Полный текст (115 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
أبو الطيب المتنبي، وماله وما عليه
هو - وإن كان كوفي المولد - شامي المنشأ. وبها تخرج، ومنها خرج. نادرة الفلك، وواسطة عقد الدهر، في صناعة الشعر، ثم هو شاعر سيف الدولة المنسوب إليه، المشهور به، إذ هو الذي هو الذي جذب بضبعه رفع من قدره، ونفق سعر، وألقى عليه شعاع سعادته، حتى سار ذكره مسير الشمس والقمر، وسافر كلامه في البدو والحضر، وكادت الليالي تنشده، والأيام تحفظه، كما قال وأحسن ما شاء (من الطويل):
وما الدهر إلا من رواة قصائدي ... إذا قلت شعرا اصبح الدهر منشدا
فسار به من لا يسير مشمرا ... وغنى به من لا يغني مغردا
وكما قال (من المتقارب):
ولي فيك ما لم يقل قائل ... وما لم يسر قمر حيث سارا
وعندي لك الشرد السائرات ... لا يختصصن من الأرض دارا
إذا سرن من مقول مرة ... وثبن الجبال وخضن البحارا
هذا من أحسن ما قيل في وصف الشعر السائر، وأبلغ منه قول علي بن الجهم حيث قال (من الطويل):
ولكن إحسان الخليفة جعفر ... دعاني إلى ما قلت من الشعر
стр. 2
فسار مسير الشمس في كل بلدة ... وهب هبوب الريح في البر والبحر
فليس اليوم مجالس الدرس، أعمر بشعر أبي الطيب من مجالس الأنس. ولا أقلام كتاب الرسائل، أجرى به من ألسن الخطباء في المحافل، ولا لحون المغنين والقوالين، أشغل به من كتب المؤلفين والمصنفين، وقد ألفت الكتب في تفسيره، وحل مشكله وعويصه، وكسرت الدفاتر على ذكر جيده ورديئه. وتكلم الأفاضل في الوساطة بينه وبين خصومه، والإفضاح عن أبكار كلامه وعونه وتفرقوا فرقا في مدحه والقدح فبه والنضح عنه، وتفرده عن أهل زمانه، بملك رقاب القوافي،
ورق المعاني، فالكامل من عدت سقطاته، والسعيد من حسبت هفواته وما زالت الأملاك تهجى وتمدح وأنا مورد في هذا الباب ذكر محاسنه ومقابحه، وما يرتضي وما يستهجن من مذاهبه في الشعر وطرائقه. وتفضيل الكلام في نقد شعره، والتنبيه على عيونه وعيوبه، والإشارة إلى غرره وعرره، وترتيب المختار من قلائده وبدائعه، بعد الأخذ بطرف من طرق أخبار ومتصرفات أحواله، وما تكثر فوائده وتحلو ثمرته، ويتميز هذا الباب به سائر أبواب الكتاب كتميزه عن أصحابها بعلو الشأن، في شعر الزمان، والقبول التام، عند أكثر الخاص والعام.
ذكر ابتداء أمره
ذكرت الرواة أنه ولد بالكوفة في كنده سنة ثلاث وثلاثمائة، وأن أباه
стр. 3
سافر إلى بلاد الشام، فلم يزل ينقله من باديتها إلى حضرها، ومن مدرها إلى وبرها، ويسلمه في المكاتب، ويردده في القبائل. ومخايله نواطق الحسنى عنه. وضوامن النجح فيه، حتى توفي أبوه وقد ترعرع أبو الطيب وشعر وبرع. وبلغ من كبر نفسه وبعد همته أن دعا إلى بيعته قوما من رائشي نبله على الحداثة من سنه والغضاضة من عوده، وحين كاد يتم له أمر دعوته تأدى خبره إلى والى البلدة، ورفع إليه ما هم به من الخروج. فأمر بحبسه وتقيده، وهو القائل في الحبس قصيدته التي أولها (من المتقارب):
أيا خدد الله ورد الخدود ... وقد قدود الحسان القدود
ومنها استعطافه ذلك الأمير والتنصل مما قذف به:
أمالك رقي، ومن شأنه ... هبات اللجين وعتق العبيد
دعوتك عند انقطاع الرجا ... ء، والموت منى كحبل الوريد
دعوتك لما براني البلى ... وأوهن رجلي ثقل الحديد
ومنها:
وقد كان مشيهما في النعال ... فقد صار مشيهما في القيود
وكنت من الناس في محفل ... فها أنا في محفل من قرود
تعجل في وجوب الحدود ... وحدي قبل وجوب السجود!
أي: إنما تجب الحدود على البالغ، وأنا صبي لم تجب على الصلاة بعد، ويجوز أن يكون قد صغر سنه وأمر نفسه عند الوالي، لأن من كان صبياً لم يظن به اجتماع الناس إليه للشقاق والخلاف
стр. 4
ونم شعره في الحبس ما كتب به إلى صديق له قد كان أنفذ إليه مبرة (من المسرح):
أهون بطول الثواء والتلف ... والسجن والقيد، يا أبا دلف
غير اختيار قبلت برك بي ... والجوع يرضي الأسود بالجيف
يشبه قول أبي عيينة (من مخلع البسط):
ما أنت إلا كحلم ميت ... دعا لي إلى أكله اضطرار
(رجع)
كن أيها السجن كيف شئت فقد ... وطنت للموت نفس معترف
لو كان سكناي فيك منقصة ... لم يكن الدرسا كن الصدف
ويحكي أنه تنبأ في صباه، وفتن شرذمة بقوة أدبه، وحسن كلامه. وحكى أبو الفتح عثمان بن جني قال: سمعت أبا الطيب يقول: إنما لقبت بالمتنبي لقولي (من الخفيف):
أنا ترب الندى ورب القوافي ... وسمام العدا وغيظ الحسود
أنا في أمة تداركها الله ... وغريب كصالح في ثمود
وفي هذه القصيدة يقول:
ما مقامي بأرض نخلة إلا ... كمقام المسيح بين اليهود
ومازال في برد صباه إلى أن أخلق برد شبابه، وتضاعف عقود عمره، يدور حب
الولاية والرياسة في رأسه، ويظهر ما يضمر من كامن وسواسه، في الخروج على السلطان، والاستظهار بالشجعان، والاستيلاء على بعض الأطراف، ويستكثر من التصريح بذلك في مثل قوله (من البسيط):
لقد تصبرت حتى لات مصطبر ... فالآن أقحم حتى لات مقتحم
لأتركن وجوه الخيل ساهمة ... والحرب أقوم من ساق على قدم
стр. 5
(والطعن يحرقها والزجر يقلقها ... حتى كأن بها ضربا من اللمم
قد كلمتها العوالي فهي كالحة ... كأنما الصاب مذرور على اللجم)
بكل منصلت مازال منتظري ... حتى أدلت له من دولة الخدم
شيخ يرى الصلوات الخمس نافلة ... ويستحل دم الحجاج في الحرم
ومن قوله (من الطويل):
سأطلب حقي بالقنا ومشايخ ... كانهم من طول ما التثموا مرد
ثقال إذا لاقوا، خفاف إذا دعوا ... كثير إذا شدوا، قليل إذا عدوا
وطعن كأن الطعن لا طعن بعده ... وضرب كأن النار من حره برد
إذا شئت حفت بي على كل سابح ... رجال كأن الموت في فمها شهد
وقوله (من الطويل):
ولا تحسبن المجد زقاً وقينة ... فما المجد إلا السيف والفتكة البكر
وتضريب أعناق الملوك، وأن ترى ... لك الهبوات السود والعسكر المجر
وتركك في الدنيا دويا كأنما ... تداول سمع المرء أنملة العشر
وقوله (من البسيط):
وإن عمرت جعلت الحرب والدة ... والسمهري أخا، والمشرفي أبا
بكل أشعث يلقي الموت مبتسماً ... حتى كأن له في قتله أربا
قح يكاد صهيل الخيل يقذفه ... من سرجه مرحاً للعز أو طرباً
