← Тафсир

Тафсир · id 37037

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (3 717 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فراسة عمر ﵁ وقد كان سيدنا عمر رضي الله ﵎ عنه له تفرسات عجيبة جداً، فكان ينظر في الأشياء ويتوقعها، فتكون على النحو الذي يتوقعه رضي الله ﵎ عنه. فروي عنه أنه رأى رجلاً وهو يسير، فقال عمر ﵁: هذا كاهنهم. وفي رواية قال: لست ذا رأي إن لم يكن هذا الرجل في الكهانة، يعني: كان كاهناً في الجاهلية. وقال: علي بالرجل! فأتوا به، فسأله عمر: هل كنت كاهناً؟ فقال الرجل: ما رأيت استقبل مسلم بشر من ذلك، يعني: أنا رجل مسلم، وتستقبلني بهذا الشيء. فلما ألح عليه عمر قال: نعم. كنت كاهناً في الجاهلية. ومن فراسته التي تفرد بها عن الأمة رضي الله ﵎ عنه أنه قال للنبي ﷺ : (لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فأنزل الله القرآن: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:١٢٥]). ولم ينزلها الله من أجل أن عمر قالها، فالقرآن قد نزل إلى السماء الدنيا قبل عمر وقبل غيره، ولكن الغرض أن عمر وافق القرآن، وإلا فقد قال الله : ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٥] والزبور هو كتاب داود على نبينا وعليه الصلاة والسلام. والذكر: القرآن أي: قد كتبنا ذلك في القرآن، وأثبتناه في الزبور قبل أن نخلق الأنبياء، فقد كتبنا: أن الأرض سيرثها عبادي الصالحون. إذاً: فالقرآن كان موجوداً قبل وجود النبي ﷺ ، وقبل وجود عمر، وقبل وجود غيره. وإنما عمر رأى ذلك فوافق ما هو مكتوب عند الله في كتابه. أيضاً قال للنبي ﷺ : (يا رسول الله! لو أمرت نساءك أن يحتجبن) فنساء النبي ﷺ كن يخرجن دون حجاب، ولم ينههن النبي ﷺ عن ذلك؛ لأنه لا ينهى إلا أن يأتي إليه الوحي، فلما طلب عمر ذلك نزلت الآية على ما قاله عمر رضي الله ﵎ عنه. وأنزل الله في ذلك آيات الحجاب، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٩] إلى آخر الآيات. وأيضاً قال عمر لنساء النبي ﷺ حين أغضبن النبي ﷺ : ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ [التحريم:٥]، ونزل القرآن بما قاله عمر رضي الله ﵎ عنه. وشاوره النبي ﷺ في الأسرى في يوم بدر، وشاور أبا بكر وغيره، فرأوا أنه لا يقتلهم، وإنما يأخذ منهم مالاً ليستعينوا به على جهادهم، ونزل القرآن يوافق عمر رضي الله ﵎ عنه، ويخبر النبي ﷺ أنه: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٨].

