Полный текст (2 103 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
حكم صلاة تحية المسجد لمن جلس ولم يصل
السؤال
هل يجوز لمن دخل المسجد أن يصلي ركعتين تحية مسجد بعد أن جلس؟
الجواب
اختلف العلماء بين الجلوس اليسير والطويل، فإذا جلس جلوساً يسيراً أو اتكأ على ركبتيه أو غير ذلك فلينهض وليصل ركعتين، وهما واجبتان؛ لقوله ﵊: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)، أما إذا كان جلوساً طويلاً فإنه يسقط عنه ذلك.
стр. 562
حكم مصافحة النساء
السؤال
ما حكم مصافحة النساء؟
الجواب
مصافحة النساء الأجانب حرام؛ لما رواه الطبراني من قوله ﵊: (لأن يطعن أحدكم بمخيط من حديد في رأسه خير له من أن تمس يده يد امرأة لا تحل له) وفي رواية: (أجنبية).
стр. 563
حكم رمي جمرة العقبة ليلة العيد
السؤال
هل يجوز رمي جمرة العقبة في ليلة العيد؟
الجواب
رمي جمرة العقبة لا يكون إلا بعد الزوال، ورخص فيه قبل ذلك للضعفة والأطفال.
стр. 564
بيان متى يجوز الطواف بغير ملابس الإحرام
السؤال
هل يوجد طواف يجوز للإنسان فيه أن يطوف بالملابس العادية دون إزار ورداء؟
الجواب
نعم.
كل طواف ليس على سبيل النسك، أي: كل طواف ليس متعلقاً بالحج ولا بالعمرة.
مثال ذلك: كلما دخلت الحرم وأردت أن تطوف يمكنك أن تطوف، ولا يلزمك أن تلبس ملابس الإحرام؛ لأنك لست محرماً من الأصل، وكل من لم يكن محرماً جاز له أن يطوف بملابسه العادية، وهناك حديث يقول: (تحية البيت الطواف) لكن هذا الحديث ضعيف؛ وذلك لقوله ﵊: يا بني عبد مناف! يا بني عبد المطلب! يا يا وظل ينادي على أهل مكة: (لا تمنعوا أحداً دخل هذا البيت في أي ساعة من ليل أو نهار أن يصلي ركعتين) ولم يقل: أن يطوف، وقال ﵊: (الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أحل فيه الكلام).
وهذا الحديث: (لا تمنعوا أحداً دخل هذا البيت في أي ساعة من ليل أو نهار أن يصلي ركعتين) يدل على جواز الصلاة حتى في أوقات الكراهة؛ لأن هذه الصلاة لها سبب؛ ولأنه قال: (في أي ساعة من ليل أو نهار) ولاشك أن هذا يعم أوقات الكراهة، فهذا جائز، والبيت ليست تحيته الطواف، ولكنه يستحب؛ لأن النبي ﵊ كان إذا دخل بيت الله الحرام بدأ بالطواف، لكنه لم يأمر بذلك، وبيَّن في سنته أن للداخل بيت الله الحرام أن يصلي ركعتين، وبالتالي جاز له أن يلبس في الحرم الملابس العادية.
стр. 565
تقييم كتاب (معالم التنزيل)
السؤال
ما رأيكم في كتاب تفسير البغوي الذي هو معالم التنزيل؟
الجواب
كتاب رائع جداً وممتاز جداً، واقتناؤه غنيمة.
стр. 566
حكم تعدد العمرات في السفرة الواحدة
السؤال
من اعتمر وهو ليس من أهل مكة هل يجوز له أن يذهب للتنعيم ويحرم بعمرة أخرى بعد وقت قليل من الأيام؟ وهل صحيح أن لكل عمرة فترة.
نريد التوضيح؟
الجواب
إن السلف لم يكن من هديهم تعدد العمرات في السفرة الواحدة، أما الوقت بين العمرة وبين الأخرى فهو محل خلاف بين أهل العلم، فمنهم من قال: يعتمر في كل عام مرة، ومنهم من قال: يعتمر في كل شهر مرة، ومنهم من قال: يعتمر إذا اسود رأسه، يعني: إذا حلق في العمرة الأولى ثم نبت شعره حتى كسا رأسه حينئذ يجوز له أن يعتمر.
وليس هناك نص يمنع تعدد العمرات بين فترة وفترة، والأصل فيه الجواز، لكن جمهور أهل العلم كره ذلك؛ لأنه لم يكن السلف يفعلون هذا، والخلاف الذي وقع بينهم في المدة بين العمرة والعمرة ليس خلافاً مرفوعاً، وإنما هو اجتهاد منهم؛ ولذلك يذهب الجماهير إلى جواز تعدد العمرة في السفرة الواحدة مع الكراهة، ويذهب البعض إلى عدم الكراهة.
стр. 567
حكم شراء المحرم الصيد البري
السؤال
هل يجوز للمحرم أن يشتري الصيد البري؟
الجواب
لا يجوز له أن يشتريه ولا أن يتملكه.
стр. 568
التحذير من أهل البدع والتصوف
السؤال
ما رأيكم في كتاب الفقه الواضح للدكتور محمد بكر إسماعيل؟ وإن لم يكن جيداً فكيف أتصرف فيه؟
الجواب
النصيحة لله أن محمد بكر إسماعيل لا يقل في قبحه وشره عن علي جمعة.
أتعرفون علي جمعة أم لا تعرفونه؟ فالذي لا يعرفه فاعلم أنها منة من الله ، والذي يعرفه يعرف أنه عدو لدود للسنة وأهلها، ولا يقل محمد بكر إسماعيل عنه في رفع راية الحرب على أهل السنة، فكلاهما من أهل البدع وكلاهما متصوف إلى أقصى حد، ومحارب للسنة.
أذكر لك مثالاً: محمد بكر إسماعيل -الذي أعمى الله تعالى بصره وبصيرته- له درس كل يوم ثلاثاء في مسجد في السويس، فمرة نادى وقال: أين فلان؟ قالوا: موجود، قال: يا بني! هل أخذت الماجستير أم لا؟ قال: لم آخذه بعد، فغضب غضباً شديداً وأخذ يصيح بالميكرفون ويقول له: تأخرك هذا هو الذي جعل شخصاً كـ الألباني يظهر، تصور! ولد صغير عمره خمس وعشرون سنة تأخره في الحصول على الماجستير هو الذي جعل شخصاً كـ الألباني يظهر، فعدو السنة لابد أن يترك أثراً -ولو في وقت الغضب- ليدل على فساد قلبه، ناهيك عن معاصيهم الظاهرة، فنحن نشترك معهم في المعاصي الباطنة، وإذا انفردنا بالله هتكنا الستر ولسنا معصومين، لكن لا نتبجح بها، لكن هذا يقعد قعدات كثيرة مع اللواءات والعمداء والوزراء يتعاطون الشيشة وتبدأ من عنده، فضلاً عن أن هؤلاء قالوا عنا عدة مرات: أننا خوارج العصر، والصحوة الإسلامية لا تدخل في ذمتهم، فمقاطعتهم نجاة، والله تعالى أعلم.
стр. 569
حكم لبس المرأة إزاراً وهي محرمة
السؤال
يقول: هل يجوز للمرأة أن تلبس إزاراً وهي محرمة؟
الجواب
نعم يجوز.
стр. 570
حكم الذهب للمرأة
السؤال
قرأت للشيخ الألباني عليه رحمة الله أن الذهب حرام على المرأة كما هو حرام عل الرجل تماماً بتمام؟
الجواب
إن الشيخ الألباني لم يقل: إن الذهب حرام على المرأة كالرجل تماماً بتمام، ولكن قال بحرمة الذهب المحلق فقط، أما غير المحلق فقال الشيخ بجوازه للمرأة، وعلى أية حال هذا قول محدث خالف فيه الشيخ الأمة بأسرها؛ ولذلك البقاء على مذهب العلماء كافة نجاة وعصمة، فالذهب بجميع أنواعه وأشكاله حلال للنساء.
والله تعالى أعلم.
فمذهب الشيخ الألباني يرده: (أن امرأة دخلت بابنتها على النبي ﵊ فرأى في يدها سوارين من ذهب -يعني: ذهب محلق- فقال: أتؤدين زكاتها؟ قالت: لا، قال: أتحبين أن تسوري بسوارين من نار؟ فألقت المرأة السوارين في حجر النبي ﵊، فالنبي ﵊ لم ينكر عليها أنها لبست المحلق، وإنما أنكر عليها أنها لم تؤد زكاته، فالمرأة تخلصت منه بأن ألقته صدقة في حجر النبي ﵊، ولم يلزمها النبي ﵊ بالصدقة، ولكنها كونها بذلت هذا من نفسها لأول وهلة فللنبي ﵊ أن يأخذه منها صدقة، يصرفها في وجوه الصدقة المشروعة.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 571
شرح صحيح مسلم - كتاب الحج - جواز حلق الرأس للمحرم إن كان به أذى
يحرم على المحرم حلق رأسه أو أخذ شيء منه إلا إذا كان ذلك نسكاً، فإذا قامت بالمحرم علة في رأسه من مرض أو علة أو آفة ألحقت الأذى به فله أن يحلق شعره، وعليه أن يكفر عن هذا الحلق بإحدى ثلاث؛ إما صوم ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، أو ذبح شاة.
стр. 572
باب جواز حلق الرأس للمحرم إذا كان به أذى، ووجوب الفدية عليه وبيان قدرها
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
فمع الباب العاشر من كتاب الحج وهو: باب جواز حلق الرأس للمحرم إذا كان به أذى أو علة أو مرض، ووجوب الفدية لحلقه وبيان قدرها.
من المعلوم أن من المحرمات على المحرم حلق رأسه، إلا إذا كان ذلك نسكاً، يعني: لا يجوز للمحرم أن يحلق شعره، أو أن يأخذ منه شيئاً متعمداً إلا إذا كان يقصد بأخذ شعره قصه أو حلقه تنكساً وتعبداً لله ، فإذا قامت علة بالمحرم في رأسه من مرض أو علة أو آفة ألحقت الأذى به، فهل له أن يحلق شعره؟
الجواب
نعم.
له أن يحلق شعره، لكن لابد أن يكفر عن هذا الحلق بفدية.
