Полный текст (152 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وَأَنتَ محمّد للمجدِ تَهدي ... لِذا سمّاك آلكَ بالعليِّ
فَسُبحانَ الّذي سوّاك يا من ... يذكّر بِالجمالِ اليوسفيّ
وَإِن شِئنا نَقول اليومَ شمنا ... تَباشيرَ الكمال الآصفيِّ
أَلا اهنأ يا أَخا العبّاس واصعد ... ذُرى العلياءِ يا أَولى وليِّ
وهنا لا أستطيع أن أصف كيف كان تحرّجي في هذا الموقف الضيّق، إذ كنت منه بين عاملين عظيمين يتنازعاني إيجاباً وسلباً: فبينما أرى أنّه من حقّ القوم عليّ أن أحيّيهم وأشكر لهم مجاملتهم ومروءتهم في خطبة مثل خطبهم، قياماً بالواجب المفروض على الإنسان للإنسان من جهة دينه وأدبه، خصوصاً في مثل هذه الظروف؛ وقد قيل من صنع معكم معروفاً فكافئوه؛ وقيل أيضاً من لم يشكر الناس لم يشكر الله؛ وفوق هذا وذاك قول الحقّ جلّ شأنه: (وَإِذا حُيّيتم بِتحيّةٍ فَحيّوا بِأَحسنَ مِنها أَو ردّوها)، إذ أجد أنّ مقتضى السياسة الحاضرة يحظر على مثلي أن يقف خطيباً في هيئة عامّة كهذا المحفل الكبير، مخافة أن ينقلب الاجتماع من عادي بسيط إلى سياسي محض، فإنّه ما أسرع ما تحيط الظنون والأوهام بالأحاديث التي يلقيها الأمراء والحكّام في المجالس الرسميّة أو الشبيهة بها، ويتناقلها الناس بعضهم عن بعض. وقلّ في الناقلين من لم يشوّه وجوه الأخبار ويمسخ صورها، ومن لم تحمله نزعته على أن يذهب بها وفاق الأغراض والغايات. ولا على مثل هذا أن يفعل غير مبال إذا هو وافق المصلحة العامة أو
خالفها، بل إذا ترتب على فعله شقاء أمّة بأجمعها. وكثيراً ما ينتفع سماسرة السوء وأعوان الشرّ من مثل هذه الفرصة، وينتهزونها لإلقاء الدسائس وإثارة الوساوس بما اعتادوه من الشغب وإقلاق الخواطر. ومن العجيب أنّ هؤلاء يستطيعون أن يرتّبوا أخطر الأعمال على أوهن الأسباب،
стр. 107
ومتى أرادوا أن يحاولوا أمراً من الأمور لا يعدمون له وسيلة ولا يفقدون فيه حيلة. إذن، فماذا عساني أن أصنع ولا محيص من الكلام مع هؤلاء الخطباء الكرام، لاسيما وأن فيهم عطوفة الوالي وقومندان الجيش وأركان الولاية إلى غير ذلك ممّن عرفت أنّه لا يحسن السكوت في إجابتهم؟ نعم، إنّي قمت وأجملت في أقل ما يمكن من الكلام ما كان يجول في نفسي من إظهار عواطفي نحو الجماعة وشكرهم على ما لاقيته من كرمهم ولطفهم. وقلت في ختام مقالتي، بعد أن دعوت الله لهم ولجلالة السلطان، أنّي أرجو لبلدكم هذا مستقبلاً جميلاً في عهد عطوفة الوالي، وأنّكم بهمّته ونشاطه ستبلغون، إن شاء الله، أسمى المقاصد وأعلى المطالب، فإنّه من خير الرجال المخلصين والحكّام العاملين دائماً على سعادة بلادهم وراحة شعوبهم. ثمّ عدنا إلى الفندق مودّعين من لدن صاحب العطوفة فخري باشا بكلّ تجلّة واحترام. وقد بيّتنا النية على الرحلة من حلب في صباح يوم الثلاثاء ٢ربيع الثاني سنة ١٣٢٨. ولابدّ لنا إن شاء الله من ذكر كلمة عن حلب الشهباء وفاء بحقّها، وقد كانت من أجمل بلاد الشام وأعظم مدائنها عمارة وحضارة، لاسيما وقد رأينا من معروف أهلها وودادتهم ما لا ننساه لهم على طول الحياة، وما لعلّنا إذا ذكرنا شيئا منه نكون قد أدّينا الواجب علينا تلقاء ما صادفناه من شهامة هؤلاء القوم ومروءتهم العالية.
حلب
هذه المدينة واقعة على الدرجة ٣٦ و١١ دقيقة و٣٢ ثانية من العرض الشمالي ويبلغ ارتفاعها عن سطح البحر نحو ٣٢٠ متراً، وهي قائمة في سهل منخفض على حدود الصحراء تحيط بها تلول كثيرة، ويرى حواليها آثار أبنية قديمة تدلّ على أنّ هذه البلد كان محاطاً بسور كبير ضخم، بل إن أثر السور نفسه لا يزال قائماً في بعض نواحيها إلى الآن، وله أبواب عدّة تسمّى بأسماء مختلفة، فمنها باب النصر وباب الفَرَج وباب الجنين وباب أنطاكية، لأنّه قائم على طريق أنطاكية الّتي هي على
стр. 108
مسافة نحو ستّين ميلاً من مدينة حلب، وباب قنسرين وباب المقام وباب التراب وباب الأحمر وباب الحديد، وفي الجهة الشمالية الغربية يجري نهر قويق، وهو نهر جميل كثير السمك، ويكثر فيه على الخصوص نوع من هذا يسمّى بالثعابين. وهناك يجري نهر آخر يسمّى شالوس وهو ينبع على بعد بضعة أيام من الجهة الشمالية ويصب في مستنقع يبعد عن جنوب المدينة بنحو خمس ساعات ونصف تقريباً.
تاريخ المدينة
أمّا المدينة فقديمة جدّاً واختلف في بانيها على جملة آراء، منها أنّ حلب بن المهر أحد بني الحان بن مكنف من العماليق هو الّذي اختطّ هذه المدينة وسمّيت باسمه سنة ٣٩٩٠ لآدم، وذلك بعد ورود إبراهيم إلى الدّيار الشامية بمدّة ٥٤٩ سنة هارباً من راميس ملك أسور، وأن العمالقة كانوا جعلوها حصناً لأنفسهم وأموالهم، بعد أن فتح يشوع بلادهم ولم يزالوا عليها إلى أن أخذها منهم داود، وكثر ذكرها في تاريخ العرب وشعرهم. وهي بما حوت من جمال الجوّ وحسن البقعة وجودة الهواء جديرة بذلك الذكر والإطراء، ثمّ إنّه يحيط بها في ضواحيها المباشرة حدائق غنّاء وبساتين بهيجة، أكثر غرسها من شجر الدلب، وشجر آخر يسمّى لسان
العصفور، وشجر الحور الأبيض، وشجر الغَرَب وكذلك النبق والجوز والسفرجل والفستق والزيتون. وهذه الخضرة المتجاوزة حدّ الجمال تبتدئ على بضع ساعات من الجهة الشمالية وتنقسم الأرض في ضواحيها إلى ثلاثة أقسام، الأوّل: الجهة الّتي
стр. 109
يكثر فيها الطمي الرملي من الوادي، والثاني: أرض محمرّة في لون الطوب، وفي هذه الجهة ينبت صنفا القمح والفستق وينجحان نجاحاً مدهشاً، وأحسن ما ينبت الفستق ويفلح إذا كان في الجهات الشرقية حيث كان يستجلبه الإمبراطور قينليوس أحد أباطرة الرومان، في عصر نيرون صاحبه وشريكه في مظالمه المشهورة، النوع الثالث: الطمي الأسود الّذي بمجرّد ما جف يتفكّك كليّة ويتحوّل إلى تراب ناعم، وتستقى المدينة وما يحيط بها من المزارع والبساتين من قسم من ماء نهر قويق ومن قسم آخر يفرق عند وصول النهر المذكور إلى قرية هيلانة، وهي قرية بنتها قديماً الملكة هيلانة أمّ الملك قسطنطين الأوّل. وهذه المياه تصل إلى داخل المدينة وتتوزّع على جملة جهات فيها بواسطة قناة.
أمّا الجوّ في تلك الجهة فهو بارد في فصل الشتاء، ويقال إنّه يكثر سقوط الثلج والبرد في هذا الفصل أيضاً، ومن ثمّ لا تعيش هناك أشجار البرتقال. وفي الصيف ترتفع الحرارة وتشتدّ أكثر منها في مدينة بيروت، ولكنّ الهواء جاف تلطّفه كثيراً نسمات الشمال العليلة. ثمّ إن حلب هي مركز الولاية الّتي تشمل الشام الشمالية كلّها، وحدودها تصل إلى نهر الفرات. ويقدّر عدد سكّانها الآن بنحو ٢٠٠ ألف نفس، والثلثان من هذا العدد مسلمون، والثلث الباقي من طوائف مختلفة، فمنه: ١٢ ألفاً من الروم ومثلهم من اليهود و ٤ آلاف من الأرمن، والباقي بعد ذلك خليط من الأرمن المتحدين والمارونيين والكاثوليك. ويوجد فيها جمعية بروتستانتية للإنجليز وفيها عدّة مدارس اِبتدائية وثانوية، بعضها لطائفة الفرنسيسكان، وفيها أيضاً مدرسة للبنات تديرها راهبات القدّيس يوسف. وعلى
مسافة أربعين كيلومتراً من شمال المدينة، يبتدئ خطّ الانفصال بين اللغتين العربية والتركية. ثمّ إن أهل المدينة يتكلمون بالعربية، وهم مع ذلك يجيدون اللغة التركية نطقاً وفهماً أكثر من أهل دمشق، ولعلّ ذلك لأنّهم قريبون من جهة الأناضول. وقد يلاحظ أنّ اللهجة العربية في حلب لا تفترق كثيراً عن لهجات سائر مدن الشام. وعدد الإفرنج فيها أكثر من عددهم في مدينة دمشق، ولعلّ السبب في ذلك هو أن حلب بمثابة مستودع لكثير
стр. 110
من متاجر الأوربيين بحكم مركزها الجغرافي، إذ هي واقعة بين جملة طرق. وقد أخذت هذه المدينة تتحوّل قليلاً عن شكلها الشرقي، وصناعتها الوطنية تكاد تتلاشى في جانب الصناعة الأوربية. ولا سبب لهذا، فيما يغلب على الظنّ، إلا تلك العلاقات الّتي كانت ولا تزال بين هذه المدينة وبين الغرب منذ العصور القديمة. وهي، في مقابل ما تستورده من مصنوعات أوربا وتستجلبه من بضاعتها، تصدّر إليها الأشياء الأوّلية الآتية: وهي الغلال والصوف والقطن (الّذي لا تزال تزداد زراعته سنة بعد أخرى) والعصف والصمغ والسمسم والجلد على اِختلاف أصنافه. ويقال إن صادرات هذا البلد بلغت إلى نحو مليون ونصف من الجنيهات. وقد علمنا أنّ أكثر ما يصنع من الأنسجة الحريرية والصوفية وغيرها يصدّر معظمه إلى جهة الأناضول. ومن تاريخ حلب أيضاً أنّه جاء ذكرها في الآثار المصرية منذ ٢٠٠٠ سنة قبل الميلاد. وقد ذكرها سلمنذار ملك آشوريا، وهو الّذي فتح مدينة سامرا وفرض الجزية على بني إسرائيل، ثمّ محا ملكهم حيث أخذهم وملكهم أسرى في سنة ٨٥٤ قبل الميلاد وقد قرّب فيها قرباناً إلى الإله حداد وزاد في اتّساعها بعده الملك سيلوكوس نيكاتور. حكم هذا الملك على بابل بعد وفاة الإسكندر وجمع تحت لوائه الشام وأرمينيا والعراق وقسماً من آسيا الوسطى، وهو مؤسّس الأسرة الملوكية الّتي حكمت الشام زماناً وكانت تلقّب باسمه (نيكاتور)، وهو أيضاً الّذي أطلق على حلب اسم بيرواه.
