Полный текст (2 103 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
باب ما جاء أن عرفة كلها موقف
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، ثم أما بعد: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: (باب ما جاء أن عرفة كلها موقف).
النبي ﵊ لاشك أنه وقف في موطن معين من عرفة، ولم يقف في كل عرفة، كما وقف في موطن معين من مزدلفة، ولم يقف في كل مزدلفة، وكذلك وقف ونزل في منى، وقد ضرب له خباء في منى فمكث فيه ثلاثة أيام، ولا شك أن ذلك كان في مكان معين دون بقية أجزائها، والنبي ﵊ خشي أن يأتي من يتمسك بهذا المكان الذي نزل فيه في عرفة أو في مزدلفة أو في منى ويقول: لا يجزئ الوقوف إلا في المكان الذي وقف فيه النبي ﵊، سواء كان ذلك الوقوف في منى أو مزدلفة أو عرفة، فقال النبي ﵊ في عرفة: (وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف).
وقال في المزدلفة: (وقفت هاهنا وجمع كلها موقف)، ويقال لمزدلفة: جمع.
وقال في منى: (ووقفت هاهنا ومنى كلها موقف)؛ ليبين الجواز، وإن كان الأفضل النزول حيث نزل النبي ﵊، والوقوف حيث وقف النبي ﵊.
стр. 597
حكم الطواف في جميع طوابق المسجد الحرام وسطحه وخارج المسجد
ومن المعلوم أن النبي ﵊ طاف حول الكعبة مباشرة، واليوم من الناس من يطوف في الدور الثاني أو الثالث أو في السطح أو خارج المسجد الحرام من شدة الزحام، والطواف في هذه الأماكن كلها يجزئ الطائفين، ولكن أفضل الطواف بلا شك هو الطواف في المكان الذي طاف فيه النبي ﵊، ولكن من لم يتمكن من ذلك يجزئه طوافه في غير المكان الذي طاف فيه النبي ﵊، وطوافه صحيح بلا شك وبلا خلاف بين أهل العلم، وإن كان الأفضل هو الطواف حيث طاف النبي ﵊.
стр. 598
حكم الوقوف في أي مكان من مزدلفة ومنى وعرفة في أيامهن المحدودة
أراد النبي ﵊ أن ينفي خلافاً ربما يقع فيه طوائف من الأمة فيما بعد، فقال في حديث جابر: [(نحرت هاهنا ومنى كلها منحر)]، أي: ذبحت الهدي في هذا المكان من منى، ولو أراد الذابح أن يذبح في كل بقعة منها شاة لربما ذبح آلاف أو ملايين الشياه، والنبي ﵊ ما ذبح إلا هديه، ولا يتصور أنه ذبح إلا في بقعة معينة من منى، فخشي ﵊ أن يتمسك بهذا المكان في النحر والذبح أناس من أمته فقال: (نحرت هاهنا)، أي: في هذا المكان بعينه، (ومنى كلها منحر)، أي: منى كلها صالحة بأن يذبح فيها الهدي، وليس بلازم أن يذبح في نفس المكان الذي ذبح فيه النبي ﵊، بل قال: (فانحروا في رحالكم، ومنى كلها منحر)، يعني: من شاء أن ينحر في بيته أو في خيمته أو في خبائه الذي نزل فيه في منى فلينحر، ولا يصح لك أن تضرب خباءك ولا أن تنزل في مكان خارج منى، وإنما تضرب خباءك في منى في أيام منى، وفي مزدلفة في ليلة المزدلفة، وفي عرفة في يوم عرفة وليلتها.
فإذا كان الخباء مضروباً خارج هذه البقاع -أي: خارج حدود عرفة أو المزدلفة أو منى- لم يصح مبيتك ولا قيامك في هذا المكان إذا لم تكن قد دخلته في أثناء المدة المأذون فيها من جهة الشرع.
قال: [(ووقفت هاهنا وعرفة كلها موقف)]، أي: في هذا المكان من عرفة، (وعرفة كلها موقف).
وقال: [(ووقفت هاهنا -أي: في جمع في مزدلفة- وجمع كلها موقف)].
стр. 599
الرمل في الطواف واستلام الحجر الأسود
قال جابر ﵁: [(إن رسول الله ﷺ لما قدم مكة أتى الحجر فاستلمه)]، أي: لما دخل مكة محرماً بالحج أتى الحجر فاستلمه، أي: فتناوله بيمينه وقبل يمينه، ثم مشى على يمين الحجر، وكان الحجر على شماله.
قال: [(فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً)] والرمل: هو الإسراع قليلاً، والسعي الحثيث، وهذا الرمل لا يكون إلا في الثلاثة الأشواط الأولى، وأما الأشواط الأربعة الباقية فيمشي فيها على الأقدام بغير تكلف وبغير إسراع، وإنما يمشي المشي المعتاد.
فالسنة أن ترمل في الثلاثة الأشواط الأولى، وتمشي مشياً عادياً في الأربعة الباقية.
وفي هذا الحديث: أن السنة للحاج أن يبدأ أول قدومه بطواف القدوم، ويقدمه على كل شيء، وأن يستلم الحجر الأسود في أول طوافه، وقد اختلف أهل العلم هل يسن أن يستلم الحجر أو أن يقبله أو يشير إليه في كل شوط أو يكفي الشوط الأول؟ فالاستلام والتقبيل مسنون في الشوط الأول، ويسن له أن يشير إليه وأن يتوجه إليه بصدره عند محاذاته، وأن يشير إليه بيمينه، ولا يقبل يمينه بعد ذلك في بقية الأشواط.
стр. 600
باب في الوقوف وقوله تعالى: (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس)
الباب الحادي والعشرون: باب في الوقوف وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة:١٩٩].
قال: [قالت عائشة ﵂: كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة]، أي: لم يكونوا يقفون بعرفة، وهذا في الجاهلية قبل الإسلام.
قال: [قالت: وكانوا يسمون الحمس]، أي: من شدة تحمسهم، وكانوا يعتبرون أنهم أنجب العرب وأفضلهم، وأولى بالبيت الحرام من غيرهم.
والمزدلفة حرم، وعرفة ليست بحرم، وإنما هي حل، فكانوا يقولون: نحن أولى ببيت الله من بقية العرب، لا يسعنا أن نخرج من دائرة الحرم.
ومن أراد من أهل مكة أن يعتمر يلزمه أن يذهب إلى الحل ليحرم من هناك، كما أهلت عائشة من التنعيم؛ لأن التنعيم من الحل وليس من الحرم، ويجوز الإحرام من عرفة، لأن عرفة حل وليست حرماً، وهي من جهة المشرق، ونمرة حل من جهة المغرب، فمن أراد أن يهل بعمرة من أهل مكة وهو بعرفة فله ذلك.
وقريش كانت تعتبر أنها أولى الناس ببيت الله الحرام وبالحرم، وكان أهلها يقولون: إذا خرجت العرب إلى الحل -أي: إلى عرفة- فإننا لا نخرج؛ لأننا أولى بالحرم منهم، ولا يجوز لنا أن نخرج عن دائرة الحرم، فكانوا يقفون في حجهم في الجاهلية في مزدلفة؛ لأن المزدلفة حرم.
وأما العرب فقد أجمعوا على وجوب الوقوف بعرفة قبل بعثة النبي ﵊، وكانت قريش ومن دان دينها يقفون بمزدلفة ويسمون أنفسهم الحمس، فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه أن يأتي عرفات فيقف بها، ثم يفيض منها في قوله : ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة:١٩٩] أي: ثم انزلوا، وربنا اختار هذا اللفظ ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾ [البقرة:١٩٩]، ولم يقل: ثم انزلوا، أو ثم اصدروا، وإنما قال: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾ [البقرة:١٩٩]، فشبه ذلك بفيضان الماء وسيلانه الجاري الذي لا يمكن الوقوف في وجهه أو صده؛ لأن العرب كانوا مجمعين على الوقوف بعرفة إلا قريشاً، وقريش إلى العرب نسبة قليلة جداً.
فلما جاء النبي ﵊ بهذا الإسلام أمره ربه أن يفيض من حيث أفاض الناس، أي: من عرفات.
والمقصود بالناس: العرب، فأمر الله نبيه أن يخالف قومه وعشيرته وأهله في وقوفهم بمزدلفة، وينطلق مباشرة إلى عرفة، ثم إذا دخل الليل وغربت الشمس من اليوم التاسع أن يفيض مع الناس، يعني: أن ينزل من عرفة إلى المزدلفة، والذي ينطلق من منى في يوم عرفة بعد شروق الشمس إلى عرفات يمر بالمزدلفة أو بمحاذاتها على حسب الطريق الذي يسلكه؛ لأن الطرق ما بين منى إلى عرفة ومن عرفة إلى مزدلفة ومن مزدلفة إلى منى طرق كثيرة، فهناك طرق تمر بأرض المزدلفة، وطرق تحاذيها من الخارج.
والنبي ﵊ بات بمنى في يوم التروية، ثم صلى الفجر وجلس في مصلاه حتى أشرقت الشمس، ثم انطلق ﵊ وقريش كلها تنظر إليه وتحسب أنه سينزل في المزدلفة؛ لأنها موقف قومه، وظنوا أن محمداً لن يخالفهم في ذلك، وأن العرب ستحرج إحراجاً شديداً في هذا اليوم، فمر النبي ﵊ بالمزدلفة ولم يقف فيها ووقف بعرفة، ثم نزل من آخر يومه فصلى المغرب والعشاء جمع تأخير في المزدلفة عند المشعر الحرام، ومزدلفة كلها موقف، وإن كان الأولى النزول عند المشعر الحرام، ويصلي فيها المغرب والعشاء جمع تأخير.
قال: [قالت: وكان سائر العرب يقفون بعرفة، فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه أن يأتي عرفات فيقف بها ثم يفيض منها، فذلك قوله : ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة:١٩٩]].
قال: [وعن هشام بن عروة عن أبيه قال: كانت العرب تطوف بالبيت عراة إلا الحمس]، يعني: إلا قريشاً، فقد كانوا يطوفون وعليهم ملابسهم.
قال: [إلا الحمس -والحمس قريش وما ولدت- كانوا يطوفون عراة إلا أن تعطيهم الحمس ثياباً، فيعطي الرجال الرجال والنساء النساء].
وقريش كان لها فضل عظيم جداً في الجاهلية في الحفاظ على كرامة البيت وشرفه، وكانوا يعطون من ملابسهم للعرب الذين يأتون يطوفون بالبيت عراة، فكان الرجل من قريش أو من الحمس يعطي الرجل من العرب، والمرأة من قريش تعطي المرأة من العرب، حتى يطوف الجميع مستورين.
قال: وكانت الحمس لا يخرجون من المزدلفة -أي: يقفون بها- وكان الناس كلهم يبلغون عرفات -أي: العرب-.
قال: [قال هشام: فحدثني أبي عن عائشة ﵂ قالت: الحمس هم الذين أنزل الله فيهم: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة:١٩٩].
قالت: كان الناس يفيضون من عرفات، وكان الحمس يفيضون من المزدلفة، يقولون: لا نفيض إلا من الحرم.
فلما نزلت: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة:١٩٩]، رجعوا إلى عرفات]، أي: رجع الحمس وقريش وأفاضوا مع الناس من عرفات.
стр. 601
مخالفة النبي ﷺ لقومه قبل البعثة في وقوفهم بالمزدلفة ووقوفه بعرفة
قال: [وعن جبير بن مطعم قال: أضللت بعيراً لي -أي: ضل بعيري- فذهبت أطلبه يوم عرفة، فرأيت رسول الله ﷺ واقفاً مع الناس بعرفة، فقلت: والله إن هذا لمن الحمس] يعني: النبي ﷺ من الحمس من قريش فلماذا يقف في عرفة؟ وجبير بن مطعم كان كافراً في ذلك الوقت لم يسلم بعد، ولكنه كان في عرفة في ذلك اليوم، وهو من العرب.
فتعجب أشد التعجب كيف يقف محمد بعرفة مع أنه من الحمس، والحمس لا يقفون بعرفات وإنما يقفون بالمزدلفة.
قال: [فقلت: والله إن هذا لمن الحمس، فما شأنه هاهنا؟ أي: لماذا أتى إلى هنا؟ ولماذا يخالف قومه؟ قال: وكانت قريش تعد من الحمس].
والنبي ﵊ حج في الإسلام حجة واحدة، وهذا الموقف من جبير بن مطعم كان قبل الإسلام، وهذا يدل على أن النبي ﷺ كان يحج قبل الإسلام على ملة إبراهيم.
وكان يخالف قومه في الجاهلية في الوقوف بمزدلفة، حتى أثار ذلك تعجب جبير بن مطعم.
стр. 602
معرفة العرب للحج في زمن إبراهيم ﵇
وقد كانت العرب تحج قبل الإسلام، وكان الحج عبادة معروفة من زمن إبراهيم ﵊، فهو ملة إبراهيم ﵊.
والله قال أول ما قال في الحج لإبراهيم: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ [الحج:٢٧].
فالحج عبادة قديمة معروفة في ملة إبراهيم، والنبي ﵊ كان من أتبع الناس قبل البعثة لملة أبيه إبراهيم، وكان على ملة إبراهيم ﵇.
стр. 603
باب في نسخ التحلل من الإحرام والأمر بالتمام
الباب الثاني والعشرون: في نسخ التحلل من الإحرام والأمر بالتمام.
قال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦]، يعني: كلاهما معاً بملبس واحد وإحرام واحد.
قال: [قال أبو موسى الأشعري: (قدمت على رسول الله ﷺ وهو منيخ بالبطحاء -يعني: قد أناخ بعيره في البطحاء- فقال لي: أحججت؟ فقلت: نعم -يعني: أهللت بالحج؟ فقلت: نعم- قال: بم أهللت؟ قال: قلت: لبيك بإهلال كإهلال النبي ﷺ ].
وأبو موسى الأشعري كان قد جاء من اليمن، والأشعريون يمنيون في الأصل، فـ أبو موسى الأشعري أصله من اليمن.
واليمن من الجزيرة العربية، والاستعمار هو الذي فرق البلاد الإسلامية ووضع الحدود بين بلدانها، فهذه اليمن، وهذه الحجاز، وهذه مصر، وتلك ليبيا وغير ذلك، وكل هذه التسميات أو الحدود التي فرقت بين هذه المسميات ما أنزل الله بها من سلطان، والأصل أن الأرض كلها ملك لكل مسلم إلا ما حذر منه الله تعالى ورسوله ﷺ ، والذي حذر منه الله تعالى ورسوله هي بلاد الكفر وبلاد الحرب، وقد أخرج أبو داود أن النبي ﵊ قال: (أنا بريء ممن أقام بين ظهراني المشركين والكافرين).
وأما بلاد المسلمين فهي ملك لكل أحد من المسلمين.
