← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37026

شرح صحيح مسلم - حسن أبو الأشبال

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (2 103 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

النبي أول من يقرع باب الجنة وأمته أول الأمم دخولاً الجنة [وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﵊: (نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، ونحن أول من يدخل الجنة)]، (نحن الآخرون) أي: نحن آخر أمة في الأمم، وإن كنا أسبق الأمم يوم القيامة، قال: (نحن الآخرون الأولون)، الآخرون في الأمم الأولون يوم القيامة، أول الأمم تحاسب، وأول الأمم تدخل الجنة، وكل الأمم تدخل من بعد أمة النبي محمد ﵊، ولا يدخل الجنة قط أحد قبل نبينا ﵊، وهو أول من يقرع باب الجنة. [وقال ﵊: (أنا أول من يقرع باب الجنة)، يعني: يدق باب الجنة، (فيقول الخازن -أي: خازن الجنة- من أنت؟ فأقول: أنا محمد، فيقول: بك أمرت ألا أفتح لأحد قبلك)]، أي: أمرت ألا أفتح الباب قط لأحد إلا لك أولاً ثم يأتي الناس من بعدك، والنبي ﵊ إذا دخل الجنة دخلها أتباعه من أمته ﷺ . وعن أنس ﵁ قال: (أنا أول من يأخذ بحلقة باب الجنة فأقعقعها) أي: فأحركها، وهذا الحديث يشهد له أحاديث كثيرة.

стр. 72

شرح حديث: (لا تؤذي امرأة زوجها إلا قالت زوجته من الحور العين) وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا إلا قالت زوجته من الحور العين: لا تؤذيه قاتلك الله، فإنما هو عندك دخيل، يوشك أن يفارقك إلينا)، هذه بشارة عظيمة جداً لأهل الإيمان والإسلام، ولأهل التوحيد ممن يدخل الجنة بإذن الله، وعامة أهل الإسلام يتزوجون من الحور العين اثنتين، أما الشهداء فيتزوجون اثنتين وسبعين حورية، فالشهيد له منزلة خاصة. وزوجة المؤمن إذا دخلت الجنة فإنه يتزوجها، فإن كان يبغضها فإن الله تعالى قال: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ [الأعراف:٤٣]، أما لو دخلت هي الجنة وهو لم يدخل فإن الله تعالى يخلق لها زوجاً. قال ﵊: (لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا إلا قالت زوجته من الحور العين) يعني: غضباً لزوجها الذي سيكون في الآخرة. (لا تؤذيه قاتلك الله، فإنما هو عندك دخيل يوشك أن يفارقك إلينا)، يعني: هو ضيف يوشك أن يرحل بأن يموت فيأتي إلينا فيتنعم بنعيم الجنة وإن كان في القبر، كما جاء في حديث البراء ﵁ في الحديث الطويل: (وإذا كان من أهل الجنة قيل: افرشوا له فرشاً من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة، فيأتيه من ريحها وطيبها، ونعيمها)، ويتمتع بالنظر إليها، خلافاً لمن كان من أهل النار. وكثير من الزوجات ينسين هذا، ويعتبرن إيذاء الزوج أمراً يسيراً، بل هو أمر يحول بينها وبين الجنة، كما قال ﵊: (واطلعت في النار فإذا عامة أهلها النساء، فقامت إليه امرأة جزلة - أي: عاقلة- وقالت: يا رسول الله! ولم؟ قال: لأنهن يكفرن، قالت: أيكفرن بالله؟ قال: إنما يكفرن العشير)، ثم بين النبي ﷺ هذا فقال: (يحسن إليكن الرجل الدهر كله فإذا بدا منه شيء -أي: في يوم من الأيام- قلتن: ما رأينا خيراً قط)، فبسبب هذه الكلمة تدخل المرأة النار وتستوجب لنفسها النار، وقد كان بإمكانها أن تسكت، أما إذا كانت ترد على زوجها الكلمة بالكلمة، والصاع بالصاع، والحجة بالحجة، فهذا بلاء عظيم جداً، كأنها تقذف بنفسها في النار، وأنا أعرف كثيرات من طالبات العلم -وللأسف الشديد- كأن طلب العلم صار للنساء بلاء عظيماً وشراً مستطيراً، تظن المرأة أنها بطلبها للعلم صارت مثل الزوج وربما فاقت عليه، فلو كان لا يحفظ القرآن وهي تحفظه تظن في نفسها أنها أفضل منه، فربما أنها تحفظ القرآن والقرآن يلعنها بالليل والنهار إذا أساءت عشرة زوجها، ولا ينفعها حفظها للقرآن حينئذ. وأذكر أن امرأة في الإسكندرية في أواخر الثمانينيات لما خطبها أخ فاضل من أهل العلم ومن طلبة العلم وقد طلب الحديث على يد الشيخ الألباني ﵀، وكان من أئمة الحديث في ذلك الوقت بالشام، فلما رجع إلى الإسكندرية وخطب امرأة قرأت عليه فتح الباري من أوله إلى آخره في فترة العقد وهو ثلاثة عشر مجلداً، وكانت نبيهة جداً، فظنت أنها بلغت من العلم مبلغاً عظيماً، وهذا على أية حال شأن الجاهل، إذا تعلم شيئاً ظن أنه تعلم كل شيء، ولذلك يقول الخليل بن أحمد إمام اللغة صاحب كتاب العين: العلم ثلاثة أشبار، إذا بلغ الطالب الشبر الأول ظن أنه عالم، وإذا بلغ الشبر الثاني علم أنه لم يعلم شيئاً، وإذا بلغ الشبر الثالث علم أنه أجهل الناس. إذاً: المتكبر هو الذي حصل على قدر يسير من العلم وظن أنه قد حاز العلم كله، وهو لا يزال على العتبة الأولى، بل ربما لم يثبت عليها، فتجد منه الغرور، والعجب، والكبر، والتعدي على أهل العلم من الكبار والمشايخ، تجد مساوئ الأخلاق في ابتداء الطلب، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]. قيل للشعبي: كيف حالك أيها العالم؟ قال: لست بعالم، إنما العالم من يخشى الله، أي: العالم حقيقة هو الذي يخشى الله، والذي يخشى الله لابد أنه يؤدي حقوق الله وحقوق العباد، أما عبد يأخذ الكتاب تحت إبطه، ويظن أنه أعلم الناس، فيضرب هذا، ويشتم ذاك، ويسب هذا، ويملأ الدنيا ضجيجاً وصياحاً، فهذا ليس بآدمي أصلاً، ولا يصح أن يكون إنساناً سوياً أو محترماً فضلاً عن أن يكون طالب علم. هذه المرأة الاسكندرانية لما بلغت هذا المبلغ على يد زوجها قالت له قبل البناء: الذي يغلب على ظني أنك لا تستحق زوجة مثلي، إنما الذي يستحقني فلان، وذكرت له عالماً كبيراً، فلما اتصل بي تلفونياً قلت له: لو أن هذه الكلمة قيلت لي ما ترددت قط في طلاقها ولو كان لي منها مائة ولد، فطلقها؛ لأن هذه المرأة قد أظهرت وأبدت غروراً، وكبراً وعجباً من أول الأمر. امرأة أخرى تعلمت أصول الفقه، فإذا قال لها زوجها: اعملي كوب شاي، تقول له: هذا مستحب أم واجب؟! ما هذه الخيبة؟! هل صار طلب العلم بلاءً أم ماذا؟ أنمنع النساء من طلب العلم؟ النبي عليه الصل

стр. 73

نعيم أهل الجنة فيها قال: [وعن أبي هريرة ﵁، وأبي سعيد الخدري سعد بن مالك بن سنان المدني أنهما سمعا النبي ﷺ يقول: (في قول الله تعالى: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:٤٣]، قال: نودوا أن صحوا فلا تسقموا أبداً)، أي: أنتم في صحة وعافية ليس بعدها مرض، (واخلدوا فلا تموتوا أبداًَ، وانعموا فلا تبأسوا أبداً)]. وعن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾ [الدخان:٥١] قال: في خلود دائم، ونعيم ليس فيه شخوص -أي: انزعاج- قد أمنوا العذاب، ورضوا بالثواب، واطمأنت بهم الدار، في جوار الرحمن ﵎، ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ [الدخان:٥٥] أي: أمنوا من الموت، والأسقام، والأوجاع، والأمراض، والتخم، لا يذوقون فيها طعم الموت، حياتهم كلها نعيم أبدي، سرمدي، دائم لا انقطاع له. وعن الضحاك رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾ [الدخان:٥١] قال: أمنوا الموت فلا يموتون أبداً، ولا يهرمون أبداً، ولا يكبرون عن هذا السن. وفي الأثر: أن أهل الجنة يدخلون على سن عيسى بن مريم ثلاث وثلاثين لا يزيدون عليها؛ لأن الجنة والنار ليستا بحساب الأيام والليالي، ولا الصباح المساء؛ لأنه لا شمس ولا قمر ولا شيء من هذا، فلا يقال هناك أيام. وأهل الجنة لا يعرون أبداً، ولا يجوعون أبداً، ولا يكبرون أبداً، ولا يسقمون أبداً، فهذا هو المقام الأمين في قوله ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾ [الدخان:٥١]. وعن جابر ﵁ قال النبي ﵊: (لما سئل: أينام أهل الجنة؟ قال النبي ﵊: النوم أخو الموت، وأهل الجنة لا يموتون)، إذاً: لا نوم في الجنة، والأمور كلها تتبدل، فلا يحتاج أحد أن يستريح قليلاً؛ لأنه لا يحتاج لهذه الراحة ابتداء، ولا يفكر فيها. وعن عبد الله بن عمرو ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (يقول الله لمن يشاء من ملائكته: ائتوهم فحيوهم) الله تعالى يأمر الملائكة أن يأتوا أهل الجنة فيحيوهم ويسلموا عليهم، (فتقول الملائكة -أي: المقربون: نحن الذين ألهمنا التسبيح والذكر كما ألهمنا النفس، فيكف تأمرنا أن نذهب إلى هؤلاء ونسلم عليهم، كأنهم أرادوا أن يقولوا ذلك- قال: فتقول الملائكة: نحن سكان سمائك وجيرتك من خلقك، أفتأمرنا أن نأتي هؤلاء فنسلم عليهم؟ قال: إنهم كانوا عباداً يعبدونني، ولا يشركون بي شيئاً)، وهذا من إخلاص توحيد الله ، وإخلاص العبادة لله، ونبذ الشرك، وهذا أعظم سبب لدخول الجنة. والله تعالى له من الملائكة خدم للمؤمنين في الجنة، قال: (فتأتيهم عند ذلك -أي: الملائكة- فيدخلون عليهم من كل باب: سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار).