وفي سنة ٦١١ بعد المسيح دهمت هذه المدينة بحريق عظيم. ويقال أن إحراقها في ذلك العهد كان بأمر من كسرى الثاني ملك العجم. ثمّ وقعت في أيدي العرب تحت قيادة أبي عبيدة بن الجراح بدون أدنى مقاومة في سنة ١٤٥ للهجرة. وذلك أن أبا عبيدة، ﵁، لمّا فرغ من قنسرين، سار إلى حلب فبلغه أنّ أهل قنسرين نقضوا وغدروا، فأرسل إليها جماعة وسار هو حتّى وصل إلى ظاهر حلب، وهو قريب
стр. 111
منها فجمع أصنافاً من العرب وصالحهم على الجزية ثمّ أسلموا بعد ذلك. وأتى حلب، وعلى مقدّمته عياض بن غنم الفهري، فتحصّن أهلها وحاصرهم المسلمون، فلم يلبثوا أن طلبوا الصلح والأمان على أنفسهم وأولادهم ومدينتهم وكنائسهم وحصنهم فأعطوا ذلك، واستثنى عليهم موضع المسجد. ومن هذا الحين أخذت البلد تتقدّم وتزداد أهميّتها. وكانت عاصمة ملك سيف الدولة بن حمدان من سنة ٩٣٦ إلى سنة ٩٦٧ ميلادية. وفي سنة ٩٦١ استولى عليها البيزانطيون تحت رياسة نقفور ولكن لم يستطيعوا الاستيلاء على حصنها، ثمّ جاءت بعد ذلك الحروب الصليبية. وفي سنة ١١١٤ هدمتها الزلازل. وفي سنة ١١٢٤ حاصرها الملك بيدوين، أحد ملوك الصليبيين، ولكنّه لم يتمكّن من الاستيلاء عليها. وفي سنة ١١٣٩ عاودتها الزلازل ثانية، ثمّ رجعت ثالثة وكانت في الأخيرة أشدّ منها في الأوليين، وذلك في سنة ١١٧٠، فجدّد عمارتها وأعاد إليها سيرتها المرحوم السلطان نور الدين الشهيد. كما أنّه بنى القلعة، ثمّ هدمها المغول تحت رياسة هولاكو في سنة ١٢٦٠، ثمّ أعادوا الكرّة عليها في سنة ١٢٨٠. وفي عهد سلاطين المماليك بمصر، كانت حلب عاصمة الشام الشمالية. وفي سنة ١٤٠٠ خرب المدينة تيمورلنك، بعد واقعة هائلة على الأبواب هزم فيها السوريون شرّ هزيمة. وفي سنة ١٥١٦ افتتحها السلطان سليم ومحا آثار سلطة المماليك منها. ومنذ ذلك العهد وهي قاعدة ولاية. وإذا كانت حلب قد استطاعت،
على الرغم من كلّ هذه الحوادث المتكرّرة والمصائب المتتابعة، أن تقوم من وهدتها لامّة شعثها رافعة رأسها حافظة لكيانها ومكانها، فذلك إنّما هو بفضل مركزها الجغرافي والتجاري. أمّا مركزها الجغرافي، فلأنّها قائمة على طريق العجم والهند. وأمّا مركزها التجاري، فلأنّ تجارة الحرير والأقمشة والأجواخ والأحجار الكريمة، كلّ هذه التجارات في ذلك البلد نامية زاهرة. وعلى الجملة، فإنّ حلب هذه هي أحسن نقطة في كلّ الولاية. ولذلك اتّخذها أكثر الملوك الفاتحين عاصمة ملكهم. ويقال إنّ جدّنا المرحوم إبراهيم باشا كان قد اتّخذها مركزاً للجنود والعساكر.
стр. 112
بيوت المدينة
وقد كنّا نشاهد أثناء مرورنا في طرق المدينة وشوارعها أنّ البيوتات في معظم الجهات مبنيّة من حجارة منقوشة مزخرفة لا فرق في ذلك بين طبقاتها العليا وأدوارها السفلى، وقد أعجبني كثيراً ما رأيته من تلك النقوش البديعة المحفورة في نفس الأحجار بغاية الدقّة والإتقان. ومن ذلك عرفت أنّ لأهل هذا البلد مهارة فائقة وحذقاً عجيباً في صنعة النقش الحفري الّذي يظهر فضل الصانع فيه على الأحجار أكثر مما يظهر على غيرها، فكان ذلك مصدّقاً لما اشتهر عنهم منذ زمان بعيد. ثمّ رأينا في بعض أحياء البلد أبنية حديثة العهد على النمط الأوربي، ولم نستغرب أن نمرّ من شوارع البلد في بيوت على الطراز الجديد وأنّ سكانها أكثرهم من ثراة المسيحيين، وهناك حي آخر يسكنه جماعة اليهود.
السفر من حلب
وأنه ما كادت تشرق علينا شمس يوم الأربعاء ٤ ربيع الثاني سنة ١٣٢٨ حتّى كنّا تأهّبنا للسفر. وكان قد حضر إلينا جمّ غفير من أهل المدينة، فركبنا العربات من
باب الفندق إلى المحطّة. وهناك كان في انتظارنا زحام شديد من المودّعين الكرام، يتقدّمهم جميعاً عطوفة الوالي وأركان الولاية وأصحاب الحيثيات الكبيرة. وبعد أن تبادلنا السلام والشكر، وودّعنا من حضراتهم جميعاً بما لا يتّسع المقام لشرحه من التجلّة والتفخيم، نزلنا في الصالون الخاص وكانت المحطّة لا تزال تموج بالناس موجاً. وما هي إلا لحظة وتحرّك القطار في طريق حمص، وإذ ذاك لا أستطيع أن أعبّر عن سروري وابتهاجي بأولئك الحلبيّين الأفاضل الّذين لم يتركوا في سبيل راحتنا وانبساطنا شيئاً إلا فعلوه. وقد نزل معنا في القطار الوفد الّذي كان قد عين لاستقبالنا
стр. 113
في طرف الولاية عندما حضرنا، وما فتئ ابن البخار يتابع السير على عجل إلى أن وقف على محطّة حماة الّتي كان ينتظرنا على إفريزها صاحبا الوجاهة والفضل، زعيم أسرة الكيلانية الشهيرة ورئيس أسرة الأزهري، مظهرين لنا مزيد الأسف لما فاتهما أوّلاً وآخراً من نزولنا في بلدهم. وقد كانا يودّان كثيراً أن ننزل ضيوفاً عليهما، ولو زمناً يسيراً، فشكرتهما واعتذرت إليهما بضيق الوقت. وفي تلك الأثناء عرضت عليّ جملة خيل من الّتي اشتهرت عندهم بالقوّة والجلد والصبر على احتمال المتاعب والمشاق، فما وجدت فيها ما يروّجها من المحاسن والمميزات الّتي تعشق بها الخيل وتقتنى من أجلها الجياد. وهنا ودّعنا حضرات أصحاب السعادة والفضل، مرعي باشا وقومندان الجندرمة وبقيّة الوفد، وكررنا لهم شكرنا، وعدنا بأجمل الثناء على عطوفة الوالي الّذي بذل كلّ عنايته في إدخال السرور علينا من كلّ طريق. ثمّ تحرّك القطار متّجهاً إلى حمص الّتي وصلنا إليها، دون أن نشعر من هذا السفر بتعب أو قلق، بل كان ارتياحنا إلى تلك المدينة لا يقل عن ارتياح الإنسان إلى مسكنه ووطنه، لما كنّا نجده دائماً من لطف سعادة عبد الحميد باشا الدروبي وكرمه، خصوصاً بعدما تردّدنا على هذه البلد وأوينا إليها مرّة بعد أخرى. وحينما وصلنا إلى المنزل الّذي وصفنا جماله في
الدفعة الأخرى، حضر إلينا زائران: أحدهما شيخ كبير من المعروفين في ضواحي حمص بالصلاح والتقوى، والثاني أمير من أمراء المغرب، وهو نجل الأمير محمد المنبهي الّذي كان ناظر الحربية في مملكة مراكش فاستقبلناهما بما يليق بمقامها من الاحترام.
حديث الأمير المغربي
وما كاد يستقرّ بالأمير مجلسه حتّى أخبرنا عن قصّته في أيّامه الأخيرة، فقال إنّه كان قائداً من قوّاد الروجي الّذي كثيراً ما ألحّ في حرب سلطان المغرب واشتدّ عليه، وأنّه كان من أجل ذلك يحارب في الجملة والده، ضرورة أنّه كان إذ ذاك وزير
стр. 114
الحربية وفي جند السلطان وعسكره إلى أن قال إنّ الروجي كان أرسله إلى السلطان عبد الحميد في مهمّة تخصّه، وبينما كان في إسلامبول لأداء تلك المأمورية، إذ فجع بخبر قتل الروجي في واقعة، فما زال بعد ذلك مقيماً هناك متحيّر الفكر لا يدري ماذا يصنع به، وقد عدم وليّه ونصيره. ثمّ قال: ومن سوء حظّي أيضاً أنّه كان معي في تلك الرحلة ولداي الصغيران وامرأتي، ولما أن ضاقت في وجوهنا أبواب المعاش وأسباب الرزق اضطررنا إلى الهجرة من إسلامبول إلى مدينة حمص. وما فتئنا مقيمين بها إلى هذا اليوم في أحد المنازل الصغيرة. هذا طرف من حديثه معنا. وكان أخبرني سعادة عبد الحميد باشا الدروبي أنّ هذا الأمير رفيع النفس، وقد حاول بعض المحسنين أن يصله ببعض المال فأبى، وما علمنا أنّه نزلت به نفسه وقتاً ما إلى قبول صدقة الناس ولا إحسانهم، وأنّه من وقت أن جاء هذا البلد وعرفناه إلى الآن وهو إنّما يعتاش من فضل مكسبه الّذي يستحصله من كدّه وعمل يده، فاستغربت قصّة هذا الأمير من حديث الباشا وقلت في نفسي: لله هذه العفّة النادرة من رجل غريب في تلك البلاد البعيدة. وإن مثله لو مدّ يده لأهل المروءة واليسار لنال من مالهم ما يجعله في
غنى عن الكدّ والكدح طول حياته، لأنّ الناس مدفوعون بطبيعتهم إلى معاونة أمثاله. وفي المجلس ناولني ذلك الأمير عريضة يرجوني فيها أن أتكلّم مع والده في طلب العفو عنه. أمّا أنا فما كدت أقرأ هذا الطلب في عريضته حتّى ارتبكت وتحيّرت في مسألته، إذ لم يكن يرضيني أن يعيش هذا الأمير وهو لا يزال غضّ الشباب تلك العيشة المرّة، ويقضي حياته الطويلة بعيداً عن بلده وأهله وأصحابه متجشّماً مصاعب العيشة، معانياً متاعب الحياة أشدّ ممّا يعانيه الفقراء البائسون. وإنّي لأرأف الناس به وأشفقهم عليه من حين بلغني تاريخه. ومن ذا الّذي يكون في قلبه مثقال ذرّة من الشفقة ولا يتألّم لهذا الأمير أو لا يريد أن يكرمه، وقد أصبح بعد العزّ ذليلاً وبعد الغنى فقيراً، وصار يعدّ من أفراد الناس وعامّتهم بعد أن كان لا يحسب إلا في أمراءهم وسادتهم وعظمائهم وقادتهم؟ ولكن ماذا عساني أن أصنع في مسألته، إذا كان لا يقبل منّة أحد عليه صغيراً أو كبيراً؟ كما أنّه ليس من المستطاع بوجه من الوجوه أن أخاطب والده في طلب العفو عنه بعد أن جرى بينهما ما كان جرى من المحاربة والمخاصمة. وما يدرينا؟ لعلّ في المسألة سرّاً أبعد من
стр. 115
كلّ ذلك. فإن والداً يقسو على فلذة كبده إلى حدّ أن لا يفرض له وجوداً طول هذه المدّة، ليس مما ينبني على أسباب بسيطة أو يترتّب على حوادث هيّنة. ولهذا لم أجد لي جواباً سوى السكوت، وقد كنّا بحسن المصادفة مطلوبين لتناول الطعام.
السفر من حمص
وحين بزغت شمس اليّوم الثاني جهّز لأجلنا أربع مركبات، كان من ضمنها مركبة سعادة عبد الحميد باشا الدروبي الخاصّة وثلاث من مركبات الإيجار، فركبت العربة الأولى ومعي سعادة الباشا المذكور. وركب حضرة عزيزنا أحمد بك العريس ومعه محمود خيري أفندي عربة بعدنا، أمّا العربتان الباقيتان فقد ركبهما
اثنان من توابعنا، ومع كلّ واحد منهما بعض المتاع الخاص بنا. وقصدنا إلى طرابلس حيث إنّه لم يمد إلى الآن خط حديدي يربط بين حمص وبين طرابلس ولا يزال المسافرون من هذه إلى تلك يركبون إمّا العربات أو الدواب. وعلى كلّ حال فإنّ السفر في هذا الطريق سهل، بل هو في المعنى أشبه بالفسحة الرياضية لما يصادف المسافر فيه من الأغراس اليانعة والأحراش الجميلة. ثمّ إننا قبل أن نتحرّك ودّعنا سعادة متصرّف المدينة وحضرات الحكام وأكابر القوم الّذين كانوا قد حضروا إلى دار سعادة الباشا لهذا الغرض، وشكرناهم وذكرنا لهم معروفهم في غير مرّة بغير عبارة. وبعد ذلك ابتدأنا السير، وكان أمام عربتنا أربعة من عساكر الجندرمة، وأربعة آخرون مثلهم من خلفنا. وما برحنا نواصل السير في ذلك الطريق حتّى وصلنا إلى سرادق جميل كان قد أعدّه لأجلنا بالخصوص حضرة المفضال محمود بك أحد زعماء مشايخ الدنادشة. وكانت مسافة مسيرنا منذ خرجنا من حمص حتّى وصلنا إلى هذه النقطة لا تبلغ أكثر من نصف ساعة.