стр. 107

الفراسة لا تستلزم العصمة فالغرض أن عمر كان من أعظم الناس فراسة ﵁ ﵎ عنه، وليس معنى ذلك أن ما يقوله أو يحدث به كله صواب، أو أنه إذا رأى رأياً فلا يشور أحداً. وإنما المعنى: أن الله يرينا بعض آياته في بعض من خلقه. فإن عمر ﵁ جاءته امرأة تشكو زوجها، فقالت: هو من خير أهل الدنيا، يقوم الليل حتى الصباح، ويصوم النهار حتى المساء. ثم أدركها الحياء فقال لها عمر بن الخطاب: قد أحسنت الثناء. ولم تذهب المرأة فـ عمر الذي هو صاحب الفراسة العظيمة، لم يفهم مقصدها، وإنما فهمه كعب بن سوار فقال لـ عمر ﵁: يا أمير المؤمنين لقد أبلغت الشكوى إليك، أي: شكت شكوى كبيرة وعظيمة، فقال: علي بزوجها، فجاء زوجها فقال لـ كعب: اقض بينهما، فقال: أقضي وأنت شاهد؟ قال: إنك قد فطنت لما لم أفطن له من حاجتها. فقال: إن الله يقول: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء:٣] ثم قال لزوجها: صم ثلاثة أيام، وأفطر عندها يوماً -يعني: كأنك متزوج أربع نسوة؛ فإذا كنت متزوجاً أربع نسوة فمن حقها أن تجعل لها كل أربعة أيام يوماً، فصم ثلاثة أيام وأفطر عندها يوماً- وقم ثلاث ليال وبت عندها ليلة. أي: كأنك متزوج أربع نساء. فقال عمر ﵁: لا أدري من أي أمرك أعجب، من فهمك شكواها، أم من قضائك بينها وبين زوجها، اذهب إلى البصرة فاقض بين أهلها. فجعله قاضياً لأهل البصرة. فلم يكن علم الفراسة مختصاً بـ عمر وحده ولا بـ كعب وحده، ولكن الله قسم من ذلك العلم لمن يشاء من خلقه، فجعل لهم نصيباً.

стр. 108

فراسة عثمان بن عفان ﵁ هذا عثمان رضي الله ﵎ عنه ينظر إلى أحد الصحابة ويقول: يأتي أحدكم وفي عينيه أثر الزنا؟ فقال أنس ﵁: أوحي بعد رسول الله ﷺ ؟! فقال: لا. ولكنه شيء يجعله الله في قلب المؤمن، فكان كما قال.

стр. 109

فراسة علي ﵁ وعلي بن أبي طالب كان له من ذلك أيضاً شيء عجيب رضي الله ﵎ عنه. ومن ذلك: أن رجلين من قريش دفعا إلى امرأة مائة دينار، وقالا: لا تدفعيها إلى أحد دون صاحبه. ولبثا حولاً، فجاء أحدهما فقال: إن صاحبي قد مات، فادفعي إليّ الدنانير، فرفضت المرأة وقالت: إنكما قلتما: لا تدفعيها إلى أحد منا دون صاحبه، فلست بدافعتها إليك، فاستعان عليها بأهلها وجيرانها، فأعطته. ثم ظهر الثاني بعد كذا وقال لها: ادفعي إلي الدنانير. فقالت: إن صاحبك قد أخذها، فقال: أولم نأمرك ألا تدفعيها لأحد دون صاحبه؟ فرفعها لـ عمر رضي الله ﵎ عنه، فأراد عمر أن يقضي عليها، فلما كاد يقضي عليها قالت له: ارفعنا إلى علي ﵁، فرفعهما إلى علي ﵁، فعرف علي أنهما مكرا بها من أجل أن يأخذوا منها مائتي دينار بدلاً من مائة دينار، فقال لها علي ﵁: أليس قد قلتما! لا تدفعيها إلى أحد منا دون صاحبه؟ فقالا: بلى. قال: فاذهب فائت بصاحبك! فبطلت حيلتهما.

