← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 37027

الرحلة الشامية

الأمير محمد علي

Полный текст (152 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الجهتين لا تختلف عنها في بقية الجهات، كما أن ما رأيناه من تيجان الأعمدة في كلّ جهات المعبد كان أيضاً لا يمتاز عن تيجان الأعمدة في تلك الجدران، ورأينا أيضاً عدّة محاريب كانت لوضع الصور والتماثيل. وقد وضع في إحداها لوحة من الرخام منقوش فيها كتابة بالتركية والألمانية تذكاراً لزيارة إمبراطور ألمانيا. ويوجد أمام واجهة هذا المعبد مبان عربية حديثة العهد، بعضها مبني بأنقاض أخذت من نفس القلعة. ويؤخذ من شكلها أنّها كانت حصوناً وكانت في الأصل أقبية، ويقال إنّهم كانوا جعلوها كذلك بقصد أن تكون مخازن. وفي طريق العرب الموصل إلى تلك الحصون توجد عدة غرف متقنة الصنع جميلة النقوش. ثمّ إن آثار المعبد الكبير كانت محاطة بسور هائل على بعد عشرة أمتار من المعبد، وكان هذا الفضاء مملوءا بأحجار ضخمة كما يشاهد ذلك في الجهة الشمالية. ويظهر أنّ هذه الأحجار الكبيرة كانت مهيأة لأن تستعمل في مبان أخرى. ويوجد في تلك الجهة حفرة يمكن لمن نزل إليها أن يرى الأحجار العظيمة التي كانوا وضعوها في أساس البناء. أمّا ذلك السور الخارجي، فإنّه مبني بحجارة خارقة للعادة، إذ يبلغ سمك الحجر الواحد منها أكثر من أربعة أمتار. وفي الجهة الشرقية للقلعة يقوم المعبد الصغير المسمّى معبد الزُّهَرة، وهو مستدير الشكل ويصعد إليه بسلّم واقع في الجهة الشمالية منه. وهو معبد جميل، في داخله رقوش بديعة ونقوش مشابهة لنقوش المعابد القائمة في القلعة، وفيه أيضاً محاريب لوضع التماثيل. وكان ظاهر هذا المعبد أجمل من باطنه، فإنّه يحيي ذكرى الصناعة الرومانية في العصور المتأخّرة، ثمّ هو خماسي الشكل وجوانبه مستديرة في الداخل، وتحيط به من الخارج أعمدة على رؤوس الزوايا، وبأعلى الجدار إفريز مزخرف بإكاليل الزهر. وقد استعمل هذا المعبد فيما سبق كنيسة رومية، كما يدل على ذلك بقايا الصلبان الّتي لا تزال آثارها ظاهرة على الجدران. إهداء مدير الآثار وبعد أن انتهينا من زيارة القلعة من الخارج والداخل، شكرنا لمدير الآثار معروفه وخدمته الجليلة التي أدّاها لنا أثناء ما كنّا نزور تلك القلعة. وقد توّج جميله بأن

стр. 72

أهدانا، ونحن خارجون، كتاباً مطبوعاً في تاريخ بعلبك من تأليفه. وهو كتاب جليل حوى في موضوعه أحسن المسائل التاريخية الحاضرة والأثرية لهذه المدينة العتيقة، فتقبلنا منه هديّته بالشكر والثناء. كلمة عن القلعة يخرج السائح من قلعة بعلبك، بعد أن يتطوّف على دوائرها، ويتعرّف بواطنها بعد ظواهرها ويتفقّدها من أوّلها إلى آخرها، وإنه لقد حار في الأمر فكره وضاق بالعجب صدره. وبعد أن كانت المسألة عنده قاصرة على فخامة القواعد وضخامة المباني، تحوّلت إلى بحث واسع في موضوع علمي حافل بجليل المقاصد وجميل المعاني. وبعد أن كان ذلك الزائر يحصر نظره كلّه في دائرة لا تزيد عن أطوال وأعراض ومهارة عمّال وشطارة مهندسين، صار يجول في محيط عظيم من أطوار وأغراض السريانيين والكلدانيين، وممّا كان أصاب الناس من ضروب المذلّة والمهانة في العصر الماضية، عصر الأوثان والكهانة، تلك الّتي كان للكهنة فيها تأثير في سياسة الممالك مثل تأثير القياصرة والملوك أو هو فوق ذلك. وقد كان هذا التأثير نفسه هو الأصل الّذي عليه ترتكن الحكومة، عندما كانت تعمد إلى تشييد تلك المباني الضخمة، مثل قلعة بعلبك وحلب في الشام والأهرامات ومعبد الكرنك ومدينة هبو في مصر، وغير ذلك من الحصون والمعابد والمقابر التي نراها فيفزعنا منظرها ويهولنا شأنها والّتي لا تزال تتجلّى فيها فكرة مؤسّسيها وواضعيها يمرّ بعض الناس بهذه الآثار المدهشة مرّ الكرام على اللغو من الكلام وغاية ما في الأمر أنّهم يعجبون من مناظر هذه الأشياء وظواهرها لأنّهم لم يعرفوها في عادتهم ولم يألفوها في قدرتهم، مثل إتقان البنيان وإحكامه إلى حدّ أنّ سنّ الإبرة لا يمكن أن ينفذ بين مداميكه وسافاته، أو قدرة البنائين والفعلة إلى درجة أنّهم يرفعون تلك الحجارة الثقيلة الهائلة إلى مسافة عظيمة حين لم يكن لديهم آلات لجرّ الأثقال ورفعها وما أشبه ذلك، ولكن الوقوف عند هذا الحدّ من مثل هذه الأعمال الخطيرة المفزعة قصر في النظر ثمّ هو عن الضالة المنشودة والغاية المطلوبة بمراحل طويلة، بل هو في نظري لا يزيد عن حدّ الوقوف عند

стр. 73

العاديات إلّا بمقدار ما يسافر الفكر إلى اِرتياد العلل وطلب الأسباب، أمّا من عني بالبحث والتدقيق واستنتاج الحقائق بالتحقيق فإنه لا يكتفي بتلك المناظر ولا يهمّه الالتفات إلى مجرد الظواهر، ولا يدع مثل قلعة بعلبك تفلت من يده حتّى يدور نظره حولها مراراً ويعتصر فيها فكره اعتصاراً فينتفع من أجزائها وجملتها وعمدتها وفضلتها بمعرفة ما لا يمكن أن يعرف إلّا من طريقها، ومن ثمّ نورد هنا كلمة فيلسوف بحاث في حصن بعلبك وهياكله لا بقصد أن نفيد أن هذا هو منتهى ما وصلت إليه الأفكار وآخر ما استقرّ عليه الرأي أو أن نشير إلى القطع بشيء مخصوص في موضوع لا يزال إلى اليوم مطروحاً على بساط البحث والنظر أمام المفكرين من علماء الآثار والأخبار وغيرهم، وإنّما ذلك لأن هذه الكلمة الطيّبة في حدّ ذاتها خلاصة بحث واسع ونتيجة فكر سليم، قال ذلك الفيلسوف أن هذه الهياكل القائمة في معابد القدماء وحصونهم سواء الموجود منها في صعيد مصر وفي بلاد الشام تشير إلى ما كان عليه السريانيون والكلدانيون قبل الطوفان وبعده من غلوّهم في الوثنية وعبادة الأصنام وهي مع هذا تشير أيضاً إلى قوّة هؤلاء الناس وبأسهم في غابر الزمان واستعصائهم على الأنبياء والرسل بعد أن أرشدوهم إلى الحقّ وأوضحوا لهم سبل السعادة، ومن هؤلاء الرسل الكرام النبي إلياس عليه السلام كان قد طلب إلى قومه أن يتركوا عبادة الصنم بعل وأن يعبدوا الله فعصوه واستمروا عاكفين على عبادة الصنم المذكور، قال تعالى: (أَتدعونَ بعلاً وَتَذرونَ أَحسنَ الخالقين الله ربّكم وربّ آبائِكم الأوّلين) وخوف أن يصيروا سدّاً بين نور الله والناس أغرقهم الله بالطوفان وأرسل عليهم العذاب الأليم في أزمان مختلفة، وتقادم عهد الزمان وآثارهم العظيمة لا تزال باقية تنادي عليهم بالويل والثبور وأنهم مع ما أوتوا من القوّة والبطش لم يعصموا أنفسهم من بأس الله إذ جاءهم فلئن كانوا أولي بأس وقوّة فالله أشدّ بأساً وأشدّ تنكيلا، ولمّا كانوا ظاهرين في الأرض بالقوّة لاستحواذهم على ضعاف العقول وكان في ذلك من ضرر النوع الإنساني ما فيه أشار الله في كتابه على ذمّ صنمهم القائم في أرض الشام إبّان ظهور الدين الإسلامي فقال: أتدعون بعلاً. . (الآية). فالقرآن يشير إلى أن

стр. 74

الوثنية كانت قائمة هناك، وغير القرآن من الكتب يشير أيضاً إلى ذلك. إذاً فالهياكل وطيدة الأركان قائمة الدعائم ضخمة البنيان هنالك من أزمان متوغلة في القدم، ولا يناطح الزمان إلا مثله في القوّة والبأس. ولقد اكتشف الألمان في هذا الزمان الآثار الموجودة في بعلبك وأمكنهم أن يصلوا إلى السرّ الّذي عجز عنه الأوّلون، ولو كان انكشف لهم في سالف الزمان ما كانوا قضوا أجيالاً كثيرة وأحقاباً طويلة وهم ملازمون للوثنية عاكفون على الأصنام، وما كانوا نازعوا رسل الله نزاعاً شديداً ولا جحدوا رسالة ربّهم وكفروا به، وما كان تأخّر العمران واِنتشار الحضارة في الأرض. لقد علم الألمانيون بالبحث الدقيق أن جوف الصنم بعل أجوف، وفيه فتحتان فتحة من أمام وفتحة من وراء وأن رئيس الكهنة كان يسيطر على الأمّة كلّها، ملكها ومملوكها، وكانت له الكلمة النافذة التي لا يستطاع ردّها ولا يمكن معارضتها. وذلك أنّه كان إذا استشير في أمر خطير يهمّ الملك والمملكة قال حتّى نتقرّب إلى الصنم وندعوه ويأذن لنا في هذا، فإن لم يأذن فلا يكون هذا الأمر. ثمّ يذهب بعد ذلك إلى خادم خاص بالصنم، منعزل عن الناس، عاكف على الصنم واقف في خدمته، ويقول في غد آتي إلى هنا مع الملك وأشياعه ونقرّب القربان إلى الصنم وندعوه أن يبيّن لنا ما نحن بصدده، أنمضي في الأمر أم لا نمضي فيه. فإذا نحن جئنا وخشعنا أمام الصنم ودعوناه، فهنالك تكون قد وضعت البوق الطويل في الفتحة التي من خلفه قائلاً كذا وكذا. فما يكون من ذلك الخادم إلا أن يصدع بأمره، ويقوم بما أوحى إليه رئيس الكهنة، ولا يقول إلا ما أذن له في قوله، حين وقوفهم بين يدي الصنم واستشارتهم إيّاه، فلا يحصل أمر الملك والمملكة إلا كما يسمعون من الصنم. وعلى هذا النمط كانت أمور الكهنة مع الأمم في سائر الأرض الوثنية. ومن هنا تعلم أنّ الوثنية كانت جرثومة الفساد في الأرض وأصل الظلم العظيم، ولذلك حاربها الله تعالى محاربة شديدة حتّى يرجع الناس إلى الاعتماد على عقولهم التي ركبت فيهم وعلى أنفسهم، وحتى لا يخدعهم خادع ولا يصرفهم عن مصالحهم الّتي بين أيديهم صارف، فينتظم الكون وينتشر العمران في الوجود. ولقد بالغ محمد، ﷺ ، في التنفير من الكهانة والابتعاد عنها كثيراً، وما حكمة ذلك إلا أن تجري الناس على سنن الطبيعة وِفاق الفطرة والمصلحة. تلك سنّة الله في خلقه فهو يردّهم