стр. 74

أول زمرة تدخل الجنة من أمة محمد وذكر السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب وعن عبد الله بن عمرو قال: قال النبي ﵊: (أتعلم أول زمرة تدخل الجنة من أمتي؟ قال: الله ورسوله أعلم، فقال: المهاجرون هم الذي يدخلون الجنة أولاً، يأتون يوم القيامة إلى باب الجنة ويستفتحون فتقول لهم الخزنة: أوقد حوسبتم؟) أي: هل قد حاسبكم الله ، (فيقولون: بأي شيء نحاسب، وإنما كانت أسيافنا على عواتقنا في سبيل الله حتى متنا على ذلك؟ فيفتح لهم الخازن فيقيلون فيها أربعين عاماً قبل أن يدخلها الناس)، أي: يمكثون في الجنة أربعين عاماً قبل أن يدخلها بقية أهلها. وأنتم تعلمون أن النبي ﵊ قال: (يدخل الجنة سبعون ألفاً بغير حساب ولا سابقة عذاب مع كل واحد منهم سبعون ألفاً) فهم سبعون ألفاً في سبعين ألفاً، قال: (وهم الذين لا يتطيرون، ولا يسترقون، وعلى ربهم يتوكلون، قال رجل من أصحابه ﵊: ادع الله أن أكون منهم، قال: أنت منهم، فقام آخر فقال: ادع الله أن أكون منهم، قال: سبقك بها عكاشة)، ولا يفهم من الحديث أن السائل الثاني ليس منهم؛ لأن الجواب ليس فيه سرد لهم، وإنما الجواب يفهم منه: عدم فتح الباب لكل من أراد أن يسأل هذا السؤال، ولذلك النبي ﵊ علم حذيفة أسماء المنافقين، وأنتم تعلمون أنه لا يدخل الجنة منافق، وعمر ﵁ من المبشرين بالجنة، ولذلك قال عمر لـ حذيفة: يا حذيفة! أسماني لك رسول الله في المنافقين؟ قال: لا يا أمير المؤمنين، ولا أزكي أحداً بعدك، يعني: لا تفتح علي هذا الباب يا أمير المؤمنين؛ لأنك لو فتحته فربما أتى المنافق فسأل عن نفسه فلا يسعني إلا الجواب، فحينئذ تكون الفتنة، فاعتذر إليه حين أجابه عن نفسه، ثم أغلق الباب. وكذلك النبي ﵊، لما سأله عكاشة: ادع الله أن أكون منهم يا رسول الله! قال: أنت منهم، فقام آخر فقال: وأنا أدع الله لي أن أكون منهم، قال: سبقك بها عكاشة، لأنه يمكن أن يقوم من المنافقين من يسأله، لأنه إذا كان جريئاً على الله، فكيف لا يكون جريئاً على النبي ﵊؟! فأراد النبي أن يغلق باب الشر وباب الفتنة. أما بيان العلامات لهؤلاء الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عقاب فهي: أنهم: (لا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون) وهناك رواية عند البخاري وهي شاذة: (الذي لا يرقون ولا يسترقون) وهذا غير صحيح، إنما الرواية الصحيحة: (هم الذين لا يتطيرون)، والعرب كانت تتشاءم بالطير، فكان من قتل له قتيل مثلاً أو أراد أن يسافر أتى بالحمام ورماه في الهواء وقال: إذا ذهب يميناً ثأرت للقتيل، وإذا ذهب شمالاً لا أثأر، أو إذا ذهب الطير يميناً أسافر وإذا ذهب يساراً لا أسافر وغير ذلك، وهذا من التشاؤم، وقد قال النبي ﵊: (لو كان الشؤم في شيء لكان في ثلاث: المرأة، والفرس، والدار)، وفي رواية: (المرأة، والمركب، والدار)، و (لو) حرف امتناع لامتناع، يعني: الأصل أنه لا شؤم في الإسلام البتة، ولا حتى في المرأة، ولا في الفرس أو الدابة، ولا في الدار، فلا شؤم في الإسلام، وهذا نص كلامه قال: (لو كان الشؤم في شيء) يعني: لو صح أن هناك شيئاً اسمه شؤم مشروع لكان في هذه الثلاث، لكن ليس هناك شيء اسمه شؤم فلا يصح للمرء أن يتشاءم. قال النبي ﵊ لـ عبد الله بن عمرو ﵁: (أتعلم أول زمرة تدخل الجنة من أمتي؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم، فقال: المهاجرون، يأتون يوم القيامة إلى باب الجنة ويستفتحون، فتقول لهم الخزنة: أوقد حوسبتم؟ فيقولون: بأي شيء نحاسب، وإنما كانت أسيافنا على عواتقنا في سبيل الله حتى متنا على ذلك).

стр. 75

ذكر شيء من أوصاف الجنة وما أعد الله فيها للمؤمنين وعن ابن عمر ﵁ قال: (سئل رسول الله ﷺ عن الجنة كيف هي؟) يعني: صفها لنا، (قال: من يدخل الجنة يحيا فيها لا يموت)، يعني: يحيا حياة أبدية دائمة لا موت فيها، كما في الحديث الآخر: (خلق الله الجنة والنار، وجعل لكل قسماً، وقال: يا أهل الجنة خلود بلا موت، ويا أهل النار خلود بلا موت). قال: (من يدخل الجنة يحيا لا يموت، وينعم فيها لا يبأس، لا تبلى ثيابه -يعني: لا تتسخ- ولا يفنى شبابه، قيل: يا رسول الله! كيف بناؤها؟ قال النبي ﵊: لبنة من ذهب ولبنة من فضة) يعني: طوبة من ذهب وطوبة من فضة، (ملاطها مسك أذفر)، الملاط الذي هو بمثابة الأسمنت الذي يعمل على تماسك اللبنات: (وحصباؤها اللؤلؤ، والياقوت، وترابها الزعفران). وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: (لما بعثني رسول الله ﷺ -أي: إلى اليمن- قال: يا أيها الناس إني رسول رسول الله ﷺ إليكم، واعلموا أن المرد إلى الجنة أو إلى النار خلود بلا موت)، أي: في الجنة والنار خلود بلا موت، (وإقامة لا ظعن)، أي: لا سير منها. وقال له ﵊: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب -يعني: يهوداً ونصارى- فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أجابوك لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم) حتى عدد له بقية شرائع الإسلام، وهذا يدل على أهمية ترتيب الأهم فالأهم، وأولويات الدعوة إلى الله . ولذلك قال النبي ﵊ كما في حديث أبي هريرة وغيره في الصحيحين: (الإسلام بضع وستون)، وفي رواية: (بضع وسبعون شعبة، أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)، فبين النبي ﵊ أن الإيمان أو الإسلام شعب. وعن مجاهد بن جبر المكي الإمام الكبير تلميذ ابن عباس ﵁ قال: في قول الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر:٣٤]، قال: حزن الموت، أمنوا أن يموتوا بعد ذلك. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال: النبي ﵊: (إن الله بنى جنات عدن بيده)، الجنات متعددة منها: جنة عدن، وقيل: عدن جنات كثيرة، فإما أنها ذكرت بجنات على سبيل التعظيم والتشريف، وإما أنها درجات كثيرة أو جنات متعددة. فقوله: (إن الله بنى جنات عدن بيده)، هذه خاصية لها كما خلق الله آدم بيده، وكتب التوراة لموسى بيده، وهذه ثلاث مخلوقات باشر الله ﵎ خلقها بيده تشريفاً لها، ثم قال: (وبناها لبنة من ذهب، ولبنة من فضة، وجعل ملاطها المسك الأذفر -أو الإذفر- وترابها الزعفران، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت). وفي الجنة نعيم أعظم من هذا كله وهو النظر إلى وجه الله الكريم في كل أسبوع مرة وهو يوم الجمعة، الذي يسمى في الآخرة: يوم المزيد، أي: يزداد فيه المؤمنون بهاءً وحسناً وجمالاً؛ بسبب النظر إلى وجه الله الكريم. قال: (ثم قال الله لها: تكلمي، فقالت: قد أفلح المؤمنون، ثم عددت صفات المؤمنين، فقالت الملائكة: طوبى لك منزل الملوك) إذاً: الملك الحقيقي هو من حرص على دخول الجنة؛ لأن الجنة منزل الملوك. وقال النبي ﵊: (جنتان من ذهب، وجنتان من فضة)، فجنات الفردوس أربع: جنتان بناؤهما من الذهب، وجنتان بناؤهما من الفضة، وكذا بالنسبة للحلي والأواني، والتراب، والحصباء وغير ذلك. وعن أبي موسى ﵁ في قول الله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦] قال: جنتان من ذهب للسابقين، وجنتان من فضة للتابعين، أي: للتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال النبي ﵊: (جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم -أي: أهل هذه الجنات- وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنات عدن). وعن أبي موسى ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (جنتان من ذهب للمقربين) أو قال: (للسابقين، وجنتان من ورق) الورق بكسر الراء هي الفضة، (لأصحاب اليمين). وفي الصحيحين من حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: قال النبي ﵊: (يحشر الناس يوم

стр. 76

الأسئلة

стр. 77

معنى كفت الثوب في الصلاة وحكم تشمير الكم فيها السؤال ما معنى (أمرت ألا أكف ثوباً في الصلاة)؟ وهل يجوز تشمير الكم في الصلاة؟ الجواب الحديث في الصحيحين: (نهى النبي ﷺ عن كفت الشعر والثوب)، وفي رواية: (عن عقص الشعر في الصلاة)، والكفت: هو الجمع والضم، وأنتم تعلمون سنة النبي ﵊ في شعره أنه كان يطيله حتى يبلغ منكبيه، فإذا كان ذلك من المسلم فإنه إذا طال على هذا النحو فكلما أراد أن يركع أو أن يسجد جمع شعره وطرحه في الخلف حتى يتسنى له أن يسجد على الأرض وأن يباشر الأرض بجبهته، فنهى النبي ﵊ عن ذلك، وكما جاء النهي في الثوب جاء في الكم وفي الإزار، كلما هم المرء أن يركع أو يسجد جمع ثوبه بين فخذيه أو كفت بمعنى: جمع وضم إزاره أو بنطلونه وكذلك الكم، فنهى النبي ﵊ عن ذلك، فهذا معنى كفت الشعر والثوب والنهي عنه، وبالإجماع هذا النهي نهي تنزيه أي: كراهة تنزيهية، ومن خالف ذلك لا حرمة عليه.