الموت أعذرلي، والصبر أجمل بي، ... والبر أوسع، والدنيا لمن غلبا
وكان كثيراً ما يتجشم أسفاراً بعيدة أبعد من آماله، ويمشي في مناكب الأرض، ويطوي الناهل والمراحل، ولا زاد إلا من ضرب الحراب، على
стр. 6
صفحة المحراب. ولا مطية إلا الخف أو النعل، كما قال (من المنسرح):
لا ناقتي تقبل الرديف ولا ... بالسوط يوم الرهان أجهدها
شراكها كورها، ومشفرها ... زمامها، والشسوع مقودها
وإنما آلم في هذا المعنى بأبي نواس في قوله (من الطويل):
إليك أبا العباس من بين من مشى ... عليها امتطينا الحضرمي الملسنا
قلائص لم تعرف حنيناً على طلا ... ولم تدرما قرع الفنيق ولا الهنا
وكما قال في شكوى الدهر ووصف الخف (من الكامل):
أظمتني الدنيا فلما جئتها ... مستسقيا مطرت على مصائبا
وحبيت من خوض الركاب بأسود ... من دارش فغدوت أمشي راكبا
وكما قال في الاعتداد بالرحلة، والقدرة على الرجلة (من المنسرح):
ومهمه جبته على قدمي ... تعجز عنه العرامس الذلل
(بصارمي مرتد، بمخبرتي ... مجتزئ، بالظلام معتمل)
стр. 7
إذا صديق نكرت جانبه ... لم تعيني في فراقه الحيل
في سعة الخافقين مضطرب ... وفي بلاد من أختها بدل
وشتان ما بين حاله هذه والحال التي قال فيها (من البسيط):
وعرفاهم بأني من مكارمه ... أقلب الطرف بين الخيل والخول
وكان قبل اتصاله بسيف الدولة يمدح القريب والغريب، ويصطاد ما بين الكركي والعندليب. ويحكى أن على بن منصور الحاجب لم يعطء على قصيدة فيه التي أولها (من الكامل):
بأبي الشموس الجانحات غواربا ... (اللابسات من الحرير جلاببا)
ومنها:
حال متى علم أبن منصور بها ... جاء الزمان إلى منها تائبا
إلا دينارا واحدا، فسميت الدينارية. ولما انخرط في سلك سيف الدولة، ودرت له إخلاف الدنيا على يده. كان قوله فيه (من الطويل):
تركت السري خلفي لمن قل ماله ... وأنعلت أفراسي بنعماك عسجدا
وقيدت نفسي في هواك محبة ... ومن وجد الإحسان قيدا تقيدا
وهذا البيت من قلائده، وإنما ألم فيه بقول أبي تمام (من الكامل):
هممي معلقة عليك رقابها ... مغلولة، إن الوفاء إسار
ولكنه أخذ عباءة وردها ديباجا، وأرسلها مثلا سائرا، وكرر هذا المعنى فزاد فيه حتى كاد يفسده في قوله (من الكامل):
يامن يقتل من أراد بسيفه ... أصبحت من قتلاك بالإحسان
стр. 8
نبذ من أخباره
لما أنشد سيف الدولة قصيدته التي أولها (من البسيط):
أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل ... دعا فلباه قبل الركب والإبل
وناوله نسختها وخرج فنظر فيها سيف الدولة، فلما انتهى إلى قوله:
يا أيها المحسن المشكور من جهتي ... والشكر من جهة الإحسان، لا قبلي
(ما كان نومي إلا فوق معرفتي ... بأن رأيك لا يؤتي من الزلل)
أقل أنل أقطع عل سل أعد ... زد هش بش تفضل أدن سر صل
وقع تحت أقل: قد أقلناك، وتحت أنل: يحمل إليه من الدراهم كذا، وتحت أقطع: قد أقطعناك الضيعة الفلانية ضيعة ببلاد حلب، وتحت أحمل: يقاد إليه الفرس الفلاني، وتحت عل: قد فعلنا، وتحت سل: قد فعلنا فاسل، وتحت أعد: أعدناك
إلى حالك من حسن رأينا، وتحت زد: يزاد كذا وتحت تفضل: قد فعلنا، وتحت أدن: قد أدنيناك، وتحت سر: قد سررناك. وتحت صل: قد فعلنا. قال ابن جني: فبلغني عن المتنبي أنه قال: إنما أردت سر من السرية، فأمر له بجارية. قال: وحكى لي بعض إخواننا أن المعقلي - وهو شيخ كان بحضرته ظريف - قال له - وحسد المتنبي على ما أمر به -: يا مولاي قد فعلت به كل شئ سالكه، فهلا قلت له لما قال لك هش بش: هه هه هه، يحكي الضحك، فضحك سيف الدولة، فقال له: ولك أيضاً ما تحب، وأمر له بصلة. وذكر القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز في كتاب (الوساطة) أن أبا الطيب نسج على منوال ديك الجن فقال (من الخفيف):
احل وامرر وضر وانفع ولن واخشن ... ورش وابر وانتدب للمعالي
стр. 9
وحكى ابن جني قال: حدثني أبو على الحسين بن أحمد الصنوبري، قال: خرجت من حلب أريد سيف الدولة، فلما برزت من السور إذا أنا بفارس متلثم قد أهوى نحوي برمح طويل، وسدده إلى صدري، فكدت أطرح نفسي عن الدابة فرقا، فلما قرب مني ثنى السنان وحسر لثامه فإذا المتنبي، وأنشدني (من الطويل):
نثرنا رءوسا بالأحيدب منهم ... كما نثرت فوق العروس الدراهم
ثم قال: كيف ترى هذا القول؟ أحسن هو؟ فقلت له: ويحك! قد قتلتني يا رجل، قال ابن جني: فحكيت أنا هذه الحكاية بمدينة السلام لأبي الطيب، فعرفها وضحك لها، وذكر أبا علي من التقريظ والثناء بما يقال في مثله. قال وأنشدت أبا علي ليلا قصيدة أبي الطيب التي أولها (من البسيط):
واحر قلباه ممن قلبه شبم
فلما وصلت إلى قوله فيها:
وشر ما قنصته راحتي قنص ... شهب البزاة سواء فيه والرخم
أعجب جداً به، ولم يزل يستعيده، حتى حفظه، ومعناه: إذا تساويت ومن لا قدر له في أخذ عطاياك فأي فضل لي عليه؟ وما كان من الفائدة كذا لم أفرح به، وإنما أفرح بأخذ ما تختص به الأفاضل قال: وحدثني المتنبي قال: حدثني فلان الهاشمي من أهل حران بمصر،
стр. 10
قال أحدثك بطريفة، كتبت إلى امرأتي وهي بحران كتابا تمثلت فيه ببيتك (من البسيط):
بم التعلل لا أهل ولا وطن ... ولا نديم ولا كأس ولا سكن؟
فأجابتني عن الكتاب، وقالت: ما أنت والله كما ذكرته في هذا البيت، بل أنت كما قال الشاعر في هذا القصيدة:
سهرت بعد رحيلي وحشة لكم ... ثم استمر مريري وارعوي الوسن
قال: ولما سمع سيف الدولة البيت الذي يتلوه وهو قوله:
وإن بليت بود مثل ودكم ... فإنني بفراق مثله فمن
قال: سار وحق أبي قال: ولما سمع قوله لفنا خسرو (من المنسرح):
وقد رأيت الملوك قاطبة ... وسرت حتى رأيت مولاها
قال: ترى هل نحن في الجملة؟
سمعت أبا بكر الخوارزمي يقول: كان أبو الطيب المتنبي قاعداً تحت قول الشاعر (من الطويل):
وإن أحق الناس باللوم شاعر ... يلوم على البخل الرجال ويبخل
وإنما أعرب عن عادته وطريقته في قوله (من الطويل):
بليت بلي الأطلال إن لم أقف بها ... وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه
