Полный текст (115 стр.). Показаны 106–115 · переход к 111.
стр. 106
ومنها
الإيجاع في الهجاء
كقوله (من المجتث):
إن أوحشتك المعالي ... فإنها دار غربه
أو آنستك المخازي ... فإنها لك نسبه
وقوله (من البسيط):
إني نزلت بكذابين ضيفهم ... عن القرى وعن الترحال محدود
جود الرجال من الأيدي، وجودهم ... من اللسان، فلا كانوا ولا الجود!
ما يقبض الموت نفسا من نفوسهم ... إلا وفي يده من نتنها عود
يعني العود الذي يتناوله المعالج للشيء القذر ليكون واسطة بينه وبين يده وقوله (من البسيط):
العبد ليس لحر صالح بأخ ... لو أنه في ثياب الحر مولود
لا تشتر العبد إلا والعصا معه ... إن العبيد لأنجاس منا كيد
من علم الأسود المخصى مكرمة ... أقومه البيض أم آباؤه الصيد؟
أم أذنه في يد النخاس دامية ... أم قدره وهو بالفلسين مردود؟
وذاك أن الفحول البيض عاجزة ... عن الجميل فكيف الخصية السود
كأنه من قول أبي علي البصير (من الخفيف):
عجز الراكب البصير، وأولى ... منه بالعجز راجل مكفوف
وقوله (من السريع):
فلا ترج الخير عند امرئ ... مرت يد النخاس في رأسه
وقوله (من الوافر):
أخذت يمدحه فرأيت لهواً ... مقالي للأحميق يا حكيم
ولما أن هجوت رأيت عيا ... مقالي لابن آوى يا حليم
стр. 107
فهل من أغادر في ذا وهذا ... فمدفوع إلى السقم السقيم
وقوله (من المتقارب):
لقد كنت أحسب قبل الخصى ... بأن الرءوس مقر النهى
فلما نظرت إلى عقله ... رأيت النهى كلها في الخصى
وقوله (يهجو بن إبراهيم بن كيغلغ) (من الكامل):
يمشي بأربعة على أعقابه ... تحت العلوج ومن وراء يلجم
وجفونه ما تستقر كأنها ... مطروفة أوفت فيها حصرم
وتراه أصغر ما تراه ناطقا ... ويكون أكذب ما يكون ويقسم
وإذا أشار مكلما فكأنه ... قرد يقهقه أو عجوز تلطم
يقلي مفارقة الأكف قذاله ... حتى يكاد على يد يتعمم
ومنها
إبراز المعاني اللطيفة
في معارض الألفاظ الرشيقة الشريفة والرمز
بالطرف والملح
كقوله في الجمع بين مدح سيف الدولة وقد فارقه، وبين مدح كافور وقد قصده في بيت واحد (من الطويل):
فراق ومن فارقت غير مذمم ... وأم ومن يممت خير ميمم
ثم قال معرضا بسيف الدولة:
وما منزل اللذات عندي بمنزل ... إذا لم أبخل عنده وأكرم
رحلت فكم باك بأجفان شادن ... على، وكم باك بأجفان ضيغم
стр. 108
المصراع الثاني تصديق لقوله:
ليحدثن لمن ودعتهم ندم
وما ربة القرط المليح مكانه ... بأجزع من رب الحسام المصمم
فلو كان ما بي من حبيب مقنع ... عذرت، ولكن من حبيب معمم
وهذا أيضا مما نبهت عليه من إجرائه الممدوح من الملوك مجرى المحبوب في كثير من شعره:
رمى واتقى رمي، ومن دون ما اتقى ... هوى كاسر كفى وقوسى وأسهمى
وكقوله في مدح كافور والتعريض بالقدح في سيف الدولة (من البسيط):
قالوا: هجرت إليه الغيث؟ قلت لهم: ... إلى غيوث يديه والشآبيب
إلى الذي تهب الدولات راحته ... ولا يمن على آثار موهوب
ولا يروع بمغرور به أحدا ... ولا يفزع موفورا بمنكوب
يا أيها الملك الغاني بتسمية ... في الشرق والغرب عن نعت وتلقيب
