا الورس). وهما نوعان من أنواع الطيب.

стр. 398

شرح حديث ابن عمر فيما يلبسه المحرم قال المصنف رحمه الله تعالى: [وحدثنا يحيى بن يحيى وعمرو الناقد وزهير بن حرب كلهم عن ابن عيينة - سفيان - قال يحيى أخبرنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه ﵁ قال: (سئل النبي ﷺ ما يلبس المحرم؟)]. والإسناد الأول من رواية نافع عن ابن عمر، وهنا من رواية سالم عن أبيه ابن عمر. قال: [(ما يلبس المحرم؟ قال: لا يلبس المحرم القميص، ولا العمامة، ولا البرنس، ولا السراويل، ولا ثوباً مسه ورس ولا زعفران، ولا الخفين، إلا ألا يجد نعلين فليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين). حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أنه قال: (نهى رسول الله ﷺ : أن يلبس المحرم ثوبا مصبوغاً بزعفران أو ورس، وقال: من لم يجد نعلين فليلبس الخفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين)].

стр. 399

شرح حديث ابن عباس فيما يلبسه المحرم قال: [حدثنا يحيى بن يحيى وأبو الربيع الزهراني وقتيبة بن سعيد جميعاً عن حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن جابر بن زيد عن ابن عباس]. وجابر بن زيد هو أبو الشعثاء الأزدي البصري مشهور بكنيته، ثقة فقيه، معروف بكنيته دون اسمه. [عن ابن عباس ﵄ قال سمعت رسول الله ﷺ وهو يخطب يقول: (السراويل لمن لم يجد الإزار، والخفان لمن لم يجد النعلين)، يعنى: المحرم]. وفي حديث ابن عباس هذا لم يذكر شرط قطع الخفين، وذكره في حديث عبد الله بن عمر ولا تعارض بين الحديثين؛ لأن حديث ابن عباس مطلق، وحديث ابن عمر مقيد ذلك بالقطع، فيحمل المطلق حينئذ على المقيد، والمحرم لا يجوز له أن يلبس شيئاً فوق الكعبين، والخف يكون إلى فوق الكعبين، وهو يغطي موضع الوضوء من القدم، والنعل: إنما هو شيء يطؤه اللابس بقدمه مرتبط بأعلى قدمه -أي: بظهر القدم- بسيرين أو أكثر من ذلك. والفرق بين الخف والنعل: أن النعل: لا يغطي الكعبين ولا العقب، والخف يغطيهما، والنبي ﵊ قال: إذا لم يكن معه نعل ومعه خف فليقطع الخف حتى يكون أسفل من الكعبين، والكعبان هما: العظمتان الناتئتان في أول القدم في أول الساق من جهة الأسفل، فالذي ليس معه نعل ومعه خف حتى يكون مثل النعل أو شبيهاً بالنعل ويلبسه، حتى يظهر مؤخرة قدمه كما يظهر العقب من النعل. فـ (السراويل لمن لم يجد الإزار، والخفان لمن لم يجد النعلين). وهذه المسألة يتعرض لها كثير من الناس، فتجد الواحد يسافر ومعه ملابس الإحرام، والإزار والرداء والنعل وكل ذلك، ثم في المطار ينسى فيدخل الملابس إلى مخزن الطائرة، ولا يمكنه في هذه الحالة أن يحصل على ملابسه مرة أخرى فوق الميقات، والذين في الطائرة لن يبيعوا له ملابس الإحرام، ومن مر على الميقات دون إحرام فإما أن يرجع مرة أخرى إلى المقيات، وإما أن يحرم من أي مكان بعد المقيات وعليه دم، ففي هذه الحالة يجوز له أن يلبس السروال بدلاً من الإزار بشرط أن يلبس الإزار إذا تمكن منه ويخلع السروال، والذي لا يقدر على النعل يلزمه على الفور قطع الخف ولبسه. قال: [حدثنا محمد بن بشار -وهو المعروف بـ بندار - حدثنا محمد بن جعفر -وهو المعروف بـ غندر - وحدثنا أبو غسان الرازي -وهو محمد بن عمرو بن بكر الرازي المعروف بـ زنيج - حدثنا بهز -وهو ابن أسد العمي - قالا جميعاً -يعني: بهز بن أسد العمي ومحمد بن جعفر غندر كلاهما- حدثنا شعبة عن عمرو بن دينار بهذا الإسناد]،: يعني: عمرو بن دينار عن جابر بن زيد عن ابن عباس. قال: [أنه سمع النبي ﷺ يخطب بعرفات فذكر هذا الحديث. وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا سفيان -وهو ابن عيينة -، (ح) وحدثنا يحيى بن يحيى أخبرنا هشيم -وهو ابن بشير السلمي الواسطي - (ح) وحدثنا أبو كريب -وهو محمد بن علاء الهمداني - حدثنا وكيع -وهو ابن الجراح الرؤاسي الكوفي - عن سفيان]. وإذا قال وكيع: عن سفيان، فهو سفيان الثوري، وكلاهما كوفي. قال: [(ح) وحدثنا علي بن خشرم أخبرنا عيسى بن يونس عن ابن جريج، (ح) وحدثني علي بن حجر حدثنا إسماعيل -وهو ابن علية - عن أيوب، كل هؤلاء] أي: كل من سفيان بن عيينة وهشيم بن بشير وسفيان الثوري وابن جريج وأيوب. قال: [عن عمرو بن دينار بهذا الإسناد -أي: عن جابر بن زيد عن ابن عباس - ولم يذكر أحد منهم -أي: من هؤلاء الخمسة- يخطب بعرفات غير شعبة وحده]. وشعبة في الإسناد السابق يروي عن عمرو بن دينار عن جابر بن زيد عن ابن عباس أنه سمع النبي ﷺ يخطب بعرفات، وأما هؤلاء الخمسة فإنهم رووا نفس الحديث عن ابن عباس ولم يذكروا فيه أن ذلك كان بعرفات، فهذا من باب زيادة الثقة، ولا خطأ في هذه المسألة عند المحدثين.