стр. 573
شرح حديث كعب بن عجرة في حلق الرأس للمحرم عند الحاجة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال كعب بن عجرة ﵁: (أتى علي رسول الله ﷺ زمن الحديبية وأنا أوقد تحت قدر لي أو برمة لي، والقمل يتناثر على وجهي، فقال: أيؤذيك هوام رأسك؟ قال: قلت: نعم.
قال: فاحلق وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك نسيكة)].
فإذاً: حلق الرأس جائز لمن كانت به علة شرعية، وغير جائز لمن لم تكن به علة شرعية.
وإذا قامت العلة وحلق صاحب العلة رأسه في غير وقت الحلق المشروع له في النسك، فإنما عليه الكفارة، وكفارته: أن يصوم ثلاثة أيام، أو يطعم ستة مساكين، بقدر ثلاثة آصع، والصاع: أربعة أمداد، والمد: ملء الكفين من الطعام، فكأنه قال: عن كل يوم صاع إذا ما أراد الصيام؛ لأن هذه الكفارات على سبيل التخيير لا على سبيل الترتيب: صم أو أطعم أو انسك، و (أو) للتخيير عند الأصوليين.
فهنا إذا صام ثلاثة أيام فقد كفر عن حلقه شعره، وإذا اختار الإطعام فليطعم ستة من المساكين، لكل مسكين نصف صاع من طعام، وإذا اختار الذبح فعليه أن يذبح شاة.
قال أيوب وهو راوي الحديث: فلا أدري بأي ذلك بدأ، وهذا المصطلح من الراوي، أو من غيره من أهل العلم من رواة الأحاديث إنما يدل على التخيير.
روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﵇ قال: (أربع كلمات لا يضرك بأيهن بدأت: سبحان، والحمد لله، والله أكبر، ولا إله إلا الله)، وهي الأذكار التي تقرأ دبر الصلوات المكتوبات: سبحان الله ثلاثاً وثلاثين مرة، والحمد لله ثلاثاً وثلاثين مرة، والله أكبر ثلاثاً وثلاثين مرة، ولا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير مرة واحدة، وهي تمام المائة.
لكن لا يضرك بأي واحدة من الأربع بدأت، وهذا يدل على التخيير، فابدأ بأي هذه الكلمات الأربع فإنه لا يضرك.
стр. 574
منزلة السنة في الدين
قال: [وعن كعب بن عجرة ﵁ قال: في أنزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:١٩٦]].
قوله: ((فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ)) أي: ثلاثة أيام، قوله: ((أَوْ صَدَقَةٍ)) أي: إطعام ستة مساكين، قوله: ((أَوْ نُسُكٍ)) أي: الشاة.
إذاً: القرآن الكريم تكلم عن الكفارة إجمالاً والسنة بينته، فالسنة مبينة للكتاب وشارحة ومفصلة، بخلاف من يقول: إننا لا نأخذ إلا من كتاب الله .
فهؤلاء إنما دعاهم مرض قلوبهم وفساد ضمائرهم إلى أن يتعلقوا بشبهة هي أوهى من بيت العنكبوت، لكنهم لا يجرءون أن يقولوا: لا نأخذ بالقرآن ولا بالسنة، فقالوا: نأخذ بالقرآن دون السنة، والنبي ﵊ حذر من هؤلاء، وبين أنهم لابد خارجون، قال: (لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: ما كان في كتاب الله حلالاً أحللناه، وما كان في كتاب الله حراماً حرمناه).
ثم بين النبي ﵊ عوار هذه الفكرة وفساد هذا الضمير، فقال: (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه) قال ذلك ثلاثاً.
ولذلك فمن جهة المنزلة السنة تأتي في الترتيب الثاني بعد كتاب الله .
وأما من جهة الحكم الشرعي فإن السنة مع الكتاب سواءً بسواء، بل أتت السنة -فضلاً عن بيانها للمجمل، أو تفصيلها، أو شرحها لكتاب الله بأحكام انفردت بها، وهذا في معظم أبواب الشريعة، فالسنة أتت بأحكام مستقلة لم تكن في كتاب الله إلا على سبيل الأمر الإلزامي والعام في اتباع أمره ﵇.
قال: (فيَّ نزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:١٩٦] قال: فأتيته فقال: ادنه -أي: اقترب- فدنوت، فقال: ادنه فدنوت، فقال ﷺ : أيؤذيك هوامك؟ قال: نعم.
قال: فأمرني بفدية من صيام أو صدقة أو نسك ما تيسر) أي: من هذه الثلاث لك أن تتخير ما يمكن أن يكون يسيراً في حقك.
стр. 575
بعض الأحكام المأخوذة من أمر النبي لكعب بن عجرة بأن يحلق رأسه
وعنه قال: [(إن رسول الله ﷺ وقف عليه -أي: وقف عند رأسه، أو قريباً منه- ورأسه يتهافت قملاً -يعني: ينزل منه القمل نزولاً كثيراً- فقال: أيؤذيك هوامك؟ قلت: نعم.
قال: فاحلق رأسك)].
وقوله هنا: (فاحلق) ليس فعل أمر يدل على الوجوب، فإن هذه العلة إذا كان يقوى عليها صاحبها، ويمكن له أن يصبر مدة الإحرام بغير أن يحلق فهذا لا شك أولى، وهذا اتفاق أهل العلم.
أما إذا كان ذلك يؤذيه بحيث يتضرر به ضرراً بالغاً شديداً لا يحتمله، فله أن ينتقل إلى الرخصة، ولما كانت العزيمة ترك الحلق والرخصة هي الحلق دل هذا على أن هذا الأمر ليس للوجوب، وإنما هو للندب والتخيير.
فقال هنا: (فاحلق رأسك.
قال: ففي نزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:١٩٦] فقال لي رسول الله ﷺ : صم ثلاثة أيام، أو تصدق بفرق بين ستة مساكين -والفرق: هو الوعاء الذي يأخذ مقدار ثلاثة آصع- أو انسك ما تيسر) يفهم من ظاهره: أنه بإمكانه أن ينسك أي شيء، حتى لو دجاجة، ولكن النسيكة أقل ما تطلق على الشاة؛ ولذلك لفظ (النسيكة) لم يستخدم إلا فيما اشترط الشرع أن يكون شاة فما فوق، أما أقل من ذلك فلا، فالنسيكة في الحج هي الهدي، وهي البقرة، أو الإبل، أو الشاة، الشاة لواحد، والبقرة لسبعة، وكذلك البعير أو الإبل.
والنسيكة كذلك في العقيقة شاتان للغلام، وشاة للجارية، كما أخبر النبي ﵊.
والنسيكة في وليمة العرس كذلك شاة لمن اختار أن يذبح دماً، وإلا فله أن يصنع لحماً، أما في العقيقة فليس له أن يصنع لحماً، حتى وإن اشترى لحماً كثيراً فإنه لا يجزئه؛ لأن العبرة في العقيقة: إهراق الدم بالنية عن فلان؛ ولذلك يسن لمن عق أن يقول حين الذبح: اللهم هذا منك وإليك، عقيقة أو نسيكة عن فلان.
فهنا قال: (أو انسك ما تيسر) أي: ما تيسر لك من الشياه، وإن تيسر له البعير أو البقرة نسكاً لا يمنع، وإن لم يتيسر له إلا الشاة فبها ونعمت، وهي خير من الصيام، وخير من الصدقة على المساكين؛ لأن الشاة ينتفع بها أكثر من ستة، وإن اختار إطعام المساكين وجب عليه أن يطعم ستة مساكين فقط.
ولا شك أن هذا النسك خير من هذا كله؛ لأن النسك نفعه يتعدى لغير الصائم، وكذلك يشمل معه الستة زيادة.
стр. 576
أقوال العلماء في الطعام الذي يكون منه نصف الصاع
قال: [وعن كعب بن عجرة: (أن النبي ﷺ مر به وهو بالحديبية وهو محرم قبل أن يدخل مكة، وهو يوقد تحت قدر، والقمل يتهافت على وجهه، فقال: أيؤذيك هوامك هذه؟ قال: نعم.
قال: فاحلق رأسك، وأطعم فرقاً بين ستة مساكين -والفرق: ثلاثة آصع- أو صم ثلاثة أيام، أو انسك نسيكة)].
قال ابن أبي نجيح وهو أحد الرواة: أو اذبح شاة، وهذا يدل على أن النسيكة المقصود بها: الشاة.
قال: [وعن كعب ﵁: (أن النبي ﵊ مر به زمن الحديبية فقال له: آذاك هوام رأسك؟ قال: نعم.
فقال له النبي ﵊: احلق رأسك، ثم اذبح شاة نسكاً، أو صم ثلاثة أيام، أو أطعم ثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين)].
اتفق العلماء على القول بظاهر هذا الحديث إلا ما حكي عن أبي حنيفة والثوري: أن نصف الصاع لكل مسكين إنما ذلك في الحنطة، يعني: يتصدق بثلاثة آصع من حنطة على ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع.
وهذا الحديث يرد عليهم، ومذهب الجماهير يختلف عن هذا، فمذهب الجماهير أن نصف الصاع من أي طعام كان هو الكفارة المجزئة لمن حلق.
قال أبو حنيفة والثوري: نصف الصاع لكل مسكين إنما ذلك في الحنطة، فأما التمر والشعير وغيرهما فيجب صاع لكل مسكين.
والحديث يقول: (أو أطعم ثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين)، فإذا كان الحديث صريحاً لا يحتمل التأويل، وخالفه قول عالم، فهل يصار إلى الدليل الذي ظاهره لا يحتمل التأويل، أو إلى قول العالم؟
الجواب
يصار إلى الدليل، وهذا العالم الذي خالف الدليل إما أنه لم يبلغه، أو بلغه ولكن فيه علة، أو بلغه لكنه منسوخ، أو بلغه لكنه مؤول، أو غير ذلك من الأعذار التي بسببها خالف أهل العلم ظاهر الروايات.
فلو قلنا بقول أبي حنيفة والثوري رحمهما الله لقلنا: إنه يلزم الحالق ستة آصع، والدليل بيَّن أنها ثلاثة آصع من تمر، وهذا يجزئ.