стр. 78

حكم العمل بالقرعة عند الهم بأي أمر من الأمور السؤال هل يجوز للمرء أن يعمل القرعة، أي: يأخذ ورقة ويكتب فيها: أفعل ولا أفعل ثم يقوم بالسحب، فهل هذا من الشؤم؟ الجواب يعني: واحد في هذا الوقت يريد أن يسافر الإسكندرية وهو متردد ماذا يصنع؟ فيقول: سأكتب ورقتين، ورقة منهما مكتوب عليها أسافر، والورقة الأخرى لا أسافر، ثم يبدأ عملية السحب على المكشوف، فإذا طلعت ورقة لا تسافر لن يسافر، وإذا طلعت سافر فإنه يسافر، هذا من الشؤم، وهذا من طيرة الجاهلية، هو لم يستقسم بالأزلام من غير يمين، لكن أنا أدلك على ما هو خير لك من هذا، قال النبي ﵊: (إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كان هذا الأمر) مثلاً: سفري إلى الإسكندرية، أو زواجي من فلانة، أو الموضوع الفلاني أو العلاني (خيراً لي في ديني، ومعاشي، ومعادي، وعاقبة أمري آجله وعاجله، فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه، وإن كان هذا الأمر -ويسميه- شراً لي في ديني، ومعاشي، وعاقبة أمري آجله وعاجله فاصرفه عني واصرفني عنه، ثم اقدر لي الخير حيث كان ورضني به)، وهذا يسمى بدعاء الاستخارة، فالمرء إذا هم بأمر من أموره وهو لا يدري وجه الخير والشر فيه فيصلي ركعتين، أو يدعو بعد النوافل المطلقة أو الراتبة، يدعو بعد نافلة أو بعد سنة العشاء، أو سنة المغرب، أو بعد ركعتين من الليل، أو في أي وقت، ولا بأس أن تتكلف أن تصلي ركعتين إذا كان الأمر يستحق ذلك ولو كان ذلك في وقت الكراهة؛ لأن النهي عن الصلاة في وقت الكراهة محمول على مطلق النوافل، أما صلاة لها سبب -وهذا مذهب الشافعي - فلا بأس في ذلك وهو الذي نرجحه دائماً. وكان الصحابة ﵃ يبالغون جداً في الاستخارة، حتى ورد أنهم كانوا يستخيرون الله تعالى في شراك نعالهم، في أقل أمورهم وأحوالهم كانوا يستخيرون الله ، واعلم أن الاستخارة لا أمارات ولا علامات لها؛ فالحديث لم يبين أن الطريق لقبول الأمر ورده أن ترى ذلك في المنام، أو أن ينشرح لذلك صدرك أو لم ينشرح، أو تجد نوراً في قلبك أم لا، كل هذا الكلام من اختراع الناس، وإنما أنت تقول: (إن كان هذا الأمر خيراً لي في ديني ومعاشي فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه)، فمثلاً: أنا أريد أن أتزوج بنت فلان، فاستخرت الله قبل أن أذهب وبعده، وقبل أن أرى وبعد ذلك، فلا أقول بعد ذلك: أنا لن أذهب إلى هذا الرجل ولن أمشي في الموضوع إلا لما أرى رؤيا، بل أذهب ولو قدر الله لي وقد سبق في علمه أن هذا الزواج خير لي فسييسره، وإذا كان ربنا لم يرد ذلك فسيجعل الأمر غير ميسر ويجعل الباب مقفلاً.

стр. 79

معنى قوله ﵊: (لو كان الشؤم في شيء) السؤال ما معنى قوله ﵊: (لو كان الشؤم في شيء لكان في ثلاث: المرأة، والدار، والدابة)؟ الجواب لا شؤم قط في الإسلام ولا حتى في هذه الثلاث، والمعنى: لو كان هناك شؤم فهو في هذه الثلاث، لأن المرء في الغالب يتشاءم بها، فلما كان معظم حال الناس أنهم يتشاءمون بالمرأة والدار والفرس، ذكر ذلك النبي ﵊.

стр. 80

حكم الغناء السؤال ما حكم الغناء؟ علماً أنني تناظرت مع أحد طلبة جامعة الأزهر حول ذلك. الجواب كنت أتمنى أنني لم أقرأ السؤال ما دام الحوار مع طالب أزهري يذهب إلى حل الخمر، والميسر، والخنزير، والغناء، مع أن الأدلة من الكتاب والسنة أمام عينيه، فطلبة ومشايخ وأساتذة الأزهر لا يكادون يحرمون شيئاً، ها أنتم تعرفون أكبر طربوش لا يحرم أي شيء، وطوال عمره لم يقل على شيء حرام أنه حرام، بل كل شيء عنده حلال، حتى إن الربا عنده حلال وغير ذلك. والذي أقل منه وأدنى منه في المرتبة والمنزلة الأصل أنه لا يحرم شيئاً، فهو أستاذ كبير جداً، ورئيس قسم العقيدة، لما ذهبت معه في مدينة ناصر رأيته ومعه السيجارة وهو لابس للشورت، فهو لم يأخذ بحديث النبي ﷺ في الصحيحين: (الفخذ عورة)، ولم يأخذ بحديث النبي ﵊: (لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه) ولم يسمع حديث النبي ﵊: (كل مسكر ومفتر حرام)، والسجائر تفتر، وهو يقول: أنا لن أهدأ إلا لما أشرب السيجارة، العوام الذين يشربون السجائر يقرون بأن السجائر حرام، والذين يسمعون الأغاني والموسيقى يعلمون أنهما حرام، وكثير من مشايخ الأزهر إلا من رحم الله لا يذهب إلى حرمة شيء من ذلك، أقسم بالله العظيم أن منهم من ينازع في الوسكي والشنبانيا، ويقول: لابد أن يكون مكتوباً عليها (خمراً)، وسكي وشنبانيا هذه ليست خمراً! ويتعنت في ذلك، ومثله كمثل رجل في رابعة النهار ينظر إلى الشمس ويقول: أين الشمس؟ نقول له: هذه هي الشمس، فيقول: ما الدليل على أن هذه شمس؟ هذا قمر، فلا يستطيع أحد أن يعطيه دليلاً أن هذه هي الشمس لأنه إنسان فقد عقله تماماً. والنبي ﵊ كما أورد ذلك البخاري معلقاً بصيغة الجزم قال: (يأتي زمان على أمتي يستحلون الحر، والحرير، والخمر، والمعازف)، وكلمة (يستحلون) معناها: أن هذه الأمور ليست حلالاً وإنما هي حرام، و (الحر) هو الزنا، (والحرير) محرم للرجال دون النساء، (والخمر): يسمونها بغير اسمها من أجل أن يهربوا من حرمتها، (والمعازف) هي آلات اللهو والطرب. كان عبد الله بن عمر ﵁ إذا ذهب إلى واد أو قرية أو بلد أخذ معه مولاه نافعاً، وكان إذا سمع غناء وضع أصبعيه في أذنيه حتى إذا عبر هذا الموطن قال: يا نافع أتسمع شيئاً؟ فإن قال: لا، أخرج أصبعيه؛ لأن الغناء مزمار الشيطان، والموسيقى مزمار الشيطان كذلك، وبعض الأخوات أو الإخوة يقرءون في الكتب التي اعتنت بتربية الأطفال وكتبها أهل الغرب ومنها النافع ومنها الضار، ولكنهم يأخذون منها النافع والضار على السواء، وكثيراً ما ينصح الأطباء الغربيين ومن لا دين لهم ولا خلاق لهم بسماع الموسيقى الهادئة من أجل أن يهدأ الطفل، والطفل سيظل يتعود على هذه الموسيقى إلى أن يصبح كبيراً، ومن شب على شيء شاب عليه، والطفل على ما عودته، إن عودته الطاعة اعتاد الطاعة، وإن عودته المعصية اعتاد المعصية، وفي هذا الوقت عندما تقول لواحد: بالله عليك السجائر التي تشربها حلال أم حرام؟ يقول لك: والله أنا عارف أنها حرام، وادع لي يا شيخ أن الله يخلصني منها، فأنا محتاج إليها، لا أستطيع تركها، لأنها تركت أثراً عظيماً جداً في الدم والمخ والعظم واللحم فلا يقوى على ذلك، وأنا مقدر هذا الرد، لكن على أية حال هذا لا يكون إلا من إنسان ضعيف العزيمة، وإلا فالصحابة ﵃ قد شربوا الخمر إلى أمخاخهم، ولما نزل تحريم الخمر امتنعوا جميعاً، والفارق الذي بيننا وبينهم فارق إيماني، فهم لما تربوا على العقيدة الصحيحة وأتاهم تعظيم الله ، وتعظيم أمره ونهيه، فلما أتاهم النهي عن الخمر انتهوا عن الخمر، وكذا النهي عن الزنا انتهوا عن الزنا، والنهي عن وأد البنات أحياء انتهوا، وغير ذلك من الفظائع والعظائم التي كان يفعلها أهل الجاهلية. فالغناء حرام؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [لقمان:٦] يقول ابن مسعود: أقسم بالله، أقسم بالله، أقسم بالله أن لهو الحديث هو الغناء، هل نصدق علماء الأزهر كلهم أم ابن مسعود؟ يأتي هناك في المقابل شبهات وهي: (أن أبا بكر ﵁ دخل على النبي ﷺ وهو في بيته بعد أن رجع من غزوة خيبر، فوجد جاريتين تغنيان، فقال: أمزمار الشيطان في بيت رسول الله؟ وغضب، فقال النبي ﵊: دعهما يا أبا بكر فإن لكل قوم عيداً وهذا عيدنا)، وفي رواية عند أبي داود (دخل عمر على النبي ﵊ وعنده جاريتان تغنيان وليستا بمغنيتين) ولذلك العلماء يقولون: الغناء حلال بشر

стр. 81

حكم لبس الذهب المحلق السؤال ما حكم الذهب المحلق؟ الجواب الذهب المحلق حلال، وهذا مذهب عامة أهل العلم من أمة لا إله إلا الله، وذهب خلاف ذلك شيخنا العلامة الألباني عليه رحمة الله، وقال بحرمة الذهب المحلق للنساء، واستشهد بأحاديث لم تخف على عامة الأمة وإنما علموها ورووها ولم يفهموا منها ما فهم الشيخ الألباني ﵀. والأحاديث التي احتج بها الشيخ الألباني حملها علماء الأمة على منع الزكاة، ومنها: (أن امرأة جاءت إلى النبي ﵊ ومعها ابنتها وفي يدها سواران من ذهب، فقال النبي ﵊: أتؤدين زكاة هذا؟ قالت: لا، قال: أتحبين أن تسوري بسوارين من نار يوم القيامة؟ فخلعتهما وألقتهما في حجر النبي ﵊، ولو كان الذهب المحلق حراماً لقال لها: اخلعيهما فإنهما حرام لا يحل لك، ولكنه قال لها أولاً: (أتؤدين زكاة هذا؟) فلو قالت: نعم، لما تكلم بعد ذلك النبي ﵊.

стр. 82

حكم لبس الثوب الأحمر السؤال ما حكم لبس الثوب الذي لونه أحمر؟ وما الدليل؟ الجواب جاء في سنن أبي داود وعند أحمد في المسند: (نهى النبي ﵊ الرجل أن يلبس اللبس الأحمر أو الثوب الأحمر)، مع أنه ﵊ كما قال عبد الله بن عمر: (رأيت النبي ﷺ يصلي وقد لبس ثوباً أحمر مخططاً)، فالنهي محمول على الأحمر الخالص الذي لا شية فيه، ولا علامة فيه، ولا خطوط، ولا مربعات، ولا سرهات، ولا سيور، يعني الأحمر المصمت، فمن لبس جلابية حمراء مخططة أو فنيلة حمراء مخططة فلا بأس بذلك ولا حرمة في ذلك. ولا تدخل النساء في هذا النهي.

стр. 83

لمن تكون المرأة المؤمنة إذا دخلت الجنة وقد تزوجت في الدنيا أكثر من زوج السؤال إذا تزوجت المرأة اثنين أو أكثر ودخلوا جميعاً الجنة، فهي زوجة من منهم؟ الجواب زوجة أحب واحد من الثلاثة إليها، وإذا تزوج الرجل أربعاً أو أكثر من ذلك، بشرط ألا يكن أكثر من أربع نساء في وقت واحد، فإنه يتزوج أحب النساء إليه، أو يتزوجهن جميعاً.