стр. 400

شرح حديث جابر بن عبد الله فيما يلبسه المحرم قال: [وحدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس حدثنا زهير -وهو زهير بن معاوية بن حديج - حدثنا أبو الزبير -وهو محمد بن مسلم بن تدرس المكي - عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من لم يجد نعلين فليلبس خفين، ومن لم يجد إزاراً فليلبس سراويل)]. ولم يبين شرط القطع في الخفين كما في حديث عبد الله بن عمر، فيحمل المطلق على المقيد، ويخرج من الخلاف.

стр. 401

شرح حديث يعلى بن أمية فيما يلبسه المحرم قال: [حدثنا شيبان بن فروخ حدثنا همام]، وهو ابن يحيى بن دينار العوذي البصري، وهو ثقة في العموم، وابن جريج ثقة في العموم، لكن إذا روى همام عن ابن جريج -وكلاهما أخرج له مسلم - فلا يكون هذا الإسناد على شرط مسلم؛ لأن همام بن يحيى العوذي ضعيف في ابن جريج خاصة، فلو جاء همام عن ابن جريج في إسناد فاعرف أن هذا الاسناد لا يمكن أن يكون في صحيح مسلم، وإن كان مسلم روى لكليهما واحتج بهما، ولكن ليس من رواية أحدهما عن الآخر. قال: [حدثنا عطاء بن أبي رباح -وهو تابعي- عن صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ وهو بالجعرانة -والجعرانة: اسم مكان قبل مكة بستة عشر كيلو متر- عليه جبة وعليها خلوق -يعني: طيب من زعفران اسمه خلوق بفتح الخاء- أو قال: أثر صفرة]. يعني: كان متضمخاً ومتخلطاً بالطيب، ولكثرته كانت له علامات وآثار في ثيابه صفراء. قال: [فقال: كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟ قال: وأنزل على النبي ﷺ الوحي، فستر بثوب]. يعني: أن النبي ﷺ لم يجبه على سؤاله؛ لأن الوحي نزل عليه ﵊ بمجرد أن سئل هذا السؤال، وكان إذا نزل عليه الوحي ﵊ ستره أصحابه بثوبه. قال: [وكان يعلى يقول: وددت أني أرى النبي ﷺ وقد نزل عليه الوحي، قال: فقال: أيسرك أن تنظر إلى النبي ﵊ وقد أنزل عليه الوحي؟]. وهذا الحديث لم يبين من قال ذلك لـ يعلى بن أمية، ولكن الروايات التي تلت هذه الرواية بينت أن القائل لـ يعلى بن أمية هذا الكلام هو عمر بن الخطاب ﵁، وعمر هو الذي ستر النبي ﵊ بثوبه. قال: [فرفع عمر طرف الثوب -أي: الذي ستر به النبي ﵊ فنظرت إليه له غطيط]، أي: نظر يعلى بن أمية من تحت طرف الثوب إلى النبي ﵊ وله غطيط، والغطيط: هو النفس الذي يتردد ويتحشرج في صدر المرء. قال: [وأحسبه قال: كغطيط البكر]. والبكر: هو الفتي من الإبل، فقد كان يصدر من النبي ﵊ صوتاً حين ينزل عليه الوحي -وهذا من شدة الوحي عليه- يشبه صوت الفتي من الإبل. قال: [فلما سري عنه -أي: فلما كشف عنه الكرب، ورجع إلى ما كان عليه قبل نزول الوحي- قال: (أين السائل عن العمرة)]. والتقدير: أن السائل قال: هأنذا يا رسول الله! فقال النبي ﵊: [(اغسل عنك أثر الصفرة). يعني: هذا اللون والطيب الذي أثر في ثوبك، أو قال: (أثر الخلوق، واخلع عنك جبتك -وهو نوع لباس يشبه القميص- واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك)]. وكأن هذا الرجل كان يعلم كيف يحج، وكأنه قد حج من قبل مفرداً؛ لأن المتمتع والقارن كلاهما يعتمر أولاً، فالمتمتع يعتمر ثم يخلع ملابس الإحرام حتى يحج، والعمرة دخلت في الحج إلى قيام الساعة، والمفرد لا يلزمه العمرة، ولذلك سمي مفرداً؛ لأنه أفرد الحج بالنسك، فهذا الرجل كأنه حج من قبل مفرداً ويعلم كيف يحج، ولكنه لم يعتمر، فظن أن العمرة في هيئتها ووقتها تختلف عن الحج، ولذلك قال النبي ﵇: (اغسل عنك أثر الصفرة، واخلع عنك الجبة، واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك). ولم يسأله عن كيفية الحج؛ لأنه سبق أن حج، أو أنه يعلم ما قد فرض عليه في الحج، فأحاله النبي ﷺ إلى ما هو معلوم لديه، ولكنه بين له ما وقع فيه من محرمات، وهي أنه لبس الجبة وتطيب بعد أن أحرم من الميقات، وكلاهما يحرم على المحرم. قال: [وحدثنا ابن أبي عمر -وهو محمد بن يحيى العدني نزيل مكة- قال: حدثنا سفيان]، وإذا قال ابن أبي عمر: حدثنا سفيان فإنما هو ابن عيينة، وابن عيينة من علماء مكة، وذاك عدني من عدن ونزل مكة، فطبيعي أنه يروي عن سفيان بن عيينة المكي. قال: [عن عمرو]. والقاعدة أنه إذا حدث سفيان عن عمرو فـ سفيان هو ابن عيينة، وعمرو هو ابن دينار المكي. قال: [عن عطاء -وهو ابن أبي رباح - عن صفوان بن يعلى عن أبيه -وهو يعلى بن أمية - قال أتى النبي ﷺ رجل وهو بالجعرانة وأنا عند النبي ﷺ وعليه مقطعات، يعنى: جبة

