← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 37027

الرحلة الشامية

الأمير محمد علي

Полный текст (152 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

نَسيمَ الصّبا النجديّ ما لكَ كلّما ... تَدانيتَ منّا زادَ نشركَ طيبا كأنّ سُليمى أَخبرت بِسقامِنا ... فَأعطَتكَ ريّاها فَجئت طبيبا وقد كان يكون الشعر أحسن من هذا وأوفق بالمعنى وأوفى بالمراد، لو أنّ الشاعر أبدل من لفظ النجدي لفظ الشامي، فإنّه شتّان ما نسيم النجود والقفار وشتان ريح المخصبة والبحار الّتي وصفها مادح الشام في قوله: يا حُسنَ واديها وَطيبَ شَميمه ... قَد فاحَ عرفُ الزهرِ فيهِ وعبّقا وَتَراسَلت أَطيارهُ بَينَ الرّبى ... سحراً فَهيّجت الفؤادَ الشيّقا كَيفَ اِتّجهت يخرّ نحَوكَ ماؤه ... وَإِليكَ يَركع كلّ غصنٍ أَورَقا وما برح القطار في اتّجاهه حتّى رسا على محطّة الحدث حيث منها كان مبدأ الصعود إلى جبال لبنان. وفيما كان القطار يعالج هذا الصعود علاجاً ويتدرّج فيه تدريجاً، إذ وقف على محطّة يقال لها بعبده، وهي على مسافة تسعة كيلومترات من محطّة الحدث. وفي هذا البلد قصر عظيم كان يسكنه قديماً أحد الأمراء السالفين، والآن يسكنه في فصل الشتاء متصرّف جبال لبنان. وعندما يشرف الإنسان من هذه الجهة على مدينة بيروت وخليج القدّيس جورج يشاهد منظراً جميلاً وشكلاً بهيجاً. ثمّ يقف القطار على محطّة جمهور، وهي تبعد عن بعبده بمسافة ١٢ كيلومتراً وعند هذه المحطة يقترب سير القطار من طريق دمشق القديم. ثمّ يقف على موقف عربة، بعد أن يقطع مسافراً مسافة ١٧ كيلومتراً من محطّة جمهور. ومن تلك المحطّة يمرّ القطار في نفق صغير، وإذ ذاك تحتجب الطبيعة وتتوارى معالمها عن عيون المسافرين ريثما يجتاز القطار ذلك النفق. ثمّ ينكشف الجوّ كما كان في جلبابه الأبيض الناصع. وتتجلّى معالم الطبيعة ثانية وقد بلغت في الحسن حيث تعرفها في جبال لبنان:

стр. 37

تَتجلّى لكَ الطبيعة آنا ... ثمّ آناً بِحُسنِها تَتوارى وقد كان من أجمل المناظر الّتي يشاهدها المسافر ما كان يرى من تلك البقعة على وادي شهرور، وبعد أن يسير القطار مسافة ٢١ كيلومتراً من عرية يكون قد وصل إلى محطّة علية. وقد استقبلنا على إفريز تلك المحطّة جناب وكيل المتصرّف، حاملاً إلينا سلام دولته، وكان معه ثلّة من العساكر وبعض الأعيان وبعض الرؤساء الروحيّين. فشكرنا لحضراتهم هذا الاحتفال، بعد أن شكرنا من صميم القلب دولة حاكم الجبال الّذي كان شديد العناية بسفرنا، عاملاً كلّ ما في وسعه لراحتنا وسرورنا، فضلاًَ عن أنّه كان عظيم الحرص على إجراء الرسميات والمظاهرات لمقدمنا في كلّ مقام ومكان في دائرة حكومته، إذ ما كنّا نقف على محطّة في طريق سيرنا حتّى نجد في اِستقبالنا اِستعداداً تامّاً من رجال الحكومة وأعيان البلاد، فيستقبلوننا بمزيد الحفاوة وكبير الاحترام. وكنّا نشاهد من البشر الّذي يتلألأ على وجوههم ما نستدل منه على صفاء سرائرهم وحسن طويّاتهم، وما زال يمرّ بنا القطار في وسط الجبل حيث كانت تستقبلنا الطبيعة بمناظرها البديعة حتّى وصلنا عين صوفر. ويقال إن هذا البلد أحسن بلاد الجبل هواء وأعذبها ماء وأكثرها اِزدحاماً بالمصطافين من أعيان مصر وغيرها. ولهذا السبب يوجد فيها فندق كبير من أحسن وأكبر الفنادق في بلاد الشام، كما أنّه يوجد فيها منازل كثيرة للإيجار مدّة مصيف الناس. وقد كان في استقبالنا على تلك المحطّة قومندان الجندرمة ومعه بعض العساكر فشكرناهم وكنّا نرى أثناء المسير مناظر الأشجار الكبيرة والبلدان الجسيمة تتصاغر أمام أعيننا كلّما اِزددنا صعوداً إلى الجبل ممّا كان يدلّ على زيادة العلو، خصوصاً وأن من عين صوفر يبتدئ شعور المسافر بالصعود المحسوس. ثمّ يجتاز القطار بعد ذلك بطن الجبل، فيمرّ هناك من نفقين كبيرين: يبلغ طول الأوّل نحو ٢٨٠ متراً، والثاني نحو ٣٦٠ متراً، ويسمّى هذا خان مراد أو بيدار. ثمّ يصل على محطّة بعيضان، وهي أعلى نقطة

стр. 38

في هذه الجهة حيث يبلغ ارتفاعها عن سطح البحر نحو ١٥٠٠ متر. ومن عندها يتحدّر القطار إلى جهة الشرق مسافة ٤٤ كيلومتراً حتىّ يصل إلى المريجات، حيث هناك تنكشف المناظر الجميلة ذات اليمين على جبل بروق، وذات الشمال على جبل كنيسة. وبعد ذلك يرسو القطار على موقف المعلّقة، وهي تبعد عن مدينة بيروت بنحو ٥٦ كيلومتراً. وتلك البلدة هي الحدّ الفاصل بين ولاية سورية وحكومة لبنان، ويوجد فيها كفر كبير إسلامي تابع لبلاد الشام، وفيها أيضاًَ بعثة إنجليزية ومدرسة لليسوعيّين. ثمّ إن هذه البلدة قريبة من قرية تسمّى زحلة من البلاد التابعة لحكومة الجبل. ويبلغ عدد سكانها نحو ١٥٠٠ نسمة، وهم عن بكرة أبيهم مسيحيّون كما أنّهم جميعاً يعنون بزراعة العنب ولهم به عناية زائدة، ولديهم نهر يسمّى البردوني. ويوجد في تلك البلدة دير ومدرسة لليسوعيّين أيضاً. وممّا يحفظه التاريخ لأهل زحلة والمعلّقة أنّهم كانوا أعظم الناس مصاباً وشقاء عند حدوث العاديات الّتي كانت وقعت في بلاد الشام من الدروز سنة ١٨٦٠. وبعد أن يفارق القطار محطّة المعلّقة، يمرّ هناك في وسط أرض واسعة وسهل فسيح بين لبنان والجبل الشرقي، وهو يمتدّ من الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي ٣٤، ٤٠، ٢٢ من العرض، وطوله نحو ٧٠ ميلاً وعرضه يختلف بين ٣و٧ أميال. وهذا السهل غاية في الخصب، تكثر فيه الزروع وفيه أكثر من ١٠٠ قرية عامرة، وتجري إليه ينابيع غزيرة من الجبال فتشقّه في أنحاء شتّى. ويسمّى هذا السهل ببقاع العزيز، نسبة في ما قيل إلى الملك العزيز بن السلطان صلاح الدين الأيّوبي. وهو غير البقاع الّتي تعرف ببقاع كلب، وهي أرض واسعة بين بعلبك وحمص ودمشق، فيها قرى كثيرة ومياه غزيرة. وأكثر شرب هذه الضياع من عين تخرج من جبل يقال لها عين الجر، وهي المعروفة اليوم بعنجر. وفي هذه البقاع يوجد قبر النبي إلياس ﵇. وهكذا يستمر القطار في سيره على أن يصل إلى رياق، وهي محطّة تبعد عن مدينة بيروت بمسافة ٦٦ كيلومتراً، وعندها ينتظر القطار نحو نصف الساعة. وفي تلك المدّة يتناول من شاء من المسافرين طعام الغذاء في مطعم تابع لأكبر فندق في دمشق يعرف بفندق الشرق الأكبر. ويمتدّ من

стр. 39

هذه المحطّة فرع آخر من خطوط السكّة الحديدية يوصل إلى بعلبك وحمص وحماة وحلب. ولما أن انتهينا من تناول الغذاء في ذلك المكان، شكرنا المندوب الّذي كان يرافقنا في هذا السفر من قبل الحكومة، حيث كان هذا الموضع هو آخر مشواره معنا. ونزلنا في القطار الّذي ما برح يتابع السير بنا في طريق دمشق، وهو يطوي الأرض بأقدامه الحديدية طيّاً، حتّى رسا عند وادي يعفوف وهو وادٍ خصب جميل مغروس بالنباتات والحدائق في كلّ جهاته، وعند هذه المحطّة يأخذ القطار في الصعود إلى الجبل الشرقي. وقد مررنا من هذا الطريق على قنطرة تعرف بجسر الرمّانة، وهي قنطرة عالية ترتفع عن سطح البحر بنحو ١٣٢٠ متراً حتّى يصل القطار إلى محطّة سرغاية الّتي كانت تعلو عن منسوب البحر بمقدار ١٤٠٠ متر. وهنا لا يستطيع المسافر أن يعبّر عمّا كان يتداخله من الارتياح ويستخفّه من الطرب، عندما يشرف من تلك الجهة على البقاع وجبال لبنان فيرى منظر الطبيعة فوق ما يوصف جمالاً ويعرف حسناً ورواء. وأيّ نفس لم تعد بعد الخمول نابهة وبعد الذبول ناضرة، وهي تتقلّب مرّات كثيرة على أبهج المناظر وألطف الأشكال. ثمّ هي لا تلبث أن تستقر في جهة تظن أن عندها منتهى الحسن وإليها قد اِستتمت ضروب الجمال والظرف، حتّى تفاجئها جهة أخرى فتأخذها منها روعة جديدة وهزّة شديدة، وترى أنّه كان قليلا في غيرها ما استكثر وصغيراً في نظرها ما استعظم واستكبر. ومن تلك المحطّة سافرنا على محطّة الزبداني، وهي مركز قضاء تابع لحكومة لبنان وعدد سكانها يقدّر بنحو ٦٥٠٠ نسمة، نصفهم من المسيحيّين والنصف الآخر من طوائف شتّى. ومركز هذه البلدة الطبيعي غاية في البهاء والحسن، إذ تحيط بها المزارع اليانعة والحدائق الواسعة من جميع جهاتها إحاطة الأكمام بالثمر والهالة بالقمر. وممّا قد اِمتازت به عن غيرها من البلاد، زيادة عن طيب مناخها، أنّ جميع الفواكه المشهورة توجد فيها. وأشهر ما فيها من أنواع تلك الفاكهة العنب والتفّاح حتّى قيل إن التفاح الزبداني لا يماثله أي تفاح كان في بلاد الدنيا. وفي ذلك الوادي، الزبداني، يمرّ نهر بردى، ذلك النّهر الجميل المشهور في هذه الجهات بجمال موقعه وصفاء مائه وبرودته وعذوبته. وبعد اِجتياز النهر المذكور والمرور من محطّة التكيّة، يخترق الخط الحديدي نفقاً صغيراً فيصل إلى سوق وادي بردى. والمسافة من مدينة بيروت حتّى هذا الوادي تبلغ نحو

стр. 40

١١٥ كيلومتراً. وكان في الطريق، بين سوق بردى ومحطّة التكيّة، قرية اِشتهرت بكثرة الفاكهة وجودتها. ويقال إن جميع الفواكه المشهورة في بلاد الشام من أوّلها إلى آخرها توجد في حدائق هذه القرية. أمّا سوق بردى ففيه عدّة مغائر وكهوف، يذكر أنّها كانت تسكنها الناس قديماً، حتّى زعم بعض المؤرّخين أنّ هذه البلدة هي الّتي كانت فيها حادثة قتل هابيل لأخيه قابيل. ولعلّ هذا الزعم نشأ للمؤرّخ من أن هذا البلد واقع على مكان المدينة القديمة الّتي كانت تسمّى في عهد البطالسة أبيلة. ثمّ تمرّ السكّة الحديديّة من بعد هذه المحطة على دير قانون حتّى تصل إلى عين الفيجة، وهي ذات مجرى جميل يصبّ في نهر بردى ومركزها الطبيعي بين المزارع والأشجار، ممّا يسرّ الأفئدة ويبهج الأنظار. وهناك يسير القطار على شاطئ نهر بردى، تكتنفه الزروع وتحيط به من الجانبين بساتين نضيرة وأشجار غزيرة حتّى يصل إلى محطّة الجديدة. وهذه الجهة لا تبلغ في العلو عن سطح البحر مبلغ الجهات قبلها. ثمّ يبارحها القطار متّجهاً إلى محطّة الحامي، وعندئذٍ تتّصل السكّة الحديديّة بطريق دمشق القديم الّذي أسلفنا أنّه كان لمرور العربات، قبل وضع الخطوط الحديدية على أرض تلك البلاد. ثمّ يرسو عند محطّة دمّر، وهي واقعة على مسافة ١٣٧ كيلومتراً من بيروت. ثمّ هي بلدة صغيرة ولكنّها من المنتزّهات الصيفيّة وتعمر كثيراً في مدّة الحرّ، حيث أن أعيان الشام وأسره الكبيرة يقصدون إليها ليقضوا فيها فصل الصيف، ولهم فيها من أجل ذلك عدّة مساكن وبساتين جميلة. ومن هناك تظهر مآذن دمشق وتبدو طلائعها مبشّرة بقربها، ويرى المسافر على يمينها جبل قسيون وعلى يسارها تلول كلبات المزّة. وإلى هنا ينتهي طريق السير من بيروت إلى مدينة دمشق، ويفارق المسافر جبال لبنان ومناظرها الّتي كانت على طول هذا الطريق تختلف طرباً وتتفاوت حسناً وعجباً. وينبغي أنّنا لا نودّع هذا الجبل حتّى نذكر بعض معلوماتنا فيه تتميماً للرحلة وقد كانت في طريقه طويلة جميلة. موقع الجبل تمتدّ سلسلة جبل لبنان من الشمال الشرقي إلى أواسط سوريّة إلى الجنوب الغربي