في الطريق
وهناك كان ينتظرنا حضرة البك المذكور مع لفيف من أسرته الكريمة، بينما كان
стр. 116
نحو مائة وخمسين فارساً مصطفّين على خيلهم أمام تلك الخيمة بغاية النظام. وقد كان بين ظهرانيهم فتاتان من بنات العرب مثقلتين بالحلي على لبوسهما العربي اللطيف، وفي إحدى يدي كلّ واحدة منهما سيف وفي الأخرى منديل، ثمّ هما كانتا تغنّيان بين هؤلاء الفرسان لأجل تشجيعهم وتهييج عاطفة الفروسية فيهم. وقد نزلنا من العربات ودخلنا ذلك الصيوان، وبعد أن أخذنا منه مجالسنا قدّمت لنا القهوة ثمّ الشراب. ولم نلبث بعد أن شربناهما إلا مسافة عشر دقائق، ثمّ قمنا فمررنا أمام أولئك الفرسان الّذين كان يركب أغلبهم أفراساً تتبعها أولادها المهارة. وإذ ذاك أخذ العرب الخيالة يتبارون في اللعب ويتغالبون على الخيل، وفي أيديهم بنادقهم
على نحو ما يرى في الملاعب والميادين، ممّا يسمّى في عرف العامّة بالبرجاس. وقد خفت حينئذ أن ينفلت رصاصهم على غير عمد فيصيب أحداً، لأنّ بنادقهم كانت من الطراز الحديث، وهي من النوع الّذي لابدّ لإطلاق عبوته الهوائية من وجود الظروف الرصاص فيها أوّلاً. ولذلك طلبت إليهم أن يكفّوا عن الضرب في ذلك الملعب. وفي تلك الأثناء كانت البنتان تدوران حول الخيالة من هنا وهناك، وتترنّمان بأناشيد الحبّ ونغمات الطعن والضرب. فكانتا تنبّهان بذلك الغناء المؤثّر عواطف الفوارس، وتحرّكان فيهم غريزة الحميّة والشجاعة حتّى أخذت الحماسة من نفوسهم مأخذاً عظيماً. وما زالوا كذلك حتّى ركبنا العربات وركب حضرة محمود بك فرساً وسار بجانب عربتنا، وتبعه جميع الخيّالة من خلفنا وأمامنا وعلى جانبينا أيضاً، وهم بين أن يعدوا سراعاً ويعدوا بطاء ويتنوّعوا في ألاعيبهم الحماسية، جرياً ووقوفاً ودفاعاً وهجوماً إلى غير ذلك ممّا لا يدرك وصفه إلا بالرؤية والمعاينة. وقد كنت حين ذاك أعجب بشجاعة أولئك القوم ومهارتهم فوق ما كنت أعجب، وأعجب أيضاً من أبناء الأفراس الصغار الّتي كان عمرها في الغالب لا يزيد عن أسبوعين، ومع ذلك كنت أشاهدها تتبع أمّهاتها في تلك المسافات البعيدة على هذا السير الحثيث، وتتحمّل مشقّة السفر والجري. وقد أخذتني بها من أجل ذلك رأفة شديدة، فطلبت من أولئك الراكضين أن يخفّفوا السير ويتئدوا لكيلا يشقّوا على تلك المهرات المساكين، وهي في ذلك السن الصغير. ثمّ ما فتئوا يركضون على طول المسير ويلعبون بأعظم مهارة وأكبر حذق. وكان فيهم فارس كبير السن يلبس ملابس دندشية قديمة يسمى
стр. 117
عثمان آغا، وهو يمتاز عن إخوانه بحب الظهور عليهم في الفروسية وخفّة الحركة. وحقيقة، كان هذا الفارس العجيب يبدي أمامنا من ضروب المهارة في الغدوّ والرواح والصعود والهبوط على الصخور الجبلية ما كنّا نعجب منه غاية العجب، وكذلك
كان له حذق غريب في عبور النهر وهو فوق حصانه الّذي كان يعدو تارة في الأرض وأخرى في الماء، أسرع من الطير وأخفّ من الهواء، حتّى استغربنا أيّ استغراب من جسارة هذا الرجل الفارس وجراءته المدهشة على ركوب الخيل بتلك الكيفيّة التي كانت فوق التصوّر. وما زلنا كذلك حتّى دخل بنا الطريق في مضايق بين جبلين، فكنّا بين أن نصعد مسافة على فوق ونهبط أخرى إلى تحت. وكان لا يزال على جانب عربتنا حضرة محمود بك، وهو ممتلئ رجولية وشهامة، لاسيما وأنه طويل القامة عظيم الشارب كبير الأهداب، تتجلّى فيه الفروسية بأخصّ أوصافها وأجلى معانيها، وهو مع ذلك مهيب وقور.
حادثة في الطريق
وقد حدث في أثناء السير أنّ فرساً من أفراس الركب، لا أدري لمن، كان ضرب فرس ذلك البك في ذراعه الأيمن، فجرحه جرحاً بليغاً ما زال يشخب دماً حتّى صبغ ساق ذلك الفرس المجروح بالدم فاحمرّ، بعد أن كان أزرق اللون. وقد خفت على هذا الفرس المصاب أن يهلك تحت راكبه لأنّ الجرح كان خطراً، حيث كان النزيف مسترسلاً بقوّة. ومن ثمّ طلبت إلى محمود بك أن ينزل عنه إشفاقاً عليه ورحمة به. أمّا هو فما كان ليهمّه أصلاً أن يموت الفرس أو يعيش، ما دام في صحبتنا وضمن رفاقنا، حتّى قال حفظه الله ما معناه: إنّي لأجعل فداءك نفسي، وما فرسي بأعزّ عليّ منها. ثمّ تأخّر عنّا نحو دقيقة، وقد كنّا حسبنا أنّه نزل عن الفرس، ولكنّه ما لبث أن جاء إلى جانبنا كما كان، ورأينا أن ليس على فرسه أثر الجرح ولا ذلك الدم الّذي رأيناه وقت الحادثة، وكان ينزف نزيفاً. ففهمنا أنّه كان في تلك المسافة الصغيرة يعالج الفرس، ولكن لست أدري بماذا عالجها، وأي دواء يصل مفعوله من السرعة إلى هذا الحد. وقد عرفت أنّ بعض الفرسان المهاجمين كانوا من أبناء البكوات
стр. 118
الدنادشة، وهم أحداث تتراوح أعمارهم بين السابعة
والعاشرة، ومع ذلك فإنهم كانوا يحسنون الركبة مثل ما يحسنها آباؤهم وكبارهم. كما كانوا يتقنون اللعب ويتفننون فيه كأنّهم مارسوه من زمان كبير. ولا بدع أن يكونوا كذلك، إذ قد تربّوا على الشجاعة منذ نشأتهم واعتادوا على الفروسية وركوب الخيل بكثرة التدرب والتمرين.
ثمّ دخلنا في ميدان فسيح، وكان لم يمض على سيرنا أكثر من ثلاثة أرباع الساعة. وهناك كان ينتظرنا عدد كبير من الخيّالة، ومعهم البكوات الباقون من عشائر الدنادشة، فاجتمع الفريقان وصاروا ركباً واحداً. ونحن لا نفتأ نتابع السير حتّى وصلنا إلى تل كلخ، وهو واقع في الحدود الفاصلة بين ولايتي بيروت ودمشق، وفي آخر حدود الدنادشة. وإذ ذاك كنّا قد دخلنا في وقت الظهر وحان ميعاد الغداء، فذهبنا إلى بيت حضرة محمّد بك محمد وهو زعيم مشايخ عربان الدنادشة، ونزلنا عليه ضيوفاً، بعد أن طلب إلينا ذلك بإلحاح الكرماء. وكان ينتظرنا هناك بعض مستخدمي الحكومة. وقد قدّم إلينا الطعام على مائدة كبيرة تسع عشرين نفساً، وكانت على النمط الأوربي، وفيها ألوان عديدة وأصناف كثيرة متنوعة، فأكلنا متلذذين من حسن الطعم وإجادته. أمّا الركب الّذي كان معنا، وقد عرفت كثرتهم، فقد كانوا يأكلون جميعاً موزّعين على عدة موائد وطعامهم كان قاصراً على الأرز واللحم، ولم يكن ذلك ليدهشني لأنّي لا أستغرب أن يجتمع على موائد هؤلاء العرب عدد كبير كالّذي رأيناه أو أكثر. وأنا أعلم أنّ العرب قوم جبلوا على الكرم وطبعوا على البذل والسخاء، وإنّما الّذي كنت أعجب منه عجباً شديداً هو تجهيز مائدة على الطراز الغربي الصرف، وأنّ القوم عرب شرقيّون من سكان الجبال. ثمّ بعد أن تهيّأنا للسير، شكرنا لحضرة محمد بك محمد تلك العناية العظمى، وأثنينا كذلك على عشائره الكرام لما بذلوه من الهمّة والمعروف. وقد اجتذبني إلى هؤلاء العرب جمال هندامهم وحسن بزّتهم. وكان بودّي لو أن تطول
عشرتي بينهم لأتمتّع كثيراً برؤية منظرهم الجميل لولا أنّ الوقت قصير محدود، على أنّي لم أبارحهم حتّى عمدت إلى أخذ صورتهم بواسطة الفوتوغراف، لأحتفظ بها تذكاراً لهم على طول الزمان. وبعد ذلك أخذنا نسير بين الفرسان على الهيئة الّتي بيّناها أولاً. وإنّي على قدر ما كنت فرحاً مسروراً بهذه المظاهرات الجليلة، كنت آسفا من أنّي راكب عربة
стр. 119
ولم أكن فارساً ضمن أولئك الفوارس الشجعان فأركض فرسي لتعدو سريعة في ذلك الميدان. وكان يكثر نزوعي إلى مباراتهم كلّما كنت أنظر إليهم فأشاهد خفّتهم على الأفراس، وهم يذهبون بها هنا وهناك، تارة يهيجون وأخرى يدافعون وآونة يسرعون وأخرى يبطئون.
