← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37026

شرح صحيح مسلم - حسن أبو الأشبال

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (2 103 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ذكر أمر عبد الله بن حذافة مع سريته حين أمره النبي ﷺ عليها وقصة أسر الروم له [حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار] وكلاهما على فرسي رهان، فإن محمد بن بشار -أي: بندار - وابن المثنى العنزي كلاهما كان على خط من العلم والعبادة والتقوى والسن، والعجيب أنهما ولدا في عام واحد وماتا في عام واحد. قال: [واللفظ لـ ابن المثنى قالا: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن زبيد -وهو ابن الحارث اليامي أبو عبد الرحمن الكوفي - عن سعد بن عبيدة -وهو السلمي الكوفي - عن أبي عبد الرحمن وهو أبو عبد الرحمن السلمي عبد الله بن حبيب عن علي ﵁: (أن رسول الله ﷺ بعث جيشاً وأمر عليهم رجلاً)] قيل: هذا الرجل هو عبد الله بن حذافة السهمي الذي نزل فيه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩] وقيل: غيره. ورجّح النووي: أنه غيره؛ ويذكر أن عبد الله بن حذافة السهمي في سريته كان رجلاً ظريفاً، والظريف من الرجال هو صاحب النكتة والفكاهة، وهو من أصحاب النبي ﵊، لكنه كان ظريفاً مازحاً، فحينما أمره النبي ﷺ على تلك السرية قال لقومه: اجمعوا لي حطباً، فجمعوا حطباً وقال لهم: أججوا فيه ناراً. فأججوا فيه ناراً، قال: ألقوا بأنفسكم فيها ألست أميركم؟ فنظر بعضهم إلى بعض، وقام بعضهم فتهيأ للوقوع فيها، وأما البعض الآخر فقال: يا عبد الله! إنا قد فررنا إلى رسول الله ﷺ منها، فنحن لم نسلم إلا فراراً من النار، فتأتي أنت الآن وتأمرنا بالوقوع في النار! وقام أناس آخرون وتهيئوا للنزول فيها، فقال عبد الله بن حذافة: على رسلكم انتظروا وليحذر أحدكم أن يقع في النار، إني أُمازحكم. وقد وردت روايات: أنه غضب غضباً شديداً فأمرهم بذلك، فلما تهيئوا للنزول في النار سكن عنه الغضب فنهاهم عن النزول في النار، فلما رجعوا إلى النبي ﵊ قالوا: لقد كان من أمر عبد الله بن حذافة أن فعل كذا وكذا، قال: [(أما إنهم لو دخلوها ما خرجوا منها إلى يوم القيامة، إنما الطاعة في المعروف ولا طاعة في معصية الله). إذاً: فليس كل أمير يُطاع إلا إذا كان في طاعة الله ، وعبد الله بن حذافة السهمي وردت عنه هذه القصة من ثلاث طرق، وفي كل طريق منها علّة، فالبعض يثبت الرواية والبعض ينكرها، ويترجّح لدي أنها ثابتة واشتهرت في كتب السير وتراجم الأصحاب: أن عمر بن الخطاب ﵁ أمّره على سرية ناحية الروم، فأُسر عبد الله بن حذافة في ثلاثمائة نفر من أصحابه، فجيء بـ عبد الله بن حذافة السهمي إلى أمير الروم فقال له الأمير: قبّل رأسي وأنا أفُك أسرك. قال: لا. فحاول بكل وسيلة أن يقبّل رأسه فأبى، فأمر الرومي بماء يغلي، فجيء به فوضع واحداً من أصحاب السهمي فيها حتى ذاب، وعبد الله بن حذافة السهمي ينظر إليه، ثم جيء بالثاني والثالث وهكذا والسهمي ينظر إلى جنده الذين كانوا معه، وانصرف الأمير الرومي، فحينما رأى السهمي أن أصحابه يُلقون في هذا الماء المغلي حتى يذوبوا في هذا الماء بكى، فاستبشر جند الروم بذلك، وذهبوا إلى الأمير وقالوا: أبشر أيها الأمير! لقد بكى عبد الله بن حذافة كأنه رق، فجيء به إلى هذا الأمير، فقال له الأمير: مالك؟ فقال: وددت أن لي أرواحاً بعدد شعر رأسي، فإذا وضعت في هذا القدر وذبت فيه ذلك الذوبان رد الله تعالى إلي روحي فقُتلت قتلة ثانية وثالثة ورابعة بعدد شعر رأسي، فاغتاظ الرومي جداً. قال: تقبّل رأسي وأفُك أسرك وأسر مائة من أصحابك. قال: بل تفك أسري وأسر جميع المسلمين عندك. قال: لك ذلك. فقام إليه عبد الله بن حذافة وقبّل رأسه وأخذ أصحابه وانطلق إلى المدينة إلى عمر، وكان الخبر قد طار إلى عمر بن الخطاب، فاستقبله عمر على باب المدينة وقال: حق على كل مسلم أن يقبّل رأس عبد الله بن حذافة وأنا أولكم، فقام عمر وقبّل رأسه. وهذا عمل بطولي رائع جداً، قام وقبّل رأس كلب من الكلاب، ولا مشكلة حينئذ إذا كان هذا ثمن فكاك (٣٠٠) رقبة مؤمنة، فإن ذلك من باب المصلحة العامة؛ ولذلك أقره عمر ولم يُعلم لـ عمر مخالف في ذلك، مما دل على مشروعية ذلك ما دام في الصالح العام.

стр. 352

شرح حديث: (لا طاعة في معصية الله إنما الطاعة في المعروف) [عن علي: (أن رسول الله ﷺ بعث جيشاً وأمّر عليهم رجلاً فأوقد ناراً وقال: ادخلوها، فأراد ناس أن يدخلوها، وقال الآخرون: إنا قد فررنا منها. فذُكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال للذين أرادوا أن يدخلوها: لو دخلتموها لم تزالوا فيها إلى يوم القيامة)]. إن هذا الحديث يثبت أمراً في غاية الأهمية، يُثبت لنا عذاب القبر، لأنه ﵊ لم يقل: لو دخلتموها ما خرجتم منها أبداً، وإنما قال: (لو دخلتموها ما خرجتم منها إلى يوم القيامة). فما بين وقوع هذا الحادث إلى يوم القيامة برزخ، والنبي ﷺ أثبت عذاب البرزخ، وهذه الفائدة لم يذكرها الإمام النووي. قال: (لو دخلتموها لم تزالوا) أي: تُعذّبون في النار (إلى يوم القيامة)، وقال للآخرين قولاً حسناً؛ لأنهم عصوا الأمير حينما أمر بمعصية الله وقال: (لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف).

стр. 353

شرح حديث: (لو دخلوها ما خرجوا منها إنما الطاعة بالمعروف) قال: [حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير وزهير بن حرب وأبو سعيد الأشج وتقاربوا في اللفظ. قالوا: حدثنا وكيع -وهو وكيع بن الجراح الرؤاسي - حدثنا الأعمش سليمان بن مهران الكوفي عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: (بعث رسول الله ﷺ سرية واستعمل عليهم رجلاً من الأنصار، وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا فأغضبوه في شيء، فقال: اجمعوا لي حطباً، فجمعوا له، ثم قال: أوقدوا ناراً فأوقدوا، ثم قال: ألم يأمركم رسول الله ﷺ أن تسمعوا لي وتطيعوا؟ قالوا: بلى، قال: فادخلوها، فنظر بعضهم إلى بعض فقالوا: إنما فررنا إلى رسول الله ﷺ من النار، فكانوا كذلك وسكن غضبه وطُفئت النار، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: لو دخلوها ما خرجوا منها إنما الطاعة في المعروف)].

стр. 354

شرح حديث عبادة بن الصامت: (بايعنا رسول الله على السمع والطاعة) قال: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن إدريس عن يحيى بن سعيد وعبيد الله بن عمر عن عبادة بن الوليد بن عبادة عن أبيه عن جده -أي: عن أبيه الوليد بن عبادة بن الصامت عن جده عبادة بن الصامت ﵁ قال: (بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة)] فهذا محل البيعة، فالنبي ﷺ كان يبايع على أشياء كثيرة، يبايع على النصرة، على المنع، على القتال، على الإسلام، على ترك المعاصي وغير ذلك من سائر صنوف أمور البيعة قال: [(بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى ألا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم)]. انظر إلى محل البيعة! السمع والطاعة بأحوالها، (في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى ألا ننازع الأمر أهله، وأن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم). وهذه المسألة صعبة جداً، ولا يقدر عليه إلا الرجال حقيقة. قوله: (في المنشط): أن تكون واقفاً بجانب الأمير تنتظر أن يأمرك بأمر وتنطلق كالسهم لتنفّذ هذا الأمر. قوله: (والمكره): فلا تبتعد من الأمير وتتخفى خلف كل جدار وحائط وعمود، لا تريد أن يراك، فيأمرك. والصحابة ﵃ حينما قال لهم النبي ﷺ في ليلة باردة يوم الأحزاب: (من يأتيني بخبر القوم وهو رفيقي في الجنة؟) فأحجم الناس جميعاً ولم يقل أحد: أنا يا رسول الله! إذ كانوا متعبين من البرد، فقال النبي ﷺ : (قم يا يا حذيفة)! فقام حذيفة في هذا الوقت وهو كاره، وهو ليس في حقيقة أمره كارهاً لأمر الرسول ﷺ ، وإنما لظروف البرد والجو، فدعا النبي ﷺ ربه أن يُذهب عنه البرد. قال حذيفة: (فكنت أمشي أتصبب عرقاً، حتى أتيت على القوم فوجدتهم قد أوقدوا ناراً يدفئون أبدانهم). فالطاعة واجبة في المنشط والمكره، وفي العسر واليسر. قوله: (وعلى أثرة علينا) أي لا ننازعه دنياه، حيث يأخذ منها ما يشاء، والناظر لتاريخ الأمة الإسلامية وولاتها وأمرائها يعلم أن أي أمير أو سلطان ما تولى إلا وحصّل من الدنيا الكثير والكثير إلا القليل من الولاة، ولو أردنا أن نذكر بعضهم لقلنا: من هؤلاء جميعاً: النبي ﷺ ، والخلفاء الأربعة، ثم عمر بن عبد العزيز. وأما الكثرة الكاثرة من الولاة والأمراء فأول ما يحرصون على جمع الدنيا والنبي ﷺ أخبر أن هذا سيقع منهم لا محالة، فلا تنازعوهم؛ لأن منازعتكم إياهم حينئذ فساد لدينكم ودنياكم، فالمنازعة تؤدي إلى القتال، والقتال فساد للدين والدنيا. إذاً: إذا أمروا بالطاعة وجب علينا الامتثال، وإذا أمروا بالمعصية وجب علينا الرد وحرمت علينا الطاعة حينئذ. قال: (وعلى ألا ننازع الأمر أهله) بلا شك ينصرف إلى الذهن أولاً أننا لا ننازع الولاة أمورهم وشئونهم وولايتهم، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فإذا كان المقصود بالأمر: الولاية والسلطان والخلافة، فهذا بلا شك أولى وأولى؛ لأن هذا سياق الحديث، وإذا أخذنا بعموم اللفظ لقلنا: إنه لا يجوز لأحد أن ينازع أو أن يهجم على أمر ليس له فيه شيء، فلو أن طبيباً بنى عمارة، لقلنا بأنه نازع الأمر أهله، ولو أن مهندساً أجرى عملية جراحية فقتل المريض، لقلنا: يحاكم ويعاقب؛ لأنه نازع الأمر أهله، وليس الأمر من شأنه.