стр. 41

وطولها ١٤٥ كيلومتراً وعرضها ٤٥ ومساحة الجبل كلّه تبلغ ٦٥٠٠ كيلومتراً مربعاً. وأمّا حدوده فمن الشمال متصرفيّة طرابلس، ومن الشرق أقضية بعلبك وراشيا وحاصبيا، ومن الجنوب قضاء صيدا، ومن الغرب بيروت وشاطئ البحر. أمّا سكانه فقد ذكرنا عددهم فيما تقدّم. وفي لبنان أنهار وجداول كثيرة، من أشهرها نهر قديسا، وهو ينبع من قرية بشرى ويمرّ على مقربة من أهدن وزغزته في قضاء البترون، ويدخل مدينة طرابلس حيث يسمّى عند أهل هذه المدينة بأبي علي، ويروون من مائه البساتين، وهو يصبّ في البحر عند طرابلس، وطوله ٣٨كيلومتراً. حاصلات لبنان وأما حاصلاته فقليلة لأن أرض الجبل في بعض جهاته صخرية غير معدّة للغرس ولا متهيّئة للزراعة، وقد تعب الأهالي كثيراً في إعداد أرضه للزراعة بقطع الصخور العظيمة ليزرعوا تحتها وقد حاولوا أيضاً غرس شجر السنوبر تحت نفس الصخور في عدّة مواضع منه، ومن محاصيله المهمّة القمح والحمّص والشعير والعدس، وكلّ الأهالي تقريباً يشتغلون بالحرير ويقال أنّه يوجد في ذلك الجبل نحو ١٤٧ معملاً لذلك ولهذا هم يكثرون من غرس التوت حيث أنّ دود القز يتغذّى من ورقه، ومن محاصيله المشهورة أيضاً التين والعنب ويقال أن التين اللبناني أحلى مذاقاً وألذّ طعماًَ من كلّ أنواع التين سواء في الشام وغيره. هواء لبنان أمّا هواؤه فإنّه لم يبق لي موضع لأن أصفه بالطبع بعدما شهد له الأطباء الشرقيّون والغربيّون قديمهم وحديثهم. وعلى الجملة فإن السائح الّذي يريد أن يكتسب صحّته وعافيته ويمتّع نفسه بمناظر العيون والجداول والينابيع والأحراش لا يجد مصيفاً طبيعياً خيراً من لبنان. ويقال إنّ أحسن بلاده موقعاً وهواء، وأكثرها جمالاً وثروة، البلد المسمّى زحلة.

стр. 42

صناعات لبنان وأمّا صناعاته فيقال إنّ فيه صناعات قديمة مثل عمل الأقمشة والنجارة والحدادة إلى غير ذلك، وتجارته تدور على صنائعه ومحاصيله. ثمّ إنّ من أهمّ موارد الثروة في الجبل موسم المصطافين، لأنّ الجبل في الصيف يزدحم بالناس ازدحاماً عظيماً، اِلتماساً للصحّة وطلباً للشفاء والبرء من السقام، وأكثر هؤلاء من المصريين الأغنياء. ويقال إن بعضهم قدّر عدد السياح في ذلك الجبل بنحو ١٨ ألف نسمة، وأظن أنّهم يصرفون من مالهم في تلك السياحة الجميلة شيئاً لا يستهان به. دمشق هي أكبر مدن سورية وفلسطين وموقعها في أواسط سورية حيث الطول الشرقي ٣٠ - ٣٦، والعرض الشمالي ٢٠ - ٣٣، وهي إلى الشرق بانحراف إلى الجنوب من مدينة بيروت، تبعد عنها ١٤٥ كيلومتراً، وتبعد عن جنوبي حمص ٤ مراحل، وتعلو عن سطح البحر ٢٤٠٠ قدم، ومحيطها ٩ أميال ونيف. وهي مدينة قديمة التاريخ، مضى على بنائها نحو ٣١٤٥ سنة. وكانت تسمّى بإرم ذات العماد، إذ يقال إن الّذي كان بناها جبرون بن سعد بن عاد بن إرم بن سام بن نوح. وقد وصفها بعضهم بأنّها جنّة الدنيا لأنّها تشتمل على بساتين كثيرة ومياه تجري في قنواتها في كلّ مكان. وقد قيل في وصفها كثير من النثر والشعر، من ذلك قول بعضهم: سَقى اللهُ أرضَ الغوطَتينِ وَأهلَها ... فَلي بِجنوبِ الغوطَتينِ شُجونُ وَما ذُقت طَعمَ الماءِ إِلا اِستخفّني ... إِلى بَردى وَالنيربينِ حنينُ

стр. 43

وغوطة دمشق مشهورة، وهي من أجمل المناظر والمنتزهات، ولآخر: أمّا دمشقُ فَقد أَبدَت مَحاسِنها ... وَقَد وَفى لَك مُطريها بِما وَعدا إِذا أَردت ملأت العَينَ مِن بلدٍ ... مُستحسنٍ وَزمان يُشبِه البَلدا يُمسي السّحاب عَلى أَجبالها فرقاً ... وَيُصبحُ النبتُ في صَحرائِها بددا فَلَست تُبصر إِلا واكفاً خَضلاً ... أوَيانِعاً خَضراً أوَطائراً غردا كَأنّما القيظ ولّى بَعدَ جيئته ... أَو الربيع دَنا مِن بَعد ما بعدا ولنا بعد هذا الكلام فيما يتعلّق بهذه المدينة من الأمور والملاحظات الّتي لم نر بدّاً من تسطيرها في تلك الرحلة إن شاء الله تعالى. وصلنا مع سلامة الله ورعايته إلى محطّة دمشق، وعندئذٍ أخبرني قومساري القطار بأنّ والي الشام وناساً معه واقفون ينتظرون قدومنا على إفريز المحطّة، فما وسعني حين ذاك سوى أن أسرعت بالنزول من الصالون، وإذا بفتى حديث السنّ ممتلئ خفّة ونشاطاً كان هو أوّل من اِستقبلني من بين الحاضرين، فعرّفني بنفسه ووظيفته وأنّه حضر لاستقبالنا من قبل الوالي قائلاً إن دولة الوالي يعتذر عن عدم حضوره بذاته إلى المحطّة لانتظار دولتكم واِستقبالكم بأن سفر دولتكم إلى الشام غير رسمي. ثمّ طلب إلينا أن نركب عربة خاصّة كان جاء بها لهذا الغرض. وقد عرفنا بعد أن هذه العربة مملوكة لأحد أصدقاء الوالي، كما عرفنا أن المرسلين لانتظارنا من قبله أربعة أشخاص: أحدهم فخر الدين بك مدير الأمور الأجنبية، وهو ذلك الّذي بلّغنا اعتذار الوالي، والثاني روحي بك مدير البوليس، والثالث حسني بك قومندان الدرك، والرابع أحمد أفندي الحسيبي وكيل رئيس البلدية، وهؤلاء هم جملة

стр. 44

المستقبلين. أمّا أنا فمذ سمعت ذلك العذر العجيب صمّمت على أن آخذ مركبي من غير تلك العربة المستعارة، لذلك لم أجبه إلى طلبه وقلت له: إنه ليجدر بمن لم يكن سفره رسمياً أن لا يتعاطى شيئاً من الرسميات مطلقاً، ومن ثمّ لا أخالف تلك الخطّة وأركب عربة تجعل لي تلك الصفة في بلدكم. وقد كنت وأنا أحدثه ألاحظ أن حركته ولهجته في الكلام أشبه بحركات ولهجات الغربيّين منها بالشرقيّين، وأنّه لا يعلم إلا الله مقدار اِستغرابي وعجبي ممّا وجدته في اِستقبال ذلك الشاب، عندما صافحني مصافحة النظائر والأنداد وخاطبني وهو يهزّ يدي بما كان لا يقل عن خطاب كبير من الكبراء وأمير من الأمراء إلى غير ذلك ممّا كان لا يجمل بالمعاملة ولا يتفق هو والتقاليد الّتي تقتضيها حالة الشرق وتستدعيها عادة البلاد. وكيف لا أعجب عجباً شديداً، ولم يسبق لي أن أرى مثل هذه المقابلة من أحد، حتّى ولا من نفس الأمراء والعظماء في البلاد المتمدّنة الّتي يزعم الناس أنّها بلاد الحريّة والمساواة، لولا أنّ ذلك الناشئ بادرنا بشرح وظيفته وتعريف نفسه، ما كنّا شككنا أنّ الّذي كان يستقبلنا ويهزّ يدنا هزّاً هو حاكم الشام نفسه. على أن جميع الناس الذين قابلناهم قبل هذا فيما تركناه وراءنا من البلاد الشاميّة كانوا غاية في اللطف والأدب عارفين وزن أنفسهم، ثمّ هم لا يزالون محتفظين بتقاليد الشرق وأخلاقه. خرجنا من المحطّة فركبنا من العربات ما كان لنا منه الكفاية، وقصدنا توّاً إلى فندق فكتوريا الّذي اِخترناه لنزولنا مدّة إقامتنا في دمشق حيث هو أجمل فندق في تلك المدينة. ولم يكن ليصادفنا في الطريق الّذي كنّا نمرّ منه ما كان يلفت نظر السائح نحوه غير تكيّة للمولوية وذلك النهر العظيم، نهر بردى الّذي يمرّ في وسط المدينة أشبه بنهر السين في وسط باريس، وأنه لقد سرّني كثيراً منظره الجميل وحسن موقعه بين المزارع والبساتين. وكانت المسافة منذ ركبنا العربات حتّى وصلنا النزل لا تتجاوز الدقائق إلى الساعات. وهناك وجدنا عند مدخل الفندق صاحبه الّذي كان ينتظرنا ليهدينا إلى الحجرات الّتي خصّصت لنا فيه. ولم يمض على جلوسنا هناك أكثر من ربع الساعة حتّى شرّفنا الوالي بزيارته مرتدياً إذ ذاك لباساً عسكرياً فاستقبلناه وجلسنا نتحدّث، فأفهمنا في غضون حديثه أنّه كان لا يستطاع إعمال شيء في ما يتعلّق باستقبالنا عند موقف القطار أكثر ممّا حصل حيث لم يكن

стр. 45

حضورنا إلى ذلك البلد مصبوغاً بصبغة رسمية. أمّا نحن فبعد أن شكرنا له هذه الزيارة الّتي تبرّع بها من عنده قلنا له إننا حقيقة لم نجئ إلى بلدكم بصيغة رسمية وكذلك كان غير رسمي كلّ سفرنا في جميع البلاد الّتي قصدنا إليها في هذه الرحلة. على أنّه ليس لنا أن نسافر إلى دمشق أو غيرها سفراً رسمياً، وأنّه لا يجهل كلانا أنّ الأسفار الرسميّة إنّما تكون للأجانب أو لمن كانت تنفذه الحكومة من قبلها لمباشرة أعمالها ومصالحها. كما أنّنا نعرف تماماً أن كلّ الّذي كان يعمل من أجلنا في الاستقبالات من الاجتماعات والمظاهرات الأخرى إنّما كان من محض تبرّعات الحكام وأعيان البلاد. أمّا نحن فلم نأسف لأنّ اِستقبالنا منكم كان بسيطاً إلى الحدّ الّذي لا تجهله وأنّه كان هناك شيء يستدعي أسفنا فليس إلا أنّه لم يرسل لاستقبالنا على المحطّة من كان يناسب حالنا ويلتئم مع تبعتنا. ولقد كان يرضينا ويسرّنا أيضاً أن نجد في اِنتظارنا ولو أحد الضباط، بدلاً من ذلك الّذي قابلنا وكانت وظيفته مدير الأمور الأجنبية، إذ أنّي لست أجنبياً من تلك البلاد إذ هي بلاد الشرق، وأنا شرقي محض. وقد كنت أحسب أنّي عثماني تابع لدولة العثمانيّين. هذا كان خلاصة حديثنا مع الوالي وقد شرب القهوة وقام. أمّا نحن فما لبثنا بعده إلا قليلاً ريثما اِرتدينا ملابسنا المعتادة في الزيارات، ثمّ ذهبنا لا نلوي على شيء حتّى وصلنا إلى سراي الحكومة حيث نرد للوالي زيارته وسلامه. وقد رأينا السراي جميلة المنظر جدّاً، وربّما كانت أحسن مباني المدينة عمارة وأنضرها بقعة، لأنّها واقعة بجوار نهر بردى. وكنّا نظن أنّه يوجد في تلك السراي مثل ما يوجد في سرايات الحكومات من الناس والمستخدمين، ولكنّنا مذ دخلنا فيها لم نقابل سوى ثلاثة عساكر فسألناهم: هل هنا دولة الوالي؟ فقالوا: دولة الوالي ليس موجوداً هنا. فقلنا: أليس أحد من كبار المستخدمين أو السكرتارية هنا أيضاً؟ فأجابوا: ليس أحد هنا من هؤلاء جميعا. ً فبدا لنا أن نترك مع أحدهم بطاقة الزيارة ليعرف الوالي أنّنا رددنا تحيّته. وهناك ذهبت منّا اِلتفاته على سلّم السراي، فرأينا عليه إنساناً عرفنا بعد أنّه من أعيان البلد وأصحاب الجرائد فيها، وقد قرأنا في وجهه آية الأسف الشديد ممّا كان رآه من حال الاِستقبال والوداع في دار الحكومة، عندما دخلناها وخرجنا منها، وحينما سألنا العسكر سؤالنا وأجابونا جوابهم. ولهذا خفّ الرجل إلينا خفّة الطائر، وسألنا عمّا إذا كنّا نستحسن