وعن أحمد بن حنبل في رواية: أنه لكل مسكين مد من حنطة، وهذا بلاشك أيضاً منابذ للرواية؛ لأن الصاع أربعة أمداد، فإذا كان لكل مسكين مد واحد فإنه سيكون صاعاً ونصف صاع فقط، وهذا مخالف للدليل.
فهذا قول الإمام أحمد بن حنبل وهو إحدى الروايات عنه.
وعن الحسن البصري وبعض السلف: أنه يجب إطعام عشرة مساكين، والرواية تقول: ستة فقط.
قال: أو صوم عشرة أيام، والرواية تقول: ثلاثة أيام، وهذا ضعيف منابذ للسنة مردود.
انتهى كلام الإمام النووي عليه رحمة الله.
стр. 577
سبب نزوله قوله تعالى: (ففدية من صيام أو صدقة أو نسك)
قال: [وعن عبد الله بن معقل قال: (قعدت إلى كعب بن عجرة ﵁ وهو في المسجد، فسألته عن هذه الآية: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:١٩٦] فقال كعب ﵁: نزلت فيَّ، كان بي أذى من رأسي فحملت إلى رسول الله ﷺ والقمل يتناثر على وجهي، فقال: ما كنت أُرى أن الجهد بلغ منك ما أَرى.
أتجد شاة؟ فقلت: لا.
فنزلت هذه الآية: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:١٩٦]-فبدأ بالصيام، ثم الصدقة ثم النسك- قال: صوم ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين نصف صاع طعاماً لكل مسكين، قال: فنزلت في خاصة، وهي لكم عامة)].
والأصوليون يقولون: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، يعني: اللفظ في النص القرآني أو النبوي عام وإن كان سبب نزوله في الآية أو سبب وروده في الحديث خاصاً بحادثة بعينها، وعلى ذلك فإنه يصلح للتطبيق في كل حادثة مشابهة، وهذا إلى يوم القيامة، فلا يصح للإنسان أن يقول: إن هذه الفدية التي طولب بها كعب بن عجرة لا يفعلها غيره؛ لأنها حادثة عين، وبمجرد أن طبقها كعب انتهى دورها؛ لأن اللفظ الذي ورد في الآية لفظ عام، والعبرة بعمومه لا بخصوص السبب الذي نزلت من أجله.
стр. 578
عناية الراعي برعيته واجتهاده في إصلاح أمورهم
قال: [وعن عبد الله بن معقل قال: حدثني كعب بن عجرة ﵁: (أنه خرج مع النبي ﵊ محرماً فقمل رأسه -أي: فانتشر القمل في رأسه ولحيته- فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فأرسل إليه فدعا الحلاق فحلق رأسه)]، فالنبي ﵊ هو الذي دعا الحلاق بنفسه ليحلق رأس كعب بن عجرة حتى يكون أبلغ في اجتهاد الإمام، وهذا أدب نبوي رفيع جداً، فالأمر وإن كان في ظاهره مخالفاً، إلا أنه لما كان العذر في حق فلان ساعده الإمام بنفسه، وهذا أمر مستحب في دين الله .
وأنتم تعلمون قصة الرجل الذي وقع على امرأته في نهار رمضان، فأتى إلى النبي ﵇ وقال: (يا رسول الله! هلك الأبعد؟ قال: وما ذاك؟ قال: وقعت على امرأتي في نهار رمضان.
قال: أعتق رقبة، قال: لا أجد.
قال: صم ستين يوماً.
قال: وهل أوقعني فيما وقعت فيه إلا الصيام؟ قال: أطعم ستين مسكيناً، قال: والله يا رسول الله! لا أجد قوت أهلي).
وبينما هو كذلك إذ أتى رجل ببرمتين من التمر، فوضعهما بين يدي النبي ﵊، فقال ﷺ : (خذهما وأطعمهما ستين مسكيناً، قال: وهل تجد بين لابتيها -أي: بين جبليها- من هو أفقر مني ومن أهل بيتي؟ قال: اجعلها في أهل بيتك).
فهو ﵇ ساعده على القيام بواجب الكفارة، مع أنه ليس مطالباً بذلك، ولكنه ساعده من باب الاستحباب والندب، فيندب لكل أمير أو مسئول أو قادر أن يساعد من وقع في الكفارة على أداء كفارته.
فـ كعب بن عجرة وإن نزلت فيه الآية خاصة إلا أنها في الحكم عامة لجميع المسلمين.
هذه رواية الباب، وكلها متفقة في المعنى، ومقصودها: أن من احتاج إلى حلق الرأس لضرر من قمل أو مرض أو نحوهما فله حلقه في الإحرام وعليه الفدية.
قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ [البقرة:١٩٦] الآية.
وبين النبي ﵊ أن الصيام ثلاثة أيام، والصدقة ثلاثة آصع لستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع، والنسك شاة، وهي شاة تجزئ في الأضحية، وهذا شرط في النسك، وكل الأنساك إنما تقاس على الأضحية.
والأضحية يجزئ فيها شاة لا تقل عن ثمانية أشهر، وهذا مذهب جماهير العلماء، ولم يرد فيه دليل أو نص صريح يحدد عمر الشاة إلا من طرق ضعيفة، لكن مذهب الجماهير أحوط وأسلم، ألا تقل الشاة عن ثمانية أشهر، ويا حبذا لو كانت عشرة أشهر أو سنة كاملة.
ويقاس على هذه الأضحية غيرها من بقية الأنساك؛ كنسك من حلق رأسه، أو نسك من فرط في واجب من واجبات الحج، فصار عليه الدم كفارة لما فرط وأهمل، ولما تخلف عنه من واجبات الحج على ألا تنقص هذه الشاة عن ثمانية أشهر، ويفضل أن تكون أكثر من ذلك.
стр. 579
باب جواز الحجامة للمحرم
باب جواز الحجامة للمحرم.
قال: [عن ابن عباس ﵄: (أن النبي ﷺ احتجم وهو محرم)].
قال: [وعن ابن بحينة ﵁: (أن النبي ﵊ احتجم بطريق مكة وهو محرم وسط رأسه)].
قوله: (احتجم بطريق مكة وهو محرم) يعني: بين مكة وبين الميقات، أي: لم يعتمر بعد ولم يحج، وإنما احتجم في حال إحرامه، وأنتم تعلمون أن الحجامة لا بأس بها للمحرم؛ لأنها لا فدية عليها، ولكن النبي ﵊ افتدى هنا لأنه حلق شعره.
فالنسيكة هنا كانت من أجل حلق الرأس، فدم الحجامة لا يؤثر على الإحرام لا بكراهة ولا بغيرها، كما أن دم الحجامة لا تأثير له في الوضوء، فإذا احتجم متوضئ فلا يلزمه إعادة الوضوء، إنما يجب عليه أن يمسح موضع الدم أو يغسله، وكان عبد الله بن عمر ﵄ إذا احتجم غسل مواضع محاجمه، أخرجه البخاري في كتاب الطهارة.
والدماء عموماً لا تأثير لها في الطهارة؛ ولذلك قال الحسن: لا يزال المسلمون يصلون في جراحاتهم، فالدماء لا تأثير لها قط لا في الصلاة ولا في الوضوء.
إذاً: إذا جرح المتوضئ لا يلزمه الإعادة، ولكنه يلزم بإزالة الدم وغسل موضعه.
وعبد الله بن عمر ﵁ عصر بثرة في بدنه حتى خرج منها الدم، فصلى ولم يتوضأ.
وعمر بن الخطاب ﵁ تعلمون أنه طعن في صلاته، فاستمر فيها حتى غاب عن الوعي، ونصحه أصحابه بالصلاة عند الإفاضة أي: بإتمامها، وقال: (إنه لا حظ في الإسلام لمن لا حظ له في الصلاة)، وغير ذلك من الدماء التي تخرج من المخارج الطبيعية فيستوي في ذلك أن يخرج الدم من العين، أو من الأذن، أو من الأنف، أو من أي مخرج إلا مخرجين: القبل، والدبر، فإذا خرج الدم من القبل أو الدبر فإنه ينتقض به الوضوء.
واختلف أهل العلم في الدود الصغير الذي هو كرأس الدبوس إذا خرج من القبل هل ينقض؟ مذهب الجماهير أنه ينقض، ومذهب الأحناف أنه لا ينقض إلا إذا لوث الموضع.
والأحوط: أنه ينقض الوضوء، ويُلزم بإعادة الوضوء من باب الاحتياط؛ لأن النبي ﵊ قال: (لا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة ما لم يحدث) من حديث أبي هريرة في الصحيحين.
قيل لـ أبي هريرة: يا أبا هريرة! ما الحدث؟ قال: الصوت فساء أو ضراط.
ولذلك بوب البخاري في كتاب الطهارة باب: من لم ير نقض الوضوء إلا بالخارج من السبيلين، أو من أحدهما.
وأنت إذا نظرت إلى نواقض الوضوء تجد غالباً أن هذه النواقض مردها إلى القبل والدبر، حتى النوم مرده إلى الدبر؛ ولذلك قال ﵊: (النوم وكاء السه، فإذا نام أحدكم انطلق الوكاء).
والوكاء بمعنى: الغطاء، فشبه الإنسان بالقربة التي لها غطاء محكوم، هذا الغطاء هو اليقظة، فإذا نمت انطلق هذا الوكاء، فقال: (النوم وكاء السه، فإذا نام أحدكم انطلق الوكاء).
يعني: إذا نام أحدكم لا يتحكم في خروج الريح من بدنه، فإذا نام فإن مرده كذلك إلى الخارج من أحد السبيلين.
وعن ابن بحينة: (أن النبي ﵊ احتجم بطريق مكة وهو محرم وسط رأسه).
فالذي يحتجم في وسط رأسه يحتاج إلى إزالة بعض الشعر، ولا تتم الحجامة إلا بهذا الطريق.
стр. 580
الحجامة للمحرم وما في ذلك من الأحكام
قال النووي: (في هذا الحديث دليل على جواز الحجامة للمحرم، وقد أجمع العلماء على جوازها في الرأس وغيره إذا كان له عذر في ذلك، يعني: لا يجري الحجامة في رأسه إلا إذا كان مضطراً إلى ذلك، وإن قطع الشعر حينئذ فعليه الفدية لقطع الشعر، فإن لم يقطع فلا فدية عليه، واحتجوا بنص الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة:١٩٦]، وفي الغالب الذي يجري الحجامة إنما يجريها لأجل العلة أو المرض، فإذا أجراها لأجل العلة أو المرض، ولكنه أجراها في موضع في بدنه لا يحتاج معه إلى قطع الشعر فلا فدية عليه حينئذ ولا كفارة.