стр. 402

معنى الحج والعمرة الحج بفتح الحاء هو المصدر لهذا الفعل، وبالفتح والكسر جميعاً هو الاسم منه، إما الحِج، وإما الحَج، فالحج يطلق على الاسم والمصدر، بخلاف الحِج فإنه يطلق على الاسم، وأصله -أي: أصل الحج- القصد، تقول: حججت البيت، أي: قصدت البيت للزيارة والنسك، ويطلق الحج كذلك على العمل، يعني: تأدية المناسك، فإذا رأيت رجلاً يرمي، أو يطوف بالبيت، أو يسعى بين الصفا والمروة، أو يبيت بمزدلفة، أو يقف بعرفة تقول: هذا يحج، وإذا رأيت رجلاً يرمي الجمار فإنك تقول: هذا يحج، يعني: يتنسك نسكاً من مناسك الحج، فكلمة الحج تطلق على الفعل، وعلى الإتيان مرة بعد أخرى. وأصل العمرة الزيارة، يعني: أصل كلمة عمرة في اللغة هي الزيارة.

стр. 403

حكم الحج والعمرة وشروط وجوبهما واعلم أن الحج فرض عين على كل مكلف، لا يؤديه عنه غيره إلا بشروط، فالحج فرض عين على كل أحد بشروط: أولاً: أن يكون مكلفاً؛ لأن العاجز ليس داخلاً في التكليف؛ لأن غير القادر على الحج ببدنه ليس مكلفاً بالحج، وعندما نقول: إن الحج فرض عين على الشخص، فهذا يعني: أنه يلزمه أن يذهب بنفسه لأداء نسك الحج، وأما المريض، أو الكبير في السن جداً الذي لا يستطيع أن يثبت على الراحلة فقد جاء في الحديث: (إن أبي لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه يا رسول الله؟! قال: حج عنه)؛ لأن كبر السن والعجز والضعف منعه من أن يقصد البيت بنفسه، وكذلك لا يكلف بالحج الصبي والمجنون. فالمكلف بالحج هو القادر على الإتيان به المستطيع له. ثانياً: أن يكون حراً غير عبد، فالعبد غير مكلف بالحج. ثالثاً: أن يكون مسلماً، وهو احتراز من حج الكافر؛ لأن الكافر لا يقبل منه الحج، والكافر مخاطب بفروع الشريعة على أرجح الأقوال وإن لم يقبل منه ذلك، إلا فريضة الحج؛ لأن (النبي ﵊ نهى أن يجتمع في جزيرة العرب دينان). وفي رواية: (نهى أن يجتمع في جزيرة العرب أهل ملتين، ولا يكون فيها إلا أهل ملة الإسلام فقط). الشرط الرابع: أن يملك الاستطاعة، والاستطاعة كما جاء في حديث أبي هريرة: (هي الزاد والراحلة). وقد اختلف العلماء في وجوب العمرة فقيل: واجبة، وقيل: مستحبة، وللشافعي قولان فيها، أصحهما الوجوب.

стр. 404

عدد مرات الحج الواجب وأجمعوا على أنه لا يجب الحج ولا العمرة في عمر الإنسان إلا مرة واحدة، إلا أن ينذر المرء حجاً أو عمرة فهي واجبة بنذره، يعني: هو الذي أوجب ذلك على نفسه بالنذر، والشارع لم يوجبه عليه ابتداء؛ لأن الشرع إنما أوجبه عليه مرة واحدة، وقد فعل، ولكنه أوجب ذلك على نفسه بعد ذلك عن طريق النذر، والنبي ﵊ يقول: (من نذر أن يطيع الله فليطعه). وهذا فعل أمر يدل على الوجوب لا يسع المرء أن يتخلف عنه.

стр. 405

حكم الحج والعمرة لمن دخل مكة لحاجة لا تتكرر وإذا دخل مكة أو حرمها لحاجة لا تتكرر من تجارة أو زيارة ونحوهما ففي وجوب الإحرام بحج أو عمرة خلاف للعلماء، وهما قولان للشافعي أصحهما: استحبابه، والثاني: وجوبه بشرط ألا يدخل لقتال ولا خائفاً من ظهوره وبروزه، أي: إذا دخل مكة لأي غرض من أغراض الدنيا. الصواب: أنه لا يلزمه أن ينوي نسكاً، بل يستحب له ألا يدخل مكة إلا محرماً، أما إذا كان داخلاً لقتال فلا يلزمه أن يدخل محرماً.

стр. 406

الاختلاف في كون وجوب الحج على الفور أو التراخي وبعد أن اتفق العلماء على أن الحج فرض عين، وقد ثبت فرضيته بكتاب الله وسنة الرسول ﷺ وإجماع أهل العلم، لكن بعد الاتفاق على فرضيته اختلفوا هل هو فرض على الفور أم على التراخي؟ واليوم العالم كله يعتبر الحج فرضاً على التراخي، فكل الناس وكل الجنسيات أول ما يتيسر لهم الحج بل ومن غير أن يتيسر يقصدون الحج مباشرة في موسم الحج والعمرة في رمضان إلا المصريين، يجلس أحدهم ستين سنة أو سبعين سنة ويقول: أزوج العيال أولاً، وإذا زوجهم أخذ هم طلاقهم، ثم يريد أن يبني البيت، وأن يضع الأموال في البنك، وفي النهاية يقول لك: صحتي لا تتحمل الحج. وفي حديث عبد الله بن عمر: (استمتعوا بهذا البيت قبل أن ينقض، فإنه نقض مرتين، وإذا نقض الثالثة فلا يرتفع). وقال النبي ﵊: (يخرب هذا البيت ذو السويقتين من الحبشة، وكأني أنظر إليه ينقضها حجراً حجراً)، يعني: في المرة الثالثة التي تكون قبل قيام الساعة ينقض البيت الحرام حجراً حجراً، حتى الداخل إلى بيت الله الحرام لا يرى أثراً لمكان الكعبة، فكيف يطوف؟ وحول ماذا يطوف؟ وقال النبي ﷺ : (من استطاع منكم أن يقصد البيت فليفعل، فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له). فقد اختلف أهل العلم هل الحج على الفور أو على التراخي؟ فقال الشافعي وأبو يوسف وطائفة: هو على التراخي، إلا أن ينتهي إلى حال يظن فواته لو أخره عنها، فإذا غلب على ظنه هذا لزمه على الفور. وتزويج الولد ليس فرضاً على الأب، ولكن الفرض عليه الحج، فهو صاحب المال، فلا يعطيه غيره وهو في أمس الحاجة إليه. والشرع لم يوجب على الولد أن يعطي والديه شيئاً إذا كان محتاجاً إليه. وقوله ﵊: (أنت ومالك لأبيه) محمول على أنه يدفع الفائض عن حاجته إلى والديه، وأما أن يعطي والديه من أصل ماله الذي يعيش عليه هو وأهل بيته وأولاده فإن الشرع لم يأمره بذلك قط. وقال: أبو حنيفة ومالك وآخرون: هو على الفور.