يعني أنا مستغن عن لقب كلقب سيف الدولة
أنت الحبيب ولكني أعوذ به ... من أن أكون محباً غير محبوب
وهذا أيضا من ذاك. وقوله من قصيدة لسيف الدولة بعد ما فارق حضرته يعرض بستزادة يومه وشكر أمسه، وهو من فرائده (من المتقارب):
وإن فارقتني أمطاره ... فأكثرت غدرانها ما نضب
وإني لأتبع تذكاره ... صلاة الإله وسقى السحب
ومنها
في التعريض بكافور
ومن ركب الثور بعد الجواد ... أنكر أظلافه والغبب
وقوله في هز كافور والتعريض باستزادته (من الطويل):
стр. 109
أبا المسك هل في الكأس فضل أناله ... فإني أغني منذ حين وتشرب
يقول: مديحي إياك يطربك كما يطرب الغناء الشارب، فقد حان أن تسقيني من فضل كأسك
وهبت على مقدار كفى زماننا ... ونفسي على مقدار كفيك تطلب
وقوله أيضاً في التعريض بالاستزادة (من الطويل):
أرى لي بقربي منك عينا قريرة ... وإن كان قربا بالبعاد يشاب
وهل نافعي أن ترفع الحجب بيننا ... ودون الذي أملت منك حجاب؟
أقل سلامي حب ما خف عنكم ... وأسكت كيما لا يكون جواب
وفي النفس حاجات وفيك فطانة ... سكوتي بيان عندها وخطاب
وكقوله في وصف الفرس (من الطويل):
ويوم كليل العاشقين كمنته ... أراقب فيه الشمس أيان تغرب
وعيني إلى أذني أغر كأنه ... من الليل باق بين عينيه كوكب
أي: كأنه قطعة من الليل، وكأن الغرة في وجهه كوكب، وعينه إلى أذنه لأن كامن لا يرى شيئاً، فهو ينظر إلى أذني فرسه، فان رآه قد توجس بهما تأهب في أمره وأخذ لنفسه، وذلك أن أذن الفرس تقوم مقام عينيه، وتقول العرب: أذن الوحشي أصدق من عينيه
له فضلة عن جسمه في إهابه ... تجيء على صدر رحيب وتذهب
شققت به الظلماء أدنى عنانه ... فيطغى، وأرخيه مراراً فيلعب
أي: إذا جذبت عنانه طغى برأسه لطماحه وعزة نفسه، وإذا أرخيت عنانه لعب برأسه
وأصرع أي الوحش قفيته به ... وأنزل عنه مثله حين أركب
وكقوله في التوديع (من الوافر):
стр. 110
وأني عنك بعد غد لغاد ... وقلبي في فنائك غير غاد
محبك حيث ما اتجهت أركابي ... وضيفك حيث كنت من البلاد
وكقوله (من الكامل):
سر حيث شئت يحله النوار ... وأراد فيك مرادك المقدار
وإذا ارتحلت فشيعتك سلامة ... حيث اتجهت وديمة مدرار
وأراك دهرك ما تحاول في العدا ... حتى كأن صروفه أنصار
أنت الذي بحج الزمان بذكره ... وتزينت بحديثه الأسمار
وكقوله في اللطف بالصديق والعنف بالعدو (من الكامل):
إني لأجبن عن فراق أحبتي ... وتحسن نفسي بالحمام فأشجع
ويزيدني غضب العداة جراءة ... ويلم بي عتب الصديق فأجزع
وكقوله في حسن الكناية (من الخفيف):
تشتكي ما اشتكيت من ألم الشوق ... إلينا، والشوق حيث النحول
وإنما كنى عن تكذيبها ولم يصرح به: أي أنا أشتكي الشوق ونحول يدل على ذلك، وهي غير ناحلة فليست مشتاقة وكقوله (من الرجز):
أبيض ما في تاجه ميمونه ... عفيف ما في ثوبه مأمونه
أي: عفيف الفرج، فكنى به. وكقوله في حسن الحشو (من الكامل):
صلى عليك الله غير مودع ... وسقى ثرى أبويك صوب غمام
(غير مودع) حشو، ولكنه حسن وكقوله (من الطويل):