أما إذا أجراها في موضع فيه شعر فاضطر إلى أخذ بعض الشعر أو كله، فإنما عليه الفدية، وهذا الحديث محمول على أن النبي ﵊ كان له عذر في الحجامة في وسط الرأس؛ لأنه لا ينفك عن قطع شعره.
أما إذا أراد الحجامة لغير حاجة فإن تضمنت قلع شعره فهي حرام؛ لتحريم قطع الشعر، وإن لم تتضمن ذلك بأن كانت في مواضع لا شعر فيها، فهي جائزة عندنا وعند الجمهور ولا فدية فيها.
وعن ابن عمر: أنهم كرهوها للمحرم بغير عذر.
وعن الحسن البصري قال: فيها الفدية في كل الأحوال، أي: بعذر وبغير عذر).
قال: (وفي هذا الحديث بيان قاعدة من مسائل الإحرام وهي: أن الحلق واللباس وقتل الصيد ونحو ذلك من المحرمات يباح للحاجة وعليه الفدية.
كمن احتاج إلى حلق أو لباس لمرض أو حر أو برد، أو قتل صيد للحاجة وغير ذلك والله أعلم).
ولذلك أهل العلم يفتون بجواز أن يلبس المحرم فوق الإزار والرداء شيئاً يستدفئ به إذا كان الجو شديد البرودة ويخشى معه الهلاك.
وأنتم تعلمون أنه لا يحل للمحرم أن يلبس إلا الإزار والرداء، وفي شدة البرد القارس لا شك أن المرء يخشى على نفسه الهلكة، فإذا استدفأ بشيء آخر فله ذلك مع وجوب الفدية.
стр. 581
باب جواز مداواة المحرم عينيه
باب جواز مداواة المحرم عينيه، حتى وإن اضطر إلى أخذ بعض شعر جسمه له أن يأخذ من شعره ما يساوي قدر العلاج، لكن عليه الفدية حينئذ.
قال: فـ[عن نبيه بن وهب قال: (خرجنا مع أبان بن عثمان حتى إذا كنا بملل -اسم موضع - اشتكى عمر بن عبيد الله عينيه، فلما كنا بالروحاء - اسم موضع كذلك - اشتد وجعه فأرسل إلى أبان بن عثمان يسأله، فأرسل إليه: أن اضمدهما بالصبر، فإن عثمان ﵁ حدث عن رسول الله ﷺ في الرجل إذا اشتكى عينيه وهو محرم ضمدهما بالصبر)]، يعني: عالجهما بالاكتحال بهذه المادة، لكن إذا احتاج إلى أخذ بعض الشعر، فإن كانت شعرة واحدة فعليه مد، وإذا أخذ شعرتين فعليه مدان من طعام، وإذا أخذ ثلاث شعرات فما فوق فعليه شاة.
وإذا كان الشعر يتساقط لوحده بغير صنيع منك فلا شيء عليك، وقد اتفق العلماء على جواز تضميد العين وغيرها بالصبر ونحوه مما ليس بطيب ولا فدية في ذلك، فإن احتاج إلى ما فيه طيب جاز له فعله وعليه الفدية؛ لأن الطيب يحرم على المحرم، كما أن الحلق يحرم على المحرم، فإذا احتاج إلى الحلق لعذر فله أن يحلق وعليه الفدية، فكذلك إذا احتاج المريض أو المرمد في عينيه إلى العلاج بشيء فيه طيب، فعليه أن يستخدم هذا الطيب، ولكن عليه الفدية.
واتفق العلماء على أن المحرم يكتحل بكحل لا طيب فيه إذا احتاج إليه، ولا فدية عليه، وأما الاكتحال للزينة فمكروه عند الشافعي وآخرين، ومنعه جماعة منهم: أحمد وإسحاق -يعني: حرموه- وفي مذهب مالك قولان كالمذهبين -يعني: مكروه، ومحرم- وفي إيجاب الفدية عندهم بذلك خلاف.
стр. 582
باب جواز غسل المحرم بدنه ورأسه
باب جواز غسل المحرم بدنه ورأسه، وإن كان الأولى غير ذلك.
للمحرم أن يغسل بدنه ورأسه، لكن الأولى ألا يغتسل، فهذا الحديث بيَّن الجواز وغيره بيَّن الأفضل.
قال: [(عن عبد الله بن عباس والمسور بن مخرمة أنهما اختلفا بالأبواء -اسم موضع- فقال عبد الله بن عباس: يغسل المحرم رأسه، وقال المسور: لا يغسل المحرم رأسه، فأرسلني ابن عباس إلى أبي أيوب الأنصاري أسأله عن ذلك فوجدته يغتسل بين القرنين -يعني: بين خشبتين قد نفضهما ووضع عليهما ستارة- وهو يستتر بثوب، قال: فسلمت عليه فقال: من هذا؟ فقلت: أنا عبد الله بن حنين -وهو تابعي- أرسلني إليك عبد الله بن عباس أسألك كيف كان رسول الله ﷺ يغسل رأسه وهو محرم؟ فوضع أبو أيوب ﵁ يده على الثوب فطأطأه حتى بدا لي رأسه، ثم قال لإنسان يصب: اصبب.
فصب على رأسه، ثم حرك رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، ثم قال: هكذا رأيته ﷺ يفعل)].
إذاً: غسل البدن والرأس جائز للمحرم؛ بدليل حديث أبي أيوب الأنصاري، وأنه كان يغتسل كما رأى النبي ﵊ يغتسل وهو محرم، وليس في هذا بيان للعورة، ولهذا لا يمنع أن يغتسل وهو لابس ملابس الإحرام خاصة مع شدة الحر في ذلك الزمان.
فهذا أبو أيوب الأنصاري ستر نفسه عن الناس إلا من مولاه، أو من رجل يصب عليه، فجعل بينه وبينه ستاراً، ومولاه يمد يديه فيصب الماء على رأس أبي أيوب الأنصاري.
فـ أبو أيوب بين كيفية غسل النبي ﵊ رأسه لـ عبد الله بن حنين وهو مبعوث عبد الله بن عباس ﵄، فقال: رأيته يفعل هكذا، ثم بين له أنه يأخذ مجامع رأسه من مقدم الرأس، فيرجع بيديه إلى قفاه، ثم يردهما إلى مقدم رأسه.
وهذا يعني: أنه لا يدخل أصابعه في شعره ويخلل شعره تخليلاً تاماً، فالمحرم لا يحتاج إلى مثل هذا، وإنما يحتاج إلى مثل هذا الجنب، حتى يصل الماء إلى منبت الشعر.
قال: فأمر أبو أيوب بيديه على رأسه جميعاً فأقبل بهما وأدبر، فقال المسور لـ ابن عباس: لا أماريك أبداً.
стр. 583
فوائد حديث أبي أيوب في غسل المحرم رأسه وبدنه
هذا الحديث فيه فوائد: منها: جواز اغتسال المحرم، وغسله رأسه، وإمرار اليد على شعره بحيث لا ينتف شعراً، وأنتم تعلمون أن هذا غير مأمون وغير مضمون، وليس فيه كفارة؛ لأنه ما قصد إسقاط الشعر.
ومنها: قبول خبر الواحد، والرجوع إلى النص عند الاختلاف لا إلى قول الفقيه؛ ولذلك يقول ابن القيم عليه رحمة الله: العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول فقيه فإذا كان خلاف الفقهاء للنص خلافاً ظاهراً لا يحتمله النص، لا يكون خلافاً معتبراً ولا يصار إلى رأي هذا الفقيه، إنما يصار إلى النص؛ لأنه ظاهر لا يحتمل التأول.
أما إذا كان نصه -أي: النص في القرآن أو السنة- يحتمل التأويل، وأن الفقهاء أولوا هذا النص على مذهبين أو أكثر بحيث يحتمل النص جميع هذه التأويلات، فلا ينكر على المخالف حينئذ.
ومنها: السلام على المتطهر في وضوء وغسل بخلاف الجالس على الحدث.
وإن كان الجالس على الحدث يجوز إلقاء السلام عليه، والأفضل ترك ذلك، وليس هناك دليل صحيح ينهى عن إلقاء السلام على المحدث، لكن ثبت عن النبي ﵊ أنه نهى عن الرجلين يختليان فيتحدثان.
ومن هذه الفوائد: جواز الاستعانة في الطهارة، والأولى ترك ذلك.
والنبي ﵊ قد أعانه عليه غير واحد من الصحابة ﵃ أجمعين، في الإتيان بماء للاستنجاء أو ماء للوضوء كما فعل أسامة بن زيد والمغيرة بن شعبة، وبلال، وأنس وغيرهم كثير قد أعانوا النبي ﵊ على إتمام طهارته، حتى غسل القدم، واعتذر النبي ﷺ إلى المغيرة بن شعبة، وأنه إنما أدخلهما طاهرتين، لما هوى المغيرة ليخلع خف النبي ﵊ قال: (دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين).
وهذا يدل على أن النبي ﷺ إنما منعه من ذلك لا لأن ذلك مكروه، ولكنه أدخلهما طاهرتين، ولو لم يكن على هذه الحال لجوز له وأذن له أن يفض النعل من رجله، ولكن الأولى ترك ذلك لما يمكن أن يلحق بالمتطهر من كبر أو عجب، أو غير ذلك.
فمن آنس من نفسه رشداً، وأن ذلك لا يؤثر على تواضعه وإخباته فإنه لا يمنع من ذلك، والأمر في حقه جائز، والأولى تركه.
والله أعلم.
اتفق العلماء على جواز غسل المحرم رأسه وجسده من الجنابة، بل هو واجب عليه، وأما غسله تبرداً فمذهب الشافعية، ومذهب الجمهور جوازه بلا كراهة، ويجوز عندنا أي: عند الشافعية غسل رأسه بالسدر والخطمي؛ بحيث لا ينتف شعراً، فلا فدية عليه ما لم ينتف شعراً.
