Полный текст (2 103 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
اشتهاء الولد في الجنة
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الرجل من أهل الجنة ليولد له كما يشتهي، فيكون حمله، وفصاله، وشبابه في ساعة واحدة)، وهذا شيء عجيب.
قوله: (كما يشتهي): أي: كما يحلم، فإذا اشتهى الولد أتاه الولد في لحظة واحدة، وفي برهة من الزمان، فيكون حمله، وفصاله، وكل هذا في لحظة واحدة، لكن القضية أنه لا يشتهي ذلك أبداً، لأن هذا أمر يتنافى مع ملذات ونعيم الجنة.
وابن القيم يقول: كيف يشتهي الرجل في الجنة الولد؟! وإذا اشتهاه أتاه في ساعة واحدة، وبعضهم قال: إن إسناد الحديث صحيح وأخشى أن يكون منكراً.
يقصد أن المتن فيه نكارة؛ لأن هذا شيء غير معلوم عند أهل العلم، فرد عليه أكثر من واحد، ومنهم ابن القيم فقال: الحديث صحيح، لكن الأمر محمول على أنه لو اشتهى مع أنه لن يشتهي.
كما قال ﵊: (لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها؛ من عظم حقه عليها)، لكنه لم يأمر بذلك، ولو كان له أن يأمر لأمر بذلك، لكنه لم يأمر، وليس هذا له ﵊؛ لأن الله منعه أن يأمرنا بذلك.
وقال ﵊: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء، أو عند كل صلاة)، فهو ﷺ لم يأمر بذلك إلا أمر استحباب، لا وجوب، وأنتم تعلمون أن استعمال السواك ليس واجباً وإنما هو سنة ومستحب، وغير ذلك من الروايات.
стр. 107
ذكر ما يستقبلون به من الكرامات عند مصيرهم إلى الجنة ودخولها
ورد حديث عن علي بن أبي طالب، وهو حديث موقوف في حكم المرفوع؛ لأنه من أمور الغيب التي لا تعلم إلا من الصادق المصدوق ﵊، قال: (يساق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً -أي: أفواجاً ودفعات- حتى إذا أتوا إلى باب من أبوابها وجدوا عنده شجرة يخرج من تحت ساقها عينان تجريان، فعمدوا إلى إحداهما -أي: ذهبوا إلى أحدهما- كأنما أمروا فشربوا منها، فأذهبت ما في بطونهم من قذر، وأذى أو بأس، ثم عمدوا إلى الأخرى) أي: ذهبوا إلى العين الثانية: (فتطهروا منها، فجرت عليهم أبشارهم بنضرة النعيم، فلم يغيروا ولم تغير أبشارهم بعدها أبداً، ولم تشعث أشعارهم، كأنما دهنوا بالدهان).
يعني: تطيبوا بالعطر (ثم انتهوا إلى خزنة الجنة) أي: ذهبوا إلى خزنة الجنة، (فقالوا: سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين، ثم تلقاهم أو تلقتهم الولدان يطيفون بهم كما يطيف ولدان أهل الدنيا بالحميم -أي: بالأقارب الأحماء- يقدم من غيبته يقولون له: أبشر بما أعد الله لك من الكرامة، ثم ينطلق غلام من بين أولئك الولدان إلى بعض أزواجه من الحور العين) يعني: الولد الصغير يذهب سريعاً إلى الحور العين (يقول لهن: قد جاء فلان باسمه الذي كان يدعى به في الدنيا).
ومعلوم أن المرء يدعى يوم القيامة باسم أبيه؛ والعوام يظنون أن الواحد ينادى عليه يوم القيامة باسم أمه، وهذا غلط، وهذه مسألة اعتقادية، فالمرء ينادى باسمه واسم أبيه، حتى وإن نسب إلى غير أبيه، يعني: وإن كان ولد زنا، فإنه يدعى باسمه واسم أبيه الحقيقي صاحب الماء.
فالغلام يذهب إلى زوجته من الحور العين ويقول لها: زوجك أتى، قال: (فيقول: قد جاء فلان باسمه الذي كان يدعى به في الدنيا، فيقولون -أي: الحور العين-: أنت رأيته؟ فيقول: أنا رأيته، وهو ذا يأتي، فيستخف إحداهن الفرح) يعني: الفرح يأخذ الواحدة منهن أخذاً لا تستطيع أن تصبر، تريد أن ترى زوجها وحبيبها، (حتى تقوم على أسكفة الباب) يعني: حتى تقف على عتبة القصر، (فإذا انتهى إلى منزله نظر إلى أساس بنيانه) أي: إذا ذهب إلى بيته في الجنة نظر إلى الأساس الذي بني منه هذا البيت، قال: (فإذا جندل اللؤلؤ، فوقه مرج أخضر، وأصفر، وأحمر من كل لون، ثم رفع رأسه إلى سقفه فإذا مثل البرق، فلولا أن الله تعالى قدره لألم أن يذهب بصره) يعني: لولا أن ربنا كاتب له البقاء لذهب بصره من فرط فرحته، وذهول ما ينظر إليه.
(فإذا نظر إلى أساس بنيانه فإذا جندل اللؤلؤ فوقه مرج أخضر، وأصفر، وأحمر من كل لون، ثم رفع رأسه إلى سقفه فإذا مثل البرق، فلولا أن الله تعالى قدره لألم أن يذهب بصره، ثم طأطأ رأسه فنظر إلى أزواجه، وأكواب موضوعة، ونمارق مصفوفة، وزرابي مبثوثة، فنظر إلى تلك النعمة، ثم اتكأ فقال: الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، ثم ينادي مناد: تحيون فلا تموتون أبداً، وتقيمون فلا تظعنون أبداً، وتصحون فلا تمرضون) هكذا الحديث في ذكر الكرامة التي يقابل بها أهل الجنة.
стр. 108
رضوان الله على أهل الجنة
وقال النبي ﵊: (إن الله تعالى يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا، وسعديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك؟ فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك، أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً)، فأعظم نعيم الجنة بعد رؤية المولى هو الرضوان الذي يحل عليهم.
(إذا دخل أهل الجنة الجنة قال الله تعالى: هل تشتهون شيئاً فأزيدكموه؟ قالوا: يا ربنا وهل بقي شيء إلا وقد نلناه؟ فيقول: نعم؛ رضائي، فلا أسخط عليكم أبداً).
وقال النبي ﵊: (يقول الله تعالى لأهل الجنة: سلوني، فيقولون: نسألك الرضا، فيقول: رضاي أحلكم داري، وأنالكم كرامتي، ثم يقول: سلوني، فيقولون بأجمعهم: نسألك الرضا، فيشهد لهم على الرضا، ثم يقول: سلوني، فيسألونه حتى تنتهي عند كل عبد منيته، ثم يعقبها عليهم: ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر).
أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 109
شرح صحيح مسلم - كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها - في الجنة شجرة يسير الراكب فيها مائة عام
الجنة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وقد جاءت الآيات والأحاديث بذكر ما في الجنة من النعيم المقيم، والخيرات الحسان، ترغيباً للمؤمنين في طلبها، ودفعاً لهم إلى التشمير لها، والفوز بدخولها والمقام بها، فهي سلعة الله الغالية.
стр. 110
الجنة وصفة نعيمها وأهلها
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
أما بعد: (كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها).
стр. 111
شرح حديث: (حفت الجنة بالمكاره)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب -وهو المعروف المشهور بـ القعنبي نسبة إلى جده- حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت وحميد - وهو ثابت بن أسلم البناني البصري سيد من سادات التابعين، وحميد هو ابن أبي حميد الطويل مشهور بذلك- عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (حفت الجنة بالمكاره)].
وفي رواية: (حجبت)، فـ: البخاري روى هذا الحديث بروايتين: الرواية الأولى: (حفت)، وقد وافقه فيها مسلم، ثم انفرد البخاري برواية أخرى وهي: (حجبت)، وكلاهما بمعنى.
قال: [(حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات)].
قال الإمام النووي عليه رحمة الله: وهذا من بديع الكلام وفصيحه التي أوتيها ﷺ من التمثيل الحسن، أي: أنه يمثل الشيء بالمثال الحسن الذي يقرب المعنى والمفهوم من الأذهان، ومعنى هذا الحديث: لا يوصل إلى الجنة إلا بارتكاب المكاره، ولا يوصل إلى النار إلا بارتكاب الشهوات، فبين أن الجنة لا يصل إليها من يصل إلا بارتكاب المكاره، ولا شك أن هذه المكاره في باب العبادات والطاعات، والجنة والنار محجوبتان بالمكاره والشهوات، فمن هتك الحجاب وصل إلى المحجوب، فمن هتك حجاب المكاره في العبادات والطاعات وصل إلى الجنة، ومن هتك حجاب المحارم وصل إلى النار.
فأما المكاره فيدخل فيها الاجتهاد في العبادات، والمواظبة عليها، والصبر على مشاقها، وكظم الغيظ، والعفو، والحلم، والصدقة، والإحسان إلى المسيء، والصبر عن الشهوات ونحو ذلك، والنبي ﵊ يقول: (وإسباغ الوضوء على المكاره)، فمن المكاره الوضوء بالماء البارد في اليوم البارد، وخاصة لو خرجت من تحت لحافك في صلاة الفجر فهذا شيء النفس تأباه وترفضه؛ لأن النفس بطبيعتها تميل إلى الراحة، وإلى ما يحلو لها، وإلى ما تشتهيه، ففي هذه الليالي الباردة لا شك أن النفس تركن إلى الدفء وإلى الغطاء، فكونك تلجمها وتكرهها على أن تقوم فتتوضأ ثم تقف لله فتصلي وتقرأ القرآن وغير ذلك، وتفوت على نفسك ساعات طويلة من النوم والراحة، فلا شك أن هذا أمر فيه تأديب وتربية للنفس، وقد سميت هذه الأمور بالمكاره لأنك تكره نفسك على طاعة الله ، وتكرهها كذلك على اجتناب محارم الله .
فالستار الذي بينك وبين الجنة هو مكاره الطاعات والعبادات، فمن هتك هذا الستر وتغلب على نفسه وصل إلى الجنة، والنار محجوبة عنك بستار المحارم والشهوات المحرمة، فإذا ما هتكت هذا الستر دخلت النار، وإذا ما أقمته، وابتعدت عنه، وانتهيت عنه، فلا شك أنك ستنجو من النار بإذن الله تعالى، فهذا معنى قوله ﵊: (حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات).
أما الشهوات التي حفت بها النار، فالظاهر أنها شهوات محرمة كالخمر، والزنا، والنظر إلى الأجنبية بشهوة، والغيبة، والنميمة، واستعمال الملاهي، والمعازف، والموسيقى، وسائر المحرمات، كل هذا يمثل ستاراً قوياً يؤدي بك إلى النار أو ينجيك من النار، فإذا هتكت هذا الستر التي هي الشهوات المحرمة دخلت النار وإلا فلا.
وأما الشهوات المباحة فلا تدخل في هذا؛ فشهوة النكاح شهوة مباحة وهي نفس الشهوة عند من اشتهى الزنا، لكنه إن أطلق العنان لنفسه بالزنا دخل النار، وإن أطلقت العنان لنفسك بالشهوة المباحة الحلال فلا حرج عليك في ذلك، وإن كان هناك كراهة في الإسراف والغلو في المباحات حتى لا تؤدي بك إلى الحرام، فيكره الإكثار منها مخافة أن تجر إلى المحرم، أو تقسي القلب أو تشغل عن الطاعات، أو تحوج صاحبها إلى الاعتناء بتحصيل الدنيا للترف فيها وغير ذلك.
فلو أن شخصاً كل همه أن يحصل الدنيا، ومع ذلك هو يجتنب المحرمات، وربما يبتعد عن المكروهات كذلك، لكنه مشغسول بتحصيل المباحات، والتحسينات، والكماليات، فلا شك أن هذا كله يؤدي به إلى ضعف الديانة في قلبه، وبالتالي ينصرف همه وتنصرف همته إلى تحصيل الدنيا، وأنتم تعلمون أن النبي ﵊ ما جاء ليحصل الدنيا، ولم يأمر بها، وإنما لتحصيل الآخرة، والله تعالى يقول: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:٦٤]، أي: لهي الحياة الحقيقية لو كانوا يعلمون.