стр. 75

إليها إن انحرفوا عنها ولن تجد لسنّة الله تبديلا. إلى المسجد ومن هذه القلعة ذهبنا إلى المسجد لتأدية فريضة الجمعة حيث كنّا على وشك الصلاة، وهناك رأينا في انتظارنا عدداً كبيراً من عظماء القوم في مدينة بعلبك، يتقدّمهم حضرات أصحاب الفضيلة والسعادة نقيب السادة الأشراف، وقائمقام بعلبك، وعبد الحميد باشا الدروبي. وبعدما فرغنا من أداء الصلاة، قصدنا إلى الفندق مباشرة فتناولنا هناك طعام الغداء، وجلسنا بعد ذلك ريثما أخذنا أهبتنا للسفر. ثم ذهبنا على عرباتنا إلى المحطّة الّتي كانت مكتظّة بالمودعين من حكام المدينة وعلية الناس فيها فسلّمنا عليهم. وقد رأينا من عنايتهم وعناية الأهالي بتوديعنا ما كان لا يقل عن ترحابهم وحفاوتهم بنا عند الاستقبال. أمّا نحن فقد بارحنا هذا البلد على غاية من السرور، شاكرين لأهلها الكرماء ما قابلونا به أوّلاً وأخراً من اللطف والمعروف. السفر إلى حمص نزلنا من القطر وما هي إلا لمحة عين وقد تحرّك متّجهاً مع سلامة الله إلى حمص وكان طريق سيره بالقرب من نهر هناك يعرف بنهر العاصي وكان على جانبي الطريق بساتين أنيقة وزروع بهيجة تنعش الروح وتسرّ الخاطر وقد صادفنا أثناء سيرنا قرية تسمّى الياعات . الياعات قرية واقعة في طريق حمص بين بعلبك وبلد تسمّى برأس بعلبك، وعدد سكّانها يبلغ نحو ألف نفس، وأهلها يستقون من بئر عذب جميل. وقد اشتهرت هذه القرية

стр. 76

بعمود أثري مركّب من ١٦ حجراً فوق قاعدة درجية مربّعة على قمته تاج قورنشي، وعلوّ هذا العمود من قاعدته إلى تاجه يبلغ عشرين متراً، وهو منفرد في السهل وليس حوله شيء من الآثار. ويقال إنّ الّذي بنى هذا العمود هو الملكة هيلانة، أم قسطنطين الكبير، إذ أنها كانت تشيّد في كلّ مرحلة من طريقها إلى القدس أثراً ليوقد على رأسه نار ترى على مكان الأثر الآخر، افتخاراً وإعلاناً بكشف الصليب. وما زلنا نواصل السير، والطريق في الوادي كان يضيق تدريجياً بين الجبلين اللّذين كادا يتعانقان لولا كان يمنعهما الحياء، فمررنا على جملة بلاد صغيرة، ويقال إن في بعضها آثاراً تاريخية، حتّى وصلنا إلى رأس بعلبك وهي على مسيرة نحو ٧٢ كيلومتراً من مدينة بعلبك. هذه البلدة ترتفع عن منسوب البحر بنحو ٨١٠ متر، ومعظم سكّانها من طائفة الروم الكاثوليك. وعندئذ كانت المنطقة سهلاً مستوياً، فكانت تنكشف منها للمسافرين بحيرة حمص على مسافة طويلة. فما برحنا نتابع السير، حتّى إذا قربنا من تلك البحيرة مررنا بكفر يسمّى بالقاعة. وعند تلك الجهة كانت الأرض في أكثر المواضع غير مزروعة وذلك لأنّها فقدت خصوبتها بسبب مجاورتها للبحر، وقد يوجد في بعض الجهات زروع إلا أنّها من الأعشاب والحشائش الطبيعية وبعد ذلك وصلنا إلى بلد يسمّى بالقصير، ثمّ إن بحيرة حمص هذه كبيرة متّسعة حتى أنها لم تفارق أنظارنا في طول هذا السفر إلّا بعد مسيرة ساعتين تقريباً، وقد شاهدنا على مسافة بعيدة جبل عكار، الّذي سنتكلم عليه في موضع آخر من تلك الرحلة إن شاء الله، وما فتئنا نتابع السير ونقطع الفيافي والبلاد حتّى وصلنا إلى محطّة الكتينة ثمّ بارحناها فما لبثنا بعدها إلا مسافة صغيرة حتّى وصلنا مع سلامة الله ورعايته إلى محطّة حمص، وهي على بعد ١١٠ من الكيلومترات من مدينة بعلبك.

стр. 77

ملحق بقلعة بعلبك صرنا والحمد لله عند مدينة حمص بلد صاحبنا الكريم عبد الحميد باشا الدروبي، فسرّنا أن حقّق الله رغبتنا في زيارته وأعاننا على إجابة دعوته. وقد تركنا وراءنا مدينة بعلبك العتيقة وقلعتها الغريبة الّتي حوت من الآثار ما يدهش الألباب ويحيّر الأفكار، والّتي ما رأينا في بلاد الدنيا أضخم من حجارتها وعمدها، ولا أبدع من نقوشها وصورها ولا أحكم من وضعها وبنائها. بناءٌ يَخافُ الدهرُ منهُ وكلّ ما ... عَلى الأرضِ يَخشى دائماً سطوةَ الدهرِ لقد كّنا إذ دخلناها وإذ خرجنا منها في حيرة الضب وأشدّ، لا ندري كيف وصلت أفكار بني آدم إلى تشييد مثل هذا البناء وإحكام سافاته، على سعة مساحته وبعد مسافاته وكيف أمكن لهم أن يقتلعوا تلك الأحجار الضخمة والأعمدة الفخمة ويجرّوها من مقالعها إلى مواضع البناء وربّما وجد منها ما تبلغ مساحته ٣٠٠ متر مكعّب أو ٤٠٠ متر كحجر الحبلى الهائل الّذي لا يزال إلى اليوم قائماً بجانب الجبل، كأنّه يدلّ السائح على مقلعه ويرشده إلى موضعه ولسان حاله يقول: يا أيُّها الحَيرانُ في أمرِ الأُلى ... قَد أَدهَشوكَ بِأَعجبِ الآثارِ في بَعلبك رَأيت أبهرَ قلعةٍ ... تَتلو عليكَ غَرائبَ الأخبارِ

стр. 78

لَم تَفهمِ الأفكار قَصد بنائِها ... فَتَشتّتت يا حيرةَ الأفكارِ انظر إلي وَأَنت تَعلم أنّه ... عندَ الجنوبِ مقالعُ الأحجارِ نعم، ما كدنا نفرغ من زيارتها حتّى كنّا قد اقتنعنا بمهارة القدماء واقتدارهم في فنون العمارات والصناعات، خصوصاً في الرسم والتصوير. فقد رأينا لهم نقوشاً حفرية في الأحجار الصلبة والصخور الصلدة من صور متنوعة وأشكال متعددة، كان في ضمنها من صور الأشجار والأغصان المورقة البديعة ما يمثّل في تعاريجه بأدقّ صنعة وجه الأسد. ورأينا كذلك رسومات من أكاليل الزهر والحيوانات أبدع ما خطّته يد أبرع المصوّرين وأحسن ما جرى به قلم أصنع الرسّامين، إلى غير ذلك مما لا يزال واضحاً ثابتاً يكاد ينطق بما كان لهم من البراعة الفائقة في تلك الفنون الجميلة. نبذة من أخلاق المتقدّمين وعوائدهم قد كنّا أطلنا التأمّل في هياكل القلعة وتماثيلها، فلم ندعها حتّى تلقينا عنها درساً طويلاً في أخلاق الحكّام السابقين وعقائدهم وشيء من تقاليدهم وعوائدهم، فعرفنا لهم من الخرافات الكثيرة والآراء الفاسدة ما ليس يتّفق بحال من الأحوال هو وما كان يقتضيه علمهم الواسع واِقتدارهم الكبير، حيث كانوا يقطعون من الجبال حجارة ويصوّرونها بأيديهم هياكل وتماثيل ثمّ يقيمونها ويعبدونها ويتقرّبون إليها ببذل أنفس ما لديهم من الأموال والأرواح. ثمّ إنهم كانوا يسمّون كلّ هيكل باسم مخصوص، وفي الغالب يكون هذا الاسم بما يرتبط بنفس ماله الهيكل من الموجودات على حسب زعمهم الغريب. فهم يسمّون سيرس مثلاً بإلهة الزرع لأنّهم يعتقدون أنّ لها تأثيراً فيه، كما أنّهم يسمّون الزهرة بإلهة العشق وباكيس بإله الخمر، وهلمّ جرّا. ولعلّ ذلك لأنّهم كانوا لم يفكروا فيما وراء المادة ولم يوفقوا إلى البحث فيما يهديهم إلى العقائد السليمة والأفكار القويمة بل قصروا أنظارهم على ما كانت تتناوله

стр. 79

حواسّهم من الماديّات والطبيعيّات، فظلّوا من أجل ذلك عاكفين على عبادة الأصنام الّتي شيّدوها وأقاموا عليها المعابد وتغالوا في بنائها وزخرفها إلى حدّ يدهش العقول: إنّ الهياكلَ وهيَ رأيٌ فاسدٌ ... فيها دَلائلُ قدرةِ العمّالِ تُلقي عَليك دُروسَ تاريخ الأُلى ... شادوا القِلاعَ بِأضخمِ الأثقالِ تُعطيكَ مِنها للعقولِ وَللهوى ... مَثلاً يَسيرُ لآخرِ الأجيالِ قالوا التناقضُ يَستحيلُ وجودهُ ... وَبِها رَأيتُ تناقضَ الأمثالِ ظلم الحكومات في الزمن القديم خرجنا من القلعة ووقفنا نتزوّد منها النظرة الأخيرة وعندئذ ما كان أشدّ حركتها في سكونها وأعظم فصاحتها في سكوتها، إذ كان يخيّل إلينا أنّ أصواتاً خافتة كأنّها لا تزال خائفة تتصاعد من خلال الأبنية الفخيمة، ومن تحت قواعد الأعمدة الجسيمة والهياكل العظيمة، قائلة: انظروا إلى ما بقي من هذه المباني العالية، ثمّ إلى تلك الأطلال البالية تعلّموا كيف كان مقدار قسوة الحكّام وظلمهم في العصور الخالية. حَمَلنا فوقَ أظهُرِنا جبالاً ... وَشيّدنا بِها حِصناً حَصينا يَقومُ مَدى الزمان أدلّ شيءٍ ... عَلى ظلمِ الملوكِ السابقينا وَيشهد أنّنا عِشنا عَبيداً ... وَقاسَينا العَذابَ بِه سِنينا نعم وهل كان يرتاب أحد في أنّ هؤلاء العمال كانوا يساقون إلى جرّ الأثقال من

стр. 80

الجبال كما تساق الثيران والبغال؟ ولا بدّ أنّهم فقدوا الصبر وعيت بهم الحيل، بعد أن استنصروا فلم يجدوا ناصراً واستصرخوا فلم يجدوا مغيثاً. أرأيت لو أن أصحاب الأمر جعلوا بدل ما أن يقيموا من الحجارة مثل هذا البناء الهائل أن يقيموه من أجسام العشائر والقبائل التي ذهبت في سبيل الأغراض ضحيّة الأتربة والأنقاض، أليس كانوا يسدون منها الفضاء ويبلغون بها إلى عنان السماء؟ أرأيت إن نطقت هذه التماثيل النائمة والصور القائمة، أليس كانت تخبر عن عدد الأرواح الّتي أزهقت في نحتها وقطعها وحملها ووضعها؟ ولا ذنب يستوجب عقابها ولا جناية تستدعي عذابها سوى أنّها خلق كريم من الإنسان، كان من حقّه أن يشتغل بعقله ويستخدم مواهبه فيما خلقت لأجله. ولكن ما كان أسوأ حظّ هؤلاء المساكين في ذلك الوجود المظلم، إذ عاشوا ما قدّر لهم أن يعيشوا، مسخّرين لإرادة غيرهم، عاملين غير فاعلين إلا على مقتضى أمرهم ونهيهم. هَل كانَ يُرضيكَ يا جوبترُ ما صَنعوا ... بِالناسِ في غابرِ الأزمانِ والأممِ أَم كانَ يحسن يافينوس ما نَظرت ... عيناك مِن ظلمنا في خِدمةِ الصنمِ إلهة العشقِ ما ذُقنا النعيمَ وما ... كنّا لِندركَ غيرَ الذلِّ والألمِ عِشنا لِنَحملَ أَحجاراً وأَعمدة ... طولَ الحياة وَمتنا مَوتةَ الغنمِ هذه هي الأصوات التي كان يتخيّلها الإنسان تبعث من ذلك المعبد القديم أو كان يسمعها من لسان حاله وما كان أبلغه في نطقه وأصدقه في مقاله. لِسانُ المرءِ يكذبُ في كثيرٍ ... وَأصدَق ما يدلّ عليهِ فعله فَيَنطق ساكناً نطقاً صحيحاً ... وَيَظهر منهُ باطنهُ وعَقله