стр. 407

ما يحرم على المحرم لبسه وهو محرم ويقول ﵊ في الحديث الأول: (لا تلبسوا القمص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف، إلا أحد لا يجد النعلين فليلبس الخفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا من الثياب شيئاً مسه الزعفران ولا الورس)، فقال فيه العلماء: هذا من بديع الكلام وجزله؛ فإنه ﷺ : (سئل عما يلبسه المحرم فقال: لا يلبس كذا وكذا)، فحصل في الجواب أنه لا يلبس المذكورات، ويلبس ما سوى ذلك، وكان التصريح بما لا يلبس أولى؛ لأنه منحصر، وأما الملبوس الجائز للمحرم فغير منحصر، فضبط الجميع بقوله ﷺ : (لا يلبس كذا ولا كذا)، يعني: ويلبس ما سواه، وأجمع العلماء على أنه يحرم عليه أن يلبس شيئاً من هذه المذكورات، فيحرم عليه أن يلبس القميص، أو العمامة، أو السروال -الذي هو البنطلون-، أو البرانس، أو الخفاف إلا إن لم يجد نعلين فليقطع الخفين من فوق حتى يشبهان النعل ويلبسهما حينئذ، ولا يلبس من الثياب ما مسه الزعفران أو الورس، يعني: ما مسه الطيب كذلك. ونبه ﵊ بالقميص والسراويل على جميع ما في معناهما، وهو ما كان محيطاً أو مخيطاً معمولاً على قدر البدن أو قدر عضو منه، مثل الجوشن -أي: الفنيلة- والتبان -وهو الشرت- والقفاز -وهو الكفوف- فهذه يمنع للمحرم لبسها، وإن لبسها متعمداً عالماً بالحكم وجب عليه دم. ونبه ﷺ بالعمائم والبرانس على كل ساتر للرأس، وكل ما يقوم مقامهما في ستر الرأس، مما هو في معنى العمامة والبرنس، وحتى العصابة حرام، فلا يجوز له أن يعصب رأسه بعصابة، ولا أن يلفها عليه، وإن اضطر إليها لشجة أو صداع أو غيرهما شدها ولزمته الفدية. ونبه ﷺ بالخفاف على كل ساتر للرجل من مداس، وجورب وغيرها. والذي ليس معه نعل يقطع الخف ويلبسه، وكذلك يقطع الجزمة. وإذا تخرق الإزار أو الرداء وأراد المحرم أن يرقعه ويخيطه فله ذلك ولا حرج عليه؛ لأن هذا خيط ليس على قدر العضو، والإزار والرداء مصنوع من خيوط منسوجة بطريقة معينة متداخلة.

стр. 408

فتوى شيخ الشافعية في مصر للشافعية بلبس قفازين أثناء الطواف، وسبب فتواه بذلك يقول الشافعية: إن مس المرأة ينقض الوضوء، ولما يختلط الرجال والنساء في الطواف حول الكعبة أمرهم شيخهم وزعيمهم في مصر أن يلبسوا القفازين والجوارب أثناء الطواف؛ لأن الوضوء شرط لصحة الطواف؛ لأنه لو مس المرأة وإن كان على سبيل الخطأ أو السهو في الزحام لزمه الخروج من الطواف للوضوء، وهو في هذه الحالة سيخرج من الطواف مائة مرة، وممكن ألف مرة، وممكن أن يظل أسبوعاً في مكة يطوف بالليل والنهار ولا ينجو في طوفة من مس امرأة، فأفتاهم شيخهم بأن من أراد الطواف أن يلبس القفازين في يده، ويلبس الجوارب في رجله، وبعد ذلك لا يضره مس النساء له إلا إذا تحركت شهوته، وفي هذه الحالة يكون قد أخذ برأي الأحناف بأن مس المرأة لا ينقض الوضوء إلا إذا تحركت شهوته، وهو كلام صحيح متين، ومذهب الأحناف هو أصح المذاهب في هذه المسألة. وشرط صحة العمرة والإحرام أن لا يلبس هذا ولا ذاك.

стр. 409

حكم الطيب للمحرم ونبه ﷺ بالورس والزعفران على ما في معناهما، وهو الطيب، يعني: أي طيب يحرم على المحرم أن يتطيب به، فيحرم على الرجال والنساء جميعاً في الإحرام جميع أنواع الطيب، والمراد ما يقصد به الطيب. فلو أكل فاكهة لها رائحة فهذا لا يسمى طيباً، ولا ينهى عن هذا، وإنما الذي ينهى عنه المحرم هو الطيب الذي يقصد به التطيب، وأما الفواكه، أو الأطعمة، أو غير ذلك مما له رائحة فلا حرج أبداً على المحرم في أكلها، ولا شيء عليه في ذلك، لأنه لا يقصد بها الطيب أصلاً، وإنما القصد منها الطعام والشراب.