стр. 112
شرح حديث: (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت)
قال: [وحدثني زهير بن حرب -وهو أبو خيثمة النسائي نزيل بغداد- قال: حدثنا شبابة -وشبابة هو ابن سوار المدائني، أصله من خراسان لكنه نزل مدينة المدائن الفارسية التي هي الآن معروفة بهذا الاسم في إيران- حدثني ورقاء -وهو ابن عمر اليشكري أبو بشر الكوفي نزيل المدائن- عن أبي الزناد -وهو عبد الله بن ذكوان المدني القرشي أبو عبد الرحمن - عن الأعرج -وهو عبد الرحمن بن هرمز المدني - عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ بمثل الحديث السابق.
حدثنا سعيد بن عمرو الأشعثي، وزهير بن حرب قال زهير: حدثنا، وقال سعيد: أخبرنا].
ولا يزال أهل العلم يفرقون بين حدثنا وأخبرنا؛ لأن حدثنا لا تستخدم إلا في السماع من لفظ الشيخ، أما أخبرنا فتستخدم في ذلك وتستخدم في الإجازة، فلما كان الفرق بين هذا وذاك عند المحدثين ميز الإمام مسلم بين هذا وذاك.
قال: [أما زهير فقال: حدثنا، وأما سعيد فقال: أخبرنا سفيان عن أبي الزناد -وسفيان عن أبي الزناد هو سفيان بن عيينة - عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (قال الله : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)].
قوله: (أعددت لعبادي الصالحين): هذا وصف للعباد بأنهم صالحون، وأنهم لا يدخلون الجنة إلا إذا كانوا على هذه الصفة.
قوله: (ما لا عين رأت): نفى الله في هذا الكلام أن تكون عين في الدنيا رأت نعيماً يشابه أو يماثل نعيم الجنة، فمهما وقعت عينك على نعيم الدنيا فالجنة أعظم من ذلك.
قوله: (ولا أذن سمعت): لأن المرء ربما يسمع عن نعيم، أو يسمع بشيء لا يتصوره، والنبي ﵊ يقول: (ليس الخبر كالمعاينة) أو: (ليس المخبر كالمعاين)، فبلا شك أن الإنسان يسمع أحياناً أخباراً لا يصدقها؛ لأنها في سمعه أو في بصره أمور مستحيلة، بعيدة المنال، فهو ربما يبادر إلى تكذيب الخبر لأن الخبر أكبر من تصوره، فما بالكم لو دخل الجنة ورأى فيها أدنى النعيم الذي هو أعظم من كل نعيم الدنيا؟ قال: [(أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، مصداق ذلك في كتاب الله تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧])]، وفي بعض تفاسير المحدثين من الصحابة والتابعين: جزاءً بما كانوا يصومون؛ لأن الصوم عبادة خفية بين العبد وربه، فقابلهم الله تعالى بجنس عملهم وهو الإخلاص في الصوم وكافأهم بمزيد عطائه في الجنة بما لا يمكن أن يخطر لهم على بال، فقال: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة:١٧]، أي: مما تقر به أعينهم حين النظر إليه، ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧] أي: جزاء بما كانوا يخلصون لله تعالى في العبادة.
قال: [وحدثني هارون بن سعيد الأيلي، حدثنا ابن وهب -وهو عبد الله بن وهب المصري - حدثني مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (قال الله : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ذخراً)].
(ذخراً) أي: ذخراً لهم جزاء ما كانوا يعملون في الدنيا من الأعمال الصالحة؛ لأنه قال: (أعددت لعبادي الصالحين)، إذاً: هم كانوا يعملون الصالحات، ولعل في هذا إشارة إلى مراتب الناس عند الله يوم القيامة، فالصالحون أعد الله لهم هذا النعيم الذي لم تره عين، ولم تسمع به أذن، ولم يخطر على قلب أحد أبداً، وهذا جزاء صلاحهم، وهل هناك قسم من الناس في الجنة لا يرى هذا النعيم الخاص بهؤلاء الصالحين؟ ربما يكون ذلك، وهؤلاء هم الذين عفا الله عنهم، وهم أصحاب الكبائر والصغائر الذين دخلوا في رحمة الله وفي مشيئة الله ، فربما ينالهم من الخير والمرتبة في الجنة أقل من مرتبة هؤلاء الصالحين، وبالتالي لا يتنعمون بهذا النعيم العظيم في الجنة، بل يتنعمون بنعيم هو دون ذلك في المرتبة، وأنتم تعلمون أن الجنة مراتب ومنازل، كما أن النار -أعاذنا الله وإياكم منها- دركات سفلى.
إذاً: قوله: (ذخراً) أي: ذخراً لهم على ما قدموا من أعمال صالحة.
قال: [(بل
стр. 113
باب إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها
(الباب الأول: إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها).
إن في الجنة شجرة: أي واحدة، يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها: أي لا ينتهي منها.
قال: [حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ليث، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه - أبي سعيد المقبري - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة)].
تصور لو أن شجرة في الدنيا يسير الراكب الجواد المسرع المضمر فيها لمدة ربع ساعة، لابد أن هذه الشجرة يعبدها الناس من دون الله ، وتأتي لها الوفود من شرق الأرض وغربها، للنظر إليها والتبرك بها، وعدوها من المعجزات، وهو يسير في ظلها ربع ساعة فقط، فما بالك أن تسير في ظل شجرة مائة عام وأنت راكب جواد مسرع قوي متين، ثم لا تقطعها بعد ذلك ولا تفرغ من المشي في ظلها.
قال: [حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا المغيرة - وهو ابن عبد الرحمن الحزامي - عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ بمثله وزاد: (لا يقطعها).
حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي -وهو المعروف ابن راهويه - أخبرنا المخزومي -وهو المغيرة بن سلمة أبو هشام البصري - حدثنا وهيب -وهو وهيب بن خالد بن عجلان الباهلي مولاهم البصري -عن أبي حازم، عن سهل بن سعد - أبو حازم هو سلمة بن دينار - عن رسول الله ﷺ قال: (إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها)، قال أبو حازم -أي: سلمة -: فحدثت به النعمان بن أبي عياش الزرقي فقال: حدثني أبو سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: (إن في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع مائة عام ما يقطعها)].
وفي حديث أبي سعيد الخدري ﵁ زيادة على ما في حديث أبي هريرة ﵁، وهو بيان أن هذا السير للراكب الجواد المضمر السريع، والتضمير كما قال أصحاب اللغة، وأصحاب غريب الحديث: هو أن تأتي بفرس وتعلفها علفاً كثيراً حتى تأكل ويظهر لحمها وتسمن حتى تصير عظيمة، منتفخة من فرط سمنها، ثم لا تعلف بعد ذلك إلا قوتاً، ومعنى قوتاً: على قدر حاجتها، وفي الحديث عن النبي ﷺ : (اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً)، أي: على مقدار طعامهم وشرابهم في كل يوم بغير زيادة، وفيه بيان لما كان عليه النبي من زهد هو وأهل بيته ﵊.
فالإنسان يضع أمام الدابة أو الفرس طعاماً عظيماً جداً فيلتهمه ويأكله بشراهة حتى يسمن، ثم بعد ذلك يمنع عنه الطعام ولا يقدم له إلا شيئاً يسيراً، بحيث إنه لا يشبع كما كان يشبع من قبل حتى يترهل لحمه ثم ينزل ذلك كله عرقاً، إذا منعت عنه الطعام نزل ذلك السمن والدهون بعد ذلك عرقاً، خاصة لو أنك جللت هذا الفرس ووضعت عليه الأحمال التي تجعل بدنه يزداد حرارة فيصفو ما في بدنه من دهن ويشتد لحمه ويكون قوياً، وهذه صورة من صور دواب العرب، والعرب يعلمون التضمير ويعرفونه، فهو يقول: إن الراكب لهذا الجواد المضمر السريع يمشي في ظل هذه الشجرة مائة عام وهو مسرع يعدو ولا يتوقف مائة عام ومع هذا لا يقطعها.
ثم يقول العلماء: المراد بظلها كنفها وذراها، والإمام النووي ﵀ مال مع من مال إلى أن الظل هنا هو الكنف، ولم يفسر الظل على ظاهره، فهو لم يتوقف عند ظاهر النص، وإنما اضطر إلى التأويل، قال: لو قلنا بالظل فيلزمنا أن نقول بالشمس، ومعلوم أن الجنة: ﴿لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا﴾ [الإنسان:١٣]، فإذا قلنا أن الراكب المسرع يسير في ظل الشجرة فيلزم من ذلك وجود شمس أو كهرباء، ولا يوجد في الجنة لا شمس ولا كهرباء؛ لأنها منيرة بنور وجه الله العظيم، فحينئذ اضطر أهل العلم أن يقولوا: أن ظل الشجرة ليس على ظاهره، وإنما المقصود بالظل الكنف والذرى، أي: أنه يمشي في ذراها وفي كنفها أو تحتها وتحت أغصانها، هذا هو المقصود بالظل وليس الظل على حقيقته، وهذا التأويل سائغ ومقبول، وليس كل تأويل مذموم ومردود، والله يقول: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ﴾ [النحل:٩٨]، و (قرأ) فعل ماض، وظاهر النص أن الاستعاذة في آخر القراءة، لكن التأويل السائغ: إذا أردت أن تقرأ القرآن فاستعذ بالله، ومنه قوله ﵊: (إذا دخل أحدكم الكنيف فليقل: باسم الله)، وفي رواية: (
стр. 114
باب إحلال الرضوان على أهل الجنة
(باب إحلال الرضوان -أي: إنزاله على أهل الجنة- فلا يسخط عليهم أبداً).
قال: [حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن سهم، حدثنا عبد الله بن المبارك -إمام خرسان بل هو إمام الدنيا في زمانه- أخبرنا مالك بن أنس -الإمام الفقيه صاحب المذهب- وحدثني هارون بن سعيد الأيلي واللفظ له -أي: ليس هذا لفظ ابن سهم وإنما هو لفظ الأيلي - حدثنا عبد الله بن وهب، حدثني مالك].
إذاً عبد الله بن وهب، وعبد الله بن مبارك كلاهما يروي هذا الحديث عن مالك بن أنس.
[عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن الله يقول)].
إذاً: الله تعالى يتكلم متى شاء، وكيف شاء، بأي كلام شاء، ولفظ (يقول) فعل مضارع يفيد الاستمرار، فكلام الله تعالى لا ينفد ولا ينتهي.
[(إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك)].
أي: طاعة لك واستجابة بعد استجابة، ونحن بين يديك تأمرنا بما شئت.
[(والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك؟ فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب، وأي شيء أفضل من ذلك؟)].
أي: مما أعطيتنا مما لم تره عين، ولم تسمع به أذن، ولم يخطر على قلب بشر، أي شيء بعد ذلك تميل إليه نفوسنا وتتمنى إلى النظر إليه أعيننا.
[(فيقول الله : أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً)].
ولا شك أن هذا من أعظم النعيم في الجنة وهو إحلال الرضوان؛ لأنه رضوان لا سخط بعده أبداً، (أحل عليكم رضواني) أي: رضائي عنكم فلا أسخط، ولا أبغض، ولا أكره أحداً منكم بعده أبداً.
стр. 115
باب ترائي أهل الجنة أهل الغرف
قال رحمه الله تعالى: [باب ترائي أهل الجنة أهل الغرف].
يعني: من كانوا في ساحة الجنة ينظرون إلى أصحاب الغرف العليا ويرونهم، ومعلوم أن في الجنة غرفاً يرى داخلها كما يرى خارجها.