стр. 81

مدينة حمص حمص مدينة يقال إنها قديمة جدّاً وإن الّذي بناها رجل يقال له حمص بن المهرب بن جان بن مكنف، وقيل حمص بن مكنف العمليقي، وقيل بناها اليونانيون. وفيها آثار كثيرة ومشاهد ومزارات ومساجد شهيرة منها مشهد على بن أبي طالب، كرّم الله وجهه، ودار الفاتح الكبير خالد بن الوليد. ويقال إن أهل حمص كانوا أشدّ الناس على علي بصفّين وأكثرهم جدّاً في حربه، ثمّ صاروا بعد ذلك من غلاة الشيعة. أمّا المدينة فقائمة على مستوى من الأرض، وهي حصينة مقصودة من سائر الجهات جميلة الهواء والتربة، كثيرة المياه والأشجار وأهلها من ذلك في خصب ورغد من العيش. ويقال أنها في قديم الزمان كانت أكبر البلاد وأحسنها، وكانت بيد ملوك الروم إلى أن ملكها كسرى في أيام عطيانوش في جملة ما ملك من البلاد الرومية. ولمّا اِنهزم الروم بعد وقعة اليرموك، كان هرقل بحمص ففارقها وجعلها بينه وبين المسلمين، وأمّر عليها أميراً. ولمّا حصر المسلمون دمشق، كان بها عسكر من أهل حمص أتوا نجدة. ولمّا فتحت دمشق، سار أبو عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد قاصدين حمص بجيوش كافية، وذلك سنة ١٥ للهجرة، فنازلوها وجعلوا يقاتلونها صباحاً ومساءً. وكان البرد قد آذى المسلمين وطال الحصار فصبروا، وكتب هرقل إلى أهل الجزيرة أن يأتوا مدداً إلى حمص، فاعترضهم المسلمون وفرقوهم فلم يأتوها. فلمّا اِنصرم الشتاء، كان قد ضاق الحال بأهل حمص فخرجوا يطلبون الصلح فصالحهم أبو عبيدة على صلح دمشق، ثمّ استخلف عليها عبادة بن الصامت ورحل إلى حماة. وقد حصل فيها بعد الفتح جملة حوادث مهمّة لا يتّسع المقام لتفصيلها. أمّا سكّانها فيبلغون نحو ٨ آلاف نسمة، منهم ألفان من الروم الأرتدكس وألف من اللاتين والباقي من طوائف مختلفة. نزلنا في محطة حمص، وكان يستقبلنا على إفريزها عدد كبير من رجال الحكومة

стр. 82

وأعيان المدينة ووجهائها المحترمين، وفي مقدمتهم صاحب السعادة قائمقام حمص. وكان سعادة عبد الحميد باشا الدروبي يعرّفنا بالذوات والعظماء ويقدّمهم إلينا واحداً واحداً، وكنت أقابل الجميع بجزيل الشكر والامتنان. ثمّ ركبنا وركب معنا سعادة القائمقام عربة الباشا الخاصة الّتي كانت قد حضر بها مع جملة عربات أنجال سعادته، وقصدنا توّاً إلى منزله. وكان الطريق من المحطة حتّى بيت سعادة الباشا مزدحماً بالناس الّذين كانوا يستقبلوننا والبشر يتلألأ على وجوههم، حتّى لقد كنت أخال أنّي ضيف كلّ واحد منهم على حدته. وما كنت لأستغرب أن يخرج إلى المحطّة وطرقات البلد سكّان المدينة عن بكرة أبيهم فألاقي من حفاوتهم واحتفالهم بنا ما لم يتّفق أن نلاقيه في جميع بلاد الشام. وأنا أعرف أنّ سعادة عبد الحميد باشا الدروبي قد اِشترى من جميع هؤلاء الناس أفئدتهم وملك نفوسهم بما يسديه إليهم من معروفه وماله، فهو في تلك المدينة بمثابة والد شفيق لكافة الناس. بِبذلٍ وحلمٍ سادَ في قومِهِ الفَتى ... وَكَونك إِيّاه عَليكَ يَسيرُ أمّا البيت فكان واقعاً من البلد في أجمل منطقة وأحسن بقعة، تحيط به الحقول اليانعة والبساتين الواسعة من جميع جهاته، وليس منظره من الداخل بأقلّ حسناً وبهجة منه في الخارج. زيارات وقد جاء إلينا في ذلك البيت جميع الّذين كانوا قد اِستقبلونا عند موقف القطار وغيرهم، فاستقبلناهم بما يليق بهم من الحفاوة والاحترام، وجلسنا معهم مجلساً طويلاً نتحدّث سويّاً. وكان من بينهم بعض مشايخ وبكوات من عشائر الدنادشة المعروفين في تلك البقاع بالمهارة في ركوب الخيل والمشهورين باقتناء جيادها أيضاً. وقد كنت أعرف ذلك عنهم قبل مخالطتهم في هذا البلد، ومن ثمّ قلت لهم في غضون حديثي أنّي أرجو، إن شاء الله، أن أرى ما يسرّني من كرائم خيلكم ومهرة فرسانكم. فقالوا: إن شاء الله، سنتشرف بمقابلة دولتكم عندما تمرّون في طريق

стр. 83

سفركم السعيد من حمص إلى طرابلس، وإذ ذاك ترون من الخيل والخيّالة ما لعلّه يوافق رغبتكم الشريفة. قلعة حمص وبعد ذلك ذهبنا إلى زيارة قلعة حمص، وكنّا نحسب أنّها من الأهميّة بالمكان الّذي يستدعي قصد السياح إليها. ولكنّا وجدناها خربة قد دمّرتها يد الخطوب والحوادث وحطّمها كرّ الغداة ومرّ العشيّ، حتّى لم يبقَ من معالمها الأثريّة إلا باب أو بابان، لا أذكر تماماً. ويقال إن جدّنا المرحوم إبراهيم باشا هدم من ذلك الحصن جزءاً كبيراً عندما حارب الشام وخرج عليه أهل حمص وعصوا أوامره. وكنّا نرى ونحن فوقها من أبنية المدينة، خصوصاً جوامعها وكنائسها وما يحيط بها ويتخلّلها من الأشجار والأنهار، مثل تلك المناظر الجميلة الّتي كنّا نطل عليها تحت الجبال والحصون العالية في كثير من بلاد الشام. كلمة عامة عن المدينة نزلنا من القلعة قاصدين إلى زيارة ما كان يهمّنا زيارته في هذا البلد، فقصدنا أوّلاً إلى زيارة جامع خالد بن الوليد، ﵁، فمررنا من سوق كبير مسقوف بالخشب كأسواق دمشق وبعض الأسواق في بلاد الشرق. ولاحظنا أثناء مرورنا أن أغلب الباعة في حوانيت هذا السوق كانوا من الحمصيّين، أمّا المشترون فإنهم يختلفون بين هؤلاء وبين أعراب البادية والشراكسة المهاجرين الّذين يسكنون ضواحي حمص وما يجاورها من البلاد. كما لاحظنا، من الأزقّة والطرق وشكل البيوت في كلّ الجهات الّتي مررنا عليها، أن مدينة حمص كسائر بلاد الشام، على معنى أنّها لا تزال إلى اليوم حافظة لكيانها الشرقي وشكلها الأصلي.

стр. 84

جامع خالد بن الوليد وبعدئذ ذهبنا من خارج البلد لنزور جامع خالد بن الوليد ذلك الّذي له الفضل الأكبر في فتوح الشام. وعندما أوشكنا أن نصل إليه، وقد كان على أقرب المسافات من المدينة، قال لنا سعادة عبد الحميد باشا الدروبي اقتضاباً: أمّا وقد لمحتم دولتكم هذا المسجد العجيب الإتقان البديع البنيان فإنكم لابد تذكرون في نفسكم ما يشبهه ويجانسه في مصر. (وقد كنت خالي الذهن إذ ذاك من كلّ شيء إلا فيما كنت رأيته من المدينة وما حولها) فقلت لسعادته إنّه لم يدر في خلدي شيء فأحدث نفسي بمثله في مصر اللهمّ إلا ما رأيته في طريقنا وذلك المسجد. فقال سعادته: ألم يكن شكل هذا الجامع ليلفت خاطركم إلى المسجد الكبير الّذي أسّسه في قلعة مصر جدّكم الأكبر، ساكن الجنان، محمّد علي باشا؟ فقلت له: بلى، لكأنّي به وهو جامع القلعة بعينه. وحقيقة، كان هذا المسجد العظيم لا يختلف عن جامع القلعة شيئاً في رسمه ونظره، سواء في ذلك شكله من الظاهر والباطن. وقال سعادة الباشا: إننا استصدرنا أمر جلالة مولانا السلطان بإصلاح هذا المسجد وتعميره، ورأينا حينئذ أن نشيده على طراز مسجد القلعة، وقد أعاننا الله تعالى على ما وفقنا إليه من تشييده وإتقانه، حتّى صار كما ترون. ثمّ دخلناه واطّلعنا على ما كان فيه، وقد سررنا كثيراً من زخرفه وزينته. واِتّجهنا بعد ذلك إلى زيارة ذلك البطل الكبير والفاتح الشهير خالد بن الوليد في ضريحه، وقرأنا على روحه الطاهرة ما تيسّر لنا من القرآن الكريم. إلى بيت الباشا ومن هناك ذهبنا قاصدين إلى دار سعادة المتصرّف لنردّ له زيارته، وكان طريقنا إليه من داخل المدينة. وبعد أداء الزيارة، عدنا إلى بيت سعادة صاحبنا عبد الحميد باشا. وقد أعدنا إليه النظر، فأعجبنا جدّاً شكله وموضعه الّذي حاز مع جمال المنظر

стр. 85

كمال الأبّهة، حتّى إذا رآه الواحد على بعد لم يشك أنّه بيت مجد وإمارة. ومذ دخلناه رأينا فيه إشارة برقية أرسلها إلينا صاحب العطوفة فخري باشا والي حلب فاستلمناها وقرأنا فيها سؤال عطوفته عن وقت قيامنا من حمص، وعن اليّوم الّذي نصل فيه إلى حلب. فأرسلنا إلى عطوفته إشارة من لدنّا أخبرناه فيها بما كنّا صمّمنا عليه من العدول عن زيارة هذه المدينة، معتذرين إليه بضيق الوقت، مظهرين كبير أسفنا من عدم سنوح الفرصة برؤية حلب الشهباء. وأنه لقد كان في نفسي من أوّل الأمر أن أزور مدينة حلب وأن أقيم فيها يومين، عندما كنت متردداً بينها وبين حماة. ولكنّي، على الرغم من ذلك، جاريت الظروف وقتئذ ونسخت ما كنت رسمته في خطّتي الأولى من مشارفة هذا البلد، مستعيضاً منه مدينة حماة. وعندما جاء وقت الظهر، وكان قد حضر حضرة القائمقام، دعينا إلى المائدة فتناولنا عليها طعام الغداء الشهي. وما لبثنا بعد ذلك إلا قليلاً، ثمّ قدّمت إلينا إشارة برقية أخرى من لدن عطوفة فخري باشا، يذكر فيها أنّ جميع أعيان حلب ووجهائها قد كلّفوا عطوفته أن يرجونا بالنيابة عنهم أن نجيب طلبهم إلى زيارة بلدهم، إلى أن قال: وإن لهم وطيد الأمل وكبير الرجاء في أن لا يحرموا من تلك الزيارة الجليلة، وأنهم منتظرون بفروغ الصبر إجابة تسرّهم، وإلا فإنّهم مستعدّون جميعاً للحضور بأنفسهم إلى مدينة حمص لكي ينالوا رغبتهم ويحصلوا على غرضهم. وإذ ذاك لم يسعني حيال هذا الكرم الكبير سوى أن أعدل خطّتي مرّة ثانية وأستردّ عزيمتي على زيارة مدينتهم، فأرسلنا إلى عطوفة الباشا الوالي رسالة برقية نشعره بما صار إليه عزمنا من قبول ملتمسه بالأصالة عن نفسه وبالنيابة عن حضرات من كلفوه ذلك، مع إبداء مزيد الشكر والامتنان لمعروفه ومعروف أبناء حكومته المخلصين. ثمّ توجّهنا إلى زيارة المدرسة الإسرائيلية لمناسبة أنّ مؤسّسيها كانوا قد طلبوا إلينا زيارتها. وقد وجدنا في اِستقبالنا عدداً كبيراً من تجّار الحمصيّين في مدينة طنطا. وعندما دخلنا أخذ جميع الحاضرين يهتفون لنا بالدعوات تارةً وبالتحيّة والترحيب تارة أخرى. وبعد أن جلسنا في قاعة الاستقبال بين المحتشدين، قام بعضهم يذكر بين أيدينا قصائد ومقالات بليغة كانت كلّ عباراتها تدور حول الترحيب بنا والثناء علينا. وإنّا نقتطف منها ما نراه يناسب رحلتنا مبتدئين بالمقالة الّتي قدّمها إلينا