وأرض الحجاز لا يحل أن يبقى فيها ولا أن ينزلها رجل من الكافرين؛ لقوله ﵊: (لا يجتمع في أرض الجزيرة العربية دينان قط).
وأرض الجزيرة تشمل بلاد الحجاز كلها.
وفي رواية: (أهل ملتين أبداً)، يعني: لا يجتمع فيها أبداً مسلم مع غيره، بل لابد من وجود المسلم دون غيره، وأما اليهود والنصارى وعبدة الأوثان فلابد من إخراجهم من جزيرة العرب.
والسياسة العالمية الآن تمنعهم من دخول مكة والمدينة فقط، ولما دخل هؤلاء الكفار بلاد الخليج والحجاز قال الشيخ الألباني محذراً: إن هؤلاء لا يخرجون حتى يأخذوا خيبر؛ لأنهم قد طردوا منها، فقد طردهم منها عمر بن الخطاب ﵁، والنبي ﵊ كان قد فرض عليهم الجزية واستمر دفعهم للجزية في زمن أبي بكر، ثم أجلاهم عمر ﵁ عن خيبر.
وهم لم ينسوا أن هذه أرضهم، ويعتقدون بأنهم سيرجعون إليها، وهم أصحاب الشعار من النيل إلى الفرات، ولهم شعار جديد الآن وهو تلك الكرة الدائرية التي تقضي بأن العالم ملك لليهود، ويصورون الكرة الأرضية ويضعون عليها نجمة داود، أي: أن نجمة داود لابد أن تسود بلاد العالم، فأحفاد القردة والخنازير يتصورون أنهم أسياد العالم جميعاً، وأن العالم لابد أن يحكم بسياسة غربية، وإن كان هذا الواقع اليوم، ولكن هذا ليس بفعل اليهود بالدرجة الأولى، وإنما هو بفعل أذناب اليهود هنا وهناك.
(قال: قلت: لبيك بإهلال كإهلال النبي ﷺ ، وهذا يدل على أنه يجوز الإهلال بإهلال شخص آخر، وإن لم يعلم أنه أهل بشيء معين، فيجوز لك أن تقول: لبيك اللهم بإهلال كإهلال زيد أو عمر أو حسن أو إبراهيم أو سعد وأنت لا تدري بماذا أهل هؤلاء، أو بماذا أهل من اقتديت به في إهلالك، وهذا هو الإهلال المطلق، قال النبي ﵊: (فقد أحسنت).
فالعبرة ليست في إهلال أبي موسى الأشعري، وإنما في إقرار النبي ﵊ لإهلاله.
ثم أمره النبي ﷺ فقال: (طف بالبيت وبالصفا والمروة وأحل)، أي: طف بالبيت الذي هو طواف القدوم وهو كذلك طواف العمرة.
ولما قال له: (وأحل) دل على أنه كان متمتعاً؛ لأن القارن لا يتحلل بعد أداء العمرة، وإنما يبقى في ملابس إحرامه حتى يخرج يوم التروية إلى منى، ولا يتحلل إلا في يوم النحر.
قال: [(فطفت بالبيت وبالصفا والمروة، ثم أتيت امرأة من بني قيس ففلت رأسي)].
يعني: غسلت رأسه ومشطته وسرحته، وهذه المرأة من بني قيس قريبة له، أو هي من محارمه، وبنو قيس هم أهل أبي موسى، واسم أبي موسى الأشعري عبد الله بن قيس الأشعري.
قال: [(ثم أهللت بالحج)]، يعني: بعد أن تحلل وأتى هذه المرأة ففعلت به ما فعلت.
جدد الإهلال في يوم التروية، الذي هو اليوم الثامن من ذي الحجة.
قال: [(فكنت أفتي به الناس -يعني: كان يفتي الناس بجواز التمتع من العمرة إلى الحج- حتى كان في خلافة عمر ﵁، فقال له رجل: يا أبا موسى! أو يا عبد الله بن قيس! رويدك بعض فتياك -يعني: انتبه يا أبا موسى الأشعري فإنك تفتي على غير ما يفتي به أمير المؤمنين- فإنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في النسك بعدك، فقال -أي أبو موسى الأشعري -: يا أيها الناس! من كنا أفت
стр. 604
نهي عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ﵄ عن حج التمتع وحجتهما في ذلك
قال: [قال: أبو موسى: (قدمت على رسول الله ﷺ وهو منيخ بالبطحاء، فقال: بم أهللت؟ قال: قلت: أهللت بإهلال النبي ﷺ ، قال: هل سقت من هدي؟ قلت: لا)]، والحديث الأول ليس فيه: (هل سقت من هدي؟) لأن النبي ﵊ لما أهل ساق الهدي معه من الميقات.
فالنبي ﵊ لما أهل أهل قارناً، ودخل مكة محرماً قارناً بين الحج والعمرة لما ساق معه الهدي، وأما أبو موسى الأشعري وكذلك علي بن أبي طالب فلم يكن عندهما علم أن النبي ﷺ ساق الهدي أو لم يسقه، وهذا فارق جوهري بين القارن والمتمتع، فأقره النبي ﷺ على هذا الإهلال، فمن الخير والبركة أن يهل بإهلال النبي ﵊، لكن لما لم يسق الهدي كان له فسخ الحج عن العمرة، فيحرم بالعمرة أولاً، ثم يهل بالحج يوم التروية؛ لأنه لم يسق الهدي.
قال: [(فطف بالبيت وبالصفا والمروة ثم حل، فطفت بالبيت وبالصفا والمروة، ثم أتيت امرأة من قومي فمشطتني وغسلت رأسي، فكنت أفتي الناس بذلك في إمارة أبي بكر وإمارة عمر، فإني لقائم بالموسم)] أي: أنه كان قائماً في الموسم يفتي الناس، وهذه السنة ما زالت قائمة إلى الآن في منى ومكة وعرفة ومزدلفة، فهناك المشايخ والعلماء وطلاب العلم من الجامعة الإسلامية ومن جامعة ابن سعود وغيرهما يأخذون التراخيص بالإفتاء في موسم الحج بعد اختبارهم في أحكام الحج والعمرة، فإذا كانوا متقنين لهذه الأحكام صدروهم لإفتاء الناس وتعليم الناس مناسك الحج والعمرة؛ لأن الناس هناك يتخبطون تخبطاً عظيماً جداً، فتجد الزحام عليهم شديداً، وهؤلاء يقفون بالليل والنهار للتصدي لإفتاء الناس.
قال: [(فإني لقائم بالموسم إذ جاءني رجل فقال: إنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في شأن النسك، فقلت: أيها الناس! من كنا أفتيناه بشيء فليتئد، فهذا أمير المؤمنين قادم عليكم فبه فائتموا، فلما قدم قلت: يا أمير المؤمنين! ما هذا الذي أحدثته في شأن النسك؟ قال: إن نأخذ بكتاب الله فإن الله قال: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦]، وإن نأخذ بسنة نبينا ﷺ فإن النبي ﷺ لم يحل حتى نحر الهدي)] وكلاهما محق، فـ عمر محق في قوله: إن أحسن الأنساك القران؛ لأنه المذكور في القرآن، وهو الذي فعله النبي ﵊، وأبو موسى الأشعري محق في قوله: التمتع جائز؛ لأنه إن لم يكن جائزاً ومجزئاً لصاحبه وفاعله لما أجازه النبي ﵊ ولما أمره بذلك عندما لم يسق الهدي.
قال: [قال أبو موسى الأشعري: (كان رسول الله ﷺ بعثني إلى اليمن، قال: فوافقته في العام الذي حج فيه)]، يعني: جاء من اليمن في العام الذي جاء فيه النبي ﵊ من المدينة، فهذا مر بيلملم وذاك مر بذي الحليفة، فالتقيا في البطحاء، أي: بطحاء مكة.
قال: [(فقال لي رسول الله ﷺ : يا أبا موسى! كيف قلت حين أحرمت؟ قال: قلت: لبيك إهلالاً كإهلال النبي ﷺ ، فقال: هل سقت هدياً؟ فقلت: لا، قال: فانطلق فطف بالبيت وبين الصفا والمروة ثم أحل)] ثم ساق الحديث بمثل ما سبق.
قال: [وعن أبي موسى الأشعري أنه كان يفتي بالمتعة -أي: التمتع بالعمرة إلى الحج، وليست متعة النساء- فقال له رجل: رويدك ببعض فتياك، فإنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في النسك بعد، حتى لقيه بعد فسأله، فقال عمر: قد علمت أن النبي ﷺ قد فعله وأصحابه)]، أي: قد قاله وأمر به؛ لأن النبي ﷺ لم يتمتع وإنما كان قارناً، فـ عمر بن الخطاب يقول: إن النبي ﵊ قد فعله، ومعلوم في كلام العرب أنه ينسب الفعل إلى الرجل وإن لم يفعله إن كان أمر به، كما يقال: انتصر النبي ﵊ في غزوة بدر، وإن كان الذي باشر النصر هم أصحابه ﵃ أجمعين.
قال: [(ولكن كرهت أن يظلوا معرسين بهن في الأراك، ثم يروحون في الحج تقطر رءوسهم)].
وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان فقط من الصحابة كان مذهبهما كراهة التمتع، والعلة في ذلك أن الحاج لم يأت من بلده ليتمتع هنا، بل أول ما يدخل مكة يلبس كلباس الميت، فيلبس الإزار والرداء إلى أن يتحلل من منسكه.
ولما ذكر الإمام مسلم كراهة عمر بن الخطاب ﵁ للتمتع واستحبابه وتفضيله للقران عليه أردف ذلك مباشرة بباب جواز التمتع؛ لأن جمهور الصحابة على جواز التمتع.
стр. 605
باب جواز التمتع
باب جواز التمتع.
قال: [قال عبد الله بن شقيق: كان عثمان ينهى عن المتعة، وكان علي يأمر بها]، وإذا أجمع الخلفاء الراشدون على أمر فإنه كالنص القطعي؛ لقوله ﵊: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء).
يقول ابن رجب الحنبلي: إذا أجمع الخلفاء الأربعة على أمر فكان كالنص من كتاب الله أو من سنة النبي ﵊، يعني: له نفس الحجية والقوة.
قال: (فقال عثمان لـ علي كلمة -أي: أنه كان يراجع علياً في قضية التمتع والقران- ثم قال علي: لقد علمت أنا قد تمتعنا مع رسول الله ﷺ -أي: ولو كان التمتع لا يجزئ لنهانا عنه النبي ﵊ فقال: أجل، ولكنا كنا خائفين)].
قال: [وعن سعيد بن المسيب قال: اجتمع علي وعثمان ﵄ بعسفان، فكان عثمان ينهى عن المتعة أو العمرة، فقال علي: ما تريد إلى أمر فعله رسول الله ﷺ تنهى عنه؟ فقال عثمان: دعنا منك -يعني: اترك رأيك هذا- فقال: إني لا أستطيع أن أدعك، فلما أن رأى علي ذلك أهل بهما جميعاً]، أي: أهل بالحج والعمرة قراناً، يعني: في وقت واحد وبإحرام وإهلال واحد نزولاً على رأي عثمان، وهو أفضل من علي.
وهذا فيه الأدب الشديد من علي بن أبي طالب، فرغم اعتقاده أن التمتع جائز لكنه وافق عثمان في القضية، ولو قرن علي بن أبي طالب بين الحج والعمرة فهذا لا يخالف ما عنده؛ لأن علياً يقول بالقران كذلك، ويقول: إن النبي ﷺ حج قارناً، ولكنه يزيد على عثمان باستحباب التمتع، والقول باستحباب التمتع يلزم منه استحباب القران.
стр. 606
أدب الصحابة في الخلاف وحال المسلمين اليوم
إذاً: علي، وعثمان ﵄ متفقان في استحباب القران، واتباع المتفق عليه خير من المختلف فيه، يعني: أن عثمان وعلياً متفقان على القران، ولكن عثمان ينهى عن التمتع، ويقول: إنا قد تمتعنا لعلة من العلل، وهو كلام غير سديد، ولكن عنده شبهة في هذه القضية، فقد قال: تمتعنا لأنا كنا خائفين، ولكن هذا كان في عمرة القضاء، وكانت عمرة وليست حجاً، ولم يكونوا خائفين، وهذا بيان لأصل عظيم جداً من أصول الأدب في طلب العلم، وهو أن اتباع المتفق عليه خير من المختلف فيه ما دمنا متفقين في قضية ومختلفين في أخرى.
стр. 607
قول عثمان بإتمام الصلاة في منى ومخالفة ابن مسعود له في ذلك
واتباع المتفق عليه خير من المخالفة، والصلاة في مسجد الخيف بمنى السنة فيها القصر حتى لأهل مكة، ومنى حرم، يعني: أنها داخلة في أرض الحرم، فإذا أتى رجل من أهل الحرم وحج وصلى مع الإمام أو منفرداً في مسجد الخيف ثلاثة أيام التشريق أو يوم التروية سن له أن يصلي الظهر ركعتين، والعصر ركعتين، والعشاء ركعتين، وعثمان بن عفان لم يفعل ذلك وإنما صلى تماماً، فصلى الرباعية أربعاً.
والنبي ﷺ وهو من أهل مكة صلى في منى قصراً، وكذلك صلى من بعده أبو بكر، ومن بعده عمر، وهذه سنة عملية تكررت في كل عام، ولا يتصور أن تخفى على عثمان خاصة مع انتشار الحج وكثرة الحجيج، ولكن عثمان لما صار أميراً للمؤمنين حج بالناس وصلى الرباعية أربعاً، وصلى خلفه عبد الله بن مسعود -وهو سادس ستة في الإسلام- يعني: أنه كان من كبار الصحابة وفقهائهم ومحدثيهم، وكان يخالف عثمان في ذلك، فلما كلموه في ذلك وقالوا: يا أبا عبد الرحمن! أليست السنة أن نصلي الظهر والعصر والعشاء اثنتين؟ فقال: بلى، قالوا: ولم صليت خلف عثمان أربعاً؟ قال: لأن الخلاف شر، وإن الصلاة مجزئة، ومعنى ذلك: أننا وعثمان متفقون في الإجزاء، ولو صليت وحدي لحدثت فتنة في الحج.
يعني: لو أن الشيطان أدخل بينهم الخلاف فلربما قتلوا أنفسهم في هذه الطاعة، فـ عثمان لما صلى بالناس أربعاً وافقه المخالفون له عملياً بالصلاة خلفه.
ونحن لما اعتمرنا في عام من الأعوام مع شيخنا الألباني عليه رحمة الله أراد أن يصلي ركعتين في وادي عرنة، ووادي عرنة عند جماهير العلماء ليس من عرفة إلا مالكاً فإنه يقول: وادي عرنة من عرفة، والنبي ﵊ لما قدم إلى هذا الوادي صلى فيه ركعتين، ثم وقف في عرفة، وهذا الوادي هو مقدم مسجد نمرة الذي فيه المنبر الذي يصعد عليه الخطيب في يوم عرفة ويخطب الناس.