وقوله: (باب ترائي) أي: ثبوت الرؤية بين عموم أهل الجنة وبين أصحاب الغرف كما يرى الكوكب في السماء، يعني: كما أنك تنظر هكذا إلى السماء فترى الكوكب الدري المضيء اللامع في وسط السماء، فكذلك وأنت تسير في الجنة لو نظرت فوقك لرأيت أصحاب الغرف تماماً كما لو أنك نظرت الآن إلى السماء فرأيت القمر أو البدر، أو النجم، فكذلك ترى وتتيقن أنك قد رأيته، وهذا شيء عجيب جداً لا يمكن أن يصدقه أحد؛ لأن المرء إذا سار في الشارع الآن ونظر في أول بلكونة ربما لا يتأكد ممن نظر إليه واختلط عليه نظره، أمحمد هذا الذي في البلكونة أم أحمد أم إبراهيم أم سيد أم زيد أم عزيز؟ ولكن هذا الاختلاط وهذا الشك والريب لا يخطر لك قط على بال في الجنة، فإنك إذا نظرت إلى أصحاب الغرف من فوق عرفتهم كما تعرف أن هذا هو القمر، لا تشك في أنه القمر وأن بجوار القمر نجماً، لا تشك في أنه نجم ولا يمكن أن يكون النجم قمراً في يوم من الأيام، هكذا يرى أصحاب الجنة أصحاب الغرف.
قال: [حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا يعقوب وهو ابن عبد الرحمن القاري عن أبي حازم، عن سهل بن سعد؛ أن رسول الله ﷺ قال: (إن أهل الجنة ليتراءون الغرفة في الجنة كما تراءون الكوكب في السماء) -وهذا تشبيه للرؤية بالرؤية- قال: -أي أبو حازم - فحدثت بذلك النعمان بن أبي عياش فقال: سمعت أبا سعيد الخدري ﵁ يقول: (كما تراءون الكوكب الدري في الأفق الشرقي أو الغربي)].
أي: في الناحية الشرقية أو الغربية، والدري هو مسمى بذلك لشدة بياضه ولمعانه، والدر معروف أنه أرفع وأثمن الجواهر، وكذلك الكوكب الذي يظهر في الأفق الشرقي أو الغربي.
قال: [وحدثناه إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا المخزومي -وهو المغيرة بن سلمة كما اتفقنا- حدثنا وهيب -وهو ابن خالد بن عجلان البصري كما اتفقنا- عن أبي حازم بالإسنادين جميعاً نحو حديث يعقوب] أي: ابن عبد الرحمن القاري.
قال: [حدثني عبد الله بن جعفر بن يحيى بن خالد، حدثنا معن، حدثنا مالك].
ومعن هو معن بن عيسى، أثبت رواة البصرة عن مالك، وأثبت تلاميذه معن بن عيسى الأشجاعي أبو يحيى المدني القزاز.
قال: [وحدثنا هارون بن سعيد الأيلي -واللفظ له- حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرني مالك بن أنس، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم -كأن هؤلاء في صحن الجنة ينظرون إلى أصحاب الغرف من فوقهم- كما تتراءون الكوكب الدري الغابر)].
أي: الذاهب الماشي الذي تدلى إلى الغروب، أي: الذي أوشك أن ينزل إلى جهة الغرب، وفي الرواية الأولى: (في الأفق الشرقي أو الغربي)، فإما أن يكون صاعداً من الشرق أو نازلاً إلى الغرب، فأنتم ترونهم على هذه الشاكلة أو على هذا النحو.
قال: [(كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب)].
وأصح الرواية: (في الأفق)، وليس: (من الأفق) وهي رواية البخاري.
قال: [(لتفاضل ما بينهم)].
يعني: يريد أن يثبت أن أهل الجنة جميعاً لا يكونون في منزلة واحدة بل في منازل متعددة، فإذا كان الله تعالى قد أعد للشهداء مائة درجة، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فقد أعد الله تعالى لهم من الدرجات في الجنة مائة درجة؛ لأن الشهداء ليسوا على منزلة واحدة، فهذا صالح وشهيد، وهذا عاصٍ وشهيد، بمعنى: أنه هذا يفعل المعاصي ولكنه مات في القتال رفعاً لراية التوحيد فهو شهيد؛ لكنه لا يستوي مع من كانت حياته قبل الشهادة كلها صلاحاً وطاعة، فهذا في درجة وذاك في درجة أخرى، وقس على ذلك التفاضل بين الناس، وهذا الحديث يثبت أن الناس في الإيمان والإسلام متفاوتون.
قال: [(قالوا: يا رسول الله! تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال: بلى والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين)].
معلوم أنه لا أحد يدخل الجنة إلا إذا آمن بالله وصدق المرسلين، فكل من يدخل الجنة لابد أنه قد آمن بالله وصدق المرسلين، لكن الناس في التصديق وفي الإيمان متفاوتون، فبعض من يدخل الجنة ويكون له فيها من حظ تلك الغرف م
стр. 116
باب فيمن يود رؤية النبي ﵊ بأهله وماله
(باب فيمن يود رؤية النبي ﷺ بأهله وماله).
يعني: الإنسان يتمنى أن يرى النبي ﵊ ولو كان ثمن ذلك أن يفقد أهله وماله، وهذه منزلة عظيمة جداً كلنا يدعيها، ومعظمنا كاذب فيها، كلنا يقول هذا بلسانه، لكن عند العمل والمحك كل منا لن يقدم ماله وأهله على رؤية النبي ﵊ بل على رؤية الله يوم القيامة، أكثر ما يزعم الناس زعماً وحقيقة ذلك لا تظهر إلا عند المحك، النبي ﵊ كما في حديث سفيان بن عبد الله لما سأله: (قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك، قال: قل آمنت بالله ثم استقم)، ومعظم الأمة اليوم يقولون: آمنا بالله، وقلوبنا عامرة بالإيمان بالله، وبالإسلام والتوحيد، لكنهم عند العمل ترى عجباً، أعمالاً تخالف الأقوال، ولكنها توافق حقيقة ما في القلب؛ لأن القلب لو امتلأ بوازع الإيمان لنهاك هذا الوازع عن اقتراف الكبائر بل والصغائر، لكن المرء سرعان ما يبادر كذباً بذكر محبة الله تعالى ومحبة رسوله، وتقديم محاب الله ومحاب رسوله على محابه ولكنه حين المحك تظهر الحقيقة.
والمؤمن لا يقدم على الله ورسوله وشرعه أحداً مهما كان، وأعظم الناس حقاً عليك الوالدان، ومع هذا نهانا الشرع أن نطيعهما فيما حرمه الله ، وناهيك بعد الوالدين عن كل إنسان بعد ذلك أنت صاحب حق عليه، فالوالدان لهم حق عليك وليس لأحد من الناس بعد ذلك له حق عليك، بل أنت حقك على الناس من زوجة وولد، فالكل مطلوب منه أن يطيعك، وأنت مطلوب أن تطيع الوالدين في غير معصية الله ، قال ﵊ (لا طاعة إلا في المعروف)، وفي رواية: (لا طاعة -أي: للوالدين- في معصية الله .
قال النبي ﵊: (من أشد أمتي لي حباً ناس يكونون بعدي يود أحدهم لو رآني بأهله وماله)].
قوله: (من أشد أمتي لي حباً) ولم يقل: أشد أمتي، وإنما ذكر (من) التي تفيد التبعيض، يعني: فئة من المسلمين من أمتي يكونون من بعدي أشد حباً لي ويتمنون أنهم لو رأوني وأن يكون ثمن ذلك ومقابله فقدان الأهل والولد، أو فقدان الأهل والمال، والأهل يعني الزوجة والأولاد.
стр. 117
باب في سوق الجنة وما ينالون فيها من النعيم والجمال
(باب في سوق الجنة وما ينالون فيها من النعيم والجمال).
السوق: هو مجمع الناس، حتى لا تقيسه أنت بسوق الدنيا سوق الخضار أو غيره، فمعنى كلمة السوق هو الذي يساق الناس إليه، أو يسوقون أنفسهم إلى هذا المكان فيجتمعون فيه.
قال: [حدثنا أبو عثمان -وهو سعيد بن عبد الجبار البصري - حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت -وهو ابن أسلم البناني - عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ قال: (إن في الجنة لسوقاً)].
يعني: في الجنة سوق كما أن في الدنيا سوقاً، وهذا تشبيه للوجود بالوجود، كما أن الدنيا فيها أسواق موجودة فكذلك الجنة فيها سوق موجود، ولا يلزم من ذلك المماثلة والمشابهة من كل وجه.
قال: [(إن في الجنة لسوقاً يأتونها كل جمعة)].
ومعنى: يأتونها كل جمعة أي: في مقدار كل جمعة يأتونها الناس ويجتمعون فيها، فلا يجتمعون في يوم معين، وكلمة اليوم تطلق على النهار، وكلمة الليل تطلق على الليل، واليوم لا يشبه الليل والنهار وإنما هو مختص بالنهار فحسب، وفي مصنفات أهل العلم ذكروا بعض عناوين للكتب مثل: أذكار اليوم والليلة، وأعمال اليوم والليلة، فاليوم يطلق على النهار، وأنتم تعلمون أن الجنة لا شمس فيها، ولا زمهرير، ولا ليل، ولا نهار، وبالتالي لا يوم فيها، ولا ليل، وحينئذ نقول: يقدر الوقت بأسبوع يجتمع الناس في هذا السوق في الجنة.
قال: [(فتهب ريح الشمال)].
وريح الشمال هي ريح كانت تأتي من جهة الشام على أهل المدينة محملة بالأمطار، وكان أهل المدينة يحبونها، وينتظرونها في فصولها المؤقتة لها كما تنتظر المرأة وليدها، وهي ريح طيبة، وخيرة، تسمى ريح الشمال، أو الريح الشموأل أو الشمأل أو الشمل، هكذا يسميها العرب.
قال: [(فتهب ريح الشمال فتحثو في وجوههم وثيابهم)].
وطينة الجنة، وأرض الجنة، وحصباؤها من زعفران ومسك، فهذه الرياح تأتي من شمال الجنة فتأخذها من أرض الجنة على وجوه هؤلاء الناس.
قال: [(فيزدادون حسناً وجمالاً، فيرجعون إلى أهليهم -أي: نسائهم- وقد ازدادوا حسناً وجمالاً، فيقول لهم أهلوهم: والله لقد ازددتم بعدنا حسناً وجمالاً -يعني: أول ما خرجتم من هنا ورجعتم مرة أخرى ازددتم حسناً وجمالاً، فيرد الرجال على النساء- فيقولون: وأنتم والله لقد ازددتم بعدنا حسناً وجمالاً)].
وفي هذا دليل أن هذه الرياح تعم جميع أهل الجنة من كانوا في الخيام والغرف، ومن كانوا في سوق الجنة.
стр. 118
باب أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر وصفاتهم وأزواجهم
(باب أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر وصفاتهم وأزواجهم).
وهذا تشبيه للصورة بالصورة، وليس للذات بالذات؛ لأن الإنسان لا يمكن أن يكون قمراً والقمر لا يمكن أن يكون إنساناً، ولكنه تشبيه لصورة الرجل بصورة القمر، ويمكن أن تنظر في هذا الوقت لرجل دميم الخلقة لكنك تريد أن تمدحه وتقول: إن وجهك كالقمر، مع أنه لا يساوي أدنى نجم، لكنه على أية حال من باب الكذب لإدخال السرور والأنس على قلب الممدوح، والنبي ﵊ أجاز الكذب على الزوجة، كأن تقول لها: أنت جميلة وهي ذميمة، عملك طيب وصالح، وعملها دون ذلك، وهذا من باب الملاطفة والمؤانسة وحسن العشرة، ويوم القيامة أول زمرة تدخل الجنة تكون صورتهم في الوضاءة، والإشراق، والبهجة، والحسن، والجمال كما لو كانوا على صورة القمر، فهذا تمثيل، وهذا من التمثيل المباح الحلال، تمثيل لصورة هؤلاء في الحسن والجمال والوضاءة والإشراق بصورة القمر، وفائدة التمثيل تقريب المعنى، فأول زمرة تدخل الجنة يوم القيامة تكون صورتهم على صورة القمر ليلة البدر.
قال: [حدثنا عمرو الناقد، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي جميعاً عن ابن علية -وهو إسماعيل - واللفظ لـ يعقوب قالا: حدثنا إسماعيل بن علية أخبرنا أيوب -وهو ابن أبي تميمة السختياني - عن محمد -وهو ابن سيرين - قال: إما تفاخروا وإما تذاكروا: الرجال في الجنة أكثر أم النساء؟].
يعني: ذكرنا كلاماً على سبيل المفاخرة أو المذاكرة، وهذا الكلام دار بين الرجال والنساء.