فحضرت عنده يوما بحلب وقد أحضر مالا من صلات سيف الدولة، فصب بين يديه على حصير قد افترشه، ووزن وأعيد في كيس، وإذا بقطعة كأصغر ما يكون من ذلك المال قد تخللت خلل الحصير، فأكب عليها بمجامعه ينقرها ويعالج
استنقاذها منه، ويشتغل بذلك عن جلسائه حتى توصل إلى إظهار بعضها، فتمثل ببيت قيس بن الخطيم (من الطويل):
стр. 11
تبدت لنا كالشمس بين غمامة ... بدا حاجب منها وضنت بحاجب
ثم استخرجها، وأمر بإعادتها إلى مكانها من الكيس، وقال: إنها تحضر المائدة وسمعته يقول: لما انشد المتنبي عضد الدولة قصيدته فيه التي أولها (من الوافر):
مغاني الشعب طيباً في المغاني
وانتهى إلى قوله فيها
وألقى الشرق منها في ثيابي ... دنانيرا تفر من البنان
قال له عضد الدولة: لأقرنها في يديك، ثم فعل. قال: ولما قدم أبو الطيب من مصر بغداد، وترفع عن مدح المهلبي الوزيرا، ذهاباً بنفسه عن مدح غير الملوك، شق ذلك على المهلبي، فأغرى به شعراء بغداد، حتى نالوا من عرضه، وتباروا في هجائه، وفيهم ابن الحجاج وابن سكرة (محمد بن عبد الله الزاهد) الهاشمي، والحاتمي، وأسمعوه ما يكره، وتماجنوا به، وتنادروا عليه، فلم يجبهم ولم يفكر فيهم، وقيل له في ذلك، فقال: إني فرغت من إجابتهم بقولي لمن هم أرفع طبقة منهم في الشعراء (من الوافر):
أرى المتشاعرين غروا بذمي ... ومن ذا يحمل الداء العضالا
ومن يك ذا فم مر مريض ... يجد مراً به الماء الزلالا
وقولي (من الطويل):
أفي كل يوم تحت ضبني شويعر ... ضعيف يقاويني قصير يطاول
لساني بنطقي صامت عنه عادل ... وقلبي بصمتي ضاحك منه هازل
стр. 12
وأتعب من ناداك من لا تجيبه ... وأغيظ من عاداك من لا تشاكل
وما التيه طبي فيهم غير أنني ... بغيض إلى الجاهل المتعاقل
وقولي (من الكامل):
وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني فاضل
قال: وبلغ أبا الحسين بن لنكك بالبصرة ما جرى على المتنبي من وقيعة شعراء بغداد، واستحقارهم له، وكان حاسدا له، طاعنا عليه، هاجياً إياه، زاعماً أن أباه كان سقاء بالكوفة فشمت به وقال (من البسيط):
قولا لآهل زمان لا خلاق لهم ... ضلوا عن الرشد من جهل بهم وعموا
أعطيتم المتنبي فوق منيته ... فزوجوه برغم أمهاتكم
لكن بغداد جاد الغيث ساكنها ... نعالهم في قفا السقاء تزدحم
قال: ومن قوله فيه (من الخفيف):
متنبيكم ابن سقاء كوفان ... يوحي من الكنيف إليه
كان من فيه يسلح الشعر حتى ... سلحت فقحة الزمان عليه
ومن قوله أيضاً فيه (من المجتث):
ما أوقح المتنبي ... فيما حكى وادعاه
أبيح مالا عظيما ... حتى أباح قفاه
يا سائلي عن غناه ... من ذاك كان غناه
إن كان ذاك نبياً ... فالجاثليق إله
ثم إن أبا الطيب المتنبي اتخذ الليل جملا، وفارق بغداد متوجها إلى حضرة
стр. 13
أبي الفضل بن العميد مراغما للمهلبي الوزير، فورد أرجان، وأحمد مورده، فيحكي أن الصاحب أبا القاسم طمع في زيارة المتنبي إياه بأصبهان، وإجرائه مجرى مقصوديه من رؤساء الزمان، إذ ذاك شاب وحاله حويلة، ولم يكن استوزر بعد، وكتب إليه يلاطفه في استدعاء، وتضمن له مشاطرته جميع ماله، فلم يقم له المتنبي وزنا، ولم يجبه عن كتابه ولا إلى مراده، وقصد حضرة عضد الدولة
بشيراز، فأسفرت سفرته عن بلوغ الأمنية، وورود مشرع المنية، واتخذه الصاحب غرضا يرشقه بسهام الوقيعة، ويتتبع عليه سقطاته في شعره وهفواته، وينعى عليه سيئاته، وهو أعرف الناس بحسناته، وأحفظهم لها، وأكثرهم استعمالا إياها وتمثلا بها في محاضراته ومكاتباته، وكان مثله معه كما قال الشاعر (من الرجز):
شتمت من يشتمني مغالطاً ... لأصرف العاذل عن لجاجته
فقال: لما وقع البزاز في ... الثوب علمنا انه من حاجته
وكما قال الآخر (من الطويل):
وذموا لنا الدنيا وهم يرضعونها ... ولم أر كالدنيا تذم وتحلب
وكما قال الآخر (من البسيط):
نبئت أني إذا ما غبت تشتمني ... قل ما بدا لك فالمحبوب مسبوب
حل الصاحب وغيره نظم المتنبي
قطعة من حل الصاحب وغيره نظم المتنبي
واستعانتهم بألفاظه ومعانيه في الترسل
فصل له من رسالة في وصف قلعة افتتحها عضد الدولة: وأما قلعة (كذا) فقد الدهر المديد، والأمد البعيد، تعطس بأنف شامخ من المنعة، وتنبو بعطف جامح على الخطبة، وترى أن الأيام
стр. 14
قد صالحتها على الإعفاء من القوارع، وعاهدتها على التسليم من الحوادث، فلما أتاح الله للدنيا ابن بجدتها، وأبا بأسها ونجدتها، جهلوا بون ما بين البحور والأنهار، وظنوا الأقدار تأتيهم على مقدار. فما لبثوا أن رأوا معقلهم الحصين ومثواهم القديم، نهزة الحوادث، وفرصة البوائق. ومجر العوالي، ومجرى السوابق. وإنما ألم بألفاظ بيتين لأبي الطيب أحدهما (من
الكامل):
حتى أتي الدنيا ابن بجدتها ... فشكا إليه السهل والجبل
والآخر (من الطويل):
تذكرت ما بين العذيب وبارق ... مجر عوالينا ومجرى السوابق
وفصل له - لئن كان الفتح جليل الخطر، عظيم الأثر، فإن سعادة مولانا لتبشر بشوافع له، يعلم معها أن الله أسراراً في علاه لا يزال يبديها، ويصل أوائلها بتواليها. وهو من قول أبي الطيب (من الطويل):
ولله سر في علاك، وإنما ... كلام العدى ضرب من الهذيان
فصل - ولو كان ما أحسنه شظية في قلم كاتب لما غيرت خطه، أو قذى في عين نائم لما انتبه جفنه. وهو من قول أبي الطيب (من الطويل):
ولو قلم ألقيت في شق رأسه ... من السقم ما غيرت من خط كاتب
وقول نصر (من السريع):
ضنيت حتى صرت لو زج بي ... في ناظر النائم لم ينتبه
ومنه أخذ ابن العميد قوله (من الكامل):
فلو أن أبقيت في جسدي قذى ... في العين لم يمنع من الإعفاء
فصل للصاحب في التعزية - إذا كان الشيخ القدوة في العلم وما يقتضيه،
стр. 15
والأسوة في الدين وما يجب فيه. لزم أن يتأدب في حالات الصبر والشكر بأدبه، ويؤخذ في ثارات الأسى والأسى بمذهبه. فكيف لنا بتعزية عند حادث رزيته، إلا إذا روينا له بعض ما أخذناه عنه، وأعدنا إليه طائفة مما استفدناه منه. وإنما هو حل من قولي أبي الطيب (من الخفيف):
أنت يا فوق أن يعزي عن الأحباب ... فوق الذي يعزيك عقلا
وبألفاظك اهتدى فإذا عزاك ... قال الذي له قلت قبلا
وفصل له - وقد أثني عليه ثناء لسان الزهر، على راحة المطر وهو من قول أبي الطيب (من الكامل):