стр. 84

حكم العمليات الاستشهادية في فلسطين السؤال بالنسبة لعملية تفجير النفس التي يقوم بها الإخوة الفلسطينيون، وذلك لقتل المدنيين اليهود اختلف علماء السنة فيها، فمنهم من قال: إنها عملية انتحارية وصاحبها منتحر، ومنهم من قال: إنها عملية استشهادية وصاحبها مجاهد في سبيل الله، فماذا ترجح لديكم؟ الجواب الذي يترجح لدي أنها عملية استشهادية وليست انتحارية، فالمنتحر لا ينتحر إلا وهو يائس من رحمة الله ، والذي يستشهد في فلسطين ليس يائساً من رحمة الله، وإنما يفعل ذلك نصرة للدين، ودفعاً للعدو، فلابد أن يراعى هذا الفارق، وقد حدث في أصحاب النبي ﷺ أكثر من حادث. لكن على أية حال أنا أعد محاضرة الآن في هذا الباب وسنلقيها بإذن الله تعالى في مؤتمر القدس في مسجد (العز بالله) الذي سينعقد في يوم ٢٤/ ٨ (في مؤتمر عن القدس)، وسيحاضر فيه سيادة اللواء أحمد عبد الوهاب رئيس مجلس إدارة مسجد العزيز، والدكتور جمال عبد الهادي، والدكتور علي السالوس، والدكتور عبد الوهاب النصيري أستاذ كبير جداً وتخصصه: الرد على اليهود، وهو الذي عمل موسوعة عن اليهود في خمسة عشر مجلداً، فهو قنبلة علمية إذا انفجرت يكون عوضنا على الله، وهو حليق ويلبس بدلة لكنه أستاذ خبير، وليس هو شيخاً، وستستفيدون منه إن شاء الله أكثر من الشيوخ بإذن الله تعالى؛ لأن ربنا يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]، وهو من أهل الذكر في القضية، وسيحاضر فيها شيخنا وأستاذنا محمد عبد المقصود، والشيخ محمد حسان، والشيخ سيد عربي، والأستاذ كامل الشريف الذي هو رئيس وزراء الأردن الأسبق، سيحاضر معنا إن شاء الله. وسيكون المؤتمر لمدة ثمانية أيام من الجمعة ٢٤/ ٨ إلى الجمعة الأخرى ٣١/ ٨، ما بين المغرب والعشاء.

стр. 85

حكم تداخل صلاة قضاء الحاجة مع صلاة النافلة السؤال هل يجوز صلاة قضاء الحاجة مع صلاة النوافل؟ الجواب نعم يجوز؛ لأن أهل العلم على جواز تداخل النيات في النوافل دون الفروض. ويجوز أن يدعو بتفريج حاجته.

стр. 86

نصيحة لمن يفزع من النوم دائماً السؤال امرأة شاهدت على الإنترنت بعض الجماعات التي في تايوان والتي تقوم بأكل الأطفال الصغار بعد الطهي، ومنذ ذلك الوقت تفزع في نومها، فماذا تفعل؟ الجواب لا حول ولا قوة إلا بالله، وإنا لله وإنا إليه راجعون، على أية حال إجابتي على سؤال السائلة: أنه ينبغي عليها أن تعتصم بكتاب الله وبسنة النبي ﵊، وتكثر من قراءتها للأذكار من الكتاب والسنة قبل نومها.

стр. 87

حكم حضور الحائض لدروس العلم في المسجد ومسها للمصحف السؤال هل يجوز للمرأة الحائض حضور دروس العلم في المساجد، وهل يجوز لها القراءة من المصحف بمس أو بدون مس؟ الجواب هذه المسألة اختلف فيها أهل العلم اختلافاً بيناً، وجمهور الفقهاء على حرمة ذلك، ولا دليل صحيح في هذا الباب، فيبقى عندنا الأصل وهو جواز أن تدخل الحائض المسجد وتمكث فيه، وجواز أن تمس المصحف بيدها وتقرأ فيه، إذا كانت تسأل عن الجواز، أما إذا كانت تسأل عن الأفضل، فالأفضل بلا شك ألا يعبد المرء ربه إلا وهو كامل الطهارة.

стр. 88

مسألة في الرضاع السؤال امرأة لها بنتان، وامرأة أخرى لها ولدان، والمرأة التي لها بنتان أرضعت ولداً من الولدين، فهل يجوز للولد الآخر الذي لم يرضع أن يتزوج من إحدى البنتين؟ الجواب يجوز؛ لأنه لم يجتمع معه على الثدي، فالولد الآخر الذي لم يرضع يجوز له أن يتزوج أياً من البنتين التي رضعت مع أخيه أو التي لم ترضع.

стр. 89

حكم التسبيح بالسبحة السؤال ما حكم التسبيح بالسبحة، وقد قرأت في أحد الكتب أن عبد الله بن مسعود ﵁ رأى امرأة تمسك سبحة فأخذها فقطعها، ثم ضربها بقدمه وقال لها: والله لقد ابتدعتم في الدين بدعة ما فعلها أصحاب محمد، فهل هذا صحيح؟ الجواب هذا ليس صحيحاً أبداً، أن عبد الله بن مسعود يأخذ السبحة من المرأة ويقطعها ويضرب المرأة على ذلك. أما حكم التسبيح بالمسبحة فالأصل الجواز؛ لأنه لم يرد فيها نهي ابتداء، وقد ورد إباحة ذلك بفعل أبي هريرة، وسلمان الفارسي، وأبي الدرداء ﵃، وقد أورد حديثهم الإمام الطبراني في كتاب الدعاء، أنهم كانوا يسبحون على الحصى، وأصل السبحة عبارة عن حصى، حتى قيل لـ أبي هريرة: أتسبح على المسبحة؟ قال: وما يمنعني من ذلك؟ أي: أين النهي الوارد في ذلك؟ وقال النبي ﵊ لـ أم سلمة: (اعقدن التسبيح على الأنامل فإنهن مستنطقات)، فالأولوية في التسبيح أن يكون على الأصابع اليمنى، ثم على المسبحة، فكلاهما جائز، لكن الأولى أن يكون التسبيح على الأنامل، والشيخ الألباني عليه رحمة الله قد ذهب إلى بدعية التسبيح على المسبحة، ثم رجع عن هذا الحكم وقال بالجواز بعد ذلك لما طبع الدعاء للطبراني واطلع على هذه النصوص رجع عن فتواه. وإذا كان هذا المباح قد صار علماً على أهل البدع، أو كانت المسبحة علامة على أهل البدع من أهل الانحراف كالصوفية وغيرهم فيستحب تركها، أما إذا كانت واجبة فأنا أعمل بها وإن فعلها اليهود، والنبي ﵊ يقول: (خالفوا اليهود والنصارى) أو (خالفوا أهل الكتاب وخالفوا المشركين أطلقوا لحاكم فإنهم لا يفعلون ذلك)، فمن قال أن شنوده مطلق للحيته، فما دام أن القضية قضية المخالفة فأنا سأحلق من أجل مخالفته، فنقول: إطلاق اللحية هذا هو الواجب علينا، وهو الذي وافقنا ولسنا نحن الذين وافقناه، ثم إن هذا من شعائر ديننا. فأهل العلم إذا تبين لهم الحق والصواب رجعوا إليهما، أما الذين ليسوا من أهل العلم فإنهم يستمرون في جهلهم.

стр. 90

حكم الصلاة بين السواري السؤال هل يوجد نهي عن الصلاة بين السواري؟ الجواب النبي ﵊ نهى عن الصلاة بين السواري، والسواري هي الأعمدة، فلا يجوز الصلاة بينها إلا للضرورة، والعلة انقطاع الصف، ولا يجوز قطع الصف إلا لعلة ازدحام، أو للضرورة أو غير ذلك. والدليل على ذلك حديث عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: (دخل النبي ﵊ وعثمان بن طلحة وأسامة بن زيد الكعبة، فصلى النبي ﵊ وأصحابه، فلما خرجوا قلت لـ أسامة بن زيد: ماذا فعلتم؟ قال: صلينا، قلت: هل صلى رسول الله؟ قال: نعم، قلت: أين صلى؟ قال: إلى الاسطوانة)، والمقصود بالاسطوانة هي العمود أو السارية، وهي مبنية بالطوب وليس بالخرسان. والنبي ﵊ اتخذ الدابة سترة، واتخذ عائشة ﵂ سترة، واتخذ السرير سترة، واتخذ العنزة سترة، والعنزة: هي عصاً كمؤخرة الرحل، وهي عصا تتخذ عند قتب الجمل أو البعير يعلق عليها البضائع والمحمولات وغير ذلك، فالنبي ﵊ صلى إلى هذه العنزة بعدما غرزها في الأرض، واتخذها سترة له، ولذلك العلماء يقولون: السترة لابد أن تكون على قدر العنزة، أي: قدر شبر، ولا يعتبر الفارق بين السجادتين سترة، أو معه خيزرانة يلقيها أمامه ويعترضها، كل هذا لا يبيح للمار أن يمر من أمامها؛ لأن السترة لابد أن تكون مرتفعة قدر شبر عن الأرض؛ لأن أقل الوارد من النصوص في حق السترة مؤخرة الرحل واسمها العنزة. وحديث: (صلى النبي ﵊ إلى عنزة)، ومن التصحيف في الفهم أن رجلاً من بلدة اسمها عنزة، وعنزة وعنيزة في السعودية، فهما قريتان متجاورتان وهما في القصيم، فهذا الرجل الذي من عنزة تفاخر على أصحابه وقال لهم: نحن قوم لنا شرف، قالوا له: وما هو هذا الشرف؟ قال: لقد صلى النبي ﷺ إلينا، فقد ظن أن العنزة في الحديث هي البلد التي هو منها، فالنبي ﷺ لم يصل إلا إلى قبلة المسلمين المعروفة.

стр. 91

شرح صحيح مسلم - كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها - نعيم الجنة وصفة أهلها [٢] لقد وصف الله الجنة لعباده المؤمنين ليزدادوا شوقاً إليها، وعملاً لها، فهي لبنة من فضة ولبنة من ذهب، وترابها الزعفران، وملاطها المسك الأذفر، وما بين مصراعي كل باب من أبوابها كما بين مكة وهجر، أو مسيرة أربعين عاماً، ولها من الأبواب ثمانية، تفتح في كل يوم خميس وإثنين. وللجنة رائحة طيبة يجدها المؤمن من مسيرة خمسمائة عام، وفيها عينان نضاختان بالمسك والعنبر إلى غير ذلك من النعيم المقيم للمؤمنين الصادقين.