стр. 110

فراسة إياس بن معاوية ومن أصحاب الفراسة الذي كانوا مشهورين بذلك أحد القضاة وهو إياس بن معاوية بن قرة إياس المزني رضي الله ﵎ عنه، فقد كان له من ذلك حظ عظيم جداً، وكان الناس يذهبون يتعلمون من إياس وكان أبوه معاوية بن قرة صحابياً، رضي الله ﵎ عنه، وكان إياس مشهوراً بالفراسة، وكانوا يتعلمون منه ذلك، وهذا العلم هبة من الله، فمن أراده فليتعلم العلوم الشرعية؛ ليفتح الله عليه في ذلك. ومن قضاء إياس الذي كان الناس يعجبون منه: أن رجلاً استودع رجلاً مالاً، ثم رجع فطلبه فجحده، فأتى إياساً فأخبره، فقال له إياس: انصرف حتى أنظر في أمرك، واكتم أمرك، ولا تعلمه أنك أتيتني، ثم عد إلي بعد يومين. فدعا إياس هذا الرجل، وقال له: إني قد حضر إلي مال كثير، وأريد أن أودعه عندك، فاذهب وجهز له بيتاً فذهب الرجل وجهز له بيتاً، وبعد يومين جاء الرجل الأول إلى إياس، فقال له إياس: اذهب إليه وقل له: أعطني مالي وإلا شكوتك للقاضي. فأعطاه ماله، ثم ذهب إلى إياس يطلب منه المال، فزجره وانتهره، وقال له: لا تقربني يا خائن!. وقصة أخرى عجيبة لـ إياس بن معاوية في ذلك: جاءت أربع نسوة إلى مجلسه، فقال إياس: أما إحداهن فحامل، والأخرى مرضع، والثالثة ثيب، والرابعة بكر! فتعجبوا من أمره، وسألوا فكن كما قال: فسألوه كيف عرف ذلك وهن متحجبات؟ فقال: أما الحامل فكانت تكلمني وترفع ثوبها عن بطنها، أي: مع ثقل الحجاب. وأما المرضع فكانت تمسك بثديها، فعرفت أنها مرضع. وأما الثيب: فكانت تكلمني وعيني في عينها. وأما البكر فكانت تكلمني وعينها في الأرض. يعني: المرأة الثيب عندها جراءة ليست عند المرأة البكر، فاكتشف الأربع من مجرد الكلام معه. وقصة أخرى عجيبة من قصصه ﵁: أن رجلاً استودع غيره مالاً، فجحده هذا الإنسان، فرفعه إلى إياس، فسأله: أين أعطيته هذا المال؟ فقال: في البرية، في الصحراء فقال: أين هو؟ قال: عند الشجرة الفلانية. فسأل إياس غريمة: أتعرف مكان الشجرة؟ فقال: لا. فقال إياس للمدعي: اذهب إليها فعلك دفنت المال عندها، فلعلك إن رأيتها تذكرت أين وضعت المال. فذهب الرجل فجلس إياس مع المدعي عليه ينظر في القضايا، ثم سأل المدعى عليه: أتراه وصل إلى الشجرة؟ فقال: لا. إن المسافة بعيدة. فأخذه وقرره بما عليه من مال.

стр. 111

فراسة الخليفة العباسي المعتضد وممن كان يضرب به المثل في الفراسة المعتضد أحد خلفاء بني العباس، فقد كانت له عجائب في الفراسة، فكان يتفرس في الشيء فيكون على النحو الذي رآه. ومما يذكرون عنه: أنه كان جالساً يشاهد الصناع، فرأى فيهم عبداً أسود منكر الخلقة، شديد المرح، يعمل ضعف ما يعمل الصناع، فيبني بناء ثم يجلس ينظر إلى العمال. فقال لبعض جلسائه: أي شيء يقع لكم في أمره؟ أي: ما رأيكم في هذا الشيء، فقالوا: من هذا حتى تصرف إليه نظرك؟ قال: لقد رأيت فيه أنه لا يخرج من حالين، فإما أن يكون معه دنانير قد ظفر بها أو أنه يتستر بالعمل من أجل أن يسرق. فدعاه، ودعا بالضراب فضربه، وحلف له إن لم يصدقه أن يضرب عنقه، فلما هدده اعترف الرجل وقال: لي الأمان؟ فقال: نعم إلا فيما يجب عليك بالشرع، وهذا من ذكائه، فقال: كنت أعمل في الآجر -أي: في الطوب- فاجتاز رجل في وسطه هيمان، فجاء إلى مكان فجلس فيه، فحل الهيمان وأخرج منه دنانير، فقتلته، ثم حملته على كتفي، فطرحته في الفرن، فأحرقته، ثم أخرجت عظامه، فطرحتها في دجلة. فأنفذ المعتضد من أحضر الدنانير وإذا مكتوب عليها، فلان بن فلان، فعرف صاحبه، فجاء بامرأته، فقالت: هذا زوجي، ولي منه هذا الطفل، خرج وقت كذا وكذا، ومعه ألف دينار، فغاب إلى الآن، فسلمها الدنانير، وأمرها أن تعتد من زوجها، وأمر بضرب عنق هذا الأسود، ثم حرقه كما حرق صاحبه.