стр. 410

الحكمة من تحريم اللباس وغيره على المحرم قال العلماء: والحكمة في تحريم اللباس المذكور، -يعني: العمامة، والسراويل، وغير ذلك من المذكورات المنهي عنها- أن يبتعد عن الترفه والتنعم، ويتصف بصفة الخاشع الذليل، وليتذكر أنه محرم في كل وقت، فيكون أقرب إلى كثرة أذكاره، وأبلغ في مراقبته وصيانته لعبادته، وامتناعه من ارتكاب المحظورات والمعاصي، وليتذكر به الموت ولباس الأكفان، ويتذكر البعث يوم القيامة، حين يكون الناس حفاة عراة مهطعين إلى الداعي. فكل الناس؛ الغني والفقير والوزير والرئيس وغير ذلك من جميع طبقات الناس على اختلاف مستوياتهم في ذلك الموقف يلبسون إزاراً ورداء، ولا أحد يتميز عن أحد، فالناس في هذا الموقف سواسية أمام الله ، كما أنهم سواسية يوم القيامة، لا يفضل أحد على الآخر إلا بتقوى الله ، والعمل الصالح. والصلوات في جماعة خلف الإمام صورة مصغرة من هذا، فليس الصف الأول محجوزاً للكبار، ولا الثاني للعمداء، ولا الثالث للعقداء، فهذه لا توجد إلا في ضباط الجيش، ويكتبون على الجدار في كل مسجد كتيبة: تنبيه: ممنوع دخول أي عسكري مجند أو متطوع إلى الصف الأول في صلاة الجمعة؛ لأن هذا صف الضباط الكبار، وحتى ضابط الاحتياط يجلس في أي مكان إذا علم أن الضباط الكبار سيملئون المكان. وأنا مرة جلست خلف الإمام بعدما ترحلنا من التدريب، فجلست في مكان العميد؛ لأن الضباط يأتون وقت إقامة الصلاة أو في أثناء الخطبة، فغمز لي أحد الضباط أثناء الخطبة أن هذا مكان قائد الكتيبة، فسكت ولم أرد عليه، وبعد الصلاة وجدت حوالي خمسة عشر ضابطاً حولي، فذهبت إلى قائد الكتيبة فقال لي: لماذا جلست في هذا المكان؟ فقلت: وماذا في هذا المكان؟ فقال لي: عندما دخلت المسجد لماذا لم تجلس في أي مكان؟ قلت: جلست في أي مكان، قال لي: هذا مكاني، قلت له: لماذا لا تأتي مبكراً حتى تجلس فيه؟ قال: هل أنت تناقشني أيضاً، قلت له: هذا هو السنة، ثم إني حرمت من الإجازة ولم أعط إلا ثلاثة أيام فقط بعد أسبوع؛ من أجل أنني صليت في مكان العميد. والإنسان عندما يتجرد من لباسه ويلبس الإزار والرداء يختلط بغيره، فلا يعرف الشريف من الوضيع، وهما عند الله سواء إلا بالتقوى، والمرء بهذا اللباس يتذكر الموقف والمحشر بين يدي الله ، يوم أن يكون كل واحد مشغولاً بنفسه فقط، إلا النبي ﵇ يقول: (رب أمتي أمتي). ﵊. والإزار والرداء يشبهان الكفن، وجمع الناس في مزدلفة أو منى أو عرفات يذكرك بالمحشر، وهذا الزي يذكرك بالكفن، وأنك ستخرج من الدنيا بمثل هذين الثوبين، فموسم الحج من منافعه أنك تعرف قدرك، كما قال تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج:٢٨]. ومن أعظم المنافع: أن تتذكر أنك ابن آدم، وأنك خطاء، وأن الله يتوب عليك إن تبت إليه وأنبت وكنت صادقاً مخلصاً في هذه التوبة، وإذا كان الأمر كذلك فعليك أن تتذكر أنك كالميت يمشي في أكفانه. ولذلك لما وقع رجل فوقصته ناقته فمات وكان محرماً قال النبي ﵊: (اغسلوه، ولا تمسوا ثوبه شيئاً من زعفران؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً)، يعني: يبعث على نفس الهيئة التي مات عليها. فلابد للمرء أن يتذكر قدره وقيمته، وأنه مهما ارتفع فإن الأمر كما قال النبي ﵊ فيما أخرجه البخاري من حديث أنس: (ما ارتفع شيء قط من أمور الدنيا إلا كان حقاً على الله تعالى أن يضعه). فمهما ارتفعت وعلوت فإنك في قبضة المولى يفعل بك ما يريد بقوله: كن، . فاعلم أنك بين يدي الله أكنت محرماً أم غير محرماً، وإذا كنت تتذكر هذا وأنت محرم، وتغفل عنه في ثيابك بعد الإحرام؛ فاعلم أنك ما خرجت بالمنفعة التي كان ينبغي عليك أن تخرج بها من هذا الإحرام. والجماع ومقدماته، والكلام الذي يثير ذلك حرام على الرجال والنساء في الإحرام. والحكمة في تحريم الطيب والنساء أن يبعد عن الترفه وزينة الدنيا وملاذها ويجتمع همه لمقاصد الآخرة.