стр. 46

أن نكتب في جريدته شكايتنا واِنتقادنا تلك الحالة الغريبة الّتي اِستنكر حصولها هذا الرجل، فشكرنا له معروفه وأجبناه بأنّه ليس لنا شكاية من شيء، ولا نريد أيضاً أن ننتقد عمل الحكومة على كلّ حال. وحسبنا من كلّ ما نطلب منكم ما وجدناه من محبّتكم لنا وشعوركم الجميل نحونا. ثمّ بارحنا تلك السراي قافلين إلى الفندق، فلمّا وصلنا إليه رأينا علماً عثمانيّاً مرفوعاً في داخله على السلّم الضيق فسألت صاحبه (وهو الخواجا بيترو وكان رجلاً كبير السن يميل كثيراً إلى مصر حيث كان يتاجر فيها حينما كان شابّاً): لماذا رفع هنا هذا العلم العثماني؟ فأجابني بأنّ العادة المتّبعة في جميع جهات الدنيا أنّه عندما ينزل ضيف كريم في أي فندق من الفنادق يرفع له علم الحكومة التابع هو لها إجلالاً له واِحتفالاً بقدومه، فقلت له: هذا العلم يرفع عادة على باب الفندق من الخارج فلماذا كان مرفوعاً من الداخل؟ فقال: نعم كان يجب رفع العلم خارج الفندق، غير أن أصحاب الأمر والنهي في البلد قد أبوا عليّ ذلك ومنعوني منه. فما أمكن لي أن أؤدي ذلك الواجب إلا برفعه حيث ترون، وإنّي لشديد الأسف من تلك الظروف الّتي عاكستني حتّى لم أتمكّن من نصب العلم على باب الفندق إشعاراً بوجود مثل دولتكم فيه. لعلّ القارئ يأخذ عليّ شيئاً من الملاحظات على بعض رجال الحكم والإدارة في حكومة الشام. ولست أنكر أنّ ذلك يكاد يكون بارزاً يلمس باليد من خلال سطور بعض المقالات في رحلة دمشق، ولكنّه ما جاء مقصوداً ولا مراداً به أي شيء، وإنّما جاء عفواً في ما تستدعيه الرحلة من ذكر كلّ ما يرى الراحل ضرورة ذكره. وإذا كان من الضروري أن أبين كيف كان اِستقبالي في كلّ مدينة أو بلد أنزل فيها أو أمر بها لا جرم كان وصف اِستقبالي في أكبر مدن الشام وأعظم عواصمها منتظراً في رحلتي قبل كلّ شيء، كما أنّه ضروري على كلّ حال، خصوصاً بعدما تحدّث به المتحدّثون وكتب فيه الكاتبون. قد ذكرت في غضون هذه الرحلة ما كنت لاقيته من أولئك الكرام المساميح أهل بيروت وأهل الجبل حكّاماً وغير حكّام، وما كان من لطفهم وأدبهم واِعتنائهم بضيوفهم، ممّا مرّ على القارئ بيانه من وقت أن كنّا في ميناء بيروت إلى أن نزلنا في محطّة دمشق، وأنّه ما فاتنا والحمد لله أن نشكر لهم معاملتهم لنا وحسن صنيعهم

стр. 47

بنا عدّة مرّات. كما أنّنا كتبنا كلّ ذلك مفصّلاً في رحلتنا هذه ليبقى معروفهم مسطّراً على صفحات الكتاب مثلما كان مطبوعاً من قبل في طويّات الألباب. وقد كان بودّي لو أنّه يسطّر بمداد من نور على صفحات خدود الحور. وإذا رأى القارئ في ما رأى أنّي لم أنس ذلك لأحدٍ منهم حتّى ولا لأصغر القوم سنّاً وأقلّهم شأناً واحتراماً، عرف من مبدئي في الأمور الإعلان بالصدق والصراحة في الحقّ كائناً ما كان وبالغاً ما بلغ. زيارة في الفندق عدنا إلى الفندق وبعد قليل من الزمن حضر إلينا صاحب الجريدة الّذي كان قابلنا في دار الولاية، وقد اِرتحت كثيراً لمجلس هذا الرجل الظريف لما سبق لي من مروءته ومعروفه على غير معرفة سابقة. وكان حديثنا معه قاصراً على وصف بلاد الشام وذكر مواهب الله فيها من خصوبة الأرض وجودة الهواء وعذوبة الماء وصفاء الجوّ إلى غير ذلك، وما كدنا نتمّم حديثنا معه في ما كان يقتضي سرورنا من مناظر تلك البلاد وأشكالها الطبيعية الساحرة حتّى جاءنا عدّة رجال من أعيان المدينة مظهرين لنا شدّة استيائهم من أنّنا لم نخبرهم بوقت حضورنا إلى دمشق، إذ كان ذلك سبباً في فوات أكبر فرصة كانوا ينتهزونها لتأدية الواجب نحونا من الاحتفاء بنا والاِحتفال باِستقبالنا لدى المحطّة، فشكرنا لهم جميعاً هذا الشعور العالي والإحساس الجميل. ثمّ جاء بعدئذ الأمير علي بن الأمير عبد القادر الجزائري، فقابلناه بما يليق بمقامه الكريم من الحفاوة والتعظيم. أمّا حضرته فكان وقوراً بشوشاً سمح الوجه ظريف المحادثة، لا يشكّ من يراه أنّه من بيروت المجد والإمارة. وقد أظهر لنا في فاتحة حديثه ما اِنطوت عليه نفسه الطاهرة من الميل والإخلاص للأسرة العلويّة. ثمّ أخذنا نتبادل أطراف الحديث، وكان أكثر ما يدور عليه كلامه هو اِمتداح المغفور له جدّنا الأكبر محمّد علي باشا وبيان مآثره النافعة في بلاد الشرق. وكان يسرّني ما كنت أسمعه من ذلك الحديث الحسن الصحيح سروراً جمّاً، ليس ذلك لأن الأمير كان يطري جدّنا ويذكر من أعماله وآثاره ما كان يذكر، فإن الآثار والأعمال نفسها تعرب عن

стр. 48

قدر صاحبها واِستحقاقه شكر الناس له إعراباً صحيحاً لا شكّ فيه ولا خلاف عليه، ولكن ذلك لأنّي رأيت مثل هذا الاِعتراف الجميل يصدر عن إنسان آخر على خلاف المألوف في طبائع أغلب الناس، خصوصاً في هذا الزمان، فإنّه قلّما يعترف واحد لغيره بفضل أو ميزة اللهم إلا إذا كان نفاقاً أو رياء. وقد يدفع الحقد ببعض الناس إلى أن يزيدوا، على نكران المعروف ونسيان الجميل والمروءة، أن يتلمّسوا لصاحبهم مواضع العيب والنقص من أعماله، وينشروها ليشهّروا به في المحافل والمجالس تشهيراً. وإنّ أعجب ما في الإنسان أن تراه شديد العداوة والبغضاء لأخيه، عظيم النفور منه. ومع ذلك فإنّه شديد الحاجة إليه عظيم الرغبة فيه. فبينما تجده يكره منه أن يزاحمه على خير أو يشاركه في فضل أو يستأثر دونه بعلم أو عمل، ويمقته ويزدريه ويودّ لو أنّه يستأصل من هذا الوجود فلا يبقى له أثر فيه، إذا هو لا يستطيع أن يعيش بدونه ولا أن ينهض بغيره، لا يرى معونته إلا منه ولا سلطانه إلا به ولا عزّه إلا في بقائه. فقضية الإنسان في تلك الحياة متناقضة معكوسة، وقل مع هذا أن يملك الواحد نفسه وينصف صاحبه، ويعطيه قسطه من المدح وحقّه من الثناء والشكر. وحينئذٍ لا بدع إذا كان يسرّني جدّاً أن أرى إنساناً مثل هذا نظيف القلب مغسول الصدر من أدران الحقد والحسد. وإنّي بعد أن شكرته جزيل الشكر وأثنيت عليه جميل الثناء، قلت له: إذا كان للمرحوم جدّنا محمّد علي باشا في الشرق من تلك الآثار الواضحة والأعمال الخطيرة النافعة ما يستوجب شكر الناس له، فإنّنا معشر الشرقيّين لا ننسى أن لأبيكم في الغرب من الإصلاحات الكثيرة والمنافع الجمّة الجليلة ما ليس يقلّ عن ذلك شيئاً، وعلى هذا اِنتهى حديثنا. وكان من ضمن الزائرين لنا في مساء هذا اليوم حضرة عبد الحميد بك غالب، نجل المرحوم عثمان غالب باشا. وقد اِستغربت إذ ذاك وجوده في دمشق، فسألته ماذا جاء بك إلى هنا؟ فقال: إنّ لي عمّاً في هذه المدينة، وقد كان المرحوم والدنا اِشترى بيتاً كبيراً حوله حديقة في ضواحي دمشق. ثمّ إنه ما زال جالساً معنا حتّى وقت الغروب، فاِستأذننا مودّعاً بالحفاوة مشكوراً على تلك الزيارة.

стр. 49

سياحة في المدينة في صبح اليوم الثاني عوّلنا على الخطّة الّتي كنّا رسمناها للسياحة في بياض ذلك اليوم، وكان منها زيارة بعض وجهاء المدينة وسادتها الّذين كانوا جاؤوا لزيارتنا في فندق فكتوريا، ومنها أيضاً مشاهدة ما كان لا بدّ للسائح أن يطّلع عليه في دمشق من المناظر والآثار. الإنجليزي في دمشق وفيما نحن نعدّ أنفسنا للخروج، جاءنا صاحب الفندق يخبرنا أنّ الشاب الإنجليزي (ومعروف للقارئ من هو) مصاب في عقله وأنّه كثيراً ما تعتريه نوبات جنون شديدة فيتشوّش دماغه ويضطرب فكره، وعند ذلك يتهيّج وربّما يتلون في الملابس والأزياء ويتداخل في ما لا يعنيه من شؤون الناس ولا يبالي أن يزجّ بنفسه في أخطر الوقائع وأصعب الفظائع. وقد تعدّدت جناياته وجرائمه في بلاد الشام حتّى صار يعرفه كلّ الناس تقريباً، وأن له أباً رجلاً طبيباً من سكّان لبنان ومن محترمي الإنجليز أيضاً، وقد تعب كثيراً هذا الوالد المسكين يحاول إصلاح شأن ولده ويعالجه بكلّ أنواع العلاج، رجاء أن يؤوب إلى ثباته ويعود إلى رشده. ومع ذلك لم يفده الإصلاح إلا فساداً، ولم يزده العلاج إلا جنوناً. ولمّا أن يئس والده المسكين من جهته ووجد أنّ نسبة اِبنه إليه واِرتباطه به على هذه الحال السيّئة ربّما يلحق به أذى وضرراً من جرّاء الجنايات الّتي يقترفها ذلك الوالد بخبله، اضطرّ أن يعلن على الملأ اِنفصاله عنه وبراءته من كلّ ما يحصل منه. أمّا أنا فقد أدهشني جدّاً هذا الخبر الفجائي الغريب، ولكنّي كنت أسأت الظنّ بالمخبر حتّى أتبيّن صحّة خبره، فسألت عن حقيقة ذلك الإنجليزي بعض من يعرفه من سكّان دمشق فأجابوني بما أكّد عندي حكاية صاحب النزل وحقّقها تحقيقاّ. وعندئذ لم يسعني غير أن أوعزت إلى حضرة الفاضل أحمد بك العريس أن يخليه من مأموريتنا ويبعده عنّا بدعوى أنّنا

стр. 50

لا حاجة لنا برؤية الخيل ولا شرائها. وقد وصلناه بمكافأة مالية ترضيه، فانصرف بها إلى حال سبيله. أمّا نحن فقد اِعتبرنا ما ذكره لنا الخواجة بيترو نصيحة جميلة وشكرناها له في نفسنا. وبعد ذلك ركبنا عربة من باب الفندق وذهبنا جاعلين وجهتنا في أوّل الأمر ردّ الزيارات، فابتدأنا بزيارة سعادة محمد باشا العظم في داره الّتي كانت واقعة في داخل البلد الأصلية من ضمن العمائر القديمة. وهي من البيوت الأثريّة النفيسة شرقيّة الشكل، فيها ساحة من حولها الغرف، وفي الساحة أشجار وأغراس وبركة ماء، وقد تكون البرك في داخل الغرف أيضاً، والأرض كلّها مبلّطة بالرخام المرمر الجميل، وبعض السقوف والجدران مذهّبة أو مزخرفة بفاخر الفسيفساء. وقد كان أكثر البيوت الّتي زرنا فيها أصحابها من هذا القبيل، وإن كانت تتفاوت بالطبع في سعة المساحة وضخامة البناء. وبالجملة، فإن بيوت دمشق التاريخية تشبه كلّ الشبه البيوت القديمة في جميع بلاد الشرق، ومثل تلك البيوت في مصر بيوت الغزّ والسادات. وحقيقة، كانت بيوت دمشق التي زرناها جميلة المنظر دقيقة الصنع، يطالع فيها المتأمل درساً طويلاً من أهمّ دروس التاريخ الأثري. ومنها يعلم كيف كان غرام المتقدّمين وولعهم بالفنون البديعة والصنائع الدقيقة. نعم، ويعرف أيضاً إلى أيّ درجة بلغت عنايتهم بزخرفة بيوتهم بالرسوم الفاخرة والأوضاع المحكمة. وقد كنت أدركت شيئاً من الفرق بين تلك الصناعة في بيوت الشام وبينها في بيوت مصر، فهي في الأخيرة أدق وأتقن منها في الأولى. وأظنّ أن هذا الفرق يمكن أن يدركه كلّ من زاول هذه الصناعة واِطّلع عليها في المدينتين. ولكنّي مع مزيد الأسف أقول: إن الصناعات القديمة والآثار التاريخية ليس لها مكان من قلوب المصريّين ولا نصيب من اِستحسانهم مثل ما لها من قلوب غيرهم، لأنّ معظم عنايتهم أو كلّها منصرفة دائماً إلى التقاليد الغربية والأنماط الإفرنكية، وبالأخص في العمارات الّتي غيّرت بالكليّة هيئة البلد وخرجت بها عن الشكل الشرقي بالمرّة. وأنه إذا كان بقي من ذلك البناء القديم بقيّة إلى اليوم، فإن ذلك من النادر القليل. وكم كنت جذلاً مسروراً من أنّ أهل الشام لا يزالون إلى اليوم محافظين على آثار أسلافهم وتاريخ عمائرهم، إذ أن أكثرهم ما فتئ يسكن البيوت العتيقة. ولا سبب لهذا في ما نعلم إلا أن العوائد الأوربية لم تتغلب عليهم ولم تنل