وقال أبو حنيفة ومالك: هو حرام موجب للفدية، والصحيح هو مذهب جماهير أهل العلم.
стр. 584
باب ما يفعل بالمحرم إذا مات
الباب الرابع عشر: ما يفعل بالمحرم إذا مات.
قال: [عن ابن عباس ﵄: (أن رجلاً خر من بعيره -أي: من فوق بعيره- فوقص فمات، فقال النبي ﵊: اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تخمروا رأسه، فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبياً)].
الجزاء من جنس العمل، فكما أن هذا الرجل كان محرماً، والمحرم تلزمه التلبية، فكذلك إذا مات في حال إحرامه فإنه يبعث على نفس الحال ملبياً.
قال: (اغسلوه بماء وسدر)، وفي هذا جواز استخدام السدر -ورق النبق- وهو له رائحة لكنه لا يستخدم للطيب.
وهذا يدل على حرمة الطيب على المحرم حتى لو كان ميتاً، يستوي في ذلك المحرم الذي مات، والمحرم الذي لم يمت، فإنه يحرم عليهما جميعاً استعمال الطيب، وإن كان طيباً أو له رائحة طيبة وهو لا يقصد التطيب فإنه لا يكره له.
قال: (اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه)، أي: الإزار والرداء، (ولا تخمروا رأسه)، ويقال: كل غطاء للوجه خمار، سواءً كان ذلك في حق الرجل أو المرأة.
أما قوله: (ولا تخمروا رأسه) أي: لا تضعوا شيئاً على رأسه، ودعوه مكشوفاً، والذي لا يضع شيئاً على رأسه من باب أولى لا يضع على الوجه، وقد جاء في الروايات صريحاً: (ولا تخمروا وجهه ولا رأسه)، يعني: اتركوه مكشوفاً، كما يحرم على المحرم أن يضع شيئاً فوق رأسه كالقلنسوة، أو الطاقية أو الغترة أو شيء من هذا، فإنه يحرم عليه بعد الموت ذلك؛ لأنه يبعث على نفس الحال التي قبض ودفن عليها.
ثم علل ذلك بأنه قال: (فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبياً).
قال: [وعن ابن عباس ﵄ قال: (بينما رجل واقف مع رسول الله ﷺ بعرفة)] يعني: في حال إحرامه؛ لأن الإحرام لا تنفك منه إلا بأداء نسكين من أعمال يوم النحر، نزولك من عرفة ومبيتك بمزدلفة، ثم تنطلق بعد شروق الشمس في يوم النحر إلى عرفة، وترمي جمرة العقبة بعد الزوال، أي: بعد ظهر يوم النحر، ثم تحلق أو تذبح الهدي، عندها يحل لك كل شيء إلا النساء، ولا يحل لك النساء إلا بعد الطواف والسعي.
قال: [(بينما رجل واقف مع رسول الله ﷺ بعرفة إذ وقع من راحلته، قال أيوب: فأوقصته، أو أقصعته.
وقال عمرو: فوقصته، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبين)].
وفي رواية: (في ثوبيه)، وهذا يدل على أن الثوبين هنا المقصود بهما: الإزار والرداء.
قال: [(ولا تحنطوه)]؛ لأن الحنوط طيب ويستخدم للطيب؛ ولذلك نهاهم أن يحنطوه بالحنوط، والحنوط في الغالب لا يستخدم إلا للميت، وإن استخدمه الحي جاز ذلك، وعلى أية حال: إذا استخدمه الحي أو الميت فإنما يستخدم لأجل الطيب؛ ولذلك نهاهم أن يطيبوه بالحنوط، وأذن لهم أن يضعوا في ماء غسله السدر؛ لأنه لا يستخدم للطيب عادة.
قال: [(ولا تخمروا رأسه فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبياً)].
وفي رواية: (فإن الله يبعثه يوم القيامة يلبي)، وهذا فيه رحمة عجيبة جداً.
فالرواية التي تقول: (فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبياً) أي: على الحالة التي مات عليها.
وأما قوله: (فإن الله يبعثه يوم القيامة يلبي)، هذا يدل على أنه يبعث وهو يلبي، وإن مات وهو غير ملبٍ؛ لأن المرء في حال إحرامه ينشط فيلبي، ويهمد ويكسل وهو في التلبية، فهب أنه مات في لحظة كسله، فهو لم يمت ملبياً، وإنما مات تاركاً، أو متكاسلاً عن التلبية، فهذا من رحمة الله أنه يبعثه وهو يلبي.
وعن ابن عباس ﵄ قال: (أقبل رجل حراماً -يعني: محرماً- مع النبي ﵊ فخر من بعيره فوقص وقصاً فمات، -يعني: انكسر كسراً فمات- فقال النبي ﵊: اغسلوه بماء وسدر وألبسوه ثوبيه - الإزار والرداء - ولا تخمروا رأسه، فإنه يأتي يوم القيامة يلبي).
وفي رواية: (ملبياً).
وفي رواية -وهي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس - (اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تخمروا رأسه ولا وجهه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً).
وفي الرواية الثانية: قال ابن عباس: (أن رجلاً كان مع النبي ﷺ محرماً فوقصته ناقته فمات، فقال ﵊: اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تمسوه بطيب، ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبداً).
والتلبيد: هو دهن الشعر بشيء لا يؤثر على صحة العبادة، أو صحة الطهارة، والنبي ﵊ قد لبد شعره قبل الإحرام، ولكنه استمر معه بعد الإحرام، فإذا مات ملبداً أو ملبياً فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً أو ملبداً.
وعن ابن عباس ﵄ يحدث: (أن رجلاً أتى النبي ﷺ وهو محرم فوقع من ناقته فأقعصته، فأمر النبي صلى ا
стр. 585
من فوائد حديث ابن عباس في المحرم إذا مات
قال النووي عليه رحمة الله: (في هذه الروايات دلالة بينة لمذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وموافقيهم في أن المحرم إذا مات لا يجوز أن يلبس المخيط، ولا تخمر رأسه ولا وجهه، ولا يمس طيباً).
يعني: يدفن على نفس هيئته التي مات عليها وهو محرم.
قال: (وقال مالك والأوزاعي وأبو حنيفة وغيرهم: يفعل به ما يفعل بالحي، ولكن هذا الحديث يرد عليهم.
وأما قوله: (اغسلوه بماء وسدر) دليل على استحباب السدر في غسل الميت، وأن المحرم في ذلك كغيره، وهذا مذهب جماهير أهل العلم.
وقوله: (لا تخمروا وجهه ولا رأسه)، أما تخمير الرأس في حق المحرم الحي فمجمع على تحريمه، أما وجهه فقال مالك وأبو حنيفة: هو كرأسه.
وقال الشافعي والجمهور: لا إحرام في وجهه، بل له تغطيته).
وإنما يجب كشف الوجه في حق المرأة؛ لأن إحرام المرأة في وجهها ويديها؛ لقوله ﵊: (لا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين).
وهذا يدل على وجوب أو استحباب -على الخلاف المشهور- تغطية الوجه والكفين لغير المحرمة، وإجماع أهل العلم أن إحرام المرأة في وجهها وكفيها، أما في سائر بدنها فلها أن تحرم في ملابسها العادية بخلاف الرجل.
قال: (إذا كان ذلك -أي: إحرام المرأة في وجهها- فالرجل على العكس منها، فإنه لا إحرام في وجهه)، وبالتالي له أن يستر وجهه.
فلو نام المحرم فهل له أن يضع منديلاً على وجهه؟ له ذلك، وله أن يلبس نظارة القماش، التي يعطونه إياها في الطائرة لينام فلا يتأثر بالضوء، فإذا لبس هذا الحاج فهل عليه شيء؛ لأن هذا يعتبر تخميراً لبعض الوجه؟
الجواب
لا يعتبر؛ لأنه لم يقصد لذاته، ولم تتخذ بنية تخمير الرأس أو بعضه، وإنما اتخذت لغيرها، وإذا كان الأمر كذلك فإنه يجوز للحاج أن يفعل ذلك؛ لأنه ما قصد تخمير الرأس، إنما قصد المساعدة على تخمير الوجه وهو جائز لهم.
ومع هذا فالأولى ترك ذلك، للخلاف القائم بين العلماء في جواز تخمير الوجه من عدمه؛ لأن المسألة على مذهبين عند أهل العلم: مذهب يقول بالجواز، ومذهب يقول بالحرمة، فلاشك أن القائل بالحرمة يلزم من المخالفة لحوق الإثم بالمحرم إذا خمر وجهه.
وإذا وقع الخلاف بين أهل العلم في قضية ما فالأحوط في الدين ترك ذلك؛ ما لم يقض الدليل بصحة أحد الأقوال، فإنه يصار إليه ولا يصار إلى غيره، والنبي ﵊ يقول: (لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء).
أتيت بهذا الحديث لأبين لك الفرق بين الكثير والقليل، أو بين الكبير والصغير، والحديث في الصحيحين.
ومفهوم الحديث: لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد إلا إذا كان على عاتقه منه شيء، وقد شرح الحافظ ابن حجر هذا الحديث.
قال: الصلاة صحيحة؛ لأنه يصدق عليها ظاهر الحديث.
قال: ولو أخذ هذا الثوب بخيط على عاتقه صحت صلاته؛ لأن الحديث يقول: (لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء).
فقد تحقق شرط الحديث، وهو وجود الشيء على العاتق، ثم استفاض الحافظ ابن حجر في التأدب مع الله ، وبدأ يتكلم في الرقائق ويخاطب القلوب.
قال: ولكن لا يمكن لأحد أن يقف بهذا الملبس أمام أحد من عظماء الدنيا وغير ذلك، فمن باب أولى ألا يقف مصل أمام الله في هذا إلا إذا كان ناسكاً، يعني: إلا إذا كان محرماً؛ لأن المحرم يصلي في الإزار والرداء، ولا يكشف شيئاً من عاتقيه.
المحرم لا يجوز له أن يكشف عاتقه الأيمن إلا في الطواف فقط، فإن أدركتك الصلاة وأنت تطوف فعليك أن تغطي كتفك الأيمن وتلحق بالإمام، فإذا انتهت الصلاة كشفت الكتف الأيمن ثم أتممت طوافك.