стр. 411

حكم قطع الخفين إذا لم يجد المحرم نعلين وحكم من لبسهما دون قطع وقال ﷺ : (إلا أحد لا يجد النعلين فليلبس الخفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين)، وذكر مسلم بعد هذا من رواية ابن عباس وجابر: (من لم يجد نعلين فليلبس خفين)، ولم يذكر قطعهما، وقد اختلف العلماء في هذين الحديثين، فقال أحمد: يجوز لبس الخفين بحالهما، ولا يجب قطعهما؛ لحديث ابن عباس وجابر، وكان أصحابه يزعمون نسخ حديث ابن عمر المصرح بقطعهما، وزعموا أن قطعهما إضاعة مال، ونحن قد نهينا عن إضاعة المال. وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي وجماهير العلماء: لا يجوز لبس الخفين إلا بعد قطعهما أسفل من الكعبين؛ لحديث ابن عمر، قالوا: وحديث ابن عباس وجابر مطلقان، فيجب حملهما على المقطوعين؛ لحديث ابن عمر، والمطلق يحمل على المقيد، والزيادة من الثقة مقبولة، وهذه زيادة من عبد الله بن عمر. قالوا: وقول الحنابلة-: إنه إضاعة مال ليس بصحيح؛ لأن الإضاعة إنما تكون فيما نهي عنه، وأما ما ورد الشرع به فليس بإضاعة، بل حق يجب الإذعان له. ثم اختلف العلماء في لابس الخفين لعدم النعلين، هل عليه فدية أم لا؟ يعني: إذا لبس خفين ولم يقطعهما وليس له نعلين هل عليه فدية في هذه الحالة؟ فقال مالك والشافعي ومن وافقهما: لا شيء عليه؛ لأنه لو وجبت فدية لبينها ﷺ ، وقال أبو حنيفة وأصحابه: عليه الفدية، كما إذا احتاج إلى حلق الرأس يحلقه ويفدي، يعني: كأن يكون في رأسه حكة، أو ورم، أو ضرر، أو لا يصبر على شعره فإنه يحلقه وهو محرم وعليه الفدية، وكذلك من لم يجد النعلين فليلبس الخفين، فإن قطعهما فلا شيء عليه، وهو المنصوص، وإن لم يقطعهما فعليه الفدية قياساً على من احتاج إلى حلق رأسه وهو محرم لعلة، والعلة في الأول هي وجود النهي.

стр. 412

تحريم الطيب على المحرم والحكمة من ذلك وأما قوله ﷺ : (ولا تلبسوا من الثياب شيئاً مسه الزعفران ولا الورس) فقد أجمعت الأمة على تحريم لباسهما؛ لكونهما طيباً، وأي ثوب مصبوغ بزعفران أو ورس يحرم لبسه للمحرم، وألحقوا بهما جميع أنواع ما يقصد به الطيب، وسبب تحريم الطيب أنه داعية إلى الجماع، فإذا رأى الرجل امرأته متطيبة وقع عليها، وإذا تطيب الرجل طلبته المرأة، فلما كان الطيب هو الدافع إلى الوقاع والجماع نهى عنه الشارع، فهذا النهي ليس لذاته وإنما لغيره، يعني: النهي عن الطيب إنما قصد مخافة الوقاع والجماع، وهذا الرأي ضعيف؛ لأنه لو كان النهي عن الطيب لغيره وليس لذاته لقال المحرم غير المتزوج: إن الجماع بالنسبة له مستحيل؛ إذ إنه ليس متزوجاً، ويقول المتزوج الذي لم يصحب امرأته: امرأتي ليست معي، لكن النهي عام لكل إنسان سواء كان امرأة أو رجلاً محرماً، ولأنه ينافي تذلل الحاج، فإن الحاج أشعث أغبر، والأصل فيه أنه كما يقول الله تعالى في يوم عرفة عندما يباهي ملائكته بأهل الموقف ويقول: (يا ملائكتي! هؤلاء عبادي أتوني شعثاً غبراً)، يعني: كل واحد شعره منفوش لم يسرحه، مخافة أن يقع منه شعر، وسقوط الشعرة والشعرتين جائز، ولا حرج في ذلك، وأما الثلاث وما فوقها ففيها الفدية؛ ولذلك نهى الشارع المحرم عن ترجيل شعره، فلا يسرحه حتى يؤدي نسكين من رمي جمرة العقبة، أو يذبح الهدي، أو يطوف البيت ويسعى، وحينئذ له بعد ذلك حتى ولو لم يحلق أن يسرح أو يرجل شعره قبل أن يحلقه. والحاج أشعث أغبر من كثرة الغبار والتراب الذي يقع على رأسه، وسواء في تحريم الطيب للرجل والمرأة، وكذا جميع محرمات الإحرام سوى اللباس كما سبق بيانه. المرأة تحرم في ملابسها العادية، وليس في إزار ورداء، وقد رأينا امرأة تلبس إزاراً ورداء في منى وهي من مصر، وإذا بينت لها رماك زوجها بالجهل وغير ذلك.