مثلما تكون جالساً مع امرأتك تقول لها: الرجال في الجنة أكثر أم النساء؟ إما أن تكون تطرح هذا السؤال من باب الوصول إلى الحقيقة العلمية أو الحقيقة الإيمانية، وإما أن تكون تبكتها وتعتبها وتقول لها: أريد أن أعرف هل الرجال في الجنة أكثر أم النساء؟ فقد قال النبي ﷺ : (واطلعت في النار فوجدت أكثر أهلها النساء)، فأنت تسألها ذلك من باب التبكيت والتعتيب، تقول لها: لما اطلع النبي وجد أكثر أهلها النساء؛ لأنهن ينكرن حسن العشرة، وهذا يؤدي بها إلى النار، فأنت أتيت بها وقمت تلف من بعيد؛ لأنك لا تجرؤ أن تدخل مباشرة في الموضوع بل تلف من بعيد وتأتي بحيثيات حتى تذكرها واحدة بواحدة.
[قال: إما تفاخروا وإما تذاكروا الرجال في الجنة أكثر أم النساء؟ فقال أبو هريرة أولم يقل أبو القاسم ﷺ : (إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والتي تليها على أضوأ كوكب دري في السماء، لكل امرئ منهم زوجتان اثنتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم، وما في الجنة أعزب)].
قوله: (يرى مخ السوق)، لما ترى إلى العظم ترى المخ الذي في الساق، يعني: ترى هذا الدهن الذي في داخل الساق من بعد العظم.
وقوله: (وما في الجنة أعزب) لا يوجد أحد في الجنة أعزب كلهم متزوجون، ولكل من دخل الجنة من الرجال اثنتان من الحور العين، فضلاً عن أحب نسائه إليه في الدنيا، ولو كان متزوجاً واحدة فهي زوجته إن دخلت الجنة، وإن كنت تبغضها في الدنيا فإن الله يقول: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ [الأعراف:٤٣]، فستكون ساعتها إنسانة محببة جداً إلى قلبك، والذي فات مات، وإن حاولت أن تتذكره لا يمكنك ذلك؛ لأن الله تعالى يحول بينك وبينه، كما يحول بينك وبين ما قد جرى بينك وبينها من مشاكل في العام الماضي أنت لا تذكرها الآن إنما أنت تذكر ما بينك وبينها الآن وتنسى ما قد مضى، فإذا كان يوم القيامة فإن الله تعالى ينسيك ما كان بينك وبينها من شحناء أو بغضاء.
وعلى أية حال هذه الشحناء والبغضاء سنة من سنن الله الكونية في الكون، حتى لا يتصور إنسان أنه وصل إلى مرحلة لا يمكن معها الصبر، نعم، قد يصل الرجل مع امرأته إلى هذه المرحلة ولا يكون هناك علاج إلا الطلاق، وآخر الدواء الكي، والأصل في الزوجية القيام والديمومة والاستمرار، والطلاق استثناء ولضرورة، ومن زعم أن الطلاق مباح بغير ضرورة وبغير حاجة ولا عذر، فلا شك أنه قد خالف ما اتفقت عليه كلمة الأمة، أي: كلمة علماء المسلمين.
قال: (وما في الجنة أعزب) والأعزب هو من لا زوجة له، والأفصح: وما في الجنة عزب.
стр. 119
تعداد الرجال والنساء في الجنة
قال: [حدثنا ابن أبي عمر -وهو محمد بن يحيى - حدثنا سفيان عن أيوب عن ابن سيرين قال: اختصم الرجال والنساء -أي: اختلفا وتجادلا- أيهما في الجنة أكثر؟ فسألوا أبا هريرة فقال: قال أبو القاسم ﷺ : (إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر والتي تليها على أضوأ كوكب- يعني: على صورة أفضل كوكب دري في السماء- لكل امرئ منهم زوجتان اثنتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم، وما في الجنة أعزب)].
وهذا يفيد أن النساء أكثر من الرجال، وإن كن من الحور العين فإنهن نساء، فإن لكل واحد من أهل الجنة زوجتين من الحور العين، ومع ذلك يتزوج امرأته أو أحب النساء إليه، ولكل شهيد اثنتان وسبعون حورية، ونجمع بين هذا الحديث وبين قوله ﵊: (اطلعت في النار فوجدت أكثر أهلها النساء، فقامت امرأة جزلة -يعني: عاقلة- وقالت يا رسول الله بم؟ -أي: بما استحقت النساء دخول النار؟ - قال: لأنهن يكفرن، قالت: أيكفرن بالله؟ قال: لا، يكفرن الإحسان ويكفرن العشير، يحسن إليها الرجل الدهر كله -أي: طوال حياته الزوجية معها- فإذا بدا منه شيء قالت: والله ما رأيت منك خيراً قط)، فهذا كفران العشير، أي: تكفر حسن العشرة معه لأول تافهة تقع من الرجل.
والشاهد هنا أنه قال: (اطلعت في النار فوجدت أكثر أهلها النساء).
والجواب الأول: لا يمنع أن يكون أكثر أهل الجنة النساء وأن يكون أكثر أهل النار النساء؛ لأنه لا تعارض، بل النص يفيد أن أكثر أهل الجنة نساء، وأكثر أهل النار أيضاً نساء، وهذا يدل على كثرة النساء خاصة في آخر الزمان، والنبي ﵊ يقول: (لا تقوم الساعة حتى يكون لكل خمسين امرأة قيم واحد)، وفي هذا نص صريح على كثرة النساء على الرجال خاصة في آخر الزمان، وكثرة الملاحم والفتن، وظهور القتال، خاصة بعد الملحمة الكبرى المرتقبة والمنتظرة بين المعسكرين معسكر الإيمان ومعسكر الكفر، والتي ينتظرها العالم كله الآن، فحينئذ أنتم تعلمون أن الحرب إنما تأكل الرجال دون النساء، ولعل من الملاحظ أن مقدمة هذه الحرب الختامية للعالم كله بدأت بغزو العراق للكويت، وإتيان الروم والأمريكان إلى بلاد العرب، وكان من ثمرة هذا القتال أن مات جل الجيش العراقي وكثير من الرجال والأطفال الذكور في شوارع بغداد وغيرها من مدن العراق، مما أسفر عن كثرة النساء على الرجال، أنا أقول هذا الكلام لأستشهد به على أن الحروب إنما تأكل الرجال وتسبب كثرة في النساء، فإذا قامت الحرب العالمية الثالثة، أو الحرب الختامية، أو ما سمتها النصوص بالملحمة الكبرى، أو ما يسميه اليهود والنصارى بمعركة هرمجدون، فإن الأمر حينئذ يعم الرقعة كلها وبالتالي تكثر النساء في كل بقعة من بقاع الأرض إلا موطنين هما بمنأى عن هذه الحرب وعن الملحمة الكبرى، وهي الدول الباردة جداً، والدول الحارة جداً.
يقول بعض أهل العلم: إن هذه الدول الباردة جداً التي لا تشارك في هذه الحرب هي الدول الإسكندنافية، والدول الحارة جداً هي جنوب أفريقيا وأقرب بلاد أفريقيا إلى خط الاستواء، وليس هذا مبحثنا وإنما المبحث أن الحرب تأكل الرجال وتبقي النساء وبالتالي تكثر.
ومعنى قوله ﵊: (لا تقوم الساعة حتى يكون لكل خمسين امرأة قيم واحد): هذا لا يعني أبداً أن الواحد له أن يتزوج بخمسين امرأة، وإنما النسبة في تعداد العالم في آخر الزمان أنه من واحد إلى خمسين، الرجل يعادله في العدد خمسون امرأة.
وقوله: (إن أول زمرة تدخل الجنة)، هذا الحديث لا يتكلم عن كل أهل الجنة وإنما يتكلم عن أول زمرة وثاني زمرة، فأول زمرة يدخلون على صورة القمر ليلة البدر، والزمرة الثانية التي تليهم: تدخل على أضوأ كوكب دري في السماء.
قال: (لكل امرئ منهم زوجتان اثنتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم، وما في الجنة أعزب).
قال القاضي في هذا الحديث: (أن النساء أكثر أهل الجنة)، وفي الحديث الآخر: (أنهن أكثر أهل النار): فيخرج من مجموع هذين الحديثين أن النساء أكثر ولد آدم، وكلما دعاك أخ لعقيقة يقول لك: سميت ابنتي فاطمة، زينب، عائشة، مريم، وهذه الحقيقة علامة تدل على قرب الساعة، كل الإخوة يعقون بشاة واحدة إلا ما ندر، قال: وهذا كله بالآدميات، وإلا فقد جاء أن الواحد من أهل الجنة له من الحور العدد الكثير.
قال: [وحدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا عبد الواحد -وهو ابن زياد البصري - عن عمارة بن القعقاع، حدثنا أبو زرعة قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : (أول من يدخل الجنة)، وفي الرواية الثانية: (إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والذين يلونهم على أشد كوكب دري في الأر
стр. 120
الأسئلة
стр. 121
حكم صلاة التسابيح
السؤال
ما صحت حديث صلاة التسابيح؟
الجواب
هو في الحقيقة محل نزاع بين أهل العلم، كثير من المحدثين ضعفوا هذا الحديث وبالتالي عدوه من المنكرات الشنيعة جداً، والشيخ الألباني وبعض المعاصرين من المحدثين صحح أو حسن هذا الحديث، فإذا كان الأمر محل نزاع بين المحدثين، فلك أن تأخذ بهذا أو ذاك.
стр. 122
حكم المشاركة في مسابقة القرآن الكريم وأخذ الجوائز من البنك الإسلامي
السؤال
بنك التسليف الإسلامي يقوم بعمل مسابقة في القرآن الكريم، فما حكم الاشتراك في هذه المسابقة، وحكم الجوائز التي تعطى للفائزين؟
الجواب
حلال، هذا من الأعمال الصالحة.
стр. 123
حكم الحلي إذا كانت على شكل تمثال أو صورة
السؤال
ما حكم الأساور التي على شكل ثعبان، أو التي عليها شكل حيوانات صغيرة، وهل تدخل في حكم التماثيل فهي حرام حينئذ أم لا؟
الجواب
هي حرام، هذه الأساور أو السبائك الذهبية التي على شكل حيوانات بلا شك أنها صور، وأنتم تعلمون أن الصورة محرمة، والنبي ﵊ يقول: (إذا قطع الرأس فلا صورة)، فعلى المرأة أن تتخلص من هذا الذهب أو تقطع رأس التمثال الذي في الحلية، ولا أظن أنها تقطع رأسها أبداً، فعليها أن تتخلص من الذهب.
стр. 124
حكم من مات وعليه صيام بسبب المرض
السؤال
كان معي أخت ماتت بعد رمضان بأربعة أيام ولم تصم في هذا الشهر؛ لأنها مريضة فهل يجوز أن أصوم عنها؟
الجواب
نعم يجوز أن تصومي، ويجوز أن تفدي، والنبي ﵊ يقول: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) فإذا شئتي أن تصومي فهو أفضل لموافقة ظاهر النص، وإذا عجزت عن الصيام فلا بأس أن تطعمي عن كل يوم مسكيناً، وإذا كان هناك من أولياء هذه الميتة من يشاركك الصيام فلا بأس، وإن اشترك الصوم في يوم واحد؛ وهذه المسألة محل نزاع: إذا كان على الميت عشرة أيام وله عشرة أولاد مثلاً فاختار كل واحد منهم أن يصوم يوماً، فهل كل واحد منهم يصوم يوماً بعد أخيه أم يجزئهم أن يصوموا جميعاً يوماً واحداً؟ هذه المسألة محل نزاع، والراجح أنه يجزئهم أن يصوموا ولو كان الصوم وقع في يوم واحد.
стр. 125
حكم زواج الرجل بامرأة رضعت مع أخيه
السؤال
هل يجوز أن يتزوج رجل من امرأة رضعت مع أخيه؟
الجواب
نعم؛ لأنها أخت أخيه وليست أختاً له.
стр. 126
المقصود باليوم والليلة في توقيت مسح الخف
السؤال
المسح على الخف هل المقصود به أربعاً وعشرين ساعة أم خمس صلوات؟
الجواب
لا، المقصود به خمس صلوات؛ لأن الأربع والعشرين ساعة لم تكن عمراً معلوماً في الزمان الأول، وإنما المسح على الخف يبدأ حسابه يوماً وليلة -كما في الحديث- منذ أول مسحة.