стр. 92

وصف الجنة

стр. 93

ذكر بناء الجنة وترابها الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على محمد، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أما بعد: إن الدعوة إلى الله تسير في طريقين: طريق العلم أو التأصيل العلمي، وطريق الوعظ، والوعظ يلزم عامة الناس، وأما العلم فيلزم خاصة الناس، وعلى أية حال التأصيل العلمي هو الذي يربي الشخصية العلمية المسلمة الواعية الفاهمة، وأما الوعظ فسرعان ما يزول أثره من القلوب، بل ربما في مجلس الوعظ نفسه يزول الأثر، فكثير من الناس يسمع درس الوعظ أو الخطبة أو غير ذلك ثم على باب المسجد ينفض ثوبه كأنه يقول: هذه بضاعتكم ردت إليكم، وقد جربنا مراراً أن كثيراً من المستمعين أو الحاضرين يسمع الخطبة أو الدرس أو غير ذلك ثم يخرج فإذا سألته عما سمع كأنه لا يعرف شيئاً، غير أنه تأثر من هذا الدرس حتى إن هذا الدرس أبكاه، لكن لو سألته: كيف بكيت؟ ولمَ بكيت؟ فإنه لا يدري. وقد سمعنا علماءنا ومشايخنا يقولون: لو أن المرء تعلم في كل يوم من أيام حياته مسألة واحدة من مسائل العلم لكان بعد عدة أعوام عالماً، أو قد تربى على التأصيل العلمي، وهذه بلا شك حقيقة ينبغي التنبه لها. إننا وإن كنا نتكلم عن الجنة والنار فإننا نتكلم عنهما من باب الوعظ، وإلا كان ينبغي أن نبكي منذ زمن طويل مضى، وإنما نتكلم عن مسائل علمية متعلقة بالجنة والنار، ومسائل اعتقادية متعلقة بالجنة والنار، فلو قلنا الآن: تربة الجنة مما تتكون؟ فهذه مسألة علمية، وليست مسألة وعظية، فهناك فرق بين أن أقول لك: (الجنة لبنة من ذهب، ولبنة من فضة، وملاطها المسك الأذفر، وترابها الزعفران)، فأنت تلتذ بهذا الكلام وتحصل عندك اللذة، وفرق بين أن تأخذ هذا الكلام وتستقبله على أنه عقيدة، وأن الجنة وما فيها يختلف عن الدنيا وما فيها، فتكون إنساناً واعياً وحافظاً أن بناء الجنة ليس كبناء الدنيا، وأن ملاط الجنة ليس كملاط الدنيا، وأن تربة الجنة ليست كتربة الدنيا، وإنما ترابها الزعفران، فيتكون لديك تصور مبدئي عن بناء الجنة، وعما فيها من نعيم، وأن ما فيها من نعيم وإن وافق في الاسم نعيم الدنيا؛ فالحقيقة مختلفة، فهذه مسألة علمية وليست مسألة وعظية. وعن أنس بن مالك ﵁ قال: كان أبو ذر ﵁ يحدث أن رسول الله ﵌ قال: (أدخلت الجنة) فالمسألة العلمية: أن النبي ﵊ دخل الجنة، ولا يحل لنا أن نسأل كيف دخلها؟ وأين هي حتى يدخلها؟ لأن هذه من مسائل الغيب، ولكن النبي ﷺ أخبر أنه قد دخل الجنة، وأنه اطلع في النار، ولا يصح أن نقول: دخل النبي ﷺ النار، وربما أحد الوعاظ يخطأ في نقل ذلك، ويقول: دخل النبي ﷺ النار فرأى من فيها وما فيها، ودخل الجنة ورأى ما فيها ومن فيها وهكذا. لكن التقرير العلمي والتأصيل أن يقول: دخل النبي ﷺ الجنة فرأى ما فيها، ومما رأى كيت وكيت وكيت، ونقل إلينا كيت وكيت وكيت، حتى قال لـ بلال: (يا بلال إني أدخلت الجنة فسمعت خشخشتك، فبم سبقتني إليها؟)، فهذا تأصيل علمي ينبغي أن يكون معلوم لدى طالب العلم، قال النبي ﵊: (أدخلت الجنة، فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ -والجنابذ: هي القباب، أي: فإذا فيها قباب عالية من اللؤلؤ- وإذا ترابها المسك)، فهذا في باب ذكر تربة الجنة. وعن أبي سعيد ﵁: (أن ابن صياد سأل رسول الله ﵌ عن تربة الجنة)، وابن صياد هذا قيل إنه الدجال، وقيل غيره، وسيأتي معنا بإذن الله تعالى في كتاب الفتن. قال النبي ﵊ لـ ابن صياد لما سأله عن تربة الجنة: (درمكة بيضاء) يعني: الدقيق الأبيض (مسك خالص). وعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (علي بأعداء الله) يعني: بهم اليهود، فالنبي ﵊ يسمي اليهود: أعداء الله، فليسوا أعداء المؤمنين فحسب وإنما هم كذلك أعداء الله. قال: (علي بأعداء الله؛ فإني سائلهم عن تربة الجنة، وإنها درمكة)، فيخبر النبي ﷺ أصحابه قبل أن يسأل اليهود، وهل اليهود يعرفون الجنة وما فيها؟ نعم يعرفونها؛ لأنه ما من نبي إلا أرسل بالحث على الجنة، وما يقرب إليها من قول أو عمل، والتحذير من النار، والتنفير عنها، وما يقرب إليها من قول أو عمل، ولا بد أن يدل أمته على الجنة، وعلى النار، على ما في هذه من نعيم، وعلى ما في هذه من شر وعذاب أليم. ولذلك قال النبي ﷺ : (علي بأعداء الله؛ فإني سائلهم عن تربة الجنة)، ولابد أن تعلموا أنت

стр. 94

عدد أبواب الجنة إن معرفة عدد أبواب الجنة من مسائل الاعتقاد؛ لأنها متعلقة بالغيب، فلا يأتي أحد يقول: أبواب الجنة ليس لها نهاية، وأبواب النار أيضاً ليس لها نهاية؛ لأن العلم الشرعي يقول: إن أبواب الجنة ثمانية، وأبواب النار سبعة، انتهت القضية هكذا، وهذا يدل على أن رحمة الله واسعة، وقد سبقت غضبه، فقد جعل أبواب الجنة أزيد من أبواب النار بباب، وهذا الباب ليس بالأمر الهين، وإنما هذا الباب (ما بين مصراعيه كما بين مكة وهجر). أي: أحد قوائم الباب الواحد من أبواب الجنة كما بين مكة وهجر -وهي البحرين- وكما في رواية أخرى: (ما بين مكة وهجر، أو ما بين مكة وبصرى)، وبصرى: قرية بالشام، وكانت محل هرقل في ذلك الزمان. وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال النبي ﵊: (ما من رجل يتوضأ فيسبغ الوضوء -أي: فيتقن الوضوء ويحسنه- ثم يقول عند فراغه من وضوئه: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية). وكلمة (الثمانية): استيعاب وشمول، بمعنى أنه لا باب للجنة بعد هذه الثمانية، وأبواب الجنة لا تقل عن هذه الثمانية. ثم قال: [(فيدخل من أيها شاء)، وهناك أحاديث كثيرة جاءت في ذكر بيان أن أبواب الجنة ثمانية. وقال ﵊ في حديث ابن مسعود: (للجنة ثمانية أبواب). وفي حديث عتبة بن عبد السلمي ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (ما من مسلم يتوفى له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث)، والتقدير: ما من مسلم ومسلمة يموت لهما ثلاثة من الولد، (لم يبلغوا الحنث): أي لم يبلغوا الإثم والمحاسبة، والتكليف، يعني: ماتوا قبل أن يبلغوا الحلم، وقبل أن يجري عليهم القلم، (إلا تلقوه من أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء). فلو أن ولدك مات في هذا السن فهو من أهل الجنة، وهذا من مسائل الإجماع عند أهل العلم: أن أبناء المسلمين إذا ماتوا قبل أن يبلغوا الحلم، وقبل أن يجري عليهم القلم -وهو سن التكليف، والمحاسبة، والجزاء، والثواب، والعقاب- فإنهم يدخلون الجنة، ولا خلاف بين أهل العلم في ذلك؛ لأن النبي ﵊ سئل عن أبناء المسلمين الذين ماتوا قبل أن يبلغوا الحنث فقال: (هم في الجنة))، وسئل عن أطفال المشركين فقال أولاً: (الله أعلم بما كانوا عاملين)، ثم سئل بعد ذلك ﷺ عن أطفال المشركين -أي الذين ماتوا صغاراً- فقال: (هم في الجنة)، واختلف أهل العلم في مصير أطفال المشركين، فمنهم من قال: يحبسون ويمتحنون، فإن نجحوا فيه واجتازوه فإنهم يدخلون الجنة، وإلا فلا، وهذا القول بعيد ولا دليل عليه، والفريق الثاني: توقف، والفريق الثالث قال: هم في النار مع آبائهم، وأرجح الأقوال: أنهم في الجنة. قال ﵊: (ما من مسلم يتوفى له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا تلقوه -أي: يوم القيامة- يدخل من أيها شاء). وقال ﵊ في حديث عتبة بن عبد السلمي: (للجنة ثمانية أبواب، ولجهنم سبعة أبواب). وقال ﵊: (والذي نفسي بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر، أو هجر ومكة). وقال ابن المبارك: أو كما بين مكة وبصرى، وبصرى: قرية في الشام كما قلنا، وأما هجر فهي البحرين المعروفة الآن. وعن خالد بن عمير العدوي قال: خطبنا عتبة بن غزوان فقال في خطبته: وإن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين عاماً. فتصور أنك تمشي على عتبة الباب ما بين فكه الأيمن والأيسر أربعين عاماً، [(وليأتين عليها يوم وما منها باب إلا وهو كظيظ من الزحام) يعني: مساحة ما بين المصراعين مسيرة أربعين عاماً، ومع هذا سيكون مزدحماً جداً للداخلين، وهذه بشارة خير بإذن الله تعالى.

стр. 95

ذكر اليوم الذي تفتح فيه أبواب الجنة أما الأيام التي تفتح فيها أبواب الجنة فقد روي عن النبي ﵊ بسند حسن أنه قال: (إن للجنة ثمانية أبواب، سبعة منها مغلقة، وباب منها هو باب التوبة مفتوح حتى تطلع الشمس من مغربها، وهو باب التائبين). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﵊: (تفتح أبواب الجنة في كل يوم اثنين وخميس) وهو حديث صحيح، وفي رواية بزيادة: (فيغفر فيها لكل عبد لا يشرك بالله شيئاً، إلا رجلاً كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا)، وليس معنى ذلك أن هذين الأخوين شقيقان؛ لأن الأخوة هي أخوة الإيمان والإسلام، وهي قبل أخوة النسب. قوله: (تفتح أبواب الجنة في كل يوم اثنين وخميس)، إلا للمشرك فإنه لا ينالها قط، وكذا من كان بينهما خصومة وشحناء فإنهما يحرمان من هذا الخير وهذا الفضل حتى يصطلحا. وليس يعني ذلك أن الإنسان يحرص على الصلح حتى ولو كان ذلك الصراع أو الشحناء بينه -وهو من أهل السنة- وبين أهل البدع أو أهل الفجور أو غير ذلك، فقد بوب الإمام البخاري في صحيحه في قصة الثلاثة الذين خلفوا قال: باب جواز الهجر خمسين يوماً، وهي المدة التي نزل فيها توبة التائبين الثلاثة الذين تخلفوا ﵃، فإذا كان القطع، والمنع، والهجر في الله فإنه ممتد حتى يرجع الظالم الباغي المعتدي عن ظلمه وبغيه واعتدائه وإن طال ذلك إلى أعوام وأعوام.