стр. 355

شرح حديث عبادة بن الصامت في النهي عن منازعة أولي الأمر إلا إذا أتوا كفراً بواحاً قال: [حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب بن مسلم حدثنا عمي - عبد الله بن وهب - حدثنا عمرو بن الحارث حدثني بكير -كل هؤلاء مصريون- عن بسر بن سعيد عن جنادة بن أبي أمية قال: دخلنا على عبادة بن الصامت وهو مريض، فقلنا: حدثنا -أصلحك الله- بحديث ينفع الله به سمعته من رسول الله ﷺ فقال: (دعانا رسول الله ﷺ فبايعناه، فكان فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله. قال: إلا أن تروا كفراً بواحاً) وفي رواية: (براحاً) يعني: ظاهراً لا لبس فيه ولا خفاء (عندكم من الله فيه برهان)]. أي: أن الذي يعمله كفر ومحادة لله ورسوله، ودليلنا في ذلك ظاهر من الكتاب والسنة، وهذا هو البرهان قال: (إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله) أي: في الكتاب (فيه برهان). أما قوله: (إلا أن تروا كفراً بواحاً) إلى آخره معناه: كفرا ظاهراً. والمراد بالكفر هنا: المعاصي؛ لأن الكفر أحياناً يطلق على المعصية، كما قال ﵊: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك). إذاً: الحلف كفر لا يخرج من الملة؛ لأنه معصية، فأحياناً يُطلق الكفر ويراد به المعصية، وأحياناً تُطلق المعصية ويراد بها الكفر، وهذا باب طويل. ومعنى (عندكم من الله فيه برهان). أي: تعلمونه من دين الله تعالى علماً يقينياً. ومعنى الحديث: لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم، ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكراً محققاً تعلمونه من قواعد الإسلام، فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهم وقولوا بالحق حيثما كنتم، لا تهابوهم ولا تخافوا منهم؛ لأنهم في قبضة الملك ، وأنتم وإياهم عبيد عند الله، وأخطأ من ظن أنهم يملكون لأنفسهم نفعاً أو ضراً فضلاً أن يملكوا لغيرهم شيئاً من ذلك، فالكل في قبضة الله ، إن أراد الله تعالى أن يُهلك الجميع أهلكهم، وإن أراد أن ينجيهم جميعاً أنجاهم أو أراد أن يُهلك البعض وينجّي البعض الآخر فعل، فالكل عبيد لله تعالى، وقلوب العباد جميعاً بين يدي الله ﵎، وبين أصبعين من أصابعه يقلبها كيف يشاء، يجعل من يشاء كافراً ويجعل من يشاء مؤمناً، يجعل من يشاء شقياً ومن يشاء سعيداً، وغير ذلك كل يوم هو في شأن ، وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقة ظالمين.

стр. 356

تحريم طاعة ولي الأمر في معصية الله وبيان حكم الخروج عليه هناك فرق بين أمرين: الأمر الأول: تحريم طاعتهم في معصية الله. الأمر الثاني: والخروج عليهم، فما دام هذا الأمر الموجه إلي بمعصية الله ليس أمراً يؤدي إلى الكفر البواح -أي: المخرج من الملة- وما دام الوالي موحداً فلا يجوز الخروج عليه البتة؛ لذا يا إخواني! لا بد أن نفرّق بين أمرين: أن يأمرني الوالي أو السلطان أو الحاكم بأمر فيه معصية لله فحينئذ يحرم عليّ طاعته في هذا الأمر، لكن أمره بمعصية الله لا يسوغ لي الخروج عليه وقتاله ما لم يكفر بذلك كفراً مخرجاً من الملة، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرت، وأجمع عليه أهل السنة، أنه لا ينعزل السلطان بالفسق أو مجرد الظلم، وأما الوجه المذكور في كتب الفقه لبعض الشافعية أنه ينعزل فهو محكي عن المعتزلة لا عن أهل السنة، ومع ذلك فهو غلط من المعتزلة، ومخالف لإجماع العلماء. قال النووي: (وسبب عدم انعزاله وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن وإراقة الدماء، وفساد ذات البين، فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه). فالوالي إما أن يكون كافراً كفراً مخرجاً من الملة، وإما أن يكون ظالماً أو فاسقاً ليس كافراً، أو يكون مؤمناً موحداً، فإذا أمر بمعصية الله تعالى ففي كل هذه الأحوال يحرم طاعته، وفرق بين عدم طاعته فيما أمر بمعصية الله وبين الخروج عليه، فلا يحل الخروج عليه ولا قتاله لمجرد كونه ظالماً أو فاسقاً؛ لأن الخروج عليه وقتاله يؤدي إلى مفسدة عظيمة جداً وإراقة للدماء، فلو بقي في مكانه مع فسقه وظلمه لكان ذلك أحقن لدماء المسلمين، وأقل خطراً من الخروج عليه بالقتال أو المحاربة. (قال القاضي عياض: أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر). وهذا من مسائل الإجماع، لقول الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٤١] فلا يولى كافر قط على مسلم، ولذلك إذا أسلمت امرأة كافرة ولم يُسلم من أوليائها أحد، تولّت آحاداً من المسلمين، رجلاً من أصحاب الوجاهة كالعالم أو السلطان أو القاضي أو غير ذلك لا بد أن تتخذ لها ولياً في الزواج من المسلمين، أما أن تزوج نفسها أو تتخذ لها ولياً من الكافرين من أوليائها فلا وألف لا. قال: (أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر، وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر انعزل). إذاً: يحرم ابتداءً عقد الولاية لكافر، وإذا كان مسلماً فطرأ عليه الكفر في أثناء الولاية وجب على المسلمين عزله عن هذه الولاية. قال: (وكذلك لو ترك إقامة الصلوات والدعاء إليها). يعني: لو أمر أمته بأن لا تصلي، أو أغلق في وجهها المساجد، أو جعل المساجد كنائس، أو غير ذلك من الأماكن العامة أو الخاصة فحينئذ وجب عزله. قال: (وكذلك عند جمهورهم -أي جمهور العلماء- صاحب البدعة). أي: الوالي صاحب البدعة. (وقال بعض البصريين: تنعقد لصاحب البدعة الإمامة ابتداءً، وتستدام له -أي: يستمر فيها ما دامت بدعته لا يكفر بها- لأنه متأول). أي: يظن أنه على الحق. (قال القاضي عياض: فلو طرأ عليه كفر أو تغيير للشرع -تغيير عام للشرع كله- أو بدعة خرج عن حكم الولاة، وسقطت طاعته، ووجب على المسلمين القيام عليه وخلعه حينئذ). لكن هذا القيام وإسقاط الولاية يجب أول ما يجب على أهل الحل والعقد، والخطاب يوجه إلى الأمة في صورة أهل الحل والعقد. قال: (ووجب عليهم نصب إمام عادل إن أمكنهم ذلك، فإن لم يقع ذلك إلا لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر، ولا يجب في المبتدع إلا إذا ظنوا القدرة عليه، فإن تحققوا العجز لم يجب القيام). فإن تحققوا من عجزهم وعدم نجاحهم في خلع هذا الكافر أو المبتدع بدعة مكفرة حينئذ لا يجب القيام. قال: (وليهاجر المسلم عن أرضه إلى غيرها، ويفر بدينه، ولا تنعقد لفاسق ابتداء، فلو طرأ على الخليفة فسق قال بعضهم: يجب خلعه إلا أن تترتب عليه فتنة وحرب. وقال جماهير أهل السنة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين: لا ينعزل للفسق والظلم وتعطيل الحقوق، وإنما ينعزل بالكفر، ولا يخلع ولا يجوز الخروج عليه بذلك، بل يجب وعظه وتخويفه؛ للأحاديث الواردة في ذلك. قال القاضي: وقد ادعى أبو بكر بن مجاهد في هذا الإجماع، وقد رد عليه بعضهم هذا بقيام الحسن وابن الزبير وأهل المدينة على بني أمية، وبقيام جماعة عظيمة من التابعين والصدر الأول على الحجاج بن يوسف الثقفي مع ابن الأشعث وغير ذلك. وتأول هذا القائل قوله: ألا ننازع الأمر أهله في أئمة العدل). أي: بايعنا رسول الله ألا ننازع الأمر أهله العدول، أما إذا كفروا أو فسقوا فينازعوهم الأمر. قال: (وحجة الجمهور أن قيامهم على الحجاج ليس بمجرد الفسق؛ بل لما غيّر من الشرع وظاهر من الكفر. قال القاضي: وقيل: إن هذا الخلاف كان أولاً، ثم حصل الإجماع على منع الخروج عليهم. والله أعلم. وأنتم تعلمون أن الإجماع بعد الخلا

стр. 357

معنى المبايعة والبيعة أما قوله: (بايعنا على السمع) المراد بالمبايعة: المعاهدة، وتكون بوضع اليد في اليد؛ لأن كل واحد من المتبايعين كان يمد يده إلى صاحبه، وكذا هذه البيعة تكون بأخذ الكف. وقيل: سميت مبايعة لما فيها من المعاوضة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١] فكانت هذه بيعة مع الله .

стр. 358

حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال: (وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم). أي: نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر في كل زمان ومكان، الكبار والصغار، لا نداهن فيه أحداً ولا نخافه، ولا نلتفت إلى الأئمة، فلابد من القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد أجمع العلماء على أنه فرض كفاية، فإن خاف من ذلك على نفسه أو ماله أو على غيره سقط الإنكار بيده ولسانه، وبقي الإنكار بقلبه؛ لأن هذا في مقدور كل إنسان. ووجبت كراهته بقلبه. وهذا مذهب الجماهير، وحكى القاضي هنا أن بعضهم ذهب إلى الإنكار مطلقاً في هذه الحالة وغيرها، وقد سبق في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كتاب الإيمان، وبسطته بسطاً شافياً هناك. أسأل الله تعالى أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال والأقوال؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد.

стр. 359

الأسئلة

стр. 360

حكم زجر الخطيب وإنزاله من المنبر لعلة فيه السؤال إذا كان الخطيب لديه أخطاء، ولكنها غير عقائدية، هل عليّ زجره أو إنزاله من على المنبر؟ الجواب لا. ليس لك ذلك، ولا يجوز لك أن تفعل هذا، وهذا في كل خطيب يصدر منه أي خطأ.