استطراد في السياحة
يسافر الإنسان إلى أقاصي البلدان ويرحل عن وطنه أحياناً لباعث مخصوص وقصد معلوم ثمّ يتّفق أن يعترضه في طريق رحلته شيء أو أشياء كثيرة لم تكن لتدور من قبل في خلده أو تخطر له ببال، ثمّ كثيراً ما يصادف أن يكون بعض الشيء من ذلك هامّاً خطيراً إلى درجة أن ينسى معه الإنسان غرضه الذاتي. وربّما لم ينسه ولكن يهمله إهمالاً، ويعنى بذلك الشيء العارض، ويحصر كلّ عمله فيه. وهكذا تتفاوت الأمور وتتباعد مراتبها، وكلّ أمر يأخذ من عناية الإنسان واجتهاده بقدر أهميّته في نفسه أو مركزه من الفائدة والمنفعة، في اعتقاد صاحب العمل. وقد قيل: احترام كلّ شيء إنّما يكون بقدر الحاجة إليه. عرف القارئ من مجمل ما تقدّم بالضرورة أنّ سياحتنا في بلاد سورية كان القصد منها، أوّلاً، يدور حول ثلاثة أغراض لا يخلو منها جملة مسافر في الغالب. الأول: تبديل الهواء طلباً للصحّة والعافية، الثاني: مشاهدة معالم المدن الشهيرة في سهول الشام وعلى جبال لبنان، الثالث: الاطّلاع على كرائم الخيل العربية والشامية الّتي تمتاز بها هذه البلاد منذ العصور القديمة. وقد كان هذا المقصد الأخير من أهم
بواعث السفر وأعظم أسبابه. ولقد بحثنا جهدنا ونقّبنا آخر ما كان يمكننا عن تلك الخيل، لعلّنا نصل منها إلى غايتنا، فلم يتّفق أن نرى في نتيجة هذا البحث سوى الخيل العادية التي لم تطابق رغبتنا، ولم تكن لتمتاز في نظرنا بوجه من الوجوه. ذلك كان على الرغم من أنّ الصدفة خدمتنا كثيراً في هذا الموضوع وساقت إلينا، فيما ساقته من ذلك النوع، أكثر ممّا سعينا إليه، وتعرّفناه بأنفسنا في غير مرة وغير مكان. هذه كانت مقاصدنا الذاتية وأغراضنا الجوهرية الأولى. ولكنّنا صادفنا، في غضون السياحة، من أخطر
стр. 120
الأمور وأجلّ الأعمال ما اتّفق أن نجده في طريقنا عرضاً، ممّا لا نرى في استطاعتنا بيانه على وجهه بأكثر من أن نخيل القارئ في هذه الرحلة، فيرجع إليه رجوعاً خاصّاً ويدركه حينئذ واضحاً مفصّلاً في مواضعه بالأسباب والمناسبات، وما كنّا لنورده اقتضاباً. وإن الحديث يتفرّق بالإنسان شعبه ووجهه، ويتشبّث بعضه ببعض. وأراني بحمد الله قد استفدت من تلك الأمور على ما فيها فوائد جمّة، ما كان أشدّ حاجة مثلي إليها. وإنّه ما كان يتيّسر لي بحال أن أستفيدها جملة وأنتفع أو أنفع بها أبداً إلا من هذا الطريق، طريق الصدفة العجيبة الّتي أكثر ما كانت تفاجئنا على غير حساب سابق وموعد متقدّم. وربّ صدفة خير من ميعاد. ولولا أنّ وقتي الّذي حتمته المقادير لهذه السياحة كان شهراً واحداً، وهو وقت قصير بالقياس إلى ما كان يلزم للتجوّل في مناكب الشام الواسعة وجوانبها الشاسعة، لكنت استفدت أكثر من ذلك كثيراً، ولكانت تكون رحلتي هذه كتاباً ضخماً يحوي في طوايا صحائفه مجموعة صحيحة صريحة من أنواع متفرّقة وفنون متنوّعة. أمّا ما كنت شرحته من حياة القوم الاجتماعية وأخلاقهم وآدابهم وشجاعتهم وسياستهم فإنّه لم يكن بالشيء القليل ولا بالأمر الغامض، بل لعلّ فيما ذكرته من هذا القبيل كفاية لمن أراد أن يعرف على وجه الإجمال ماذا كان تكوين ذلك الشعب الشامي الجليل، وما هي أحواله
العمومية، أو أراد أن يفهم كيف كان شأني فيما بينهم من أوّل السفر إلى أخره، خطوة خطوتها في أرض تلك البلاد. نعم، إنّ الظروف الّتي وجدت فيها كانت تأبى عليّ في غالب الأحيان أن أجتمع إلا بكبار القوم وخاصّتهم، ولهؤلاء صفات وشمائل لا توجد في مطلق الناس. وعلى الرغم من أنّي كنت أتحيّن الفرص، من وقت إلى آخر لكيما أختلط بالعامّة وأمارسهم شأن من يهمّه الوقوف على المبادئ والعادات، لم يصادف أن يجتمع لي وقت كاف أو تتيسر لي معهم ممارسة طويلة، إنّما كنت أختلس بعض الزمن وأجد منهم ذلك غراراً مثل حسو الطير ماء الثماد. وإنه ليصعب مع هذا جدّاً أن يحيط الإنسان بتفصيل موضوع أخلاقي في مجموعة كبيرة تختلف من وجوه كثيرة، وأن يلمّ من ذلك بما لو أراد أن يعطيه
стр. 121
للمستفيد موضوعاً وافياً ودرساً كافياً تحت عنوان أخلاق الشعب وعوائده، لجاء فيه على الكفاية من كلّ شعبه وأطرافه، لاسيما وأنّه موضوع دقيق يحوج إلى نظر ورويّة، ريثما يدعو إلى عشرة طويلة واحتكاك عظيم. ولعلّ الحاكم بعد ذلك على أخلاق القوم وعوائدهم يغلب الحكم عليهم تغليباً، أو يبني رأيه على القياس. وهو على كلا الحالين لا يتجاوز موقف الظنّ، ولا يتعدّى وجه الشكّ في كلّ الّذي يدّعيه، إيجاباً أو سلباً. غير أنّ ذلك لم يكن ليحول بيني وبين ما أردته من تعرّف عامة الشعب الشامي ودرس أخلاقهم على وجه الإجمال بالقدر المستطاع، ممّا عساه أن يعود ببعض الفائدة، وما لا يدرك كلّه لا يترك جلّه. وذلك بالطبع كاف لمن كانت مدّة سفره ذهاباً وإياباً شهراً واحداً، بل هذا ما لا يطمع في أكثر منه إلا من كان ينقطع للشيء، لا يفرغ منه حتّى يتغلغل فيه ويحيط بجميع أطرافه وحدوده. وعلى ذلك، إذا نحن ادّعينا الآن ما ادّعيناه أوّلاً من أن الشاميّين في مجموعهم قوم حميدو الخصال، رقيقو الشمائل، فيهم وداعة ولطف وسماحة، لا نكون قد أكبرنا الدعوى أو أعظمنا الحكم. ثمّ نحكم، ونحن مطمئنون، بأنّ أخلاق الخاصّة منهم وأحوالهم
غاية في الرقي والكمال. ونخصّ بالذكر، من بين هؤلاء جميعاً، ذلك المفضال الأكرم والسري الكبير الأفخم، سعادة عبد الحميد باشا الدروبي الّذي كان قد انتهى دوره معنا في تل كلخ، بعد أن طلبنا إليه أن يعود مع سلامة الله إلى بلده حمص، وما كان يريد إلا أن يرافقنا إلى طرابلس، مجاملة منه ولطفاً فوق لطفه السابق ومعروفه الكبير. ولكنّي أبيت عليه إلا أن يرجع لمباشرة مصالحه الّتي غاب عنها منذ استقبلنا حتّى صرنا في تل كلخ. وهو، في تلك المسافة كلّها، كان يلازمنا ملازمة الظلّ للشاخص، فما كان يبارحنا ولا طرفة عين إلا إذا اقتضته إلى ذلك ضرورة من نوم أو خلافه. وقد كان مع هذا رجلاً كبير السنّ، يشقّ عليه السفر وتتعبه كثرة الحركة والركوب. لذلك على الخصوص، أشفقت عليه وما زلت به حتّى ودّعنا وعاد بالصحة والسلامة، تاركاً في قلوبنا أعظم حبّ ووداد.
стр. 122
السفر من تل كلخ
وبعدئذٍ قدّمت لنا عربة سعادة عمر باشا الخاصّة الّتي كانت تنتظرنا في التل، فركبناها وركب معنا حضرة عزيزنا أحمد بك العريس. وكان أمام عربتنا، ومن ورائها، ثلّة من عسكر الجندرمة على الترتيب الّذي أسلفناه. وكان، خلف ركابنا مباشرة، عربة حضرتي الفاضلين علم الدين بك وشقيقه اللّذين جمعنا بهما حسن الحظّ في ذلك الموضع، وهمّا يقيمان الآن في مدينة طرابلس في جهة الميناء. وقد كانا قبل ذلك في مصر، ولهما نسبة خاصّة بالبيت الخديوي، منذ حياة المغفور له، ساكن الجنان، والدنا. ولذلك كان لعلم الدين هذا أمل وطيد في أن نكون ضيوفه مدّة إقامتنا في بلدهم، حتّى أنّه ألحّ كثيراً في دعوتنا إلى ذلك ولكنّنا كنّا أجبنا سعادة عمر باشا العكاري، الّذي كان قد سبقه بالدعوة، وهو الرأس الأكبر في قبائل العكاكرة والزعيم الوحيد الّذي إليه الرجع في شؤونهم وأمورهم. فلم يبق في الوسع إذ ذاك سوى الاعتذار إلى علم الدين بك العذر المقبول، غير أنّه أبى مع
هذا أيضاً إلا أن نتناول لديه طعام الغداء قبل مبارحة طرابلس. وقد أجبناه، حيث لم يكن ثمّت مانع، وشكرنا معروفه. ثمّ كان وراء عربتهما عربات أخرى يركبها أتباعنا مع المتاع. فسرنا تكلؤنا رعاية الله وتحوطنا عنايته، بينما كان الفرسان المتسابقون يحيطون بركابنا من جميع الجهات. وما برحنا بين هؤلاء الجموع ننحدر على طريق التلّ، والمناظر الطبيعية البديعة كانت حولنا، في طول ذلك الطريق المنحدر وما بعده، من أبهج ما نظرته العيون وانتعشت به الأرواح، إلى أن بدت لنا معالم طرابلس، قائمة على شاطئ البحر. وكنّا، ونحن سائرون، نستنشق في نسمات الشمال روائح ذكية تفوح علينا من أزاهير اللارنج والبرتقال، على مسافة ساعة من البلد تقريباً. وعندما كنّا والمسافة بيننا وبين المدينة تقرب من نصف الساعة، وجدنا في استقبالنا جمهوراً عظيماً من فرسان العكاكرة، حيث كانوا ينتظروننا في تلك الجهة، وعلى مقدّمتهم ذلك البطل الباسل سعادة عمر باشا العكاري، ممتطياً جواداً أزرق اللون محكم
стр. 123
الخلقة، فجاء إلى جانبنا وتبعه قومه، فالتقى الجمعان على هيئة الجيشين يلتقيان في ساحة الوغى وميدان النزال. ومن ذلك الحين، أخذ الاحتفال صورة جديدة ومظهراً رهيباً مهيباً. وقد استمرّ بنا السير على تلك الحال حتّى ترجّلنا عن مركباتنا عند بيت خارج المدينة، وهو منها على مسيرة بضع دقائق. إذ كان قد خرج عن البلد لاستقبالنا في ذلك البيت سعادة عاكف بك، متصرّف مدينة طرابلس في مقدّمة عدد كبير من رجال الحكومة وأعيان المدينة وعلمائها ووجهائها. وهناك مكثنا بعد أن تصافحنا وتبادلنا السلام والتحيّة، ريثما تناولنا القهوة والمرطّبات اللذيذة. وفي تلك الأثناء تقدّمت إلينا كريمة سعادة المتصرّف وأهدتنا باقة ورد جميلة، كانت تحملها بيدها اليمنى لذلك الغرض، فتقبلناها منها بقبول حسن وشكرنا لها هديّتها، كما شكرنا لوالدها وجميع الحاضرين إذ ذاك عنايتهم وكرمهم. ثمّ عمدنا إلى عربتنا وانتظم الموكب كما كان
أو أحسن، نسير من ذلك المكان بين صفوف الألوف من أهل المدينة والضواحي الّذين كانوا يختلفون بين رجال ونساء وكبار وصغار، وكلّهم كانوا يتزاحمون على رؤيتنا ويتسابقون إليها، على نحو ما يشاهد في الاحتفالات الكبيرة الّتي تشهدها الناس ويجتمعون لها من قريب وبعيد، حتّى كان يخيّل إلينا وقتئذ أنّنا نمرّ في حفلة المحمل المصري. وكذلك كان سيرنا طول المسافة حتّى وصلنا إلى بيت صاحب السعادة عمر باشا الّذي كان قد سبقنا إليه ليستقبلنا عنده هو وشقيقه وبقيّة أسرته الكريمة الّتي كانت كلّها من ذوات الرتب السامية والألقاب العالية. وقد وجدنا عند مدخل البيت من حفاوتهم وترحيبهم ما أنطق ألسنتنا بالثناء الجميل على أفراد هذه الأسرة الفخيمة من رأسها إلى ذنبها.
بيت عمر باشا
أمّا البيت فكان من أبدع البيوتات منظراً وأجملها موقعاً وأحسنها ترتيباً ونظاماً، وقد زاده بهاءً وحسناً ما كان عليه من الزخرف والزينة. وهو قائم في ناحية من المباني عن وسط ميدان واسع، يرى من ورائه هيكل البلد في أحد قسميه قائماً على تلّ مرتفع، وإنّه ما كان تمرّ لحظة وتأتي بعدها لحظة أخرى، حتّى كنّا نحسّ من أنفسنا
стр. 124
بفرح مزيد وسرور جديد وارتياح ونشاط. سبب هذا ما كنا نشاهده، آناً بعد آن، من حسن وفادة القوم وإخلاصهم الّذي كان يتجلّى مثل فلق الصبح في أقوالهم وأفعالهم. نعم، إنّي لا أزال أذكر معروف هؤلاء الأفاضل، زعماء العكاكرة وسادة قضائهم، فأشكرهم عليه دائماً أبداً. ثمّ ما كدنا نجلس في ردهة الاستقبال وتستقر بنا مواضعنا، حتّى توافد علينا جميع الأعيان والحكّام والعلماء والرؤساء الروحيّين، فسلّمنا عليهم وشكرنا لهم تكرر المقابلة، وتبادلنا بعض الأحاديث جرياً على العادة. ثمّ صعدنا إلى غرفتنا الّتي خصصنا بها في هذا البيت، وحينئذ أشرفنا من النافذة لنرى ما كان يحيط بنا من الزحام الهائل. وإذا
بذلك الميدان الفسيح، الّذي يبلغ بأقل تقدير ثلاثة أضعاف ساحة عابدين في مصر، كان مكتظّاً بالناس إلى حدّ أنّ أحدهم كان لا يجد في الأرض أكثر من موضع قدميه، ولا في الفضاء ما كان يسعه يحرك رأسه. بل لم أبالغ إذا أنا قلت كما تقول العامّة في أمثالهم المشهورة (ترش عليهم الملح ما ينزلشي). وبعد أن تناولنا الطعام الشهي على مائدة سعادة الباشا واسترحنا قليلاً، قصدنا إلى الحديقة العمومية في هذا البلد حيث كان دعانا سعادة المتصرّف لتناول الشاي فيها. ولقد رأيناها مزدانة مزخرفة، وكانت الطرق الّتي سلكناها إلى تلك الحديقة غاصّة بالأهالي إلى درجة لم تعهد إلا في الاحتفالات العظيمة، وما كان منهم من أحد إلا وكنت أشاهد السرور يتألّق على وجهه. وقد لبثنا هناك نتحدّث، نحن وأصحابنا، في شؤون عامة إلى أن شربنا الشاي وتناولنا ما لذّ وطاب ممّا كان أعدّ على تلك المائدة الشائقة. وأطلقت أمامنا الألعاب النارية الجميلة، وعزفت الموسيقى بالسلام، وتمّت الحفلة فوق ما يرام. ثمّ عدنا إلى بيت سعادة الباشا، وأقمنا فيه ليلتنا مستأنسين بحديثه وسمره، مسرورين مبتهجين بما رأيناه من سامي عناية القوم ولطفهم. وحين ظهرت شمس اليوم التالي وكان يوم جمعة، نمى إلينا ونحن في البيت أنّ خيلاً كثيرة وجمالاً عدّة آتية لأجلنا من ناحية الجبال، عليها فوارس عكار بمزاميرهم، وجمهور من بنات العرب غفير. وما لبثنا أن رأيناهم جاؤوا في الميدان، وكان يلتف بهم عدد كبير من أبناء البلاد. ثمّ شرعوا يزمرون ويلعبون أمام البيت في ذلك الميدان الرحيب الّذي غصّ بهم حتّى لم يبق فيه متّسع لغيرهم، بينما كان معظم أهل المدينة فوق التل يشرفون منه ومن البيوت على
стр. 125
ألاعيب أولئك العرب الخيالة ونسائهم، وينظرون مهارتهم المدهشة في المغالبة والمضاربة بالجريد والمراح، هجوماً ودفاعاً وكراً وفراً. وحقيقة، كان هؤلاء الفوارس مهرة حذاقاً يحسنون اللعب على متون الصافنات الجياد بمختلف أنواعه وأشكاله. وقد
كان بين أظهرهم ثلاثة فرسان ظهروا على الكلّ وامتازوا بالخفّة والبراعة، فكان لهم فوق ما كان للجميع من العجب والاستحسان. واستمر الحال كما وصفنا حتّى قربت صلاة الجمعة. وحينئذ تأهّبنا لها وذهبنا، ومعنا سعادة المتصرّف وبقيّة أصحابنا إلى الجامع الأكبر المسمّى بجامع طيلان.