стр. 51

منهم ريثما نالت من سواهم، فهم شرقيّون بارون بالشرق محتفظون بمخلفات الأصول وآثار الجدود. وبعد أن اِنتهينا من الزيارات ومشاهدة أفخر البيوتات ذهبنا إلى أسواق المدينة . أسواق المدينة في هذه المدينة أسواق كثيرة تسمّى بأسماء مختلفة، وفي الغالب يسمّى كلّ سوق منها باِسم ما يصنع أو يباع فيه على نحو ما يعرف في المدن الكبيرة. وهذه الأسواق على نوعين مجموعة ومتفرقة. والمجموعة منها يطلق عليها اسم المدينة، وهي شرقية الشكل أكثرها ضيق مسقوف. أمّا سوق الحميدية الجديدة وسوق الخوجه، وسوق محمد علي، فهي من الأسواق الحديثة الجميلة. ويوجد في المدينة من الخانات عدد كبير، أقدمها خان أسعد باشا وخان سليمان باشا. وقد كان أوّل مرورنا من السوق الأكبر، ورأينا أنّ حركة البيع والشراء متبادلة هناك بين الشرقيّين، وقلّما وقعت العين على أوربي يبيع أو يشتري أو يمرّ في هذا السوق، على أنّه هو أكبر الأسواق في ذلك البلد. ثمّ إننا كنّا نسير بين حوانيت من الجانبين، منها حوانيت السروجية والقصّارين وباعة الخبز واللحوم المشويّة والعطّارين وغيرهم من أصحاب التجارات وأرباب الصنائع الشرقيّة البحتة. كما كنّا نلاحظ أنّ مجموعة المتعاملين بالبيع والشراء كانوا يختلفون بين عرب وأكراد وأعجام وشراكسة ويتميّزون كلّ بلبوسه المعروف. ثمّ إن هناك بعض الأعاجم قد اتّخذوا محال لنقش الأختام، وجماعة كثيرة من الكتاب العموميّين يجلسون متفرّقين في طول السوق ومسافة ما بين الواحد منهم والآخر تبلغ من عشرة أمتار تقريباً إلى عشرين في الكثير. وحول هؤلاء الكتاب زحام من أهل البلد، إذ يستكتبونهم العروض والجوابات، كما قد يشاهد في الشوارع القريبة من المحاكم

стр. 52

الأهلية والأقسام في مصر. وكنّا نرى بعض أناس من حملة المباخر يروحون ويغدون في الطريق لطلب الصدقات من المارّة وأصحاب الحوانيت. كما كنّا نجد من الناس من يشتري الخبز ويلقمه الكلاب. ومن عادة التجار الّتي لاحظناها منهم في البلد أنّهم يشغلون أوقات فراغهم من حركة البيع والشراء بقراءة القرآن ومطالعة الكتب أو بالتدخين في النارجيل. فكاهة ولنذكر هنا على سبيل الفكاهة ما كنّا نسمعه من مناداة بعض السوقة في الطريق ذلك أن بائع الليمونادة ينادي (بيبرد الله قلبك اطف الحرارة)، ويصيح بائع الجلاب وهو التمر هندي المعروف (مواللال يا ولد) يريد أنّه صافٍ جدّاً، وبائع الخشاف البارد ينادي (بالك سنونك)، ويقول بائع الورد (صالح حماتك)، هذا ما كنّا وعيناه من ندائهم أثناء مرورنا. وبعد ذلك سرنا من جملة أسواق كان منها سوق الحميدية نسبة في ما يقال إلى السلطان عبد الحميد. وفي هذا السوق يوجد أيضاً خليط من النجارات الشرقية، ثمّ سوق العصرونية وسوق باب البريد، وهكذا حتّى وصلنا إلى جامع بني أمية . جامع بني أمية موقع هذا الجامع في آخر سوق الحميديّة من الطرف الشرقي، ويقال إنّ موضعه في الأصل كان معبداً وثنياً ثمّ حوّل إلى كنيسة مسيحيّة في عهد الإمبراطور أركديوس وكانت تسمّى القدّيس يوحنّا، ولعلّ سبب هذه التسمية وجود رأس يوحنّا المعمدان في تلك الكنيسة، وهو النبي يحيى ﵇ الّذي لا يزال مدفوناً تحت إحدى قباب هذا المسجد، وكلّ أهل دمشق يقسمون برأسه. وعند هذا المسجد تقابل خالد بن الوليد وأبو عبيدة بن الجراح ﵄ عند فتح دمشق. وزعموا أن الجهة الشرقية منه أخذت غصباً وعنوة وأن الجهة الغربية تركت للمسيحيّين. وكان

стр. 53

المسلمون والمسيحيّون يدخلون أولاً من باب واحد إذا أرادوا الصلاة وقد استمرّوا كذلك على عهد الوليد بن عبد الملك. وبعد ذلك صار المسجد كلّه للمسلمين، لأنّ الوليد أخذ من المسيحيّين نصيبهم منه نظير أنّه ضمن لهم بقاء ملكيتهم لجملة كنائس أخرى متفرّقة في دمشق وضواحيها. ثمّ إنه هدم جميع الكنيسة من الداخل حتّى لم يبق من بنائها الأصلي إلا السور الخارجي وبنى مسجده الجميل الّذي أحكم بنيانه حتّى صار آية من آيات الحسن والبهاء، وكان المهندسون فيه من اليونان. ويقال إن الوليد عندما أراد الشروع في البناء استحضر ١٢٠٠ صانع من إسلامبول لهذا الغرض، ولبثوا يشتغلون فيه مدّة تسع سنين. وقد جمع كلّ الأعمدة القديمة الّتي كانت متفرّقة في مدن الشام الأثريّة، ورصّ أرض الجامع بنوع من الرخام الجميل النادر، وكذلك فعل بدوائر الجدران من أسفل. وأمّا القبّة وحيطان المسجد من الأعلى فقد كان نقشها وزخرفها بحجارة ملوّنة دقيقة، وكذلك كانت محاريب الصلاة مزدانة بأبدع النقوش من ألطف الألوان وأدق الحجارة. وكانت عقود هذه المحاريب مزيّنة زينة باهرة بسلاسل وأغصان ذهبيّة، أمّا السقف فكان كلّه من الخشب المتين المطعّم بالذهب. وكان في المسجد ٦٠٠ قنديل من ذهب خالص. ويقال إن دفاتر الحسابات لهذه العمارة نقلت إلى الوليد على ١٨ بغلاً. وحينما ولي الخلافة عمر بن عبد العزيز غيّر بعض معالم المسجد، فأبدل هذه القناديل الذهبية بقناديل عادية من الزجاج. وفي سنة ٤٦٠ من الهجرة، وهي السنة الّتي استولى فيها تيمورلنك على دمشق، كان قد هدم هذا المسجد بحريق أتلف منه جزءاً. ومن ذلك الحين لم يعد المسجد إلى جماله الأوّل وشكله القديم. ثمّ احترق مرّة أخرى في ١٤ أكتوبر سنة ١٨٩٣ فتلف فيه قسم عظيم، وكان ذلك على عهد السلطان عبد الحميد، وقد صدر أمره إذ ذاك بإعادة القسم المحترق وتجديده على مثل ما كان. ويقال إنهم جمعوا ٨٠ ألف جنيه، أكثرها من تبرّعات الناس، أعادوا بها البناء، وإنّ جميع الصنّاع والمهندسين كانوا من الدماشقة، إذ يقال أنهم اجتمعوا على أن لا تزاحمهم يد أجنبية. ثم إن الجامع الآن

стр. 54

لم يبق فيه من المباني العتيقة الّتي كانت قبل الإسلام إلا قوس نصر، وهو قوس محكم الوضع متقن الصناعة جميل المنظر جدّاً، وكذلك بقيّة من باب واحد في الجهة الجنوبية. وطول المسجد يبلغ ١٣١ متراً ويبلغ عرضه ٣٨ متراً، فمساحته تبلغ حينئذ ٤٩٧٨ متراً مربّعاً. أمّا بناؤه فقائم على موضع الكنيسة، وفيه صفّان من الأعمدة الشاهقة تقسم المسجد إلى ثلاثة أروقة، ويبلغ طول العمود من تلك العمد ٧ أمتار. ثمّ إنّ سقف هذه الأورقة الثلاثة متّكئة على كتل خشبيّة ضخمة منقوشة بأبدع النقوش. وقد نقش على الحائط الغربي من داخل المسجد أسماء الخلفاء الأربعة بالخطّ الكبير، كما كتب على الجدار الجنوبي وبقية الجدران بعض كلام الله سوراً كاملة وآيات من بعض السور، وهي منقوشة أيضاً بالثلث الجميل. وفوق القبلة والمنبر من الجهة الجنوبية ثلاث نوافذ كبيرة تمتاز عمّا عداها بجمال الزجاج وحسن رونقه في. وفي الجامع محاريب منها محراب خاص بالحنفية وآخر خاص بالشافعية، وآخر يسمّى بمحراب الصحابة، وقريباً من ذلك المحراب يصلّي السادة الحنفية، وهم أكثر عدداً في المصلين من أهل المذاهب الأخرى، ولعلّ ذلك لأنّ معظم أهل المدينة من هذا المذهب. ويقال إن الّذي بنى هذه المحاريب هو تنكز في سنة ٧٢٩ هـ. وفي وسط المسجد قبّة عالية جدّاً مثمّنة الشكل، وفي كلّ جهة من جهاتها نافذتان على شكل نصف دائرة، ويقال إن هذه القبة مغطّاة بالرصاص. ولا يوجد بناء من أبنية المدينة كلّها أعلى منها إلا المآذن الثلاث. ولذلك هي تنظر للمسافر من مسافة بعيدة، ويرى على رأسها هلال شاهق، وتسمّى قبّة النسر، وربّما سميت كذلك لأنّ الرواقين في شمالها ويمينها كجناحين لها. وفي صحن الجامع أربعة أعمدة مغطّاة بالرخام الملوّن، وهي قائمة على القبر الّذي دفنت فيه رأس يحيى ﵇. أمّا رحبة المسجد فتحيط بها بواكٍ كثيرة إلا أنّها ليست نصف دائرة تماماً بل شكلها بيضاوي تقريباً ويقال أن عدة هذه البواكي تبلغ ٤٧ باكية. وتيجان العمد في تلك الرحبة بارزة مربّعة الشكل لا تختلف شيئاً عن تيجان الأعمدة المصرية. ويقال إن هذه الرحبة كانت في الزمن السابق مبلّطة بالرخام المرمر النفيس.

стр. 55

وفي الجهة الغربية من تلك الرحبة قبّة أخرى تعرف بقبّة الخزنة. وفي وسطها قبّة كذلك تسمّى بقبّة النوفرة، ويقال إنّها واقعة في منتصف المسافة بين إسلامبول ومكّة المكرمة. وفي الجهة الشرقية قبّة الساعة، وهي واقعة أمام قبة الخزنة، وفيها ساعة. ثمّ إن وراء الأعمدة من الناحية المقابلة للمسجد عدّّة غرف خاصّة بالعلماء والطلبة. أمّا مآذن الجامع فثلاث: أوّّلها مأذنة عيسى، وهي واقعة في الجهة الشرقية من المسجد، مثمّنة الشكل ونقشها من الصناعة العربية الدقيقة، ولها ثلاثة أدوار يصعد إليها بنحو ١٨٧ درجة، وتنتهي بكرة عليها هلال. ومن فوقها يرى الإنسان منظراً بهيجاً إذا هو أشرف منها على أبنية المدينة وقوس نصر جميل بين البساتين والمزارع. ويعجبني تشبيه بعض من شاهد ذلك المنظر بأنه قطعة من الصخر الرمادي في إطار من الزمرّد الأخضر الشهي. ثمّ إن هذا المأذنة تزيد في الارتفاع عن قبّة الجامع بنيف ومائة قدم، والسيّاح يصعدون إليها ليروا ذلك المنظر العجيب. ولولا أنّ الزمن قليل والسفر طويل لكنت في عداد أولئك الصاعدين حتّى لا يفوتني أن أتمتّع به مثلهم. أمّا المأذنة الثانية، فهي في الجهة الجنوبية الشرقية، وتسمّى بمأذنة الساعة. وسبب هذه التسمية في ما يزعم الناس أنّ سيّدنا عيسى سينزل عليها عند قيام الساعة. وهاتان المأذنتان قديمتان جدّاً على ما يقال حتّى ذهب بعض المؤرّخين على أنّهما موجودتان منذ عهد الرومانيين واليونانيين. أمّا الثالثة، فقائمة في الجهة الشمالية، وتسمّى بمأذنة العروس. بناها الوليد على غاية ما يمكن من الإتقان والإبداع، وهي وإن كانت لا تبلغ في الطول مثل سابقتيها إلا أنّها تفوقهما حسناً وجمالاً. وقد تغزّل فيها بعض الأدباء فقال: قاسوا حَماة بجلّقٍ فَأَجبتُهم ... هَذا قِياسٌ فاسدٌ وَحياتكم فَعروسُ جامع جلّق ما مِثلها ... شتّانَ بينَ عَروسِنا وَحَماتِكم وأمّا أبوابه الخارجية فسبعة أكبرها في جهة الشرق.