стр. 413

ما يحرم على المحرم أثناء الإحرام محرمات الإحرام سبعة: أولاً: اللباس على النحو الذي فصلنا آنفاً. ثانياً: الطيب والورس والزعفران في الثوب، ودهن الرأس أو اللحية، وأما وضع الطيب على البدن بعد الاغتسال وقبل لبس ملابس الإحرام فهذا لا يضرك، والمنهي عنه هو التطيب بعد الإحرام وبعد أن يقول المحرم: لبيك اللهم عمرة، أو لبيك اللهم حجاً، أو لبيك اللهم بعمرة وحجة، فهذه الكلمة فاصلة في المباح وغير المباح، ولو تطيب قبلها فلا حرج عليه وإن استمر معه الطيب بعدها، فتحريم الطيب هو تحريم لمس الطيب بعد الدخول في النسك، وأما قبل ذلك فلا حرج عليك. ثالثا: إزالة الشعر إلا في وقته، ووقته للمعتمر بعد السعي. وأول ما يفعله المحرم عقد النية على النسك سواء بعمرة أو حج، ثم التلبية حتى يرى بيوت مكة أو الحرم على خلاف بين العلماء، فإذا رأى الحرم أو بيوت مكة قطع التلبية لينشغل بعد ذلك بشيء آخر، ويستحب له دخول الحرم من باب السلام؛ لدخول النبي ﷺ منه، فإذا دخل الحرم بدأ بالطواف سبعة أشواط، وليجعل البيت عن شماله، ويبدأ من الحجر الأسود، ويطوف من خارج حجر إسماعيل، ويدعو بما شاء إلا بين الركنين الركن اليماني، والحجر الأسود، فيقول بينهما: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١]. فإذا فرغ من الطواف صلى ركعتين خلف مقام إبراهيم إن تيسر له ذلك، وإلا صلاهما في أي مكان من الحرم، وليقرأ في الأولى بفاتحة الكتاب و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١]، وفي الثانية بفاتحة الكتاب و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، فإذا فرغ من الصلاة فليتضلع من شرب ماء زمزم، ثم ينطلق إلى الحجر الأسود وإن استطاع فليقبله، وإلا فليستلمه بيده ويقبل يده، فإن لم يستطع فليشر إليه بيده من بعيد في محاذاته وموازاته ويقول: باسم الله، والله أكبر، ثم يرجع خلفه إلى باب الصفا تالياً قول الله : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:١٥٨]. ثم يبدأ بالسعي من الصفا أولاً إلى المروة، وهذا شوط، ومن المروة إلى الصفا شوط ثان، وهكذا فيبدأ بالصفا وينتهي عند المروة، ثم يحلق عند المروة ويتحلل من عمرته، والحلق أفضل من التقصير؛ لأن الرسول ﷺ دعا للمحلقين ثلاثاً، ثم دعا للمقصرين مرة واحدة، إلا القارن أو المتمتع فالأفضل في حقهما التقصير؛ لأنهما سيحجان في الأيام المقبلة القلائل، وسيكون عليهما في يوم النحر الحلق، فإذا حلق في العمرة فربما لا يجدان بعد ذلك شعراً يحلقانه، فالأفضل لمن أتى نسكين متتاليين سواء كان قارناً أو متمتعاً أن يقصر شعره في العمرة؛ ليبقي له شيئاً للحلق يوم النحر. فإزالة الشعر للمحرم ممنوع إلا في حينه ووقته. رابعاً: أخذ الظفر أو قطعه وقصه لا يجوز، ومن فعل فعليه دم، إلا من قطع منه شيء يسير كان يؤذيه؛ لأنه هنا أخذه على سبيل العلاج والتطبيب لا على سبيل القص. خامساً: عقد النكاح والإشارة إليه. سادساً: الجماع وسائر أنواع الاستمتاع يفسد الحج، حتى الاستمناء لا يجوز. سابعاً: إتلاف الصيد، سواء كان ذلك بمباشرته، أو بمشورته، أو بدلالته.

стр. 414

حكم المحرم إذا تطيب أو لبس ما هو محرم عليه أثناء الإحرام وإذا تطيب أو لبس ما نهي عنه لزمته الفدية إن كان عامداً بالإجماع، يعني: يذبح شاة، وإن كان ناسياً فلا فدية عليه عند الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق، وأوجبها أبو حنيفة ومالك في هذه المسألة، والنسيان في هذه المسألة يرفع الإثم ولا يرفع الكفارة عندهما. ولا يحرم المعصفر عند مالك والشافعي، وحرمه الثوري وأبو حنيفة وجعلاه طيباً، وأوجبا فيه الفدية، وهو الصحيح، ويكره للمحرم لبس الثوب المصبوغ بغير طيب ولا يحرم.

стр. 415

حكم لبس السراويل للمحرم إذا لم يجد الإزار وقوله ﵊: (السراويل لمن لم يجد الإزار، والخفين لمن لم يجد النعلين) يعني: المحرم. هذا صريح في الدلالة للشافعي والجمهور في جواز لبس السراويل للمحرم إذا لم يجد إزاراً. وفي أحد الأيام قام شخص وهو يلبس البنطلون وفوقه رداء ليسأل الشيخ عطية سالم ﵀ وأحسن إليه، فقال له الشيخ: الذي فوق كتفيك البسه في حقوك حتى تخرج وتشتري رداء آخر، وكان السائل من المصريين الذين لا يفهمون فقال للشيخ: أنا لا أسألك عن هذا، أنا قلت لامرأتي كذا وكذا، فهل تصبح طالقاً أم لا؟ فقال له الشيخ: نعم تصبح طالقاً. فهذا صريح في الدلالة لمذهب الشافعي والجمهور في جواز لبس السراويل للمحرم إذا لم يجد إزاراً، ومنعه مالك؛ لكونه لم يذكر في حديث ابن عمر السابق، والصواب إباحته بحديث ابن عباس هذا مع حديث جابر بعده، وأما حديث ابن عمر فلا حجة فيه. قوله ﵊: (وهو بالجعرانة)، فيها لغتان مشهورتان: الجعْرانة بتخفيف الراء، والجعرّانة بالتشديد.

стр. 416

تحريم الطيب على المحرم وواجب من أصابه منه شيء قوله ﵊ للسائل عن العمرة: (اغسل عنك أثر الصفرة)، فيه: تحريم الطيب على المحرم ابتداء ودواماً؛ لأنه إذا حرم دواماً فالابتداء أولى بالتحريم، لكن الابتداء مقصود به بعد الإهلال، وأما قبل الإهلال فإنه يطيب بدنه لا ثوبه. وفيه: أن العمرة يحرم فيها من الطيب واللباس وغيرهما من المحرمات السبعة السابقة ما يحرم في الحج. وفي هذا الحديث: أن من أصابه طيب ناسياً أو جاهلاً ثم علم وجبت عليه المبادرة إلى إزالته، والراجح أنه لا فدية عليه. وفيه: أن من أصابه في إحرامه طيب ناسياً أو جاهلاً لا كفارة عليه، وهذا مذهب الشافعي، وبه قال عطاء والثوري وإسحاق وداود، وقال مالك وأبو حنيفة والمزني وأحمد في أصح الروايتين عنه: عليه الفدية، لكن الصحيح من مذهب مالك: أنه إنما تجب الفدية على المتطيب ناسياً أو جاهلاً إذا طال لبثه عليه، يعني: إذا استمر ذلك عليه مدة من الزمان.