стр. 86

مطبوعة حضرة الكاتب البليغ الدكتور كامل لوقا، قال حضرته: يا دولة الأمير العظيم، أتشرّف الآن بالوقوف أمام دولتكم عن مفوّض المسيحيين الحمصيين، نزلاء الديار المصرية، الّذين طالما تمتّعوا بالراحة والعدالة والحقوق التجارية تحت كنف العائلة الشريفة المحمّدية العلويّة. أتشرّف بالنيابة عن أولئك العثمانيين لأحيي أميراً عثمانياً مصرياً، فأحيّيكم مرحباً بسلامة قدومكم الميمون من ديار عربية عثمانية مصرية إلى ديار عربية عثمانية سورية. أحيّيكم وأقدّم لكم عواطف الامتنان والشكر بلسان أولئك الّذين يستثمرون أموالهم وأتعابهم في تلك الديار السعيدة منذ خمسين عاماً، وهم في بحبوحة من السعة ورغد العيش. نعم أحيّيكم وأحيي بكم مصر وساكنيها بلسان بضعة آلاف من الأهالي الحمصيين الّذين ينتفعون ويشتغلون ويقدّمون منسوجاتهم الوطنية إلى قطركم المصري. أجل، إقراراً بالفضل ومعرفة الجميل، نحيي باِسمكم الكريم أيّها البرنس الفخيم ونحني الهام أمام تلك الروح الطاهرة الشريفة الّتي أحيت العدل والمعارف في القطر المصري السعيد، روح أحد أبطال الشرق العظام، جدّ العائلة الخديوية الشريفة المرحوم محمد علي باشا الكبير. فأهلاً وسهلاً بأمير أحيا لنا ذلك الاسم المحبوب، فنحيّيكم باسم أولئك النزلاء الحمصيين في كافة القطر المصري عموماً، وفي طنطا خصوصاً، كأمير زائر شريف يقصد النزهة في بلاد ترحّب بزيارته. أمير متنوّر فاضل عرف أن البلاد السورية شقيقة البلاد المصرية، فأحبّ إلى زيارتها على الرحب والسعة. فأهلاً بالفضل ومرحباً بالنبل، وأكرم بهذا الضيف العظيم وبمضيفه الكريم من يفتخر به الوطن مولاي سعادة الهمام عبد الحميد باشا الدروبي. وفي الختام، تنازلوا يا دولة الأمير لقبول عواطفنا القلبية وسرورنا بتشريفهم، مجاهرين بقولنا ليعش جلالة مولانا السلطان محمد رشاد وليعش سموّ الخديوي عباس المعظم وليحي دولة البرنس محمد علي باشا، والسلام. وممّا كان ذكر في هذه الحفلة أيضاً بعض أبيات قدّمها لنا مطبوعة لفيف من الحمصيين المسيحيين الّذين يتّجرون في القطر المصري وهي: لا غَرو إِن شمت حمصاً تَزدهي طرباً ... وَفي مَرابِعها تَزدادُ أنوارُ

стр. 87

فإنّها بَلغت من دَهرها أرباً ... غَنّت لِبهجتهِ في الروضِ أطيارُ قَد زارَها اليومَ مِفضالٌ منَ الأمرا ... تَشرّفت وَاِنثَنت تيهاً بِملقاهُ وَزينت بِشقيق باتَ مُزدهراً ... وَزنبقٍ فاحَ طيباً عرفُ ريّاهُ شَرّفتنا يا سَليلَ المجدِ عَن كثب ... شَرّفتنا فَعلى الترحيبِ والسعةِ فَاِقبَل تشكّرنا يا أيّها العربي ... يا ربّ كلّ ندىً سام وَمكرمةِ أَهلاً وسهلاً بِمَولى زارَ بَلدَتنا ... بِموكبٍ قادمٍ مِن بقعةِ النيلِ أَولت زيارتهُ أَفرادنا مِنناً ... فَلَنبدينّ لهُ شكراً كإكليلِ تجّار حمص بِطنطا حاصِلون عَلى ... عَطفِ الحكومةِ مَع أَقصى عِنايتها وَمع بَني مصر عاشوا إخوة فإِلى ... مصر تحيّتنا الجلّى بِغايَتها مِن حمصَ في مصركم بيت وعائلة ... حلّت بِجملتِها والأنسُ موجودُ إنّا على ثقةٍ إنّا على ثقةٍ ... بِما اِنطويتم علَيه أيّها الصيدُ لَذا أَتيناك يا مَولى الكرامةِ يا ... رُكنَ الفخامةِ نَتلو آيَ شكرانِ بلّغ عَواطِفنا لا زلتَ مُرتقياً ... حُكومةً قَد حَبَتنا كلَّ إِحسانِ

стр. 88

هَذي العواطفُ بالإِخلاصِ نُبديها ... بِشَخص علياكمُ الأسمى إلى مصرِ لا زلتَ بينَ البرايا تَنثني ... باليمنِ وَالرغدِ والإسعادِ والبشرِ وبعدما فرغوا من ذكر أشعارهم ومقالاتهم، أخذنا نتحدّث في موضوع التجارة المحليّة. وسألتهم في ماذا يتّجر أهل حمص وأيّ الأشياء أكثر شهرة في متاجرهم فذكروا لي أنّ تجارة الحمصيّين قائمة في الغالب على ما لا يمكن الاستغناء عنه من محاصيلهم ومصنوعاتهم التي أشهرها وأهمّها المنسوجات الحريرية والقصبية ثمّ إن حمص هي البلدة الوحيدة الّتي اِشتهرت في جميع بلاد سورية بحل الحرير وإحسان صنعته ونسيجه، ثمّ قمنا من ذلك المجلس الحافل مودّعين من كلّ المحتفلين الكرام بغاية الإكرام والاحترام وبعد أن شكرنا لهم هذا الأدب والمعروف عدنا إلى بيت سعادة الباشا الدروبي وما برحنا هناك نستقبل ونودّع حضرات الزائرين الّذين كانوا يفدون علينا في هذا البيت الكبير زمراً وأفواجاً حتّى اِحتجبت الغزالة في خدرها وقد كان جيء إلينا في تلك الأثناء بحصانين قريعين، فلم نجدهما وفق رغبتنا من كلّ الوجوه على أنّهما لم يكونا من الجياد الكريمة الأصل ولا من هذه الخيل المطهّمة. السفر من حمص وفي صبيحة اليوم الثاني كنّا تأهّبنا للسفر إلى حلب، فتوجّهنا من منزل سعادة عبد الحميد باشا إلى المحطّة في ركاب حافل من مظاهر القوم وأعيان المدينة الّذين رافقونا حتّى ودّعناهم ونزلنا في القطار وكان لا يزال معنا سعادة الباشا الدروبي ذلك الرجل الأريحي الّذي جمع بين حزم الشيوخ وعزم الشباب وعرف كيف يستخلص له قلوب الناس ويحلّ من صدورهم محلّ الوالد البارّ نعم إنّا لا ننسى لهذا الشهم الواسع الخلق الرقيق العواطف ما رأيناه من فرط كرمه ومزيد عنايته بنا في كلّ حركة

стр. 89

وسكون، وسار القطار على بركة الله متّجهاً إلى حلب وما اِنفكّ يواصل بنا السير والأرض على يميننا ويسارنا إلى مسافات واسعة كانت كلّها خصبة جيّدة مفروشة ببساط من المزارع الخضراء حيث كان الزمن ربيعاً، وكنت أعجب كثيراً بما أشاهده على تلك الزروع من ألوان الزهر المختلفة بين الحمراء والبيضاء والزرقاء الّتي تشبه مجموعتها البديعة باقة الزهور المرصّعة، وجلّ هذه المزارع النضرة والأعشاب الجميلة إنّما نبتت في تلك الأرض بواسطة الأمطار وعندئذ لم أستغرب ولم أندهش ممّا كنت سمعته من أن قبائل العرب والرعاة يقصدون إلى الجهات قبل فصل الصيف بخيلهم ومواشيهم لرعي تلك الحشائش، وما أحسنها من مرعي وأجملها من ربيع خصوصاً وأن المياه في تلك البقعة غاية في الكفاية والصفاء، حتّى بلغ إلى محطّة حماة وهي على مسافة ٥٥ كيلومتراً من حمص وقد قطعها القطار في نحو ساعة و٤٥ دقيقة. حماة هذه البلدة واقعة في حدود ولاية سورية وكانت أوّلاً تابعة لأيالة الشام، أمّا الآن فقد انفصلت عنها وجعلت متصرفيّة مستقلة وهي مدينة قديمة التاريخ، ويظنّ كثير من النّاس أنّ بانيها هو حمت بن كنعان. فإذا صحّ ذلك فيكون قد مضى عليها الآن أكثر من ٤ آلاف سنة. ويقال إن حماة كانت في وقت خروج الإسرائيليين من مصر مملكة مستقلّة تتاخم أرض الميعاد الّتي اِحتلّها الإسرائيليون. وكانت المملكة التي تسمّى باسمها تمتدّ من منبع العاصي حتّى مصبّه مع كلّ السهل الشرقي منه، وكان يتاخمها من الجنوب مدينة دمشق ومن الغرب بلدا فينيقية وممّا يدلّ على أن هذه البلدة قديمة جاهلية ما جاء في شعر اِمرئ القيس من بعض قصائده حيث قال: تقطّع أَسباب اللبانة وَالهوى ... عَشيّة رُحنا مِن حَماة وشيرزا ثمّ إنّها أوسع من مدينة حمص مساحة وأكبر منها عمارة وسكانها يبلغون نحو

стр. 90

٩آلاف نفس. ويقال إن المسلمين من هؤلاء السكّان متمسكّون بدينهم تمسكّاً شديداً بلغ بهم إلى درجة التعصّب، ثمّ إنّهم غاية في الشهامة والشجاعة. ويقال إن الملك المؤيد عندما فتح بلاد الشام جعل هذه المدينة قاعدة ملكه، وتسمّى بسلطان حماة. وينسب إليها بعض العلماء والملوك، وأشهرهم المؤرّخ أبو الفداء الحموي أحد ملوكها من الأيّوبيّين، والجغرافي الكبير ياقوت صاحب المعجم، وتقي الدين ابن حجّة الشاعر المعروف. ومن أشهر بيوتها الّتي يفتخر بها أهل حماة ويذكرونها بالفضل والسيادة بيت الشيخ عبد القادر الكيلاني، شيخ الطريقة الكيلانية المعروفة. أمّا صناعتها فمنحصرة في اِصطناع الأشياء العمومية الّتي لا يستغنى عنها من المنسوجات الحريرية والقطنية والأحذية وما أشبه ذلك. ومن محاصيلها الحنطة والشعير والذرة وغيرها من الحبوب والفواكه الّتي يصدر كثير منها إلى طرابلس، ويرسل أيضاً كثير من سمنها وجبنها إلى أسواق الشام وزحلة وغيرها. وتجارتها دائرة على تلك المصنوعات وهذه المحاصيل. فتح حماة وقد فتحت حماة سنة ١٧ هجرية على أيدي المسلمين، وكان بطلها ذلك الفاتح العظيم أبا عبيدة بن الجراح فإنّه، ﵁، قصدها بعد فتح حمص فتلقّاه أهلها مذعنين فصالحهم على الجزية والخراج. وقد توالت عليها بعد ذلك جملة حوادث عظيمة ففي سنة ٢٩٠ قصدها القرامطة وقتلوا أهلها ولم يبقوا على النساء والأولاد. وفي سنة ٣٥٢ خربت حماة بالزلازل الّتي أصابت الديار الشامية. ويروى أنّ معلماً خرج من المكتب فلمّا حدثت الزلزلة سقط المكتب على الصبيان فهلكوا عن آخرهم، ولم يأت أحد يسأل عن ولده، ممّا كان دليلاً على أن جميع آبائهم هلكوا في تلك الحادثة أيضاً. وفي سنة ٥٦٥ تخرّبت بالزلازل أيضاً، وملكها السلطان صلاح الدّين الأيوبي سنة ٥٧٠ مظهراً طاعة الملك الصالح بن نور الدين زنكي. وفي سنة ٥٧٣ حصرها الإفرنج، وكان فيها خال صلاح الدين مريضاً وكانت بينهم وبين أهلها مقتلة عظيمة، وأقاموا على قتالها أربعة أيّام، ثمّ استظهر عليهم المسلمون فرحلوا