стр. 56

إهداء عالم فرغنا من زيارة المسجد الأموي وعندما كنت مسرعاً في الخروج منه تقدّم نحوي شيخ يناولني كتاباً على غير معرفة، وقد حسبت أنّه من فقراء المساجد جاء يلتمس منّا صدقة، فأمرت له بجنيه وأخذت منه الكتاب، وأنا لا أزال مسرع السير حيث كان مقصدي زيارة قبر المرحوم صلاح الدين الأيوبي ، قبل أن ندخل في وقت الظهر. ولكنّي عرفت أخيراً أنّ ذلك الشيخ الّذي أهدى إليّ كتابه هو شيخ الجامع الأموي نفسه. وعندئذٍ أسفت كثيراً لأنّي لم أقابله بما كان يستحقّه من الاحترام لشخصه ويقتضيه من الشكر لهديّته، لا سيّما والكتاب مخطوط قديم التاريخ نبيل الموضوع، إذ فيه ذكر فضائل مصر وعجائبها من القرآن والحديث وآثار السلف، وفيه أيضاً مسائل كثيرة في جغرافيتها الاقتصادية. وإنّما عرفت وظيفة هذا الأستاذ حينما تصفّحت الكتاب فرأيت عنوانه مكتوباً بخطّ يده على أوّل صحيفة منه، تحت ما كتبه من عبارات الإهداء الّتي تدلّ على أدب ذلك الرجل وتواضعه. وأنه وإن فاتنا أن نشكر له ذلك في وجهه فإنّه لم يفتنا أن نسطّره في رحلتنا، وذلك أبلغ في معنى الشكر والثناء. صلاح الدين الأيوبي من هو صلاح الدين الّذي قصدنا إلى زيارة قبره، إنّي أعتقد قطعاً أنّه ليس على وجه الأرض أحد إلا وهو يفهم قدر هذا البطل الكبير والفاتح الشهير كما يفهم وجود نفسه. كيف لا وهو الّذي طبق صيته الخافقين، وبلغت شهرته الّتي لم يسمح في غابر التاريخ ولا حاضره بمثلها لأحد من الملوك والسلاطين ولا غيرهم من العالمين. ولولا أنّي لا أحكم على الغيب ولا أتنبأ بالمستقبل لقطعت بأن الزمان لم يعد يسمح بنظيره. حَلَفَ الزّمانُ ليأتينّ بِمثلهِ ... إنّ الزّمانَ بِمثلهِ لَبخيلُ

стр. 57

وليس لنا أن نفيض في وصفه ولا أن نطيل بذكر تاريخه بعد أن امتلأت بطون التواريخ بقصصه الطويلة وشرح أعماله الجليلة الّتي شهدت بها الناس جميعاً حتّى أعداؤه ومبغضوه. ومَليحة شَهدت لَها ضرّاتُها ... وَالفضلُ ما شَهدت بِه الأعداءُ ولكن لا بأس أن نورد في رحلتنا نبذة من تاريخه العطري تبركاً بذكره الفخيم وتيمّناً باِسمه الكريم. هو السلطان الملك الناصر صلاح الدين أبو المظفر يوسف بن نجم الدين أيّوب. ولد ﵀ في تكريت سنة ٥٣٢ من الهجرة، وقدم به أبوه إلى دمشق وهو رضيع فنشأ في حجره، وكان أبوه إذ ذاك مستعملاً على بعلبك. ولمّا ترعرع صلاح الدين، أرسله المرحوم السلطان نور الدين الشهيد مع أمراء جيشه للحرب في مصر فأبلى فيها بلاءً حسناً وأظهر من الشجاعة والبراعة ما أكبره وسما في أعين الناس، ثمّ عاد إلى دمشق وأقام إلى أن أغار الصليبيون على مصر وكادوا يستولون عليها وكانت وقتئذٍ بيد الفاطميين فطلب نور الدين إليه أن يذهب إلى مصر مع عمّه شيركوه فأجاب عن اِرتياح ونكل بالفاطميين وقطع خطبتهم وصار من هذا الحين نائباً في مصر إلى أن مات السلطان نور الدين فاِستقل هو بحكمها ومن ذلك العهد أخذ يفتح البلاد فتوحاته الكثيرة حتّى مات في مدينة دمشق في يوم ٢٧ صفر سنة ٥٨٨ وكان عمره لا يتجاوز ٥٧ سنة وكان ﵀ غاية في الجود والكرم حتّى قيل أنه لم يترك بعد وفاته سوى ٤٧ درهماً وهي ثروة ربّما ترك السائل لأولاده أضعاف أضعافها ولكنّه البذل والسخاء والحنان والشفقة على المساكين والفقراء تستنفد المال ولو كان مثل الجبال. دخلنا قبّة هذا الملك وهي بجانب الجامع الأموي من جهة الشمال ورأينا حال دخولنا حديقة لا تزيد عن خمسة أمتار طولاً في مثلها عرضاً، وهنا أخذتني هزّة عندما رأيت صلاح الدين صاحب الحروب الصليبية والّذي أخضع الجبابرة وأسر القياصرة والّذي كان يضيق بهمّته الشمّاء فضاء ما بين الأرض والسماء ينتهي أمره بسكنى هذا المكان الضيق وتكون حديقته أمتاراً معدودة يوجد في مقابر البسطاء من

стр. 58

الناس ما هو أكبر منها، نعم إن الميت في قبره لا ينتفع بسعة المكان كما لا يهمّه شيء من زخارف الحياة، وإنما أسفي كان من أنّ الشرقيّين وهم أعرف الناس بقدر هذا الفاتح المظفر لم يحفلوا به كما يحفل الغربيّون بعظماء رجالهم مع أنّ الغربيّين أنفسهم قد قدروا قدر هذا الرجل وليس هناك أدلّ على ذلك من إهداء إمبراطور ألمانيا إلى قبره إكليلاً زهرياً يسر الإنسان أن يرى منه برهاناًَ على شعور جلالة الإمبراطور وأضرابه بقدر ما يحزنه أن لا يرى شيئاً مطلقاً من جانب الشرقيّين عموماً والمسلمين خصوصاً على قبره. الصالحية هي إحدى القرى والأحياء الّتي تنقسم إليها مدينة دمشق، وقد كنّا عوّلنا على اِرتيادها في هذا اليوم. فبعد أن فرغنا من مشاهدة الأسواق واِنتهى أربنا من زيارة الأعيان وبعض الجوامع ومن كلّ ما كان يهمّنا أن نطّلع عليه بالقصد أو كان يصادفنا أيضاً على غير نيّة وحساب عندما كنّا نسير في الشوارع والطرقات، توجّهنا تحوطنا رعاية الله إلى الصالحية وكان الوقت عصراً فسرنا في طريق كان من أجمل الطرق وأحسن المنتزهات في تلك البقاع حيث لا يلتفت فيه الإنسان عن ذات يمينه أو عن ذات يساره حتّى يرى الأرض من الجانبين خضراء زاهية بالبساتين والمزارع الّتي يميل إليها الطبع ويفرح منها القلب، ولا يزال المسافر في ذلك الطريق يمرّ بين مناظر طبيعية تختلف في الحسن وتتفاوت في الجمال وينتقل من منظر شهي إلى أشهى ومن شكل بهيّ إلى أبهى، ولا يودّع فيه نهر الطرة حتّى يستقبل بعده نهر البريد وهكذا إلى أن يصير في الصالحية. وهي قائمة على هضبة جهة الغرب من المدينة، وعدد سكّانها يبلغ نحو عشرة آلاف نسمة، ويمرّ منها نهر البريد وفيها من الأشياء المشهورة جامع الصوفي الشهير محيي الدين ابن العربي، وقبر عبد القادر الجزائري.

стр. 59

وقد سرّني جدّاً منظر هذه القرية الّتي جمعت على طيب المناخ ونضارة البقعة واعتدال الجو من ضروب الحسن والبهاء ما لا يمكن الإعراب عن نعته بأكثر من أنّه جنّة عالية تجري من تحتها الأنهار، كما قال بعض الشعراء: الصالِحيّة جنّةٌ ... وَالصّالِحونَ بِها أَقاموا وهذا قليل في وصف بلد مثل هذه. وإنك تكاد تطير فرحاً وسروراً عندما تشرف منها على دمشق وما يتخلّلها من الماء والخضرة ويحيط بها من البساتين النضرة، فترى من هذه المجموعة البديعة منظراً يخدع النفس حسنه ويسترقّ الفؤاد جماله، مررنا هناك في جملة شوارع ورأينا فيما كنّا نراه بيوتاً وأكواخاً صغيرة تدلّ بظاهر هيئتها على أنّ سكّانها من الفقراء البائسين وقد كنت أحسب أنهم من العرب ولكنّي عندما تأمّلت شكلهم عرفت أنّهم من أهل كريد المسلمين توطّنوا تلك الجهة واِستعمروها. وقد رأينا في نفس البلد أيضاً بيوتاً كبيرة وقصوراً مشيدة وهي من أملاك أكابر الدماشقة وأعيانهم. ثمّ صادفنا ونحن خارجون من تلك القرية مصطبة الإمبراطور. وقد اِستغربت هذه الإضافة فسألت من بعض القوم عن سببها فقالوا: إن إمبراطور ألمانيا لمّا زار تلك الجهة نصبت له خيمة فيها ووقف على تلك المصطبة ليرى منظر المدينة وما حولها، ومن هذا الحين نسبت إليه ودعيت باسمه. ثمّ إنّه لم يكن وراء الصالحية من الجهة الغربية إلا جبل قسيون، وأمّا من ناحية الشرق فلست أجدني مبالغاً إذا قلت إن الطبيعة لم تتجلّ للعيون فتملأها حسناً ولا للقلوب فتنهبها طرباً إلا في تلك البقعة عندما يشرف الإنسان منها على المدينة وما يحيط بها فيرى من الحسن والإبداع وجمال التكوين والاختراع ما لم يعثر النظر على مثله ولم تنسج الطبيعة على منواله. وكم كنت آسفا من أنّي لست بالشاعر الخيالي ولا بالرسام الماهر حتّى كان يمكنني أن أصوّر للقارئ كيف كان يفعل بالعقول ذلك المنظر الساحر، حينما كنت أشرف تارة على ناحية الشرق فأرى السفح مفروشاً من النبات البهي

стр. 60

بمثل البساط السندسيّ، وأرسل النظر تارة أخرى إلى الجنوب فأشاهد مآذن دمشق الشاهقة بين مبانيها ومعالمها الفائقة، وقد أحاط بها سياج من الحدائق الفيحاء إحاطة النطاق بخصر المشبوبة الهيفاء، فما أدرى وقتئذٍ إذا كنت أردّد البصر بين نضارة المزارع وجمال المدينة أم كنت أغازل عروساً بديعة الحسن في ثياب البهاء وشعار الزينة. ولكن ماذا كان يفيدني أن أكون أبلغ المتكلّمين فأصف ما كوّنته يد القدرة في هذا المقام الكريم بأفصح مقال وأوضح تبيين، أو أكون أحذق المصوّرين فيتحرك قلمي في رسم ذلك المنظر الفخيم بأبدع نقش وأبهر تلوين وأنه شتّان بين ما يقع في القلب من روعة المشاهدة والعيان وبين ما يصل إلى السمع من حديث التعريف والبيان. يا اِبنَ الكِرامِ أَلا تَدنو فَتُبصر ما ... قَد حدّثوك فَما راءٍ كَمن سَمِعا وعلى ذلك تمّت الرحلة على الصالحيّة. ثمّ عدنا إلى الفندق وقد مررنا في أثناء الطريق بمدرسة الملك الظاهر بيبرس ومكتبة الحكومة الّتي جمعت عند قبره واِشتهرت في تلك الدائرة بادّخار نفائس الأسفار العربية وغرائب الكتب الفنيّة، ويقولون إنه قبل أن تتكون هذه المكتبة كانت الكتب متفرقة في عدّة أماكن متنائية، فكان يصعب على عشّاق العلم أن يصلوا إلى غايتهم من البحث والمراجعة في تلك الكتب. على أن تباعد مواضعها كان من أهمّ الأسباب لتدشينها ونقص بعضها بل ضياع عدد كثير منها. ولولا أن أتاح الله لها مدحت باشا فعني بجمعها وترتيبها لكانت اليوم في حيّز العدم، وكانت تكون دمشق كبيروت خالية من المكتبات العامّة الّتي لا تقل فائدتها في المجتمع عن المدارس. ثمّ إنّي كنت عجبت من أنّه كيف تكون بيروت خالية من الكتبخانات العامة وهي البلد الوحيدة التي اختصّت من بين سائر بلاد الشام بكثرة المدارس وانتشار العلوم والمعارف. ولا شك أن تأسيس مثل هذه المكتبة الجميلة المشتملة على الكتب القديمة في مدينة كبيرة يعدّ نهضة شريفة تبقى لمدحت باشا في تاريخه إلى