وذكى رائحة الرياض كلامها ... تبغي الثناء على الحيا فيفوح
والأصل فيه قول ابن الرومي (من الخفيف):
شكرت نعمة الولي على الوسمي ... ثم العهاد بعد العهاد
فهي تثني على السماء ثناء ... طيب النشر شائعا في البلاد
من نسيم كأن مسراه في الأرواح ... مسرى الأرواح في الأجساد
ومما أورده من أبيات أبي الطيب كما هي قوله في كتاب أجاب به ابن العميد عن كتابه الصادر إليه عن شاطئ البحر في وصف مراكبه وعجائبه:
стр. 16
وقد علمت أن سيدنا كتب وما أخطر بفكرة، سعة صدره، ولو فعل ذلك لرأى البحر وشلالا يفضل عن التبرض، وثمداً لا يكثر عن الترشف (من الطويل):
وكم من جبال جبت تشهد أنني الجبال ... وبحر شاهد أنني البحر
وله من رسالة في التهنئة ببنت أولها - أهلا بعقيلة النساء، وكريمة الآباء، وأم الأبناء، وجالبة الأصهار، والأولاد الأطهار، ثم يقول فيها (من الوافر):
ولو كان النساء كمثل هذي ... لفضلت النساء على الرجال
وما التأنيث لاسم الشمس عيب ... ولا التذكير فخر للهلال
وهما لأبي الطيب من قصيدة في مرثية والدة سيف الدولة إلا يقول:
ولو كان النساء كمن فقدنا
وللصاحب من كتاب تعزية - وقلنا: قد أخذ الزمان من أخذ، وترك من ترك، فهو لاشك يعفو عن القمر، وقد أسلم الشمس للطفل ولا يصل الصروف بالصروف، ولا يجمع الكسوف إلى الخسوف، فأبي حكم الملوين، وقد غبنك إذ قاسمك الأخوين، إلا أن يعود فيلحق الباقي بالفاني، والغابر
стр. 17
بالماضي (من البسيط):
وعاد في طلب المتروك تاركه ... إنا لنفعل والأيام في الطلب
ما كان أقصر وقتاً كان بينهما ... كأنه الوقت بين الورد والقرب
أقول: هذا كعادة المصدور في النفث، وشكوى الحزن والبث، وإلا فما يعجب السفر من تقدم بعض، وكل بين الراحلة والرحل، لا يترك الموت ساعيا على وجه الأرض، حتى ينقله إلى بطن الترب من (من السريع):
نحن بنو الموتى فما بالنا ... نعاف ما لابد من شربه
تبخل أيدينا بأرواحنا ... على زمان هن من كسبه
فهذه الأرواح من جوه ... وهذه الأجسام من تربه
وهذا غيض من فيض ما اغترفه الصاحب من بحر المتنبي، وتمثل به من شعره. ولو ذكرت نظائره لامتد نفس هذا الباب. وليس هو بأوحد في الاقتباس من كلامه، هذا أبو إسحاق الصابي رسيله في ذلك وزميله، وقد قرأت له غير فصل فيما أشرت إليه، ونبهت عليه: فمنه ما كتب في تقريظ - شاب مقتبل الشبيبة، مكتهل الفضيلة، ولقد آتاه الله في اقتبال العمر جوامع الفضل وسوغه في عنفوان الشباب محامد الاستكمال، فلا تجد الكهولة خلة تتلافاها بتطاول المدة، وثلمة تسدها بمزايا الحنكة. وإنما هو حل نظم أبي الطيب، وإن كان في معنى آخر (من المنسرح):
لا تجد الخمر في مكارمه ... إذا انتشى خلة تلافاها
وأخذ من قول البحتري (من الطويل):
تكرمت من قبل الكؤوس عليهم ... فما اسطعن أن يحدثن فيك تكرما
ومنه ما كتب إلى ابن معروف تهنئة بقضاء - منزلة قاضي القضاة
стр. 18
تجل عن التهنئة، لأن ما تكتسبه الولاة بها من الصيت والذكر، ويدرعونه فيها من الجمال والفخر، سابق لها عنده، وحاصل قبلها له، وإذا مد أحدهم إليها يدا تجذبها إلى سفال، جذبتها يده إلى المحل العالي، فكأن أبا الطيب المتنبي عناه أو حكاه بقوله
(من الكامل):
فوق السماء وفوق ما طلبوا ... فإذا أرادوا غاية نزلوا
ومنه ما كتب - وعاد مولانا إلى مستقر عزه عود الحلي إلى العاطل، والغيث إلى الروض الماحل. وإنما هو من قول أبي الطيب (من المتقارب):
وعدت إلى حلب ظافرا ... كعود الحلي إلى العاطل
وإذا كان هذان الصدران المقدمان على بلغاء الزمان يقتبسان من أبي الطيب في رسائلهما، فما الظن بغيرهما؟ وما أحسن قول الشاعر (من الطويل):
ألا إن حل الشعر زينة كاتب ... ولكن منهم من يحل فيعقد
وممن يحذو حذوهما الأستاذ أبو العباس أحمد إبراهيم الضبي، وما أظرف ما قرأت له في كتابه إلى أبي سعيد الشبيبي: وقد أتاني كتاب شيخ الدولتين فكان في الحسن، روضة حزن بل جنة عدن. وفي شرح النفس، وبسط الأنس، برد الأكباد والقلوب، وقميص يوسف في أجفان يعقوب. وهو من بيت أبي الطيب (من البسيط):
كأن كل سؤال في مسامعه ... قميص يوسف في أجفان يعقوب
وفصل لأبي بكر الخوارزمي - وكيف أمدح الأمير بخلق ضن به الهواء،
стр. 19
وامتلأت من ذكره الأرض والسماء، وأبصره الأعمى بلا عين، وسمه الأصم بلا أذن. وهو حل نظم أبي الطيب (من المنسرح):
تنشد أثوابنا مدائحه ... بألسن ما لهن أفواه
إذا مررنا على الأصم بها ... أغنته عن مسمعيه عيناه
ولأبي بكر من رسالة - ولقد تساوت الألسن حتى الأبكم، وأفسد الشعر حتى أحمد الصمم. وهو قول أبي الطيب (من البسيط):
ولا تبال بشعر بعد شاعره ... قد أفسد القول حتى أحمد الصمم
وهذا ميدان عريض، وشوط بطين، وفيما ذكرته كفاية.
ولاستراقات الشعراء من أبي الطيب باب هذا مكانه.
أنموذج لسرقات الشعراء منه
١ - قال المتنبي (من الوافر):
وقد أخذ التمام البدر فيهم ... وأعطاني من السقم المحاقا
أخذ أبو الفرج الببغاء فلطفه وقال (من الكامل):
أوليس من إحدى العجائب أنني ... فارقته وحييت بعد فراقه
يا من يحاكي البدر عند تمامه ... ارحم فتى يحكيه عند محاقه
٢ - وقال أبو الطيب (من البسيط):
قد علم البين منا البين أجفانا ... تدمي، وألف في ذا القلب أحزانا
أخذ المهلبي الوزير وقال (من الطويل):
تصارمت الأجفان منذ صرمتني ... فما تلتقي إلا على عبرة تجري
стр. 20
٣ - وقال أبو الطيب وهو من قلائده (من الطويل):
وكنت إذا يممت أرضاً بعيدة ... سريت فكنت السر والليل كاتمه
أخذ الصاحب وقال (من الطويل):
تجشمتها والليل وحف جناحه ... كأني سر والظلام ضمير
٤ - وقال أبو الطيب، وهو أيضاً من قلائده (من الوافر):
لبس الوشي لا متجملات ... ولكن كي يصن به الجمالا
أغار عليه الصاحب لفظاً ومعنى فقال (من الطويل):
لبسن برود الوشي لا لتجمل ... ولكن لصون الحسن بين برود
وإنما فعل ببيتيه ما فعل أبو الطيب ببيت العباس بن الأحنف (من الكامل):
والنجم في كبد السماء كأنه ... أعمى تحير ما لديه قائد
فقال (من المنسرح):
ما بال هذي النجوم حائرة ... كأنها العمي ما لها قائد
وهذه مصالتة لا سرقة وهي مذمومة جدا عند النقدة.