فالمصلي وإن كان محرماً لا يجوز له أن يكشف عاتقه، فالحافظ ابن حجر يخاطب القلوب والعقول النيرة فيقول: وهذا الموقف -أي: بين يدي الله أليق بكمال الرياضة، وأنه ينبغي للمرء أن يكون على أحسن هيئة وأجمل منظر، وهذا مخل بهذا الأدب وهذا الشرف -أي: شرف الموقف بين يدي الله أن يأتيه العبد وليس على عاتقه شيء.
من الفوائد: الدلالة لمذهب الشافعي وموافقيه في أن حكم الإحرام باقٍ مع الميت حتى يبعث؛ لأنه بعث على حالته التي مات عليها.
فما بين موته وبعثته هو في حكم المحرم.
ومنها: أن التكفين في الثياب الملبوسة جائز، وهذا أمر مجمع عليه.
وأبو بكر الصديق ﵁ لما خير في لحظة احتضاره بين ثيابه التي يلبسها، وأن يشتروا له ثوباً يكفن فيه قال: الحي أولى بذلك من الميت.
وهذا من أدبه وتورعه ﵁ وأرضاه، فالثياب الملبوسة يجوز التكفين فيها بلا خلاف بين أهل العلم.
ومنها: جواز التكفين في ثوبين، وإن كان الأفضل ثلاثة، لكن يقال هنا: الأفضل ثلاثة لمن لم يكن محرماً، والأفضل في حق المحرم أن يكفن في ثوبيه.
ومنها: أن
стр. 586
باب جواز اشتراط المحرم التحلل بعذر المرض ونحوه
باب جواز اشتراط المحرم التحلل بعذر المرض ونحوه.
أي: إذا خشي العذر من مرض أو نحو ذلك، والاشتراط: أن الواحد في لحظة إهلاله في الميقات حين يقول: لبيك اللهم عمرة يردفها بقوله: فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني.
فيكون قد اشترط على ربه هنا، فربما يأتيه عارض من مرض، أو تعسر في الأوراق الرسمية وغيرها، يعني أنت ممكن تسافر من هنا، وتمر على الميقات فتحرم وتهل: لبيك اللهم عمرة، وتنزل مطار جدة فيقال لك: تأشيرتك هذه مضروبة، كيف مضروبة؟ الكمبيوتر يقول: إن التأشيرة هذه مضروبة، والرقم هذا الذي معك قد دخل به محرم آخر البلاد برقم صحيح.
قال: [عن عائشة ﵂ قالت: (دخل رسول الله ﷺ على ضباعة بنت الزبير فقال لها أردت الحج؟ قالت: والله ما أجدني إلا وجعة فقال لها: حجي واشترطي، وقولي اللهم محلي حيث حبستني، وكانت تحت المقداد بن الأسود)].
وقوله: (حجي واشترطي) يعني: قولي: (اللهم محلي حيث حبستني) يعني: إذا منعني المرض أو العذر فأنا سأتحلل من ملابس الإحرام، وألبس الملابس العادية وأرجع بغير أداء النسك ولا فدية علي.
(اللهم محلي) أي: ائذن لي بالتحلل من ملابس الإحرام بغير كفارة ولا فداء.
مثال ذلك: لو أنهم أرجعوك من مطار جدة أو تحت أي ظرف من الظروف وقعت فيه، وقد اشترطت في الميقات فقلت: لبيك اللهم حجاً أو عمرة فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني.
فرأوك في المطار مثلاً وأنكروا عليك أوراقك الرسمية التي أنت داخل بها مكة، فإذا كنت اشترطت في الميقات فلك أن تنزع ملابس الإحرام، وترجع إلى بلدك ولا كفارة عليك ولا ذنب.
أما إذا لم تكن قد اشترطت فإنه يلزمك الكفارة، وكفارة ذلك: ذبح شاة لفقراء الحرم، فقيمة الاشتراط أنه ينأى بك عن الكفارة إذا تحقق الشرط.
قال: [قالت عائشة: (دخل النبي ﵊ على ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب - وهي بنت عم النبي ﵊ -فقالت: يا رسول الله! إني أريد الحج وأنا شاكية، فقال النبي ﵊: حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني)].
قال: [وعن ابن عباس ﵁: (أن ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب ﵂ أتت رسول الله ﷺ فقالت: إني امرأة ثقيلة -يعني: أثقلني المرض- وإني أريد الحج.
فما تأمرني؟ قال: أهلي بالحج -يعني قولي: لبيك اللهم حجاً- واشترطي أن محلي حيث تحبسني.
قال: فأدركت)] أي: فأدركت الحج كله بغير أن يمنعها المرض.
قال: [وعن ابن عباس ﵄: (أن ضباعة أرادت الحج.
فأمرها النبي ﵊ أن تشترط، ففعلت ذلك عن أمر رسول الله ﷺ ].
стр. 587
فوائد من أحاديث اشتراط المحرم التحلل بعذر
يقول الإمام النووي: (في هذا الحديث دلالة لمن قال: يجوز أن يشترط الحاج والمعتمر في إحرامه أنه إذا مرض تحلل.
وهو قول عمر بن الخطاب، وعلي، وابن مسعود، وآخرين من الصحابة ﵃، وجماعة من التابعين، وهو الصحيح من مذهب الشافعي، وحجتهم هذا الحديث الصحيح الصريح)، لأنكم تعلمون جميعاً أن الدليل لا يصح الاحتجاج به إلا إذا كان صحيحاً وصريحاً.
وقولك: صحيح، احتراز من الضعيف؛ لأن الضعيف لا تقوم به الحجة، خاصة في مسائل الأحكام ومسائل الاعتقاد وغيره.
ووقع نزاع بين أهل العلم في جواز الاحتجاج بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال.
والراجح في ذلك عدمه.
ولو أنه أراد الحج ومنعه مانع من بيته فلم يخرج فله ثواب الحج، وهذا لا يعني أن حجة الإسلام تسقط عنه، بل تبقى، ولكن الثواب يجري له.
وقد جاءت في ذلك أحاديث كثيرة جداً إن شئت أن ترجع إليها في باب الإخلاص من كتاب رياض الصالحين، وهو متوفر لدى كل إنسان، فارجع فإنك تجد آثاراً كثيرة تدل على أن من نوى شيئاً وكان عازماً عزماً أكيداً صادقاً فإنه يجري له الثواب.
أذكر من هذا دليلاً واحداً وهو قول النبي ﵊ لأصحابه لما كان في غزوة: (ما نزلتم منزلاً ولا هبطتم وادياً ولا سرتم في طريق -وفي رواية: أو في مسير- إلا وقد شاركوكم الأجر -أي: إخوانكم بالمدينة- منعهم العذر).
وفي رواية: (منعهم المرض).
قال: (وقال أبو حنيفة ومالك وبعض التابعين: لا يصح الاشتراط؛ لأنه حادثة عين، فهو أمر مخصوص بـ ضباعة فقط، ولا يمكن قياس غير ضباعة على ضباعة، والكلام هذا طبعاً منقوض بالقاعدة الأصولية: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وفي هذا الحديث دليل على أن المرض لا يبيح التحلل إذا لم يكن اشترط في حال الإحرام، لكنه لو منعه المرض بالفعل عن مواصلة المناسك فلابد أن يتحلل ويذبح شاة.
стр. 588
باب إحرام النفساء واستحباب اغتسالها للإحرام، وكذا الحائض
الباب الأخير: باب إحرام النفساء، واستحباب اغتسالها للإحرام، وكذا الحائض.
وذلك لأن النفساء والحائض كلتاهما حكمهما واحد.
والنفاس يطلق في اللغة: على الحيض.
وعائشة ﵂ نفست في حجة الوداع، والنبي ﵊ قال لها: (أنفست؟ قالت: نعم)، وكان ذلك في مدخلها مكة، وطهرت منه في ليلة عرفة، كما سيأتي معنا في الروايات، والنبي ﵊ انطلق محرماً مع هلال ذي الحجة، أي: أن الأمر لم يستغرق إلا بضعة أيام، فهذا حيض، كما أنه من المعلوم أن عائشة لم تلد، ومع هذا قال لها: (أنفست؟) فالنفاس في اللغة: الحيض.
فالحيض: هي العادة الشهرية التي تنزل على المرأة المؤهلة له، والنفاس: ما تصاب به المرأة بعد ولادتها، كما في حديث أم سلمة ﵂: (أن النبي ﷺ وقت للنفساء أربعين يوماً).
وهذا يدل على أن أقصى مدة النفاس أربعون يوماً، وهذا في الغالب، وإلا فأنت تجد في كتب المذاهب كما عند الأحناف والشافعية أن أقصى مدة النفاس ستون يوماً، وهذا شاذ، فغالب النساء ينقطع دم النفاس عنهن بعد أربعين يوماً، ولا يلزم استمرار نزول الدم أربعين يوماً، بل قد ينزل عشراً، ثم ينقطع عشراً، ثم يأتي عشراً وهكذا، أو خمساً وخمساً، أو سبعاً وسبعاً، فلا يجب استمرار نزول الدم طوال الأربعين يوماً، ولكن المعنى: أن النبي ﷺ حدد أن أقصى مدة النفاس تكون أربعين يوماً.
ولذلك العلماء يقولون: أقصى مدة النفاس على حديث أم سلمة أربعون يوماً في غالب عادة النساء، ولا حد لأقله، كما لا حد لأقل الحيض، والراجح أن أقل حد النفاس والحيض دفقة دم تخرج من رحم المرأة؛ لأنه لا معنى لقولهم: لا حد لأقله؛ لأنه إذا كان أقصى النفاس أربعين يوماً فلابد أن يكون له حد أقل، فقولهم: لا حد لأقله أمر غير مفهوم، والمفهوم أن أقل الحيض والنفاس دفقة دم تخرج من رحم المرأة، وهذا مذهب كثير من أهل العلم كذلك.
قال: (باب إحرام النفساء واستحباب اغتسالها للإحرام وكذا الحائض).
يعني: الحائض والنفساء يستحب لهما أن تغتسلا للإحرام مع وجود النفاس ومع وجود الحيض.
والإحرام يكون من الميقات، وأنتم تعلمون أن الغسل في حق الرجال كذلك مستحب وليس واجباً، كما أن الصلاة التي يحرم بعدها المحرم ليست واجبة، وإنما هي مستحبة كذلك.