стр. 127
حكم من وجد نجاسة في ملابسه بعد الانتهاء من الصلاة
السؤال
من وجد نجاسة وهي أثر غائط في ملابسه، فهل يعيد الصلاة السابقة أم ماذا يفعل؟
الجواب
ينظر هل هذا الأثر جرم أم أثر، والمعلوم أن كلمة أثر هي تمثل مكان النجاسة بعد الغسل، كما أن المرأة الحائض تغسل ثوبها ويبقى فيه أثر الدم، يعني: لون الدم، ولذلك قال النبي ﵊: (اغسليه ولا يضرك أثره)، فإذا كان في ثوب هذا الأخ الفاضل غائط فغسله ولكنه بقي أثره أي: لون هذا الغائط، فلا يضره، وأما إذا كان يقصد أنه انتبه وفوجئ بغائط على ثوبه بعد الصلاة، فمن أهل العلم من قال: يعيد الصلاة من أول نومة نامها ثم قام منها، ومنهم من قال: يعيد الصلاة الحالية أي: التي أداها في الوقت، والذي يترجح لدي أنه لا يعيد إلا الصلاة التي في الوقت، وإن كان جنباً يعيد من أول نومة قام منها، فلو أنه قام من النوم في الظهيرة وصلى المغرب والعصر والعشاء، ثم أدرك الجنابة، فغلبة الظن أنه أجنب في نومه، فيعيد من بعد النوم، وهذا لا يضر؛ لأن من شروط صحة الصلاة طهارة الثوب، وأنت صليت بنجاسة لكن إعادتك لهذه الصلاة يلزمك خلع هذا النجس والصلاة بدونه؛ لأن هذا لا ينقض الوضوء وإنما ينقض الصلاة.
стр. 128
حكم سرقة التيار الكهربائي
السؤال
هل يجوز سرقة التيار الكهربائي، حيث إن الفاتورة كبيرة جداً؟
الجواب
إذا كانت السرقة جائزة فإن سرقة التيار الكهربائي جائزة، والمال العام على مدار التاريخ لم يستحله إلا الخوارج، ومن أخص خصائص المال العام العصمة، وعندما تقرأ في السياسة الشرعية تجد أن المال العام أهم ما يميزه عن بقية الأموال العصمة، مع أن أموال الغير معصومة أيضاً، لكن الأموال العامة أعظم عصمة من المال الخاص.
والكهرباء من الأموال العامة، ولو قلت لي: أن سرقة الكهرباء جائزة فستكون كل الأموال العامة التي سرقتها جائزة، وليس هناك عاقل يقول بهذا، لكن على أية حال إذا جوزت لك أن تسرق الكهرباء سأجوز لك أن تسرق المياه، والمجاري، وغير ذلك من الأموال العامة، وهذا بلا شك لا يقول به إلا إنسان قد فقد عقله تماماً.
فسرقة الكهرباء لها مفاسد من شقين: الشق الشرعي: أنك أتيت بكهرباء من داخل العداد من جارك أو من أي مكان، فهذا سرقة ولو تستحل ذلك.
والشق الآخر: لو أتى المفتش فستكون أنت قد سرقت رغم أنك موصل من عداد، والنبي ﷺ يقول: (لا ضرر ولا ضرار)، فلابد أن تنظر بنظرتين، النظرة الأولى: مشروعية العلم، والنظرة الثانية: إلحاق الضرر من جراء هذا العمل.
стр. 129
حكم المسابقات التلفزيونية التي تجرى عن طريق التلفون
السؤال
ما حكم الاشتراك في المسابقات التلفزيونية عن طريق التلفون، حيث يسأل سؤالين من الأسئلة العامة في جيم أو غيره ويحتمل أن تكسب مبلغاً مالياً كبيراً، وقد كثرت هذه المسابقات هذه الأيام؟
الجواب
لقد سألني أحد الإخوة هذه الأسئلة لأنه معد هذه البرامج في التلفزيون، وأنا لم أفهم منه الصورة جيداً.
стр. 130
حكم القراءة من المصحف في صلاة الفريضة
السؤال
هل القراءة من المصحف في صلاة الفريضة تبطل الصلاة؟
الجواب
لا تبطلها، ولكن على أية حال هي بدعة، أما صلاة المصلي في النافلة وهو حامل للمصحف فهذا جائز للإمام والمنفرد، وقد اتخذت عائشة ﵂ إماماً في صلاة التراويح يقرأ من المصحف، أما المأمومون وهذه الصورة التي نراها في شهر رمضان كل واحد يصلي خلف الإمام ويحمل مصحفاً فهذه صورة غير جائزة، وقد تجرأ ابن حزم ﵀ على بطلان صلاة من صلى مأموماً حاملاً للمصحف، ولم يجز ذلك أحد من أهل العلم إلا للإمام في النافلة والمنفرد، أما الفريضة فيصلي المصلي ولو بآية واحدة معه، ولا يتصور أن مسلماً ليس معه آية من كتاب الله.
стр. 131
الحكم على حديث: (أحيطوا أعمالكم بالكتمان)
السؤال
ما صحة حديث: (أحيطوا أعمالكم بالكتمان)؟
الجواب
الحديث ليس هكذا، ولكن النبي ﷺ قال: (استعينوا على إنجاح حوائجكم بالكتمان) وهو ضعيف.
أما (استعينوا على قضاء حوائجكم) فهذا نص صحيح، والمعنى واحد.
стр. 132
حكم الصلاة على شهيد المعركة
السؤال
ما حكم الحديث الذي يثبت الصلاة على شهيد المعركة، والحديث الآخر الذي لا يثبت الصلاة على شهيد المعركة، وكيف نوفق بينهما ونزيل اللبس من عقولنا وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
صلاة الجنازة على الشهيد مستحبة وليست واجبة، وأنتم تعلمون أن صلاة الجنائز فرض كفاية، وهي حق واجب لكل مسلم، إلا الشهيد، والطفل الصبي الذي لم يبلغ.
стр. 133
شرح صحيح مسلم - كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها - في سوق الجنة
أهل الجنة في نعيم دائم سرمدي لا ينقطع، نعيم لا يدانيه نعيم ولا يقاربه، ومن ذلك أن في الجنة سوقاً يأتيها أهل الجنة كل جمعة، فيرون الله تعالى، ويزدادون حسناً ونوراً وجمالاً، وأول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، لكل امرئ منهم زوجتان، وللمؤمن خيمة من لؤلؤة مجوفة، طولها ستون ميلاً في السماء، ولأهل الجنة فيها مجامر من الألوة، رشحهم المسك، لا يمرضون، ولا يهرمون، ولا يفنى نعيمهم، فلله ما أعظمه من نعيم!
стр. 134
باب في سوق الجنة
الحمد لله رب العالمين، ونصلي ونسلم على محمد وآله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فهذا هو الدرس الثاني من كتاب الجنة ونعيمها من صحيح مسلم.
قال: (باب في سوق الجنة).
الجنة فيها سوق، وهذا السوق يعقد في كل أسبوع مرة، وإذا قلنا: في كل أسبوع فلا بد أن يوم الجمعة هو يوم ضمن سبعة أيام، وليس في الجنة ليل ولا نهار، وليس فيها أيام، وليس فيها شمس ولا قمر، إنما الجنة نعيم دائم، ولكن النبي ﷺ قرب لنا الأمر فقال: [(إن في الجنة لسوقاً)] أي: يعقد في كل أسبوع مرة، أي: فيما يعدل كل أسبوع من أسابيع الدنيا مرة، هذا اليوم يسمى يوم المزيد، ويعقد فيما يعادل في الدنيا يوم الجمعة، وفيها يطلع الله على عباده من أهل الجنة ليروا وجهه الكريم، فإذا رأوا وجه الله تعالى ازدادوا حسناً، ونوراً، وبهاء، وجمالاً، فيرجعون إلى أزواجهم، فيلحظ أزواجهم ذلك فيهم، فيقولون: والله ما ازددتم بعدنا إلا حسناً، وجمالاً، وكمالاً، فيقول الأزواج لزوجاتهم: وأنتن والله ما ازددتن بعد أن فارقناكن إلا حسناً وجمالاً؛ لأن أهل الجنة جميعاً يرون الله في هذا اليوم الذي يسمى بيوم المزيد، أي: يزاد في نورهم، وبهائهم، وحسنهم.
قال: [قال أنس بن مالك ﵁: قال النبي ﷺ : (إن في الجنة لسوقاً)].
وسمي سوقاً لاجتماع الناس فيه؛ لأنه لا يقال للمكان سوقاً إلا إذا اجتمع فيه الناس، لأن الناس يساقون إليه لقضاء حوائجهم.
قال: (يأتونها كل جمعة، فتهب ريح الشمال)].
بفتح الشين لا بكسرها، وهي الريح التي يسميها العرب: ريح الشمأل، أو الشموأل، أو ريح دبر القبلة، أو ريح شامية تأتي من جهة الشام، وكانت العرب تحب أن تأتي الرياح من قبل الشام؛ لأنها تأتي بالخير، وتأتي بالمطر.
قال: [(فتحثو في وجوههم وثيابهم -أي: تحمل في طياتها الخير حتى تجعله في وجوههم وثيابهم- فيزدادون حسناً وجمالاً -أي: فيزداد أهل الجنة حسناً وجمالاً- فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسناً وجمالاً، فيقول لهم أهلوهم -أي النساء-: والله لقد ازددتم بعدنا حسناً وجمالاً، فيقولون: وأنتم والله لقد ازددتم بعدنا حسناً وجمالاً)].
هذه الريح أحياناً يسميها العرب: الريح المثيرة، أي: المحركة؛ لأنها تثير في وجوههم وثيابهم ما تثيره من مسك أرض الجنة، فيزدادون بذلك حسناً وجمالاً.
стр. 135
باب أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر وصفاتهم وأزواجهم
قال: (باب أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر وصفاتهم، وأزواجهم).
قال: [عن محمد بن سيرين].
وهو إمام من أئمة التابعين، وسيد من ساداتهم، إمام من أئمة البصرة، يروي عن أبي هريرة ﵁، لكنه هنا يروي فيقول: (إما تفاخروا وإما تذاكروا).
يعني: الصحابة ﵃ اجتمعوا فتكلموا في أمر الجنة والنار، وتكلموا في أمر الرجال والنساء أيهما أكثر في الدنيا وفي الآخرة، وفي الجنة وفي النار؟ فقال: إما تفاخروا وإما تذاكروا، يعني: اجتمع الرجال والنساء، وصارت بينهم مناظرة، هذه المناظرة إما على سبيل التذكرة، أو المفاخرة: [الرجال في الجنة أكثر أم النساء؟].
هذا موطن المناظرة: الرجال في الجنة أكثر أم النساء؟ [فقال أبو هريرة: أولم يقل أبو القاسم ﷺ : (إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والتي تليها على أضوأ كوكب دري في السماء، لكل امرئ منهم -أي: ممن يدخل الجنة- زوجتان اثنتان)].
أي: من الحور العين، فلو أن كل واحد دخل الجنة له زوجتان اثنتان، فأيهم يكون أكثر الرجال أم النساء؟ مع ملاحظة أنه ليس في الجنة عزوبة، كل من دخلها تزوج فيها، ويزيد الله تعالى ما يشاء لبعض عباده، حتى يبلغ حظ الشهيد من الحور العين اثنتين وسبعين امرأة من الحور العين، فأيهما أكثر في الجنة الرجال أم النساء؟ النساء أكثر؛ لأن النساء على الأقل ضعف عدد الرجال الذين دخلوا الجنة؛ لأن لكل واحد منهم زوجتين، مع أن بعض من يدخل الجنة يزيد الله تعالى له من الحور العين، فلابد أن النساء أكثر أهل الجنة، والنبي ﵊ يقول: (دخلت الجنة فإذا عامة أهلها الفقراء والمساكين)، وقال: (واطلعت في النار فإذا عامة أهلها النساء، فقالت امرأة جزلة -عاقلة-: يا رسول الله ولم؟ قال: لأنهن يكفرن.