٥ - وقال أبو الطيب، وهو من فرائده (من الطويل):
سقاك وحيانا بك الله، إنما ... على العيس نور والخدور كمائمه
أخذه السري بن أحمد، قال ابن جني: أنشدني لنفسه من قصيدة يمدح بها أبا الفوارس سلامة بن فهد، وهي قوله (من المنسرح):
حيا به الله عاشيقه فقد ... أصبح ريحانة لمن عشقا
ولم أجد أنا هذه القصيدة في ديوان شعره، والبيت نهاية في العذوبة وخفة الروح،
٦ - والسري كثير الأخذ من أبي الطيب في مثل قوله (من الوافر):
стр. 21
وخرق طال فيه السير حتى ... حسبناه يسير مع الركاب
وهو مأخوذ من قول أبى الطيب (من الطويل):
يخدن بنا في جوزه وكأننا ... على كرة أو أرضه معنا سفر
٧ - وقال السري (من الكامل):
وأحلها من قلب عاشقها الهوى ... بيتا بلا عمد ولا أطناب
وهو من قول أبى الطيب (من البسيط):
هام الفؤاد بأعرابية سكنت ... بيتا من القلب لم تضرب به طنبا
٨ - وقال السري (من الكامل):
وأنا الفداء لمن مخيلة برقه ... عندي وعند سواي من أنوائه
وإنما ألم بقول أبى الطيب (من البسيط):
ليت الغمام الذي عندي صواعقه ... يزيلهن إلى من عنده الديم
٩ - وقال أبو الطيب، وهو من قلائده (من الوافر):
فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال
وقال أيضاً (من الوافر):
وما أنا منهم بالعيش فيهم ... ولكن معدن الذهب الرغام
أخذ أبو بكر الخوارزمي معنى البيتين، وهما قريب من قريب، فقال (من الوافر):
فديتك ما بدالي قصد حر ... سواك من الورى إلا بدالي
وأنك منهم وكذاك أيضاً ... من الماء الفرائد واللآلي
وتسكن دراهم ودارهم وكذاك سكني ... الحجارة والزمرد في الجبال
وهذا معنى قد اخترعه المتنبي، وكرره في تفضيل البعض على الكل، فأحسن غاية الإحسان حيث قال (من الطويل):
стр. 22
فإن يك سيار بن مكرم انقضى ... فإنك ماء الورد إن ذهب الورد
١٠ - وقال (من البسيط):
وإن تكن تغلب الغلباء عنصرها ... فإن في الخمر معنى ليس في العنب
ألم به أبو الفتح علي بن محمد البستي الكاتب فقال (من الطويل):
أبوك حوى العليا وأنت مبرز ... عليه إذا نازعته قصب المجد
وللخمر معنى ليس في الكرم مثله ... وفي النار نور ليس يوجد في الزند
وخير من القول المقدم فاعترف ... نتيجته والنحل يكرم للشهد
وقال أيضاً (من الطويل):
أبوك كريم غير أنك سابق ... مداه بلا ضيم عليه ولا ذيم
فلا يعجبن الناس مما أقوله ... وأقضى به فالغيث أندى من الغيم
١١ - وقال أبو الطيب (من الوافر):
وصرت أشك فيمن أصطفيه ... لعلمي أنه بعض الأنام
أخذه أبو بكر الخوارزمي فقال (من الرمل):
قد ظلمناك بحسن الظن ... يا بعض الأنام
١٢ - وقال أبو الطيب (من البسيط):
أتى الزمان بنوه في شيبته ... فسرهم وأتيناه على الهرم
أخذه أبو الفتح وحسنه فقال (من البسيط):
لا غرو إن لم تجد في الدهر مخترفا ... فقد أتيناه بعد الشيب والخرف
١٣ - وقال أبو الطيب (من الطويل):
هما الغرض الأقصى، ورؤيتك المنى ... ومنزلك الدنيا، وأنت الخلائق
امتثله أبو الحسن السلامي فقال (من الطويل):
стр. 23
وبشرت آمالي بملك هو الورى ... ودار هي الدنيا، ويوم هو الدهر
١٤ - وقال أبو الطيب (من الخفيف):
لم تزل تسمع المديح ولكن ... صهيل الجياد غير النهاق
أخذه أبو القاسم الزعفراني ولطفه جداً فقال (من الخفيف):
وتغنيك في النداء طيور ... أنا وحدي ما بينهن الهزار
وإذ قد ذكرت أنموذجا من سرقات الشعراء منه، فلا بأس أن أذكر سرقات من الشعراء، سوى ما أورده القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز في كتاب (الوساطة) فشفى وكفى وبالغ فأوفى، وسوى ما مر ويمر منها في أماكنها من فصول هذا الكتاب.
صدر من سرقاته
١ - قال مخلد الموصلي (من مخلع البسيط):
يا منزلا ضن بالسلام ... سقيت ريا من الغمام
ما ترك الدهر منك إلا ... ما ترك الشوق من عظامي
أخذه أبو الطيب فجوده حيث قال (من البسيط):
ما زال كل هزيم الودق ينحلها ... والشوق ينحلي حتى حكت جسدي
٢ - وقال عمرو بن كلثوم (من الوافر):
فآبوا بالنهاب وبالسبايا ... وأبنا بالملوك مصفدينا
أخذه أبو تمام فأحسن إذ قال (من البسيط):
إن الأسود أسود الغاب همتها ... يوم الكريهة في المسلوب لا السلب
стр. 24
وأخذه أبو الطيب فلم يحسن في تكرير لفظ النهب وذكر القماش إذ هو من ألفاظ العامة (من الوافر):
ونهب نفوس أهل النهب أولى ... بأهل المجد من نهب القماش
٣ - وقال بشار بن برد (من الطويل):
كأن مثار النقع فوق رؤوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
أخذ أبز الطيب وذكر الرماح مكان الأسياف فقال (من الكامل):
وكأنما كسي النهار بها دجى ... ليل، وأطلعت الرماح كواكبا
٤ - وقال مسلم بن الوليد (من الطويل):
أرادوا ليخفوا قبره من عدوه ... فطيب تراب القبر دل على القبر
ألم أبو الطيب فقال (من الوافر):
وما ريح الرياض لها ولكن ... كساها دفنهم في الترب طيبا
٥ - وقال الفرزدق (من البسيط):
وكنت فيهم كممطور ببلدته ... يسر أن جمع الأوطان والمطرا
وأخذه أبو الطيب فقال (من الطويل):
وليس الذي يتبع الوبل رائداً ... كمن جاءه في داره رائد الوبل
٦ - وفي قوله في هذه القصيدة (من الطويل):
وخيل إذا مرت بوحش وروضة ... أبت رعيها إلا ومرجلنا يغلي
رائحة من قول امرئ القيس (من الطويل):
إذا ما ركبنا قال ولدان أهلنا: ... تعالوا إلى أن يأتي الصيد نحطب
٧ - وقال أبو نؤاس، ويقال: إنه أمدح بيت للمحدثين (من البسيط):
وكلت بالدهر عيناً غير غافلة ... بجود كفيك تأسو كل ما جرحا
أخذه أبو الطيب وزاد فيه حسن التشبيه فقال (من الطويل):
стр. 25
تتبع آثار الرزايا بجوده ... تتبع آثار الأسنة بالقتل
٨ - وقال أبو نؤاس، وهو من قلائده في وصف الخمر (من الطويل):
إذا ما دون اللهاة من الفتى ... دعائمه من صدره برحيل
أخذه أبو الطيب ونقله إلى معنى آخر فقال (من الطويل):
وما هي إلا لحظة بعد لحظة ... إذا نزلت في قلبه رحل العقل
٩ - وقال ابن أبي عيينة، ويروي للخليل (من البسيط):
زروادى القصر، نعم القصر والوادي ... في منزل حاضر، إن شئت، أو بادي
ترقي به السفن والظلمان حاضرة ... والضب والنون والملاح والحادي
وهذا أحسن ما قيل في وصف مكان يجمع بين أوصاف البر والبحر والحاضرة والبادية، ألم به أبو الطيب في وصف متصيد عضد الدولة بناحية سهلية جبلية تجمع الأضداد (من الرجز):
سقياً لدشت الأرزن الطوال ... بين المروج الفيح والأغيال
مجاور الخنزير والرئبال ... داني الخنانيص من الأشبال
مستشرف الدب على الغزال ... مجتمع الأضداد والأشكال
١٠ - وقال بعض العرب، وهو من الأمثال السائرة (من الطويل):
إذا بل من داء به ظن أنه ... نجا، وبه الداء الذي هو قاتله
стр. 26
أخذه أبو الطيب فقال وأحسن (من الوافر):