قال: [قالت عائشة: (نفست أسماء بنت عميس)] وأسماء بنت عميس هي زوجة أبي بكر الصديق ﵁.
قالت: [(نفست أسماء بنت عميس بـ محمد بن أبي بكر -يعني: ولدت محمد بن أبي بكر - بالشجرة، فأمر رسول الله ﷺ أبا بكر يأمرها أن تغتسل وتهل)] يعني: تقول: لبيك اللهم عمرة أو حجاً.
قال: [وعن جابر بن عبد الله ﵄: (في حديث أسماء بنت عميس حين نفست بذي الحليفة، أن رسول الله ﷺ أمر أبا بكر ﵁ فأمرها أن تغتسل وتهل)].
وذو الحليفة ميقات أهل المدينة، وأنتم تعلمون أن هذا المكان فيه نزاع بين ثلاث مسائل: الشجرة، والمسجد، والبيداء، فمن الناس من كان يهل من البيداء، ومن الناس من كان يهل من المسجد بعد الصلاة مباشرة وقبل أن يقوم من مقامه، ولكن النبي ﵊ ما أهل إلا من عند الشجرة حين ركب دابته فقامت وانبعثت، فبعد أن انبعثت أهل بالنسك.
وفي هذا الحديث صحة إحرام النفساء والحائض واستحباب اغتسالهما للإحرام، وهو مجمع على الأمر به، لكن مذهب الشافعية ومالك وأبي حنيفة والجمهور: أنه يستحب.
وقال الحسن وعند أهل الظاهر هو واجب.
يعني: غسل الحائض والنفساء واجب، والحائض والنفساء يصح منهما جميع أفعال الحج إلا الطواف وركعتيه؛ لقوله ﵊: (واصنعي ما يصنع الحاج غير ألا تطوفي بالبيت).
فالطواف لا يجوز للحائض ولا النفساء، ولا حتى فاقد الوضوء؛ لأن الطهارة شرط في الطواف؛ ولذلك قال النبي ﵊: (الطواف بالبيت صلاة غير أن الله أحل فيه الكلام).
والركعتان اللتان خلف مقام إبراهيم تابعتان للطواف، فإذا كان الحائض والنفساء وغير المتوضئ من الرجال والنساء لا يجوز له الطواف على هذا النحو، فهل يجوز له الصلاة ركعتين؟ من باب أولى لا يجوز؛ لأنه لا طواف إلا بطهور، والسعي لا يشترط له الطهارة لكن يستحب.
وفي هذا الحديث: أن ركعتي الإحرام سنة وليستا بشرط لصحة الحج؛ لأن أسماء لم تصلهما، هذا والله تعالى يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال والأقوال.
стр. 589
الحج مفروض على التراخي
أذكر قديماً كتاباً اسمه: (إحكام التقرير في أحكام التفسير) وهو في الحقيقة لأخ أردني اسمه مراد شكري.
أخونا مراد شكري من إخواننا المحبين، وهو في الحقيقة من تلاميذ الشيخ الألباني، ومعلوم أن الاجتهاد في النوازل أمر سائغ.
أما إذا اجتهد السلف في مسألة على قولين، ثم انعقد الإجماع بعد هذا الخلاف، فالمعلوم أصولياً أن الإجماع بعد الخلاف يرفعه، يعني: ينزع الخلاف كأن لم يكن.
فإذا اختلف السلف في مسألة على قولين، أحدهما قال: يجوز، والآخر قال: لا يجوز، ثم تبين لأهل العلم عدم الجواز، وانعقد إجماع أهل العلم على عدم الجواز، فانعقاد الإجماع بعد الخلاف يجعل الخلاف كأن لم يكن، أي: يرفعه تماماً، وبعد ظهور الحق ومعرفة أن التأويل ليس مذهب السلف لا يحصل ثوابه، بل يأثم من فعل ذلك، خاصة وأن رءوس التأويل رجعوا عن تأويلهم.
هذا الأخ يقول: حديث ضباعة يدل على تعجيل الحج.
قالت ضباعة: (يا رسول الله! إني أريد الحج ولكني ثقيلة -أو أشتكي- فقال لها: حجي واشترطي)، لم يقل لها: انتظري إلى العام القادم، أو أن الحج على التراخي، وإنما قال لها: (حجي) أي: الآن، فأمره ﵊ لها بقوله: (حجي) ليس أمراً يدل على الوجوب، إنما هو للإرشاد والتوجيه باتفاق أهل العلم، وإذا كان الحج على الفور لكان أول من حج بعد الفرض هو النبي ﵊، ولكنه حج في آخر حياته، وأنتم تعلمون أن حجة الوداع كانت في السنة العاشرة، وقد مات النبي ﷺ بعد حجه ببضعة أشهر.
فالراجح من كلام أهل العلم: أن الحج مفروض على التراخي.
стр. 590
الأسئلة
стр. 591
حكم من يصلي النافلة أثناء إقامة الصلاة
السؤال
إذا أقيمت الصلاة وأنا أصلي النافلة هل يكون الخروج من الصلاة بالتسليم أم لا؟
الجواب
قوله ﵊: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)، يعني: التي أقيمت الصلاة لأجلها، فإذا كنت تصلي النافلة أو السنة الراتبة وأقيمت الصلاة فاعلم أن هناك خلافاً بين العلماء، فمنهم من يقول: صل ركعتين وإن كنت أحرمت ودخلت في الصلاة بأربع، ومنهم من يقول يخفف الصلاة قدر الإمكان حتى يدرك الركعة الأولى مع الإمام.
ومنهم من قال: تبطل الصلاة ولا يحتاج معها إلى تسليم.
وحمل النفي هنا على نفي الصحة، فقوله: (فلا صلاة) أي: لا صلاة صحيحة إلا التي أقيم لها، وهي صلاة الإمام.
وأحسن الأقوال في ذلك: قولان لابد من اعتبارهما.
القول الرابع في المسألة: إذا أقيمت الصلاة فلا شروع في صلاة نافلة، (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة) أي: فلا تشرع في صلاة غيرها، وإذا كنت في صلاة فتعجلها وخففها حتى تلحق بالإمام، هذا إذا كان لحوقك بالإمام في الركعة الأولى، وأما إذا كان يغلب على ظنك أنك لا تدرك الإمام في الركعة الأولى مهما عجلت فينبغي أن تخرج من صلاتك بتسليم أحوط، وشيخنا الألباني عليه رحمة الله يقول: يخرج منها مباشرة بغير تسليم؛ لأن الشيخ يحمل النفي على الإطلاق، يقول: (فلا صلاة) أي: فلا صلاة صحيحة، فإذا فسدت صلاته أو بطلت فما قيمة التسليم حينئذ؟ كالذي يخرج منه الريح وهو في الصلاة هل يسلم؛ لأنه بخروج الريح قد خرج من الصلاة، فما قيمة التسليم حينئذ؟
стр. 592
معنى الحديث الصريح
السؤال
لا يجوز الاحتجاج بالدليل إلا إذا كان صحيحاً وصريحاً، فما معنى صريحاً؟
الجواب
معنى الصريح: أن الدليل صريح في حل النزاع ليس بعيداً عنه، يعني: صراحة الدليل أنه يحكم القضية نفسها، فلو أنك مثلاً قلت لامرأتك: أنت طالق.
فقلت لي هل يقع الطلاق؟ قلت لك: نعم.
يقع، بدليل قوله ﵊: (من صام رمضان، ثم أتبعه ستاً من شوال فكأنه صام الدهر).
فهذا الحديث صحيح، لكنه ليس صريحاً في حل النزاع.
стр. 593
حكم وضع الأموال في بنك فيصل
السؤال
هل يجوز وضع الأموال في بنك فيصل؟
الجواب
في الحقيقة إن بنك فيصل وبنك المصرف الإسلامي الدولي بنكان أحسن من غيرهما وإن كان فيهما دخن، فيجوز لك أن تعمل في هذين البنكين مع استغلال الربح هنيئاً مرئياً.
стр. 594
معنى الاضطباع وحكمه
السؤال
هل الاضطباع مشروع في طواف القدوم فقط، وما الفرق بين أهل مكة وأهل الحرم؟
الجواب
أهل مكة أو أهل الحرم لا يلبسون ملابس الإحرام أصلاً؛ لأنهم يطوفون طواف عبادة وليس طواف نسك، أما أنت فباعتبارك قادماً فإنه يلزمك الإحرام، وإذا لبست الإحرام يلزمك الاضطباع، والاضطباع هو: كشف الكتف الأيمن حين الطواف فقط.
стр. 595
شرح صحيح مسلم - كتاب الحج - بيان وجوه الإحرام الإفراد - القران - التمتع
الحج أحد أركان الإسلام وشعائره العظيمة، وهو ثلاثة أنواع: تمتع وقران وإفراد؛ يهل الحاج بأحدها عند الإحرام، وقد وقع الاختلاف في أي المناسك الثلاثة أفضل منذ عهد الصحابة، كما اختلفوا في حجة النبي ﷺ هل كانت إفراداً أم قراناً أم تمتعاً؟ وعلى كل حال فالإفراد أكملها، والهدي يجبر النقصان في القران والتمتع.
стр. 596
باب ما جاء أن عرفة كلها موقف
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، ثم أما بعد: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: (باب ما جاء أن عرفة كلها موقف).
النبي ﵊ لاشك أنه وقف في موطن معين من عرفة، ولم يقف في كل عرفة، كما وقف في موطن معين من مزدلفة، ولم يقف في كل مزدلفة، وكذلك وقف ونزل في منى، وقد ضرب له خباء في منى فمكث فيه ثلاثة أيام، ولا شك أن ذلك كان في مكان معين دون بقية أجزائها، والنبي ﵊ خشي أن يأتي من يتمسك بهذا المكان الذي نزل فيه في عرفة أو في مزدلفة أو في منى ويقول: لا يجزئ الوقوف إلا في المكان الذي وقف فيه النبي ﵊، سواء كان ذلك الوقوف في منى أو مزدلفة أو عرفة، فقال النبي ﵊ في عرفة: (وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف).
وقال في المزدلفة: (وقفت هاهنا وجمع كلها موقف)، ويقال لمزدلفة: جمع.