قالت: يا رسول الله! أيكفرن بالله؟ قال: لا، يكفرن الإحسان، ويكفرن العشير)؛ أي: عشرة الزوج، ثم بين النبي ﵊ ذلك فقال: (يحسن إليكن الرجل الدهر كله فإذا بدا منه شيء قلتن: والله ما رأينا منك خيراً قط) فهذا هو كفران العشير.
وقال ﵊: (ما رأيت أذهب للب الرجل الحازم منكن)، الرجل الحازم العاقل أحياناً يغضب ويثور ويفلت منه الزمام بسبب امرأة، وهو في أصله إنسان حازم، عاقل، لكنه يفقد ذلك حينما تغضبه امرأته.
والشاهد من هذا الحديث: أنه ﵊ قال: (واطلعت في النار فوجدت أكثر أهلها النساء)، إذاً: أكثر أهل النار النساء، وأكثر أهل الجنة النساء، وهذا يفيدنا نسبة وتناسب أن النساء في بني آدم أكثر من الرجال، ومن أشراط الساعة كما أخبر النبي ﵊ فقال: (لا تقوم الساعة حتى يقل الرجال ويكثر النساء، حتى يكون لكل خمسين امرأة قيم واحد)؛ يعني: رجل واحد، ولا يعني هذا حل أن يتزوج رجل بخمسين، إنما نسبة وتناسب بين الرجال والنساء واحد إلى خمسين، فالرجل يقابله خمسون من النساء، ولا يعني هذا صحة نكاح الخمسين إنما هو دليل على أن الأمر قبل قيام الساعة هو كثرة النساء وقلة الرجال؛ بسبب الجهاد، والغزوات، وغيرها التي تكون في آخر الزمان.
قال النبي ﵊: (إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر)، أول دفعة تدخل الجنة وجوهها كالقمر ليلة البدر، أي: في ليلة التمام والكمال، فهذه وجوه الناس وصفاتهم الذين يدخلون الجنة لأول وهلة، ثم يعقبهم زمرة أخرى يكونون على هيئة أضوأ كوكب في السماء بعد القمر، وأنور كوكب، وهو ما يسميه الفلكيون بالكوكب الدري، وأنتم تعلمون أن الدر هو أعظم الجواهر، ولذلك سميت الدرر درراً لأنها ثمينة، غالية مضيئة، تشبيهاً بأعظم كوكب في السماء بعد القمر في ليلة البدر والتمام، وهو الكوكب الدري، فهذه هي صورة القوم الذين يدخلون ثانياً بعد الزمرة الأولى.
قال: (لكل امرئ منهم زوجتان اثنتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم) أي: ما داخل السوق والقدم يراه المرء، تصور أنك ترى العظام الداخلية في قدم الحورية من الصفاء والنقاء، ينظر الرجل إلى امرأته فيرى مخ ساقها من وراء اللحم، كما ينظر في خدها فيرى صورته في خدها، وترى صورتها في خده من الصفاء والنقاء، وهذا يدل على أن أهل الجنة على أكمل هيئة وأتم صورة، وأن الناس إذا دخلوا الجنة كانوا على غير هيئتهم في الدنيا، الصغير يكبر، والشيخ الهرم يصغر حتى يكونوا جميعاً في سن واحد: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ [الواقعة:٣٧]، ومعنى (أَتْرَابًا): أي في سن واحد.
قال: (وما في الجنة أعزب)، كل من دخلها تزوج، سواء كان متزوجاً في الدنيا أو ليس متزوجاً، لابد لكل من دخل الجنة أن يكون عنده من الأزواج الحور العين اثنتان، ويكون عنده كذلك من نساء الدنيا أحب النساء إليه من زوجاته، فلو أن واحداً
стр. 136
باب في صفات الجنة وأهلها وتسبيحهم فيها بكرة وعشياً
قال: (باب في صفات الجنة وأهلها وتسبيحهم فيها بكرة وعشياً).
قال ﵊: (أنهم يلهمون التسبيح، والتحميد، والتكبير، كما يلهمون النفس) وسيأتي معنا، لكنهم على أية حال يلهمون ذلك بكرة وعشياً، وقد اتفقنا أنه ليس في الجنة بكرة وعشي، وإنما مقدار البكور والعشي.
قال: [عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﵊: (أول زمرة تلج الجنة صورهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون فيها، ولا يمتخطون، ولا يتغوطون فيها، آنيتهم وأمشاطهم من الذهب والفضة)].
مع أن آنية الذهب والفضة حرام علينا في الدنيا، ولكن الله تعالى أباحه لنا في الآخرة، ولذلك قال ﵊: (إن الذي يأكل في صفائح الذهب والفضة فكأنما يجرجر في بطنه نار جهنم)، وهذا لمن أكل بهما في الدنيا، أما في الآخرة فإن الله تعالى أحل لنا ما كان حراماً علينا، فلباسنا الحرير والديباج، وهذا كان محرماً على الرجال، وأباحه الله تعالى، والله تعالى حرم علينا الخمر وأباحه لنا في الآخرة، ولكن خمر الآخرة ليس كخمر الدنيا من الإسكار وذهاب العقل وغير ذلك، بل هو شراب لذيذ سماه الله تعالى خمراً، ليكافئ عباده الذين امتنعوا عن شرب الخمر في الدنيا بخمر في الآخرة، لكن هيهات هيهات بين خمر الدنيا وخمر الآخرة.
قال: [(ومجامرهم من الألوة، ورشحهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان يرى مخ ساقهما من وراء اللحم من الحسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب واحد يسبحون الله بكرة وعشياً)].
في الدرس الماضي لما ذكرنا أن الجنة درجات عديدة، لعل ذلك اختلط على بعض السامعين بأبواب الجنة وقال: بل درجات الجنة ثمان، والصواب أن أبواب الجنة ثمانية، أما درجات الجنة فكثيرة متعددة لا يعلمها إلا الله.
كما أنه لا يصح أن يقال: إن درجات الجنة على عدد آيات القرآن الكريم، كما أن أهل العلم اختلفوا في عدد آيات القرآن الكريم، فأحياناً تجد الآية عند قارئ آية، وتجدها عند قارئ آخر آيتين.
قال: (لا اختلاف بينهم ولا تباغض) أي: لا حسد، ولا تباغض، ولا اختلاف، ولا مناحرة، ولا مناظرة، كل هذا في الدنيا أما في الآخرة فلا.
ثم إنه كذلك قد اختلط على الأخ قول الأنصاري لما بكى عند النبي ﵊ فقال النبي ﷺ : (ما يبكيك؟ قال: يا رسول الله! تذكرت الموت، وعلمت أن الموت يفرق بيني وبينك؛ لأنك في الجنة في منزلة هي أعلى من منزلتي، فأنا لا أراك في الجنة، فنزل قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:٦٩]، فقال النبي ﷺ لهذا الأنصاري: أبشر)، يعني ستراني لأنك تحبني فأنت معي.
وقوله: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء:٦٩]، وهم أهل الطاعة لله وطاعة الرسول مع: ﴿النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:٦٩]، قال النبي ﷺ له: (أبشر) يعني: أنت معي في الجنة، وحديث: الذي سأل عن الساعة فقال له: (وما أعددت لها؟ قال: يا رسول الله! والله ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صيام، ولكني أحب الله ورسوله، قال: أنت مع من أحببت)، فالله تعالى يجعل لأهل المراتب الدنيا في الجنة نظرة إلى من فوقهم كما يجعل لمن فوقهم نظرة إليهم، وهذا أمر مقرر في عقيدة أهل السنة والجماعة: أن من فوق يرى من تحت وأن من تحت يرى من فوق.
وفي الجنة لا اختلاط كما هو مشاهد في الدنيا، فالله ينزع من نفس المؤمن شهوة التطلع إلى عورات الآخرين، كما أن الشهوة تنزع من الخلق في أرض المحشر، ولذلك قال ﵊: (يحشر الناس حفاة، عراة، غرلاً)، أي: في أرض المحشر، أي: على هيئتهم قبل الختان والخفض، أي: قطع القطعة الزائدة من فرج المرأة وذكر الرجل، فإن كل شيء يرد إلى صاحبه حتى الأظافر، والشعر، كل شيء أخذ منك يرد إليك، حتى هذه القطعة من اللحم الصغيرة التي أخذت من عضوك إذا كنت ذكراً أو أنثى ترد إليك وتحشر عرياناً حافياً على هذا النحو، (فقالت عائشة: يا رسول الله! ينظر بعضهم إلى بعض؟! قال: يا عائشة! الأمر حينذاك أشد من هذا)، يعني: لا يخطر ببال أحد قط أن ينظر إلى عورة أحد.
وهذا مشاهد، فلو نزل بك غم أو وصلك خبر مفزع أو أصابك هم، انصرفت شهوتك تماماً، والمتزوجون يعلمون ذلك، ولو أنك في قمة شهوتك ثم طرق الباب انصرفت شهوتك، والمتزوج يعلم ذلك، وكلنا يعلم ذلك من نفسه ومن حاله، فإذا كان هذا مجرد طارق أتى ليطرق بشر يخبرك أو بنبأ عظيم بوفاة عزيز، أو بنكبة نزلت، أو ي
стр. 137
باب في دوام نعيم أهل الجنة
قال: (باب في دوام نعيم أهل الجنة).
كما هو دوام عذاب أهل النار، وهذا دليل لمعتقد أهل السنة والجماعة: أن الجنة والنار مخلوقتان الآن لا تفنيان ولا تبيدان، (يا أهل الجنة خلود بلا موت، ويا أهل النار خلود بلا موت).
[قال أبو هريرة: قال النبي ﷺ : (من يدخل الجنة ينعم لا يبأس -أي: لا يرى بؤساً قط إنما يتمرغ ويتقلب في نعيم الله لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه)، وفي رواية: (ولا يفنى سنه)].
فليس في الجنة حساب كحساب الدنيا؛ لأن أهل الجنة على سن واحدة سيظلون كذلك فلن يصغروا ولن يكبروا، سيبقى سنك هذا باستمرار وشكلك وصورتك على نسق واحد بغير زيادة ولا نقصان، لو طال مكثك في الجنة ولابد أن يطول فلا يطرأ عليه أدنى تغير أبداً، وفي هذا الوقت لو أن الواحد منا طال عمره كل يوم وهو بصورة وشكل، وهيئة وشكل، وأخلاق وشكل، وغير ذلك.
أما أهل الجنة فليسوا كذلك، يدخلون الجنة على سن واحدة وأخلاق واحدة ثم لا يتبدلون ولا يتغيرون، يمكثون هكذا باستمرار، قال: (من يدخل الجنة ينعم لا يبأس، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه) أي: لا يكبر يظل في سن واحدة، كما أن ثيابه التي يلبسها لا تبلى ولا تفنى.
قال: [وعن أبي سعيد، وأبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (ينادي مناد: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً)].
أي: أن تعيشوا أصحاء بغير مرض، إذاً: الذي يدخل الجنة لا يمرض قط، بل يدخل صحيحاً، قوياً، فتياً، لا يصيبه الهرم، ولا كبر السن.
[(وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا -أي: حياة أبدية سرمدية، ليس بعدها موت- وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً -أي: تكونون شباباً فلا يصيبكم الهرم- وإن لكم أن تنعموا فلا تبتئسوا أبداً -أي: لا يصيبكم البؤس- فذلك قول الله : ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:٤٣])].
هذه هي الجنة، وهذه هي صفات الجنة.
стр. 138
باب في صفة خيام الجنة
قال: (في صفة خيام الجنة).
الجنة فيها خيام؛ لكن الخيام من لؤلؤ، وكل خيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة، طولها في السماء ستون ميلاً، وعرضها ستون ميلاً في الأرض، والميل يساوي كيلو واحد وسبعة من عشرة، أو واحد وأقل من سبعة من عشرة.
ولو قلنا أن هذا هو الميل الذي ذكره الرسول ﵊ هو ما يقدر بميل الدنيا فنقول: إن طول الخيمة الواحدة ستة وتسعون كيلو أو حوالي مائة كيلو، وعرضها مائة كيلو.