стр. 61

آخر الزمان. وقد كان أمام هذه المكتبة جامع ابن بيبرس وقد منعنا أن نزور غيره أيضاً من جوامع دمشق الكثيرة الّتي منها أيضاً جامع السنانية أنّنا كنّا قريبين من وقت الظهر. وبعد أن تناولنا طعام الغداء في الفندق أخبرنا بحضور جملة من الخيل فاطّلعنا عليها. وكنّا نحسب أنّ فيها ما يجتلب رغبتنا ويجتذب اِستحساننا ولكنّا، مع مزيد الأسف، وجدناها كسائر الخيل المعتادة لا تمتاز حتّى ولا بأنّها من تلك الجياد الأصيلة. ولذلك صرفنا عنها النظر، وذهبنا في عربة إلى زيارة تكيّة المولوية، تلك الّتي ذكرنا أنّها كانت في طريقنا من المحطّة إلى الفندق. دخلنا هذه التكيّة، وهي من البناء المزخرف الجميل قائمة في وسط حديقة غنّاء. وقد اِستقبلنا عند مدخلها شيخها، وهو رجل كامل ظريف، وبعد أن رحّب بنا ناولنا من سعوطه الّذي أخبرنا أنّه من عمله وصنعة يده، فشكرت له أدبه ومعروفه. ثمّ طفنا على قاعات التكيّة ورأينا أنّ أهلها من أوّلهم إلى آخرهم ممتلئون جذلاً وسروراً بسبب أن جلالة السلطان محمّد الخامس مولوي الطريقة، فهم من أجل ذلك يطمعون في رعايته وعطفه بنوع خاص، ويؤملون أملاً كبيراً في أن يكون لجميع التكايا من وراء ذلك ما يرقيها ويوسّع نطاقها، حقّق الله آمالهم. ثمّ قصدنا إلى زيارة شيخ النقشبندية. ومن هناك مررنا ثانياً من داخل المدينة في عدّة أسواق يتّصل بعضها ببعض وتتمايز بالأسماء، وكان منها سوق الأروام وسوق باب البريد وسوق الحرير وسوق الخياطين. وإذ ذاك صادفنا دار أسعد باشا، وهي تعدّ من ضمن الأمكنة الّتي يقصد إليها المسافرون ويرتادها السائحون. ولهذا الباشا خان من ضمن خانات المدينة، كما أن لمدحت باشا سوقاً طويلاً يعرف باِسمه هناك. ومن الأسواق الّتي مررنا فيها من هذا الطريق سوق يسمّى سوق القطن لأنّ القطن يباع فيه، ومنه مررنا بجامع السنانية حيث قصدنا إلى الفندق. وكان سبيل سيرنا من ناحية المرج، وهو طريق طويل من المنتزهات البديعة المنسّقة مارّ بجوار نهر بردى وعليه من جهة اليمين واليسار مزارع وأغراس بهيجة والمتفسحون من أهل دمشق يستحسنون هذه الطريق كثيراً وأكثرهم استحساناً له وفسحة فيه المغرمون بركوب الخيل، فإنهم يروحون ويغدون على خيولهم يرتعون ويلعبون في هذا الطريق الجميل. بذلك ختمنا رحلة هذا اليوم، وما كاد يجيء صبح اليوم الثاني حتّى حضر إلينا في الفندق جمّ غفير من ذوات المدينة

стр. 62

وأصحاب الحيثيات الكبيرة، فيها وقد كنّا تهيأنا للسفر فما زال هؤلاء الكرام معنا حتّى ذهبنا إلى المحطّة. في محطة دمشق جلسنا هناك في غرفة الاستراحة بين الذين كانوا جاؤوا إلى المحطّة للاحتفال بوداعنا مسافة نتبادل الحديث، وفي تلك الأثناء جاء إلينا أحد موظفي الحكومة يحمل معه سلام دولة الوالي واعتذاره إلينا عن عدم حضوره بذاته بأنّه مريض لا يستطيع السير إلى المحطّة، فشكرنا له هذه العناية الجليلة والأريحية الجميلة وقلنا لذلك المندوب على مسمع من كلّ الحاضرين: إن شاء الله سيزول مرض الوالي ويحصل له تمام الشفاء والنشاط، عندما نفارق هذا البلد ونسافر. ولمّا آذن القطار بالرحيل قمت فودّعت جميع الّذين كانوا قد حضروا لتوديعنا من علية القوم، وحينئذ كنت أسمع منهم عبارات الأسف الشديد ممّا كان حصل من الوالي أولاً وآخراً، فأجبتهم بأنّي ما جئت إلى بلاد الشام لزيارة الحكومة ولا رجالها، وأنه عندي يستوي أن أرى عناية الحكومة واحتفالها وأن لا أرى شيئاً أصلاً، لأنّ الحكومة كلّ الناس يعرفون أنّها كالأعراض دائماً متغيّرة لا تثبت على حال واحدة، وأنّها تتقلّب على مبادئ مختلفة تلتئم مع الظروف الحاضرة مثل السفينة الّتي تجري في البحر على حسب ما تقتضيه الرياح وتشتهيه الأهوية وقد تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، وإنّما جئت بلاد الشام لا أقصد إلا زيارة أهلها واكتساب معرفتهم ومحبّتهم. وحسبي أنّي، والحمد لله، اجتمعت في هذه الرحلة السعيدة بأمثال حضراتكم، فسأعود الآن من سفري هذا إلى بلادي بأكبر غنيمة وأربح صفقة. قلت لهم ذلك، وأنا لا أقدّر ما كان يختلج في صدري من السرور ولا أستطيع أن أعرب عن اِمتناني ممّا لاقيته من عناية أولئك القوم الّتي كانت ألمع برهان على شدّة تعلّقهم بنا وإخلاصهم لنا ولأسرتنا، كيف وإنهم سادة البلاد وأصحاب الشأن والكلمة فيها. على أنّي ختمت مقالتي لهم بأنّه لا ينبغي للإنسان أن يمتعض من الحاكم ويغتاظ عليه لمثل هذا الأمر قبل أن يتبيّن سببه، لعلّ له عذراً وأنت تلوم، وما يدرينا إذا كان الوالي

стр. 63

فعل ما فعله من تلقاء نفسه أو كان مجبوراً ومرغماً عليه من قبل أصحاب الحلّ والربط في البلاد. وأنا عند ذلك الأخير أقول: إذا كانت الحكومة تريد من وراء عملها هذا كسر شوكة الأسرة الخديوية والحطّ من كرامتها في عيون الناس، فليس في وسعي حذاء ما تبتغي الحكومة سوى الصبر والسكوت، وهو أحسن ما يكون جواباً في تلك الحال. وإلا فماذا ينفع القيل والقال وقد أصبحت البلاد كما تعرفون؟ لا أقول إنّها بلاد فوضى أو خالية من العظماء والعقلاء والحكّام والأمراء. ولكن كلّنا لا نجهل أنّ الاختلاف على المبادئ والغايات كثيراً ما يوجد الاشتباه والالتباس ويوجب تفرّق الكلمة ويذهب بوحدتها بين الناس، خصوصاً إذا هم اختلفت شعوبهم واضطربت مضاربهم وآراؤهم، ومن ثمّ لا تجدي الشكاية من امرئ يزعم أن أكبر المبرّرات لعمله اِعتماده على جانب غيره واِطمئنانه على قوّته ونفوذ أمره. ولذلك أنا أفضل من الآن الرجوع إلى مصر، دون أن ألوي في طريقي على مكان آخر، على أن أتمّ رحلتي في بقيّة البلاد. فإنّي أحسب أنّ هذا أحفظ لكرامتي وخير لي ممّا عساني أصادفه في حكومات الشام. وعندئذٍ قالوا جميعاً خفّض على نفسك، فالأمر أهون ممّا تظنّ، وسافر على بركة الله على ما شئت من البلاد، فإنّك سترى إن شاء الله من الآن ما يسرّك ويرضيك حيث أقمت وحيث ارتحلت، فليس في طريقك من هنا إلى بعلبك وحمص وما بعدهما إلا قومنا وأبناءنا الّذين منهم المتصرّفون والحكّام. وإنك ستجد من عنايتهم واِحتفائهم العظيم بمقامك الكريم ما أنت جدير به فشكرت لهم هذا المعروف الكبير والإخلاص المتناهي مرّة بعد أخرى. ثمّ قام القطار، وهنا كان آخر رحلتي في مدينة دمشق وعاصمة الشام الكبيرة. وقد كان بودّي لو أن تطول إقامتي فيها لأتجوّل في جميع ضواحيها ونواحيها، وأطوف أيضاً على مدارسها النظامية ومعاهدها الدينية ومعاملها الصناعية ومكاتبها ومطابعها، وأوافي القراء في رحلتي بتفصيل ذلك كلّه، غير أن الوقت كان مع الأسف ضيّقاً لا يسمح لي بأكثر ممّا كان. على أني كنت ألاحظ في أثناء مروري في طرقات البلد من داخلها وخارجها أنّ أغلب السكّان من الطوائف الإسلامية، وأنّ عدد المسيحيين بالنسبة إليهم قليل جدّاً كعدد المسلمين بالنسبة إلى سكّان لبنان أو هو أقل من ذلك أيضاً.

стр. 64

طريق السفر إلى بعلبك مرّ بنا القطار في سهل البقاع الّذي سبق الكلام عليه حتّى وصل إلى محطّة الرياق الّتي أسلفنا أنّ القطار يقف عندها زمناً يكفي المسافر لأخذ غايته من طعام الغداء. وقد كانت المسافة من هذه المحطّة إلى مدينة بعلبك أقرب مسافة بين المحطّات. ورأينا في اِنتظارنا على إفريزها سعادة عبد الحميد باشا الدروبي، لمناسبة أنّنا كنّا وعدناه بزيارتنا له في مدينة حمص الّتي هي بلده وهو سيّدها وأكبر واحد فيها. وكان معه في اِستقبالنا قائمقام بعلبك وحضرة مطران بك أحد أسرة مطران الشهيرة في بلاد الشام، وإن شاء الله سنذكر نبذة من تاريخ هذه الأسرة الفخيمة. وبعد أن تناولنا جميعاً طعام الغداء الّذي كان مجهّزاً مع جميع أدواته نزلنا في القطار الّذي ما فتئ يعبث بالأرض وينفذ كالسهم في كبد الفضاء حتّى وصل إلى محطّة بعلبك. وكان الزمن الّذي اِستغرقناه في طول المسافة بين الرياق وهذه المحطّة لا يزيد عن ثلاثة أرباع الساعة. مدينة بعلبك هذه المدينة ترتفع عن سطح البحر نحو ١١٧٠ متراً، وهي قائمة في الجانب الشرقي من وادي الليتاني وهو وادٍ خصب التربة جيّد المعدن جدّاً. ثمّ إنّ هذه المدينة، وإن كانت قديمة التاريخ مشهورة في سورية، غير أنّها صغيرة لا يزيد عدد سكّانها عن خمسة آلاف ومائتي نفس، خمسهم من طوائف المسيحيين. وهي قصبة قضاء باسمها تابع لواء دمشق، وفيها حامية صغيرة، وديران روميان وآخران مارونيان، ومدرستان للبنات: إحداهما لراهبات القدّيس يوسف، والأخرى للبعثة الإنجليزية. وفيها أيضاً مساجد ومزارات لبعض الأولياء، وروضة أنيقة، ونبع يسمّى برأس

стр. 65

العين، وهو من أجمل المنتزهات، وماؤه عذب لطيف. وفيها من الآثار المهمّة والعجائب التاريخية قلعة بعلبك الّتي هي من أعجب مباني العالم وأغلب الآثار السورية بعد تدمر. وسيأتي لنا عليها كلام بعد قليل ممّا سنذكره في تاريخ تلكالمدينة. تاريخ المدينة أصل مدينة بعلبك غير معروف وقد وجد اِسمها ضمن كتابة قديمة عثر عليها في الآثار الأشورية والمصرية ويؤخذ من هذه الكتابات أنّ المدينة كانت مخصّصة بعبادة الإله بعل، وكان اليونان يقولون أن بعلاً هذا هو نفس إليوس إله الشمس ويفسّرون بعلبك ب (اليوبوليس)، ولما أن جاء الرومان قالوا أن إليوس هو المشتري وكانوا يمثّلونه بشاب أمرد أمامه ثوران وفي يمينه سوط وفي يساره صاعقة وبعض من سنابل القمح وفي عهد الملك أوغيست اعتبرت المدينة مستعمرة رومانية كما يدلّ على ذلك بعض نقود القرن الأوّل الّتي وجدت تحت الجدران، وفي عهد الملك أنطنيوس الصالح من سنة ١٣٨ إلى سنة ١٦١ بعد الميلاد شرع في بناء معبد لآلهة اليوبوليس الثلاثة المشتري والزهرة وعطارد، ولكن لم يتم بناء ذلك المعبد إلّا في عهد (كراكلا) سنة ٢١٧، ثمّ بنى بعد ذلك معبد الإله باكيس إله الخمر. ولمّا جاء عهد الإمبراطور قسطنطين الأوّل محيت عبادة الزهرة، وذلك كان من سنة ٣٢٤ إلى سنة ٣٣٧. وفي عهد الإمبراطور بتودوز، الّذي كان من سنة ٣٧٩ إلى سنة ٣٩٥، هدم بأمر منه المعبد الكبير بعد أن كانت الزلازل قد نالت منه مرادها أيضاً، ثمّ بنى الإمبراطور في موضعه كنيسة. وقد وجد في ضمن الآثار كتابات يذكر فيها بعض أساقفة اليوبوليس. وفي القرن السابع استولى على المدينة بطل المسلمين أبو عبيدة بن الجراح ﵁، بعد أن دارت حرب بينه وبين بطريق يسمّى هربيس، أرسله هرقل