والوادي الذي صلى فيه النبي ﵊ قبل المنبر مباشرة، يعني: قبل جدار المسجد.
ونمرة طويل جداً كما أنه عريض، والثلث الأول من المسجد الذي فيه المنبر هو في وادي عرنة أو على مشارف عرنة، فالذي يصلي في ثلث المسجد الأول فكأنه صلى في وادي عرنة، والذي يصلي خارج المسجد فكذلك يصلي في وادي عرنة.
فاختلفنا فمنا من قال: نصلي في الوادي نفسه ولا ندخل المسجد، ومنا من قال: بل ندخل المسجد فثلث المسجد في الوادي، والذي يصلي في الثلث الأول فكأنه صلى في الوادي، يعني: أننا متفقون على أن الثلث الأول من الوادي، فلو أننا صلينا معهم فنحن متفقون، وهذا هو الأكمل؛ لأن النبي ﷺ لم يصل الركعتين في المسجد وإنما صلاهما في الوادي.
فتمسك أناس بأن الثلث الأول من المسجد من وادي عرنة ولابد من الصلاة في المسجد، فافترقنا وقلوبنا متغيرة، وكل واحد مخالف لأخيه وحاقد عليه، وصارت خصومات في الشام استمرت سنوات.
ولما نأتي نعرض موقفنا هذا على موقف عثمان وعلي ﵄، أو على موقف أبي موسى الأشعري وعمر بن الخطاب نجدنا أننا لسنا متفقين أبداً، ولا ننفع في شيء أبداً.
وقد أصل بعض أهل العلم أننا نعمل سوياً ونتحد فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه.
وهذا كلام جميل جداً ويشهد له القرآن والسنة وفعل السلف، ولكنه يحتاج إلى ضبط، وضبطه أننا نعمل سوياً فيما اتفقنا عليه؛ لأنه لا خلاف حينئذ، ولكن الذي اختلفنا فيه لا يعذر بعضنا بعضاً فيه مطلقاً، فمن الخلاف ما يمكن أن يعذر فيه صاحبه، ومنه ما لا يمكن أن يعذر صاحبه، فالذي يختلف معي في أصل الدين ويقول: إن أبا بكر وعمر هما الجبت والطاغوت أختلف معه ولا أعذره.
فالجملة الأخيرة جملة مطاطة تحتاج إلى ضبط، والصحيح أن نقول: يعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه إذا كان هذا الأمر المختلف فيه قد اختلف فيه سلفنا ﵃، يعني: إذا كان الخلاف في المسألة معتبراً.
وأما إذا كانت المسألة في أصول الدين وأصول الاعتقاد فلا يمكن أبداً العذر فيها.
وعثمان وعلي توافقا في أمر شرعي، وفي مكان محرم فاتفقا حتى لا تحدث فتنة بين الأتباع.
واليوم لا أحد يعرف تمتع أو قران، وإنما يذهبون إلى مكة لابسين ملابس الإحرام.
стр. 608
جواز حج التمتع
قال: [وعن أبي ذر ﵁ قال: كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد ﷺ خاصة].
قال: [وعن أبي ذر ﵁ قال: كانت لنا رخصة، يعني: المتعة في الحج].
قال: [وعن أبي ذر ﵁ قال: لا تصلح المتعتان إلا لنا خاصة، يعني: متعة الحج ومتعة النساء].
وقد كانت متعة النساء حلالاً لأصحابه ﵊ ثم حرمت ثم أبيحت ثم حرمت إلى الأبد.
فقد حرمت في عصر النبوة، فكانت خاصة بالصحابة.
وأما متعة الحج فقد اختلف فيها الصحابة، ثم انعقد الإجماع على جواز الإفراد والتمتع والقران، والقاعدة الأصولية تقول: الإجماع بعد الخلاف يرفع الخلاف، يعني: يجعله كأن لم يكن.
فبعض الصحابة أنكر التمتع وكرهه، وجمهورهم على جواز التمتع والقران، ثم من أتى بعدهم من التابعين وأتباعهم والأئمة المتبوعين والفقهاء أجمعوا على جواز الأقسام الثلاثة للحج.
стр. 609
اختلاف العلماء في أفضل أقسام الحج الثلاثة
وقع الخلاف في أي هذه المناسك أفضل؟ فالخلاف واقع في الأفضلية.
وحجة النبي ﷺ كان فيها المفرد وفيها القارن وفيها المتمتع، ولم ينكر على واحد منهم.
فالذي تمتع في زمنه وفي حجته ﵊ معه ولم ينكر عليه كان بمثابة تمتع النبي ﷺ نفسه؛ لأنه أقره، وهذه سنة تقريرية، وقد استدل من قال: إن القران أفضل بأنه فعل النبي ﷺ .
ثم إن النبي ﷺ قال: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي)، يعني: لو كنت أعرف أن التمتع أفضل لما كنت أتيت بالهدي معي.
وهذه القضية لها تشريعات عظيمة جداً، وهي مرتبطة بالإجماع، وهل هو حجة أم لا؟ وما يدرينا أن هذا الإجماع واقع؟ وكما يقول أحمد بن حنبل: من ادعى الإجماع فقد كذب، وما يدريك أن فلاناً خالف، يعني: ما يدريك وأنت في المشرق أن فلاناً في المغرب قد خالف، فكيف تزعم الإجماع؟ ثم ما المراد بالإجماع، هل هو إجماع الصحابة أم إجماع أهل كل عصر؟ المسألة محل نزاع كبير جداً بين أهل العلم على ثلاثة مذاهب أو أكثر من ذلك، وكل له أدلته، وهذه المسألة بحثها في أصول الفقه.
стр. 610
الأدلة على جواز حج التمتع
قال: [قال ابن أبي الشعثاء: أتيت إبراهيم النخعي وإبراهيم التيمي، فقلت: إني أهم أن أجمع العمرة والحج في هذا العام -يعني: أحج وأعتمر هذا العام- فقال إبراهيم النخعي: لكن أباك لم يكن ليهم بذلك أي: إن أباك ما كان ليعمل هكذا- قال قتيبة حدثنا جرير عن بيان عن إبراهيم التيمي عن أبيه أنه مر بـ أبي ذر ﵁ بالربذة فذكر له ذلك فقال: إنما كانت لنا خاصة دونكم].
قال: [وعن غنيم بن قيس قال: سألت سعد بن أبي وقاص ﵁ عن المتعة فقال: فعلناها وهذا يومئذ كافر بالعرش، يعني: بيوت مكة]، يعني: لقد تمتعنا في عام من الأعوام، وكان في ذلك الوقت معاوية بن أبي سفيان كافراً لم يسلم، فهو يقول: معاوية ينكر التمتع لأنه لا يعرف أنه جائز، وكنا نحن تمتعنا وهو ما يزال كافراً وكان جالساً في بيوت مكة لم يسلم، فـ معاوية أسلم عام الفتح سنة ثمان، وسعد بن أبي وقاص حج في العام السادس من الهجرة، يعني: قبل إسلام معاوية بسنتين، وحج متمتعاً.
والعرش: بيوت مكة، وسميت بالعرش؛ لأنهم كانوا يعرشونها بجريد الأراك أو بجريد النخل.
قال: [قال مطرف بن عبد الله بن الشخير: قال لي عمران بن حصين: (إني لأحدثك بالحديث اليوم ينفعك الله به بعد اليوم -يعني: سأحدثك حديثاً اليوم وسينفعك الله به بعد ذلك- واعلم أن رسول الله ﷺ قد أعمر طائفة من أهله في العشر -يعني: أمرهم بأن يؤدوا العمرة في العشر الأوائل من ذي الحجة- قال: فلم تنزل آية تنسخ ذلك ولم ينه عنه حتى مضى لوجهه، ارتأى كل امرئ بعد ما شاء أن يرتئي).
يقول له: إن النبي ﵊ في زمانه أمر قومه أو طائفة من قومه أن يعتمروا في العشر الأوائل من ذي الحجة -يعني: في الشهر الحرام- ومعنى ذلك: أنهم بعد أداء عمرتهم يتحللون ويهلون في يوم التروية بالحج وينطلقون إلى منى، ثم لم ينهه ربه عن المتعة، ولم ينزل قرآن ينسخ هذا الحكم، فكانت المتعة باقية وجائزة، وكان عليها النبي ﵊ إلى أن مات، ولما مات جاء كل واحد ينظر إلى شيء، وهو هنا يعرض بسيدنا عمر.
وقد كان الصحابة جبالاً في الأدب، ولا يمكن أن يظهر رجل في الأمة مثل أدنى صحابي في الأدب والوقار والعدالة وغير ذلك، ومع ذلك كان الحق أحب إليه، وعمر بن الخطاب أفضل من ملء الأرض من مثل عمران بن حصين، فهو أفضل الأمة في زمانه.
قال: [عن مطرف قال: قال لي عمران بن حصين: (أحدثك حديثاً عسى الله أن ينفعك به، إن رسول الله ﷺ جمع بين حجة وعمرة، ثم لم ينه عنه حتى مات، ولم ينزل فيه قرآن يحرمه، وقد كان يسلم علي حتى اكتويت فتركت، ثم تركت الكي فعاد).
وهذه منقبتان لـ عمران بن حصين، الأولى: أنه أدرك التمتع مع النبي ﵊، والثانية: أن عمران بن حصين كانت الملائكة تسلم عليه خاصة حتى أصيب بداء فبادر بالكي، وآخر الدواء الكي وليس أوله، فلما اكتوى ولم يصبر على الأذى أو على المرض أو على التداوي فترة طويلة أو غير ذلك وبادر المرض بالكي انصرفت عنه الملائكة فلم تسلم عليه بعد ذلك، حتى تاب من ذلك ورجع إلى ترك الكي، فرجعت الملائكة تسلم عليه، وكان عمران يقول لـ مطرف: لا تحدث عني وأنا حي، أو حدث عني بواحدة واكتم عني الثانية، يعني: حدث عني بمسألة جواز التمتع، ولكن لا تحدث عني وأنا حي بتسليم الملائكة علي.
فـ عمران كان يخشى على نفسه الفتنة، وعلى الناس من أن يفتتنوا به، فقال: واكتم عني هذه ما دمت حياً، فإذا مت وأردت أن تحدث عني فافعل.
قال: [قال مطرف: (بعث إلي عمران بن حصين في مرضه الذي توفي فيه، فقال: إني كنت محدثك بأحاديث لعل الله أن ينفعك بها بعدي، فإن عشت فاكتم عني -يعني: إذا أنا شفيت من هذا المرض فاكتم عني- وإن مت فحدث بها إن شئت، إنه قد سلم علي، واعلم أن نبي الله ﷺ قد جمع بين حج وعمرة، ثم لم ينزل فيها كتاب الله -أي بنسخ- ولم ينه عنها نبي الله ﷺ ، قال رجل فيها برأيه ما شاء)].
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: (وأحاديث الباب متضافرة على جواز إفراد الحج عن العمرة، وجواز التمتع والقران، ولقد أجمع العلماء على جواز الأنواع الثلاثة).
стр. 611
معنى الإفراد والتمتع والقران في الحج
والإفراد هو: أن يحرم بالحج في أشهره ويفرغ منه ثم يعتمر، يعني: له أن يعتمر بعد الحج.
ومن أراد أن يعتمر قبل الحج، فلا بد أن يكون قارناً أو متمتعاً.
فالإفراد: أن تهل من الميقات بالحج مفرداً، ثم إذا أردت أن تعتمر بعد الحج فلك ذلك.
والتمتع: أن تحرم بالعمرة في أشهر الحج وتفرغ من العمرة ثم تحج من عامك.
ففي التمتع يقول الحاج في الميقات: لبيك اللهم عمرة، ثم يدخل مكة فيطوف ويسعى ويقصر شعره ويحل ويبقى في مكة حتى يوم التروية، فإذا كان يوم التروية لبس ملابس الإحرام من جديد ثم يقول وهو خارج من سكنه أو من الحرم أو من أي مكان في مكة متوجهاً إلى منى: لبيك اللهم حجة.
وأما القران فهو أن يحرم بهما جميعاً، يعني: يقول لبيك اللهم عمرة وحجاً، وكذا لو أحرم بالعمرة ثم أحرم بالحج قبل طوافها صح وصار قارناً.
стр. 612
أدلة تفضيل الإفراد على بقية أنواع الحج
قال النووي رحمه الله تعالى: (واختلف العلماء في أي هذه الأنواع الثلاثة أفضل؟ فقال الشافعي ومالك وكثيرون: أفضلها الإفراد ثم التمتع ثم القران).
واحتج الشافعي وأصحابه في ترجيح الإفراد بأنه صح ذلك من رواية جابر، وابن عمر، وابن عباس، وعائشة، قال الشافعي: وهؤلاء لهم مزية في حجة الوداع على غيرهم، فـ جابر أحسن الصحابة سياقاً لرواية حديث حجة الوداع، وهو أضبط له من غيره، وابن عمر صح أنه كان آخذاً بخطام ناقة النبي ﵊ في حجة الوداع، وأنكر على من رجح قول أنس على قوله، وقال: كان أنس يدخل على النساء وهن مكشفات الرءوس، وإني كنت تحت ناقة النبي ﷺ يمسني لعابها، أسمعه يلبي بالحج، وعائشة هذه من أقرب المقربين إلى النبي ﵊ مع كثرة فقهها وعظم فطنتها، وابن عباس محله من العلم والفقه في الدين والفهم الثابت معروف، مع كثرة بحثه وحفظه أحوال رسول الله ﷺ التي لم يحفظها غيره وأخذه إياها من كبار الصحابة، ومن دلائل ترجيح الإفراد: أن الخلفاء الراشدين ﵃ بعد النبي ﷺ أفردوا الحج وواظبوا على إفراده، فقد أفرد أبو بكر وعمر وعثمان ﵃ الحج، واختلف فعل علي فمرة أفرد ومرة قرن ومرة تمتع، وهم لم يواظبوا عليه إلا بعد أن علموا أنه أفضل، وأن النبي ﷺ حج مفرداً، وهم الأئمة الأعلام وقادة الإسلام المقتدى بهم في عصرهم وبعدهم، فكيف يليق بهم المواظبة على خلاف فعل رسول الله ﷺ ؟ وأما الخلاف عن علي رضي الله تعالى عنه وغيره فإنما فعلوه لبيان الجواز.