стр. 96

ذكر حلق أبواب الجنة قال النبي ﵊: (أنا أول من يأخذ بحلقة باب الجنة ولا فخر -يعني: أول من يدفعها- حتى تقعقع) يعني: يحدث لها صوت، كما قال: (فآخذ بحلقة باب الجنة فأقعقعها)، والحديث صحيح.

стр. 97

ذكر حجبة الجنة وخزانها عن أبي ذر أن رسول الله ﷺ قال: (من أنفق زوجين من ماله ابتدرته حجبة الجنة). قوله: (من أنفق زوجين) أي: فرسين، أو بعيرين، أو خزانتين من ماله، المهم أنه ينفق زوجين من المال، وكذلك الولد، وانظر إلى تصور الجهاد في نظر الأمة الآن، أوفي نظر كثير من الأمة الآن، فالجهاد عندهم خسارة، وتدمير، وتشريد، وتقتيل، وإراقة للدماء، ولا يرون في الجهاد أي فضل البتة، وينظرون إليه على أنه شر مستطير، فيقبلون الهوان والذل، وأن يعيشوا تحت أقدام اليهود والنصارى، ولا يقبلون أن يضحوا بأبنائهم وشبابهم في سبيل الله . إن المجاهد عند الله له ما ليس لأحد، ولا يفوق الشهيد عند الله أحد إلا الأنبياء والمرسلون، وأما أن نعتبر أن الجهاد في سبيل الله خسارة في العدد والأرواح وغير ذلك، فهذا تصور في قمة الباطل، والسفه والغفلة عن شرع الله . قوله: (ابتدرته حجبة الجنة) يعني: تصور أنك تقول لابنك: يا ابني البس لأمتك وانطلق إلى الجهاد في سبيل الله، ويا ليت لا ترجع أيضاً، فهذا شيء عجيب جداً، وقد كان السلف ﵃ يفعلون ذلك، وكانت المرأة لا أقول الرجل إذا أرسلت ولدها وأتاها آت بعد انتهاء الغزو تقول: أأتيت مبشراً ومهنئاً، أم أتيت بخبر؟ فإذا قال: ما البشرى من الخبر؟ قالت: الخبر أن تخبرنا أنه قادم، والبشرى أن تخبرنا: أنه قتل في سبيل الله، فتصور المرأة تفرق بين الخبر والبشرى، وهي لا تريد الخبر وإنما تريد البشرى! فحينئذ ينبغي للأمة أن تغير مفاهيمها وإلا فستزداد ذلاً، وهواناً، وانكساراً، وتعلو نعال اليهود على هاماتها، فلابد من التضحية، والفداء، وأنه لا سبيل قط إلى عز هذه الأمة بعد ذلها، ولا إلى رفعتها بعد خستها إلا بالجهاد في سبيل الله أبداً. وقال ﵊: (وما من مسلمين يموت بينهما ثلاثة من أولادهما لم يبلغوا الحنث إلا غفر الله لهم)، وفي رواية: (ما من مسلم ينفق من كل مال له زوجين في سبيل الله إلا استقبلته حجبة الجنة كلهم يدعونه إلى ما عنده) أي: كلهم يقول: تعال عندي. وعن أبي ذر ﵁ مرفوعاً: (ما من مسلم ينفق من ماله زوجين في سبيل الله إلا دعته حجبة الجنة: ألا هلم، ألا هلم) أي: تعال عندي. وقد جاء من تفسير الزوجين: إن كانوا رجالاً فرجلان، وإن كانت خيلاً ففرسان، وإذا كانت إبلاً فبعيران، حتى عد أصناف المال كلها. وعند البخاري قال: (من أنفق زوجين من أي شيء من الأشياء)، فليحرص كل واحد منا أنه ينفق نوعين دائماً. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من أنفق زوجين من ماله في سبيل الله دعته حجبة الجنة، يقولون: أي فل، أي فل) يعني: يا فلان، فكلمة أي فل: ترخيم لكلمة يا فلان، فينادون عليه بالترخيم والتفخيم (أي فل! هلم هذا خير) يعني: تعال عندي فالذي عندي خير. (قال أبو بكر: يا رسول الله! هذا الذي لا توى عليه) والتوى: هي الحسرة، والندامة، والخسارة. فـ أبو بكر لما سمع هذا من النبي ﵊ أن الجنة نفسها تناديه وتقول له: (تعال هذا خير، قال: والله يا رسول الله ليس على هذا ندامة)، أي: ليس على من أنفق زوجين ندامة. فقال: (أما إني أرجو أن تدعوك حجبة الجنة كلها يا أبا بكر) يعني: إني لأرجو أن كل حجبة الجنة يدعونك فتدخل من جميع الأبواب. وعن أبي هريرة مرفوعاً: (من أنفق زوجين من شيء من الأشياء في سبيل الله دعي من أبواب الجنة يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان، فقال أبو بكر: ما على هذا الذي يدعى من تلك الأبواب من ضرورة؟). يعني: يا رسول الله! هل ممكن أحد يدعى من الأبواب كلها؛ لأنه صاحب صلاة، وصيام، وجهاد وغير ذلك، فهل يمكن أن يدعى من جميع الأبواب؟ (فقال النبي ﵊: نعم، وإني لأرجو أن تدعى يا أبا بكر منها جميعاً)، وهذا الحديث عند البخاري.

стр. 98

رائحة الجنة والجنة لها رائحة طيبة كأطيب ما تكون الرائحة، ويوجد أثر هذه الرائحة من مسيرة خمسمائة عام، وقيل: من مسيرة مائة عام، وقيل: أقل من ذلك، وقيل: أكثر من ذلك، والروايات كلها صحيحة، فكأن ريح الجنة يشمها من كان من أهلها على حسب عمله، وعلى حسب درجته، فمنهم من يشم رائحة الجنة على مسيرة خمسمائة عام، ومنهم من يشم رائحتها على مسيرة مائة عام، وأربعين عاماً، وغير ذلك والروايات كلها صحيحة، فإذا صحت الروايات وجب العمل بها جميعاً، وهو خير من رد بعضها، أو الحكم عليها بالشذوذ أو النكارة وغير ذلك. والنبي ﵊ قد ذكر في رواية عن المتبرجات، وعن السلطان الظالم: (أنهما لا يشمان رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا، -وفي رواية-: من مسيرة خمسمائة عام). واحد يقول: نحن في هذا الوقت لا نشم رائحة الجنة، وما يدريك أن غيرك قد شمها منذ خمسمائة عام، وأن الله قد حرمك هذه الرائحة. وعن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: قال النبي ﵊: (من قتل معاهداً بغير حق لم يرح رائحة الجنة)، والمعاهد هو الذي عقد عهداً بينه وبين المسلمين، يعني: الذي بينه وبين المسلمين عهد أو هدنة، أو ميثاق أو شيء من هذا، ولو أنزلنا هذا الكلام على الواقع قلنا: الدولة في مجموعها تأذن لغير المسلمين أن يدخلوا في هذه البلاد، فكوني أنا ضابط مثلاً في المطار ومخول من قبل السلطان أن أصك جواز القادم من بلاد الكفر لمدة خمسة عشر يوماً إقامة في البلد عندي، فهذا إذن وعهد، وميثاق، فلا يجوز لي أن أتعرض له بالقتل أو الضرب أو التشريد أو غير ذلك بعد أن أذنت له بالدخول، فلو تعرضت له لكان عقابي هذا الحديث (من قتل معاهداً بغير حق لم يرح رائحة الجنة، وإنه ليوجد ريحها من مسيرة أربعين عاماً). وهذا من الزجر والوعيد الشديد، ومن المعلوم والمقطوع به شرعاً أن الأموال، والأعراض شيء واحد، فمن استحل الأموال استحل الأعراض، ومن استحل الأعراض استحل الأموال. وقد وجه إلي وأنا في أمريكا سؤال يقول السائل: أنا أعمل في المحل الفلاني، وأسرق نسبة عظيمة جداً من المال استحلالاً. فقلت له: لو أن امرأة صاحب المحل أتت المحل هل تستحل أنت عرضها -لأن العلماء لم يفرقوا بين العرض وبين المال- والذي يستحل هذا يستحل ذلك؟ فقال: نعم وما المانع في ذلك، قلت: الذي يستحل المال يجب عليه أن يستحل العرض؛ لأنهما متفقان، ومبرمان في عقد واحد. فأموال الكفار، ودماء وأعراض الكفار لا تكون حلالاً إلا إذا رفعت راية الجهاد بين معسكر الإيمان والكفر، هذا في النزال العام، وفي النزال الخاص لا يجوز التعرض بالأذى في المال، والنفس للكفار المعاهدين إلا إذا بغوا ونقضوا العهد، فحينئذ إما أن ينذرهم الإمام -أي: السلطان- أن يخرجوا من البلد، أو يعتذروا عما بدر منهم، ويردوا المظالم إلى أهلها من المسلمين، وإما أن يقع النزال الخاص في داخل البلد، وأحكام أهل الذمة كثيرة جداً لكني أردت بالمناسبة أقول: إن للجنة ريحاً وهذه الريح الطيبة، الزكية، يشمها المؤمن، لكن هناك حوائل وموانع من شم هذه الريح، منها: التعرض للمعاهد بالأذى في نفسه، وماله، وعرضه كما في الحديث: (من قتل معاهداً بغير حق)، وهذا قيد واستثناء فمن قتله بحق فإنه لا تنطبق عليه العقوبة، وأما بغير حق فتنطبق عليه العقوبة، وهذا كلام الصادق المصدوق ﵊. وقال ﵊: (من ادعى إلى غير أبيه لم يجد رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة مائة عام). ومعنى: (من ادعى إلى غير أبيه) يعني: نسب نفسه إلى غير أبيه، قال تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٥]، وهذه الآية نزلت ناسخة للتبني الذي كان معروفاً في الجاهلية، والنبي ﵊ قد تبنى زيد بن حارثة، أما ولده أسامة، فليس داخلاً في التبني، وإنما كان مولى للنبي ﵊، وأما زيد فكان ابن محمد ﵊ بالتبني، حتى كان الناس يقولون: زيد بن محمد، حتى نزل قول الله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب:٥]، يعني: انسبوهم لآبائهم ما داموا معروفين، وإن لم يكونوا معروفين: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الأحزاب:٥]، فيكون هذا أخانا في الله، وليس لقيطاً، هو مسلم موحد، فيكون أخانا في الله، وتنتهي القضية هكذا.