стр. 112

فراسة الخليفة العباسي المنصور والخليفة العباسي المنصور أيضاً كان له مثل ذلك؛ فقد جاءه رجل فأخبره أنه خرج في تجارة، فكسب فيها مالاً، فدفع هذا المال إلى امرأته، ثم طلبه من المرأة، فذكرت أنه سرق من البيت. فإذا بـ المنصور يسأله أسئلة غريبة: هل لها ولد من غيرك؟ قال: لا. فدعا المنصور بقارورة فيها طيب له رائحة نفاذة، لا نظير له في البلد، ثم قال للرجل: خذ هذا الطيب لعله يذهب همك، فأخذه، فجعل المنصور أربعة من الناس على أبواب المدينة، كل واحد على باب المدينة، وأمرهم إن شموا رائحته على أحد غير هذا الرجل أن يأتوا به، وقد تخيل أن المرأة لها عشيق آخر تحبه، وأنها خانت زوجها وسرقته من أجل هذا العشيق. وإذا كانت قد أخذت المال وأعطته العشيق فمن باب أولى أن تعطيه الطيب، فكان كما ظن المنصور، فأخذ العشيق، وأعاد المال لصاحبه. ودخل شريك مرة على المهدي فقال للخادم: هات عوداً للقاضي، وشريك القاضي كان من أعدل القضاة رضي الله ﵎ عنه، ولما دخل على الخليفة أراد الخليفة أن يكرمه، فقال للخادم: هات عوداً للقاضي. فذهب وأتى بعود الطرب ووضعه في حجر القاضي، فقال: ما هذا؟ فاستحيا الخليفة وقال: هذا العود أخذه صاحب العسكر البارحة فأحببت أن يكون كسره على يديك! فتخلص من هذا الشيء بهذه الحيلة؛ حتى لا ينتشر خبره عند الناس. وهناك أشياء كثيرة من هذا القبيل. فالغرض: أن علم الفراسة هبة من الله ، يهبها للإنسان كما وهبها لسليمان، ووهبها لغيره من الناس، كـ عمر بن الخطاب وعثمان ﵁ وعلي، وغيرهم من الناس، والله يهب لعباده ما يشاء من فضله. والمفروض ألا يحسد الإنسان أخاه إذا وجد نعمةً عنده دونه؛ فإن ربنا نهانا عن الحسد، والنبي ﷺ نهانا عن ذلك، وربنا أمرنا أن نتعوذ من شر حاسد إذا حسد، وقد علمنا من خيار الأنبياء كيف أعطى الله الأب شيئاً، وأعطى الابن شيئاً آخر، فلم يحسد أحدهما الآخر على النعمة، ولكن شكرا الله سبحانه ﵎ على النعم، وسليمان شكر الله على النعمة عليه وعلى والديه، قال تعالى: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف:١٥]. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 113

تفسير سورة الأنبياء [٨٣ - ٨٥] قص الله علينا في كتابه قصص أنبيائه ورسله عليهم الصلاة والسلام، وكذلك قص علينا نبينا ﷺ قصصهم لتكون زاداً لنا في عبادتنا لله ، وفي الدعوة إليه، وفي الاقتداء بهم، فقد كانوا صلوات الله وسلامه عليهم لا تبطرهم النعم، ولا تيئسهم المصائب والابتلاءات، بل كانوا صابرين لأمر الله في جميع أمورهم وأحوالهم، ومن هؤلاء الأنبياء الذين قص الله علينا قصصهم أيوب ﵇، فقد ابتلي في جسده وماله وولده وأهله، فصبر لأمر الله، فرفعه الله في الدنيا والآخرة.