قالوا: ومما يميز الإفراد عن التمتع والقران: أن الإفراد لا يجب فيه دم بالإجماع؛ وذلك لكماله وتمامه، ويجب الدم في التمتع والقران، وهو دم جبران، يعني: يسد الخلل والنقص الذي حصل، فمثلاً المتمتع لما أتى إلى الميقات لم يهل بحج وعمرة، وإنما أهل بعمرة، ثم أهل من مكة بالحج ولم يرجع مرة أخرى إلى الميقات مع أنه غير مطالب به، فقالوا: يصير هذا خللاً؛ لأن الأصل في الإهلال بالنسك أن يكون من الميقات، فتجاوز الشارع عن المتمتع في إهلاله بالحج من بيوت مكة أو من الحرم مقابل أن يقدم شاة أو أن يذبح هدياً.
ومنها: أن الأمة أجمعت على جواز الإفراد من غير كراهة، وأما التمتع فقد كرهه عمر وعثمان وغيرهما، ومن المعلوم أن ما أجمع عليه الصحابة خير مما كرهه بعضهم، فكان الإفراد أفضل.
стр. 613
الجمع بين اختلاف روايات الصحابة في صفة حجته ﷺ
فإن قيل: كيف وقع الاختلاف بين الصحابة ﵃ في صفة حجته وهي حجة واحدة، وكل واحد منهم يخبر عما شاهده وهي قضية واحدة؟ قال القاضي عياض: قد أكثر الناس الكلام على هذه الأحاديث، فمن مجيد منصف، ومن مقصر متكلف، ومن مطيل مكثر، ومن مقتصر مختصر.
قال النووي ﵀: وأوسعهم في ذلك نفساً الطحاوي، وأبو جعفر الطبري، والقاضي أبو عبد الله بن المرابط، والقصار، وابن عبد البر وغيرهم، قال القاضي: أولى هذه الأقوال: أن النبي ﵊ أباح للناس فعل هذه الأنواع الثلاثة؛ ليدل على جواز جميعها، فالذي أفرد الحج قال: كان النبي ﷺ مفرداً؛ لأنه أمره بالإفراد، والذي حج قارناً قال: كان النبي ﷺ قارناً؛ لأنه أمره بالقران، والذي حج متمتعاً قال: كان النبي ﷺ متمتعاً؛ لأنه أمره بالتمتع.
قال: وأما إحرامه ﷺ بنفسه فأخذ بالأفضل، فأحرم مفرداً للحج، وبه تظاهرت الروايات الصحيحة، وأما الروايات بأنه كان متمتعاً فمعناها أمر به، وأما الروايات بأنه كان قارناً فإخبار عن حالته الثانية لا عن ابتداء إحرامه؛ لأن النبي ﷺ أدخل الحج في العمرة وأدخل العمرة في الحج فصار قارناً؛ لأن النبي ﷺ لما أهل من الميقات أهل بالحج وساق معه الهدي، والمتمتع يجوز له أن يذبح هدياً، وهو ليس واجباً وإنما يجوز.
وأنت إذا كان معك مال أقل من النصاب أو مال بلغ النصاب ولم يحل عليه الحول جاز لك أن تخرج عنه الزكاة وليست واجبة وإنما تجوز لك، وكذلك من أتى للعمرة فقط جاز له بل ويستحب له أن يسوق الهدي أو أن يذبحه، فالنبي ﵊ قيل: إنه أحرم من الميقات بالعمرة وساق الهدي فقط، وقيل: إنه أحرم وأفرد الحج، ثم في أثناء الطريق لما بلغ الحديبية أدخل الحج على العمرة، فقيل: يا رسول الله! أهذا لعامنا خاصة؟ يعني: إدخال الحج في العمرة والعمرة في الحج لعامنا هذا خاصة؟ فقال النبي ﷺ : لا بل لأبد الأبد، يعني: هذا لنا وللأمة، فيجوز إدخال العمرة على الحج والحج على العمرة.
قال: وإجزاء أو ذبح الهدي للقارن يدل على أنه ما أحرم بهما من الميقات وإنما أحرم بواحد ثم أدخل عليه الآخر، فأحرم بالعمرة وأدخل عليها الحج، أو أحرم بالحج وأدخل عليه العمرة.
وهذا هو فسخ العمرة إلى الحج أو فسخ الحج إلى العمرة، يعني: إن كنت دخلت مفرداً بالحج فقط ولكنك تمكنت من أداء العمرة فإنك تفسخ مباشرة نية الحج وإهلالك بالحج وتجعلها عمرة بإهلال جديد من مكانك وليس من الميقات، فتؤدي العمرة ثم تتحلل إذا لم تسق الهدي، ثم تذهب إلى منى بإهلال جديد في يوم التروية، وبذلك تكون قد أدخلت العمرة على الحج تمتعاً أو قراناً إذا كان معك الهدي.
стр. 614
حكم المحرمة إذا حاضت قبل طواف العمرة
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: (أنها أتت مع النبي ﵊ في حجة الوداع معتمرة، يعني: نوت وأهلت بالعمرة من الميقات، فلما بلغت مشارف مكة دخل عليها النبي ﵊ وهي تبكي فقال: ما يبكيك يا أم عبد الله! قالت: نفست يا رسول الله! يعني: حضت، فقال: لا تبكي، فإنما هو شيء كتبه الله على بنات آدم)، يعني: هذا أمر مكتوب عليكن، ولا يؤثر عليك، فافسخي إهلالك ثم أهلي يوم أن نهل، فلما وصلت لم تعتمر، وإنما تحللت وتركت العمرة؛ لأنها حائض، والحائض لا يجوز لها الطواف، والطواف ركن في العمرة والحج.
فخرجت عائشة ﵂ وهي حائض يوم التروية مع النبي ﷺ وأصحابه فحجت، فلما كان آخر يوم عرفة طهرت، فأمر النبي ﵊ أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر أن يذهب بها بعد أيام التشريق -أي: بعد الفراغ من الحج- إلى التنعيم فأهلت من هناك؛ لأنها قد فسخت العمرة إلى الحج، فأصبحت مفردة، والمفرد يعتمر بعد أداء الحج، وصار حكمها حكم أهل مكة؛ لبقائها في مكة أكثر من أربعة أيام، وأهل مكة إذا أرادوا العمرة يذهبون إلى الحل، والتنعيم أحد أماكن الحل، فذهبت عائشة وأهلت بالعمرة من هناك ثم أتت ودخلت البيت واعتمرت ثم قصرت شعرها قدر أنملة، فقال النبي ﵊ لها: (هذه بتلك)، يعني: هذه العمرة التي بعد الحج توازي العمرة التي منعك منها الحيض.
стр. 615
مذاهب العلماء في أفضل أنواع الحج
قال النووي رحمه الله تعالى: اختلف العلماء في هذه الأنواع الثلاثة أيها الأفضل، فقال الشافعي ومالك وكثيرون: أفضلها الإفراد، ثم التمتع، ثم القران، وقال أحمد وآخرون: أفضلها التمتع، وقال أبو حنيفة وآخرون: أفضلها القران، وهذان المذهبان قولان آخران للشافعي.
والصحيح تفضيل الإفراد، ثم التمتع، ثم القران.
وأما حجة النبي ﵊ فاختلفوا فيها هل كان مفرداً أم متمتعاً أم قارناً؟ وهي ثلاثة أقوال للعلماء بحسب مذاهبهم السابقة.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 616
حكم من لم يجد الهدي
من لم يجد ما يشتري به شاة فالواجب في حقه صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، ومن كان معه ما يشتري به شاة ولكنه لم يجدها فإنه يصوم، وأما قول من قال: إنه يتصدق بثمن الشاة على فقراء الحرم فهذا ليس بصحيح، والصحيح أن من لم يجد الشاة ينتقل إلى الواجب الثاني وهو الصيام، سواء فقد الشاة من جهة أنه لا يملك ما يشتريها به أو يملك ولكنه لم يجد الشاة نفسها.
стр. 617
باب وجوب الدم على المتمتع، وأنه إذا عدمه لزمه صوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله
قال: [باب وجوب الدم على المتمتع، وأنه إذا عدمه لزمه صوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله.
عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر ﵄ قال: (تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج)].
والتمتع هنا المقصود به التمتع اللغوي، وهو الارتفاق والانضمام، وهو أنه جمع العمرة إلى الحج وجمع الحج إلى العمرة قراناً، وهذا يسمى تمتعاً من جهة اللغة، فالنبي ﵊ أحرم بالحج مفرداً من ذي الحليفة، ولما قارب مكة نوى إدخال العمرة على الحج فكان قارناً، فهو أول الأمر كان مفرداً ثم قرن قبل طواف القدوم.
قال: [(تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى، فساق معه الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله ﷺ فأهل بالعمرة -يعني: لما قدم مكة أهل بالعمرة- ثم أهل بالحج، وتمتع الناس مع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس من أهدى فساق الهدي -أي: من الميقات- ومنهم من لم يهد -أي: ومنهم من لم يسق معه الهدي من الميقات- فلما قدم رسول الله ﷺ مكة قال للناس: من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه)]، يعني: من ساق معه الهدي من الميقات فإن حجه قران، والقارن لا يحل من حجه حتى يحج حجه الأكبر، وحينئذ يحل، فالمفرد والقارن لا يحلان إلا في يوم النحر، وأما المتمتع فإنه إذا اعتمر فقد تحلل من إحرامه تماماً وحل له كل شيء حتى النساء، ثم يهل بالحج يوم التروية.
قال: [(ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة، وليقصر وليحلل)]، يعني: الذي لم يسق الهدي يعتمر، فيطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة ويقصر أو يحلق ويتحلل من عمرته تماماً.
قال: [(ثم ليهل بالحج وليهد)].
والهدي يكون في يوم النحر أو في ثلاثة أيام التشريق سواء كان ذلك بالنسبة للقارن أو للمتمتع.
وسيتحدد هل هو قارن أم لا من الميقات، فإذا كان قد ساق الهدي معه فهو قارن لا محالة، وإذا لم يكن قد ساق الهدي فإما أن يجد هدياً في مكة أو لا يجد، فإذا وجده كان متمتعاً وإلا فلا.
قال: [(فمن لم يجد هدياً -أي: من المتمتعين الذين تحللوا من عمرتهم وفصلوا بينها وبين الحج- فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، وطاف رسول الله ﷺ بالبيت حين قدم مكة، فاستلم الركن أول شيء)]، وهو الركن الذي فيه الحجر الأسود، فالطائف حول البيت لابد أن يبدأ الطواف من عند الحجر الأسود، ويجعل البيت عن شماله، ولابد أن يطوف من خارج حجر إسماعيل، فإن طاف من داخل الحجر -أي: كان هو بين الحجر وبين الكعبة لم يحسب طوافه؛ لأن حجر إسماعيل من الكعبة، فكأنه طاف داخل الكعبة، والأصل في الطواف أنه يكون حول الكعبة.
قال: [(ثم خب ثلاثة أطواف من السبع، ومشى أربعة أطواف، ثم ركع)]، أي: ثم صلى ركعتين، فمن تيسر له الصلاة خلف مقام إبراهيم فهو السنة، ومن لم يتيسر له ذلك فيجزئه أن يصلي ركعتين في أي موطن من الحرم.
قال: [(ثم ركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام -ويقرأ في الأولى بعد فاتحة الكتاب بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١]، وفي الثانية بعد فاتحة الكتاب بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]- ثم سلم فانصرف -أي: فانصرف من صلاته- فأتى الصفا فطاف بالصفا والمروة سبعة أطواف)].
ويحسب السعي من الصفا إلى المروة شوطاً ومن المروة إلى الصفا شوطاً، وبعض الناس يخطئ ويعد السعي من الصفا إلى المروة إلى الصفا شوطاً واحداً، فيسعى بين الصفا والمروة أربعة عشر شوطاً، وهذا بخلاف السنة، ولا يفعله إلا الجهلاء من الناس، وأما أهل العلم وطلاب العلم والكثير من الناس فيعرفون أن السعي من الصفا إلى المروة شوط ومن المروة إلى الصفا شوط، فيبدأ السعي من الصفا وينتهي عند المروة، كما رتبه الله في قوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:١٥٨].
وأهل العلم يقولون: يتحلل من إحرامه بالحلق عند المروة، كما أن الحاج يتحلل من إحرامه بالحلق عند جمرة العقبة الكبرى كما فعل النبي ﵊، وإذا حلق في أي مكان من الحرم جاز له ذلك، ولا بد أن يكون داخل حدود الحرم، وحدود الحرم تبدأ من التنعيم غرباً إلى عرفة شرقاً أو شمالاً والجعرانة وغير ذلك من الأماكن التي تحد اسم الحرم، فمن حلق في أي مكان منها كان له ذلك.
ولا ينبغي للمعتمر أو للحاج أن يخرج خارج حدود الحرم فيحلق في الحل؛ لأن النبي ﷺ في سنته العملية بين أن المعتمر إنما يتحلل من إحرامه عند
стр. 618
شروط هدي التمتع
قال الإمام النووي: (هدي التمتع واجب بشروط -يعني: الهدي الواجب على المتمتع يجب بشروط، اتفق أصحابنا على أربعة منها واختلفوا في ثلاثة، أحد الأربعة أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج)، وأشهر الحج هي شوال وذو القعدة والعشر الأوائل من ذي الحجة، فإذا أتى المعتمر إلى مكة واعتمر في هذه الأشهر جاز له أن يتحلل من إحرامه انتظاراً ليوم التروية وليهل بالحج من مكانه.
قال: (الثاني: أن يحج من عامه)، يعني: من نفس العام الذي أدى في أشهر الحج منه عمرته.
قال: (الثالث: أن يكون آفاقياً لا من حاضري المسجد).
آفاقياً يعني: من الآفاق البعيدة وليس من أهل مكة، وحاضروه أهل الحرم ومن كان منه على مسافة لا تقصر فيها الصلاة.
وأما أهل مكة فالأصل في حجهم الإفراد.
(الرابع: ألا يعود إلى الميقات لإحرام الحج)، يعني: إنما يهل من بيته ومكانه سواء كان مكانه في الحرم أو في أي مكان.
وأما الثلاث المختلف فيها فإحداها نية التمتع، وذلك مثل شخص اعتمر في شهر شوال وليس في نيته أن يتمتع، فلما دخل الحرم أراد أن يجلس إلى الحج، فإذا جاء الحج فإنه يحرم من مكانه الذي تنبعث راحلته منه يوم التروية، ويكون متمتعاً؛ لأن عمرته وقعت في أشهر الحج من نفس العام، فإن قبض عليه ولم يستطع إكمال الحج فعليه دم، فإن اشترط عندما لبى بالحج وقال: فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، فإن قبض عليه فليس عليه شيء؛ لأنه اشترط بقوله: فإن حبسني حابس -أي: منعني مانع- فمحلي -أي: فأذن لي أن أتحلل بغير قيد ولا شرط وبغير كفارة.