стр. 361

حكم قول المرأة لزوجها: (أنت محرم علي) السؤال امرأة قالت لزوجها: أنت مُحرّم عليّ، فهل لها كفارة؟ الجواب قول هذه المرأة لا عبرة له في الشرع، فهو قول صدر من غير مختص، فلو قالت المرأة لزوجها: أنت طالق ثلاثاً لا يقع الطلاق، فكذلك لو حرّمته على نفسها لا يحرم.

стр. 362

حكم من وطئ سجادة كانت متنجسة بالبول ثم جفت السؤال إذا وطئت سجادة كانت متنجسّة بالبول ثم جفّت، فهل يجب غسل قدمي؟ الجواب إذا كان يقصد بالجفاف جفاف القدم فيجب غسل القدم وإن جفّت، أما إذا كان يقصد السجادة فوطئها وهي متنجسّة بعد الجفاف فلا يجب غسل القدم.

стр. 363

بيان ما يطهر به البلاط إذا أصابه بول السؤال هل يلزم من غسل البلاط النجس بالبول الدلك بالمساحة؟ الجواب لا، وإنما يكفي سكب الماء عليه.

стр. 364

حكم التبرك بآثار النبي ﷺ السؤال هل يجوز التبرك بأي أثر عن النبي ﷺ كقطعة خشب من السور المحيط بقبره مثلاً؟ الجواب لا يجوز مطلقاً، هذا شرك بالله ، إنما التبرك المشروع بآثار النبي ﷺ بما هو خاص به من حاجاته، كشيء من ثوبه أو شيء من شعره أو غير ذلك، وقد ثبتت النصوص بذلك.

стр. 365

نبذة عن علم الدكتور إسماعيل منصور وتنكبه عن منهج السلف السؤال كلما مر الزمان انتشرت الفتن وتعاظم أمرها، وقد حدث شيء عجيب لي بالأمس، إذ وقع في يدي كتابان لم أشترهما، وهما: (تذكير الأصحاب بتحريم النقاب)، وكتاب (شفاء الصدر بنفي عذاب القبر)؟ الجواب هذان للدكتور إسماعيل منصور، كان هذا الدكتور إسماعيل منصور من ألزم الناس لطلب العلم على منهج السلف، وهو من المنصورة، ويدرس تقريباً مذهب الإمام الشافعي، وكان قمة في الدعوة إلى مذهب السلف سنة (١٩٧٨م و١٩٧٩م و١٩٨٠م و ١٩٨١م) أربع سنوات، وما كنا نقنع أبداً بالسماع من أحد مطلقاً إلا منه هو. ومن عظيم فتنته: أنه كان يحفظ الكتب الستة بالإسناد، وكان إذا خطب خطبة استمر فيها إلى قرابة العصر، يخطب ويذكر أحاديث قد تصل إلى (١٠٠) حديث يسوقها بإسناد كل مصنّف، وكنا نراجع الخطبة وراءه فلا نجده يخرم حرفاً واحداً وهذه فتنة عظيمة جداً. وحينما سافرنا ورجعنا في (١٩٨٦م) وجدنا الإخوة كلهم انفضوا عن إسماعيل منصور، فقلنا: ما الذي جرى؟ هذا شيخنا. قالوا: لا. قلنا: لماذا؟ قالوا: لأنه الآن له آراء سيئة جداً. وكانت زوجته من قبل منتقبة وتلبس السواد، فهو كما قلت كان شيخ السلفيين، فأتيت إليه مرة من المرات وقلت له: يا شيخنا! أنت اليوم عندك خطبة في المنصورة؟ وكان قد طُرد من الجمعية الشرعية في المنصورة. فقال لي: نعم. عندي خطبة في المنصورة. قلت له: هل من الممكن أن أصطحبك فأنا تلميذك. قال: لم لم أرك من زمن؟ قلت له: كنت في الأردن. فظن أنه لا علم لي بأخباره السيئة. فقال: تفضّل. فركبت معه السيارة، فوجدت امرأة قد تحللت من كل شيء وهي تتكلم، فسمعت منه عن الإمام الشافعي ما يحملني على النزول، فتحملت أن أسمع البلاء كله حتى وصلت إلى المنصورة، فعندما نزلت هناك قال لي: أين تصلي؟ قلت: أصلي في الجمعية الشرعية. قال: عند المبتدعة؟ قلت له: الجمعية الشرعية مبتدعة! وأنت إلى أين تذهب؟ قال لي: ألا تصلي معي؟ قلت له: لا والله، لا أجوّز لنفسي أن أصلي خلفك؛ لأنك أنكرت كل شيء ثابت في الدين. فقال: النقاب حرام. قلت له: كيف ذلك؟! نحن نعرف أن الخلاف فيه بين الوجوب والاستحباب، ومن أتى بقول غير هذين القولين يكون مبتدعاً، فلما قلت هذا الكلام أعطتني امرأته (الدش المحترم). قالت لي: لقد أتيت مشحوناً. فقلت: أنا غير مشحون ولا أعرف أي شيء. قال لي: أنا سأخبرك إذاً بأشياء، هل أنت تعتقد عذاب القبر؟ قلت له: تعلمت هذا منك والله، فأشرطتك في عذاب القبر من مصروفي الخاص فقد كنت أسمع الشريط هذا بالذات؛ لأنه كان مؤثراً جداً، فقد كان الواحد عندما يسمعه كأنه في القبر. قال لي: لا. رجعت عنه وتبيّن لي أنه كذب. قلت له: لم يتبيّن بعد للأمة أنك كذاب، وأنت تعرف أن الذي قال هذه المقولة هم المعتزلة والجهمية، فكيف تقول بهذا الكلام؟ فإما أن تكون جاهلاً وتعلمت، وأما أن تكون عالماً وجهلت. تصور! أنه أوقف السيارة في الطريق أربع أو خمس مرات حتى ينزّلني. قلت له: لا. اصبر عليّ حتى نصل، إذ لم يكن لدي نقود، ولو نزلت في الطريق سأمشي إلى المنصورة على الأقدام. وهكذا زعزع الثوابت كلها. فكل كتبه إنكار كذا، وإنكار كذا، وإنكار كذا، وإنه ليغلب على ظني أن مردّه إلى الإخلاص، فلو كان هذا الرجل مخلصاً في دعوته الأولى لعصمه الله ، والله أعلم، فلما خلا منه ذلك فُتن في دينه، فما من شيء يُفتح للنقاش مع الدكتور إسماعيل منصور إلا وينظر ما تعتقده حتى يخالفه، وكان من قبل يقول: لا يوجد أحد يناقشني إلا الشيخ ابن باز والشيخ الألباني، مع أنهما في حياتهما لم يناقشاه. فقال له بعض الإخوة: لماذا هؤلاء بالذات؟ قال: لأنهما العالمان المعترف بهم، أما غيرهما فكلهم دوني في العلم. تصور أن شخصاً يرفع نفسه فوق الناس جميعاً! فمن نادى على نفسه بذلك فقد نادى على نفسه بالجهل، ولا يزال الرجل متعلماً عالماً حتى يقول: قد علمت، فإذا قال ذلك فهو أجهل الناس كما قال علي بن أبي طالب ﵁. فعلى أية حال نحن نحذّر من هذا الرجل، ومن نافلة القول أن أقول: إنه أستاذ سموم في كلية الطب جامعة القاهرة، والله أعلم. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 366

شرح صحيح مسلم - كتاب الإمارة - الإمام جنة يقاتل من ورائه ويتقى به لقد أناط الشارع الحكيم بالإمام أو الحاكم أو الخليفة حماية المسلمين، ووقاية من تحته ورعايتهم، وسياستهم بالدين، وأوجب عليهم طاعته ما لم يكن أمره في معصية، فإنه لا طاعة إلا في المعروف، وطاعة الإمام الظالم الفاسق وعدم الخروج عليه أمر واجب، حقناً لدماء المسلمين، كما أنه لا يجوز مبايعة إمام ثان في بلد ما في وجود الإمام الأول في نفس البلد، وللعلماء في مبايعة إمامين في وقت واحد وفي قطرين شاسعين أقوال مختلفة.