стр. 91

عنها. ثمّ كانت بعد صلاح الدّين لفرع من عائلته منهم ملكها المشهور أبو الفداء الحموي. وعندما كنّا وصلنا إلى محطّة حماة وجدناها غاصّة بعظماء الناس وأكابرهم، وكان بعضهم من حكومة حماة ومن رؤساء البيوت الكبيرة فيها مثل زعيم أسرة الكيلاني الشهيرة ورئيس أسرة الأزهري الّتي هي من أفخم الأسر في تلك المدينة. وقد عرفنا من حديثهم أنّ لهم قرابة في مديرية المنيا بالقطر المصري. وكان البعض الآخر من مدينة حلب، وهؤلاء منهم اثنان مندوبان من قبل عطوفة الوالي وهما صاحبا السعادة مرعي باشا ناظر أوقاف حلب والميرالاي (قومندان الجندرمة) واثنان آخران مندوبان من جهة أعيان المدينة ووجهائها. وقد جاؤوا جميعاً إلى محطّة حماة ليستقبلونا على أطراف ولايتهم، يحملون إلينا سلام دولة الوالي وتحيّة عظماء البلاد وليكونوا أيضاً في خدمتنا وتحت إشارتنا من هذا البلد حتّى نصل إلى بلدهم. وإنه لا غرابة أن ألاقي مثل هذه العناية الفائقة والأريحية العظيمة من عطوفة الوالي ورجال حكومته وأهالي ولايته، بعد أن رأيت شبيهها أو أكثر في حمص وفي كثير من البلاد الشامية، إذ كان هؤلاء الناس الكرام المخلصون يقدّرون ضيوفهم حقّ قدرهم، ويبالغون في إكرامهم وإحسان وفادتهم، ويبلغون بهم من الكرامة إذاً ما هم حقيقون به وأهله. ولقد شكرت هذا الوفد ومن كان واقفاً معهم من أهل حماة من لساني بما كنت أستطيع أن أعبّر به عمّا استقرّ في نفسي من معروفهم الكبير ولطفهم الكثير. وبعد ذلك ودّعنا الحمويين حيث كان قد تحرك القطار، ونزل معنا فيه ذلك الوفد الجليل، فمررنا ببلدة تعرف بمعرّة نعمان، نسبة فيما يقال إلى نعمان بن بشير. وهي من القرى الّتي اشتهرت بالحروب الصليبية، ويوجد فيها خربة مهدّمة يقال إنّها كانت قلعة نعمان. وسألت أصحابنا عن عدد سكّانها الآن فقالوا إنهم يبلغون ٧ آلاف نفس. وشاهدنا حول هذه القرية مروجاً وأحراشاً واسعة، يقال إن أكثر غرسها من شجر التين والفستق. ومررنا بعدئذٍ ببلدة تسمّى السرمين، وهي مشهورة بالينابيع والعيون الكثيرة التي تتفجّر من خلال الصخور. ويقال إن في هذه القرية عدداً كبيراً من المغارات والكهوف حيث كان الناس في سابق الزمان يسكنونها ويأوون إليها وإلى بطون الجبال. أمّا أرضها فكان منها الخصب المزروع، ومنها القحل الأجرد بسبب تغلب الملوحة في تربته. أمّا تلك الأراضي المملحة فكانت ترى للمسافر على مسافة

стр. 92

بعيدة من البلد. ثمّ مررنا ببلد يدعى بخان تومان، ويزعمون أنّ هذا الاسم مأخوذ من اسم أحد السلاطين، وعند هذه القرية يشاهد المسافر مآذن حلب من بعيد. ثمّ ما برحنا سائرين ننتقل من بلد إلى آخر والمزارع من جمالها الطبيعي على ما وصفنا حتّى مررنا بنهر يسمّى قويق، وهو من الأنهار المشهورة في تلك الجهات. أمّا المسافة من تلك النقطة إلى مدينة حلب فكانت تقرب من نصف الساعة بسير القطار وقد كنّا في غضونها نطلّ من نافذة العربة فنشاهد أمامنا على بعد هيكل مدينة حلب جسيماً ضخماً تعلوه مآذنها الشاهقة الّتي هي أوّل ما يظهر للناظرين، وما كدنا نقرب من المحطّة حتّى وجدناها تموج بالمنتظرين من وجهاء المدينة وحكّامها موجاً، وهنا لا أستطيع أن أعبّر عن وصف الابتهاج وشرح السرور الّذي كان يخامر نفسي من العناية الكبيرة والحفاوة التامة الّتي كنت أراها بين لحظة وأخرى من سعادة مرعي باشا ناظر الأوقاف وبقيّة الوفد الحلبي حيث كانوا في أثناء هذا السفر لا يألون جهداً في تعهّد راحتنا وانبساطنا وإعمال ما كان يمكنهم من الوسائط لإدخال الفرح على أنفسنا، وقد كانوا يرشدوننا في الطريق على كل شيء مهم سواء من جهة الزراعة والصناعة أو من جهة تاريخ البلاد الّتي كنّا نمرّ بها وأحوال السكّان وعوائدهم في بلادهم وآثار القدماء في تلك البقاع ذلك فضلاً عن أنّهم كانوا يراسلون بواسطة السلك البرقي جميع المحطّات الّتي كان يرسو عليها القطار في طول السكّة ويهتمّون جدّاً بخروج الناس لاستقبالنا على المواقف عند مرور القطار حتّى وصلنا بسلامة الله إلى محطة حلب. في محطة حلب وقف القطار فكان الصالون الخاص بنا محاذياً تمام المحاذاة لموقف صاحب العطوفة فخري باشا الوالي، وما أوشكت أن أنزل من باب العربة حتّى أسرع عطوفته إلى مقابلتنا وتهنئتنا بسلامة الوصول إلى بلدهم. وبعد ذلك أخذ يقدّم إلينا حضرات المستقبلين واحداً واحداً، وكان في أوّلهم صاحبا السعادة توفيق باشا، قومندان عسكر الأردي السابع في ولاية حلب، وأسعد باشا جابري، ثمّ حضرات العلماء فالرؤساء الروحيين. ولمّا أن انتهينا من مصافحتهم والسلام عليهم، ذهبنا إلى قاعة

стр. 93

الاستراحة في المحطّة، وجلسنا فيها برهة مع حضرات المحتفلين الكرام. وعند ذلك قام في وسط هذا الاجتماع العظيم شيخ جليل وألقى على مسامع الحاضرين خطبة لطيفة، كان موضوعها منحصراً في تهنئتنا بالسلامة وإظهار سرور أهل البلاد بقدومنا إليهم، فسررت منه ومن خطبته، وشكرته وشكرت أيضاً جميع الموجودين. ثمّ ذهبنا إلى خارج المحطّة حيث كانت العربات مجهّزة لنا فركبنا وركب معنا عطوفة الوالي عربته الخاصة، وتبعتنا حاشيتنا في عربة أخرى. فسرنا أوّلاً من طريق كان قد اِصطفّ على حافتيه عدد كبير من العساكر الّذين كانوا يختلفون بين بيادة وسواري وطوبجية، وكانت الموسيقى العسكرية تحيينا بنغماتها الشجية. ثمّ سرنا في الطريق الموصل إلى الفندق بين زحام عظيم على جانبيه من سكّان المدينة الّذين كنّا نشاهد البشر العظيم يتألّق سناه على وجوههم البسّامة، لا فرق في ذلك بين شبابهم وشيبهم ولا بين غنيّهم وفقيرهم. كما أنّنا كنّا نرى من لطف عطوفة الوالي وكماله ما ليس في وسعي أن أقدّره في عبارتي فيدرك أو أصفه فيفهم بأكثر ممّا يعرفه الإنسان من أحب الناس إليه وأشفقهم عليه. وقد صرّح لي في خطابه أثناء السير بما كان ينطوي عليه فؤاده من محبّتنا وما كان ينويه ويودّه من نزولنا ضيوفاً عليه مدّة إقامتنا في المدينة، لولا أنّ بيته صغير وقد نزل فيه بالصدفة صاحب الدولة ناظم باشا بدعوة سابقة من لدن عطوفته. فسررت جدّاً من تصريحه بجميل نيّته وحسن قصده بنا، وقد اتّسعت من صدري مكانته وعظمت في قلبي محبّته، عندما كان يكرّر أسفه الشديد من ضيق البيت، حتّى لقد عدّ ذلك من الصدف الّتي عاكسته في أحبّ شيء إليه، وحالت بينه وبين ما كان يرجوه ويودّه من صميم قلبه. ثمّ ما زال عطوفته معنا حتّى دخلنا الفندق وتعرفنا منه بهداية صاحبه ما كان خصّص لأجلنا من الحجرات. وهناك جلسنا مستأنسين بحديث عطوفة الوالي ولطفه ريثما شربنا القهوة، ثمّ جاء إلينا سعادة توفيق باشا القومندان وعدد كبير من عظماء المدينة فرحبنا بمقدمهم وأهّلنا بهم جميعاً، وذكرت لهم بعبارات متكرّرة حسن عنايتهم واِهتمامهم بنا، وكنت أشكرهم لذلك شكراً جزيلاً. وقد كنت في غضون حديثي معهم ألاحظ من حركاتهم ولهجاتهم نشاطاً عظيماً وأدباً تامّاً وحماساً زائداً، إلى غير ذلك ممّا اِستوجب فرط محبّتي لهم، خصوصاً بعدما أظهروا لنا مودّتهم الكاملة وإخلاصهم

стр. 94

المتناهي. وحقيقة كنت أقرأ في وجوههم آيات الإخلاص والصدق وكانت نفسي لا تحدّثني بغير ذلك فيهم. وَالعينُ تَعلَمُ من عَيني محدّثها ... إن كانَ من حزبها أَو مِن أَعاديها ولم نلبث، بعد أن خرجوا من عندنا وخرج عطوفة الوالي أيضاً، إلا برهة صغيرة، ثمّ وصل إلينا أن دولة ناظم باشا قد حضر إلى الفندق بقصد زيارتنا، فاهتممت جدّاً بزيارة هذا الرجل الكبير المحبوب. وعندما اِستشعرت بقدوم دولته، ذهبت مسرعاً لاستقباله على سلّم الفندق. وكانت هذه أوّل مرّة تقابلت فيها مع دولته، فسلّمت عليه، وذهبت به إلى ردهة الاستقبال، حيث جلسنا نتحدّث، آونة في بعض الشؤون العامة، ومرّة في بعض الأحوال الخاصّة، حتّى انتهى بنا الحديث إلى ذكر القلاقل والصعوبات الكثيرة الّتي توجد الآن في جهة العراق من جرّاء الحوادث الأخيرة. ذلك كان لمناسبة أنّ دولة الباشا سيسافر من حلب إلى مركز وظيفته في تلك الجهات، حيث أنّ دولته والي بغداد والموصل وديار بكر. وقد ذكر لي في خلال حديثه أنه يعرف الجناب العالي الخديوي، وأنه يحبّ كثيراً نجل عمّنا دولة الأمير عزيز باشا حسن، المستخدم في الجيش العثماني. وقد كنت كلّما تغلغلنا في الكلام وتبادلنا أطراف الحديث في المسائل المهمّة، أجد في ذلك الرجل العظيم نباهة زائدة وذكاء حادّاً وعلماً غزيراً. أمّا هو فكان شيخاً أبيض اللحية والرأس، وعسكرياً بكلّ معاني الكلمة، وكانت تبدو على وجهه مع السماحة والبشاشة سيمياء القوة والشجاعة. وعندما أراد الانصراف قمنا فودّعناه بما يليق بمقامه الجليل من الحفاوة والتبجيل شاكرين له خفّته إلى زيارتنا في الفندق على أثر حضورنا. ردّ زيارة ولم نمكث بعد ذلك إلا حيث تهيّأنا للخروج وأعددنا له عدّته، ثمّ قصدنا إلى منزل عطوفة فخري باشا، الوالي، لنردّ لدولته ودولة ناظم باشا ضيفه الكريم زيارتهما. وقد لبثنا لديهما مدّة غير قصيرة، دار حديثنا في أثنائها على موضوعات

стр. 95

شتّى ومباحث كثيرة، كنت أجدني في خلالها غاية في الارتياح والسرور، لأنّي كنت أراني جالساً بين رجلين فاضلين عاقلين من أكبر الناس أدباً وحلماً، وأوسعهم معرفة بأحوال الأمم والشعوب. وقد كان عطوفة والي حلب يتدفّق علماً ويتوقّد فطنة وذكاء، وإذا تحدّث في موضوع علمي أو سياسي أو أخلاقي اتّسعت له فيه المادة، فيصوغ ما شاء الله من معلوماته الصحيحة ومعارفه الكثيرة عبارات رقيقة رشيقة. ثمّ هو يجيد التركية والعربية والفرنساوية غاية الإجادة، ويتكلّم بها كلّها كأنّها لغته الأصلية الّتي فطر عليها. وقد فهمت من خلال كلامه وحركاته أنّه تربّى تربية عسكرية، وأنّه كان أركان حرب في الجيش الماضي، غير أنّه كان مرتدياً لباساً ملكياً ملائماً لوظيفته الحاضرة. ثمّ كنت سمعت أنّه تقلّب على جملة وظائف عالية، حيث كان في ولاية الأناضول وبلاد العرب والشام وبغداد وبصرى. وإن رجلاً تعاقبت عليه كلّ هذه الولايات، وكان عمله في كلّ واحدة منها ينادي بفضله ويشهد لاستعداده وكفاءته، وأنّه من الذكاء والعلم بالدرجة الّتي لا نعرفها إلا لبعض أفراد يعدّون على الأصابع، لهو حقيق أن يوضع في العيون وتعقد عليه القلوب. كما أنّ الحكومة التي تريد أن تكون في صف أعظم الحكومات، وتكبر من دولتها وصولتها، هي أحوج ما تكون إلى استخدام مثل هذه الأفكار الواسعة المتصرّفة لتنتفع بها في أجلّ شؤونها وأخطر أعمالها. والشيء الغريب الّذي لا يزال غامضاً غير مفهوم إلى الآن، هو أنّنا نرى الحكومة العثمانية الحاضرة تختار لأعلى مناصبها وأسمى مراكزها صغار الموظّفين وضعافهم. على حين أنّه لا يزال يوجد، والحمد لله، رجال عثمانيون أذهبوا أعمارهم الطويلة في خدمة الدولة مع غاية الصدق والإخلاص، وما برحوا يعملون في مصالحهم على رقيّ الدولة ورفعة شأنها، ويسعون سعياً متواصلاً وراء سعادتها وإكبار أمرها. فكان من حقّ هؤلاء العمّال المخلصين المتفانين في حبّ الدولة أن يشغلوا تلك المراكز السامية والوظائف الكبيرة. وأغرب من ذلك دعوى بعض الناس اليوم أنّه لا يوجد بين كبار الرجال في الحكومة من تتوفر فيه الكفاءة والاستعداد لإدارة الأعمال السياسية الخطيرة. وهذا ما جعلني أتجاسر أمام دولة ناظم باشا، والي بغداد، وأقول له بكلّ صراحة، على مسمع من سعادة القومندان توفيق باشا وغيره، أنّي أستغرب كثيراً أن الحكومة الحالية تعيّن في أرقى