فتصور أن تكون أنت في خيمة طولها في السماء مائة كيلو وعرضها في الأرض مائة كيلو، والله تعالى يجعل لك أهلاً في كل زاوية من زوايا هذه الخيمة، يجعل لك واحدة من الحور العين هنا، والثانية هناك في آخر الخيمة من الناحية الثانية، وواحدة في الشمال، وواحدة في الجنوب، إذا ذهبت إلى هذه فلا تراها الأخرى، وإذا ذهبت إلى الأخرى فلا تراها الأولى، مع أنهم لو رأوا بعضهم بعضاً فلن يكون بينهم ما يكون بين الضرائر في الدنيا، ومع هذا فإن الواحد يتنقل بين أهله لا يراه الآخرون.
تصور خيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة يبلغ طولها ستون ميلاً وعرضها ستون ميلاً، ولا يمكن لأحد قط أن يتخيل ذلك ولا أن يتصوره، فالمرء يحتاج في الجنة إلى مركب ليسير في خيمته في داخلها إلا أن يحمله الله على ما شاء مما خلق.
قال: [قال أبو موسى الأشعري ﵁: قال النبي ﵊: (إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة -يعني: مفرغة من الداخل- طولها ستون ميلاً، للمؤمن فيها أهلون -جمع أهل- يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضاً)].
يعني: هؤلاء لا يرون هؤلاء.
وقال: [(في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة عرضها ستون ميلاً)].
في الرواية الأولى: طولها ستون ميلاً، وهنا: عرضها ستون ميلاً، ولا منافاة بين الحديثين؛ للدلالة أن الطول كالعرض، الطول في السماء، والعرض في الأرض.
قال: [(في كل زاوية منها أهل ما يرون الآخرين، يطوف عليهم المؤمن)].
وهذا حظ المؤمن وزيادة، أما ما في الجنة من أنهار فقد قال أبو هريرة ﵁: قال النبي ﵊: (سيحان، وجيحان، والفرات، والنيل، كل من أنهار الجنة).
أما الفرات فليس هو الفرات المعروف بأرض العراق، وإنما هو نهر يفصل بين الشام وبين جزيرة العرب، وأما سيحان وجيحان فهما نهران في أرض الأرمن بقرب الشام، وليس هما سيحون وجيون اللذان بأرض خراسان، هذه الأنهار الأربعة: سيحان، وجيحان بأرض الأرمن قرب الشام، والفرات الذي هو بين الشام وجزيرة العرب، والنيل الذي هو بأرض مصر، هي من أنهار الجنة.
واختلف العلماء في معنى أن هذه الأنهار من أنهار الجنة، فقيل: كون هذه الأنهار من أنهار الجنة أي أن ماء الجنة يصب فيها، وهذا أظهر الوجهين، وأن أصل هذه الأنهار ينزل فيه الماء من الجنة، ولذلك قال الإمام النووي: وأنها من أنهار الجنة على ظاهره، يعني ينبغي أن نعتقد أن هذه الأنهار هي من أنهار الجنة، لكن كيف أنها من أنهار الجنة؟ قال: باعتقاد أن مادة هذه الأنهار من الجنة، والجنة مخلوقة موجودة اليوم عند أهل السنة والجماعة، وقد ذكر مسلم في كتاب الإيمان في حديث الإسراء أن الفرات والنيل من الجنة، يعني: أصل خروج النيل والفرات من الجنة، وقد أورد البخاري في صحيحه حديثاً: (إن النيل والفرات أصلهما عند سدرة المنتهى فوق السماء السابعة)، فينبغي أن نؤمن بذلك ونسلم ولا نقول: كيف؟ ولماذا؟ والتأويل الثاني: أن الإيمان عم أهل هذه البلاد، فقد عم أهل الشام ومصر والجزيرة العربية، أي: أن الإيمان عم أهل هذه الأنهار وبلادها أو الأجسام المتغذية بها، فهي صائرة إلى الجنة، أو مآلها إلى الجنة، ولكن هذا تأويل بعيد، فأهل مصر الآن يهود، ونصارى، ومسلمون، وهم يتغذون بماء النيل، وماء النيل من ماء الجنة، أو النيل من أنهار الجنة، وليس المعنى أن من شرب من النيل دخل الجنة، أو من تغذى بدنه من ماء النيل دخل الجنة، بل كثير ممن يتنعم بنعيم الله من النيل وغيره إنما هو على الإلحاد، والعلمنة، والزندقة، والفسق، والفجور وغير ذلك فلا يلزم منه أن كل من شرب من نهر النيل دخل الجنة، كما هو معروف عند الناس أن الذي يشرب من النيل يرجع له، فنقول: إذا كان من أهل الإيمان مرحباً به، أو غير ذلك فلا مرحباً به.
стр. 139
باب يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير
قال: (باب يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير).
الفؤاد: هو لب القلب، وقيل: هو القلب نفسه، وقيل: هو غشاء القلب، وقيل غير ذلك، ولكن على أية حال المعنى المتبادر إلى الذهن أنه القلب.
والمعلوم أن أهل الجنة هم أهل الخوف من الله ، وهم أهل الرجاء، وأهل التوكل على الله ، قلوبهم رقيقة، والقلب يرق وقد يقسو حتى يكون أقسى من الحجارة، مع أنه قطعة لحم، ولما دخل وفد اليمن على النبي ﷺ قال: (أتاكم أهل اليمن أرق الناس أفئدة، وألينهم قلوباً، الإيمان يمان، والحكمة يمانية) إلى آخر الحديث في أوصاف أهل اليمن، والشاهد منه: (هم أرق الناس أفئدة وألينهم قلوباً)، إذاً: القلب يلين ويرق.
والله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]، فكلما ازداد العبد علماً ازداد لله خشية، وتوكلاً، ورجاء، ومهابة، وإجلالاً، فكذلك هؤلاء الفئة يدخلون الجنة قلوبهم أرق من قلوب وأفئدة الطير، والمعلوم إذا كان المعنى الخوف من الله فإن الطير معروفة بأنها أشد المخلوقات خوفاً، فإذا ذهب طفل إلى جمهرة عظيمة من الطير طارت كلها؛ خوفاً من هذا الطفل، قال النبي ﵊: (يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير) أي: في رقتها وخفتها وتوكلها على الله .
[وقال أبو هريرة ﵁: قال النبي ﵊: (خلق الله آدم على صورته)].
أي: على هيئته التي خلقه الله عليها بغير تغيير ولا تطوير، أي: من طور إلى طور ومن مرحلة إلى مرحلة، لما خلق الله تعالى آدم من قبضة قبضها من تراب الأرض جعل طوله في أول الخلق ستين ذراعاً، ومات آدم وطوله ستون ذراعاً، فلم يمر بهذه الأطوار التي يمر بها ذريته.
قال: [(طوله ستون ذراعاً، فلما خلقه قال: اذهب فسلم على أولئك النفر من الملائكة -إذاً: الملائكة أسبق في الخلق من آدم وذريته- وهم جلوس فاستمع ما يجيبونك -أي: اسمع يا آدم الإجابة على كلامك- فإنها تحيتك، وتحية ذريتك من بعدك، قال: فذهب فقال: السلام عليكم)].
فآدم لما سلم قال: السلام عليكم، ولك أن تقول: سلام عليكم كما قال إبراهيم ﵇، فكلها تحية أهل الإسلام، أما صباح الخير، ومساء الخير، وغير ذلك من الأوصاف فإنها من تحيات غير المسلمين، وقد أهدر النبي ﵊ كل ما يمكن أن يتشبه به المسلم بغيره، من الأخلاق، والملبس، والمطعم، والمركب وغير ذلك؛ حتى تكون للمسلم شخصية متميزة عن شخصية غيره من بقية الخلق حتى في السلام.
ومن المسخ في بلاد الكفار، وإن شئت فقل: في بلادنا كذلك، لكنها ظاهرة بادية في بلاد الكفار: أن الإخوة الملتحين في أمريكا وأوربا لا يسلمون على بعضهم البعض بتحية الإسلام، وإنما يسلمون بتحية أهل بلادهم، وهذه التحية لا ثواب فيها، والنبي ﵊ لما دخل عليه داخل فقال: (السلام عليكم، قال: عشراً -أي: عشر حسنات-، فلما زاد رجل آخر: ورحمة الله، قال: عشرون، فلما زاد آخر: وبركاته قال: ثلاثون، قالوا: يا رسول الله ما هذا؟) فبين أن كل واحد له من الثواب على قدر ما زاد في السلام، فأكمل التحية هي: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وقد صحح الشيخ الألباني عليه رحمة الله: أن الراد لهذه التحية لو أراد أن يزيد فيها حسناً فيقول: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته؛ حتى يكون قد أتى برد هو أحسن مما سمع.
الشاهد هنا: أن الله أمر آدم أن يذهب فيسلم على الملائكة، ففهم آدم ﵇ أو أن الله علمه ذلك أن يقول: السلام عليكم، فهذا يدل على أن هذه تحية أهل الإسلام منذ أن خلق الله آدم.
قال: [(فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزادوه ورحمة الله، قال: فكل من يدخل الجنة على صورة آدم، طوله ستون ذراعاً، فلم يزل الخلق ينقص بعده حتى الآن)].
فالخلق لا يزالون في نقصان إلى قيام الساعة.
ثم بدأ الإمام مسلم بعد كتاب الجنة في سرد الروايات عن النار وما فيها من عذاب أعاذنا الله وإياكم من عذابها، ثم يعقد مقارنة بين الجنة والنار في بعض الأحاديث، يحسن بنا أن نذكر الروايات، أو أن نتلو الروايات التي أوردها الحافظ أبو نعيم الأصفهاني في كتاب ذكر الجنة.
قال رحمه الله تعالى: الحمد لله المشكور على ما أعطى، والمجاب إلى ما دعا، والمرغوب فيما رغب فيه ومنى، أعطانا التوحيد بتعرفه إلينا، وهدانا إلى طاعته بتوفيقه لنا، ورغبنا في كرامته وجنته بعد أن حلاها لنا ورغبنا فيها، فهو السلام، وداره دار السلام -وهي الجنة-، لمن سارع إلى طاعته، وسابق إلى مرضاته، ليحظى بدخول داره التي يأمن فيها من الآفات، ويسلم فيها من العاهات، التي من دخلها أمن من البوار، وسلم من الدمار، وحظي بجوار المنعم الجبار، قال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَب
стр. 140
نعت الجنة
عن أسامة بن زيد ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يقول لأصحابه: (ألا هل من مشمر للجنة؟ فإنه لا خطر لها -أي: لا عوض لها ولا مثيل لها من المخاطرة- هي ورب الكعبة نور يتلألأ، وريحانة تهتز، ونهر مطرد -أي: مستمر دائم- وقصر مشيد، وفاكهة كثيرة نضيجة -يعني: ناضجة- وزوجة حسناء جميلة لا تموت، في خلود -أي: خلود دائم بلا موت- وحلل كثيرة، في مقام آبد، في رحبة -أي: في سعة- ونضرة، وحسن، وجمال، ونعمة دار عالية؟).
ولما سمع الصحابة هذا الوصف قالوا: (يا رسول الله! نحن المشمرون لها -أي: نحن مستعدون- قال: قولوا: إن شاء الله)، ثم ذكر الجهاد وحض عليه النبي ﷺ ، كان يشوقهم إلى الجنة، وهو يريد أن يقول لهم: هذا ثمن الجهاد.
стр. 141
الجهاد ثمن الجنة
قال ﵊: (ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة)، فلا بد أن تدفع لها مهراً وثمناً، وثمنها ومهرها أن تجاهد في سبيل الله ، ولما شوقهم إلى ذلك قالوا: (نحن المشمرون يا رسول الله فأمرنا، قال: الجهاد)، وما أحوج الأمة الآن إلى الجهاد، ومن تصور أن العز يكمن في غير الجهاد فقد أخطأ، العز مع الأعداء لا يكون إلا بالسيف والسنان، والعز مع أهل البدع لا يكون إلا بالقرآن والبيان وبالحجة، أما أهل الكفر والجحود فلا سلام معهم قط، والله العظيم لا يوجد شيء مع اليهود اسمه سلام، إذا كنا في معادلة بين تكذيب الساسة، وتكذيب الله ، فنكذب الساسة، لا يوجد شيء اسمه سلام نهائياً، اليهود لا يقرعهم إلا عصا من نار ومن حديد، أما سلام فلا، وإلا فنحن نسمع عن السلام منذ نعومة أظفارنا وما رأينا في يوم قط سلاماً، بل كله دعاوى وأكاذيب باطلة.