ولا يلزم المتمتع أن ينوي في الميقات التمتع، كما أنه لا يلزم القارن؛ لأن النبي ﵊ إنما أهل بالحج من ذي الحليفة فقط، فلما وصل إلى الجعرانة أدخل معها العمرة، بدليل أنه لما دخل مكة طاف وسعى بين الصفا والمروة وقصر شعره ثم لم يحلل حتى كان يوم النحر، ومعلوم أن الذي يفرد الحج لا يلزمه ذلك، ولكن النبي ﵊ أدخل العمرة على الحج، وهي ليست له خاصة ولا لأصحابه خاصة، بل هي لأبد الأبد، يعني: يجوز إدخال العمرة على الحج إلى يوم القيامة.
الثاني: كون الحج والعمرة في سنة واحدة في شهر واحد، والراجح: أنه لا يلزم أن تقع العمرة والحج في شهر واحد؛ لأن أشهر الحج ثلاثة وليس شهراً واحداً.
والثالث: كونهما عن شخص واحد، والأصح أن هذه الثلاثة لا تشترط.
والله تعالى أعلم.
стр. 619
وقت الصيام لمن لم يجد الهدي
قوله ﷺ : (فمن لم يجد هدياً) المراد لم يجده هناك إما لعدم الهدي، وإما لعدم ثمنه، وإما لكونه يباع بأكثر من ثمن المثل، وإما لكونه موجوداً لكنه لا يبيعه صاحبه، ففي كل هذه الصور يكون عادماً للهدي، فينتقل إلى الصوم.
فمن لم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيام في الحجة وسبعة إذا رجع على ما جاء في نص القرآن الكريم، ويجب صوم هذه الثلاث قبل يوم النحر الذي هو اليوم العاشر، وصيام عرفات مسنون لغير الحاج، ويكره للحاج صيامه.
وجمهور العلماء على أن الصيام واجب في الأيام الأولى من شهر ذي الحجة، أي: بعد دخول المتمتع مكة وأداء العمرة، أي: أن هذه الثلاثة الأيام تكون بين العمرة وبين الحج، أي: وهو متحلل.
قال: (ويجب صوم هذه الثلاثة قبل يوم النحر، ويجوز صوم يوم عرفة منها، والأفضل ترك صيامه، والأولى أن يصوم الأيام الثلاثة قبله، والأفضل ألا يصومها حتى يحرم بالحج بعد فراغه من العمرة، فإن صامها بعد فراغه من العمرة وقبل الإحرام بالحج أجزأه على المذهب الصحيح عندنا، وإن صامها بعد الإحرام بالعمرة وقبل فراغها لم يجزئه على الصحيح).
وأما صوم السبعة فيجب إذا رجع إلى أهله، والصحيح في مذهبنا أنه إذا رجع إلى أهله، وهذا هو الصواب؛ لهذا الحديث الصحيح الصريح، والمذهب الثاني: إذا فرغ من الحج ورجع إلى مكة من منى، ولكن المذهب الأول هو الصحيح.
ومن لم يتمكن من صيام الثلاثة الأيام في مكة لم يسقط عنه، بل يلزمه صيام العشرة عند أهله، لكن يبدأ بالثلاثة أولاً، ثم يجعل بينها وبين السبعة فاصلاً من إفطار؛ حتى يفرق بين الثلاثة وبين السبعة، ولو صامها كاملة أجزأه ذلك، والأولى أن يفرق بينها بإفطار.
فإذا لم يجد الهدي لأي عذر من الأعذار فعليه الصيام، ولو كان معه قيمة الهدي والتمس الهدي في يوم النحر ولم يجد هدياً يشتريه أو سرق ماله لزمه الصيام، فيصوم بعد أيام التشريق، وأما أيام التشريق فيحرم صومها؛ لأنها أيام عيد.
ولو مات قبل الصيام فلا شيء عليه، ويجب على وليه الصوم عنه؛ لقوله ﵊: (من مات وعليه صيام فليصم عنه وليه).
ويجزئ أن يتعدد الأولياء، يعني: لا بأس أن يصوم كل ولي من أوليائه يوماً عنه، بحيث يجتمع عشرة أيام يصومها عشرة من الأولياء، أو واحد يصوم عشرة أيام، أو اثنان كل منهما خمسة، فالمهم أن يصام عنه عشرة أيام، سواء تعدد الأولياء أو لم يتعددوا.
стр. 620
باب بيان أن القارن لا يتحلل إلا في وقت تحلل الحاج المفرد
الباب الخامس والعشرون: بيان أن القارن لا يتحلل إلا في وقت تحلل الحاج المفرد.
والمفرد يتحلل من الحج يوم النحر إما بعد التحلل الأصغر بأداء منسكين، أو بعد التحلل الأكبر بأداء ثلاثة مناسك، ومنها الطواف والسعي؛ لأن النساء لا يحللن للرجال إلا بعد الطواف والسعي.
فإذا كان الحاج مفرداً فإنه يذهب مباشرة إلى منى أو حتى إلى عرفات إذا لم يدرك يوم التروية، ولا شيء عليه في عدم إدراكها؛ لأن إدراك يوم التروية في منى سنة، وليست واجبة، وكذلك المبيت بمنى في هذه الليلة ليس واجباً، بل هو مسنون، فإذا أدرك الرجل الوقوف بعرفة فإنه ينزل بعد ذلك إلى مزدلفة بعد غروب شمس اليوم التاسع، فيصلي المغرب والعشاء جمع تأخير بمزدلفة، ويبيت بها، والمبيت بها واجب، ثم ينطلق بعد شروق الشمس يوم النحر إلى منى، فيرمي جمرة العقبة الكبرى بعد الزوال، أي: بعد الظهر في يوم النحر، ثم يحلق، وبذلك يتم له التحلل الأول، وهو الذي يحل له كل شيء إلا النساء.
فإذا نزل إلى مكة -أي: أفاض إلى مكة- وطاف طواف الإفاضة وسعى بين الصفا والمروة حل له كل شيء حتى النساء، وهذا يسمى عند أهل العلم التحلل الأكبر، يعني: الذي يحل له كل شيء حتى النساء، ولا يبقى عليه محظور من محظورات الإحرام.
والمفرد ليس عليه هدي، وإنما الهدي على المتمتع والقارن.
ولذلك ذهب أهل العلم إلى أن أفضل صور الحج الإفراد؛ لكماله وتمامه، وهم يرون أن الهدي عند القران والتمتع إنما هو لجبران الخلل والنقص فيهما، وهذا النقص هو عدم إلزام القارن والمتمتع بالخروج إلى الميقات في يوم التروية.
ومعنى ترجمة الباب: أن القارن والمفرد يشتركان في هذه الصورة، فكل منهما لا يتحلل إلا في يوم النحر، حتى لو جاء القارن قبل الحج بأسبوعين، والقارن يستحب له أن يدخل مكة في أول ذي الحجة أو قبل الحج مباشرة؛ حتى إذا اعتمر في اليوم السادس أو الخامس أو السابع من ذي الحجة لا يبقى إلا يوماً واحداً، ثم ينطلق بملابس إحرامه إلى منى في يوم التروية، ولا يمكث كثيراً بملابس إحرامه في بيوت مكة أو في بيت الله الحرام.
فلو أتى قبل ذلك بأسبوع أو بأسبوعين فإنه يلزمه أن يبقى في ملابس إحرامه ولا يتحلل لا تحللاً أصغر ولا أكبر حتى يؤدي حجه، ويتحلل من الحج في يوم النحر، كالمفرد تماماً.
فالقارن والمفرد يشتركان في أن كلاً منهما يتحلل في يوم النحر، بخلاف المتمتع، فالمتمتع بمجرد أن يدخل مكة ويعتمر يتحلل بعد الحلق عند جبل المروة، ثم يحل له كل شيء حتى النساء، ثم يهل من مكانه بالحج يوم التروية، أما القارن فلا يجوز له أن يتحلل إلا بعد ثلاثة من رمي جمرة العقبة الكبرى والذبح والحلق والطواف حول البيت والسعي بين الصفا والمروة.
قال: [عن حفصة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: (يا رسول الله! ما شأن الناس حلوا ولم تحلل أنت من عمرتك؟ -يعني: لماذا بعض الناس ومعهم بعض أصحابك أو كثير منهم حلوا بعد أن أدوا العمرة وأنت لم تحلل وقد اعتمرت معهم؟ - قال: إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر)]، يعني: حتى أذبح في يوم النحر.
وتلبيد الرأس قد بيناه في الدروس الماضية، وأما تقليد الهدي أو إشعاره فهو سوق الهدي من الميقات مقلداً مشعراً، وسوق الهدي من الميقات يجب على القارن، وأما المتمتع فإنه يشتري هديه من أي مكان، سواء من منى، أو من عرفة، أو من مزدلفة، أو من مكة، أو من أي مكان، ولا يلزمه أن يسوقه، فإن ساقه صار قارناً، وإذا ساق الهدي من الميقات يسن أن يشعره في خده الأيمن أو في صفحة وجهه الأيمن، وأن يقلده في قدمه، إما بلبس نعل، أي: يلبسه جلداً في قدمه، أو يحيط قدمه بحبل أو شيء ليميزه بذلك.
ومعنى إشعار الهدي في صفحة وجهه الأيمن أي: جرح الهدي وتلطيخه بالدم في جانبه الأيمن، أو جرح أذنه؛ حتى يعلم من نظر إليه أنه هدي، وليس أمراً مشاعاً يلتقط، فإذا التقطه أحد لزمه أن ينادي عليه؛ لأنه قد أوقف لله .
فالإشعار هو: جعل علامة أو دليل أو أمارة في وجه الهدي بجرحه في صفحة خده الأيمن أو بوضع علامة في أذنه أو غير ذلك، والتقليد بمعنى: تقليد قدمه بشيء، أي: وضع علامة في قدمه، إما خيط يميزه، أو حبل، أو لبس نعل من الجلد، أو غير ذلك بحيث يميز؛ حتى إذا نظر إليه ناظر عرف أنه هدي موقوف لله .
قال: (إني لبدت رأسي وقلدت هديي -أي: سقت هديي من الميقات- فلا أحل حتى أنحر).
وهذا الحديث دليل على المذهب الصحيح المختار الذي قدمناه واضحاً بدلائله في الأبواب السابقة، أن النبي ﷺ كان قارناً في حجة الوداع.
وفي رواية أنه قال لها: (فلا أحل حتى أحل من الحج).
قال: [وقالت حفصة ﵂: (إن النبي ﷺ أمر أزواجه أن يحللن عام حجة الوداع، قالت حفصة: فقلت: ما يمنعك أن تحل أنت كذلك؟ -يعني: أنت تأمرنا أن نحل بعد أداء العمرة فما الذي يمنعك أن تحل أنت كذلك؟ - إني لبدت رأسي وقلدت هديي -أي: س
стр. 621
شرح صحيح مسلم - كتاب الحج - حجة النبي ﷺ
لنا في رسول الله ﷺ أسوة حسنة، وقد بين لنا صلوات الله وسلامه عليه المناسك وأمرنا أن نأخذها عنه، وقد حرص جمع غفير من أصحابه على حفظ كل صغيرة وكبيرة فيما يتعلق بصفة حجته، ونقلوها لمن بعدهم حتى وصلت إلينا كأنها رأي عين.
стр. 622
تابع باب وجوب الدم على المتمتع، وأنه إذا عدمه لزمه صوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة.
إن الحاج إذا لم يجد ما يشتري به شاة فالواجب في حقه صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، وكذلك إذا كان معه المال الذي يشتري به الشاة ولكنه لم يجد شاة ليشتريها فالواجب عليه أن يصوم.
أما قول من قال: يقيم الشاة ويتصدق بثمنها على فقراء الحرم فهذا ليس بصحيح، والصحيح: أن من لم يجد عين الشاة وجب عليه الصيام، سواء أكان لا يملك ما يشتري به الشاة، أو يملك المال ولكنه لم يجد الشاة نفسها.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب وجوب الدم على المتمتع، وأنه إذا عدمه لزمه صوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله].
قال: [عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر ﵄ قال: (تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج)].
قوله: (تمتع النبي ﷺ ، ونحن نعلم أن التمتع الاصطلاحي ليس هو حج النبي ﵊ فالنبي ﷺ حج قارناً، فالتمتع هنا هو التمتع اللغوي، وهو الالتفاف والانضمام، وهو أنه جمع العمرة إلى الحج، وجمع الحج إلى العمرة قراناً من جهة الاصطلاح، وإن كان من جهة اللغة يسمى القران تمتعاً.
فالاصطلاح أن النبي ﵊ أحرم من ذي الحليفة بالحج مفرداً، ولما قارب مكة نوى إدخال العمرة على الحج فكان قارناً، فهو أول الأمر كان مفرداً، ثم قرن قبل طواف القدوم.
قال: [تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى، فساق معه الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله ﷺ فأهل بالعمرة -يعني: لما خرج من مكة أهل بالعمرة- ثم أهل بالحج، وتمتع الناس مع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس من أهدى -أي: من الناس من ساق الهدي معه من الميقات- ومنهم من لم يهدي -أي: ومنهم من لم يسق معه الهدي من الميقات- فلما قدم رسول الله ﷺ مكة قال للناس: من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه)]، يعني: من ساق الهدي معه من الميقات فإن حجه قران، والقارن لا يحل من حجه حتى يتم حجه الأكبر؛ لأن الحج يطلق على العمرة من باب المجاز، والحج الأكبر هو بعد رمي الجمرات والنحر والحلق والطواف حول الكعبة، والسعي بين الصفا والمروة، فحينئذ يحل له.
والمفرد لا يحل إلا في يوم النحر، وكذلك القارن لا يحل إلا في يوم النحر، أما المتمتع الذي لم يسق الهدي فإنه إذا اعتمر تحلل من إحرامه تماماً وحل له كل شيء حتى النساء، ثم يهل بالحج يوم التروية، فالنبي ﵊ يقول لأصحابه: (من كان منكم أهدى -أي: ساق الهدي- فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه)، يعني: يوم النحر.
قال: [(ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة، وليقصر وليحلل)] يعني: الذي لم يسق الهدي يعتمر، فيطوف بالبيت ويسعى بالصفا والمروة، ويقصر أو يحلق ويكون بذلك قد تحلل من عمرته تماماً، وهذا للمتمتع.
قال: [(ثم ليهل بالحج وليهد)]، أي: يهل يوم الثامن وهو يوم التروية.
قال: (ثم ليهل بالحج ثم ليهد)، والهدي يكون في يوم النحر أو في أيام التشريق الثلاثة سواء كان ذلك بالنسبة للقارن أو للمتمتع قال: [(فمن لم يجد هدياً)]، وهذا القول متوجه للمتمتع؛ لأن القارن سيتحدد موقفه من الميقات، إذا كان قد ساق الهدي أو لم يسقه، فإذا كان قد ساق الهدي معه فهو قارن لا محالة، وإذا لم يكن قد ساق الهدي فإما أن يجد هدياً في مكة أو لا يجد، فإذا وجد كان متمتعاً وإلا فلا.