ويحتقر الدنيا احتقار مجرب ... يرى كل ما فيها، وحاشك، فانيا
стр. 111
سبحان الله! ما أحسن الحشو بقوله (حاشاك)!. وكقوله (من البسيط):
إذا خلت منك حمص، لا خلت أبدا! ... فلا سقاها من الوسمي باكره
وكقوله في العيادة (من الكامل):
لا نعذل المرض الذي بك، شائق ... أنت الرجال، وشائق علاتها
ومنازل الحمى الجسوم، فقل لنا: ... ما عذرها في تركها خيراتها؟
أي: لا عذر للحمى في تركها جسمك، إذ هو أفضل الجسوم. وكقوله (من المنسرح):
قصدت من شرقها ومغربها ... حتى اشتكتك البلاد والسبل
لم تبق إلا قليل عافية ... قد وفدت تجتديكها العلل
وقوله (من الوافر):
تجشمك الزمان هوى وودا ... وقد يؤذي من المقت الحبيب
وكيف تعلك الدنيا بشيء ... وأنت لعلة الدنيا طبيب؟
وكيف تنوبك الشكوى بداء ... وأنت المستجار لما ينوب؟
وكقوله في التهنئة وهي تهنئة الدولة (من البسيط):
المجد عوفي إذ عوفيت والكرم ... وزال عنك إلى أعدائك الألم
وما أخصك في برء بتهنئة ... إذا سلمت فكل الناس قد سلموا
وكقوله (من الخفيف):
إنما التهنئات للأكفاء ... ولمن يدني من البعداء
стр. 112
وأنا منك لا يهنئ عضو ... بالمسرات سائر الأعضاء
وكقوله (من البسيط):
الصوم والفطر والأعياد والعصر ... منيرة بك، حتى الشمس والقمر
ما الدهر إلا روضة أنف ... يا من شمائله في دهره زهر
ما ينتهي لك في أيامه كرم ... فلا انتهى لك في أعوامه عمر
فإن حظك من تكرارها شرف ... وحظ غيرك منها النوم والسهر
وكقوله (من الطويل):
تغير حالي والليالي بحالها ... وشبت وما شاب الزمان الغرانق
وكقوله (من البسيط):
تسود الشمس منا بيض أوجهنا ... ولا تسود بيض العذر واللمم
وكان حالهما في الحكم واحدة ... لو احتكمنا من الدنيا إلى حكم
وقوله (من الطويل):
مشب الذي يبكي الشباب مشيبه ... فكيف توقيه وبانيه هادمه
وما خضب الناس البياض لأنه ... قبيح، ولكن أحسن الشعر فاحمه
ومنها
حسن المقطع
وكقوله (من البسيط):
قد شرف الله أرضاً أنت ساكنها ... وشرف الناس إّذ سواك إنسانا
قال ابن جني: لا يعجبني قوله (سواك إنسانا) لأنه لا يليق بشرف ألفاظه، ولو قال (أنشاك) أو نحو ذلك لكان أليق بالحال.
стр. 113
قلت أنا: ولو قال غير ما قاله لم يكن فصيحا شريفا، لأن في القرآن (ثم سواك رجلا) ولا أفصح ولا أشرف مما ينطق به كتاب الله عز ذكره وكقوله (من المتقارب):
سما بك همي فوق الهموم ... فلست أعد يساراً يسارا
ومن كنت بحرا له يا علي ... لم يقبل الدر إلا كبارا
وكقوله (يمدح سيف الدولة) (من المتقارب):
أنلت عبادك ما أملوا ... أنالك ربك ما تأمل
وكقوله (في المغيث بن علي العجلي) (من الوافر):
وأعطيت الذي لم يعط خلق ... عليك صلاة ربك والسلام
ذكر آخر شعره وأمره
لما أنجحت سفرته، وربحت تجارته بحضرة عضد الدولة، ووصل إليه من صلاته أكثر من مائتي ألف درهم استأذنه في المسير عنها ليقضي حوائج في نفسه، ثم إليها فأذن له، وأمر بأن نخلع عليه الخلع الخاصة، ويقاد إليه الحملان الخاص، وتعاد صلته بالمال الكثير، فامتثل، وأنشده أبو الطيب الكافية التي هي آخر شعره، وفي أضعافها كلام جرى على لسانه كأنه ينعى فيه نفسه، وإن لم يقصد ذلك، فمنه قوله (من الوافر):