стр. 367

باب الإمام جنة يقاتل به من ورائه ويتقى به الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، أما بعد: فمع الباب التاسع من كتاب الإمارة: (الإمام جنة يقاتل به من ورائه ويتقى به). الإمام جنة. أي: وقاية وحماية وستر، ودفع لأذى الكفار والمشركين عن أهل الإيمان والتوحيد. [حدثنا إبراهيم] وهو إبراهيم بن سفيان الذي روى صحيح مسلم. وإبراهيم لم يسمع الصحيح كله من مسلم، وإنما سمع جزءاً من الصحيح، وفاته بعض المواطن وبعض الأحاديث، فأخذها عن مسلم إجازة لا سماعاً. ومعنى الإجازة: أن الراوي صاحب الحديث يكتب بكتابه إلى فلان، ويقول له: خذ هذا فإنه حديثي فاروه عني، ولم يسمعه منه ولكنه قد أجازه فيه. ولذلك لا يقول المجاز: حدثني فلان، ولا سمعت فلاناً. وإنما يقول: حدثني فلان إجازة. لبيان نوع التحمّل. أو يقول: عن فلان. فلو قال عن فلان فلا يلزمه أن يقول: إجازة. وإنما يلزمه أن يقول: إجازة إذا استخدم الألفاظ التي تفيد السماع: كحدثنا وأنبأنا وأخبرنا. فلو قال: حدثني فلان، أو أنبأني فلان أو أخبرني فلان ولم يسمع منه بل تحمّل عنه إجازة، فيلزمه أن يقول: حدثني فلان إجازة. أخبرني فلان إجازة. أنبأني فلان إجازة. والألفاظ التي تحتمل السماع وعدمه كـ (قال) و (عن) لا يلزم فيها أن يصرّح بالإجازة، ولو قال: عن فلان أو قال فلان فسواء قال: إجازة أو لم يقل فلا بأس عليه، ولا يُنسب إلى التدليس حينئذ، إنما لو قال: حدثني فلان وكانت الرواية إجازة ولم يبيّن فيُنسب إلى التدليس حينئذ، فيقال: فلان مدلّس؛ لأنه صرّح بالسماع ولم يسمع، فأوهم القارئ والممتنع أنه يصاحب مجالسة ويتلقى هذا الحديث مشافهة ولم يكن هذا منه فكان مدلساً، والقبيح هو الإيهام. فـ إبراهيم بن سفيان راو الصحيح عادة لم يسمع هذا الحديث من الإمام مسلم؛ ولذلك قال فيه: عن مسلم، فلا يلزمه أن يقول: إجازة. قال مسلم: [حدثني زهير بن حرب - أبو خيثمة النسائي نزيل بغداد، ونساء هي قرية في حوالي العراق قرب المدائن أو قرب إيران الآن- حدثنا شبابة بن سوار]. وشبابة مدائني وكذلك شيخه ورقاء، والمدائن مدينة كبيرة جداً من بلاد فارس، ويهم من يظن أن المدائن هي مدينة النبي ﵊، فالنسبة إلى المدينة مدني، أما النسبة إلى المدائن مدائني. فيقال: ورقاء المدائني وليس المدني. [عن أبي الزناد عن الأعرج]. أبو الزناد عبد الله بن ذكوان المدني عن الأعرج وهو عبد الرحمن بن هرمز المدني وجُل رواية الأعرج عن أبي هريرة. [قال: عن أبي هريرة: عن النبي ﷺ قال: (إنما الإمام جُنة)] فهذا توكيد بـ (إنَّ) المشددة. يعني: مهمة الإمام والخليفة العام والولاة والسلاطين والأمراء: أنهم جُنة لرعاياهم، يحمونهم ويذبون عنهم ويدافعون عنهم كل أنواع الأذى، ويجلبون لهم كل أنواع الخير. هذه مهمة الإمام الحق الذي يُظل في ظل عرش الرحمن يوم لا ظل إلا ظله، هذه هي مهمته، ولا شك أن جُل الأئمة اليوم لا يفعلون ذلك، وندر أن يكون الإمام عدلاً يتقي الله في رعيته. قال: (إنما الإمام جُنة) ومعنى جُنة: أي وقاية وستراً. ونحن في زمان نتمنى فيه أن يرفع الإمام عنا يده وسوطه، ولا علاقة له بعد ذلك في أي فساد يقع علينا. أي: بلغنا في السوء مبلغاً عظيماً جداً، حتى تمنينا فيه ألا يكون الإمام لنا لا جُنة ولا مهلكة، ولا علاقة له بالرعية؛ لبُعده الشديد جداً عن المهمة التي لأجلها تولى، وعن المهمة التي لأجلها صار إماماً وبايعه من بايعه، وأطاعه من أطاعه. إنما الإمام جُنة: أي: وقاية وستراً؛ لأنه يمنع العدو من أذى المسلمين، ويمنع الناس بعضهم من بعض، ويحمي بيضة الإسلام، ويتقيه الناس ويخافون سطوته. قال: [(يُقاتل من ورائه ويتقى به)] أي: إذا كان هذا الإمام جُنة -وقاية وستراً- وقائماً بحق الإمامة وبواجبها؛ فلا بد أن يقاتل معه الرعية إذا طلب الإمام منهم المقاتلة، ولا بد أن يكونوا من خلفه مباشرة؛ لأن الإمام في حقيقة الأمر لا يقاتل بنفسه وإنما يقاتل بأمره ونهيه، ويُنسب النصر والهزيمة له، وإن لم يكن قد باشر هو بنفسه النصر ولم يباشر بنفسه الهزيمة، فيقال: انتصر فلان في حرب كذا، أو في غزوة كذا. وربما كان قابعاً في غرفة العمليات لم يواجه عدواً مواجهة شخصية بنفسه؛ وذلك لأن بذل الجهد العقلي أعظم بكثير جداً من بذل الجهد البدني، فالجهد البدني يبذله أي إنسان، أما العقلي والتكتيك العسكري، ومع

стр. 368

باب وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول الباب العاشر: (باب وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء). ليس أمراً مستحباً أو مندوباً وإنما هو واجب، (الأول فالأول). أي: الأول ثم الذي يليه. فلو كان هناك إمام في زمانك فبايعته ثم مات أو عُزل فلا تقل: أنا قد بايعت إماماً ولا يلزمني بيعة الإمام الثاني الذي أتى بعده بعد العزل أو الموت، فكل إمام أتى بعد إمام وجب عليك عقد البيعة له، وتقديم فرائض الطاعة، وإن كان يجتمع في العمر ألفا إمام كل يوم إمام فبيعة الإمام واجبة مطلقاً. ويجدر بي أن أقول: إن بيعة الإمام هنا المقصود بها: الخليفة العام. فهذه هي البيعة الشرعية، أما البيعات التي دون ذلك فإنها ليست بيعات شرعية، ولا علاقة لها بتلك النصوص العامة التي وردت في شأن الخلافة العامة، كهذه النصوص التي نحن بصددها، والتي ستأتي معنا فكلها متعلقة بالخليفة العام، أما تلك الجماعات التي انتشرت في بقاع الأرض هنا وهناك -فكل حزب بما لديهم فرحون- وهذه البيعات التي تُعقد لهم بيعات غير شرعية. هذا ما أعتقده. ثم يزعم البعض منهم أنها بيعات خاصة من باب التعاون على البر والتقوى، ومن الممكن أن يحصّل ذلك بغير بيعة، فلو قالوا لي: تصلي الجمعة القادمة وتخطب في هذا المسجد؟ قلت: نعم. ثم دعاني هواي ومزاجي إلى عدم الحضور، فأوقعت الناس في الحرج والعنت في وقت الخطبة، فلا شك أنني آثم في هذه الحالة لا لمخالفتي لمن اتفق معي، وإنما لمخالفتي الشرع، فأنا آثم بتأثيم الشرع، مثاب بتثويب الشرع. وبعض الناس يقولون: لا بد أن تكون في عنقك بيعة وإن مت على غير بيعة مت ميتة جاهلية. فهذا حين وجود الإمام، أما إذا انعدم الإمام فإنما السمع والطاعة في المعروف لولاة الأمر الموحدين من أهل العلم والسلاطين، فحينئذ الكلام عن البيعة هنا كلام عن البيعة للإمام العام، ولا يتوهمن أحد أن هذه البيعة تلزمه لجماعة كذا أو كذا أو للشيخ الفلاني أو للعالم الفلاني، أو للسلطان الفلاني أو غير ذلك، فإن هذه بيعات كلها ليست لازمة ولا تجب في شيء.

стр. 369

شرح حديث أبي هريرة في الوفاء بالبيعة للإمام الأول فالأول قال: [حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر - ابن بشار لقبه بندار، وابن جعفر لقبه غندر، وغندر أي: مشاغب-حدثنا شعبة عن فرات القزاز -وفرات هو ابن أبي عبد الرحمن تميمي كوفي- قال: عن أبي حازم قال: قاعدت أبا هريرة خمس سنين] أبو حازم الذي يروي عن أبي هريرة في طبقة التابعين هو سلمان مولى عزة، وأبو حازم الذي يروي عن سهل بن سعد الساعدي في نفس الطبقة من طبقات التابعين هو سلمة بن دينار، وكثير من الناس يهم بين الاثنين. الكنية أبو حازم، وأحدهما: يروي عن أبي هريرة وهو سلمان مولى عزة. والثاني: يروي عن سهل بن سعد وهو سلمة بن دينار. قال: قاعدت أبا هريرة خمس سنين]. ومعنى قاعدت. أي: جالسته، تلقى على يديه العلم خمس سنوات. [فسمعته يحدث عن النبي ﷺ قال: (كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي)]. أعظم أمة على وجه الأرض أرسل الله تعالى إليهم أنبياء هم بنو إسرائيل، ليس هذا لفضلهم ولا لمكانتهم، بل هذا لكفرهم وعنادهم، إذ أقام الله تعالى عليهم الحجة لكثرة بعث الأنبياء والمرسلين؛ حتى لا يظن بنو إسرائيل أن هذا من باب الشرف لهم، وإنما هذا لعلم الله تعالى الأزلي فيهم أنهم أهل جحود وأهل غدر، وما نجا منهم نبي من الأنبياء، فقتلوا البعض وسبّوا البعض، ونشّروا البعض، وغير ذلك مما كان من بني إسرائيل مع أنبيائهم. قال: (كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي). وفي هذا: جواز أن يقول الرجل عن الميت: هلك. وهلك بمعنى: مات. وإذا كان الهلاك يصح إطلاقه على موت الأنبياء، فمن باب أولى يصح إطلاقه على من دونهم، كلما مات نبي خلفه أرسل الله تعالى إليهم نبياً آخر، ولا يفهمن أحد من هذا النص أن النبوة بالاستخلاف، كالذين تربوا في أمريكا على يدي رشاد رشدي وغيرهم من الملاحدة يفهمون من هذا النص أن النبوة بالاكتساب والاستخلاف، ويعتمدون على ظواهر بعض النصوص ومنها هذا النص: (كلما هلك نبي خلفه آخر) أي أخلفه الله تعالى بآخر، ولم يُخلف هو غيره. وما سمعنا أن أحداً قط قال بأن النبوة مكتسبة إلا أصحاب العقائد المنحرفة. قال ﵊: [(وإنه لا نبي بعدي)]. إن أحد المنحرفين المصريين كان دكتوراً في كلية الزراعة جامعة الزقازيق، سافر إلى أميركا وغيّر بطاقته الشخصية وسمى نفسه (لا) في البطاقة، ثم بعد مدة من الزمان ادعى النبوة، فلما نوفس في ذلك وقال له المناظر: النبي ﷺ قال: (لا نبي بعدي) قال: وأنا (لا) فالنبي قد بشّر بأني نبي من بعده، ثم غيّر اسمه بعد فترة من هذه المناقشة وادعى الإلهية. ومعلوم أنه ما من ساقطة في الأرض إلا ولها لاقطة، فقد تبعه على هذه الدعوة الفاسدة الباطلة أحمد صبحي منصور، وأنتم تقرءون له في الأهرام والأخبار دائماً، ظهر ليساند الإله الجديد، فإنه أول ما ادعى رشاد رشدي النبوة ذهب إليه هناك، وكان بينهم من الاتفاق ما يؤهل إلى أن يكون رشاد رشدي إلهاً، وأن يكون أحمد صبحي منصور نبي ذلك الزمان، فلما حدثت بينهما الخصومة والخلاف فضح كل منهما الآخر، فهلك رشاد رشدي ورجع أحمد صبحي منصور إلى مصر بخفي حنين، لم تثبت له النبوة ولم تثبت له الإلهية، وثبتت له القدم الراسخة في الإلحاد والإجرام، فصار يطعن في ثوابت الإسلام في الليل والنهار على صفحات الجرائد. قال: [(كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وستكون خلفاء فتكثر)] أي: لا نبي بعدي، ولكن يقوم بمهمة النبي في سيادة أمور الناس خلفاء، وهؤلاء الخلفاء كثرة كاثرة، كلما هلك خليفة أو عزل لكفره جاء غيره؛ لأن الإمام إذا كفر وجب عزله وتنصيب غيره. قال: [(وستكون خلفاء فتكثر. قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟! قال: فوا ببيعة الأول فالأول وأعطوهم حقهم؛ فإن الله سائلهم عما استرعاهم)] (فوا) من الوفاء. أي: يجب عليكم أن تفوا ببيعة الأول، ولا تبايعوا من ظهر في وجود الإمام الأول، فإنما البيعة تُعقد لإمام واحد، وهذا الإمام يعين الولاة والأمراء من باطنه، فتجب طاعة الولاة والأمراء والسلاطين في شتى أصقاع بلاد المسلمين؛ نظراً لوجوب طاعتهم للإمام العام، فإذا كان الخليفة مثلاً في تركيا أو في العراق أو في المدينة أو في مصر أو في المغرب، فيجب عليه أن يعيّن ولاة على كل بقاع المسلمين: ولاة للصلاة، ولاة للجهاد، ولاة للسياسة، ولاة للقضاء، وغير ذلك مما يصلح