стр. 417

ما يلزم المحرم إذا لبس المخيط جاهلاً بحكمه وقوله ﵊: (واخلع عنك جبتك) دليل لـ مالك وأبي حنيفة والشافعي والجمهور: أن المحرم إذا صار عليه مخيط ينزعه ولا يلزمه شقه، يعني: إنما يلزمه خلع السروال أو العمامة أو غير ذلك.

стр. 418

معنى قوله: (واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك) وقوله ﵊: (واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك) فمعناه: من اجتناب المحرمات، يعني: بقية المحرمات التي تحرم في الحج فإنها تحرم كذلك في العمرة، ويحتمل أنه أراد مع ذلك الطواف والسعي والحلق بصفاتها وهيئاتها، وإظهار التلبية وغير ذلك مما يشترك فيه الحج والعمرة، ويخص من عمومه ما لا يدخل في العمرة من أفعال الحج، كالوقوف والرمي والمبيت بمنى ومزدلفة وغير ذلك، وهذا الحديث ظاهر في أن هذا السائل كان عالماً بصفة الحج دون العمرة، ولهذا قال ﵊ له: (واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك).

стр. 419

بعض فوائد حديث يعلى بن أمية في ما يباح للمحرم بحج أو عمرة وما لا يباح وفي هذا الحديث من الفوائد دليل للقاعدة المشهورة: أن القاضي والمفتي إذا لم يعلما حكم المسألة أمسكا عن جوابها حتى يعلماه أو يظناه بشرطه، فمادام ليس عندهما علم فإنهما يمسكان عن الجواب حتى يعلماه، والأصل أن يحيلا المسألة إلى عالم أو يظهرا الجهل ويقولا: الله أعلم، وفي هذا الحديث: أن من الأحكام التي ليست في القرآن ما هو بوحي لا يتلى، يعني: أن الوحي وحيان، وحي متلو وهو كتاب الله القرآن الكريم، ووحي غير متلو ولا يتعبد بتلاوته ولا يقرأ في الصلاة، وغير ذلك من خصائص القرآن الكريم، وهو وحي السنة، فالسنة وحي كذلك. وقد استدل بهذا الحديث من يقول من أهل الأصول: إن النبي ﵊ لم يكن له الاجتهاد. وهذه المسألة محل نزاع بين الأصوليين، وهناك أدلة أنه اجتهد بغير وحي، وأدلة بينت أنه انتظر ولم يجتهد حتى أتاه الوحي. وأما إدخال يعلى بن أمية رأسه ورؤيته للنبي ﵊ في تلك الحال وإذن عمر له في ذلك فكله محمول على أنهم علموا من النبي ﷺ أنه لا يكره الاطلاع عليه في ذلك الوقت وتلك الحال؛ لأن فيه تقوية الإيمان بمشاهدة حالة الوحي الكريم على النبي ﷺ . أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 420

الأسئلة

стр. 421

حكم شراء السرقة، ووقت صلاة الفجر السؤال ما حكم شراء الشيء المسروق للحاجة إليه؟ وما هو الوقت الصحيح لصلاة الفجر بعد الأذان؟ الجواب لا يحل شراء الشيء المسروق، إذا كان يعلم أنه مسروق، ولا ينجيه من الإثم دفعه مالاً حلالاً فيه، فإذا اشتراه لزمه رد المبيع وأخذ الثمن. وأما الوقت الصحيح لصلاة الفجر بعد الأذان فهو على أقل تقدير ثلث ساعة، وأما قبل ذلك فلا.

стр. 422

حكم تحريك الخاتم أثناء الوضوء السؤال ما حكم تحريك الخاتم أثناء الوضوء إذا غلب على الظن أن الماء لم يصل إلى ما تحت الخاتم؟ الجواب لك أن تفعل ذلك، وكان ابن سيرين يفعله، كما ذكر ذلك البخاري في كتاب الوضوء، ولكن لا يلزمك تحريكه، وإنما هو من المستحبات، وإذا لم تحركه فلا حرج عليك.

стр. 423

حكم بيع الذهب الذي على شكل صليب السؤال ما حكم بيع الذهب الذي هو عبارة عن صليب والانتفاع بالمال الذي بيع به؟ الجواب لا يجوز؛ لأنه رمز الكفر، وشعار الشرك، فلا يجوز بيعه لهم؛ لأنهم يتعبدون به، وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله قاعدة عظيمة جداً في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم، فقال: وينهى المسلم أن يبيع أو يؤجر لنصراني بيتاً أو محلاً إذا غلب على ظنه أنه يرفع فيه الصليب.

стр. 424

حكم صلاة تحية المسجد لمن جاء قبل الإقامة وقد صلى سنتها في بيته السؤال في الحديث: (إذا طلع الفجر فلا صلاة إلا ركعتي الفجر)، فهل إذا صليت ركعتي سنة الفجر في البيت ثم دخلت المسجد للصلاة أصلي ركعتي تحية المسجد أم لا؟ الجواب نعم؛ لقوله ﵊: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين). فإذا صليت سنة الفجر في بيتك وأتيت قبل إقامة الصلاة فصل ركعتين، فإذا أتيت وقد أقيمت الصلاة فادخل في الصلاة، وإذا كنت قد بدأت في صلاة ركعتي تحية المسجد وأقيمت الصلاة فاخرج من صلاتك والحق بالإمام؛ لقوله ﵊: (إذا أقيمة الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة).

стр. 425

الاستمرار في النصيحة للعصاة السؤال أختي تعمل سكرتيرة عند رجل في أحد المصارف، وهي متنمصة وعاقة لوالديها، ولقد وجهت إليها النصح كثيراً فلم تقبل، فماذا أفعل؟ الجواب أنت تتكلم عن واحدة لا يحكمها دين ولا شرع، فلا تمل من النصيحة في الليل والنهار، وأرفق بها بالحكمة والموعظة الحسنة.
следующие страницы →