стр. 96

مصالحها الداخلية بعض المستخدمين في المصالح الصغيرة، كما تعلم دولتكم. وربّما كان أمثال هؤلاء، الّذين ترفعهم الحكومة وتمرّ بهم فوق رؤوس الكبراء، لم يكونوا من العلم والفضل بالمكان الّذي ينبغي لصاحبه أن يتّصل بأرباب العمل وأصحاب الرأي، ثمّ تترك في زوايا الإهمال فطاحل العلماء وأفاضل الرجال مثل عطوفة فخري باشا، ذلك الرجل العظيم الّذي كلنا يعلم بمقدار نبله وفضله وتثبّته في الأمور. نعم، إنّي مستغرب جدّاً كيف تنساه الحكومة وتهمله وتؤخّره من تقديم هو أولى وأحق به من أولئك الّذين قدّمتهم وكبرتهم، ممّن لا يحسن بمثلنا التصريح بأسمائهم أو عنوانات وظائفهم. هذا وقبل أن أبرح مجلسهم اِلتفتّ مرّة ثانية إلى دولة ناظم باشا وصافحته، ودعوت الله له أن يعينه ويساعده على مأموريّته المهمّة، وأن يؤيّده ويوفّقه لخدمة البلاد والأمّة بما يقطع عنه ألسنة مبغضيه وحسّاده، وبما يكون منه البرهان الساطع على نقيض ما يقال الآن عن بعض المتفيهقين في كبار الرجال وشيوخهم المعمّرين. ومن هناك قفلنا عائدين إلى الفندق. وقد كنت أشعرت بعض الجماعة من أهل المدينة بشدّة ميلي إلى مشاهدة ما يصنع في ذلك البلد من قبيل المنسوجات الحريرية والقطنية والأصواف والجلود، كما طلبت إليهم أن يعرضوا عليّ كرائم خيلهم، عسى أن أظفر هذه المرّة بطلبي وأستعيض من جياد حلب الكريمة ما فاتني في المدن الأخرى. ولما أن سكنت معالم الطبيعة ولبس الجوّ جلبابه الحالك، قصدنا إلى غرفة الأكل حيث تناولنا ورفاقنا طعام العشاء، وكان معنا سعادة المفضال الأكرم عبد الحميد باشا الدروبي. في الفندق وفي صبيحة اليوم الثاني، جاءنا في الفندق صاحبا العطوفة والسعادة فخري باشا وجابري باشا، فاستقبلناهما بما يليق بمقامهما الكريم. وبعد أن تبادلنا أطراف الحديث في غير مسألة، طلب إلينا سعادة جابري باشا أن نتناول طعام الغداء في منزله، فأجبناه إلى ما طلبه شاكرين له مروءته وكرمه. ودعانا كذلك عطوفة الوالي لتناول طعام العشاء، ملتمساً إجابته إلى دعوته في محفل الاتّحاد والتّرقّي. وحينئذ قلت

стр. 97

لعطوفته أنّي لا أستطيع أن أشرح سروري بوجودي في مجلسكم، ويسرّني جدّاً أن أستشفي بطعامكم الهنيء وشرابكم المريء، غير أنّي لا أجدني مرتاحاً ولا منشرحاً إذا ضمّني وحزباً من أحزاب السياسة مجلس أو مقام، وقد عشت حياتي لا أرغب في الجمعيات ولا أميل إلى الدخول في المحافل والمنتديات. ذلك لأنّي أرى أنّ الاجتماعات كثيراً ما تضطر الإنسان وتقهره إلى ما ليس في حسبانه، فيتحدّث بما عساه أن يقلق الخواطر ويشوّش الأذهان. نعم، وأكره من صميم قلبي أن أتقيّد بأمر من الأمور كائناً ما كان، خصوصاً الأمر الّذي سبق رأيي فيه وعرف الناس عنه من لساني مرّة بعد أخرى ما لا أظنّه يخفى على عطوفتكم أيضاً، وإن أقرب عهدنا به مجلس البارحة الّذي تحدّثنا فيه طويلاً مع دولة ناظم باشا وعطوفتكم وبعض رجال الحكومة والأعيان. ولست أخشى من شيء ما أخشى من أن يقال فلان كان بالأمس يقول كيت وكيت، وهو في الصباح يفعل كذا وكذا، وهو ما إذا دخل في الرأي أفسده وفي الكلام أسقطه وعدّ به صاحبه مخادعاً ختالاً. وربّما ذهب في ذلك بعض الناس مذهباً لا يتّفق وما أردته في شيء، وما لي ولهذا كلّه، وإنّي والحمد لله لا أبالي أن أعلن رأيي وأشهره بكلّ صراحة وثبات ما دمت أعتقد أنّه حقّ سديد. (وإنه ليجمل بالرجل ذي الرأي يعتقد صحّته وسداده أن يثبت عليه، مهما تقلّبت أمامه الأمور وتحوّلت الأحوال. وليس من الحكمة أن يخالف الإنسان ضميره ليوافق الناس، ولا أن يغضب نفسه ابتغاء مرضاتهم، كما أنّه ليس من المروءة والشهامة أن يحدّث الواحد قلبه بما يكره أن يدور على لسانه في مجلسه وكلامه)، فأرجوك إذاً أن تعفيني من الذهاب إلى هذا النادي وإنّي أشكرك على هذا الإعفاء، ريثما أشكرك أيضاً على معروفك السابق واللاحق وحسن قصدك الّذي عرفته لك. قلت لدولته ذلك، وهو ما زال يلج في الدعوة ويلحّ في الطلب بما لم يسعني معه أخيراً إلا تلبية طلبه وإجابة دعوته. ولكن ذلك كان بعد أن أفهمني عطوفته أنّ هذه المأدبة من عنده نفسه، وليس لأحد سواه شأن فيها، وأنّه إنّما اختار محل الجمعية لأنّه لم يعثر على محل غيره يسع المدعوين، وهم يبلغون نحو ٥٠ نفساً. وقد ارتحت كثيراً لهذا الجواب، ووددت لو كنت فهمته من قبل. وعلى ذلك انتهت محاورتنا، وخرج من عندنا عطوفة الباشا الوالي مع رفيقه شاكرين لنا ما لقياه من الحفاوة والاحترام، خصوصاً

стр. 98

بعدما اِستوثق منّا عطوفته بإجابته إلى ملتمسه. مسجد سيدنا زكريا أمّا نحن فما نشبنا بعد انصراف عطوفة الوالي وصاحبه إلا بضع دقائق ريثما تهيأنا للخروج، ثمّ ركبنا من باب الفندق عربة، ومعنا صاحبنا الهمام سعادة عبد الحميد باشا الدروبي. وركب عقبنا عربة أخرى عزيزنا الفاضل أحمد بك العريس، ومعه الياور خيري أفندي، فقصدنا توّاً إلى جامع سيّدنا زكريا نبي الله ﵇. وهو مسجد جميل الشكل متقن الصناعة والبنيان، تعتمد سقوفه المتينة على أقبية وعمد في طول المسجد وعرضه. ويقال إنّ موضع هذا المسجد كان في الأصل كنيسة من عهد الإمبراطورة هيلانة من قياصرة الرومان، ويسمّى الجامع الأموي لأنّه من آثار بني أميّة. ويدّعي أهل هذه الجهات أنّه كان شبيهاً بالجامع الأموي في دمشق، وقد أحرقته طائفة الإسماعيلية سنة ١١٦٩ ميلادية، ثمّ أعاد بناءه المرحوم السلطان نور الدين الشهيد، ثمّ هدمه المغول تحت رياسة هولاكو. ويمتاز هذا المسجد بمئذنته الشاهقة الّتي يبلغ ارتفاعها نحو ٥٤ متراً، ولم نشاهد مأذنة في مساجد المسلمين الّتي رأيناها بلغت من العلو هذا المبلغ إلا تلك المأذنة العجيبة، وهي قائمة في الزاوية الشمالية الغربية من جهة الصحن الكبير الّذي تحيط به الأعمدة من الثلاث جهات. ويقال إن هذه المأذنة بنيت في سنة ١٢٩٠ ميلادية. أمّا المسجد الّذي تقام فيه الصلاة فإنّه واقع في الجهة الجنوبية من الصحن المذكو، وفيه حجاز من الخشب (درابزين) يقسمه إلى قسمين لكنّهما غير متساويين؛ وقد خصّص القسم الأصغر منهما بالصلوات الخمس، وجعل القسم الأكبر خاصّاً بصلاة الجمعة. وفيه يوجد قبر النبي زكرياء، والد النبي يحيى الّذي قدّمنا أنّه مدفون بجامع بني أمية في دمشق، ويسمّى يوحنّا المعمدان. وهذا القبر لم يكن هو القبر الوحيد المجمع عليه من أهل المدن والطوائف، فإنّ مدينة سامرّا وبعض مدن أخرى من الشام تزعم أنّ فيها قبره عليه

стр. 99

السلام، وقد رأيناه محاطاً بمقصورة مذهّبة بديعة الشكل. دخلنا المسجد أوّلاً وصلّينا فيه تحيّته ركعتين، ثمّ ذهبنا إلى ذلك المقام الشريف وقرأنا في داخله ما تيسّر لنا من كتاب الله بنيّة حصول البركة وإصلاح الحال. وهناك سألنا الله تعالى أن يتقبّل منّا هذه الزيارة الّتي نشكره، جلّ شأنه، على هدايتنا لها وتوفيقنا إليها. وخرجنا بعد ذلك عامدين على زيارة القلعة الحلبية، وكان طريق سيرنا إليها من داخل البلد. ولا بدّ لنا من ذكر كلمة عن هذه القلعة تتضمّن نبذة من تاريخها، ووصفها على حالتها الحاضرة بقدر الإمكان. قلعة حلب هذه القلعة واقعة في وسط المدينة على تل مرتفع مرصوف بالحجارة، وهو من ذلك يظهر أنّه صناعي. ويقول مؤرخو العرب أنه كان على هذا التل مدينة قديمة من مدن الشام، قائمة على ثمانية آلاف عمود، وهي بالطلع مدينة حلب. ويقال إنّ الّذي بنى هذه القلعة هو سلوقس الذي اختطّ حلب وبناها، فهي على هذا عتيقة متوغّلة في القدم. وبعض المؤرخين يزعم أنّ كسرى زاد في تحصينها ومنعتها. ولست أدري من هو كسرى هذا من ملوك فارس، ولعلّه كان غير كسرى الثاني، لأنّ ذلك هو الّذي أحرقت مدينة حلب بأمره سنة ٦١١ بعد المسيح. ومن أبعد ما يتصوّر أن يعمر القلعة ويزيد في تحصينها من يخرب المدينة ويأمر بإحراقها. ثمّ إنها محاطة من جميع جهاتها بخندق عميق يمكن غمره بالماء، ويقال إنّه بلغ من العمق بحيث يستغرق المسافر إلى قراره مسافة تقرب من نصف الساعة. ويوجد على هذا الخندق قنطرة جميلة مصنوعة من الخشب توصل إلى القلعة، وليس الدخول فيها مباحاً مطلقاً، بل هو محظور عادة إلا لمن حصل على إذن الحربيّة الّتي لا تزال صاحبة السلطة والسيطرة عليها إلى اليوم، على الرغم من أنّ هذه القلعة صارت خربة مهدّمة. ولهذه المناسبة وجدنا اِثنين من ضبّاط الجيش في اِنتظارنا هناك. وقد وصلنا من هذا المعبّر الخشبي إلى برج خارجي، دخلناه من باب حديد مزخرف بأبدع حلية وأجمل نقش، وقد أخذ منّي الإعجاب