قال: (ثم ليهل بالحج وليهد، فمن لم يجد هدياً) أي: من المتمتعين الذين تحللوا من عمرتهم تماماً، وفصلوا بينها وبين الحج فليصم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله.
أما كيفية حجه ﷺ قال: [(وطاف رسول الله ﷺ حين قدم مكة، فاستلم الركن أول شيء)]، أي: الركن اليماني الذي فيه الحجر الأسود؛ لأن الركن اليماني يطلق على الركنين اليمانيين، بخلاف الركنين الشاميين اللذين هما في مقابل الركنين اليمانيين.
قال: (فاستلم الركن أول شيء)، وهذا طبعاً فيه بيان أن الطائف حول البيت لا بد أن يبدأ الطواف من عند الحجر الأسود، وليجعل البيت عن شماله ثم يكمل طوفة كاملة، فمن الحجر إلى الحجر طوفة، ولا بد أن يطوف من خارج حجر إسماعيل؛ لأنه إن طاف ومر من بين الحجر والكعبة فلا يحسب له طواف؛ لأن حجر إسماعيل من الكعبة،
стр. 623
شروط وجوب هدي التمتع
قال الإمام النووي: (هدي التمتع واجب بشروط، اتفق الشافعية على أربعة واختلفوا في ثلاثة: أما اتفاقهم فأوله أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج)، وأشهر الحج هي: شوال وذو القعدة والعشر الأوائل من ذي الحجة، فإذا أتى المعتمر إلى مكة، واعتمر في هذه الأشهر جاز له أن يتحلل من إحرامه انتظاراً ليوم التروية، وليهل بالحج من مكانه.
قال: (الثاني: أن يحج من عامه)، أي: يحج في نفس العام الذي أدى في أشهر الحج منه عمرته.
مثال ذلك: شخص ذهب اليوم واعتمر وهو متمتع، ولما جاء الحج لم يهل بالحج، وقال: أنا باقٍ إلى العام القادم، فهنا لا يظل متمتعاً؛ لأن شرط التمتع أن تقع العمرة والحج في عام واحد، وأنتم تعرفون أن آخر أشهر العام الهجري هو شهر ذي الحجة، فلا يجوز له أن يدعي أنه متمتع إلى العام المقبل، بل من دخل مكة في أشهر الحج فاعتمر وتحلل بنية إدخال الحج على العمرة تمتعاً فإنه لا بد أن يدخل الحج من نفس العام، وهذا محل اتفاق.
قال: (الثالث: أن يكون آفاقياً لا من حاضري المسجد)، ما معنى آفاقياً؟ يعني: من الآفاق البعيدة، وليس من أهل مكة، وحاضره يعني: حاضر أهل الحرم ومن كان منه على مسافة لا تقصر فيها الصلاة.
يعني: أن يكون آفاقياً لا من حاضري المسجد، وحاضروه هم أهل الحرم، ومن كان منه على مسافة لا تقصر معها الصلاة، يعني: يكون من أماكن بعيدة، أما أهل مكة فالأصل في حجهم الإفراد.
قال: (الرابع: ألا يعود إلى الميقات لإحرام الحج)، يعني: ألا يعود إلى الميقات حتى يهل بالحج في يوم التروية، وإنما يهل من بيته، أو من مكانه، سواء كان مكانه الحرم أو البيت أو السوق أو في أي مكان.
قال: (وأما الثلاثة المختلف فيها: فأحدها نية التمتع).
فمثلاً: واحد ذهب إلى المدينة يوم العيد بعدما اعتكف العشر الأواخر من رمضان في مكة، وقعد في المدينة يومين أو ثلاثة أيام، ولما رجع إلى مكة أحرم بالعمرة، وليس له نية أبداً في التمتع، لكنه قال: أنا أستفيد بعمرة.
فأحرم من ذي الحليفة ودخل مكة مرة أخرى على اعتبار أنه يعتمر ويذهب إلى جدة فيسافر، فلما دخل الحرم قال: ما المانع أن الواحد يمكث في الحرم ويجاور إلى أن يحج؟ قال ذلك بعدما عبر الميقات بزمن، فهل يلزمه الآن أن يخرج إلى الميقات إذا أراد الحج؟
الجواب
يحرم من مكانه، حين تنبعث به راحلته يوم التروية، ويبقى متمتعاً؛ لأن عمرته وقعت في أشهر الحج من نفس العام، فإذا دخل منى يوم التروية ومنع من الحج وأمر بترحيله فإنه يلزم في حقه دم، فإن قال: (لبيك اللهم حجة، فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني)، ثم تعرض له هؤلاء وأمروا بترحيله فليس عليه شيء؛ لأنه اشترط.
قال: (فإن حبسني حابس)، أي: منعني مانع (فمحلي)، أي: فأذن لي أن أتحلل بغير قيد ولا شرط كفارة.
قال: فالثلاثة المختلف فيها قال: النية، لا يلزم المتمتع أن ينوي في الميقات التمتع على أرجح أقوال أهل العلم، كما أنه لا يلزم القارن؛ لأن النبي ﵊ أهل بالحج فقط من ذي الحليفة، ولما أتى ووصل إلى الجعرانة أدخل معها العمرة، بدليل أنه لما دخل مكة طاف وسعى بين الصفا والمروة وقصر شعره، ثم لم يحلل حتى كان يوم النحر.
ومعلوم أن الذي يفرد الحج أو يهل بالحج من الميقات لا يلزمه ذلك، ولكن النبي ﵊ أدخل العمرة على الحج وهي إلى أبد الأبد، ليست خاصة له ولا لأصحابه، فعلى ذلك يجوز إدخال العمرة على الحج الأبد.
الثاني: كون الحج والعمرة في شهر واحد.
والراجح: أنه لا يلزم أن تقع العمرة والحج في شهر واحد؛ لأن أشهر الحج ثلاثة وليست شهراً واحداً.
والثالث: كونهما عن شخص واحد، والأصح أن هذه الثلاثة لا تشترط، والله تعالى أعلم.
стр. 624
حكم الحاج إذا لم يجد هدياً
أما قوله: من لم يجد هدياً فالصيام، قال: فالمراد: لم يجده هناك؛ إما لعدم الهدي؛ وإما لعدم ثمنه؛ وإما لكونه يباع بأكثر من ثمن المثل؛ وإما لكونه موجوداً لكنه لا يبيعه صاحبه، ففي كل هذه الصور يكون عازماً للهدي.
قال: [(فمن لم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع)]، فهو موافق لنص القرآن الكريم، ويجب صوم هذه الثلاث قبل يوم النحر.
ويوم النحر هو يوم العاشر، واليوم الذي قبله يوم عرفات، وأنتم تعلمون أن صيام عرفات مسنون لغير الحاج، ويكره للحاج صوم عرفات.
إذاً: هذه هي الأيام الثلاثة التي يصومها في أشهر الحج، وجمهور العلماء على أن الصيام واجب في الأيام الأول من شهر ذي الحجة، أي: بعد دخول المتمتع مكة وأداء العمرة، فتكون هذه الثلاثة الأيام واقعة بين العمرة والحج، أي: وهو متحلل.
قال: (ويجب صوم هذه الثلاثة قبل يوم النحر، ويجوز صوم يوم عرفة منها، أما الأفضل ترك ذلك، لكن الأولى أن يصوم الثلاثة قبله، والأفضل ألا يصومها حتى يحرم بالحج بعد فراغه من العمرة، فإن صامها بعد فراغه من العمرة، وقبل الإحرام بالحج أجزأه على المذهب الصحيح عندنا، وإن صامها بعد الإحرام بالعمرة وقبل فراغها لم يجزئه على الصحيح).
قال: (أما صوم السبعة فيجب إذا رجع إلى أهله) وفي المراد بالرجوع خلاف.
قال: (الصحيح في مذهبنا: أنه إذا رجع إلى أهله، وهذا هو الصواب لهذا الحديث الصحيح الصريح.
والمذهب الثاني: إذا فرغ من الحج ورجع إلى مكة من منى، ولكن المذهب الأول هو الصحيح.
ولو لم يكن الثلاثة ولا السبعة حتى عاد إلى وطنه لزمه صوم عشرة أيام)، يعني: من لم يتمكن من أداء الثلاثة في مكة لا يسقط عنه صومها، بل يلزمه صيام العشرة عند أهله.
لكن يبدأ بالثلاثة أولاً، ثم يجعل بينها وبين السبعة فاصلاً من إفطار، حتى يفرق بين الثلاثة وبين السبعة، ولو صامها كاملة لأجزأه ذلك، والأولى أن يفرق بينها بإفطار.
стр. 625
باب بيان أن القارن لا يتحلل إلا في وقت تحلل الحاج المفرد
الباب الخامس والعشرون: بيان أن القارن لا يتحلل إلا في وقت تحلل الحاج المفرد، إذا لم يجد بأي عذر من الأعذار عدم الوجوب فعليه الصيام.
فلو التمس الهدي في يوم النحر ولم يجد هدياً، أو لم يجد نقوداً يشتري بها الهدي، أو أن نقوده سرقت، فكل هذه الصورة تعني: انعدام الهدي، فيلزمه الصيام حينئذ، ولا يصوم أيام التشريق، فإنه يحرم صومها؛ لأنها أيام عيد، ولو مات قبل الصيام لا شيء عليه، وصيامه يجب في حق الأولياء؛ لقوله ﵊: (من مات وعليه صوم فليصم عنه وليه).
ويجزئ أن يتعدد الأولياء.
يعني: لا بأس أن يصوم كل ولي من أوليائه يوماً له، بحيث يجتمع له عشرة أيام يقوم بها عشرة من الأولياء، أو واحد يصوم عشرة أيام، أو اثنان يصوم كل منهما خمسة.
стр. 626
بيان حج المفرد
قال: (بيان أن القارن لا يتحلل من إحرامه إلا في اليوم الذي يتحلل منه المفرد)، والمفرد يتحلل يوم النحر، إما تحللاً أصغر بأداء منسكين، وإما تحللاً أكبر بأداء ثلاث مناسك منهن الطواف والسعي؛ لأن النساء لا يحللن للرجال إلا بعد الطواف والسعي.
فإذا كان الحاج مفرداً فإنه يذهب مباشرة إلى منى، أو إلى عرفات إذا لم يدرك يوم التروية، ولا شيء عليه؛ لأن إدراك يوم التروية في منى من السنن وليس من الواجبات، وكذلك المبيت بمنى في هذه الليلة ليس بواجب، بل هو مسنون، فإذا أتى الرجل وأدرك الوقوف بعرفة فإنه ينزل بعد ذلك إلى مزدلفة بعد غروب شمس التاسع، فيصلي المغرب والعشاء جمع تأخير بمزدلفة، ويبيت بها وجوباً، ثم ينطلق بعد ذلك -أي: بعد شروق الشمس من يوم النحر- إلى منى، ثم يرمي جمرة العقبة الكبرى بعد الزوال -أي: بعد الظهر في يوم النحر- ثم يحلق، وبذلك يتم له التحلل الأول الذي يحل له كل شيء إلا النساء.
فإذا نزل إلى مكة -أي: أفاض إلى مكة وهو يطوف طواف الإفاضة ويسعى بين الصفا والمروة حل له كل شيء حتى النساء، وهذا يسمى عند أهل العلم التحلل الأكبر، ولا يبقى هناك محظور من محظورات الإحرام التي تعرفنا عليها آنفاً.
والمفرد ليس عليه هدي كما اتفقنا، إنما الهدي على المتمتع والقارن؛ ولذلك ذهب أهل العلم كما عرفنا في الدروس الماضية إلى أن أفضل صور الحج الإفراد لكماله وتمامه، وهم يرون أن الهدي عند القران والتمتع إنما هو لجبر خلل ونقص في الصورة، هذا الخلل وهذا النقص يتمثل في عدم إلزام القارن والمتمتع بالخروج من الميقات يوم التروية.
стр. 627
اشتراك المفرد والقارن في وقت التحلل
قال: باب بيان أن القارن لا يتحلل إلا في وقت تحلل الحاج المفرد، يعني: القارن والمفرد يشتركان في هذه الصورة، أن كلاً منهما لا يتحلل إلا في يوم النحر، حتى ولو جاء القارن قبل الحج بأسبوعين.
ويستحب للقارن أن يدخل مكة في أول ذي الحجة، أو قبل الحج مباشرة، حتى إذا اعتمر في اليوم السادس أو الخامس أو السابع من ذي الحجة لم يبق له بملابس إحرامه إلا يوم واحد، وينطلق بهذه الملابس أو بهذا الإحرام إلى منى في يوم التروية، فلا يمكث كثيراً في بيوت مكة، أو في بيت الله الحرام بملابس الإحرام.
فإن افترضنا أنه أتى قبل ذلك بأسبوع أو بأسبوعين أو بثلاثة فيلزمه أن يبقى في ملابس إحرامه ولا يتحلل -لا تحللاً أصغر ولا تحللاً أكبر- حتى يؤدي حجه ويتحلل من الحج في يوم النحر، كالمفرد تماماً والذي ذكرنا صورته الآن.
فالقارن والمفرد كلاهما يشترك في صورة، وهي تحلل كل منهما في يوم النحر، بخلاف المتمتع، فالمتمتع يدخل مكة ويعتمر ويتحلل بعد الحلق عند جبل المروة، ثم يهل من مكانه يوم التروية، والمتمتع إذا أدى عمرته حل له كل شيء حتى النساء، بخلاف القارن فلا يجوز له أن يتحلل إلا بعد رمي جمرة العقبة الكبرى والذبح أو الحلق والطواف حول البيت والسعي بين الصفا والمروة.
стр. 628
معنى إشعار الهدي وتقليده
قال: [عن عبد الله بن عمر أن حفصة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: (يا رسول الله! ما شأن الناس حلوا ولم تحلل أنت من عمرتك؟ -يعني: كثير من أصحابك حل بعد أن أدى العمرة وأنت اعتمرت معهم ولكنك لم تحلل- قال: إني لبدت رأسي وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر)] أي: الذبح يكون يوم النحر.
وقد عرفنا معنى تلبيد الرأس في الدروس الماضية، ثم قال: (وقلدت هديي) وتقليد الهدي: إشعار الهدي وسوقه من الميقات مقلداً مشعراً، وسوق الهدي من الميقات يكون للقارن، أما المتمتع فإنه يأخذ هديه من أي مكان: من منى، من عرفة، من مزدلفة، من مكة، من أي مكان، ولا يلزمه أن يسوقه، فإن ساقه صار قارناً.
وإذا ساق الهدي من الميقات يسن أن يكون هذا الهدي مشعراً في خده الأيمن أو في صفحة وجهه اليمنى، وأن يكون مقلداً في قدمه، إما بلبس نعل أو لبس جلد في قدمه، أو إحاطة القدم بحبل أو شيء يميزه.