وإن أسلم فما أبقى ولكن ... سلمت من الحمام إلى الحمام
١١ - وقال بعض الرجاز (من الرجز):
هل يغلبني واحد أقاتله ... ريم على لباته سلاسله
سلاحه يوم الوغى مكاحله
أخذه أبو الطيب فأكمل الوصف وأظهر الغرض حيث قال (من الكامل):
من طاعني ثغر الرجال جآذر ... ومن الرماح دمالج وخلاخل
ولذا اسم أغطية العيون جفونها ... من أنها عمل السيوف عوامل
١٢ - وقال أبو تمام (من الكامل):
غربت خلائقه وأغرب شاعر ... فيه فأبدع مغرب في مغرب
أخذه أبو الطيب فقال (من الخفيف):
شاعر المجد خدنه شاعر اللفظ ... كلانا رب المعاني الدقاق
١٣ - وقال أبو تمام (من الطويل):
يمدون بالبيض القواطع أيديا ... فهن سواء والسيوف قواطع
أخذه أبو الطيب فأوقع التشبيه على الجملة حيث قال (من الطويل):
همام إذ ما فارق الغمد سيفه ... وعاينته لم تدر أيهما النصل
١٤ - وقال ابن الرومي (من السربع):
لا قدست نعمي تسربلتها ... كم حجة فيها لزنديق
أخذه أبو الطيب فقال (من البسيط):
стр. 27
فإنه حجة يؤذي القلوب بها ... من دينه الدهر والتعطيل والقدم
١٥ - ولابن الرومي وأجاد (من الطويل):
وأحسن من عقد العقيلة جيدها ... وأحسن من سربالها المتجرد
أخذه أبو الطيب فقال (من الرجز):
ورب قبح وحلي ثقال ... أحسن منها الحسن في المعطال
١٦ - وقال عبيد الله بن طاهر (من الطويل):
وجربت حتى لا أرى الدهر مغربا ... علي بشيء لم يكن في تجاربي
أخذه أبو الطيب فقال (من الخفيف):
قد بلوت الخطوب حلواً ومراً ... وسلكت الأيام حزنا وسهلا
وقتلت الزمان علما فما يغرب ... قولا ولا يجدد فعلا
وكرر هذا المعنى فقال (من الطويل):
عرفت الليالي قبل ما صنعت بنا ... فلما دهتنا لم تزدني بها علما
١٧ - وكتب ابن المعتز إلى عبيد الله بن سلمان يعزيه عن ابنه أبي محمد ويسليه ببقاء أبي الحسين القاسم أبياتا منها (من الكامل):
ولقد غبنت الدهر إذ شاطرته ... بأبي الحسين وقد ربحت عليه
وأبو محمد الجليل مصابه ... لكن يمنى المرء خير يديه
فأخذ أبو الطيب هذا المعنى، وقال لسيف الدولة من قصيدة يعزيه بها عن أخته الصغرى، ويسليه ببقاء الكبرى حيث قال (من الخفيف):
قاسمتك المنون شخصين جورا ... جعل القسم نفسه فيك عدلا
فإذا قست ما أخذن بما غادرن ... سرى عن الفؤاد وسلي
وتيقنت أن حظك أوفى ... وتبينت أن جدك أعلى
١٨ - وكان أبو الطيب كثير الأخذ من ابن المعتز، على تركه الإقرار بالنظر
стр. 28
في شعر المحدثين: فما أخذه منه قوله (من البسيط):
وتكسب الشمس منك النور طالعة ... كما تكسب منها نورها القمر
وهو معنى قول ابن المعتز (من السريع):
البدر من شمس الضحى نوره ... والشمس من نورك تستملى
١٩ - وأخذ قوله، وهو من قلائده، ولعله أمير شعره (من البسيط):
أزورهم وسواد الليل يشفع لي ... أتنثني وبياض الصبح يغري بي
من مصراع لابن المعتز، ذكر ابن جنى قال: حدثني المتنبي - وقت القراءة عليه
- (قال): قال لي ابن حنزابة وزير: أحضرت كتبي كلها وجماعة من الأدباء يطلبون لي من أين أخذت هذا المعنى، فلم يظفروا بذلك! وكان أكثر من رأيت كتبا. قال ابن جنى: ثم إني عثرت بالموضع الذي أخذه منه، إذ وجدت لابن المعتز مصراعا بلفظ لين صغير جدا فيه معنى بيت المتنبي كله على جلالة لفظه وحسن تقسيمه، وهو قوله (من البسيط):
فالشمس نمامة والليل قواد
ولن يخلو المتنبي من إحدى ثلاث: إما أن يكون ألم بهذا المصراع فحسنه وزينه، وصار أولى به، وإما أن يكون قد عثر بالموضع الذي عثر به ابن المعتز فأربى عليه في جودة الأخذ، وإما أن يكون قد اخترع المعنى وابتدعه وتفرد به، فلله دره! وناهيك بشرف. وبراعة نسجه!. وما أحسن ما جمع فيه أربع مطابقات في بيت واحد، وما أراه سبق إلى مثلها.
وما زال الناس يعجبون من جمع البحتري ثلاث مطابقات في قوله
(من البسيط):
وأمه كان قبح الجور يسخطها ... دهراً فأصبح حسن العدل يرضيها
стр. 29
حتى جاء أبو الطيب فزاد عليه مع عذوبة اللفظ ورشاقة الصنعة. ولبعض أهل العصر بيت خمس مطابقات. ولكنه لا يستقل إلا بإنشاد بيتين قبله، وهي (من الطويل):
عذيري من الأيام مدت صروفها ... إلى وجه من أهوى يد النسخ والمحو
وأبدت بوجهي طالعات أرى بها ... سهام أبى يحيي مسددة نحوي
فداك سواد الحظ ينهي عن الهوى ... وهذا بياض الوخط يأمر بالصحو
٢٠ - وقال ابن الرومي (من الطويل):
أرى فضل مال المرء داء لعرضه ... كما أن فضل الزاد داء لجسمه
فليس لداء العرض شيء كبذله ... وليس لداء الجسم شيء كجسمه
ألم أبو الطيب فقال (من الخفيف):
يتداوى من كثرة المال بالإقلال ... جودا كأن مالا سقام
بعض ما تكرر في شعره من معانيه
١ - قال (في سيف الدولة) (من الوافر):
وأنت المرء تمرضه الحشايا ... لهمته، وتشفيه الحروب.
وقال (يذكر الحمى التي كانت تغشاه بمصر) (من الوافر):
وما في طيه أني جواد ... أضر بجسمه طول الحمام
٢ - وقال (يمدح بدر بن عمار) (من الكامل):
ليت الحبيب الهاجري هجر الكرى ... من غير جرم واصلي صلة الضنا
وقال (يمدح طاهر بن الحسين) (من الطويل)
стр. 30
فيا ليت ما بيني وبين أحبتي ... من البعد ما بيني وبين المصائب
٣ - وقال (يمدح المغيث بن بشر العجلي) (من البسيط):
إذا بدا حجبت عينيك هيبته ... وليس يحجبه ستر إذا احتجبا
وقال (وقد حجبه بدر عمار) (من الكامل):
أصبحت تأمر بالحجاب لخلوة ... هيهات لست على الحجاب بقادر
من كان ضوء جبينه ونواله ... لم يحجبا لم يحتجب عن ناظر
فإذا احتجبت فأنت غير محجب ... وإذا بطنت فأنت عين الظاهر
٤ - وقال (من قصيدة يمدحه بها) (من المتقارب):
أمير أمير عليه الندى ... جواد بخيل بأن لا يجودا
وقال (من الوافر):
ألا إن الندى أضحى أميرا ... على مال الأمير أبي الحسين
٥ - وقال (يمدح بدر بن عمار) (من المتقارب):
ومال وهبت بلا موعد ... وقرن سبقت إليه الوعيدا
وقال (من القصيدة التي كتبها إلى السلطان من حبسه) (من المتقارب):
لقد حال بالسيف دون الوعيد ... وحالت عطاياه دون الوعود
٦ - وقال (من قصيدة يمدح بها كافورا) (من الطويل):
وما رغبتي في عسجد أستفيده ... ولكنها في مفخر أستجده
وقال (من قصيدة يمدح بها أبا العشائر) (من الوافر):
فسرت إليك في طلب المعالي ... وسار سواي في طلب المعاش
٧ - وقال (يمدح سعيد بن عبد الله) (من البسيط):
قد علم البين منا البين أجفانا ... تدمى وألف في ذا القلب أحزانا
وقال (في خلاص أبي وائل) (من المتقارب):
стр. 31
كأن الجفون على مقلتي ... ثياب شققن على ثاكل
٨ - وقال (يمدح بدر بن عمار) (من المتقارب):
كأنك بالفقر تبغي الغنى ... وبالموت في الحرب تبغي الخلودا
وقال (في الحسين بن إسحاق التنوخي) (من الطويل):