فلو أني استطعت خفضت طرفي ... فلم أبصر به حتى أراكا
وهذه لفظة يتطير منها. ومنه
إذا التوديع أعرض قال قلبي ... عليك الصمت لا صاحبت فاكا
стр. 114
ولولا أن أكثر ما تمنى ... معاودة لقلت ولا مناكا
أي: لو أن أكثر ما تمنى أن يعاودك لقلت له: ولا بلغت أنت أيضاً مناك، وهذا أيضاً من ذاك. ومنه:
وقد استشفيت من داء بداء ... وأقتل ما أعلك ما شفاكا
أي: قد أضمر يا قلب إلى أهلك، وكان ذلك داء لك، فاستشفيت منه بأن فارقت عضد الدولة، ومفارقته داء أيضا أعظم من داء شوقك إلى أهلك، وهذا سبه قول النبي ﷺ (كفى بالسلامة داء) وقول حميد بن ثور (من الطويل):
وحسبك داء أن تصح وتسلما
و (أقتل ما أعلك ما شفاكا) من ألفاظ الطيرة أيضا، ومنه:
وكم دون الثوية من حزين ... يقول له قدومي ذا بذاكا
الثوية: من الكوفة، يقول له (قدومي ذا بذاك) أي هذا القدوم بتلك الغيبة، وهذا السرور بذلك الحزن، لم يقل (إن شاء الله تعالى) ومنه:
ومن عذب الرضاب إذا أنخنا ... يقبل رحل تروك والوراكا
تروك: اسم ناقة لم ير مثلها لعضد الدولة أمر له بها، والوراك: شيء يتخذه الراكب كالمخدة تحت وركه
يحرم أن يمس الطيب بعدي ... وقد عبق العبير به وصاكا
وهذا أيضا من تلك الألفاظ. ومنه:
وفي الأحباب مختص بوجد ... وآخر يدعي معه اشتراكا
إذا اشتبهت دموع في خدود ... تبين من بكى ممن تباكى
стр. 115
وهذا أيضا من ذاك. ومنه:
فزل يا بعد عن أيدي ركاب ... لها وقع الأسنة في حشاكا
هذه استعارة حسنة لأنه خاطب البعد وجعل حشا. ومنه:
وأياً شئت يا طرقي فكوني ... أذاة أو نجاة أو هلاكا
جعل قافية البيت الهلاك فهلك، وذلك أنه ارتحل عن شيراز بحسن حال ووفور ما، فلما فارق أعمال فارس حسب أن السلامة تستمر به كاستمرارها في مملكة عضد الدولة، ولم يقبل ما أشير به عليه من الاحتياط باستصحاب الخفراء والمبذرقين، فجرى ما هو مشهور من خروج سرية من الأعراب عليه ومحاربتهم إياه، وتكشف الوقعة عن قتلة وابنه محسد ونفر من غلمانه، وفاز الأعراب بأمواله وذلك في سنة أربع وخمسين وثلاثمائة أنشدني أبو القاسم المظفر بن علي الطبسي الكاتب لنفسه في مرئية المتنبي (من الخفيف):
لا رعى الله سرب هذا الزمان ... إذ دهانا في مثل ذاك اللسان
ما رأى الناس ثاني المتنبي ... أي ثان يرى لبكر الزمان؟
كان من نفسه الكبيرة في جيش ... وفي كبرياء ذي سلطان
كان في لفظه نبياً، ولكن ... ظهرت معجزاته في المعاني
فصل - وقد جمح بي القلم في إشباع هذا الباب وتذليله، وتصيره كتابا برأسه في أخبار أبي الطيب والاختيار من أشعاره والتنبيه على محاسنه ومساويه، وقد كان بعض الأصدقاء سألني عمل ذلك، وله الآن فيه كفاية، وبه غنية، فإن أحب إفراده عن الأبواب كان كتابا على حدة، وإن نشط لانتساخ الجميع تضاعفت الفوائد لديه، وانثالت القلائد عليه، بمشيئة الله وإرادته.
والحمد لله رب العالمين، وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.