وقال في منى: (ووقفت هاهنا ومنى كلها موقف)؛ ليبين الجواز، وإن كان الأفضل النزول حيث نزل النبي ﵊، والوقوف حيث وقف النبي ﵊.
стр. 597
حكم الطواف في جميع طوابق المسجد الحرام وسطحه وخارج المسجد
ومن المعلوم أن النبي ﵊ طاف حول الكعبة مباشرة، واليوم من الناس من يطوف في الدور الثاني أو الثالث أو في السطح أو خارج المسجد الحرام من شدة الزحام، والطواف في هذه الأماكن كلها يجزئ الطائفين، ولكن أفضل الطواف بلا شك هو الطواف في المكان الذي طاف فيه النبي ﵊، ولكن من لم يتمكن من ذلك يجزئه طوافه في غير المكان الذي طاف فيه النبي ﵊، وطوافه صحيح بلا شك وبلا خلاف بين أهل العلم، وإن كان الأفضل هو الطواف حيث طاف النبي ﵊.
стр. 598
حكم الوقوف في أي مكان من مزدلفة ومنى وعرفة في أيامهن المحدودة
أراد النبي ﵊ أن ينفي خلافاً ربما يقع فيه طوائف من الأمة فيما بعد، فقال في حديث جابر: [(نحرت هاهنا ومنى كلها منحر)]، أي: ذبحت الهدي في هذا المكان من منى، ولو أراد الذابح أن يذبح في كل بقعة منها شاة لربما ذبح آلاف أو ملايين الشياه، والنبي ﵊ ما ذبح إلا هديه، ولا يتصور أنه ذبح إلا في بقعة معينة من منى، فخشي ﵊ أن يتمسك بهذا المكان في النحر والذبح أناس من أمته فقال: (نحرت هاهنا)، أي: في هذا المكان بعينه، (ومنى كلها منحر)، أي: منى كلها صالحة بأن يذبح فيها الهدي، وليس بلازم أن يذبح في نفس المكان الذي ذبح فيه النبي ﵊، بل قال: (فانحروا في رحالكم، ومنى كلها منحر)، يعني: من شاء أن ينحر في بيته أو في خيمته أو في خبائه الذي نزل فيه في منى فلينحر، ولا يصح لك أن تضرب خباءك ولا أن تنزل في مكان خارج منى، وإنما تضرب خباءك في منى في أيام منى، وفي مزدلفة في ليلة المزدلفة، وفي عرفة في يوم عرفة وليلتها.
فإذا كان الخباء مضروباً خارج هذه البقاع -أي: خارج حدود عرفة أو المزدلفة أو منى- لم يصح مبيتك ولا قيامك في هذا المكان إذا لم تكن قد دخلته في أثناء المدة المأذون فيها من جهة الشرع.
قال: [(ووقفت هاهنا وعرفة كلها موقف)]، أي: في هذا المكان من عرفة، (وعرفة كلها موقف).
وقال: [(ووقفت هاهنا -أي: في جمع في مزدلفة- وجمع كلها موقف)].
стр. 599
الرمل في الطواف واستلام الحجر الأسود
قال جابر ﵁: [(إن رسول الله ﷺ لما قدم مكة أتى الحجر فاستلمه)]، أي: لما دخل مكة محرماً بالحج أتى الحجر فاستلمه، أي: فتناوله بيمينه وقبل يمينه، ثم مشى على يمين الحجر، وكان الحجر على شماله.
قال: [(فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً)] والرمل: هو الإسراع قليلاً، والسعي الحثيث، وهذا الرمل لا يكون إلا في الثلاثة الأشواط الأولى، وأما الأشواط الأربعة الباقية فيمشي فيها على الأقدام بغير تكلف وبغير إسراع، وإنما يمشي المشي المعتاد.
فالسنة أن ترمل في الثلاثة الأشواط الأولى، وتمشي مشياً عادياً في الأربعة الباقية.
وفي هذا الحديث: أن السنة للحاج أن يبدأ أول قدومه بطواف القدوم، ويقدمه على كل شيء، وأن يستلم الحجر الأسود في أول طوافه، وقد اختلف أهل العلم هل يسن أن يستلم الحجر أو أن يقبله أو يشير إليه في كل شوط أو يكفي الشوط الأول؟ فالاستلام والتقبيل مسنون في الشوط الأول، ويسن له أن يشير إليه وأن يتوجه إليه بصدره عند محاذاته، وأن يشير إليه بيمينه، ولا يقبل يمينه بعد ذلك في بقية الأشواط.
стр. 600
باب في الوقوف وقوله تعالى: (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس)
الباب الحادي والعشرون: باب في الوقوف وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة:١٩٩].
قال: [قالت عائشة ﵂: كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة]، أي: لم يكونوا يقفون بعرفة، وهذا في الجاهلية قبل الإسلام.
قال: [قالت: وكانوا يسمون الحمس]، أي: من شدة تحمسهم، وكانوا يعتبرون أنهم أنجب العرب وأفضلهم، وأولى بالبيت الحرام من غيرهم.
والمزدلفة حرم، وعرفة ليست بحرم، وإنما هي حل، فكانوا يقولون: نحن أولى ببيت الله من بقية العرب، لا يسعنا أن نخرج من دائرة الحرم.
ومن أراد من أهل مكة أن يعتمر يلزمه أن يذهب إلى الحل ليحرم من هناك، كما أهلت عائشة من التنعيم؛ لأن التنعيم من الحل وليس من الحرم، ويجوز الإحرام من عرفة، لأن عرفة حل وليست حرماً، وهي من جهة المشرق، ونمرة حل من جهة المغرب، فمن أراد أن يهل بعمرة من أهل مكة وهو بعرفة فله ذلك.
وقريش كانت تعتبر أنها أولى الناس ببيت الله الحرام وبالحرم، وكان أهلها يقولون: إذا خرجت العرب إلى الحل -أي: إلى عرفة- فإننا لا نخرج؛ لأننا أولى بالحرم منهم، ولا يجوز لنا أن نخرج عن دائرة الحرم، فكانوا يقفون في حجهم في الجاهلية في مزدلفة؛ لأن المزدلفة حرم.
وأما العرب فقد أجمعوا على وجوب الوقوف بعرفة قبل بعثة النبي ﵊، وكانت قريش ومن دان دينها يقفون بمزدلفة ويسمون أنفسهم الحمس، فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه أن يأتي عرفات فيقف بها، ثم يفيض منها في قوله : ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة:١٩٩] أي: ثم انزلوا، وربنا اختار هذا اللفظ ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾ [البقرة:١٩٩]، ولم يقل: ثم انزلوا، أو ثم اصدروا، وإنما قال: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾ [البقرة:١٩٩]، فشبه ذلك بفيضان الماء وسيلانه الجاري الذي لا يمكن الوقوف في وجهه أو صده؛ لأن العرب كانوا مجمعين على الوقوف بعرفة إلا قريشاً، وقريش إلى العرب نسبة قليلة جداً.
فلما جاء النبي ﵊ بهذا الإسلام أمره ربه أن يفيض من حيث أفاض الناس، أي: من عرفات.
والمقصود بالناس: العرب، فأمر الله نبيه أن يخالف قومه وعشيرته وأهله في وقوفهم بمزدلفة، وينطلق مباشرة إلى عرفة، ثم إذا دخل الليل وغربت الشمس من اليوم التاسع أن يفيض مع الناس، يعني: أن ينزل من عرفة إلى المزدلفة، والذي ينطلق من منى في يوم عرفة بعد شروق الشمس إلى عرفات يمر بالمزدلفة أو بمحاذاتها على حسب الطريق الذي يسلكه؛ لأن الطرق ما بين منى إلى عرفة ومن عرفة إلى مزدلفة ومن مزدلفة إلى منى طرق كثيرة، فهناك طرق تمر بأرض المزدلفة، وطرق تحاذيها من الخارج.
والنبي ﵊ بات بمنى في يوم التروية، ثم صلى الفجر وجلس في مصلاه حتى أشرقت الشمس، ثم انطلق ﵊ وقريش كلها تنظر إليه وتحسب أنه سينزل في المزدلفة؛ لأنها موقف قومه، وظنوا أن محمداً لن يخالفهم في ذلك، وأن العرب ستحرج إحراجاً شديداً في هذا اليوم، فمر النبي ﵊ بالمزدلفة ولم يقف فيها ووقف بعرفة، ثم نزل من آخر يومه فصلى المغرب والعشاء جمع تأخير في المزدلفة عند المشعر الحرام، ومزدلفة كلها موقف، وإن كان الأولى النزول عند المشعر الحرام، ويصلي فيها المغرب والعشاء جمع تأخير.
قال: [قالت: وكان سائر العرب يقفون بعرفة، فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه أن يأتي عرفات فيقف بها ثم يفيض منها، فذلك قوله : ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة:١٩٩]].
قال: [وعن هشام بن عروة عن أبيه قال: كانت العرب تطوف بالبيت عراة إلا الحمس]، يعني: إلا قريشاً، فقد كانوا يطوفون وعليهم ملابسهم.
قال: [إلا الحمس -والحمس قريش وما ولدت- كانوا يطوفون عراة إلا أن تعطيهم الحمس ثياباً، فيعطي الرجال الرجال والنساء النساء].
وقريش كان لها فضل عظيم جداً في الجاهلية في الحفاظ على كرامة البيت وشرفه، وكانوا يعطون من ملابسهم للعرب الذين يأتون يطوفون بالبيت عراة، فكان الرجل من قريش أو من الحمس يعطي الرجل من العرب، والمرأة من قريش تعطي المرأة من العرب، حتى يطوف الجميع مستورين.
قال: وكانت الحمس لا يخرجون من المزدلفة -أي: يقفون بها- وكان الناس كلهم يبلغون عرفات -أي: العرب-.
قال: [قال هشام: فحدثني أبي عن عائشة ﵂ قالت: الحمس هم الذين أنزل الله فيهم: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة:١٩٩].
قالت: كان الناس يفيضون من عرفات، وكان الحمس يفيضون من المزدلفة، يقولون: لا نفيض إلا من الحرم.
فلما نزلت: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة:١٩٩]، رجعوا إلى عرفات]، أي: رجع الحمس وقريش وأفاضوا مع الناس من عرفات.
следующие страницы →