стр. 370

معنى قوله: (فوا ببيعة الأول فالأول) قال: (فوا ببيعة الأول فالأول) أي: عند تكاثر الخلفاء لا شك أن هذا مخالف لظاهر النصوص؛ لأنه لا بيعة إلا لخليفة واحد، فما بالنا وقد انتشر الخلفاء هنا وهناك، وكل يدّعي أنه خليفة وكل يزعم أنه خليفة، كما نسمع أن سلطان المغرب أمير المؤمنين يطبع كتاب التمهيد شرح الموطأ، ويكتب عليه طُبع على نفقة أمير المؤمنين الملك الحسن بن فلان الفلاني المغربي، ثم نجد مثيلاً له في بلاد الشام يقول: إنه أمير المؤمنين. فهنا نبايع واحداً فقط، ومن الممكن أن يقول أمير الشام لأمير المغرب: أنت لست أمير المؤمنين، إنما البيعة الشرعية لي، ويقهره ويحمله على أن يكون مطيعاً له، مما جعل بعض أهل العلم يقولون رفعاً للفساد وحقناً للدماء: تجوز البيعة لأكثر من إمام إذا تباعدت ديارهم، وإن لم يكن الأمر مشروعاً في أصله.

стр. 371

حكم عقد البيعة لأكثر من إمام في وقت واحد قال: (فوا ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم. فإن الله سائلهم عما استرعاهم). في هذا الحديث معجزة ظاهرة لرسول الله ﷺ . قال النووي: (ومعنى هذا الحديث: إذا بويع لخليفة بعد خليفة فبيعة الأول صحيحة يجب الوفاء بها، وبيعة الثاني باطلة يحرم الوفاء بها، ويحرم عليه -الخليفة الثاني -طلبها- في وجود الخليفة الأول- وسواء عقدوا البيعة للثاني عالمين بعقد بيعتهم للأول أو جاهلين بها، وسواء كانا في بلدين أو في بلد واحد أو أحدهما في بلد الإمام، وهو الصواب الذي عليه أصحابنا وجماهير العلماء. وقيل: تكون البيعة للخليفة الذي بويع في بلد الإمام. وقيل: يُقرع بينهما، وهذان فاسدان). كأن يكون قد بايعت لخليفة معيّن، ثم ظهر خليفة آخر في نفس البلد، فكيف يهدم حق الإمام الأول وتلغى البيعة له؟ فمنهم من قال بإجراء القرعة بينهما. قال: (واتفق العلماء على أنه لا يجوز أن يُعقد لخليفتين في عصر واحد سواء اتسعت دار الإسلام أو لم تتسع. وقال إمام الحرمين الإمام الجويني في كتاب الإرشاد -وكان أصولياً مقنناً- قال أصحابنا -أي الشافعية- لا يجوز عقدها لشخصين -أي: لا تجوز البيعة لشخصين- قال: وعندي: أنه لا يجوز عقدها لاثنين في صقع واحد -أي: في بلد واحد- وهذا مجمع عليه) أي: هذا محل اتفاق. قال: (فإن بَعُدَ ما بين الإمامين، وتخللت بينهما شسوع فللاحتمال فيه مجال). أي أن إمام الحرمين يقول: أنا أوافق من قال: إنه لا تجوز البيعة لخليفة ثان في ظل البيعة للخليفة الأول إذا كانا في بلد واحد، أما إذا اتسعت وشسعت المسافة بينهما فيحتمل أن تصح البيعة لكل منهما. قال: (وهو خارج عن القواطع. وحكى المازري هذا القول عن بعض المتأخرين). (خارج عن القواطع): أي: أن هذا الكلام كلام ينقض المقطوع به ضرورة وشرعاً وحكماً: أنه لا تجوز عقد البيعة لإمام ثانٍ مع وجود الإمام الأول. قال: (وحكى المازري هذا القول عن بعض المتأخرين من أهل الأصل -أي: من أصحاب الأصول- وأراد به إمام الحرمين) أي: أنه يريد أن يرد عليه ويقول له هذا كلام فاسد من إمام الحرمين، ولا يجوز اتباعه على ذلك. (وهو قول فاسد مخالف لما عليه السلف والخلف، ولظواهر إطلاق الأحاديث، والله تعالى أعلم).

стр. 372

ذكر روايات وطرق حديث أبي هريرة في الوفاء بالبيعة للأول فالأول قال: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعبد الله بن براد الأشعري قال: حدثنا عبد الله بن إدريس عن الحسن بن فرات عن أبيه -أي: الفرات بن أبي عبد الرحمن الكوفي كما قلنا في الإسناد الماضي- بهذا الإسناد مثله. وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو الأحوص سلّام بن سليم الحنفي ووكيع -ثم ينتهي الإسناد ليبدأ إسناد جديد- وحدثني أبو سعيد الأشج حدثنا وكيع وينتهي الإسناد]. الإسناد الثالث: [وحدثنا أبو كريب وابن نمير قالا: حدثنا أبو معاوية، وينتهي الإسناد]. إذاً عندي أبو الأحوص ووكيع وأبو معاوية وهو محمد بن خازم الضرير. والإسناد الرابع: [حدثنا إسحاق بن إبراهيم -المعروف بـ ابن راهويه - وعلي بن خشرم قالا: أخبرنا عيسى بن يونس كلهم عن الأعمش -وهو سليمان بن مهران الكوفي - وينتهي الإسناد.

стр. 373

شرح حديث ابن مسعود: (إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها) قال: [وحدثنا عثمان بن أبي شيبة أخو أبي بكر بن أبي شيبة واللفظ له]، أي: هذا سياق الحديث القادم، وهو سياق عثمان بن أبي شيبة لا سياق السابقين. [حدثنا جرير -وهو ابن عبد الحميد الضبي - عن الأعمش]. إذاً: هما اثنان يرويان هذا الإسناد كله، الأول: هو عيسى بن يونس، والثاني: جرير كلاهما يروي عن الأعمش، والأعمش يروي عن زيد بن وهب وهو الجهني أبو سليمان الكوفي، ثقة إمام جليل مخضرم، ومعنى المخضرم: أنه من سادات التابعين، أسلم في زمن النبي ﵊ ولم يره. أي: أنه أدرك زمن الجاهلية وزمن النبوة، فأسلم في حياة النبي ﷺ ، ولكنه لم ير النبي ﷺ ، فيصنّفه العلماء بين التابعي وبين الصحابي. والتابعي: هو الذي رأى الصحابي أو لزم الصحابي، ووجد بعد موت النبي ﵊. أما الصحابي كما قلنا من قبل فهو من لقي النبي ﷺ ؛ لأن اللقاء يثبت للأعمى وغير الأعمى. فلو قلنا: الصحابي: هو من رأى لكان لزاماً علينا أن نخرج من لم ير النبي ﷺ لعمى أو لعلة أو غير ذلك، فالصحابي: هو من لقي النبي ﷺ مؤمناً به ومات على ذلك. لأن هناك من لقي النبي ﷺ وليس مؤمناً به، كالكفار والمشركين الذين التقوا بالنبي ﷺ وآذوه، ولم يؤمنوا به ﵊، أو المنافقين الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر. فهم في حقيقة الأمر ليسوا من الصحابة؛ لأنهم ليسوا مؤمنين بالنبي ﵊؛ حتى لا يقال: إن عبد الله بن أُبي بن سلول كان صحابياً، بل كان منافقاً، والله ﵎ أعلم نبيه بأسماء المنافقين وأعيانهم، وعلّم النبي ﷺ ذلك حذيفة بن اليمان ﵁. قال زيد بن وهب: [عن عبد الله]. إذا ورد الصحابي في طبقة الصحابة عبد الله هكذا غير منسوب فالمقصود به: عبد الله بن مسعود، خاصة إذا كان الإسناد كوفياً؛ لأن زيد بن وهب كان كوفياَّ، فإذا قال كوفي من التابعين: حدثني عبد الله فإنما هو عبد الله بن مسعود ﵁؛ لأنه هو الذي رحل من المدينة إلى الكوفة، ليعلّم الناس الصلاة والعلم. [قال: قال رسول الله ﷺ : (إنها ستكون بعدي أثرة)] أي: إيثار الحُكّام والأمراء والسلاطين لأنفسهم بالمال وأمور الدنيا، مما يجعلهم ينتهكون الحرمات في سبيل منصب أو كرسي أو وجاهة أو مال أو غير ذلك، فإن الحُكّام يؤثرون أنفسهم دائماً بملذات الدنيا ومتاعها، فينتهكون العرض ويسفكون الدم لأجل الحصول على ذلك. فبدلاً من أن يؤثروا الناس على أنفسهم، آثروا أنفسهم على الناس، وهذا فيما يتعلق بالدنيا، والحمد لله أنهم لم يؤثروا أنفسهم بالدين، وإنما يؤثرون أنفسهم بمتاع الدنيا وملذاتها. [(إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها)] إذا نظر الواحد منكم أو قرأ عن هذا الإيثار ينكر ذلك أشد الإنكار. [(قالوا: يا رسول الله! كيف تأمر من أدرك منا ذلك؟)] أي: بماذا تنصحنا وماذا نفعل حينئذ؟ والنبي ﵊ هو ملاذ الموحدين إلى يوم الدين قال: [(تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم)] ولم يقل: تسألون الحُكّام أو السلاطين أو الأمراء أو العلماء؛ لأن العلماء في الغالب لا يملكون شيئاً، العالم لا يملك إلا استقامة الفتوى وبيان الحلال والحرام، وبيان المشروع من الممنوع، ويملك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يملك أكثر من ذلك، لكن كثيراً من الناس يأتي فيقول: يا شيخ! العمل في البنوك حرام؟ يقول الشيخ: نعم حرام. يقول: إذاً: قدّم لي عملاً. وليس هذا له، ربما هو نفسه بغير عمل، فأنت تسأله عن الحرام والحلال فقط، ولا علاقة له بتيسير دنياك، وبتيسير حياتك، إنما له أن يوجهك في الحياة، هذا حلال وهذا حرام، هذا ممنوع وهذا مشروع. هذا دور العالم. ويأمر السلطان ومن دون السلطان بالمعروف وينهاهم عن المنكر. هذا دوره. وإن لم يؤد للرعية هذا الدور كان كالبهائم، بل تكون أفضل منه عند الله ؛ لأنها على الأقل تؤدي ما كان واجباً في حقها من الحرث والضرع، أما هو فقد خلقه الله تعالى لمهمة وحدد له السبيل، ولكنه لحرصه على الدنيا وعلى الكرسي والمنصب والمال نكس عن الطريق، وصار يجعل الحق باطلاً والباطل حقاً، فإنا لله وإنا إليه راجعون! فقال النبي ﷺ مبيناً ذلك: ستجدون لا محالة من بعدي أثرة وأموراً تنكرونها. قالوا: كيف نخرج منها يا رسول الله؟! قال: تؤدون الحق الذي عليكم؛ لأن كل إنسان له حق وعليه واجب. قال: (أ