стр. 99

الحرج المترتب على تبني اللقطاء وبعض الناس يتمنى الولد؛ لأنه لم يخلف، فيأخذ له طفلاً من اللقطاء، ويربيه وينسبه إليه، فهذا حرام منهي عنه، وفيه حرج كبير جداً من عدة أوجه: الوجه الأول: أن هذا الولد لو كبر وبلغ فسيطلع على امرأتك، وهذا حرام؛ لأن هذه المرأة أجنبية عنه. الأمر الثاني: أنك لو نسبته إليك لكان مشاركاً في الميراث، فلو أنك مت أو ماتت زوجتك فلابد أن يرثها، وهذا ميراث بغير حق. والأعجب من ذلك أن رجلاً تبنى ولداً وفتاة، والولد أحب الفتاة على أعظم ما يحب الرجل المرأة، فأراد أن يتزوجها لأنه يعلم أنها ليست أخته، ويعلم القصة كلها من أنهما منسوبان إليه زوراً وبهتاناً، فطلب أن يتزوج هذه البنت، فاعترض المتبني وقال: هي أختك، لمجرد النسب، ولو بالباطل والزور، فتزوجها الولد رغماً عنه بغير ولاية ولا شهود إلا المأذون الذي عقد، ثم ذهب الرجل ورفع قضية في المحكمة، وحكمت المحكمة بالتفريق بين الرجل وامرأته، وهذا ظلم، وهذا من المفاسد العظيمة جداً المبنية على مخالفة شرع . قوله: (فمن ادعى إلى غير أبيه لم يجد رائحة الجنة) يعني: من نسب إلى غير أبيه وهو يعلم أن هذا ليس أباً له، أما إذا كان لا يعلم فلا حرج على من تبناه، والإسلام قد نهى عن التبني. وكذلك المرأة تنسب نفسها للرجل، فهذا بلاء عظيم جداً، ومن الأخلاقيات الأوربية: أن تسمى فلانة فلان؛ على اسم زوجها. وكذلك الذي يتبرأ من ولده، فلو أن رجلاً مثلاً يضرب ابنه؛ لأنه غضبان منه ومن حركاته وتصرفاته، ويقول له: أنت لست ابني ولا أعرفك، فهذا الكلام شرعاً غير منضبط، لكن هذا الكلام مما جرت به العادة، وجرى به اللسان، ولا يقصد المتكلم حقيقة الكلام، كما قال النبي ﵊: (أفلح وأبيه إن صدق)، فهو من باب جريان عادة العرب، أو ألسنة العرب بالكلام دون القصد لعقد اليمين.

стр. 100

معنى قوله تعالى: (فيهما عينان نضاختان) وعن أنس بن مالك ﵁ في قول الله تعالى: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ [الرحمن:٦٦]، قال: نضاختان بالمسك والعنبر على دور الجنة، كما تضخ السماء المطر على دور أهل الدنيا. ومعلوم أن كل ما في الدنيا لا يتوافق مع ما في الجنة إلا في الأسماء فقط، والحقيقة مختلفة، والماهية متباينة تماماً، فلا نسبة قط بين ما في الجنة وما في الدنيا أبداً: لا في المنظر، ولا في الجمال، ولا في الحلاوة، ولا في الطعم، فكل ذلك مختلف. ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ [الرحمن:٦٦] أي: تضخ المسك والعنبر على بيوت الجنة، وعلى قصور الجنة، مثل السماء لما تضخ علينا المطر في الدنيا. وعن ابن عباس قال: نضاختان بالخير، والبركة، وبالمسك، والكافور.

стр. 101

صفة أرض الجنة عن مجاهد قال: أرض الجنة من ورق -أي: من فضة- وترابها مسك، وأصول شجرها ذهب وفضة، وأفنانها -وهي الأغصان- لؤلؤ، وزبرجد، وياقوت، والثمر تحت ذلك، فمن أكل قائماً لم يؤذه، ومن أكل جالساً لم يؤذه، ومن أكل مضطجعاً لم يؤذه، ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ [الإنسان:١٤]، يعني: مهدت وعبدت للآكلين، نزل الغصن إليك وأنت نائم، وأنت مضطجع، وأنت قائم، وأنت قاعد، فينزل عليك الغصن إذا اشتهيت حتى يكون بين يديك، فتأكل منه ما شئت.

стр. 102

ذكر نهار الجنة ونورها وسرج أهل الجنة الجنة ليس فيها نهار وليل وبكرة وعشياً؛ لأنه ليس فيها شمس ولا قمر، ولكن الله لما ذكر البكرة والعشي في القرآن، وكذلك ذكرها النبي ﵊؛ إنما ذلك من باب تقريب الفكرة إلى الأذهان، أي: قدر ما يكون بين الإبكار والعشي في الدنيا، لكن في الحقيقة ليس في الجنة شمس ولا قمر، وبالتالي لا ظلمة فيها مطلقاً؛ لأن ذلك لازم عن خفاء الشمس. فعن النبي ﷺ قال: (لو أن ما يقل ظفر مما في الجنة بدا لتزخرفت له ما بين خوافق السماوات والأرض) يعني: أقل من الظفر لو بدا وظهر في الجنة لظهر النور الخفاق في السماوات والأرض، قال: (ولو أن رجلاً من أهل الجنة اطلع فبدا سواره لطمس ضوءه ضوء الشمس كما تطمس الشمس ضوء النجوم). وعن محمد بن كعب القرظي قال: (رؤي في الجنة كهيئة البرق فقيل: ما هذا؟ قال: رجل من أهل عليين تحول من غرفة إلى غرفة). في الحديث: (هي قناديل معلقة بالعرش تضيء لأهل الجنة، لا يطفأ نورها، ولا يقصر عنها أبصارهم من النظر)، وهو حديث ضعيف. قلنا من قبل: إن أهل الجنة لا ينامون؛ لأن النوم أخو الموت. ذكر بكر الجنة وعشيها: عن الضحاك قال في قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم:٦٢]، (ولهم رزقهم فيها): أي في الجنة ﴿بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم:٦٢] يعني: على قدر ما كانوا يأكلون في الصباح وفي المساء. قال: جعل الله تعالى لأهل الجنة ساعات تدور كما تدور أيام الدنيا في غير شمس، ولا قمر، ولا ليل ولانهار إلا نور الآخرة، وجعل فيها البكرة، والمقيل، والعشي؛ لأن البكرة والمقيل والعشي ألذ ما يكون للناس في الدنيا، فجعل الله تعالى لهم مثلها في الجنة وزيادة، فأراد الله تعالى أن يشهي أولياءه ويلذذهم بالرزق ليأتيهم غدوة وعشية. وعن ابن عباس قال: ليس في الجنة بكرة ولا عشي، ولكن يؤتون بالنعيم على مقادير ذلك بالليل والنهار في الدنيا. يعني: لو أن الإنسان ينتظر المساء حتى يأتي وقت الطعام، فإذا قدم له التذ به، وإنسان يقوم بعد صلاة الصبح يريد أن يفطر؛ فإذا قدم له الطعام والحليب وغير ذلك اشتهاه والتذ به، فكذلك أهل الجنة بغير قياس. وعن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم:٦٢]، قال: لهم رزقهم فيها كل ساعة. والساعة في لغة الشرع: هي المدة من الزمان، أي: ليست ستين دقيقة. قال: والبكرة والعشي ساعاتان من الساعات ليس ثم ليل -يعني ليس هناك ليل- وإنما هو ضوء ونور. وعن مجاهد في نفس الآية قال: ليس فيها بكرة ولا عشي، ولكنهم يؤتون به على ما يحبون من البكرة والعشي.

стр. 103

ذكر عدد درجات الجنة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن في الجنة مائة درجة، أعدها الله للمجاهدين في سبيله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض). ودرجات الجنة مائة درجة، وبعض أهل العلم قال: لا يعلم درجات الجنة إلا الله، وهذا القول استنباطاً من قوله ﵊: (يقال لتالي القرآن وقارئه: اقرأ وارق ورتل؛ فإن منزلتك عند آخر آية كنت تقرؤها)، فقال: درجات الجنة بعدد آيات القرآن الكريم؛ لأن ظاهر الحديث يقول هكذا، وبالتالي ليست درجات الجنة معلومة، لأن آيات القرآن الكريم محل نزاع بين أهل العلم، فمنهم من يعد الآيتين آية واحدة، ومنهم من يعد الآيتين آيتين، وهذا أمر مقارب. وهل المقصود أنه يقرأ آخر ختمة له، أم أن ذلك في حياته كلها، فإذا فرغ من القرآن بدأ القرآن مرة أخرى، فعدت له درجات، ولا تزال في مزيد وارتفاع؟ هذا محل نزاع بين أهل العلم. فالذي يقول: درجات الجنة غير معروفة، فقوله هذا من جهة المفهوم لا المنطوق، وهو أن النبي ﵊ يقول لقارئ القرآن: (اقرأ، وارتق، ورتل، فإن منزلتك عند آخر آية)، فهو فهم من النص ألا نهاية لدرجات الجنة، وأنه لا يعلمها إلا الله، وهذا هو مفهوم. وأما قول النبي ﵊: (إن في الجنة مائة درجة، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض)، فهذا منطوق، والمنطوق هو ما جاء في الكتاب أو السنة، والمنطوق مقدم على المفهوم، لكنه ﵊ قال: (أعدها الله للمجاهدين في سبيله)، فدل هذا القيد على أن الأصل في درجات الجنة أنها مائة درجة بغير زيادة ولا نقصان، وأنها للمجاهدين من باب التشريف، وأن لهم في كل درجة من درجات الجنة، فدرجات الجنة لا تزيد على العدد المذكور. هذا كلام أهل العلم من أهل الأصول فيما يتعلق بالقضية المتنازع فيها، والتي يحكمها المنطوق والمفهوم، فلو تعارض المنطوق مع المفهوم قدم المنطوق واعتمدنا عليه. وقال ﵊: (إن الجنة مائة درجة، ما بين كل درجتين مسيرة مائة عام)، وفي رواية قال: (كما بين السماء والأرض).