стр. 66

عظيم الروم. وكان هربيس هذا رجلاً شديد البأس شجاع القلب، ولكنّه لم تنفعه شجاعته ولم تغنه كثرة قومه وجنده والمسلمون يومئذٍ أشدّ بأساً وأشدّ تنكيلاً وكان عليهم من أمراء الجيش وقوّاده خالد بن الوليد وعمرو بن معدي كرب الزبيدي ورافع بن عبد الله السهمي من سادات قريش فنصر الله المسلمين وأيّدهم بعدما كان حمي وطيس الحرب بين الروم والعرب، وحصر العرب الروم حصاراً شديداً ضايقهم حتّى اِنتهى الأمر باِنهزامهم واِستكانتهم وخضوعهم لشروط الغالبين. وقد ثار الروم أخيراً بالبطريق هربيس زعيمهم فقتلوه واِنضموا للإسلام، وتمّ الفتح للمسلمين واِستخلف أبو عبيدة على بعلبك رافع بن عبد الله السهمي وأوصاه على عادته بالعدل والاِستقامة. ويعتقد العرب أنّ القلعة من بناء سيدنا سليمان، وقد بنوا فيها حصوناً كان لها أهمّ تأثير في حروب القرون الوسطى. وفي سنة ١١٣٩ اِستولى الأمير محمود زنكي على المدينة والقلعة. وفي سنة ١١٧٥ اِستولى عليهما أيضاً السلطان صلاح الدين. وفي سنة ١٢٦٠ خرّبها المغول تحت رياسة هولاكو، وجاء بعده تيمورلنك فأجهز عليها. أمّا بناء المعابد فقد وجدت نقود من عهد الإمبراطور سبيتم سفير سنة ١٩٣ إلى سنة ٢١١، وكذلك وجدت نقود من العصور الّتي تلي عصر هذا الإمبراطور، عليها كلّها صورتا المعبدين. ولكن مع هذا لم يعلم بالتحقيق متى كان تمّ بناء المعبد الكبير. وقد وجدت كتابة من عهد أنطونيوس الصالح تدلّ على أنّ المعبد الكبير كان لجميع آلهة اليوبوليس. وأمّا المعبد الصغير، فكان خاصّاً بالإله باكيس. وعلى كلّ حال، فإن بناء المعبدين ينتهي تاريخه إلى عصر واحد. وقد هدمت جميع تلك المباني في ما جاء من العصور بعد ذلك. وفي القرن السادس عشر عثر بعض الأوربيين على آثار المعبدين. ومنذ ذلك الوقت، تناوبتهما الزلازل خصوصاً في سنة. ١٩٥٩ وقد أظهرت مباحث علماء من سنة ٩٠٠ إلى سنة ٩٠٤ كثيراً من الآثار المفيدة. من المحطة إلى الفندق نزلنا في محطّة بعلبك فوجدنا في اِستقبالنا على إفريزها عدداً كبيراً من أعاظم

стр. 67

البلد وأعيانها وأهاليها، وكان في مقدّمتهم نقيب السادة الأشراف وبعض أسرته وجناب أسقف الروم الكاثوليك، فرحّبوا جميعاً بمقدمنا وشكرناهم، ثمّ ذهبنا إلى الفندق بينما كان الطريق من المحطّة إليه غاصّاً بالأهالي. ومذ وصلنا إليه طلبنا من صاحبه ما يكفينا وضيوفنا من الغرف. ولم تمض علينا فيه إلا برهة صغيرة، ثمّ توجّهنا نردّ زيارة من كانوا زارونا واِستقبلونا على المحطّة، فبدأنا بزيارة أسرة مطران بك ثمّ نقيب السادة الأشراف، وقد دُعينا من جانب الأوّل لتناول طعام العشاء عنده في مساء ذلك اليوم فأجبناه شاكرين له حسن عنايته ومعروفه. وحين فرغنا من تلك الزيارات ذهبنا، وكنّا إذ ذاك في وقت العصر، إلى التروّض والفسحة في روضة أنيقة يمرّ في وسطها نهير غاية في العذوبة والصفاء. وقد اِجتمع لأجلنا هنالك عدد كبير من الفرسان على خيلهم الجميلة، ثمّ أخذوا يلعبون أمامنا على جملة كان منها طريقة الهجوم. وكان البعض من تلك الخيل حرورياً كريماً، فسررت كثيراً من ألاعيبهم. وأكثر ما سرّني أنّي شاهدت بين هؤلاء الفوارس جملة من الشبّان الأحداث الّذين لا يزيد عمر أكبرهم عن ١٤ سنة، وكانوا يلعبون ألاعيب مدهشة بمهارة فائقة. وقد مكثنا نشاهدهم معجبين بما كانوا يأتونه من ضروب الفروسية، ريثما جيء لنا بالقهوة. ثمّ ذهبنا إلى حضرة أسقف المذهب الأرتدكسي (وهذا المذهب يحتمي أبناؤه بحماية دولة الروسيا) فاِستقبلنا حضرته اِستقبالاً جميلاً مع بعض رجاله. ومُذ جلسنا قام شاب من تلاميذ مدرستهم وألقى بين يدينا خطابة رشيقة اللفظ كانت تنحصر عباراتها في الترحيب بنا وبيان ما شمل القوم من السرور بزيارتنا لبلدهم. فشكرنا لحضرة الأسقف وحاشيته لطفهم وأدبهم، ثمّ خرجنا من عندهم مودّعين بكلّ حفاوة واِحترام حيث قصدنا إلى بيت آل مطران. أسرة مطران هي أسرة كبيرة قديمة كاثوليكية المذهب، هاجرت من زمن بعيد من حوران إلى الشام، ثمّ توطّنت بعلبك، ولم تزل فيها منذ أربع مائة سنة. ويحكى أنّ جدّ هذه الأسرة كان المطران أبيفانيوس، أسقف بعلبك الّذي حضر المجمع الأسقفي المعقود في

стр. 68

قرية الراس ضد البطريرك مكاريوس الدبّاس في سنة ١٦١٨. وممّا ثبت بشهادة البطريرك مكاريوس الحلبي أنّ المطران أبيفانيوس المذكور كان ذا أولاد، فمن سلالته آل مطران الّذين نحن بصددهم. ولهذه الأسرة الّتي مضى عليها نحو أربع مائة سنة، وهي في بعلبك تتناوب المجد وتتوارث الفضل والنبل إلى اليوم، تاريخ طويل رأينا أن نكتفي منه بالقدر الّذي ذكرناه ليعرف القرّاء من هم آل مطران الّذين دعونا، ونحن ذاهبون إليهم الآن إجابة لدعوتهم. ومذ وصلنا إلى بيتهم، رأيناه من أجمل البيوت، وكان فوق حسنه الذاتي وجماله الموضعي غاية في الزخرف والزينة، وفيه ثريّات كثيرة يكاد يبيضّ منها وجه الليل الحالك. وحين جلسنا في قاعة الاستقبال، جاء إلينا حضرة البك يعرفنا بقرينته المصونة على حسب العادة، ثمّ دعينا على المائدة، وإذ ذاك أخذوا يشعلون السواريخ ذات الألوان البديعة الّتي كانت تمثل في صعودها وهبوطها جملة أشياء مختلفة رائعة حتى انتهينا من تناول الطعام الشهي وخرجنا إلى مجالسنا ريثما تعاطينا القهوة. ثمّ اِنصرفنا مودّعين من تلك الأسرة الكريمة بمثل ما اِستقبلنا به حيث ذهبنا لا وجهة لنا إلا الفندق، ثمّ ما لبثنا هناك أن جاء إلينا جناب ميخائيل أفندي موسى ألوف البعلبكي، مدير مصلحة الآثار التاريخية في مدينة بعلبك فاستقبلناه وقد عرّفنا بنفسه ووظيفته فسررت من هذا التعريف، لأنّي كنت مصمّماً على زيارة الأثر الغريب في هذا البلد، وهو المسمّى بقلعة بعلبك أو المعبد القديم. أمّا هذا الزائر، فقد كان عالماً أثريّاً يكاد يتوقّد فطنة وذكاء، عرفت ذلك ممّا كان يدور بيني وبينه من الكلام الّذي كان يتناول بعض العموميات تارة وبعض الخصوصيات تارة أخرى. ثمّ إنّه خرج من عندنا على نية أن ينتظرنا عند الأثر ليرشدنا فيه إلى ما عساه يخفى علينا، وعلى ذلك انتهت رحلة اليوم الأول في تلك المدينة. ولمّا جاء صباح اليوم الثاني توجّهنا إلى زيارة القلعة، وكان في اِنتظارنا هناك مدير الآثار المذكور فأخذ يسرد لنا قصّتها وتاريخها من أوّل الأمر إلى آخره، ويشرح عجائبها وغرائبها شرحاً وافياً

стр. 69

ضافياً. ومن ذلك أن هذه القلعة أو المعبد القديم كان قبل الآن مغموراً معظمه بالأنقاض والأتربة، حتّى ما كان يظهر من معالمه الأثريّة المدهشة سوى جزء صغير، وما زال كذلك حتّى أتاح الحظ لبعلبك أن زارها جلالة غليوم الثاني إمبراطور الألمانيين. ومذ رأى أنّ المعبد كما وصفنا ليس ظاهراً منه إلا شيء قليل، توجّهت همّته لكشف هياكله وإظهار تماثيله ومعالمه ليعود إلى سيرته الأولى، فوجّه من أجل ذلك بعثة علمية تتألّف أعضاؤها من خير مهندسي حكومته ويرأسها أحد مشاهير العلماء، فأخذت هذه البعثة في البحث والتنقيب عن الآثار تحت أطباق الردم والتراب حتّى كشفت ما هنالك للرومان والأوثان، وما تمّ على يد البيزانطيين ودين المسيح، ثمّ ما زاده من البناء غزاة الإسلام. ويقال إن هذه البعثة الألمانية استمرت تشتغل في تلك المهمّة نحو سنتين، وأنّها اشترطت أن تأخذ لنفسها في نظير ذلك العمل كلّ ما تعثر عليه من الآثار ذات القيمة متى كان يمكن لها نقله من جهة إلى أخرى. وقد ذكر لنا أيضاً أن العرب والأتراك كانوا قد اتّخذوا حصنهم الحصين من ذلك المعبد مدّة حرب الصليبيين، وأنّهم هدموا ما كان يحيط به من البناء الّذي كان يستطاع تسلّقه وكان غرضهم من ذلك تحصين القلعة وزيادة منعتها. قلعة بعلبك هذه القلعة قائمة في الجهة الغربية من المدينة، وهي مغطّاة بآثار المعبدين، وقد تقدّم ذكرهما. قصدنا إلى تلك القلعة، وقد كنّا قبل أن ندنو منها نشاهد منظراً ضخماً وبناء شاهقاً لم نر له مثيلاً، فما برحنا نردّد النظر حوله حتّى إذا صرنا منه على مسافة أمتار، أفزعنا شكله في مجموعه وروّعنا ما رأيناه من أصوله وفروعه، وما زال يزداد عجباً وتعظم دهشتنا كلّما تدانينا منه حتّى بلغنا إليه، فرأينا ذلك المنظر المهول وقد تحلّلت جملته وتفكّكت كليته بين حديقة وأغراس جميلة إلا أنّها من الأوضاع الحديثة. رادنا رئيس الآثار إلى القلعة حيث دخل بنا إليها من باب كبير على جانبه من اليسار واليمين بابان صغيران، فوصلنا إلى ساحة مسدّسة الشكل وفي جميع جوانبها آثار أعمدة يفيد ظاهرها وبعض شيء لا يزال باقياً عليها أنها

стр. 70

كانت مكسوة (بالموزاييك) وعند كلّ من الجانبين الشرقي والغربي حُجر صغيرة حوّلها العرب إلى حصون ومنافذ ضيّقة لإرسال السهام. ومن تلك الساحة المسدّسة يدخل إلى ساحة المذبح بعد اجتياز ثلاثة أبواب، منها اثنان متهدّمان أمّا الثالث، وهو أصغرها، فلم يزل قائماً على حاله. ويظهر أيضاً أنّ هذه الساحة كانت محاطة بأعمدة مثل الّتي تقدمتها، وأنّه لا يزال يوجد فيها آثار بعض غرف على الجانبين الشمالي والجنوبي، وقد تأمّلنا الجدران في الساحتين فوجدناها آخذة من الزخرف والزينة بالصناعة الدقيقة ما يفوق الوصف. ثمّ إن في تلك الجدران محاريب كانت معدّة لوضع الأصنام، ولم يزل بعض الحجرات إلى اليوم مسقوفاً وحافظاً لشيء من جمال سقوفه. ويظهر أن تلك الغرف كانت معدّة لإيواء بعض زائري المعبد. وفي وسط الساحة تقريباً يوجد مذبح كبير لم يظهر إلا نصفه وبعض الدرج التي كان الكهنة يقفون عليها عند تقديم القربان، أمّا النصف الثاني من ذلك المذبح فلا أثر له، ويقال إنّه هدم لإدخاله ضمن الكنيسة التي بناها بيتودوز. ويوجد على المذبح حوض المعمودية الّذي صنعه الإمبراطور المذكور أيضاً وفي جنوب ذلك الحوض يوجد حوض آخر يظهر أنّه كان للاستحمام، ولم يبق إلا شيء قليل من آثار المعبد الكبير الّذي كان مخصّصاً بجميع آلهة اليوبوليس، وأهمّ هذه البقية ستّة أعمدة هائلة ويوجد في الجنوب الشرقي من هذه الأعمدة معبد باكيس وهو يكاد يكون وحده الأثر المحفوظ وربّما كان من أحسن الآثار القديمة في جميع البلاد السورية، وهو مستقل تمام الاستقلال عن المعبد الكبير وأقلّ منه ارتفاعاً وليس له ساحة، ويصعد إليه بسلّم ذي ثلاث درجات، وسقفه مصنوع بغاية الإتقان يمثل مسدّسات فيها بعض صور محي معظمها بمرور الزمان. وفي الجهة الغربية توجد أعمدة لا تزال باقية حتّى الآن، ويوجد في تلك الجهة نفسها بعض قطع هائلة من السقف. ومن الجهة الشرقية يوصل السلم المذكور سابقاً إلى دهليز على جانبيه أعمدة، ومن ذلك الدهليز يصل السائر إلى باب المعبد الداخلي وهو باب جميل الصنع جدّاً، وعلى جانبي الباب الكبير بابان صغيران، وبأعلاهما يمتدّ على طول الجدار إفريز جميل، يظهر أنّه كان مزداناً بنقوش بارزة. أمّا الهيكل الداخلي فقد رأيناه متهدّماً إلا أنّه في الجهة الشمالية كان أقلّ تهدّماً منه في الجهة الجنوبية، على أنّ النقوش الّتي كانت على هاتين