مسجد طيلان
هذا الجامع واقع في الجنوب الغربي من المدينة فأدينا الفريضة فيه. وكنّا نلاحظ أنّ المسجد على اتّساعه العظيم، كان غاصّاً بالناس. بل رأينا أنّ كثيراً منهم كانوا يصلّون خارجه لضيقه عليهم. ثمّ عمدنا إلى زيارة المخلفات المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، فقبّلناها مراراً متبركين بها لنسبتها الشريفة، بينما كان رجال من أهل الطريق يقرؤون الأدعية والأوراد بصوت جهوري. ومن هناك خرجنا مشاة في أوّل السبيل، والناس مصطفّون على حافتي الطريق كأنّهم بنيان مرصوص، وأقدرهم إذ ذاك الّذي كان يظفر برؤيتنا ويظهر عليهم فيها. ثمّ جيء إلينا بالعربات تشق غمار المحتشدين وتأخذ طريقها من بينهم غصباً، فركبناها وقصدنا بيت حضرة الفاضل علم الدين بك لتناول طعام الغداء عنده، إجابة لدعوته السابقة. وهذا البيت كان في الميناء الّتي يوجد فيها جزء عظيم من المباني، لأنّ المدينة التي يطلق عليها اسم طرابلس تتألّف من الأبنية الواقعة على شاطئ البحر ومن تلك الأبنية الّتي ذكرنا أنّها على الهضبة بالقرب من بيت عمر باشا العكاري. وبين التل والميناء مسافة ربع الساعة تقريباً بمسير العربات، ويربط بينهما خط الترام العريض في طريق جميل يجد فيه المسافر على اليمين واليسار بساتين كثيرة وحدائق غنّاء، غرسها في الغالب من شجر اللارنج والبرتقال الّذي كان يملأ الجوّ بعبير زهره الفيّاح، وقد عرجنا في هذا
стр. 126
الطريق على بيت جناب القومندان فزرناه وشكرنا له همّته وجميله. وبعدما أكلنا هنيئاً
وشربنا مريئاً لدى حضرة علم الدين بك، قصدنا إلى مياه الميناء، ومنها نزلنا حتّى وصلنا إلى إحدى بواخر الشركة الخديوية. وقبل ذلك كنّا ودّعنا أصحاب السعادة: المتصرّف وعمر باشا وأخاه وغيرهم ممّن كانوا يرافقوننا في تلك المرّة، وشكرنا لهم جميعاً معروفهم ومجاملتهم مدّة إقامتنا عندهم. وحينما وصلنا إلى الباخرة وجدنا فيها خدمنا مع المتاع، حيث كانوا قد سبقونا إليها. وبعد بضع دقائق من نزولنا، أقلعت على بركة الله، وكانت الساعة وقتئذ اثنتين ونصفاً بعد الظهر. وممّن كان نزل معنا حضرة علم الدين بك وشقيقه، لمناسبة أنّ الأوّل كان مندوباً من قبل الشركة من جهة، ولكي يجد من مرافقتنا في طريق البحر إلى بيروت عوضاً له ممّا فاته من تلك الضيافة الّتي كان ألحّ علينا فيها إلحاحاً، وهو يتمنّاها من صميم فؤاده. وبعدما تحرّكت الباخرة ذهبت منّي اِلتفاتة إلى الشاطئ فوجدت على بعد بعيد سعادتي الفاضلين عمر باشا العكاري وأخاه آتيين إلى مرسى السفينة بسرعة يظنّ منهما أنّهما كانا يقصدان مرافقتنا في هذا السفر، ولكنّا كنّا قطعنا مسافة طويلة، وبهذا السبب لم يدركا غرضهم. اوعلى كلّ حال، فإنّي شاكر لهما هذه الهمّة القعساء والمروءة الشمّاء. أمّا وقد وصلنا إلى هنا فلابدّ لنا من كلمة على طرابلس حيث هي من المدن الكبيرة والمراكز الشهيرة.
طرابلس
هي مركز أحد ألوية ولاية بيروت، وعدد سكّانها ٣٩ ألف نسمة، يبلغ عدد المسلمين منهم نحو ٢٤ ألف نفس، والباقي من طوائف مختلفة، أغلبهم من الروم الأرتدكس. ويوجد في المدينة ١٤ مسجداً ومعبد لليهود و١٤ كنيسة للمسيحيين، لكلّ مذهب عدد يخصّه. ثمّ إن للراهبات الفرنسيات ملجأ للأطفال ومدرسة للبنات، وللقسس الأمريكيين مركز للتبشير ومدرسة. ويقال إنّ فيها للمسلمين مكتبات جميلة. أمّا تجارتها فقد كانت نامية رابحة، ولكنّها أخذت في الضعف والانحطاط منذ تمّت السكة الحديدية بين حماة وريّاق. ويقال إن الواردات من
стр. 127
الأقطان والمصنوعات قد بلغت نحو عشرة ملايين وسبع مائة ألف فرنك، وأنّ الصادرات من الغلال والصوف والحرير والصابون والإسفنج بلغ تقريباً من سبعة ملايين ومائة ألف فرنك. وأهم ما فيها من الصناعات صناعة الحرير الّتي اشتهرت منها جدّاً المناطق الحريرية، وكذلك صناعة الصابون، حتّى إنّ الباعة يروّجون بضاعتهم من هذين الصنفين بنسبتها إلى طرابلس. أمّا ضواحيها فخصبة التربة جيّدة المعدن، وفيها كثير من شجر الزيتون والبرتقال والليمون وشجر التوت، وهو أكثر من كلّ المغروسات لتربية دود الحرير. وفيها أيضاً يزرع الدخان الّذي لا تزال زراعته تتقدّم شيئاً فشيئاً.
تاريخ طرابلس
لم يعلم إلى الآن ما هو الاسم القديم الّذي كان يطلقه الفينيقيون على مدينة طرابلس. وقال بعض المؤرخين إنّه يغلب على الظنّ أنّ بناء هذه المدينة لا يتجاوز سبع مائة سنة قبل الميلاد. وهي باعتبارها مدينة من مدن الجمهورية الفينيقية لم يظهر عليها أنّها كانت شغلت مركزاً مهمّاً في تاريخ تلك الجمهورية. ويقال إنّها بنيت في ذلك الوقت على شاطئ البحر. وقد بنى فيها الأشوريون
والرومانيون بعد ذلك مباني فخمة، تكون منها إذ ذاك جمال المدينة وحسنها. ولكن الزلازل الّتي توالت عليها خرّبتها ولم تبق شيئاً يذكر من آثار العمائر الجميلة. وقد فتحها المسلمون بدون مقاومة منها مطلقاً. ثمّ توالت عليها حوادث الحروب الصليبية وغيرها، كما تعاقبت عليها مصائب طبيعية كثيرة. وهي تتألّف كما قلنا من قسمين، قسم الميناء البحرية وقسم المدينة الداخلية الّتي بناها المسلمون واِزدادت عمارتها وكثر عدد سكّانها في القرن السادس عشر. وقد اشتهرت طرابلس فيما بين الناس بأنّها مدينة غير صحيّة بسبب ما يظهر فيها من الحميات، مع أنّ هذه الأمراض لا تظهر هناك إلا قبيل فصل الخريف، وهي مع ذلك قليلة الخطر جدّاً. وتسمّى هذه المدينة عند أهلها بدمشق الصغرى، وشوارعها مرصوفة مرصوصة بالحجارة، وعليها أقبية وعقود يذكّر منظرها بالقرون الوسطى. وفيها سوق للحرير الّذي يصنع بها، وعدد كبير من الخانات،
стр. 128
وأجملها كلّها خان الصاغة. وأحسن موضع يرى منه الناظر جمال طرابلس في مجموعه هو القصر الحصين المبني على الجبل المقابل لها. ويقال إنّ الّذي شيّد هذا القصر هو الكنت ريموند ديسانجيل، ويسمّى عند المسلمين إلى الآن ساندجيل. ويوجد خارج المدينة غابة من أشجار الفاكهة، عظيمة المساحة جميلة المنظر. أمّا المدينة البحرية، فإنّها قائمة على لسان داخل في البحر، تحيط بها عدّة أبراج قديمة. وعدد سكّانها يبلغ خمسة آلاف نفس تقريباً، وهذا العدد محسوب من جملة العدد المتقدم.
هذا، وقد قدّرنا المسافة من طرابلس إلى ميناء بيروت بنحو أربع ساعات، قضيناها كلّها والحمد لله في راحة تامّة وسرور عظيم، لأنّ سير السفينة في طول هذا السفر كان قريباً من الشاطئ. وناهيك بمنظر الطبيعة البديع الّذي كنّا نشاهده على الساحل من شاطئ البحر إلى جبال لبنان، فقد كان من أحسن ما اتّفق أن يراه الإنسان في بلاد الجمال.
الوصول إلى بيروت
وصلنا إلى بيروت حيث كانت الساعة ستّاً ونصف بعد الظهر تقريباً، فوجدنا في اِستقبالنا على المرفأ حضرات أصحاب السعادة والفضيلة رجال الحكومة، يتقدّمهم دولة الوالي ثمّ العلماء والرؤساء الروحيّون فالأعيان والوجهاء. وبالجملة، فإنّ الاحتفال كان بالغاً حدّ الأبّهة والوقار، لا ينقص عمّا في المرّة الأولى، إن لم يكن قد زاد أمراً معنوياً، هو ما كان يدور بين القلوب من المحبّة والإخلاص. وبعد أن تبادلنا السلام والتحيّة، ركبنا قاصدين إلى الفندق الّذي كنّا نزلنا فيه أوّل مرّة. ولم يمض علينا إلا قليل من الزمن حتّى توافد إلينا جميع الّذين كانوا ينتظروننا على مرسى السفينة، فاستقبلناهم شاكرين لهم ما أبدوه نحونا من العناية واللطف. وكان من ضمنهم وفد من التلاميذ المصريين في كليّة الأمريكان، جاؤوا ليتعرّفوا منّا الوقت الّذي نحدّده لزيارة مدرستهم، وقد وعدتهم بذلك في صباح اليوم الثاني، إن شاء الله.
стр. 129
وكيل البطريك
وكان قد جاءنا على أثر نزولنا في الفندق أيضاً جناب وكيل غبطة بطريك الطوائف المارونية، يحمل إلينا سلام غبطته ويدعونا عن لسانه إلى زيارته في بيته الّذي في الجبل حيث هو لم يستطع الخروج منه. وقد بلغني أنّه يميل كثيراً إلى الأسرة الخديوية لما يعرفه من رعايتهم لأبناء الشام، وما يبلغه من حسن معاملة الحكومة الخديوية لهذا الشعب. ومن ثمّ كان غبطة البطريك يودّ من صميم قلبه أن نعده بزيارته كيما يستعدّ بعمل زينة باهرة واحتفال فخيم، حتّى قال محدّثنا في هذا الشأن إنّه قد صمّم على أن يبالغ في تكوين الزينة ورونقها إلى ما لم يسبق له نظير لسوانا من كلّ زائريه وضيوفه. ولقد كنت أحبّ كثيراً أن ألبّي دعوة هذا الرئيس الديني الكبير وأصعد لزيارته في الجبل، غير أنّه مع مزيد الأسف كانت
مدّة إقامتنا لا تسمح بهذه الزيارة. ولذلك قلت لجناب الوكيل ما يتضمّن هذا العذر، ووعدته أن أستبدل من زيارة غبطة البطريك زيارة مدرستهم. فشكر لنا ذلك وانصرف مشيّعاً يما يليق به من الاحترام، محمّلاً منّا إلى رئيسه الكريم عاطر التحيّة والسلام. وعلى ذلك انقضت سحابة هذا اليوم.