стр. 104

ذكر أسنان أهل الجنة وميلادهم وقامتهم أسنان: جمع سن وهو العمر، فالذي يدخل الجنة يكون في سن ثلاث وثلاثين سنة، فمن مات قبل سن ثلاث وثلاثين -كمن كان طفلاً صغيراً- فإنه سيدخل الجنة وعمره ثلاث وثلاثون سنة، وهؤلاء الأطفال حول أبويهم. وما المانع أن الطفل يأخذ بيد أبويه وعمره ثلاث وثلاثون سنة إذاً، وسيكون أبوه أيضاً في نفس السن، فإذا كان آدم ﵇ سيكون في هذا السن؛ فكذلك غيره، والسقط يدخل الجنة على سن ثلاث وثلاثين سنة. والسقط هو ما نفخ فيه الروح. وهذه المسألة محل نزاع، هل نفخ الروح بعد أربعة أشهر أم بعد أربعين يوماً؟ والذي يترجح لدي من أقوال أهل العلم كما في حديث ابن مسعود ﵁: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك)، وكما في رواية صحيحة عند مسلم في الصحيح (إن أحدكم يخلق في بطن أمه نطفة، ثم يكون ذلك مثل ذلك علقة، ثم يكون ذلك مثل ذلك مضغة، ثم يرسل إليه ملك) إلى آخر الحديث والذي يترجح لدي أن الروح تنفخ بعد الأربعين يوماً لا بعد مائة وعشرين يوماً. والسقط لا يصلى عليه، والصلاة عليه مستحبة وليست واجبة، ولا يوجد فيها خلاف. والله تعالى قد أعطى القدرة لأهل الجنة أن يعرفوا أملاكهم، وقصورهم، وزوجاتهم، فيدخلون عليها مباشرة، ويعرفون أملاكهم بالجنة أكثر من معرفتهم بيوتهم في الدنيا، دون أن يعتدوا على أملاك أحد، أو أن يعتدي عليهم أحد. قال النبي ﵊: (يدخل أهل الجنة الجنة جرداً، مرداً، بيضاً، جعاداً، مكحلين، أبناء ثلاث وثلاثين، على خلق آدم طول ستين ذراعاً، في عرض سبعة أذرع). ومعنى (جرداً) أي: لا شعر في أبدانهم، (مرداً): أي لا شعر في لحاهم، والغلام الأمرد: هو الذي لا شعر في لحيته، والأجرد: الذي لا شعر في بدنه كله، فيدخل أهل الجنة الجنة جرداً، لا شعر في أبدانهم، ولا شعر في لحاهم. قال: (بيضاً) وهو احتراز من السواد، (جعاداً) أي: أصحاب الشعر المجعد، وفيه إشارة إلى أن معظم أهل الجنة من العرب. قال النبي ﵊: (يدخل أهل الجنة الجنة جرداً، مرداً، بيضاً، جعاداً) يعني: شعرهم مجعد، وهذه صفة مدح، خلافاً للعجم الذين شعرهم سايح وهو ليس لائقاً للرجال، وأخيراً لما اكتشفوا أن الجعودة أفضل من النعومة في هذا الوقت ذهبوا إلى الكوافير من أجل تجعيد شعورهم. قال: (أبناء ثلاث وثلاثين)، يعني: يدخلون الجنة جرداً، مرداً، بيضاً، جعاداً، أبناء ثلاث وثلاثين، وهذا نص قاطع أنه لا يوجد أحد سيدخل الجنة إلا وعمره ثلاث وثلاثون سنة. (على خلق آدم) أي: على صورة آدم أنه في السماء (ستين ذراعاً، في عرض سبعة أذرع)، والحديث صحيح. وفي رواية: (يبعث الناس يوم القيامة في صورة آدم جرداً، مرداً، مكحلين، أبناء ثلاث وثلاثين، ثم يؤتى بهم بشجرة بالجنة -يعني: يذهبون إلى شجرة في الجنة- فيكسون منها، لا تبلى ثيابهم، ولا يفنى شبابهم). وعن المقداد بن معدي كرب عن النبي ﷺ قال: (يحشر الناس يوم القيامة ما بين السقط إلى الشيخ الفاني) يعني: ابتداء من السقط حتى الشيخ الهرم الفاني: أي: الكبير الذي أفنى عمره وطال، فيحشرون جميعاً وهم: (أبناء ثلاث وثلاثين سنة). قال: (المؤمنون منهم في خلق آدم ﵇، وقلب أيوب، وحسن يوسف ﵇، مرد مكحلون، ذوي أفانين)، يعني: شعورهم كاللمة، أو الجمة قد بلغت أكتافهم.

стр. 105

صفة رجال أهل الجنة عن أبي هريرة ﵁ قال: والذي أنزل الكتاب على محمد، إن أهل الجنة ليزدادون جمالاً وحسناً، كما يزدادون في الدنيا قباحة وهرماً. أي: وكبراً في السن، فهم يزدادون في الجنة جمالاً وحسناً، فالمرء يزداد جمالاً حتى تخبره امرأته من الحور العين في حالة رؤية المولى ، حينما يقتبسون من نوره . وعن داود بن عامر بن سعد -وهو ابن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال النبي ﵊: (لو أن رجلاً من أهل الجنة اطلع فبدا سواره لطمس ضوءه ضوء الشمس كما تطمس الشمس ضوء النجوم). وعن أبي أمامة ﵁ مرفوعاً قال: قال النبي ﵊: (مسورون بالذهب والفضة، مكللون بالدر) أي: عليهم أكاليل من در، والإكليل: هو ما احتف بالشيء من جانبه، قال: (عليهم أكاليل من در وياقوت متواصلة، عليهم تاج كتاج الملوك، شباب جرد، مكحلون)، فهذه صفات رجال أهل الجنة.

стр. 106

اشتهاء الولد في الجنة وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الرجل من أهل الجنة ليولد له كما يشتهي، فيكون حمله، وفصاله، وشبابه في ساعة واحدة)، وهذا شيء عجيب. قوله: (كما يشتهي): أي: كما يحلم، فإذا اشتهى الولد أتاه الولد في لحظة واحدة، وفي برهة من الزمان، فيكون حمله، وفصاله، وكل هذا في لحظة واحدة، لكن القضية أنه لا يشتهي ذلك أبداً، لأن هذا أمر يتنافى مع ملذات ونعيم الجنة. وابن القيم يقول: كيف يشتهي الرجل في الجنة الولد؟! وإذا اشتهاه أتاه في ساعة واحدة، وبعضهم قال: إن إسناد الحديث صحيح وأخشى أن يكون منكراً. يقصد أن المتن فيه نكارة؛ لأن هذا شيء غير معلوم عند أهل العلم، فرد عليه أكثر من واحد، ومنهم ابن القيم فقال: الحديث صحيح، لكن الأمر محمول على أنه لو اشتهى مع أنه لن يشتهي. كما قال ﵊: (لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها؛ من عظم حقه عليها)، لكنه لم يأمر بذلك، ولو كان له أن يأمر لأمر بذلك، لكنه لم يأمر، وليس هذا له ﵊؛ لأن الله منعه أن يأمرنا بذلك. وقال ﵊: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء، أو عند كل صلاة)، فهو ﷺ لم يأمر بذلك إلا أمر استحباب، لا وجوب، وأنتم تعلمون أن استعمال السواك ليس واجباً وإنما هو سنة ومستحب، وغير ذلك من الروايات.

стр. 107

ذكر ما يستقبلون به من الكرامات عند مصيرهم إلى الجنة ودخولها ورد حديث عن علي بن أبي طالب، وهو حديث موقوف في حكم المرفوع؛ لأنه من أمور الغيب التي لا تعلم إلا من الصادق المصدوق ﵊، قال: (يساق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً -أي: أفواجاً ودفعات- حتى إذا أتوا إلى باب من أبوابها وجدوا عنده شجرة يخرج من تحت ساقها عينان تجريان، فعمدوا إلى إحداهما -أي: ذهبوا إلى أحدهما- كأنما أمروا فشربوا منها، فأذهبت ما في بطونهم من قذر، وأذى أو بأس، ثم عمدوا إلى الأخرى) أي: ذهبوا إلى العين الثانية: (فتطهروا منها، فجرت عليهم أبشارهم بنضرة النعيم، فلم يغيروا ولم تغير أبشارهم بعدها أبداً، ولم تشعث أشعارهم، كأنما دهنوا بالدهان). يعني: تطيبوا بالعطر (ثم انتهوا إلى خزنة الجنة) أي: ذهبوا إلى خزنة الجنة، (فقالوا: سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين، ثم تلقاهم أو تلقتهم الولدان يطيفون بهم كما يطيف ولدان أهل الدنيا بالحميم -أي: بالأقارب الأحماء- يقدم من غيبته يقولون له: أبشر بما أعد الله لك من الكرامة، ثم ينطلق غلام من بين أولئك الولدان إلى بعض أزواجه من الحور العين) يعني: الولد الصغير يذهب سريعاً إلى الحور العين (يقول لهن: قد جاء فلان باسمه الذي كان يدعى به في الدنيا). ومعلوم أن المرء يدعى يوم القيامة باسم أبيه؛ والعوام يظنون أن الواحد ينادى عليه يوم القيامة باسم أمه، وهذا غلط، وهذه مسألة اعتقادية، فالمرء ينادى باسمه واسم أبيه، حتى وإن نسب إلى غير أبيه، يعني: وإن كان ولد زنا، فإنه يدعى باسمه واسم أبيه الحقيقي صاحب الماء. فالغلام يذهب إلى زوجته من الحور العين ويقول لها: زوجك أتى، قال: (فيقول: قد جاء فلان باسمه الذي كان يدعى به في الدنيا، فيقولون -أي: الحور العين-: أنت رأيته؟ فيقول: أنا رأيته، وهو ذا يأتي، فيستخف إحداهن الفرح) يعني: الفرح يأخذ الواحدة منهن أخذاً لا تستطيع أن تصبر، تريد أن ترى زوجها وحبيبها، (حتى تقوم على أسكفة الباب) يعني: حتى تقف على عتبة القصر، (فإذا انتهى إلى منزله نظر إلى أساس بنيانه) أي: إذا ذهب إلى بيته في الجنة نظر إلى الأساس الذي بني منه هذا البيت، قال: (فإذا جندل اللؤلؤ، فوقه مرج أخضر، وأصفر، وأحمر من كل لون، ثم رفع رأسه إلى سقفه فإذا مثل البرق، فلولا أن الله تعالى قدره لألم أن يذهب بصره) يعني: لولا أن ربنا كاتب له البقاء لذهب بصره من فرط فرحته، وذهول ما ينظر إليه. (فإذا نظر إلى أساس بنيانه فإذا جندل اللؤلؤ فوقه مرج أخضر، وأصفر، وأحمر من كل لون، ثم رفع رأسه إلى سقفه فإذا مثل البرق، فلولا أن الله تعالى قدره لألم أن يذهب بصره، ثم طأطأ رأسه فنظر إلى أزواجه، وأكواب موضوعة، ونمارق مصفوفة، وزرابي مبثوثة، فنظر إلى تلك النعمة، ثم اتكأ فقال: الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، ثم ينادي مناد: تحيون فلا تموتون أبداً، وتقيمون فلا تظعنون أبداً، وتصحون فلا تمرضون) هكذا الحديث في ذكر الكرامة التي يقابل بها أهل الجنة.

стр. 108

رضوان الله على أهل الجنة وقال النبي ﵊: (إن الله تعالى يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا، وسعديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك؟ فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك، أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً)، فأعظم نعيم الجنة بعد رؤية المولى هو الرضوان الذي يحل عليهم. (إذا دخل أهل الجنة الجنة قال الله تعالى: هل تشتهون شيئاً فأزيدكموه؟ قالوا: يا ربنا وهل بقي شيء إلا وقد نلناه؟ فيقول: نعم؛ رضائي، فلا أسخط عليكم أبداً). وقال النبي ﵊: (يقول الله تعالى لأهل الجنة: سلوني، فيقولون: نسألك الرضا، فيقول: رضاي أحلكم داري، وأنالكم كرامتي، ثم يقول: سلوني، فيقولون بأجمعهم: نسألك الرضا، فيشهد لهم على الرضا، ثم يقول: سلوني، فيسألونه حتى تنتهي عند كل عبد منيته، ثم يعقبها عليهم: ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر). أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 109

شرح صحيح مسلم - كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها - في الجنة شجرة يسير الراكب فيها مائة عام الجنة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وقد جاءت الآيات والأحاديث بذكر ما في الجنة من النعيم المقيم، والخيرات الحسان، ترغيباً للمؤمنين في طلبها، ودفعاً لهم إلى التشمير لها، والفوز بدخولها والمقام بها، فهي سلعة الله الغالية.

стр. 110

الجنة وصفة نعيمها وأهلها بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أما بعد: (كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها).
следующие страницы →