ومعنى إشعار الهدي في صفحة وجهه اليمنى: جرح الهدي في جانبه الأيمن أو في أذنه حتى يعلم من نظر إلى هذا الهدي أنه هدي، وأنه ليس بلقطة، وإذا التقطه يلزمه أن ينادي عليه؛ لأن هذا أوقف لله ، وهذا معنى الإشعار.
فالإشعار: هو قيام العلامة والدليل والأمارة في وجه الهدي، يجرحه في صفحة خده الأيمن أو بوضع علامة في أذنه اليمنى أو غير ذلك.
وتقليده بمعنى: تقييد قدمه بشيء، أي: وضع علامة في قدمه، إما خيط يميزه أو حبل أو لبس نعل من الجلد وغير ذلك، حتى إذا نظر إليه ناظر عرف أن هذه البقرة أو أن هذا البعير أو أن هذه الشاة إنما أوقفت لله ، فالذي يأخذها يحترم نفسه ويرجعها بسرعة؛ لأنه رزق حرام.
قال: (إني لبدت رأسي وقلدت هديي -أي: سقت هديي من الميقات- فلا أحل حتى أنحر) وهذا الحديث دليل على المذهب الصحيح المختار الذي قدمناه واضحاً بدلائله في الأبواب السابقة، أن النبي ﷺ كان قارناً في حجة الوداع.
وفي رواية: قال لها: (فلا أحل حتى أحل من الحج)، وقالت حفصة ﵂: (إن النبي ﷺ أمر أزواجه أن يحللن عام حجة الوداع.
قالت حفصة: فقلت: ما يمنعك أن تحل أنت كذلك؟ قال: إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر هديي).
стр. 629
باب جواز التحلل بالإحصار وجواز القران واقتصار القارن على طواف واحد وسعي واحد
الباب السادس والعشرون: باب بيان جواز التحلل بالإحصار وجواز القران.
يعني: لو أحصرت.
هل لك أن تتحلل من إحرامك؟
الجواب
نعم.
لك ذلك.
وهل يجوز لك أن تدخل الحج على العمرة قراناً؟
الجواب
نعم.
يجوز لك ذلك وإن لم تنو من الميقات ذلك.
خرج عبد الله بن عمر ﵄ معتمراً، وكان ذلك في أيام الفتنة التي دارت بين الحجاج بن يوسف الثقفي وعبد الله بن الزبير، وأنتم تعلمون أن الحجاج دخل كما تدخل البهائم والحمير بلد الله الحرام، فضرب الكعبة بالمنجنيق، وكانت فتنة عظيمة جداً أكلت الأخضر واليابس.
فـ عبد الله بن عمرو دخل مكة في عام الفتنة معتمراً، وقال: [(إن صددت عن البيت صنعنا كما صنعنا مع رسول الله ﷺ ]، يعني: إن حال بيننا وبين البيت حائل تحللنا من إحرامنا كما تحللنا في عمرة الحديبية.
فالنبي ﷺ أتى إلى مكة في عام الحديبية معتمراً، وصده المشركون عن البيت، وقامت هناك شروط واتفاقيات من أحد بنودها أن يرجع النبي ﷺ وأصحابه في هذا العام ولا يدخلوا مكة، وكان النبي ﷺ قد أحرم، فتحلل من إحرامه في الحديبية، فـ عبد الله بن عمر قال: إن صدني الحجاج أو صدتني الفتنة القائمة بمكة فما الذي يمنعني أن أتحلل في المكان الذي صددت فيه كما تحللنا مع النبي ﵊ في عام الحديبية.
قال: [(فخرج فأهل بعمرة وسار، حتى إذا ظهر على البيداء التفت إلى أصحابه فقال -يعني: بعد أن دخلت في حدود أرض الحرم، وليس المسجد الحرام- ما أمرهما إلا واحد -أي: لو صددنا عن العمرة كما لو صددنا عن الحج والعمرة، فهما سواء- أشهدكم أني قد أوجبت الحج مع العمرة)].
قال ذلك بعد أن عبر الميقات بأيام ليس بخطوات؛ لأنه أهل من ذي الحليفة بعمرة، وأدخل معها الحج في مكة، ويشترط شرطاً وحيداً أصيلاً فيمن أدخل الحج على العمرة: أن يكون ذلك قبل طواف القدوم، أما المتمتع فله أن يدخل الحج على العمرة بعد طواف القدوم، أما القارن فإنه يلزمه أن يدخل الحج على العمرة قبل بداية الطواف.
قال: (ما أمرها إلا واحد، أشهدكم أني قد أوجبت الحج مع العمرة، فخرج حتى إذا جاء البيت طاف به سبعاً، وبين الصفا والمروة سبعاً لم يزد عليه، ورأى أنه مجزئ عنه وأهدى).
قال: [وعن نافع أن عبد الله بن عبد الله وسالم بن عبد الله كلما عبد الله حين نزل الحجاج لقتال ابن الزبير.
قالا: لا يضرك ألا تحج العام، فإنا نخشى أن يكون بين الناس قتال يحال بينك وبين البيت].
يعني: عبد الله بن عبد الله وأخوه سالم يقولون لـ عبد الله بن عمر: أترك الحج هذه السنة؛ لأن هناك قتالاً وفتنة عظيمة جداً بين الحجاج وابن الزبير، ونخشى ألا تتمكن من الحج.
قال: [(فإن حيل بيني وبينه فعلت كما فعل رسول الله ﷺ وأنا معه حين حالت كفار قريش بينه وبين البيت، أشهدكم أني قد أوجبت عمرة -يعني: أحرم بالعمرة من الميقات- فانطلق حتى أتى ذا الحليفة فلبى بالعمرة، ثم قال: إن خلي سبيلي قضيت عمرتي، وإن حيل بيني وبينه فعلت كما فعل رسول الله ﷺ وأنا معه، ثم تلا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١]، ثم سار حتى إذا كان بظهر البيداء -أي: بالمكان الفسيح الذي بجوار الحرم- قال: ما أمرهما إلا واحد -أي: حكم الصد في العمرة كحكم الصد في العمرة والحج- إن حيل بيني وبين العمرة حيل بيني وبين الحج، أشهدكم أني قد أوجبت حجة مع عمرة، فانطلق حتى ابتاع بقديد -مكان بالحرم- هدياً ثم طاف لهما طوافاً واحداً بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم لم يحل منهما حتى حل منهما بحجة يوم النحر)]، وبقية الأحاديث في الباب تشهد للمعنى الذي ذكرناه.
وفي هذه الأحاديث جواز التحلل بالإحصار، وفيه صحة القياس والعمل به؛ لأن عبد الله بن عمر اجتهد فقاس هذا على ما كان من حياة النبي ﵊، والصحابة ﵃ كانوا يستعملون القياس؛ فلهذا قاس الحج على العمرة في حكم الإحصار من عدمه؛ لأن النبي ﵊ إنما تحلل من الإحصار عام الحديبية من إحرامه بالعمرة وحدها.
وفي هذا الحديث: أن القارن يقتصر على طواف واحد وسعي واحد، وهو مذهب جماهير العلماء.
стр. 630
باب في الإفراد والقران
الباب السابع والعشرون: باب في الإفراد والقران.
يعني: في جواز الإفراد بالحج وجواز القران بين الحج والعمرة.
قال: [عن ابن عمر قال: (أهللنا مع رسول الله ﷺ بالحج مفرداً)]، هذا كان من ميقات ذي الحليفة، والنبي ﵊ حج في الجاهلية.
قيل: حج مرة وقيل: حج مرتين، والراجح: أنه حج مرة قبل البعثة.
لكن هذا الحديث في حجه ﵊ من ذي الحليفة -أي: بعد البعثة- وفي العام العاشر، وهو المعروف بحجة الوداع، ويؤيد ذلك أدلة، منها أن النبي ﵊ لم يحج بعد الإسلام إلى حجة واحدة، وكان إهلاله من ذي الحليفة، ويقول عبد الله بن عمر: (وأنا معه)، ومعلوم أن عبد الله بن عمر لم يحج مع النبي ﵊ قبل البعثة؛ لأن عبد الله بن عمر لم يكن موجوداً.
стр. 631
اختلاف العلماء في نوع الحجة التي حجها النبي ﷺ
قوله: (أهللنا مع رسول الله ﷺ بالحج مفرداً) أي: أنه بدأ أول مشوار الحج مفرداً، فلما أتى إلى الجعرانة أدخل عليها العمرة فاعتمر أولاً، ولم يتحلل إلا في يوم النحر؛ وهذا يرد على العلماء الذين يقولون: إن النبي ﷺ كان مفرداً فقط.
وقد اختلف العلماء في أي الحج أفضل: الإفراد أو التمتع أو القران؟ وكل من قال بقول قال: إن النبي ﷺ فعل ذلك، وظهر هذا في بعض الأدلة.
أما الذي قال: التمتع أفضل اعتمد على ظاهر بعض الروايات التي تقول: تمتع النبي ﵊ بالعمرة إلى الحج، ورددنا على هذا القول برأيين: الرأي الأول: أن التمتع في هذا الحديث محمول على التمتع اللغوي لا التمتع الاصطلاحي.
والثاني: أن النبي ﷺ قال: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي من الميقات).
فالذي يسوق الهدي من الميقات هو القارن لا المتمتع.
الأمر الثالث: أن النبي ﵊ لما اعتمر لم يتحلل إلا في يوم النحر بعد أداء هذه المناسك، فهذه كلها شواهد وأدلة تدل على أنه كان قارناً.
والذي يقول: الإفراد أفضل، واعتمد على أن النبي ﷺ كان مفرداً في حجه، فاعتمد على منشأ الحج.
أي: أصل الحج في ذي الحليفة، فقد أهل النبي ﵊ بالحج فقط من ذي الحليفة، والصواب والصحيح: أنه لما بدأ الحج مفرداً أدخل عليه من الجعرانه العمرة، فكان أولاً مفرداً وقبل أداء العمل في الحج أدخل عليه العمرة؛ فاعتمر أولاً ثم حج.
إذاً: كان في أول مشواره مفرداً ولكنه لم يتم هذا الإفراد، بل أدخل عليه العمرة فصار قارناً، وهو الراجح بل الصحيح.
ومعلوم أن سوق الهدي على سبيل الاستحباب للمفرد والمعتمر، فالنبي ﷺ ساق الهدي استحباباً؛ لأنه نوى الإفراد، ولكنه شجعه سوق الهدي على إدخال العمرة فصار قارناً.
وهناك اتفاق بين أهل العلم أن المعتمر لا هدي عليه، وأن المفرد لا هدي عليه، لكن لا يمنع ذلك من أن يهدي المفرد والمعتمر، وليس هناك مانع شرعي.
قال: [وقال أنس: (سمعت النبي ﷺ يلبي بالحج والعمرة جميعاً)]، وهذا يورد خلافاً بينه وبين عبد الله بن عمر، فـ أنس يقول: سمعته يلبي بالحج والعمرة، وعبد الله بن عمر يقول: أنا كنت معه، وما كان يلبي إلا بالحج فقط.
قال أنس بن مالك: أنا لم أكن صغيراً، لم يكن النبي ﷺ مفرداً، فقد سمعته يقول: (لبيك اللهم حجاً وعمرة)، وعبد الله بن عمر يقسم أنه سمع النبي ﷺ يقول: (لبيك اللهم حجة).
وتفسير هذا الخلاف أن عبد الله بن عمر حكى ما قد سمعه من أول المشوار، من ميقات ذي الحليفة، وأنس بن مالك كان يأخذ بخطام ناقته في مناسك الحج ابتداءً من الجعرانة حتى قضى حجه، فسمعه يقول: (لبيك اللهم عمرة وحجة) فلما أدخل النبي ﵊ العمرة على الحج سمعه أنس فحكى ما سمعه، وعبد الله بن عمر حكى ما سمعه من أول المشوار، وعلى أية حال كل واحد من الصحابة يحكي ما قد سمعه، وكلام أهل العلم كلام جميل في الجمع بين الخبرين.
وفي رواية: [أن بكر بن عبد الله قال: حدثنا أنس: (أنه رأى النبي ﷺ جمع بينهما -بين الحج والعمرة- قال: فسألت ابن عمر فقال: أهللنا بالحج، فرجعت إلى أنس فأخبرته ما قال ابن عمر، فقال: كأنما كنا صبياناً)]، يعني: لم نكن نحن أطفالاً حتى تثيروا بيننا هذه الفتنة كلها.
الإمام النووي يقول: (قدمنا أن الرأي المختار -بل الصحيح- في حجة النبي ﵊: أنه كان في أول إحرامه مفرداً، ويحمل عليه حديث عبد الله بن عمر، ثم أدخل العمرة على الحج فصار قارناً، وهذا حديث أنس وبهذا اتفقت الروايات، وجمعنا بين الأحاديث أحسن جمع، فحديث ابن عمر محمول على أول إحرامه، وحديث أنس محمول على أواخره وأثنائه، وكأنه لم يسمعه أولاً، ولا بد من هذا التأويل أو نحوه؛ لتكون رواية أنس موافقة لرواية الأكثرين كما سبق بيان ذلك).
стр. 632
باب ما يلزم من أحرم بالحج ثم قدم مكة من الطواف والسعي
الباب الثامن والعشرون: باب ما يلزم من أحرم بالحج ثم قدم مكة من الطواف والسعي.
يعني: من أحرم بالحج فقط.
قال [وبرة: (كنت جالساً عند ابن عمر، فجاءه رجل فقال: أيصلح لي أن أطوف بالبيت قبل أن آتي الموقف؟ -والموقف: هو عرفة، يعني: أنا أحرمت بالحج فقط، فهل أطوف بالبيت قبل أن أذهب إلى عرفة؟ - فقال: نعم.
فقال: فإن ابن عباس يقول: لا تطف بالبيت حتى تأتي الموقف فقال ابن عمر: فقد حج رسول الله ﷺ فطاف بالبيت قبل أن يأتي الموقف، فبقول رسول الله ﷺ أحق أن تأخذ، أو بقول ابن عباس إن كنت صادقاً؟)].
انظر الكلام الجميل في التأصيل الفكري عند السلف.
يقول: النبي ﵊ طاف وسعى، وابن عباس: يقول: لا.
فأيهما أحق: الأخذ بقول النبي ﷺ وبفعله أو بقول ابن عباس؟ يقول: فإن كنت صادقاً في محبة الرسول ﵊ فاتبعه.
صحيح أن النبي ﷺ لما دخل مكة طاف وسعى، لكنه كان قارناً، فالسؤال وجه لمن أفرد الحج: هل يلزمه الطواف والسعي؟
الجواب
لا يلزمه، ولو أنه دخل البيت فيطوف طواف القدوم الذي لا علاقة له بالنسك، ويكون هذا الطواف دون أن يسعى بين الصفا والمروة.