زيارة المدارس
ولمّا أن أصبح الصباح ذهبنا إلى زيارة المدارس الّتي كنّا بيّتنا النيّة على مشارفتها، فابتدأنا بزيارة المدرسة الأهلية، وحين وصلنا إليها وجدنا في استقبالنا عند مدخلها جناب ناظرها الفاضل، وهو رجل هندي الجنس، غاية في الأدب والنشاط، فسلّمنا عليه ورحّب بنا وكان يعجبني منه زيادة عن كلّ شيء احتفاظه بدينه وتمسّكه به تمسّكاً شديداً. ثمّ إنّه عرض علينا ما كانت تشتمل عليه المدرسة من الأعمال والأدوات، بعد أن طاف بنا على جميع مداخلها وغرفها، وعرض علينا أيضاً بعض التلاميذ ممّن كانوا لا يزيد عمر الواحد منهم عن أربع سنوات، وامتحنهم أمامنا فيما
стр. 130
كانوا يتدارسونه من المسائل والمواضيع المختلفة، فسررنا غاية السرور من نتيجة التعليم وآداب التلاميذ، وشكرنا ذلك الأستاذ الناظر الّذي يرجع إليه الفضل في بلوغ هؤلاء الأحداث إلى مثل هذه النتيجة المحمودة. ومن هناك قصدنا توّاً إلى زيارة ال كلية الأمريكان ية.
كلية الأمريكان
وكانت هذه الكليّة من ضخامة العمارة وسعة المساحة وجمال الموضع والبناء، بحيث تنطبق تمام الانطباق على شهرة الأمريكان، وما يعرف لهم من الغنى الواسع والثروة الطائلة. على أنّه قيل لنا إن تلك الكلية لم تقف حتّى الآن عند حدّ محدود، سواء من كثرة البساتين أو من الأقسام والعمائر، بل هي لا تزال تزداد
في كلّ سنة زيادة محسوسة بفضل ولاة الأمر فيها وتواصل عنايتهم بها. وعندما نزلنا من مركباتنا، وجدنا على مدخل المدرسة جناب رئيسها المحترم الّذي كان قد خرج إلى هذا المكان ليستقبلنا عنده، وقد اصطفّ بجانبه التلاميذ المصريّون فاستقبلونا جميعاً بالحفاوة والاحترام. ثمّ ما كدنا نخطو أوّل خطوة من الباب حتّى خاطبنا ذلك الرئيس بعبارات تدلّ على كرم أخلاقه ووداعة نفسه، فقال: إنّي أتشرّف كثيراً بزيارة دولتكم هذه كما يتشرّف تلاميذ المدرسة عموماً، وخصوصاً التلاميذ المصريّين. وقبل أن تتفضّلوا بزيارة المدرسة، أستميحكم العفو فيما أريد أن أتشرّف بإبلاغه إلى دولتكم وإنباهكم إليه. فقلنا له نحن مستعدّون أن نفهم من جنابك ما تريد. فقال أتشرّف بتفهيم دولتكم أنّه قد جرت العادة في زيارة هذه الكلية بأنّ الزائر لابدّ أن يبدأ قبل كلّ شيء بزيارة المعبد حيث تقام فيه الصلاة، كما أنّه من الضروري أنّ الزائر لا يبرح يشهد تلك الصلاة ويسمعها حتّى تنتهي. لذلك أرجو دولتكم أن تتفضّلوا بحضور الصلاة في المعبد وفاق العادة. فقلت له يا جناب الرئيس، إنّي وإن كنت امرءاً مسلماً محتفظاً بديني متمسكاً به دائماً ومحبّاً له جدّاً، غير أنّي مع هذا نشأت منذ صغري على حرية الضمير وإطلاق الفكر، ولست أذكر في كلّ عمري الّذي عشته أنّي خضعت لشيء حيث كان إلا بعد أن أتبيّن أنّه حقّ صحيح. هذا هو مبدئي ما
стр. 131
دام يوافق ديني. لذلك تراني لا أبالي أن أزور بيع النصارى وصوامعهم وأجتمع بقسسهم ورهبانهم، كما لا أخشى أيضاً أن أشاهد عبادتهم وصلاتهم، بل قد طالما دخلت المعابد والكنائس في بلاد أوروبا، عندما كانت تقام فيها الحفلات الكبيرة لتتويج القياصرة والملوك، وعند غير ذلك أيضاً. وقد زرت الفاتيكان في رومة ومواضع كثيرة من هذا القبيل، وأصحابي من النصارى وغير النصارى كثيرون جدّاً. وماذا عليّ لو أزور المعابد وأحضر الدعاء، وأنا معتقد ملء صدري أنّ ديني لا يخالفني على شيء من ذلك، بل إن
استكناه الأشياء والوقوف على حقائق الأمور وماهياتها ممّا يحثّ الدين الإسلامي عليه بلا نزاع. فلا تظنّ، إذاً يا جناب الرئيس، أنّي إذا لم أوافقك على ذلك الطلب أكون متعصّباً دينياً أو أنّي أخشى شيئاً آخر، معاذ الله. ولكن إذا أردت أن تفهم منّي علّة امتناعي من دخول المعبد وحضور الصلاة فيه، فأنا أقول لجنابك بما اعتدته من الصراحة أنّني اليوم في بلاد شرقيّة، ثمّ أنا أمير مسلم شرقي أيضاً، ولا يتّفق أن أكون كذلك وأن أجري على العوائد والتقاليد الغربية. وإنّه إذا صحّ أنّ الإنسان يصبغ نفسه في بعض الأحيان صبغة غير صبغته، ويجري على مبدئه وعادته، فذلك إنّما يكون عندما تحيط به ظروف مخصوصة، وتقتضيه إلى ذلك دواعٍ قوية لا يجد له منها مفرّاً دون أن يفعل. أمّا والإنسان له من الشيء مندوحة وسعة، وسواء عنده أن يكون ذلك الشيء وأن لا يكون، فإنّه بالطبع في حلّ من أن يختار لنفسه ما يلائم فطرته ويتّفق ومصلحته. فقال: إنّي أوافق دولتكم على فكرتكم هذه، وهي عندي سديدة صحيحة، لو أنّه كان هناك عبادة وصلاة حقيقة. أمّا وليس ثمّت إلا مجرّد مقالة عادية تتلى على مسمع من دولتكم في ذلك المعبد، فإنّي لا أرى في تفضّل دولتكم بإجابتي إلى ملتمسي ما لعلّه يؤخذ عليكم أمام ضميركم أو أمام المسلمين، ولا ما عساكم تنفرون منه وتكرهون حضوره. فقلت له يا جناب الرئيس إنّي قلت وما زلت أقول لجنابك: لم يكن من عادتي أن أتكلّف فعل ما لا أريده، وإن إقامة الصلاة على هيئتها الحقيقية لم يكن هو المانع لي من تلبية مطلبك، فإنّه سواء عندي أن تكون الصلاة حقيقية أو صورية، أو أن لا تكون صلاة أصلاً. وإنّما يمنعني من ذلك أوّلاً أنّه ليس لي فائدة من زيارة معبد قد زرت كثيراً مثله في أوروبا وغيرها، كما أنّه لا معنى لأن أحضر حفلة صلاة كثيراً ما شهدتها
стр. 132
ورأيتها، وثانياً ما أنبّهك إليه من أنّه لا معنى لأن أميراً مسلماً شرقياً في بلاد إسلامية شرقية، وفي ضيافة وحماية المسلمين الشرقيين، وهو
منهم بالنظر الّذي لا يستوي فيه كل ّالناس، ثمّ هو ينسلخ عن تقاليده وعوائده وربّما تساهل بعض الشيء في دينه. كلّ ذلك، هو يفعله لغير سبب إلا مجرد الخضوع للعادة في زيارة كلية. أمّا أنا فلست ممّن يقدّس العادة أو يخضع لحكمها، كائنة ما كانت. فلتكن هذه عادتكم في مدرستكم، أمّا أنا فمخيّر في أنّي لا أزور إلا ما أشاء، فانظر يا جناب الرئيس بعد ذلك ماذا أنت صانع. أمّا هو، فلمّا يئس ولم يجد بعد الجهد والاحتيال إلا إباءً شديداً، رجع عن فكرته مقتنعاً بما قلناه. ثمّ ذهب إلى المعبد، وترك معنا أربعة من التلاميذ المصريّين ليرشدونا إلى مكتبة المدرسة، ريثما يؤدّي رئيس الكليّة صلاته. فذهبنا ومعنا أولئك الطلبة إلى دار الكتب الخصيصة بتلك الكلية، فاطّلعنا عليها. وكان التلاميذ يرشدوننا إلى ما كانت تحويه تلك المكتبة النفيسة. ومنها ذهبنا إلى المتحف الّذي توجد فيه مجموعة كبيرة من حيوانات محنّطة مختلفة أنواعها فاطّلعنا عليها وقضينا منها مأربنا. ثمّ توجهنا إلى معمل الكيمياء والطبيعة، وإلى جملة معامل أخرى فزرناها، وكنّا في غاية السرور بما كنّا نجده من أدب التلاميذ ولطفهم. وبينما نحن نسير بين تلك المعامل، إذ حضر إلينا جناب الرئيس وراودنا إلى زيارة المدرسة، فمررنا من الطريق المؤدّي إليها أوّلاً بحديقة متّسقة فسيحة، وشاهدنا في خلال ذلك الطريق دوائر كثيرة وغرفاً للتلاميذ حتّى انتهينا إلى قاعة واسعة كانت هي الّتي أعدّت لاستقبالنا. وكان فيما تشتمل عليه تلك القاعة صورة سمو الجناب العالي الخديوي، مكبّرة محفوفة بإطار كبير جميل، وكراسي متعدّدة. وهناك كان ينتظرنا جناب قنصل أمريكا وعدد عديد من أساتذة الكلية ومعهم نساؤهم، فرحّبوا جميعاً بمقدمنا واستقبلونا بكلّ حفاوة واحترام. وبعد أن تبادلنا التحيّة واستقرّت بنا مجالسنا، قام جناب ناظر المدرسة وتلا على مسامع الموجودين خطاباً رشيق العبارة، استهلّه بالكلام على فضل مصر والمصريين، ثمّ امتدح الأسرة الخديوية بأعمالها الجليلة في تاريخها
الغابر والحاضر. وبعد ذلك رحّب بنا وأهّل، شاكراً لنا زيارتنا لمدرستهم. وما أوشك أن يفرغ من مقالته، حتّى قام أحد التلاميذ المصريّين، بالنيابة عن جميع إخوانه في تلك الكلية، وخطب أيضاً خطبة جميلة كانت لا تخرج عن
стр. 133
نفس الموضوع، وقد أعقبها بقصيدة ظريفة وهي:
في مثلِ ذا اليومِ العظيم ... تهتزُّ بالفخرِ النفوس
وَلِمثلِ ذا الضيفِ الكريم ... بِتجلّة تُحنى الرّؤوس
بِك يا محمّدُ قَد زَها ... صَرحٌ بِهِ تُجنى العُلوم
بِلُقاك نِلنا المُشتهى ... يا حبَّذا شرف القُدوم
يا فَرعَ عائلةٍ سَمت ... في المجدِ بينَ العائِلات
وَبِعَهدها مصر نَمت ... فَتجدّدت فيها الحَياة
ما الزّهرُ في فَصلِ الرّبيع ... أَذكى وَأَعطر مِن شَذاك
ما لَونُه الزاهي البديع ... أَبهى رواءً مِن سَناك
لِسموّ عبّاس الأمير ... بِقلوبِنا أَسمى مَكان
نَدعو إِلى المَولى القدير ... بِدوامِهِ طولَ الزّمان
نَحنُ الّذين عَلى الوَطن ... وَقَفوا النّفوسَ الغالِية
وَلأجلهِ مِن كلّ فَن ... نَجني الدّروسَ العالية
стр. 134
قَد كانَ في ماضي العُصور ... نَبع التمدّن وَالفُنون
وَبِفَضلِ عبّاس الغَيور ... اليوم يوشكُ أَن يَكون
وَطنٌ لَنا أبداً يَسود ... بِقوى المعارِفِ لا القِراع
عنهُ إذا قُمنا نَذود ... فَسلاحنا هذا اليَراع
يا مَن أَتانا زائراً ... متفقّد منّا الشؤون
سَيظلّ كلّ ذاكراً ... لِلفَضل ما انقضتِ السّنون
أَولَيتنا نعماً عَلى ... نعمٍ بِتَشريفِ المقام
فَجَميعُنا نُهدي إلى ... عَلياك شكراً والسّلام
هذا وقد قدّم لنا صورة هذه القصيدة مكتوبة بخطّ جميل، عليها إمضاؤه وإمضاء كاتبها فشكرناه. وكانت الموسيقى إذ ذاك تعزف بالسلام الخديوي. وحينئذ نهض حضرات المحتفلين عن آخرهم، يدعون لعزيز مصر بتأييد عرشه وحفظ ذاته الكريم. فما وسعني عند ذلك سوى أن قمت وابتدأت خطابي له بشكر من كان حاضراً من الأمريكان وغيرهم. وبعدئذ تكلّمت باِختصار على روابط المودّة الوثيقة بين الشعب الأمريكي والشعب المصري. وبيّنت ما كان للشعب الأوّل من الثبات والإخلاص في أعماله. وذكرت على الخصوص نفراً من الضبّاط الّذين كانوا قد اِنتظموا في سلك الجيش المصري. وأَبنت لهم صدق خدماتهم الّتي لا تزال حتّى اليوم تتردّد على ألسنة المصريّين، مشفوعة بالشكر العاطر والثناء الجميل. وما كدت أجلس حتّى دوّى المكان دوي النحل بعبارات الامتنان والاستحسان. وعلى أثر ذلك قدّمت لنا
стр. 135
صحاف الحلوى وفناجين الشاي، فتناولنا منها ما طاب لنا، وشكرناهم. ثمّ قمنا مودّعين من حضراتهم جميعاً بغاية الإجلال والتعظيم.