стр. 100

بمنظر ذلك الباب مأخذاً بلغ منه أنّي صمّمت على تقليد شيء من شكله في بيتي الّذي أسكنه في منيل الروضة. ثمّ دخلنا في بهو يلاحظ المارّ به أنّ في أعلى الباب الحديد من الجهة اليمنى من الداخل نقوشاً على الجدار ومرسومات حفريّة بديعة من شجر الريحان، وكتابات ينتهي تاريخها إلى سنة ٦٠٥ هجرية الموافقة سنة ١٢٠٩ ميلادية على عهد الملك الظاهر. ويلاحظ أيضاً على يمين ويسار الباب الثاني رسومات حفرية أخرى تمثّل رؤوس الفهود تمثيلاً متقناً. ومن ذلك الباب خرجنا إلى صحن متّسع مغطّى بكومات من الأتربة والأنقاض، وفيه آثار جملة طرق. وقد دار في نفسي وقت ما كنت ماشياً في ذلك الصحن أنّه لابدّ أن يوجد تحت الحجارة والردوم شيء عظيم من الآثار التاريخية العجيبة. وبعدئذٍ ذهبت مني اِلتفاتة على باب مخفي بعضه تحت أطباق التراب، فسألت عنه بعض الملمين بذلك الأثر العتيق، فقال لي: إن من ذلك الباب يدخل الإنسان إلى مسجد صغير، كان يصلّي فيه بعض العسكر المتمرضين، فمالت نفسي للاطلاع عليه شأن السائح الّذي يريد أن يستطلع كلّ شيء غريب يقع تحت نظره. فدخلت هذا المسجد ورأيت فيه محراباً، وكان في دوائره وزرة من خشب عليها نقوش ما نظرت عيني إلى اليوم أجمل منها. ولقد رأيت من الرسوم الناتئة والحفرية والنقوش العربية ما لست أحصيه عدداً، خصوصاً ما شاهدته من ذلك فيما يوجد عادة في أوائل الكتب الأثرية. ومع ذلك، لم أذكر في مرّة من المرات أنّي اطّلعت على أعجب وأتقن من تلك النقوش المحكمة والرقوش الدقيقة. وهذا ما اقتضاني، إذ ذاك، أن أتأسّف كثيراً من إهمال ذلك المسجد الجليل وتركه بدون أقل مراقبة. ولابدّ أنّ شيئاً عظيماً من صناعاته البديعة وزخارفه المدهشة قد ضاع ومحي أثره، لأن في وجود مثل الآثار التي شاهدناها على الجدران وغيرها ما يستدلّ منه على أن المسجد كان قبل أن تفتك به عاديات الزمان حافلاً بالمصنوعات العربية الّتي من هذا القبيل. ولسنا نعرف لعفاء هذه الأشياء النفيسة سبباً سوى عدم العناية في مبدأ الأمر بحفظ آثار المتقدّمين وأعمالهم التاريخية النبيلة. وبعد ذلك مررنا بالآبار، وقال مرشدونا في ذلك المكان إنّها عميقة إلى قرار بعيد، ولا يبعد أنّها

стр. 101

تكون في عمق الخندق. ثمّ إنّ في صحن القلعة الّذي أسلفنا ذكره عدداً كبيراً من الأقبية، وفي وسطه قبّة فخمة قائمة على أربعة أعمدة من البناء. ويستدلّ من شكلها على أنّها كانت في أوّل عهدها فوق بئر محفورة في نفس الصخر، وهناك رأينا منارة جميلة الشكل بهيجة المنظر. وفي الجهة الشمالية الغربية يوجد مدفعان قديمان، صنعت فوهتهما من الحديد الممزوج بالرصاص. وبعدما اطّلعنا على أهمّ ما تشتمل عليه تلك القلعة من الداخل والخارج، صعدنا إلى أعلى نقطة فيها وأشرفنا منها على المدينة وضواحيها، فرأينا بين الأشجار والمزارع وما يتخلّلها من العيون والأنهار منظراً ساحراً فتّاناً لا ندري، وقد أخذتنا من حسنه روعة، أهو أبهج أم ذلك المنظر الّذي كنّا شاهدناه على دمشق من فوق الصالحية. بيت جابري باشا ثمّ برحنا القلعة متّجهين نحو بيت صاحب السّعادة جابري باشا إجابة لدعوته، حيث كان سيرنا إليه من داخل البلد الّذي تطوّفنا فيه على جملة جهات، بقصد أن نطّلع على ما لم يسبق لنا الاطّلاع عليه حتّى وصلنا إلى المنزل. وهناك رأينا في اِنتظارنا على بابه سعادة الباشا في لفيف من أقاربه، فاستقبلونا بأكبر حفاوة واحترام ودخلوا بنا إلى البهو، فاستقبلنا فيه أيضاً جمّ غفير من حضرات المدعوّين، يتقدّمهم إلى ذلك عطوفة الوالي. وما جلسنا إلا نحو خمس دقائق، ثمّ دعينا إلى غرفة المائدة فتناولنا عليها جملة ألوان من ألذّ الطعام وأشهاه. وكان أحسن ما تذوّقنا منها ثلاث صحاف من طعام البلد الخاص بها والمشهور بين أهلها. وبعدما انتهينا من الأكل والشرب، عدنا إلى مجالسنا في ردهة الاستقبال. وكان عدد المدعوّين معنا يبلغ نحو ١٨ نفساً من أشراف الناس في المدينة، وقد قدّم لكلّ واحد منهم نارجيلة يدخن فيها كما هو المعروف في عوائد هذه البلاد. وإذ ذاك كان المنظر في ذاته غريباً، وأغرب منه ما كنّا نسمعه من قرقرة النارجيل الّتي لم نجد لوصفها أبلغ وأظرف من قول الشاعر: ولابسة مِنَ الياقوتِ تاجاً ... تقهقهُ كلَّما قَبّلت فاها

стр. 102

ويظهر لي أن هذه القعقعة في مسمع أرباب الكيوف ألذّ من رنّات المثاني ودقّات الدفوف. وكان في الحفلة جوقة موسيقى وترية جميلة تطرب الجالسين بألحانها الشجيّة، وفيها اثنان يغنيان من أشهر المغنّين في مدينة حلب. وبينما نحن في تلك الحفلة جاءنا جماعة من مشاهير التجّار ومعهم بضائع وأصناف شتّى من المنسوجات الحريرية والقصبية وما أشبه ممّا يصنع في نفس البلد. وبعد أن اطّلعت عليها وأعجبني حسن نسيجها ودقّة صنعتها، اشتريت منها بعض الشيء الّذي يلزم لي. وعلى أثر ذلك أخبرت بحضور حصانين من أشهر خيل العرب في تلك الجهات فنهضت لرؤيتهما، وكانا حقيقة جوادين كريمين، أعجبني حسنهما حتّى رغبت فيهما رغبة تامّة وهممت بشرائهما، لولا أنّه ظهر لي أخيراً بالبحث الدقيق أن فيهما من العيوب الخفيّة ما لا يرجى زواله بسهولة. وبعد ذلك رأينا جواد صاحب الدولة ناظم باشا، وهو أدهم جميل المنظر، يشبه كلّ الشبه حصاني الأسود الّذي كنت أهديته من قبل السلطان عبد الحميد. إلى النزل ثمّ خرجنا من عند سعادة الباشا وأصحابه، ونحن لا نقدّر ما كان داخلنا من الجذل والسرور بما استقبلنا به أوّلاً وودّعنا به آخراً من الترحيب العظيم والحفاوة التامة، وقصدنا إلى الضواحي المباشرة للمدينة، فقضينا ردحاً من الزمن في التروّض بين المزارع والبساتين. ثمّ عدنا من هناك إلى النزل لنستعدّ للدعوة الثانية عند عطوفة الوالي، ثمّ ما لبثنا إلا حيث أخذنا أهبتنا. ثمّ ركبنا عربتنا ووصلنا إلى نادي الاتّحاد فوجدناه آخذاً من الزخرف والزينة ما لابدّ أن العمال تعبوا فيه تعباً كبيراً. في نادي الاتّحاد والترقّي وكان عطوفة الوالي وجماعة من رجاله المخلصين ينتظرونا على مدخل النادي، فاستقبلونا بما أنطق ألسنتنا بشكرهم أجمعين. وبعد أن دخلنا غرفة الاستقبال

стр. 103

الواسعة وجلسنا برهة ريثما تناولنا القهوة، قام حضرة الخور فسقفوس جرجس سلحت نائب مطروبوليت السريان وأنشد قصيدة في المدح والتهنئة بالقدوم. ثمّ دعينا لتناول الطعام على مائدة، كان يحيط بها نحو خمسين نفساً من المدعوّين، وكلّهم من علية القوم وكرام الناس في حلب فأكلنا وشربنا ألواناً وأصنافاً شهيّة لذيذة، بينما كانت الموسيقى تشنّف الآذان بألحانها المطربة، حتى إذا انتهى الأكل وجلسنا في مجالسنا قام عطوفة الوالي في ذلك المحفل الحافل وألقى على مسامع الحاضرين خطبة رشيدة العبارة، جملية الأسلوب، شرح في أوّلها سروره وسرور قومه بزيارتنا لبلدهم، وأطال في آخرها بالدعاء لجلالة سلطان المسلمين وسمو الجناب العالي الخديوي. وقام على أثره حضرة بشير أفندي، رئيس البلدية، وخطب خطبة كانت تطوف معانيها حول الترحيب بنا والشكر لنا. ثمّ تلاه الشيخ محمد بدر الدين أفندي النعساني، أحد علماء حلب، وألقى خطبة أيضاً. وهكذا كان يقوم مصاقع الخطباء وفطاحل الكتاب والشعراء بعضهم تلو بعض، حتّى كان يخيّل إلينا أنّنا محتشدون في مجتمع علمي أو ناد أدبي، وكلّهم كانوا يضربون على نغمة واحدة. وهنا نذكر ممّا قالوه قصيدتين إحداهما لحضرة الخور فسقفوس المذكور، والأخرى لحضرة جورجي أفندي خياط. قصيدة الخوري غَدت مِن بناتِ الماءِ جارية تَسري ... عَلى عجلٍ وَالقلبُ منها عَلى جَمرِ تُضاهي فُؤادي في تأجّج شوقِهِ ... إِلى رُؤية المصر الّذي عزّ مِن مصرِ أُريدُ بِهِ مصر الّتي في اِبتدا الدهرِ ... بَدت بَهجة الدّنيا بِيوسفها البرِّ

стр. 104

بهِ فاقَت الأمصارَ قدماً وحسنها ... كَسا آلَها الأمجادَ أَرديةَ الفخرِ عَلى الفلكِ العلويّ جرّت ذُيولها ... وَأَزرى سَناها اليومَ بالأنجمِ الزهرِ بعبّاسِها الغطريف يوسف عصره ... منَ البشرِ منهُ مخجلٌ طلعةَ البدر إذا قامَ في دستِ الإمارةِ حاكماً ... يُشيرُ إليهِ القومُ بالأنملِ العشرِ فَلا عجبٌ وَهو العظيمُ فعاله ... إِذا كانَ فيها صاحب النهيِ والأمرِ فَمن خيمه تلفيه في رَوضة بكر ... وَمن نَفسه القعساء في عسكرٍ مجرِ وَمن كفّه قَد ينبط الماء في الصّخر ... وَمِن رفدهِ النيلُ المنيفُ على البحرِ يُضارعُ قيساً في أَصالَةِ رأيهِ ... وَمعناً بجودٍ زانهُ الحلمُ في الصدرِ فأَصبحت في إِطرائه بلبل القطر ... وإِن لَم أَكن قبلَ المجلّي في الشعرِ كَشوقي وَمطران وصبري وحافظ ... وَصِدقي وَمعروف ذوي الطرف الغرِّ وَحامل بندِ الشعرِ في وقتنا إلى ال ... فُتوحات بستانيِّنا الذائعِ الذكرِ أَيا قادماً شَهباءنا جئتَ موطناً ... بِزورتكَ اِفترّت ضواحيهِ عن بشرِ

стр. 105

وَفيكَ رَأينا اليومَ شخصَ محمّدٍ ... عَلي عزيزِ المشرقِ الطيّب النشرِ أَمولايَ إِن الشعرَ يسكرُ كالخمر ... وَيغني عنِ الدرّ المنضّد في النحرِ فَهذي مَبانيه حكت قطع التبرِ ... وَهذي مَعانيه حكت أُخُذَ السحرِ ولكنّها عَن مدحِ ذاتك قصرت ... ألا استجلها عذراَء تفصحُ عن عذرِ وَدُم يا أَخا العبّاسِ مرتفعِ القدرِ ... عَلى صَرحك العالي يرى علم النصرِ وَلا بَرِحت جَدواك تنهل كالقطرِ ... فَتزجي إِليكَ الشكرَ في النّظمِ والنثرِ قصيدة جورجي أفندي خياط أَيا مَن زار هذا القطرَ أهلاً ... وَسَهلاً فيكَ يا أسمى سريِّ تفاخر فيكَ مصر كلِّ قطرٍ ... أَجل يا نَجلَ توفيق الأبيِّ وَعبّاس الحليم عزيزُ مصرٍ ... أَخوكَ دَعوته بالأريحيِّ فَتىً حَكَم البلادَ بعدلِ كِسرى ... وَأحكَم قبل ضربِ المشرفيِّ لَقد طابَت مَغارِسكم قَديماً ... فَأَنت الفرعُ من أصلٍ زكيّ