كأنك في الإعطاء للمال مبغض ... وفي كل حرب للمنية عاشق
٩ - وقال (من الخفيف):
الذي زلت عنه شرقا وغربا ... ونداه مقابلي ما يزول
وقال (في سيف الدولة) (من الطويل):
ومن فر من إحسانه حسداً له ... تلقاه منه حيث ما سار نائل
١٠ - وقال (يمدح أبا أيوب أحمد بن عمران) (من الكامل):
فكأنما نتجت قياما تحتهم ... وكأنما ولدوا على صهواتها
وقال (في الحسين بن عبيد الله بن طغج) (من الطويل):
وطعن غطاريف كأن أكفهم ... عرفن الردينيات قبل المعاصم
١١ - وقال (يشكو الحمى بمصر) (من الوافر):
جرحت مجر حالم يبق منه ... مكان للسيوف وللسهام
وقال (في مرثية والدة سيف الدولة) (من الوافر):
رماني الدهر بالأرزاء حتى ... فؤادي في غشاء من نبال
فصرت إذا أصابتني سهام ... تكسرت النصال على النصال
١٢ - وقال (يمدح أبا علي هارون بن عبد الله الكاتب) (من الكامل):
وشكيتي فقد السهام لأنه ... قد كان لما كان لي أعضاء
وقال (قبيل مسيره من مصر يهجو كافوراً) (من البسيط):
لم يترك الدهر من قلبي ومن كبدي ... شيئاً تنيمه عين ولا جيد
١٣ - وقال (يصف مدينة مرعش) (من الطويل):
تصد الرياح الهوج عنها مخافة ... وتفزع فيها الطير أن تلقط الحبا
стр. 32
وقال (من قصيدة في مدح كافور) (من البسيط):
إذا أتتها الرياح النكب في بلد ... فما تهب بها إلا بترتيب
١٤ - وقال (من يمدح الحسن بن عبيد الله بن طغج) (من الطويل):
إذا ضوؤها لقي من الطير فرجة ... تدور فوق البيض مثل الدراهم
وقال (من كلمة يمدح فيها عضد الدولة) (من الوافر):
وألقى الشرق منها في ثيابي ... دنانيراً تفر من البنان
وقال (يمدح أبا شجاع محمد بن أوس) (من الكامل):
ولقد بكيت على الشباب ولمتى ... مسودة، ولما وجهي رونق
حذراً عليه قبل يوم فراقه ... حتى لكدت بماء جفني أشرق
١٥ - وقال (وقد أهداه عبد الله بن خراسان هدية) (من المنسرح):
هدية ما رأيت مهديها ... إلا رأيت العباد في رجل
وقال (يمدح بدر بن عمار) (من المتقارب):
(أحلما نرى أم زمانا جديدا) ... أم الخلق في شخص حي أعيدا
ومثله (في الحسين بن إسحاق التنوخي) (من الطويل):
(هي الغرض الأقصى، ورؤيتك المنى) ... ومنزلك الدنيا، وأنت الخلائق
ثم كرره وزاد فيه فقال (من كلمة يمدح فيها ابن العميد) (من الكامل):
ولقيت كل الفاضلين كأنما ... رد الإله نفوسهم والأعصر
نسقوا لنا نسق الحساب مقدما ... وأتى فذلك إذ أتيت مؤخرا
والأصل فيه قول أبي نؤاس (من السريع):
ليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد
وقال (من البسيط):
متى تخطى إليه الرجل سالمة ... تستجمع الخلق في تمثال إنسان
стр. 33
١٦ - وقال (في سيف الدولة) (من البسيط):
هو الشجاع يعد البخل من جبن ... وهو الجواد يعد الجبن من بخل
وقال (وقد ضرب أبو العساكر خيمة على الطريق فكثر سؤاله وغاشيته) (من المنسرح):
فقلت إن الفتى شجاعته ... تريه في الشح صورة الفرق
والأصل فيه قول أبي تمام (من الكامل):
أيقنت أن من السماح شجاعة ... تدمى، وأن من الشجاعة جودا
١٧ - وقال (يمدح أبا شجاع عضد الدولة) (من الوافر):
ومن اعتاض منك إذا افترقنا؟ ... وكل الناس زور ما خلاكا
وقال في مثله فتبرد وبالغ (من الخفيف):
إنما الناس أنت، وما الناس ... بناس في موضع منك خال
١٨ - وقال (في سيف الدولة) (من الطويل):
إذا أعتل الدولة اعتلت الأرض ... ومن فوقها والبأس والكرم والمحض
وقال (فيه أيضا) (من البسيط):
وما أخصك في برء بتهنئة ... إذا سلمت فكل الناس قد سلموا
١٩ - وقال (يمدح كافوراً ولم يلقه بعد) (من الطويل):
تجاوز قدر المدح حتى كأنه ... بأحسن ما يثني ما عليه يعاب
وقال (في عبد الله بن البحتري) (من البسيط):
وعظم قدرك في الآفاق أوهمني ... أني بقلة ما أثنيت أهجوكا
وقال (يعزي عضد الدولة وقد ماتت عمته) (من السريع):
وكان من عدد إحسانه ... كأنه أسرف في سبه
والأصل في هذا قول البحتري (من الخفيف):
стр. 34
جل عن مذهب المديح فقد كاد ... يكون المديح فيه هجاء
٢٠ - وقال (وهو مما سبق إليه) (من مخلع البسيط):
نال الذي نلت منه منى ... الله ما تصنع الخمور وقال (من الطويل):
أفيكم فتى حي فيخبر ناعبا ... بما شربت مشروبة الراح من ذهني
٢١ - وقال (يمدح سيف الدولة) (من الطويل):
عليم بأسرار الديانات واللغى ... له خطرات تفضح الناس والكتبا
وقال (في أبي العشائر علي بن الحسين) (من الوافر):
كأنك ناظر في كل قلب ... فما يخفي عليك محل غاش
وقال (من البسيط):
ووكل الظن بالأسرار فانكشفت ... له سرائر أهل السهل والجبل
٢٢ - وقال (لبدر بن عمار يمدحه) (من الكامل):
فاغفر فدى لك واحبني من بعدها ... لتخصني بعطية منها أنا
وقال (من المنسرح):
له أياد إلى سالفة ... أعد منها ولا أعددها
٢٣ - وقال وهو من قلائده (من الخفيف):
خير أعضائنا الرؤس ولكن ... فضلتها بقصدك الأقدام
وقال (من المتقارب):
وإن القيام الألى حوله ... لتحسد أرجلها الأرؤس
٢٤ - وقال (من قصيدة في مدح سيف الدولة) (من الطويل):
وما الحسن في وجه الفتى شرف له ... إذا لم يكن في فعله والخلائق
وقال في وصف الخيل (من الطويل):
стр. 35
إذا لم تشاهد غير حسن شياتها ... وأعضائها فالحسن عنك مغيب
وقريب منه قوله (من الوافر):
يحب العاقلون على التصافي ... وحب الجاهلين على الوسام
٢٥ - وقال في معنى قد تصرفت فيه الشعراء (من الخفيف):
ذل من يغبط الذليل بعيش ... رب عيش أخف منه الحمام
وقال (في صباه) (من الخفيف):
عش عزيزاً أو مت وأنت كريم ... بين طعن القنا وخفق البنود
٢٦ - وقال (لعلي بن إبراهيم التنوخي يمدحه) (من الوافر):
إذا ما لم تسر جيشاً إليهم ... أسرت إلى قلوبهم الهلوعا
وقال (من الخفيف):
بعثوا الرعب في قلوب الأعادي ... فكأن القتال قبل التلاقي
وقال (من البسيط):
قد ناب عنك شديد الخوف واصطنعت ... لك المهابة ما لا يصنع البهم
وقال (من الخفيف):
أبصروا الطعن في القلوب دراكا ... قبل أن يبصروا الرماح خيالا
وقال (من الطويل):
صيام بأبواب القباب جيادهم ... وأشخاصهم في قلب خائفهم تعدو
وقال (من البسيط):
تغير عنه على الغارات هيبته ... وماله بأقاصي البر إهمال
والأصل فيه قول النبي ﷺ (نصرت بالرعب) ثم أكثر الناس منه، ومن أوجز ما قالوا قول على بن جبلة العكوك (من الهزج):
غدا مجتمع العزم ... له جند من الرعب
стр. 36
٢٧ - وقال أبو الطيب (من الطويل):
وأتعب خلق الله من زاد همه ... وقصر عما تشتهي النفس وجده
وقال (من الطويل):
لحي الله الدنيا مناخاً لراكب ... فكل بعيد الهم فيها معذب
٢٨ - وقال (من الخفيف):
ومعال إذا ادعاها سواهم ... لزمته خيانة السراق
وقال (من الكامل):
مسكية النفحات إلا أنها ... وحشية بسواهم لاتعبق
والآن حين أذكر ما ينعى على أبي الطيب من معائب شعره ومقابحه:
ومن ذا الذي ترضي سجاياه كلها ... كفى المرء فضلا أن تعد معائبه
ثم اقفي على آثارها بمحاسنه وسياق بدائعه
وفرائده:
فحسن دراري الكواكب أن ترى ... طوالع في داج من الليل غيهب
[المعايب]
فمنها
قبح المطالع
وحقه الحسن والعذوبة لفظاً، والبراعة والجودة معنى، لأنه أول ما يقرع الأذن ويصافح الذهن، فإذا كانت حاله على الضد مجه السمع، وزجه القلب،
ونيت عنه النفس، وجرى أوله على ما تقوله العامة (أول الدن دردي) ولأبي الطيب ابتداءات ليست لعمري من أحرار الكلام وغرره، بل هي - كما نعاها عليه العائبون - مستشنعة لا يرفع السمع لها حجابه، ولا يفتح القلب لها بابه، كقوله (من الكامل):
هذي بزرت لنا فهجت رسيسا ... ثم انصرفت وما شفيت نسيسا
стр. 37
فإنه لم يرض بحذف علامة النداء من (هذي)، وهو غير جائز عند النحويين، حتى ذكر الرسيس والنسيس، فأخذ بطرفي الثقل والبرد، وكقوله (من المنسرح):
أوه بديل من قولتي واها
وهو برقية العقرب أشبه منه بافتتاح كلام في مخاطبة ملك. وكقوله - وهو مما تكلف له اللفظ المتعقد، والترتيب المتعسف، لغير معنى بديع يفي وغرابته بالتعب في استخراجه، ولا تقوم فائدة الانتفاع به بازاء التأذي باستماعه (من الطويل):
وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه ... بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه
وكقوله في استفتاح قصيدة في مدح ملك يريد أن يلقاه بها أول لقية (من الطويل):
كفى بك داء أن ترى الموت شافيا ... وحسب المنايا أن يكن أمانيا
وفي الابتداء بذكر الداء والموت والمنايا ما فيه من الطيرة، التي تنفر منها السوقة، فضلا عن الملوك. حكى الصاحب قال: ذكر الأستاذ الرئيس يوما الشعر، فقال: وإن أول ما يحتاج فيه إليه حسن المطلع، فأن ابن أبي الشباك أنشدني في يوم نيروز قصيدة ابتداؤها (من الطويل):
أقبر وما طلت ثراك يد الطل؟
فتطيرت من افتتاحه بالقبر، وتنغصت باليوم والشعر، فقلت: كذاك كانت حال ابن مقاتل لما مدح الداعي بقوله (من الرمل):
لا تقل بشرى ولكن بشريان ... غرة الداعي ويوم المهرجان
فإن نفر من قوله (لا تقل بشرى) أشد نفار، وقال: أعمى وتبتدئ بهذا في يوم مهرجان؟! قال الصاحب: ومن عنوان قصائده التي تحير الأفهام، وتفوت الأوهام،
стр. 38
وتجمع من الحساب مالا يدرك بالأرتيماطيقي، وبالأعداد الموضوعة للموسيقي (من الوافر):
أحاد أم سداس في أحاد ... لييلتنا المنوطة بالتنادي
وهذا كلام الحكل ورطانة الزط ... وما ظنك بممدوح قد تشمر للسماع ً
من مادحه فصك سمعه بهذه الألفاظ الملفوظة والمعاني المنبوذة؟ فأي هزة تبقى هناك؟ وأي أريحية تثبت هنا؟ وقد خطأه في اللفظ والمعنى كثير من أهل اللغة وأصحاب المعاني، حتى احتيج في الاعتذار له، والنضح عنه، إلى كلام لا يستأهله هذا البيت، ولا يتسع له هذا الباب.
ومن ابتداءاته البشعة التي تنكرها بديهة السماع قوله (من الوافر):
ملث القطر أعطشها ربوعا ... (وإلا فاسقها السم النجيعا)
وقوله (من الكامل):
أثلت فإنا أيها الطلل ... (نبكي وترزم تحتنا الإبل)
وقوله (من الوافر):
بقائي شاء ليس هم ارتحالا ... (وحسن الصبر زموا لا الرحالا)
قال الصاحب: ومن افتتاحاته العجيبة قوله لسيف الدولة في التسلية عند المصيبة (من الطويل):
لا يحزن الله الأمير فإنني ... لآخذ من حالاته بنصيب
قال الصاحب: لا أدري لم لا يحزن سيف الدولة إذا أخذ المتنبي بنصيب من القلق!
ومنها
اتباع الفقرة الغراء بالكلمة العوراء
والإفصاح بذلك في شعره عن كثرة التفاوت، وقلة التناسب، وتنافر الأطراف، وتخالف الأبيات، وما أكثر ما يحوم حول هذه الطريقة، ويعود لهذه العادة السيئة،
стр. 39
ويجمع البديع النادر والضعيف الساقط. فبينا، هو يصوغ أفخر حلي، وينظم أحسن عقد، وينسخ أنفس وشيء، ويختال في حديقة ورد، إذا به وقد رمى بالبيت والبيتين في إبعاد الاستعارة، أو تعويص اللفظ، أو تعقيد المعنى، إلى المبالغة في التكليف، والزيادة في التعمق، والخروج إلى الإفراط والإحالة والسفسفة، والركاكة والتبرد والتوحش، باستعمال الكلمات الشاذة، فمحا تلك المحاسن، وكدر صفاءها، وأعقب حلاوتها مرارة لا مساغ لها، واستهدف لسهام العائبين، وتحكك بألسنة الطاعنين: فمن متمثل بقول الشارع (من الكامل):
أنت العروس لها جمال رائق ... لكنها في كل يوم تصرع
ومن مشبه إياه بمن يقدم مائدة تشتمل على غرائب المأكولات وبدائع الطيبات، ثم يتبعها بطعام وضر، وشراب عكر، أومن يتبخر بالند المعشب المثلث، المركب من العود الهندي والمسك الأصهب والعنبر الأشهب، ثم يرنقه بإسار الريح الخبيثة، ويفسده بالرائحة الردية، أو بالواحد من عقلاء المجانين ينطق بنوادر الكلم، وطرائف الحكم، ثم يعتريه سكرة الجنون فيكون أصلح أحواله وأمثل أقواله أن يقول: اعذرني فإن العذرة متعذر فمما نشر أبو الطيب من هذا النمط قوله (من
الخفيف):
أتراها لكثرة العشاق ... تحسب الدمع خلقة في الآقي؟
وهو ابتداء ما سمع بمثله، ومعنى تفرد بابتداعه، ثم شفعه بما لا يبالي العاقل أن يسقطه من شعره فقال:
كيف ترثي التي كل جفن ... راءها غير جفنها غير راقي
وقوله (من الطويل):
ليالي بعد الظاعنين شكول ... طوال، وليل العاشقين طويل
стр. 40
بين لي البدر الذي لا أريده ... ويخفين بدراً ما إليه وصول
وما عشت من بعد الأحبة سلوة ... ولكنني للنائبات حمول
وما شرقي بالماء إلا تذكرا ... لماء به أهل الخليط نزول
يحرمه لمع الأسنة فوقه ... فليس لظمآن إليه سبيل
من قصيدة اخترع لأكثر معانيها، وتسهل في ألفاظها، فجاءت مصنوعة، ثم اعترضته تلك العادة المذمومة، فقال:
أغركم طول الجيوش وعرضها ... على شروب للجيوش أكول
إذا لم تكن لليث إلا فريسة ... غذاه ولم ينفعك أنك فيل
ثم أتى بما هو أطم منه فقال، وذكر الصاحب أنه من أوبده التي لا يسمع طول الأبد بمثلها:
إذا كان بعض الناس سيفا ًلدولة ... ففي الناس بوقات لها وطبول
فإن تكن الدولات قسما فإنها ... لمن ورد الموت الزؤام تدول
قال الصاحب: قوله (الدولات) و (تدول) من الألفاظ التي لو رزق فضل السكوت عنها لكان سعيدا. وقال من قصيدة جمع فيها الشذرة والبعرة، والدرة والآجرة (من الكامل):
لك يا منازل في الفؤاد منازل ... أفقرت أنت، وهن منك أواهل
وهذا ابتداء حسن ومعنى لطيف، ثم قال:
وأنا الذي اجتلب المنية طرفه ... فمن المطالب والقتيل القاتل
وهو وإن كان مأخوذا من قول دعبل (من الكامل):
لا تطلبا بظلامتي أحدا ... طرفي وقلبي في دمى اشتراكا
فإنه آخذ بأطراف الرشاقة والملاحة، ثم استمر في قصيدته، فجاء بالمتوسط المقارب والبديع الناذر والرديء النافر، حيث قال:
следующие страницы →