стр. 71

الجهتين لا تختلف عنها في بقية الجهات، كما أن ما رأيناه من تيجان الأعمدة في كلّ جهات المعبد كان أيضاً لا يمتاز عن تيجان الأعمدة في تلك الجدران، ورأينا أيضاً عدّة محاريب كانت لوضع الصور والتماثيل. وقد وضع في إحداها لوحة من الرخام منقوش فيها كتابة بالتركية والألمانية تذكاراً لزيارة إمبراطور ألمانيا. ويوجد أمام واجهة هذا المعبد مبان عربية حديثة العهد، بعضها مبني بأنقاض أخذت من نفس القلعة. ويؤخذ من شكلها أنّها كانت حصوناً وكانت في الأصل أقبية، ويقال إنّهم كانوا جعلوها كذلك بقصد أن تكون مخازن. وفي طريق العرب الموصل إلى تلك الحصون توجد عدة غرف متقنة الصنع جميلة النقوش. ثمّ إن آثار المعبد الكبير كانت محاطة بسور هائل على بعد عشرة أمتار من المعبد، وكان هذا الفضاء مملوءا بأحجار ضخمة كما يشاهد ذلك في الجهة الشمالية. ويظهر أنّ هذه الأحجار الكبيرة كانت مهيأة لأن تستعمل في مبان أخرى. ويوجد في تلك الجهة حفرة يمكن لمن نزل إليها أن يرى الأحجار العظيمة التي كانوا وضعوها في أساس البناء. أمّا ذلك السور الخارجي، فإنّه مبني بحجارة خارقة للعادة، إذ يبلغ سمك الحجر الواحد منها أكثر من أربعة أمتار. وفي الجهة الشرقية للقلعة يقوم المعبد الصغير المسمّى معبد الزُّهَرة، وهو مستدير الشكل ويصعد إليه بسلّم واقع في الجهة الشمالية منه. وهو معبد جميل، في داخله رقوش بديعة ونقوش مشابهة لنقوش المعابد القائمة في القلعة، وفيه أيضاً محاريب لوضع التماثيل. وكان ظاهر هذا المعبد أجمل من باطنه، فإنّه يحيي ذكرى الصناعة الرومانية في العصور المتأخّرة، ثمّ هو خماسي الشكل وجوانبه مستديرة في الداخل، وتحيط به من الخارج أعمدة على رؤوس الزوايا، وبأعلى الجدار إفريز مزخرف بإكاليل الزهر. وقد استعمل هذا المعبد فيما سبق كنيسة رومية، كما يدل على ذلك بقايا الصلبان الّتي لا تزال آثارها ظاهرة على الجدران. إهداء مدير الآثار وبعد أن انتهينا من زيارة القلعة من الخارج والداخل، شكرنا لمدير الآثار معروفه وخدمته الجليلة التي أدّاها لنا أثناء ما كنّا نزور تلك القلعة. وقد توّج جميله بأن

стр. 72

أهدانا، ونحن خارجون، كتاباً مطبوعاً في تاريخ بعلبك من تأليفه. وهو كتاب جليل حوى في موضوعه أحسن المسائل التاريخية الحاضرة والأثرية لهذه المدينة العتيقة، فتقبلنا منه هديّته بالشكر والثناء. كلمة عن القلعة يخرج السائح من قلعة بعلبك، بعد أن يتطوّف على دوائرها، ويتعرّف بواطنها بعد ظواهرها ويتفقّدها من أوّلها إلى آخرها، وإنه لقد حار في الأمر فكره وضاق بالعجب صدره. وبعد أن كانت المسألة عنده قاصرة على فخامة القواعد وضخامة المباني، تحوّلت إلى بحث واسع في موضوع علمي حافل بجليل المقاصد وجميل المعاني. وبعد أن كان ذلك الزائر يحصر نظره كلّه في دائرة لا تزيد عن أطوال وأعراض ومهارة عمّال وشطارة مهندسين، صار يجول في محيط عظيم من أطوار وأغراض السريانيين والكلدانيين، وممّا كان أصاب الناس من ضروب المذلّة والمهانة في العصر الماضية، عصر الأوثان والكهانة، تلك الّتي كان للكهنة فيها تأثير في سياسة الممالك مثل تأثير القياصرة والملوك أو هو فوق ذلك. وقد كان هذا التأثير نفسه هو الأصل الّذي عليه ترتكن الحكومة، عندما كانت تعمد إلى تشييد تلك المباني الضخمة، مثل قلعة بعلبك وحلب في الشام والأهرامات ومعبد الكرنك ومدينة هبو في مصر، وغير ذلك من الحصون والمعابد والمقابر التي نراها فيفزعنا منظرها ويهولنا شأنها والّتي لا تزال تتجلّى فيها فكرة مؤسّسيها وواضعيها يمرّ بعض الناس بهذه الآثار المدهشة مرّ الكرام على اللغو من الكلام وغاية ما في الأمر أنّهم يعجبون من مناظر هذه الأشياء وظواهرها لأنّهم لم يعرفوها في عادتهم ولم يألفوها في قدرتهم، مثل إتقان البنيان وإحكامه إلى حدّ أنّ سنّ الإبرة لا يمكن أن ينفذ بين مداميكه وسافاته، أو قدرة البنائين والفعلة إلى درجة أنّهم يرفعون تلك الحجارة الثقيلة الهائلة إلى مسافة عظيمة حين لم يكن لديهم آلات لجرّ الأثقال ورفعها وما أشبه ذلك، ولكن الوقوف عند هذا الحدّ من مثل هذه الأعمال الخطيرة المفزعة قصر في النظر ثمّ هو عن الضالة المنشودة والغاية المطلوبة بمراحل طويلة، بل هو في نظري لا يزيد عن حدّ الوقوف عند

стр. 73

العاديات إلّا بمقدار ما يسافر الفكر إلى اِرتياد العلل وطلب الأسباب، أمّا من عني بالبحث والتدقيق واستنتاج الحقائق بالتحقيق فإنه لا يكتفي بتلك المناظر ولا يهمّه الالتفات إلى مجرد الظواهر، ولا يدع مثل قلعة بعلبك تفلت من يده حتّى يدور نظره حولها مراراً ويعتصر فيها فكره اعتصاراً فينتفع من أجزائها وجملتها وعمدتها وفضلتها بمعرفة ما لا يمكن أن يعرف إلّا من طريقها، ومن ثمّ نورد هنا كلمة فيلسوف بحاث في حصن بعلبك وهياكله لا بقصد أن نفيد أن هذا هو منتهى ما وصلت إليه الأفكار وآخر ما استقرّ عليه الرأي أو أن نشير إلى القطع بشيء مخصوص في موضوع لا يزال إلى اليوم مطروحاً على بساط البحث والنظر أمام المفكرين من علماء الآثار والأخبار وغيرهم، وإنّما ذلك لأن هذه الكلمة الطيّبة في حدّ ذاتها خلاصة بحث واسع ونتيجة فكر سليم، قال ذلك الفيلسوف أن هذه الهياكل القائمة في معابد القدماء وحصونهم سواء الموجود منها في صعيد مصر وفي بلاد الشام تشير إلى ما كان عليه السريانيون والكلدانيون قبل الطوفان وبعده من غلوّهم في الوثنية وعبادة الأصنام وهي مع هذا تشير أيضاً إلى قوّة هؤلاء الناس وبأسهم في غابر الزمان واستعصائهم على الأنبياء والرسل بعد أن أرشدوهم إلى الحقّ وأوضحوا لهم سبل السعادة، ومن هؤلاء الرسل الكرام النبي إلياس عليه السلام كان قد طلب إلى قومه أن يتركوا عبادة الصنم بعل وأن يعبدوا الله فعصوه واستمروا عاكفين على عبادة الصنم المذكور، قال تعالى: (أَتدعونَ بعلاً وَتَذرونَ أَحسنَ الخالقين الله ربّكم وربّ آبائِكم الأوّلين) وخوف أن يصيروا سدّاً بين نور الله والناس أغرقهم الله بالطوفان وأرسل عليهم العذاب الأليم في أزمان مختلفة، وتقادم عهد الزمان وآثارهم العظيمة لا تزال باقية تنادي عليهم بالويل والثبور وأنهم مع ما أوتوا من القوّة والبطش لم يعصموا أنفسهم من بأس الله إذ جاءهم فلئن كانوا أولي بأس وقوّة فالله أشدّ بأساً وأشدّ تنكيلا، ولمّا كانوا ظاهرين في الأرض بالقوّة لاستحواذهم على ضعاف العقول وكان في ذلك من ضرر النوع الإنساني ما فيه أشار الله في كتابه على ذمّ صنمهم القائم في أرض الشام إبّان ظهور الدين الإسلامي فقال: أتدعون بعلاً. . (الآية). فالقرآن يشير إلى أن

стр. 74

الوثنية كانت قائمة هناك، وغير القرآن من الكتب يشير أيضاً إلى ذلك. إذاً فالهياكل وطيدة الأركان قائمة الدعائم ضخمة البنيان هنالك من أزمان متوغلة في القدم، ولا يناطح الزمان إلا مثله في القوّة والبأس. ولقد اكتشف الألمان في هذا الزمان الآثار الموجودة في بعلبك وأمكنهم أن يصلوا إلى السرّ الّذي عجز عنه الأوّلون، ولو كان انكشف لهم في سالف الزمان ما كانوا قضوا أجيالاً كثيرة وأحقاباً طويلة وهم ملازمون للوثنية عاكفون على الأصنام، وما كانوا نازعوا رسل الله نزاعاً شديداً ولا جحدوا رسالة ربّهم وكفروا به، وما كان تأخّر العمران واِنتشار الحضارة في الأرض. لقد علم الألمانيون بالبحث الدقيق أن جوف الصنم بعل أجوف، وفيه فتحتان فتحة من أمام وفتحة من وراء وأن رئيس الكهنة كان يسيطر على الأمّة كلّها، ملكها ومملوكها، وكانت له الكلمة النافذة التي لا يستطاع ردّها ولا يمكن معارضتها. وذلك أنّه كان إذا استشير في أمر خطير يهمّ الملك والمملكة قال حتّى نتقرّب إلى الصنم وندعوه ويأذن لنا في هذا، فإن لم يأذن فلا يكون هذا الأمر. ثمّ يذهب بعد ذلك إلى خادم خاص بالصنم، منعزل عن الناس، عاكف على الصنم واقف في خدمته، ويقول في غد آتي إلى هنا مع الملك وأشياعه ونقرّب القربان إلى الصنم وندعوه أن يبيّن لنا ما نحن بصدده، أنمضي في الأمر أم لا نمضي فيه. فإذا نحن جئنا وخشعنا أمام الصنم ودعوناه، فهنالك تكون قد وضعت البوق الطويل في الفتحة التي من خلفه قائلاً كذا وكذا. فما يكون من ذلك الخادم إلا أن يصدع بأمره، ويقوم بما أوحى إليه رئيس الكهنة، ولا يقول إلا ما أذن له في قوله، حين وقوفهم بين يدي الصنم واستشارتهم إيّاه، فلا يحصل أمر الملك والمملكة إلا كما يسمعون من الصنم. وعلى هذا النمط كانت أمور الكهنة مع الأمم في سائر الأرض الوثنية. ومن هنا تعلم أنّ الوثنية كانت جرثومة الفساد في الأرض وأصل الظلم العظيم، ولذلك حاربها الله تعالى محاربة شديدة حتّى يرجع الناس إلى الاعتماد على عقولهم التي ركبت فيهم وعلى أنفسهم، وحتى لا يخدعهم خادع ولا يصرفهم عن مصالحهم الّتي بين أيديهم صارف، فينتظم الكون وينتشر العمران في الوجود. ولقد بالغ محمد، ﷺ ، في التنفير من الكهانة والابتعاد عنها كثيراً، وما حكمة ذلك إلا أن تجري الناس على سنن الطبيعة وِفاق الفطرة والمصلحة. تلك سنّة الله في خلقه فهو يردّهم

стр. 75

إليها إن انحرفوا عنها ولن تجد لسنّة الله تبديلا. إلى المسجد ومن هذه القلعة ذهبنا إلى المسجد لتأدية فريضة الجمعة حيث كنّا على وشك الصلاة، وهناك رأينا في انتظارنا عدداً كبيراً من عظماء القوم في مدينة بعلبك، يتقدّمهم حضرات أصحاب الفضيلة والسعادة نقيب السادة الأشراف، وقائمقام بعلبك، وعبد الحميد باشا الدروبي. وبعدما فرغنا من أداء الصلاة، قصدنا إلى الفندق مباشرة فتناولنا هناك طعام الغداء، وجلسنا بعد ذلك ريثما أخذنا أهبتنا للسفر. ثم ذهبنا على عرباتنا إلى المحطّة الّتي كانت مكتظّة بالمودعين من حكام المدينة وعلية الناس فيها فسلّمنا عليهم. وقد رأينا من عنايتهم وعناية الأهالي بتوديعنا ما كان لا يقل عن ترحابهم وحفاوتهم بنا عند الاستقبال. أمّا نحن فقد بارحنا هذا البلد على غاية من السرور، شاكرين لأهلها الكرماء ما قابلونا به أوّلاً وأخراً من اللطف والمعروف. السفر إلى حمص نزلنا من القطر وما هي إلا لمحة عين وقد تحرّك متّجهاً مع سلامة الله إلى حمص وكان طريق سيره بالقرب من نهر هناك يعرف بنهر العاصي وكان على جانبي الطريق بساتين أنيقة وزروع بهيجة تنعش الروح وتسرّ الخاطر وقد صادفنا أثناء سيرنا قرية تسمّى الياعات . الياعات قرية واقعة في طريق حمص بين بعلبك وبلد تسمّى برأس بعلبك، وعدد سكّانها يبلغ نحو ألف نفس، وأهلها يستقون من بئر عذب جميل. وقد اشتهرت هذه القرية
следующие страницы →