стр. 114

تفسير قوله تعالى: (وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر)

стр. 115

حال أيوب ﵇ قبل البلاء الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله في سور الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣ - ٨٥]. يذكر لنا ربنا في هذه الآيات جملة من أنبيائه عليهم الصلاة والسلام؛ حتى نتأسى بهم ونتبع هداهم، كما قال لنبينا ﷺ : ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠]، أي: اقتد بهدي هؤلاء، واتبعهم في صبرهم وفي تبليغهم دعوة ربهم . ومنهم أيوب على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وهو العاشر من الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام الذين ذكروا في هذه السورة. قال الله سبحانه: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣ - ٨٤]. فذكره هنا في الأنبياء، وذكره أيضاً في سورة ص فقال: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ * ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [ص:٤١ - ٤٣]. فذكر لنا سبحانه في هاتين السورتين شيئاً من قصة أيوب على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وذكر لنا النبي ﷺ في أحد أحاديثه شيئاً من قصة أيوب ﵇، وذكر أهل الكتاب شيئاً من قصص أيوب ﵇، والله لم يفصل قصته، وإنما أراد أن يرينا البلاء الذي ابتلي به هذا النبي، وواضح من الآيات أن البلاء كان شديداً. ومما ذكر عن أيوب ﵊ أنه كان بين إبراهيم وموسى عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام، وقد كان غنياً أعطاه الله في أرض الشام أرضاً عظيمة جداً، وأعطاه بساتين، وأعطاه من الأنعام ومن الخيرات شيئاً كثيراً، وأعطاه الكثير من الأبناء، فقيل: كان له ثلاثة وعشرون ولداً، والله أعلم، وهذا مذكور عن ابن عباس وغيره، وكانت له زوجة صالحة طيبة، فكان في رغد عظيم جداً؛ فقد جعله الله سبحانه ﵎ نبياً وجعله ملكاً في ما هو فيه من أشياء.

стр. 116

بلاء أيوب ﵇ قال تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣]. أي: لقد مسني أعظم الضر وأشد ما يكون من البلاء الذي لا يصبر على مثله، ولكن نبي الله ﵊ صبر لأمر الله ﵎. وقد جاء عن النبي ﷺ ما رواه أبو يعلى عن أنس بن مالك ﵁، وكذا رواه أبو نعيم في الحلية وذكره الشيخ الألباني رحمة الله عليه في السلسلة الصحيحة: (إن نبي الله أيوب ﷺ لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة). وأيوب كان قد بلغ من العمر سبعين سنة وهو على العبادة وعلى الدعوة إلى الله ﵎، وابتلي في هذا السن، فبعد أن صار شيخاً ابتلاه الله لينظر كيف يصبر؟ قال ﷺ : (لبث به بلاؤه ثمانية عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد)، يعني: ابتعد عنه القريب، أي: الأهل، والبعيد: الجار والأصحاب. قال: (فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه كانا يغدوان إليه ويروحان).