стр. 374

شرح حديث عبد الله بن عمرو في الفتن ووجوب طاعة الأمير ودفع منازعيه قال: [حدثنا زهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم قال إسحاق: أخبرنا. وقال زهير: حدثنا]. وكما قلت من قبل: هناك فرق بين (حدثنا) و (أخبرنا)، فأخبرنا المشهور عند العلماء استخدامها في الإجازة. أي: فيما لم يسمع الراوي من شيخه. فيقول: أخبرنا، والأفضل أن يقول: أخبرنا فلان إجازة. لكن (حدثنا) لا تُستخدم إلا في السماع. [حدثنا جرير عن الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة قال: دخلت المسجد فإذا عبد الله بن عمرو بن العاص جالس في ظل الكعبة، والناس مجتمعون عليه، فأتيتهم فجلست إليه، فقال: (كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فنزلنا منزلاً -يعني: نزلوا ليختبئوا- فمنا من يُصلح خباءه -يعني: منا من قد انشغل بتثبيت خيمته- ومنا من ينتضل -من النضال أي: النشال، والتدريب على الرمي بالسهم والقوس- ومنا من هو في جشره -أي: في إصلاح فرسه من العلف والتنظيف وغير ذلك- إذ نادى منادي رسول الله ﷺ : الصلاة جامعة -أي: اجتمعوا أيها الناس- فاجتمعنا إلى رسول الله ﷺ فقال: إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم)] وهذه مهمة الأنبياء والمرسلين، أنهم يعلمون أقوامهم ما ينفعهم من خيري الدنيا والآخرة [(وينذرهم شر ما يعلمه لهم)]. إذاً: مهمة الأنبياء: البشارة في الخير والنذارة من الشر. فهذه مهمة الأنبياء منذ أن أرسل الله تعالى نوحاً إلى محمد ﵊. فقال النبي ﵊: [(إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم، وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها). (جُعل عافيتها) أي: قوتها في أولها. وهذا معلوم. [(وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها)] وهذا أيضاً من معجزات النبي ﷺ ، فقد بشّر أن قوة هذه الأمة وعافيتها في صدرها الأول وقد كان وبعد ذلك يكون هناك ضعف وهوان وذل وأمور تنكرونها. قال: [(وتجيء فتنة فيرقق بعضها بعضهاً)] أي: أن الفتنة الأولى تتبعها ثانية، وحين وجود الفتنة الأولى يقول الناظر إليها: هذه مهلكتي. وذلك لأنها عظيمة لا يمكن الفرار منها ولا الفكاك عنها، ولا تكون كذلك، بل ينجو منها العبد، وسرعان ما يقع في فتن أخرى فيقول: إذا انكشفت الفتنة الأولى فلا تنكشف هذه فتنكشف، فيقع في الثالثة فتتبعها أختها وتكثر الفتن في آخر الزمان، حتى يظن المسلم أنه في كل فتنة من الهالكين. قال: [(وتجيء فتنة فيرقق بعضها بعضهاً، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي ثم تنكشف، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه هذه -أي: هي التي لا أخرج منها- فمن أحب أن يزحزح عن النار ويُدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه)]. وهذا كلام جميل، فالنبي ﷺ يحذّر من الفتن، إذ تكثر ويرقق بعضها بعضاً، ويسلّم بعضها إلى بعض؛ وموقفي أنا كمسلم موحد أن أؤمن بالله واليوم الآخر. كان عبد الله بن عمر إذا عُرضت عليه الفتنة قال: آمنت بالله ورسوله. يتأول هذه النصوص. وكان غير واحد من السلف يفعلون ذلك، وإذا أتت الفتنة كانوا أحلاف بيوتهم. أي: يغلقون على أنفسهم بيوتهم، وينكسون سيوفهم ويقولون: آمنا بالله ورسوله، ولا شك أن موقف المسلم من الفتنة بين ثلاثة مواقف: الموقف الأول: إذا كان الحق في الفتنة ظاهراً وواضحاً وجب على الناس أن يعينوا صاحب الحق على المبطل، وجب عليهم ذلك ولا يسعهم المخالفة، وذلك إذا كانت الإعانة والنصرة في مقدورهم. والموقف الثاني: يحرم عليهم إعانة المبطل على المحق. الموقف الثالث: إذا لم يكن للفتنة جانب رابح، لا يعرف أيهما على الحق وأيهما على الباطل، وأين الحق في هذه الفتنة؟ فإن واجب المسلم حينئذ أن يكف يده عن تلك الفتنة أبداً. وهذا ما فعله سلف الأمة. قال: [(فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته)] أي موته (وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس) أي: يبذل إلى الناس (الذي يحب أن يؤتى) أي: من الخير. قال: [(ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه)]؛ لأن البيعة لا تكون إلا باليد، وتكون باللسان، لكن صورة البيعة غالباً وضع اليد في اليد. قال: [(فليطعه إن استطاع)] إذا كنت قد بايعت إماماً فأطعه ما استطعت إلى ذلك سبيلاً. قال: [(فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر)]. إذا جاء إمام آخر وزعم الإمامة والخلافة ينازع بها الإمام الأول فادفعوه وادرءوا ما استطعتم، فإن لم يكن دفعه ممكناً إلا بقتله قُتل. يعني: ادفعوه وبيّنوا عواره وفساده م

стр. 375

معنى قوله: (فتنة يرقق بعضها بعضاً) قوله: (ترقق بعضها بعضاً) أي: يصير بعضها رقيقاً خفيفاً لعظم ما بعده. الفتنة تأتي كالجبل فيستعظمها المرء، لكنها بالنسبة لما بعدها هي رقيقة جداً وسهلة ميسورة. والتأويل الثاني معناه: يشبه بعضها بعضاً. وقيل: يدور بعضها في بعض ويذهب ويجيء. وقيل: يسوق بعضها إلى بعض بتحسينها وتسويلها. والمعنى الثالث: فيدفق لا يرقق. أي: تأتي متدفقة، يدفع ويصب صباً.

стр. 376

معنى قوله: (وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه) قال: (وليأت إلى الناس الذي يجب أن يؤتى إليه) هذا من جوامع كلمه ﷺ وبديع حكمه، وهذه قاعدة مهمة فينبغي الاعتناء بها، وهو أن الإنسان يجب عليه ألا يفعل مع الناس إلا ما يُحب أن يفعلوه معه. قال: (فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر) معناه: ادفعوه إلا إذا كان لا يندفع إلا بقتله فيجوز حينئذ قتله.

стр. 377

معنى قوله: (هذا ابن عمك معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل) قوله: (هذا ابن عمك معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل) إلى آخره. المقصود بهذا الكلام: أن هذا القائل لما سمع كلام عبد الله بن عمرو بن العاص وذكر الحديث في تحريم منازعة الخليفة الأول، وأن الثاني يُقتل اعتقد أن هذا الوصف في معاوية، فقد اعتقد أن معاوية خليفة ثان في وجود الخليفة الأول؛ لمنازعته علياً ﵁، وكانت قد سبقت بيعة علي، فرأى هذا القائل أن نفقة معاوية على أجناده وأتباعه في حرب علي ومنازعته ومقاتلته إياه من أكل الأموال بالباطل، وأخذ أموال المسلمين من بيت المال، وإنفاقها على الجند لمحاربة الخليفة الأول -أي: صاحب البيعة المشروعة- يعد باطلاً؛ لأنه قتال بغير حق، فلا يستحق أحد مالاً في مقاتلته. فقال عبد الله بن عمرو: (أطعه في طاعة الله واعصه في معصية الله) وفيه دليل على وجوب طاعة المتولين للإمامة بالقهر من غير إجماع ولا عهد. قال: (أطعه) أي: أطع معاوية في طاعة الله، ومن كان على شاكلة معاوية من إمام ثان يظهر في وجود الإمام الأول تجب عليك طاعته إذا تولى بالقهر والغلبة وإعمال السيف، يجب طاعته من باب حقن الدماء. قال له: إن الناس أطاعوا معاوية؛ لأنه ظهر وغلب في بقعة من بقاع الناس في الشام، وادعى الخلافة وطلب البيعة لنفسه، فبايعه الناس قهراً في وجود البيعة الصحيحة لـ علي بن أبي طالب. إذاً فلِم أطاعه الناس؟ ولِم لم يقتلوه أو يدفعوا عن علي ما استطاعوا؟ لأنهم لم يقدروا على ذلك، فإن رفع أحد عقيرته بمقتضى هذه النصوص قتله معاوية. وكأنه أراد أن يقول: إن الإمام إما أن يتولى بالنص والإجماع كـ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وإما أن يتولى بالقهر والغلبة كالولاية الجبرية، والنبي قد بينها ﵊. قال: (ستكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم ينزعها الله تعالى إذا شاء أن ينزعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة) وهي الخلافة الراشدة للأئمة الأربعة (فتكون فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم ينزعها الله تعالى إذا شاء أن ينزعها، ثم يكون ملكاً عاضاً) كما كان في دولة بني أمية ودولة العباسيين وغيرها من الدول، حتى في زماننا هذا وفي عصرنا الحديث. قال: (فإذا شاء الله تعالى أن ينزعه نزعه) أي: ينزع الملك العضوض (ثم يكون ملكاً جبرياً) أي: قهرياً. يتولى الحكام سياسة الناس بالقهر والقوة والغلبة، والسيف والسنان، حينئذ يجب علينا الطاعة لا لأننا قد بايعنا، ولا للخلافة المشروعة -بل هي غير مشروعة- ولكن حقناً لدماء المسلمين وجب عليهم أن يسمعوا ويطيعوا في طاعة الله ، وألا يسمعوا ولا يطيعوا في معصية الله ، هذا باب. وباب الطاعة لهم لحقن الدماء باب آخر، فحينئذ يجب على الناس أن يسمعوا ويطيعوا حقناً للدماء. قال: (ثم تكون فيكم ما شاء الله أن يكون) أي: هذا الملك الجبري (فإذا شاء الله تعالى أن يرفعه رفعه، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت). وهذا يدل على أن ختام الخلافة ستكون على منهاج النبوة، هل هي خلافة المهدي المنتظر أو هي قبل المهدي المنتظر؟ الله أعلم. والراجح: أن الأرض تمهّد بخلافة قبل ظهور المهدي المنتظر ونزول عيسى بن مريم. وقد ظهرت وبدت البوادر والبشائر في هذا الزمان بهذه الصحوة المباركة التي رجع الناس فيها أفواجاً وجماعات إلى ربهم، حتى من فئات ما كان المرء يتصور قط أن واحداً منهم يرجع إلى الله، أو يتعرّف على الله ، صارت فئة مجتمعة كلها ترجع إلى الله . وفي هذا من المبشرات ما فيه، والتوبة والأوبة والإنابة إلى الله تبشر بأن هذه الصحوة صحوة مباركة عاملة بالكتاب والسنة ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً، وبهذا تتهيأ الأرض للخلافة الراشدة بإذن الله تعالى.