ومن هناك عدنا توّاً إلى الفندق. وبعد أن تناولنا طعام الغداء وركبنا سيّارة، ومعنا حضرة الأمثل سليم بك ثابت، حيث قصدنا إلى التنزّه في جهات الضواحي. وكان سيرنا في هذه المركبة السريعة على شاطئ البحر من شمال بيروت، بين المناظر الطبيعية الجميلة، حتّى وصلنا إلى بلدة تسمّى سوق مصباح، ومنها عدنا في نفس الطريق إلى الفندق، حين لم يبق من الوقت إلا ريثما يسعنا للعشاء والنوم. وعند الصباح توجّهنا إلى زيارة معمل الخواجه خوري السيوفي، وهو معمل كبير للمصنوعات الخشبية، وحركاته الصناعية تجري كلّها بواسطة الأدوات والآلات
الّتي تختلف على حسب اختلاف أدوار العمل وأجزائه. وهناك شاهدنا من العمّال مهارة فائقة ونشاطاً عجيباً، ولهم دقّة غريبة في الصناعة، خصوصاً صناعة الدواليب الّتي كانت لا تقلّ في نظرنا عن الدواليب الّتي تصنع في أهمّ فبريقات أوربا وأشهر معاملها. وبالجملة، فإن هذا المصنع كان حافلاً بالعدد المتينة والآلات المكينة الّتي تلزم لصناعة الخشب بجميع أنواعه، من المبدأ إلى المنتهى، على نحو ما يتصوّره زائر المصانع في البلاد الغربية. وقد طفنا في هذا المعمل على كلّ ما كان يدور فيه من العمل، وسررنا جدّاً من تلك النهضة العملية الشريفة الّتي تبشّر بحسن مستقبل الصناعة في بلاد الشام، وتعدّ خطوة واسعة في طريق الحضارة الشرقية. وإذ ذاك امتدحنا مؤسّس هذا العمل المفيد الّذي كان أكبر مشجّع لتلك الصناعة البديعة في بلاد الشرق، حتّى أصبحنا نرى في مثل بيروت مصنوعات مهمّة تضارع مصنوعات الغربيّين في أعظم مصانعهم. ولابدّ على طول الزمان أن تنشأ المعامل لمثل هذه الصناعة وغيرها في كثير من حواضر البلاد الشامية، وحينئذ يتوفّر للبلاد شيء كثير من ثروتها، يتبادل بين أهاليها ويصرف منها فيها، وذلك هو الأساس الأوّل الّذي عليه يبنى استقلال البلاد وترتكز سعادتها. وإنّه بقدر ما كان سرّني أن أرى تلك الحركة العظيمة والنهضة السامية من أبناء سورية، لقد ساءني أنّي لم أجد مثل ذلك
стр. 136
لأحد أبناء مصر، وفيهم الأغنياء المثرون والعقلاء المفكّرون. وقد أخبرني جناب الخواجه خوري بأنّ لأخيه تجارة واسعة في مصر، تصدّر إليه من بيروت. وهي إذا كانت من الإتقان، بالدرجة الّتي شاهدناها، لا جرم كانت قمنة بأن تحرز ثقة المصريين وتروج في أسواقهم رواجاً عظيماً. ولمّا أن قضينا مأربنا من رؤية ما في المعمل واطّلعنا على جميع أدواته، وتعهدنا دوائره ومصنوعاته، شكرنا للرئيس همّته ونشاطه وشجّعناه. وحينئذ دقّ الجرس، فوقفت حركة العمل في كلّ جهة من جهات المعمل، وجاء العمال عن
بكرة أبيهم وأحاطوا بنا إحاطة الثوب بالبدن، وكان يبلغ عددهم ٣٠٠ نفس تقريباً. ثمّ تقدّم نحوي أصغرهم وقدم باقة زهر، وجاء آخر وأخذ يهتف لنا بالدعاء بعد الترحيب والثناء. وعلى أثر ذلك قدّم لنا الشاي والحلوى فتناولنا منهما ما وافقنا، ثمّ خرجنا. وكان ينتظرنا في غضون الطريق مصوّرون معهم آلة التصوير (الفوتوغراف) فأخذوا رسمنا حال مرورنا. ثمّ توجّهنا إلى الفندق، لنتهيأ من هناك للذهاب إلى مدينة صيدا حيث كنّا دعينا لتناول الغداء فيها من قبل صاحب السعادة نسيم بك جنبلاط، أحد أمراء الدروز وعظمائهم.
صيدا
مدينة صيدا الحالية وهي سيدوم القديمة قائمة على هضبة وهي من هذا تشبه جميع المدن الفينيقية. ثمّ هي محاطة بحدائق غنّاء تمتدّ على طول الشاطئ، خصوصاً في الجهة الشمالية. وأكثر ما فيها من الأغراس أشجار البرتقال والليمون والخوخ واللوز والموز والنخيل، ولكن يقال أنّ هذا الأخير أقلّ من غيره. أمّا عدد سكان المدينة فيقال إنّه يبلغ نحو ١١ ألف وخمس مائة نسمة، منهم ٨ آلاف مسلمون و٢٥٠٠ من اللاتين و٨٠٠ من اليهود و٢٠٠ من المذهب البروتستانتي. وهي مركز قضاء باسمها، وفيها أسقفان للروم الأرتذكس، وأسقف للمارونيين. وفيها مدارس إسلامية، بعضها
стр. 137
للبنين وبعضها للبنات، ومدرسة للإسرائيليين تسمّى مدرسة الاتّحاد الإسرائيلي. كما أن فيها للبعثة الإنجليزية مدرستين، إحداهما للذكور والأخرى للإناث. وللاتين دير لجمعية الفرنسيسكان، وكنيسة ومدرسة للبنين. ولراهبات القدّيس يوسف مدرسة وملجأ للأيتام. وللجزويت بعثة تبشير، وكنيسة وعدّة مدارس. وكذلك يوجد فيها للمارون وللروم الاتحاديين وللروم الأرتذكس كنائس ومدارس خاصة. أمّا تجارتها، وهي تدور في الغالب على محاصيلها ومصنوعاتها، فقد تقدّمت في السنين الأخيرة، خصوصاً في تصدير الليمون والبرتقال، فإنّه يقال إنّها تصدر من هذين الصنفين إلى الخارج أكثر ممّا تصدره من الأصناف الأخرى.
تاريخ المدينة
ذكر الشاعر المشهور هوميروس في بعض قصائده تلك المدينة بنوع خاص مسمّاة باسمها القديم سيدوم، وأسهب في الكلام عليها من جهة صناعتها ومهارة صناعها، وعلى ما امتازت به عن بلاد الشام وغيرها من صناعة النحاس وكثرة معادنه، حتّى سمى أهلها (السيدوميون النابغون في الصناعة). ومع أن هذه المدينة افتتحت
عدّة مستعمرات منذ عهد قديم جدّاً حتّى قيل إن ذلك كان قبل قرطاجنة القديمة، فإن مدينة صور تقدّمت عليها في هذا السبيل حتّى قيل إنّها لم تدع نفس تلك المدينة تخرج من تحت سلطتها أيضاً، وإن كانت صيدا مع هذا ما زالت حافظة لاستقلالها. وقد اشتهر الصيدانيون بالعلوم الرياضية والفلكية والملاحة الليلية. وعلى الرغم من أنّ هذه المدينة كانت في بعض الأزمنة تابعة لبعض الممالك الآسيوية، فإنّ ذلك لم يؤثر أقلّ تأثير في تجارتها الّتي كانت ولا تزال إلى اليوم نامية زاهرة. وفي سنة ٣٥١ قبل الميلاد ثارت هذه المدينة ضد ملك العجم (أرتجزرسيس) الثالث فهدمها سنة ٣٥٨. وافتتحها، بعد ذلك اليونانيون بدون مقاومة، ولكنها عادت فحافظت على شيء من استقلالها في عهد الرومانيين، فكان فيها مجلس قضاء يتألّف من تسعة
стр. 138
أعضاء كانوا في أوّل الأمر ينتخبون مدّة حياتهم ثمّ عدلوا الانتخاب فجعلوا مدّته عشر سنين فقط. وكان لها أيضاً مجلس شيوخ ومجلس نواب، ويظهر أنّ المسيحية هاجمتها مبكّرة جدّاً، ولا يبعد أن تكون قد دخلت فيها أوّل عهدها، وقد انتدبت عنها أسقفاً حضر مجمع نيسيه وهي مدينة في آسيا الوسطى وذلك كان سنة ٣٢٥ بعد الميلاد وفي المجمع وضعت أصول الديانة المسيحية واِلتأم شمل عقائدها بعد الشتات. وبعدئذٍ جاء الفتح الإسلامي فافتتحها المسلمون دون أن يجدوا أدنى مقاومة منها. وقد توالت عليها مصائب جمّة منذ عهد الحروب الصليبية، ففي سنة ١١٠٧ حاصرها الصليبيون حصاراً ضايقها، فلم تستخلص منه إلا بعد أن اِشترت نفسها بمبلغ من المال. وكان قد تمّ ذلك الصلح بين أهلها وبين المحاصرين، إلا أنّ عدم وفائها بشروط الصلح اضطرّ الملك بدوين الأوّل أن يفتتحها عنوة سنة ١١١١. وما زالت كذلك حتّى افتتحها السلطان صلاح الدين الأيوبي سنة ١١٨٧ وهدم جميع حصونها، إلا أنّ مدّتها في هذا الدور كانت قصيرة لأنّ الصليبيّين عادوا فأخذوها سنة ١١٩٧. وفي نفس هذه
السنة كرّ عليها الملك العادل فأخذها عنوة، ثمّ هدمها وخرّب ديارها. وفي سنة ١٢٢٨ أعاد الفرنج بناءها وعمروها، وما زالت كذلك إلى أن جاءت سنة ١٢٤٩ فهدمها السلطان أيّوب. ولكن الملك القدّيس لويس عمد إلى إعادة بنائها وتحصينها في سنة ١٢٥٣. ثمّ لم يمض عليها وهي كذلك إلا سبع سنين، وجاء تيّار المغول القوي فجرفها في سنة ١٢٦٠. وبعد ذلك بمدّة ٣١ سنة، أي في سنة ١٢٩١ افتتحها السلطان الأشرف. ومن ذلك الحين إلى الآن وهي تحت سلطة المسلمين. وقد ابتدأ تقدّمها في القرن السابع عشر من وقت ما كان اتّخذها فخر الدين أمير الدروز عاصمة له، لأنّه فتح أبوابها في وجوه الأوروبيين فزهت إذ ذاك تجارتها واتّسعت عمارتها، وبنى فيها ذلك الأمير قصراً جميلاً لنفسه. وفي سنة ١٨٤٠ قصدتها أساطيل الدول المتّحدة فهدمت قلعتها. هذا ولا يزال في تاريخ البلد ووصفها كلام كثير إلا أنّ المهمّ ما ذكرناه، ولذلك نكتفي به ونعود إلى ما كنّا بصدده.