والنبي ﵊ لما شوق أصحابه إلى الجنة قالوا: نحن مستعدون ونحن مشمرون، قال: (عليكم بالجهاد).
والناس الآن ينظرون إلى الجهاد على أنه سفك للدماء، وخراب للديار، وتضييع للأموال، وهدم وتكسير في البنيان، ولا ينظرون إليه أنه سبب في النعيم السرمدي الأبدي في جنة الخلد، وهذا في المآل، وأما في الدنيا فهو العز والسؤدد، واليهود لا تفزعهم هذه المليارات من أعداد المسلمين أبداً، إنما يفزعهم لحية واحدة يلقونها على ساحل البحر المتوسط، تفزعهم وتقض مضجعهم؛ حتى لو كانت هذه اللحية لحية أضعف إنسان من المسلمين، فما بالك إذا كانت هذه اللحية قوية كلحية عمر بن الخطاب أو أبي بكر الصديق أو صلاح الدين الأيوبي؟! هم يعلمون جيداً أن العدو الأوحد إنما يكمن فيما أسموه هم بالأصوليين، أو بالرجعيين، أو بالوهابيين، أو بالإرهابيين، أو غير ذلك، وما هذه الحرب الضروس إلا منبتها أوامر يهودية، ولذلك مهما بلغ عدد المسلمين فإن هذا أمر لا يفزعهم، كما قال ذاك الكلب الهالك مناحيم بيغن لما دخل مدرسة من مدارس المسلمين فأبى المدرس أن يسلم عليه، وقال له المدرس: موعدنا معكم غداً في حرب ينتصر فيها الإسلام، ويهزم فيها الكفر، كما قال ﵊: (لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود فيقول الحجر والشجر: يا مسلم تعال! خلفي يهودي فاقتله)، قال مناحيم بيغن: لا يكون ذلك إلا في يوم يكون فيكم من يتمسك بدينه ويكون فينا من يفرط في دينه، يعني: مناحم بيغن فاهم الرسالة جيداً، لكن للأسف الشديد المسلمون لا يفهمون شيئاً من ذلك.
стр. 142
الحث على طلب الجنة والهروب من النار
قال النبي ﵊: (ما رأيت مثل الجنة، نام طالبها، ولا رأيت مثل النار نام هاربها)، قوله: (ما رأيت مثل الجنة نام طالبها) يعني: قصر في طلبها، (وما رأيت مثل النار نام هاربها) يعني: الذي يهرب من النار ينبغي أن يعمل لذلك، والذي يطلب الجنة ينبغي أن يعمل لها، وقال النبي ﷺ : (عجباً لمن يطلب الجنة ولا يأتي لها بمهرها، ويهرب من النار بزعمه وهو يقع فيما يؤدي إليها)، وقال في رواية أخرى: (يا قوم! اطلبوا الجنة جهدكم، واهربوا من النار جهدكم، فإن الجنة لا ينام طالبها، وإن النار لا ينام هاربها).
وقال: (إنما يدخل الجنة من يرجوها، وينجو من النار من يخافها).
وقال ﵊ في حديث أنس بن مالك: (يؤتى بأشد المؤمنين ضراً في الدنيا) أي: أبأس واحد في الدنيا من أهل الإيمان يؤتى به، والنبي ﷺ يقول: (أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل)، وربما يكون العبد طائعاً لله ويبتلى، وهذا البلاء أو الابتلاء على مرتبتين: إما أن تكون صاحب معصية فينزل عليك البلاء حتى يمحو الله هذه الخطايا والسيئات، والإنسان عبد مذنب، والنبي ﷺ يقول: (كل بني آدم خطاء)، وهذا لفظ عموم (وخير الخطائين التوابون) إذاً: افرض أنك عبد أخطأت ولم تدركك التوبة أولم تتب، فينزل عليك البلاء فيكون هذا البلاء كفارة لذنوبك.
ولذلك يقول الرسول ﵊ كما في رواية الترمذي من حديث أنس: (وإن الله تعالى يصب البلاء على عبده صباً حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة)، فالبلاء له قيمة عظيمة جداً، البلاء من الأدواء، والأسقام، والعلل، والأمراض، والهموم، والغموم، وغير ذلك مما يصيب العبد، فإن ذلك يصيبه لمصلحته، وإن العبد يجزع، ويفزع، ويغضب إذا نزل به بلاء، وربما تسخط القدر وسأل الله تعالى: لماذا يا رب تعمل بي ذلك؟ وهذا كفر واعتراض على الله تعالى في أقداره، وأقدار الله تعالى كلها رحمة وخير وبركة، فينبغي إذا نزل بالعبد الضر أن يؤمن بذلك، وأن يرضى به، كما يقول العلماء: الصبر على البلاء قضية كل مسلم، والرضى بالبلاء لا يكون إلا من العباد، تصور بلاءً ينزل عليك وتصبر عليه هذا هو الواجب عليك، وهذا عمل الكبار من أهل الطاعة من الأئمة والعلماء وغيرهم.
قال: (يؤتى بأشد المؤمنين ضراً -أي: يوم القيامة- فيغمس في الجنة غمسة ثم يقال له: هل رأيت ضراً قط؟ فيقول: لا يا رب، ويؤتى بأنعم أهل الدنيا -أي: من أهل الكفر- ويغمس في النار غمسة واحدة، ثم يقال له: هل رأيت نعيماً قط؟ فيقول: لا يا رب).
إذاً: هذا الحديث عند الإمام مسلم أمر مطمئن جداً للقلب، فمهما نزل بك من ضر فاعلم أن ما عند الله خير لك وأبقى، فتصور لما ينزل بك من الضر ما نزل ثم يؤتى بك يوم القيامة فتغمس في الجنة غمسة، تنسى كل بلاء، تنساه تماماً حتى يكون السائل لك هو الله فيقول لك: (عبدي هل رأيت بؤساً قط) أي: في حياتك، فتقول: لا والله.
стр. 143
شرح صحيح مسلم - كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها - أول زمرة تدخل الجنة في صورة القمر
لقد جاءت الأحاديث الشريفة تصف لنا الجنة وما فيها من النعيم المقيم؛ لتحثنا على الجد والعمل لطلبها، وقد جاء فيها: أن أول زمرة تلج الجنة صورهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون فيها ولا يتمخطون ولا يتغوطون، آنيتهم من الذهب والفضة، ومجامرهم من الألوة، ولكل واحد من أهل الجنة زوجتان يُرى مخ ساقها من وراء اللحم، قلوبهم كقلب رجل واحد، فهم في نعيم دائم لا ينقطع.
стр. 144
باب في صفات الجنة وأهلها وتسبيحهم فيها بكرة وعشيا
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، أما بعد:
стр. 145
شرح حديث: (أول زمرة تلج الجنة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن رافع، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ فذكر أحاديث منها: وأنتم تعلمون أن هذا السياق الإسنادي إنما ينظم إلى ما تسمى بصحيفة همام بن منبه عن أبي هريرة.
قال همام: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: كيت وكيت وكيت مائة واثنين وأربعين حديثاً، جمعها الإمام أحمد في مسنده، في المجلد الثاني من مسند أبي هريرة، فذكر أحاديث منها: وقال رسول الله ﷺ : (أول زمرة تلج الجنة)].
وكلمة (تلج) بمعنى: تدخل.
ولكن الولوج فيه معنى زائد على الدخول، كأنه الدخول بقوة، ولذلك: (أتى رجل إلى النبي ﵊ فاستأذن قال: أألج يا رسول الله؟) يعني أأدخل يا رسول الله؟ (فقال النبي ﵊ لـ أنس: اذهب فعلمه كيف يستأذن.
فخرج إليه أنس فقال: إذا أردت الاستئذان فقل: أأدخل ولا تقل أألج؟).
فكأن الله كافأ عباده المؤمنين الذين يدخلون الجنة أنهم يدخلونها دخولاً قوياً، فالولوج يناسب الجنة ولا يناسب الدنيا، ولذلك أنكر النبي ﵊ على من أراد أن يلج في بيته، وأثبت أن دخول الجنة هو دخول وزيادة، والزيادة هي الولوج.
قال: [(أول زمرة)] أي: أول عصابة، ومجموعة، وفوج يدخلون الجنة [(صورهم على صورة القمر ليلة البدر)] وهذا لا يلزم المماثلة والمشابهة في الصورة من جميع الوجوه.
فقولك: فلان مثل فلان، لا يلزم أنه مثله في الطول، والعرض، واللون، ولون العينين، وطول اللحية، ولون اللحية، وفي الأخلاق، والهدي، والسمت، لا يلزم أن يكون كذلك، وإنما تقول: محمد كأحمد.
أي: في الأدب.
محمد كإبراهيم.
أي: في حسن الخلق.
محمد كزيد.
أي: في الطول.
محمد كإبراهيم في العرض.
لا يلزم أن تكون المماثلة من كل زاوية وناحية، إنما يقال: فلان كفلان في بعض الشبه، وفي بعض الصفة، ولا يلزم أن تكون المماثلة في كل الصفات، فهكذا النبي ﵊ شبه أول زمرة تدخل الجنة: (أنها على صورة القمر ليلة البدر)، وتسميته للقمر ليلة البدر يعني: في شدة وضاءته وجماله وحسنه وتمامه، فهذه الزمرة التي تدخل الجنة تكون صورهم كصورة القمر لا أنهم أقمار، فلا يكون الإنسان قمراً كما لا يكون القمر إنساناً، لكنه شبه الداخل أولاً إلى الجنة بأن صورته كصورة القمر، وفي الحديث أن النبي ﵊: (كان إذا سر من شيء تهلل وجهه كأنه القمر ليلة البدر).
وفي الحقيقة ليس هو كالقمر في ليلة البدر، وإنما هذا تشبيه في أحد الأوصاف، كان إذا ضحك، وتبسم، وتهلل وجهه يفرح الإنسان الناظر إليه أكثر من فرحه أو كفرحه إذا نظر إلى القمر ليلة البدر.
ثم قال: [(لا يبصقون فيها)].
والبصق هو التفل.
وهذا يدل على ذم هذه الصفة في الدنيا، إذا سرت في الطريق فرأيت رجلاً يبصق على الأرض فلابد أنك تتأذى منه.
ثم قال: [(ولا يمتخطون)].
أي: من النخامة، والنخاعة، وأنتم تعلمون: (أن النبي رأى رجلاً يتنخم في قبالة المسجد، وكان إمام قومه فقال النبي ﵊: لا يصلين لكم -أي: لا يؤمكم بعد ذلك- فلما أتى ليؤم الناس منعوه وقالوا: إن رسول الله منعك أن تصلي بنا إماماً، فذهب إلى النبي ﵊ وقال: أمنعتني يا رسول الله أن أصلي بالقوم؟ قال: نعم؛ لأنك آذيت الله ورسوله بالنخامة في المسجد).
وفي الحديث: (وجد النبي ﵊ نخامة في جدار المسجد أو في قبالته فحكها ﵊.
وفي هذا دليل على تواضعه ومراقبته لحرمة بيوت الله .
وقال: (إذا وجد أحدكم النخامة فليدلكها بقدمه).
أي: إذا كانت طرية.
وفي قول له: (إذا وجد أحدكم النخامة في المسجد فليحكها بأظفره).
وهذا إذا كانت يابسة جافة.
قال: [(لا يبصقون فيها، ولا يمتخطون، ولا يتغوطون فيها)].
ومع هذا النعيم الذي يأكلونه ويتلذذون ويتنعمون به في كل وقت وحين لا تنقطع لهم لذة ومع هذا فهم لا يتغوطون، ولا يبولون، ولا يمتخطون، ولا يتفلون.
قال: [(آنيتهم، وأمشاطهم من الذهب والفضة)].
أي: الأواني التي يأكلون فيها، والملاعق التي يأكلون بها من الذهب والفضة، ومن أكل في هذه الأواني في الدنيا لابد وأنه سيحرم منها في الآخرة، والجزاء من جنس العمل، والنبي ﷺ يقول: (إن الذي يأكل في آنية الذهب والفضة كأنما يجرجر في بطنه نار جهنم) أي: من أكل بهما في الدنيا كأنه
следующие страницы →