стр. 378

باب الأمر بالصبر عند ظلم الولاة واستئثارهم إذا ظلم الوالي أو استأثر في الدنيا، فالذي عليّ -كما قلنا من قبل- أن أؤدي الذي علي وأسأل الله الذي لي. وإذا ابتلاني الله تعالى بأن الذي لي لم يصلني فالواجب عليّ الصبر. قال: [حدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار قالا: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة قال: سمعت قتادة يُحدّث عن أنس بن مالك]. هذا هو الإسناد الثاني. قال: سمعت قتادة؛ لأن قتادة مدلّس، واسمه قتادة بن دعامة السدوسي البصري، ومعنى قتادة في اللغة: فرع الشجرة. والدعامة: أصل الشجرة. فهو قتادة وأبوه دعامة، قتادة بن دعامة السدوسي البصري يحدث عن أنس. وفي رواية أخرى قال: سمعت أنساً. وقتادة كان مدلّساً. [عن أسيد بن حضير]. أنس بن مالك صحابي وأسيد بن حضير صحابي. فهذه قوة إسنادية: أن صحابياً يروي عن صحابي آخر. قال: [(أن رجلاً من الأنصار خلا برسول الله ﷺ ] خلا أي: اختلى به في مكان، وليس خلا به بمعنى: أنه عصاه ولم يطعه. [(فقال: ألا تستعملني كما استعملت فلاناً؟)]. هذا الكلام محرج وليس وجيهاً؛ ولذلك استحيا أن يسأله على الملأ. فقال: [(يا رسول الله ألا تستعملني كما استعملت فلاناً؟ فقال: إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض)] هل هذا الجواب مطابق للسؤال؟ قال: (إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض). يفهم من هذا الكلام أن من طبيعة العُمّال والأمراء إيثار أنفسهم على الرعية، فلم يرد الرسول ﷺ أن يكون هذا الأنصاري منهم، والأثرة أكثر ما تكون في الولاية من بعده ﷺ ؛ لذلك يقول: لا يمنع إذا استعملتك أن تبقي نفسك للمال وملذات الدنيا على الرعية فتقع في المحذور، فاصبر حتى تلقاني على الحوض، وإذا كنت مأموراً لدى عامل من العُمّال فآثر نفسه دونك، فأد الذي عليك، وانتظر واصبر على أن تلقى ما هو لك حتى تلقاني على الحوض فإنه لن يضيع، فالذي يضيع في الدنيا لا يضيع في الآخرة، وهذا يبيّنه ما كان من أمر أبي ذر ﵁ عندما قال: (يا رسول الله! ألا تستعملني؟ قال: إنك لضعيف) وأنا أحبك يا أبا ذر! وأحب لك ما أحب لنفسي! فانظر إلى منتهى الشفقة منه ﵊!

стр. 379

باب في طاعة الأمراء وإن منعوا الحقوق منع الحقوق ظلم، لكنه لا يؤدي إلى الكفر، وما دام الظلم لم يبلغ بولي الأمر الكفر فإن هذا الظلم يوجب له السمع والطاعة. قال: [حدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار قالا: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن سماك بن حرب عن علقمة بن وائل الحضرمي عن أبيه ﵁ قال: سأل سلمة بن يزيد الجعفي رسول الله ﷺ فقال: (يا نبي الله! أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألونا حقهم ويمنعونا حقنا. فما تأمرنا؟ فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه، ثم سأله في الثانية أو في الثالثة فجذبه الأشعث بن قيس ﵁ وقال: اسمعوا وأطيعوا)] أي: قال النبي ﵊، وربما يكون قال الأشعث؛ لأن الأشعث سمع هذا الكلام منه ﵊ في موطن آخر غير هذا الموطن، فيصح أن يكون هذا الكلام موقوفاً ومرفوعاً، فإذا قلنا: مرفوعاً يكون التقدير: قال النبي ﵊: [(اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حُمِّلوا وعليكم ما حُمّلتم)] أي: جعل الله تعالى لكل واحد منكم حقه، وجعل على كل واحد منكم واجباً، فأدوا الذي عليكم، واصبروا حتى تلقوا رسول ربكم على الحوض. [وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا شبابة بن سوار المدائني حدثنا شعبة عن سماك بهذا الإسناد مثله، وقال: فجذبه الأشعث بن قيس فقال رسول الله ﷺ حينئذ: (اسمعوا وأطيعوا. فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم)]. أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد.

стр. 380

الأسئلة

стр. 381

حكم مبايعة الإمام الظالم السؤال إذا كان الإمام ظالماً وغير عادل في حكمه فهل أبايعه أم لا؟ الجواب البيعة تجب للإمام وإن كان فاسقاً.

стр. 382

حكم إطلاق لفظ (خليفة) على حاكم بلد معين والبيعة له السؤال هل يجوز أن نطلق على حاكم بلد معيّن أنه خليفة في هذا البلد، وهل يجب علينا أن نبايعه؟ الجواب بلا شك أن هؤلاء يقومون مقام الولاة والسلاطين، في الأصل أنهم معينون من جهة الخليفة ولا خليفة، فكان كل حاكم حاكماً على بلده فحسب، وليست شروط الخلافة متحققة في أحد من هؤلاء جميعاً، أما بيعة الخلافة فلا تصح لهؤلاء جميعاً؛ لأنهم ليسوا خلفاء، بل هم حُكام.

стр. 383

الحكم على حديث (إذا صليتم بالناس فخففوا) السؤال يقول الرسول ﵊: (إذا صليتم بالناس فخففوا فإن فيهم الضعيف والسقيم وذا الحاجة) هل هذا الحديث صحيح؟ الجواب نعم. صحيح.

стр. 384

بيان مقدار تخفيف الصلاة في عهد النبي ﷺ السؤال إذا كان صحيحاً فما بالنا لا نعمل به لا سيما ونحن ندّعي بأننا متمسّكون بالسنة وجزاكم الله خيراً؟ الجواب لا، فأنا أرى أن الصلاة أكثر تخفيفاً مما أراده النبي ﵊، لأن الذي أمر بالتخفيف هو الذي كان يصلي بالناس، فكان يصلي الفجر من الستين إلى المائة آية، ولا أحد يصلي الآن من الستين إلى مائة آية إلا ما ندر، وكان ﵊ يصلي الظهر بعد الفاتحة بالثلاثين آية. أي: بحوالي ربعين. ونحن نصلي الظهر والعصر بالكوثر والإخلاص، وبالكاد أحدنا يُدرك الكوثر والإخلاص وراء الإمام، وإذا دخل المسجد وصلى خلف إمام لا يعرفه وحسّن به الظن، أو خاف على نفسه ألا يقرأ شيئاً بعد الفاتحة بدأ بالكوثر احتياطاً؛ لكي يدرك أي آية، بل منا من لا يدرك إتمام فاتحة الكتاب، ولو أنك قرأت دعاء الاستفتاح بعد تكبيرة الإحرام يقيناً لا تدرك شيئاً لا أقول: من الفاتحة، وإنما من القرآن بعد الفاتحة، فهذا هو التخفيف الذي تريده أنت، أما التخفيف الذي أراده النبي ﵊ فإنه قد ورد أن أحدهم كان إذا سمع الأذان انطلق من عمله إلى بيته، فتوضأ وصلى السبحة -أي: السنة- ثم أتى إلى مسجد النبي ﵊ من عوالي المدينة وأطرافها، فأدرك معه الركعة الأولى. هذا هو تخفيف النبي ﵊. وكان يجعل العصر على النصف من الظهر، أي: إذا كان يقرأ في الظهر بثلاثين آية يقرأ في العصر بخمس عشرة آية، وكان يصلي المغرب فيطيل فيها، حتى إنه صلى مرة بسورة الأعراف كاملة، والأصل في صلاة المغرب التطويل. أي: أن المغرب أطول من صلاة الظهر، والنبي ﷺ كان يصلي فيها بطوال المفصّل. أي: بالسور الكبيرة التي تبدأ من (ق) أو (الأحقاف) على خلاف بين العلماء في المفصّل، فكان يقرأ في المغرب بالسورة أحياناً وبالسورتين أحياناً من طوال المفصّل. هل نحن نعمل هذا؟ فلو أنه أتى من يصلي بنا هنا بالأعراف ما الذي سيحدث؟ سوف ينهره كل من في المسجد حتى السنّية ويقولون: ما هذا؟ ألم يأمر النبي ﷺ بالتخفيف؟ مع أن الذي أمر بالتخفيف هو الذي صلى بهذه السورة، وإن صلى بها مرة واحدة فأنا لم أصل بها إلا مرة واحدة، فلِم تنقمون علي؟ فيقولون: النبي ﷺ ما كان يصلي بها كل يوم. أقول: وهل أنا صليت بها كل يوم؟ فهذا لم يحصل إلا مرة واحدة، لكن لا بد أن يتوجه اللوم والإنكار؛ وذلك لأنهم لم يحفظوا من الدين إلا التخفيف، وما علموا مقدار التخفيف. صليت بالناس في بلد من البلدان صلاة المغرب بآية الكرسي وسورة الضحى، فقام الكل عليّ قومة رجل واحد ليس فيهم رجل رشيد، ولا واحد دافع عنّي فالكل اتهمني، فأتوا رجلاً فيهم هو الموظف الوحيد فيهم، ويرون أن هذا الرجل هو عالمهم مع أنه لا علاقة له بالدين، لكن ما دام موظفاً ومتعلماً ومعه إعدادية قديمة فهو الأمل في البلد كلها، وبعد هذا اضطررت أن أقف في المحكمة متهماً أمامه، وقد عقدت هذه المحكمة في المسجد. قال: أنا أوافقك على سورة الضحى، أما آية الكرسي فلا. قلت له: لماذا؟ قال: لأن الصلاة باطلة إلا بثلاث آيات فأكثر، إنما أقل من هذا فلا، فآية الكرسي آية واحدة! فكان عليك أن تجمع معها آيتين أخرى ولو من سورة الضحى! فأي كلام هذا؟ وأي تخريف؟ يقولون لك: النبي ﷺ أمر بالتخفيف، وكل واحد فهم التخفيف على مزاجه. نقول: إذا كان هناك نصوص ظاهرها التعارض فلا بد من حمل بعضها على البعض، وسنة النبي ﷺ العملية بيّنت ذلك كله، فنحن رغم أننا سنيون متمسكون إلا أننا أيضاً ملتزمون بكلام النبي ﵊. ثبت في حديث معاذ بن جبل أن معاذاً كان إمام قومه، وكان يصلي العشاء الآخرة مع النبي ﵊، ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم وكان إمامهم، فصلى فأطال الصلاة، ففارقه حرام بن ملحان ﵁، فلما بلغ معاذ أن حراماً فارقه قال: والله إنه لمنافق، لأرفعن أمره إلى النبي ﵊، وقد سبقه بالشكوى حرام وهو أخو أم سُليم أم أنس بن مالك فقال النبي ﵊ لـ معاذ بن جبل: (أفتّان أنت يا معاذ؟! صل بهم بـ (الشمس وضحاها) و (الليل إذا يغشى)). قال العلماء: هذا هو القدر المشروع في صلاة العشاء، ولا يمنع الزيادة عن ذلك ولا الإقلال من ذلك، لكن غالب صلاة النبي ﷺ في صلاة العشاء بهذا القدر، وكان يفعل ذلك ويأمر به ﵊. فأذكركم بما يحدث الآن في أمريكا من حرائق في الغابات أسأل الله تعالى أن يحرق أبدانهم وقلوبهم، فأكثر من (٤٠٠٠) منزل قد التهمتها النيران، وإخلاء كثير من المدن، وما يحدث في روسيا من فيضانات وموت العشرات، وقتل كثير من الصينيين أيضاً في الفيضانات، وتخريب المباني والكباري، هذا بالإضافة إلى الخ