стр. 106

وَأَنتَ محمّد للمجدِ تَهدي ... لِذا سمّاك آلكَ بالعليِّ فَسُبحانَ الّذي سوّاك يا من ... يذكّر بِالجمالِ اليوسفيّ وَإِن شِئنا نَقول اليومَ شمنا ... تَباشيرَ الكمال الآصفيِّ أَلا اهنأ يا أَخا العبّاس واصعد ... ذُرى العلياءِ يا أَولى وليِّ وهنا لا أستطيع أن أصف كيف كان تحرّجي في هذا الموقف الضيّق، إذ كنت منه بين عاملين عظيمين يتنازعاني إيجاباً وسلباً: فبينما أرى أنّه من حقّ القوم عليّ أن أحيّيهم وأشكر لهم مجاملتهم ومروءتهم في خطبة مثل خطبهم، قياماً بالواجب المفروض على الإنسان للإنسان من جهة دينه وأدبه، خصوصاً في مثل هذه الظروف؛ وقد قيل من صنع معكم معروفاً فكافئوه؛ وقيل أيضاً من لم يشكر الناس لم يشكر الله؛ وفوق هذا وذاك قول الحقّ جلّ شأنه: (وَإِذا حُيّيتم بِتحيّةٍ فَحيّوا بِأَحسنَ مِنها أَو ردّوها)، إذ أجد أنّ مقتضى السياسة الحاضرة يحظر على مثلي أن يقف خطيباً في هيئة عامّة كهذا المحفل الكبير، مخافة أن ينقلب الاجتماع من عادي بسيط إلى سياسي محض، فإنّه ما أسرع ما تحيط الظنون والأوهام بالأحاديث التي يلقيها الأمراء والحكّام في المجالس الرسميّة أو الشبيهة بها، ويتناقلها الناس بعضهم عن بعض. وقلّ في الناقلين من لم يشوّه وجوه الأخبار ويمسخ صورها، ومن لم تحمله نزعته على أن يذهب بها وفاق الأغراض والغايات. ولا على مثل هذا أن يفعل غير مبال إذا هو وافق المصلحة العامة أو خالفها، بل إذا ترتب على فعله شقاء أمّة بأجمعها. وكثيراً ما ينتفع سماسرة السوء وأعوان الشرّ من مثل هذه الفرصة، وينتهزونها لإلقاء الدسائس وإثارة الوساوس بما اعتادوه من الشغب وإقلاق الخواطر. ومن العجيب أنّ هؤلاء يستطيعون أن يرتّبوا أخطر الأعمال على أوهن الأسباب،

стр. 107

ومتى أرادوا أن يحاولوا أمراً من الأمور لا يعدمون له وسيلة ولا يفقدون فيه حيلة. إذن، فماذا عساني أن أصنع ولا محيص من الكلام مع هؤلاء الخطباء الكرام، لاسيما وأن فيهم عطوفة الوالي وقومندان الجيش وأركان الولاية إلى غير ذلك ممّن عرفت أنّه لا يحسن السكوت في إجابتهم؟ نعم، إنّي قمت وأجملت في أقل ما يمكن من الكلام ما كان يجول في نفسي من إظهار عواطفي نحو الجماعة وشكرهم على ما لاقيته من كرمهم ولطفهم. وقلت في ختام مقالتي، بعد أن دعوت الله لهم ولجلالة السلطان، أنّي أرجو لبلدكم هذا مستقبلاً جميلاً في عهد عطوفة الوالي، وأنّكم بهمّته ونشاطه ستبلغون، إن شاء الله، أسمى المقاصد وأعلى المطالب، فإنّه من خير الرجال المخلصين والحكّام العاملين دائماً على سعادة بلادهم وراحة شعوبهم. ثمّ عدنا إلى الفندق مودّعين من لدن صاحب العطوفة فخري باشا بكلّ تجلّة واحترام. وقد بيّتنا النية على الرحلة من حلب في صباح يوم الثلاثاء ٢ربيع الثاني سنة ١٣٢٨. ولابدّ لنا إن شاء الله من ذكر كلمة عن حلب الشهباء وفاء بحقّها، وقد كانت من أجمل بلاد الشام وأعظم مدائنها عمارة وحضارة، لاسيما وقد رأينا من معروف أهلها وودادتهم ما لا ننساه لهم على طول الحياة، وما لعلّنا إذا ذكرنا شيئا منه نكون قد أدّينا الواجب علينا تلقاء ما صادفناه من شهامة هؤلاء القوم ومروءتهم العالية. حلب هذه المدينة واقعة على الدرجة ٣٦ و١١ دقيقة و٣٢ ثانية من العرض الشمالي ويبلغ ارتفاعها عن سطح البحر نحو ٣٢٠ متراً، وهي قائمة في سهل منخفض على حدود الصحراء تحيط بها تلول كثيرة، ويرى حواليها آثار أبنية قديمة تدلّ على أنّ هذه البلد كان محاطاً بسور كبير ضخم، بل إن أثر السور نفسه لا يزال قائماً في بعض نواحيها إلى الآن، وله أبواب عدّة تسمّى بأسماء مختلفة، فمنها باب النصر وباب الفَرَج وباب الجنين وباب أنطاكية، لأنّه قائم على طريق أنطاكية الّتي هي على

стр. 108

مسافة نحو ستّين ميلاً من مدينة حلب، وباب قنسرين وباب المقام وباب التراب وباب الأحمر وباب الحديد، وفي الجهة الشمالية الغربية يجري نهر قويق، وهو نهر جميل كثير السمك، ويكثر فيه على الخصوص نوع من هذا يسمّى بالثعابين. وهناك يجري نهر آخر يسمّى شالوس وهو ينبع على بعد بضعة أيام من الجهة الشمالية ويصب في مستنقع يبعد عن جنوب المدينة بنحو خمس ساعات ونصف تقريباً. تاريخ المدينة أمّا المدينة فقديمة جدّاً واختلف في بانيها على جملة آراء، منها أنّ حلب بن المهر أحد بني الحان بن مكنف من العماليق هو الّذي اختطّ هذه المدينة وسمّيت باسمه سنة ٣٩٩٠ لآدم، وذلك بعد ورود إبراهيم إلى الدّيار الشامية بمدّة ٥٤٩ سنة هارباً من راميس ملك أسور، وأن العمالقة كانوا جعلوها حصناً لأنفسهم وأموالهم، بعد أن فتح يشوع بلادهم ولم يزالوا عليها إلى أن أخذها منهم داود، وكثر ذكرها في تاريخ العرب وشعرهم. وهي بما حوت من جمال الجوّ وحسن البقعة وجودة الهواء جديرة بذلك الذكر والإطراء، ثمّ إنّه يحيط بها في ضواحيها المباشرة حدائق غنّاء وبساتين بهيجة، أكثر غرسها من شجر الدلب، وشجر آخر يسمّى لسان العصفور، وشجر الحور الأبيض، وشجر الغَرَب وكذلك النبق والجوز والسفرجل والفستق والزيتون. وهذه الخضرة المتجاوزة حدّ الجمال تبتدئ على بضع ساعات من الجهة الشمالية وتنقسم الأرض في ضواحيها إلى ثلاثة أقسام، الأوّل: الجهة الّتي

стр. 109

يكثر فيها الطمي الرملي من الوادي، والثاني: أرض محمرّة في لون الطوب، وفي هذه الجهة ينبت صنفا القمح والفستق وينجحان نجاحاً مدهشاً، وأحسن ما ينبت الفستق ويفلح إذا كان في الجهات الشرقية حيث كان يستجلبه الإمبراطور قينليوس أحد أباطرة الرومان، في عصر نيرون صاحبه وشريكه في مظالمه المشهورة، النوع الثالث: الطمي الأسود الّذي بمجرّد ما جف يتفكّك كليّة ويتحوّل إلى تراب ناعم، وتستقى المدينة وما يحيط بها من المزارع والبساتين من قسم من ماء نهر قويق ومن قسم آخر يفرق عند وصول النهر المذكور إلى قرية هيلانة، وهي قرية بنتها قديماً الملكة هيلانة أمّ الملك قسطنطين الأوّل. وهذه المياه تصل إلى داخل المدينة وتتوزّع على جملة جهات فيها بواسطة قناة. أمّا الجوّ في تلك الجهة فهو بارد في فصل الشتاء، ويقال إنّه يكثر سقوط الثلج والبرد في هذا الفصل أيضاً، ومن ثمّ لا تعيش هناك أشجار البرتقال. وفي الصيف ترتفع الحرارة وتشتدّ أكثر منها في مدينة بيروت، ولكنّ الهواء جاف تلطّفه كثيراً نسمات الشمال العليلة. ثمّ إن حلب هي مركز الولاية الّتي تشمل الشام الشمالية كلّها، وحدودها تصل إلى نهر الفرات. ويقدّر عدد سكّانها الآن بنحو ٢٠٠ ألف نفس، والثلثان من هذا العدد مسلمون، والثلث الباقي من طوائف مختلفة، فمنه: ١٢ ألفاً من الروم ومثلهم من اليهود و ٤ آلاف من الأرمن، والباقي بعد ذلك خليط من الأرمن المتحدين والمارونيين والكاثوليك. ويوجد فيها جمعية بروتستانتية للإنجليز وفيها عدّة مدارس اِبتدائية وثانوية، بعضها لطائفة الفرنسيسكان، وفيها أيضاً مدرسة للبنات تديرها راهبات القدّيس يوسف. وعلى مسافة أربعين كيلومتراً من شمال المدينة، يبتدئ خطّ الانفصال بين اللغتين العربية والتركية. ثمّ إن أهل المدينة يتكلمون بالعربية، وهم مع ذلك يجيدون اللغة التركية نطقاً وفهماً أكثر من أهل دمشق، ولعلّ ذلك لأنّهم قريبون من جهة الأناضول. وقد يلاحظ أنّ اللهجة العربية في حلب لا تفترق كثيراً عن لهجات سائر مدن الشام. وعدد الإفرنج فيها أكثر من عددهم في مدينة دمشق، ولعلّ السبب في ذلك هو أن حلب بمثابة مستودع لكثير

стр. 110

من متاجر الأوربيين بحكم مركزها الجغرافي، إذ هي واقعة بين جملة طرق. وقد أخذت هذه المدينة تتحوّل قليلاً عن شكلها الشرقي، وصناعتها الوطنية تكاد تتلاشى في جانب الصناعة الأوربية. ولا سبب لهذا، فيما يغلب على الظنّ، إلا تلك العلاقات الّتي كانت ولا تزال بين هذه المدينة وبين الغرب منذ العصور القديمة. وهي، في مقابل ما تستورده من مصنوعات أوربا وتستجلبه من بضاعتها، تصدّر إليها الأشياء الأوّلية الآتية: وهي الغلال والصوف والقطن (الّذي لا تزال تزداد زراعته سنة بعد أخرى) والعصف والصمغ والسمسم والجلد على اِختلاف أصنافه. ويقال إن صادرات هذا البلد بلغت إلى نحو مليون ونصف من الجنيهات. وقد علمنا أنّ أكثر ما يصنع من الأنسجة الحريرية والصوفية وغيرها يصدّر معظمه إلى جهة الأناضول. ومن تاريخ حلب أيضاً أنّه جاء ذكرها في الآثار المصرية منذ ٢٠٠٠ سنة قبل الميلاد. وقد ذكرها سلمنذار ملك آشوريا، وهو الّذي فتح مدينة سامرا وفرض الجزية على بني إسرائيل، ثمّ محا ملكهم حيث أخذهم وملكهم أسرى في سنة ٨٥٤ قبل الميلاد وقد قرّب فيها قرباناً إلى الإله حداد وزاد في اتّساعها بعده الملك سيلوكوس نيكاتور. حكم هذا الملك على بابل بعد وفاة الإسكندر وجمع تحت لوائه الشام وأرمينيا والعراق وقسماً من آسيا الوسطى، وهو مؤسّس الأسرة الملوكية الّتي حكمت الشام زماناً وكانت تلقّب باسمه (نيكاتور)، وهو أيضاً الّذي أطلق على حلب اسم بيرواه. وفي سنة ٦١١ بعد المسيح دهمت هذه المدينة بحريق عظيم. ويقال أن إحراقها في ذلك العهد كان بأمر من كسرى الثاني ملك العجم. ثمّ وقعت في أيدي العرب تحت قيادة أبي عبيدة بن الجراح بدون أدنى مقاومة في سنة ١٤٥ للهجرة. وذلك أن أبا عبيدة، ﵁، لمّا فرغ من قنسرين، سار إلى حلب فبلغه أنّ أهل قنسرين نقضوا وغدروا، فأرسل إليها جماعة وسار هو حتّى وصل إلى ظاهر حلب، وهو قريب
следующие страницы →