стр. 139
السفر إلى صيدا
ركبنا مركبة سيّارة (أتوموبيل) من باب الفندق، وذهبنا متّجهين نحو ذلك البلد في طريق كان معظمه على شاطئ البحر. وكانت هذه أوّل مرّة مررنا فيها من تلك السكّة الّتي وجدناها مثل أكثر سكك الضواحي في بلاد الشام، إذ كانت مغروسة على الجانبين بالزروع والأشجار. وكنّا نشاهد أثناء السير شجر التوت يمتاز بالكثرة عن كلّ الشجر، وقد قدّمنا أنّ سبب ذلك هو أنّ ثروة أكثر المدن والقرى في تلك الجهات معظمها من محصول الحرير الّذي يتغذى دوده من ورق التوت، فهم لأجل ذلك يكثرون من زراعته في البساتين وفي الطرق أيضاً. ويقال إنّ صيدا ازدادت ثروتها كثيراً بسبب اتّجارها بالحرير ومنسوجاته. وحينما كنّا على مسافة قريبة من البلد، ألفينا في انتظارنا سعادة نسيم بك جنبلاط، ومعه عدّة
رجال من مستخدمي الحكومة وثلّة من عساكر الجندرمة، فاستقبلونا بغاية الحفاوة. ثمّ ساروا بنا إلى هضبة تبعد عن البلد قليلاً، حيث على تلك الهضبة تقوم دار سعادة البك الّتي وجدنا على مدخلها، حين وصلنا إليها، أنجال سعادته واقفين ينتظروننا، فرحّبوا بمقدمنا واستقبلونا بما دلّ على تهذيب نفوسهم وحسن تربيتهم. ثمّ دخلنا إلى ردهة الاستقبال، وما كدت أستقرّ فيها حتّى ذهبت منّي نظرة إلى الحائط فرأيت على دائره صور جميع أفراد الأسرة العلوية، من الجدّ الأكبر إلى الحضرة الفخيمة الخديوية. وكانت تلك الرسوم البديعة متقنة إلى درجة أنّها تكاد تمثل أشخاص المرسومين، لأنّها على إتقانها العجيب كانت مكبّرة وملوّنة بالزيت، فانشرح صدري من رؤية هذه المجموعة أيّما انشراح. وحينئذٍ أظهرت لأصحاب البيت سروري وجذلي من ذلك العمل الّذي كنت أستشف منه إخلاص أسرة جنبلاط الكريمة نحو البيت العلوي القديم. ثمّ إنّي ما كدت أبدي عجبي واستغرابي من أنّي أرى رسم الأسرة الخديوية كلّها على حائط هذا البيت، وهو قائم على تلّ من تلال الشام، حتّى كان قد أدرك ذلك منّا سعادة الأمير نسيم بك وقال لنا على الفور: لا تعجبوا دولتكم أن تجدوا أمام أعينكم الآن صور أسرتكم الفخيمة، فما هو إلا بعض الواجب تؤدّيه لكم أسرة شامية، كانت ولا
стр. 140
تزال تستمدّ عزّها وقوّتها من بيتكم الكريم وعرشكم الفخيم، منذ عهد المرحوم إبراهيم باشا، جدّكم العظيم. فلا يستكبر مولاي أن ينظر حائط بيتي هذا محلّى ومزيّناً برسوم حكّام مصر وأمرائها الفخام. وإنّي لست إلا أثراً من آثار إحسانهم وغرساً من غراس نعمتهم، وكذلك كان والدي من قبلي. لأن جدّكم المرحوم إبراهيم باشا هو الّذي أسّس مجد بيتنا وشاده ورفع قواعده وعماده، منذ تفضّل فولّى والدنا إمارة الدروز. وإذ ذاك كان في يد البك ورقة، فناولنا إياها وقال: وذلك هو الفرمان العالي الّذي صدر من المغفور له جدّكم إلى والدنا، عندما ولي هذا المنصب الكبير. فمثل هذا الإحسان يا
مولاي يجعل آل جنبلاط كلّهم أسرى لذلك البيت العظيم، شاكرين لأنعمكم ما دامت أنفاس الحياة تتردّد في صدورهم، فشكرت لهذا الأمير شعوره وإخلاصه. وبعد ذلك بقليل دعينا إلى غرفة الطعام فأكلنا من طعامهم الشرقي الشهي ألواناً كثيرة، ثمّ خرجنا من تلك الغرفة إلى ردهة جميلة الموضع كانت تطلّ على البحر من ناحية، وتشرف على صيدا من ناحية أخرى. وكان معنا بعض أعيان المدينة، وقد أظهروا لي شدّة ميلهم في أن أزور بلدهم وأتطوّف على آثارها وعلى بيوت الكبراء فيها، فشكرت لهم حفاوتهم وعنايتهم معتذراً إليهم بضيق الزمن. ثمّ ودّعناهم، وشكرنا لحضرة البك أمير الدروز وأنجاله أدبهم وكرمهم.
إلى بيروت
ومن هناك ركبنا السيارة، حيث كانت الساعة اثنتين بعد الظهر، عائدين إلى مدينة بيروت الّتي لم نلبث أن نقيم فيها إلا قليلاً. ثمّ قصدنا إلى زيارة مدرسة المارونيين، وهي تلك المدرسة الّتي كنّا استبدلنا بها زيارة غبطة البطريك.
المدرسة المارونية
وصلنا إليها، وعند ذلك وجدنا في انتظارنا على بابها جناب وكيل البطريك وعدداً كبيراً من حضرات القسس فسلّمنا عليها، ورأينا من استقبالهم لنا وترحيبهم
стр. 141
بنا ما أنطق لساننا بشكرهم. ثمّ دخلنا إلى المدرسة، بينما كانت الموسيقى المدرسية تصدح بالسلام الخديوي، وكان التلاميذ جميعاً مصفوفين صفوفاً منتظمة، وكلّهم يترنّمون بالأناشيد والأدوار الّتي كانت تتضمّن الدعاء للحضرة الفخيمة الخديوية. فمررنا على صفوفهم يحيّوننا ونحيّيهم، إلى أن دخلوا بنا في قاعة واسعة جميلة، كانوا أعدّوها لاستقبالنا وزخرفوها ووضعوا فيها كراسي متعدّدة، وجعلوا في صدرها كرسيّاً خاصّاً ممتازاً فأجلسوني عليه، وجلس على يميني حضرات وكيل البطريك وكبار القسيسين والرهبان. ولمّا أن استقرّ بنا المجلس، قام قسّيس من هؤلاء وألقى خطبة باللّغة العربية، ضمّنها أوّلاً مدح مصر وذكر فضائلها، ومدح الأسرة الحاكمة الخديوية، ثمّ تكلّم على مناقب المغفور له محمد علي باشا ومحاسنه في الشرق. وقد أفاض في هذا الموضوع، تمهيداً منه للردّ على بعض شبّان الأتراك الّذي كان كتب مقالة ضافية في إحدى الجرائد، جعل لحمتها وسداها الانتقاد على أسرة محمد علي باشا واختصّنا منها بجانب عظيم، لا ندري ماذا كان سببه. فقال الخطيب ما ملخّصه: إنّه لا ينكر أحد من الشرقيّين والغربيّين ما كان للأمير الكبير المرحوم محمّد علي باشا من الأعمال الجليلة والفضائل الكثيرة الّتي نهضت بالشرق إلى ما جعله مع الغرب في مستوى واحد. ولولاها لما كان يقوم
الشرق من وهدته ويستيقظ من رقدته. وهي التي لا تزال تمرّ عليها الأزمان ويراها الناس آناً بعد آن، وتترسّل بها الأنباء بين الآباء والأبناء، إلى أن قال ما مفاده: وإنّي لا أعجب من شيء في الدنيا عجبي من واحد تكون الحقيقة واضحة أمامه، يراها بعينه ويلمسها بيده، ومع ذلك ينكرها. وهو يحسب أنّ إنكاره هذا يؤثّر في تلك الحقيقة ويجعلها في نظر الناس مثل ما هي في نظره.
الشيء الثابت لا يضرّه عدمه مطلقاً. ولكن الّذي استطاع أن يخدع نفسه، ويفرض عدم الموجود أو وجود المعدوم ليعيش في عالم الفروض والتقادير، هو ذا حقيقة المسكين الّذي ما استفاد من عمله سوى أنّه شوّش دماغه وملأه خيالاً، كالأروى الّذي غرّته قوّته فحسب أنّه إذا نطح الصخرة أوهنها ونفذ في أحشائها.
стр. 142
فلمّا فعل ونظر إلى الحجر ليعلم هل نال منه وأثّر فيه نطحه، لم يجد إلا أنّ مجاهدته عادت عليه بكسر قوّته، بعد خفوق سعيه وخيبة ظنه.
كَناطحِ صخرةٍ يوماً لِيوهِنها ... فَلم يضرها وَأَوهى قرنهُ الوعِلُ
بينما الناس جذلون مسرورون بوجود سموّ الأمير الجليل محمّد علي باشا في بلادهم، وإذا بشاب من أبناء الترك قام في هذه الأيّام وكتب في إحدى الجرائد مقالة، ذمّ فيها رجل الشرق الوحيد، مؤسّس العائلة العلوية، وأكبر فخر للمصريّين. وهذا عمل لا يوافقه عليه أحد من العقلاء، وإنّه إذا كان أبناء الترك لا يريدون أن يعترفوا بجميل محمّد علي باشا وفضله، فإنّ أبناء الشام لا ينسون ما كان لهذا الأمير الكبير من الإصلاحات الهامّة والمنافع العامّة الّتي عادت على الأمّة، في كلّ ما تستدعيه ضرورياتها وحاجياتها، بالفوائد الكثيرة والثمرات الكبيرة. أجل، إنّ تاريخ مصر منذ عهده ينطق عليه بالفضل، ويشهد له بالمهارة والنبل، ويؤيّد ما اتّفق عليه المصريّون والشاميّون بل الشرقيّون جميعاً من أنّ هذا المصلح العظيم هو الّذي طيّر المدنية إلى مصر، وهناك وضعها حيث عرف كيف
يستفرخها وينتفع منها بما لا تزال تتدرّج به البلاد في طريق رقيّها وسعادتها من يوم إلى يوم، حتّى كانت قد بلغت في إبان عهده من الحضارة والعمران إلى ما صارت به وردة زاهية في يد الشرق، يتيه بها ويعجب حتّى إن الغرب نفسه كان يحسد الشرق عليها وينظر إليها من بعيد وهو لا يستطيع أن يشمّ لها ريحاً.
هذا كان خلاصة ما قاله الخطيب على مسمع منّا ومن إخوانه، أمّا أنا فلست أقدّر أسفي من أنّي أرى واحداً من أبناء المسلمين يهجو ويذمّ محمّد علي باشا وينكر فضله، بينما المسيحيّون لا يزالون يقدّرونه حقّ قدره ويعترفون له بالجميل ثمّ يقومون في المحافل ويدافعون عنه، وكان مثل هذا التركي المسلم أولى وأحقّ بالمدح والدفاع هذا، وقد كان في ضمن ما تفوّه به حضرات المحتفلين ذكر المارونيّين المستخدمين في مصر والمقيمين بها وبيان عناية الحكومة المصريّة بهم، خصوصاً الجناب الخديوي.
стр. 143
وبعدما شكرناهم وأبدينا لهم سرورنا، ذهبنا متّجهين إلى الفندق. وهناك تجهّزنا للسفر، ثمّ خرجنا فأدّينا ما كان علينا من الزيارات، حيث زرنا دولة الوالي ودولة متصرّف لبنان وحضرة القومندان. وقبل قيامنا من بيروت، بلغتنا حادثة أزعجتنا وكدّرت صفونا، وهي خبر وفاة المأسوف عليه الخواجه سرسق، فقد كان لهذا الخبر أشدّ تأثير في أنفسنا بعدما أنّه كان دعانا لتناول الطعام في منزله، وكنّا أجبناه إلى ذلك. ولكنّنا مذ بلغنا نعيه، عدلنا عن الذهاب لهذا الخصوص، على الرغم من أسرته كانوا قد استعدّوا بالفعل. وقد ذهبنا لتعزيتهم وشكرهم على همّتهم الكبيرة الّتي لم يكن ليمنع منها هذا الحادث وهو أشدّ ما يكون على نفوسهم. ثمّ توجّهنا إلى الباخرة الفرنساوية بعد الظهر مودّعين من حكّام المدينة وأعيانها ومظاهرها بما كان لا يقل في الرسميّات عن الاستقبال.
стр. 144
خاتمة
في هذه الخاتمة نذكر لحضرات القرّاء قانون جمعيّة الاتّحاد المصري بالكلية الأمريكية في مدينة بيروت، وفاءً بسابق الوعد في نشره وهو:
المقدمة
دخلت جمعية الاتّحاد المصري هذه السنة طوراً جديداً من حياتها، وبلغت شأناً لم تبلغه في السنين الماضية من النظام في اجتماعاتها والدقّة في أعمالها. وقد قامت بعدّة مشاريع مفيدة منها هذا الكتيّب، وهو يحتوي على ما ينبغي للأعضاء معرفته من قوانين الجمعية وأسماء موظّفيها وغير ذلك. وقد صدر برسم الحضرة الفخيمة الخديوية، تيّمناً بطلعته. واتّفقت الجمعية مع أهمّ الصحف المصرية على إرسالها باسم الجمعية لتوضع في مكتبة الكليّة، ليطّلع عليها كلّ مصري ويقف على ما هو سائر في بلاده.
أسماء الموظفين
الرئيس: عبد الغفار أفندي جمجوم.
نائب الرئيس: أنيس أفندي ساويرس.
السكرتير: أميل أفندي زيدان.
أمين الصندوق: بولس أفندي علم.
стр. 145
اللجنة الإدارية
عبد الغفار أفندي جمجوم، أنيس أفندي ساويرس، أميل أفندي زيدان، بولس أفندي علم، محمد أفندي أنور روحي، مصطفى أفندي زكي، شعبان أفندي مصطفى.
قانون الجمعيّة
أولاً: غاية الجمعيّة هي التعاون والتضامن بين أعضائها وترقية الأفكار الأدبية
والعلمية بين طلبة الكليّة المصريّين.
ثانياً: لا تتعرّض الجمعيّة مطلقاً لقوانين المدرسة ولا تتحزّب لأيّ عقاب تصدره على أحد من المصريّين.
ثالثاً: تتكوّن الجمعيّة من أعضاء ورئيس ونائب رئيس وسكرتير وأمين صندوق ولجنة إدارية تقوم بأعمال الجمعية.
رابعاً: تتكوّن اللجنة الإداريّة من رئيس الجمعية ونائبه والسكرتير وأمين الصندوق وثلاثة أعضاء ينتخبون.
خامساً: اللّجنة الإداريّة ممكن اجتماعها كلّما مسّت الحاجة بطلب من الرئيس أو بأغلبية أصوات أعضائها.
سادساً: الاستدعاءات للانتخاب يشترط أن لا تصدر إلا من تلاميذ الدوائر العليا.
سابعاً: يشترط أن يكون الرئيس والنائب من الدوائر العليا.
ثامناً: يجدّد انتخاب الموظّفين في كلّ سنة مدرسية.
تاسعاً: تلتئم الجمعيّة مرّتين في أوّل وثالث خميس من كلّ شهر.
عاشراً: لا يسمح لأحد بالتكلّم في مسألة أكثر من مرتين.
حادي عشر: على كلّ عضو أن يدفع خمسة بشالك رسوم عضويّته على دفعتين الأولى في أوّل السنة المدرسية والأخرى في منتصفها.
следующие страницы →