قال: [وبرة: (سأل رجل ابن عمر ﵄: أطوف بالبيت وقد أحرمت بالحج؟ فقال: وما يمنعك؟ قال: إني رأيت ابن فلان -يقصد ابن عباس - يقول له: أنا رأيت ابن فلان يكرهه، وأنت أحب إلينا منه)].
يقول له: المسألة هذه فيها خلاف بينك وبين ابن عباس، لكنك أحب إلينا من ابن عباس، فأنت رجل عالم وزاهد ورجل فاضل، وابن أمير المؤمنين، أما ابن عباس فقد فتن وفتحت عليه الدنيا، وكان قد تولى الإمارة في البصرة، وعادة الأمراء أنهم أصحاب أموال وأصحاب وجاهة وغير ذلك، فأنت يا ابن عمر! أحب إلينا من ابن عباس، ورأيك إن شاء الله محل احترام، وسنعمل به! فانظر على الفتنة قول وبرة: (أنت أحب إلينا من ابن عباس) كأن هذا الأمر ليس بالعلم، وإنما بالفقر، فهو يستفتي الفقير، والفقير أحب إليه من الغني، هذا كلام غير صحيح، فالأمر كله مداره على العلم الصحيح المؤيد بالدليل.
فقال ابن عمر: (وأينا -وفي رواية: وأيكم- لم تفتنه الدنيا).
فـ ابن عمر لم يستغل الموقف، ولم يقل: نعم.
والله صحيح، فعلاً ابن عباس فتنته الدنيا وأنا رجل فاضل، ولو شاء لحط يده في يد وبرة، وصارا يؤلبان الناس على ابن عباس كما يفعل أهل هذا الزمان.
ولا أزكي نفسي.
ثم قال -أي ابن عمر: (رأينا رسول الله ﷺ أحرم بالحج وطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة، فسنة الله ورسوله أحق أن تتبع من سنة فلان إن كنت صادقاً).
المخطئ في هذا كله كما قلنا ابن عمر؛ لأن ابن عمر يفتي من أراد الحج والعمرة، سواء كان متمتعاً أو قارناً، أما السؤال الموجه في الإفراد فالحق مع ابن عباس.
قال: [عن عمرو بن دينار: (سألنا ابن عمر عن رجل قدم بعمرة -يعني: ما أحرم إلا بعمرة- فطاف بالبيت ولم يطف بين الصفا والمروة.
أيأتي امرأته؟)] أي: أحرم بالعمرة فطاف دون أن يسعى بين الصفا والمروة، هل تحل له امرأته؟ ومعلوم أنه تحل له امرأته بعد أن يطوف بين الصفا والمروة ويحلق أو يقصر.
قال: [(فقال: قدم رسول الله ﷺ فطاف بالبيت سبعاً، وصلى خلف المقام ركعتين، وبين الصفا والمروة سبعاً، وقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة)]، يعني: لا تحل امرأته إلا إذا أحل.
стр. 633
باب ما يلزم من طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة من البقاء على إحرامه حتى يتحلل في يوم النحر
الباب التاسع والعشرون: باب ما يلزم من طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة من البقاء على إحرامه حتى يتحلل في يوم النحر.
هذا الباب في حكم القارن لا المتمتع؛ لأن المتمتع إذا طاف وسعى وحلق أو قصر جاز له كل شيء حتى النساء، أما المفرد فيأتي مباشرة إلى منى أو إلى عرفات.
ويتحلل في يوم النحر، وربما لم يبق لإحرامه إلا يومان: يوم عرفة ويوم النحر، على فرض أنه لم يدرك يوم التروية.
قال: [عن محمد بن عبد الرحمن: (أن رجلاً من أهل العراق قال له: سل لي عروة بن الزبير عن رجل يهل بالحج، فإذا طاف بالبيت أيحل أم لا؟ فإن قال لك: لا يحل فقل له: إن رجلاً يقول ذلك -يعني: هناك رجل يقول: يحل- قال: فسألته فقال: لا يحل من أهل بالحج إلا بالحج -يعني: إلا بأداء الحج- قلت: فإن رجلاً كان يقول ذلك، قال: بئس ما قال.
فتصداني الرجل -أي: فاعترضني- فسألني فحدثته فقال: فقل له: فإن رجلاً كان يخبر أن رسول الله ﷺ قد فعل ذلك، وما شأن أسماء والزبير فعلا ذلك.
قال: فجئته فذكرت له ذلك، فقال: من هذا؟ -أي: من الذي يرسلك إلي ويسألك ويقول لك: إذا قال لك كذا فقل له كذا؟ - قال: قلت: لا أدري.
قال: فما باله لا يأتيني بنفسه يسألني؟ أظنه عراقياً -وهذا يدل على أن السلف كانوا يعرفون أن أهل العراق هم أهل فتنة- قلت: لا أدري.
قال: فإنه قد كذب.
قد حج رسول الله ﷺ فأخبرتني عائشة ﵂ أن أول شيء بدأ به حين قدم مكة أنه توضأ، ثم طاف بالبيت)] وهذا مذهب الجماهير: أن الوضوء شرط في صحة الطواف، وأن الطواف صلاة إلا أن الله أحل فيه الكلام، ولا تكون الصلاة بغير وضوء، إلا أبا حنيفة فإنه قال: الوضوء ليس شرطاً في صحة الطواف ولكن يستحب، والراجح: الأول.
قال: [(ثم حج أبو بكر فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت ثم لم يكن غيره -يعني: لم يفعل غير ذلك- ثم عمر مثل ذلك، ثم حج عثمان فرأيت أول شيء بدأ به الطواف بالبيت ثم لم يكن غيره، ثم معاوية وعبد الله بن عمر، ثم حججت مع أبي -أي: الزبير بن العوام - فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم يكن غيره، ثم رأيت المهاجرين والأنصار يفعلون ذلك، ثم لم يكن غيره، ثم آخر من رأيت فعل ذلك ابن عمر ثم لم ينقضها بعمرة، وهذا ابن عمر عندهم أفلا يسألونه، ولا أحد ممن مضى ما كانوا يبدءون بشيء حين يضعون أقدامهم أول من الطواف بالبيت، ثم لا يحلون -يعني: لا يعتبرون أن هذا الطواف يجيز لهم التحلل- وقد رأيت أمي وخالتي -أمه أسماء، وخالته عائشة - حين تقدمان لا تبدءان بشيء أول من البيت تطوفان به، ثم لا تحلان أي: إلا بعد السعي والتقصير أو الحلق، والتقصير في حق النساء قيد أنملة من كل ضفيرة.
قال: وقد أخبرتني أمي أنها أقبلت هي وأختها والزبير وفلان وفلان بعمرة قط، فلما مسحوا الركن حلوا)].
هذا الكلام لا بد من تأويله: (لما مسحوا الركن حلوا)، ويقصد الركن الذي فيه الحجر الأسود، وأن الماسح للركن يمسحه في مبدأ الطواف، وهل هناك تحلل بمجرد البدء بالطواف، أم أن التحلل يكون بعد السعي والحلق والتقصير؟ إذاً: لا بد من تأويل هذا النص.
قال: فلما مسحوا الركن حلوا، والتأويل: أنهم لما انتهوا من الطواف والسعي والتقصير حلوا، هذا تأويل ولا بد منه حتى لا تتضارب الروايات.
قال: وقد كذب فيما ذكر من ذلك، وبقية الروايات على نحو هذا.
стр. 634
تحلل أسماء بنت أبي بكر لعدم وجود الهدي وعدم تحلل الزبير لوجود الهدي معه
قال: [قالت أسماء بنت أبي بكر: (خرجنا محرمين، فقال رسول الله ﷺ : من كان معه هدي فليقم على إحرامه، ومن لم يكن معه هدي فليحلل)]، أي: من كان معه هدي فليقم على إحرامه حتى يؤدي حجه ويتحلل في يوم النحر، وهذا القارن.
ومن لم يكن معه هدي فليحلل بعد أداء العمرة.
قالت: [(فلم يكن معي هدي فحللت، وكان مع الزبير هدي فلم يحلل.
قالت: فلبست ثيابي ثم خرجت فجلست إلى الزبير)]، هذا كلام أسماء بدليل أنه كان مع الزبير هدي فلم يتحلل بعد عمرته حتى تحلل يوم النحر بعد أداء المناسك، أما أسماء نفسها فلم يكن معها هدي، فتحللت بعد أداء العمرة؛ لأنها كانت متمتعة.
قالت: [(ثم خرجت فلبست ثيابي فجلست إلى الزبير -يعني: قعدت بجوار زوجها فقال: قومي عني، فقلت: أتخشى أن أثب عليك؟)] قال الزبير ذلك لأنه كان محرماً، وهل يأمن المرء على نفسه إذا كان في هذا الموطن وعلى هذه الصفة من الإحرام أن تحدثه نفسه بوقاع امرأته، فهي متحللة، فإذا اشتهت زوجها ربما وثبت عليه، من أجل هذا أنكرت فقالت: لا تعتقد أني جئت لأفسد عليك حجك؟ لا.
لن يكون هذا مني أبداً.
وفي رواية: قالت: [(قدمنا مع رسول الله ﷺ مهلين بالحج)، ثم ذكر بمثل حديث ابن جريج] لما أدخلوا العمرة على الحج، فكان بعضهم ساق الهدي فكان قارناً، وبعضهم لم يكن معه الهدي فصار متمتعاً.
قال: [غير أنه قال: فقال: استرخي عني -يعني: ابعدي عني- فقلت: أتخشى أن أثب عليك؟] قال: [وعن عبد الله مولى أسماء بنت أبي بكر حدث: (أنه كان يسمع أسماء كلما مرت بالحجون تقول: صلى الله على رسوله وسلم)].
الحجون: أعالي مكة، والنبي ﵊ دخل مكة من أعلاها وخرج من أسفلها؛ ولذلك يسمون مكان الدخول المعلاة إلى الآن، ويسمون مكان الخروج المسفلة، وهذه الشوارع معروفة بهذه الأسماء إلى الآن.
قال: [(كلما مرت أسماء بالحجون تقول: صلى الله على رسوله وسلم.
لقد نزلنا معه هاهنا -أي: دخلنا مكة من أعاليها- ونحن يومئذ خفاف الحقائب -يعني: أمتعتنا قليلة وكنا فقراء- قليل ظهرنا -أي: يركب البعير اثنان أو ثلاثة- قليلة أزوادنا، فاعتمرت أنا وأختي عائشة والزبير وفلان وفلان، فلما مسحنا البيت أحللنا)] أي: لما طفنا وسعينا، يقال: فلان مسح الأرض، يعني: طاف بها، وجابها شرقاً وغرباً؛ ولذلك يقال للمسيح الدجال: المسيح؛ لأنه يمسح الأرض شرقاً وغرباً، ويضع قدمه عند منتهى بصره، وقد ورد في بعض الروايات أنه ينظر وهو في المشرق إلى الغرب فيكون نظره في منتهى الغرب، فتصور أنه ينظر من المشرق إلى المغرب، وفي خطوة واحدة يمسح الأرض، ولا ينجو من فتنته إلا من أراد الله له النجاة.
قالت: (فلما مسحنا البيت) أي: فلما أدينا مناسك العمرة في البيت؛ لأن العمرة كلها في بيت الله الحرام، ومناسك العمرة: طواف وسعي وحلق، والنية تسبق ذلك.
قالت: [(ثم أهللنا من العشي بالحج)]، يعني: ثاني يوم بعد الظهر أهللنا بالحج، أي: دخلوا مكة يوم السابع من ذي الحجة واعتمروا، وما مر عليهم إلا الليل وأوائل يوم الثامن، وفي العشي -والعشي يطلق على ما بعد الظهيرة- انطلقوا إلى منى مهلين بالحج.
стр. 635
باب في متعة الحج
الباب الثلاثون: في متعة الحج.
أي: في التمتع بالحج، وهو أحد أنواع الحج.
قال: [عن مسلم القري قال: (سألت ابن عباس، ﵄ عن متعة الحج فرخص فيها، وكان ابن الزبير ينهى عنها)]، أنتم تعرفون أن التمتع محل نزاع بين الصحابة، لكن الإجماع انعقد على أن الحج قران وإفراد وتمتع، ومعلوم أن الإجماع بعد الخلاف يرفعه.
قال: (سألت ابن عباس ﵄ عن متعة الحج فرخص فيها، وكان ابن الزبير ينهى عنها) أي: عبد الله بن الزبير، واسم أمه أسماء.
قال عبد الله بن عباس: هذه أم ابن الزبير فإذا كان ابن الزبير ينكر التمتع بالحج، فإن أمه حجت مع النبي ﷺ ، وعبد الله بن الزبير صحابي صغير، ولم يثبت أنه كان مع النبي ﷺ في حجة الوداع، بل كان طفلاً صغيراً فلم يحج، فإذا أردت أن تسأل فاسأل أمه، فهي خبيرة بذلك.
قال: [(هذه أم ابن الزبير تحدث أن رسول الله ﷺ رخص فيها)] أي: التمتع إما قراناً وإما تمتعاً؛ لأن أسماء ﵂ هي التي نقلت عن النبي ﵊ أنه قال: (من كان معه هدي فلا يحلل حتى يحلل يوم النحر، ومن لم يكن معه هدي فليطف بالبيت وليسع بين الصفا والمروة، وليقصر وليحلل، وليهل بالحج يوم التروية).
قال: تحدث أن رسول الله ﷺ رخص في المتعة، فادخلوا عليها فاسألوها.
قال: فدخلنا عليها فإذا أمرأة ضخمة عمياء.
طبعاً هذا الكلام لو قيل على سبيل التنقص لكان غيبة وكان حراماً، لكنه على سبيل التحقق أنه قد دخل وعرف أن هذه أسماء فسألها، وأسماء كانت مثل سودة ﵂ في ضخامتها؛ ولذلك لما لبست سودة النقاب وخرجت إلى حاجتها، وكان عمر يغار على أزواج النبي ﵊: فقال: (يا سودة! إنك لا تخفين)، يعني: مهما تفعلي نحن نعرفك؛ لأنها كانت ضخمة جداً، فكان عمر يعرف أنها سودة، وأسماء كانت ضخمة، لكن ليست بضخامة سودة رضي الله عن الجميع.
قال: [(فإذا امرأة ضخمة عمياء فقالت: قد رخص رسول الله ﷺ فيها)].
قال: [وقال مسلم القري: سمعت ابن عباس ﵄ يقول: (أهل النبي ﷺ بعمرة وأهل أصحابه بحج، فلم يحل النبي ﷺ ولا من ساق الهدي من أصحابه وحل بقيتهم -أي: بعد أداء العمرة لمن كان متمتعاً- فكان طلحة بن عبيد الله فيمن ساق الهدي فلم يحل)].
следующие страницы →