стр. 385

شرح صحيح مسلم - كتاب الفرائض - تعريف الميراث علم الفرائض من أجل العلوم وأنفعها؛ لما فيه من إعطاء كل ذي حق حقه، وقد أوصى النبي ﵊ بتعلمه، وذهب بعض أهل العلم إلى وجوب تعلمه، ومن مجالاته وأبوابه معرفة أسباب وموانع الإرث وغيرها من المسائل الأخرى.

стр. 386

كتاب الفرائض إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد:

стр. 387

تعريف الفرائض كتاب الفرائض هو كتاب في المواريث، والوصايا المتعلقة بالمورث، وكذلك بتركته؛ ولذلك قال العلماء من أهل اللغة: الفرائض: جمع فريضة، وهي من الفرض، والفرض هو: التقدير المحدد شرعاً، يقال: فرض الله كذا، بمعنى: حدَّ الله كذا، أي: جعل هذا الفرض حدًّا محدداً في الشرع لا يحل لمن حدد لأجله أن يتعداه، ومن تعداه فقد ظلم نفسه، وعرَّض نفسه للعقوبة في الدنيا والآخرة. ويقال للعالم بالفرائض، أو لمن مهر في هذا العلم وفي هذا الفن: فرضي، كما كان يقال ذلك لـ زيد بن ثابت، إذ كان أفرض أصحاب النبي ﵊، ومن بعده علي بن أبي طالب، ومن بعدهما عمر بن الخطاب ﵃. وأريد أن أقول لك: إن هناك بعض العلوم كانت علماً على أصحابها، وبعض الأشخاص كانوا علماً على بعض العلوم، وكثير من أصحابه ﵊ كانوا علماء في كل شيء، وفي كل فرع من فروع العلم، لكنَّ أحدهم كان يبرز في علم معين، فمثلاً: حذيفة بن اليمان كان بارزاً فيما يتعلق بعلم الفتن وأشراط الساعة وغيرها. وكذلك زيد بن ثابت كان أفرض الأمة في زمن النبي ﵊. وأما الإرث في الميراث فقال المبرد: أصله العاقبة؛ لانتقاله من شخص إلى آخر. قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا يحيى بن يحيى، وأبو بكر بن أبي شيبة، وإسحاق بن إبراهيم -يعني ابن راهويه، واللفظ لـ يحيى، قال يحيى: أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا ابن عيينة -وهو سفيان بن عيينة - الزهري، عن علي بن حسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد ﵄ أن النبي ﷺ قال: (لا يرث المسلم الكافر، ولا يرث الكافر المسلم)]. وفي رواية: (لا يتوارث أهل ملتين شتى)، يعني: مختلفتين، وبعض أهل العلم يضعف هذه الرواية، وهي عند أبي داود وابن ماجه من حديث عبد الله بن عمرو، ولها شاهد عند الترمذي من حديث جابر. قال النووي رحمه الله تعالى: (أجمع المسلمون على أن الكافر لا يرث المسلم، وسواء كان كفراً أصلياً أو كفراً طارئاً؛ كمن ارتد من المسلمين، فلو أن ولداً بالغاً ارتد عن الإسلام فإنه لا يرث أباه المسلم. كما أن الرجل لو أسلم وبقي أولاده على الكفر، كأن بقوا على النصرانية مثلاً، أو على اليهودية، أو أياً كانت ملتهم غير ملة الإسلام؛ فإنهم لا يرثونه إجماعاً).

стр. 388

أقوال أهل العلم في توريث المسلم من الكافر إذاً: المسألة فيما يتعلق بتوريث الكافر من المسلم لا تجوز، وعلى ذلك إجماع أهل العلم، ولم يخالف في ذلك أحد، أما ميراث المسلم من الكافر فقد وقع النزاع بين أهل العلم في جواز ذلك من عدمه: فالجمهور على عدم الجواز؛ أخذاً بظاهر هذا الحديث: (ولا يرث المسلم الكافر)، وقد نازع في ذلك بعض أهل العلم، فقالوا: بل يرث المسلم الكافر، واحتجوا بدليل: (الإسلام يعلو ولا يعلى عليه). لكن هذا الحديث ورد في بيان فضل الإسلام على غيره من ملل الكفر، وهذا الذي يبدو من ظاهر الرواية، ولذلك تعجب الإمام النووي أيما تعجب ممن ذهب إلى جواز ميراث المسلم من الكافر بحجة علو الإسلام، وأنه يعلو ولا يعلى عليه. فقال عليه رحمة الله: (ليس في هذا دليل على جواز التوريث بين المسلم والكافر، وغاية ما في هذا الدليل إثبات علو الإسلام على غيره من سائر ملل الكفر، ولم يذكر الميراث من قريب ولا من بعيد؛ ولذلك لا يصلح دليلاً، والذين قالوا بجواز توريث المسلم من الكافر ورد عنهم الرأي الآخر الذي يوافق مذهب الجمهور. قال النووي عليه رحمة الله: (ورأيهم الذي يوافَق فيه جمهور أهل العلم بمنع التوريث -أي: منع توريث المسلم من الكافر- أكثر صحة وصواباً من رأيهم الأول). يعني: كأن النقل عن هؤلاء بجواز التوريث -أي: توريث المسلم من الكافر خاصة- في ثبوته نزاع. وقد ورد عنهم رأي آخر وهو المنع، وأدلته قوية وأسانيده ثابتة، فكأن الأمر فيه شبه إجماع على عدم توريث المسلم من الكافر، لكن الإجماع المقطوع به: هو عدم جواز توريث الكافر من المسلم، لقول النبي الكريم: (لا يرث المسلم الكافر، ولا يرث الكافر المسلم). قال النووي: (وأما المرتد فلا يرث المسلم بالإجماع)، إذاً: عندنا مسألتان فيهما إجماع: الأولى: عدم توريث الكافر من المسلم. والثانية: عدم توريث المرتد من المسلم. وشبه الإجماع انعقد على عدم توريث المسلم من الكافر، وهو صواب لظاهر الرواية.

стр. 389

أقوال أهل العلم في توريث المسلم من المرتد وأما المسلم فلا يرث المرتد عند الشافعي ومالك وربيعة وابن أبي ليلى وغيرهم، بل يكون ماله فيئاً للمسلمين، يعني: لو أن شخصاً ارتد عن الإسلام فلا يرثه أولياؤه، وإنما يؤخذ ماله فيوضع في الخزانة العامة للدولة، أو فيما يعرف عند الفقهاء في بيت مال المسلمين، والفيء لا يطلق إلا على المال الذي اكتسب بغير حرب، أي: بغير جهد. وقال أبو حنيفة والكوفيون والأوزاعي وإسحاق: يرثه ورثته من المسلمين. وأما المسلم فهل له أن يرث المرتد أم لا؟ مذهب الجمهور: لا يكون بينهما توارث. وذهب الكوفيون وأصحاب الرأي إلى توريث المسلم من المرتد؛ وروي ذلك عن علي وابن مسعود وجماعة من السلف، لكن قال الثوري وأبو حنيفة: ما كسبه في ردته فهو للمسلمين. يعني: أنهم يفرقون بين ماله قبل الردة، وبين ماله بعد الردة، فيقولون: الذي اكتسبه بعد ردته هو مال أو فيء للمسلمين، فيوافقون في ذلك جمهور أهل العلم. أما ما اكتسبه في حال إسلامه قبل الردة فلورثته من المسلمين أن يرثوه. وقال الآخرون: الجميع لورثته من المسلمين، وهذا مذهب ثالث. إذاً: عندنا مذهب الجمهور، ومذهب أهل الرأي من الكوفيين، ومذهب ثالث لبعض أهل العلم القائلين بأن جميع المال الذي اكتسبه قبل الردة وبعدها إنما هو ميراث لورثته.

стр. 390

أقوال أهل العلم في توريث الكفار بعضهم من بعض وأما توريث الكفار بعضهم من بعض؛ كاليهودي من النصراني وعكسه، والمجوسي منهما وهما منه؛ فقال به الشافعي وأبو حنيفة ﵄ وآخرون، ومنعه مالك؛ لأنهم أصحاب ملتين، اليهود أصحاب ملة، والنصارى أصحاب ملة، والمجوس أصحاب ملة؛ وكل هؤلاء أصحاب ملل شتى مختلفة. وفي الحديث: (لا يتوارث أهل ملتين شتى)، فالذي قال بمنع التوارث بين الملل اعتمد على ظاهر هذه الرواية، والذين قالوا بجواز ذلك اعتبروا أن كل ملل الكفر ملة واحدة، فليست الملل إلا ملة إيمان، أو ملة كفر. وبالتالي حملوا: (لا يتوارث أهل ملتين شتى) على ظاهر قوله ﵊: (لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم)، فقالوا: ليس في الملل إلا ملة كفر، أو ملة إسلام. وبعض العلماء يرى أنه لا يرث حربي من ذمي، ولا ذمي من حربي، وهما الاثنان كفار، واختلاف الدين الأصل فيه حديث النبي ﵊: (لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم)، وحديث: (لا يتوارث أهل ملتين شتى).
следующие страницы →