стр. 117

سنة الله في ابتلاء المؤمنين عندما ينزل البلاء تقع فتنة شديدة، والناس ينظرون لهذا المبتلى على أنه قد فعل شيئاً، وينسون أن الله يبتلي عباده الصالحين. وقد جاء في حديث النبي ﷺ : (أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، ويبتلى الرجل على قدر دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد له من البلاء، وإن كان في دينه رقة قلل له من البلاء). فيبتلى الرجل على قدر دينه، فلا تقل عن المبتلى إنه كان يعمل شيئاً ما، فقد يكون هذا المبتلى من الصالحين، وله عند الله درجة عالية لن يبلغها عمله، فيبتليه الله حتى يرتفع إلى هذه الدرجة. إذاً فلا تشمت بإنسان مبتلى، وإذا مررت به فقل في نفسك: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلى كثيراً من خلقه، وفضلني على كثير ممن خلق من عباده تفضيلاً، كما قال النبي ﷺ ، وكانت السيدة عائشة ﵂ تتمثل بأبيات وتقول: إذا ما الدهر جر على أناس كلاكله أناخ بآخرينا فقل للشامتين بنا أفيقوا سيلقى الشامتون كما لقينا فلا تشمت بأحد أبداً، فقد يأتي البلاء على إنسان وتشمت به والبلاء ينتظرك بعده، فلا تشمت بإنسان نزل به البلاء، والله يختبر عباده بما يشاء. قال ﷺ : (فقال أحدهما لصاحبه ذات يوم: تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنباً ما أذنبه أحد من العالمين) فبدأ هذا الإنسان يتشكك في الأمر، وإلا فهو يرى أيوب أمامه، وهو نبي من أنبياء الله ﵊، ومن الصابرين، وهو معصوم لا يكذب ولا يقع في خطيئة، فكونه يسيء الظن فيه هكذا هذا أمر صعب. قال: (تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنباً ما أذنبه أحد من العالمين، فقال له صاحبه: وما ذاك؟ قال: منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله فيكشف ما به، فلما راحا إلى أيوب ﵊ لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له، فقال أيوب ﵊: لا أدري ما تقولان غير أن الله تعالى يعلم أني كنت أمر بالرجلين يتنازعان فيذكران الله فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما كراهية أن يذكر الله إلا في حق)، يعني: كان يعمل هذا وهو عمل صالح عظيم، فلا يسيء أحد الظن أبداً في نبي من أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام. ولما قال له الرجل ذلك قال: لا أدري ما تقولان؟ ولكن أعرف من حال نفسي أني كنت أمر بالرجلين يتنازعان، أي: يتشاتمان ويتنازعان في الشيء، وكل منهما يحلف أنه حقه، ولا يمكن أن يكون ملكهما معاً، فعندما أرجع إلى بيتي أكفر عن المسيء في ذلك، ولا يلزمه أن يفعل ذلك ﵊.

стр. 118

صبر زوجة أيوب معه في بلائه قال: (وكان يخرج إلى حاجته، فإذا قضى حاجته أمسكته امرأته بيده حتى يبلغ)، وهذا من أعظم صبر هذه المرأة، فقد صبرت مع أيوب صبراً عظيماً، وصبر هو أيضاً صبراً يضرب به المثل ﵊، وهو نبي وحق له ذلك. وأما المرأة فليست نبية، ومع ذلك صبرت مع أيوب ﵊ صبراً عظيماً قل أن تصبره امرأة مع زوجها، فكانت تخرج معه إلى حاجته، وتمسكه بيده حتى يبلغ.

стр. 119

معافاة الله لأيوب من بلائه قال (فلما كان ذات يوم أبطأ عليها، وأوحى الله إلى أيوب أن اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب، قال: فاستبطأته فتلقته تنظر وقد أقبل عليها قد أذهب الله ما به من البلاء وهو أحسن ما كان) أي: قد كشف الله عنه هذا البلاء العظيم الذي كان عليه. قال: (فلما رأته قالت: أي بارك الله فيك رأيت نبي الله هذا المبتلى) أي: لم تعرفه؛ لأنه منذ ثماني عشرة سنة في البلاء والآن زال عنه هذا كله فلم تعرفه، فسألته: أتعرف أيوب هذا النبي المبتلى ﵊؟ ثم قالت: (والله على ذلك ما رأيت أشبه به منك إذا كان صحيحاً. فقال: فإني هو ﵊ فقد شفاه الله مما كان به، وعوضه ما أخذ منه ﵎. قال النبي ﷺ : (وكان له أندران) والأندر: الخزانة فيها الحبوب والتمر وغيره، قال: (كان له أندران، أندر للقمح وأندر للشعير، فبعث الله سحابتين، فلما كانت إحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض، وأفرغت الأخرى في أندر الشعير الورق حتى فاض) فأعطاه ذهباً وفضة على هذا الصبر، وهذا في الدنيا، أما في الآخرة فدرجته عظيمة ومرتبته عظيمة وأجره عظيم على صبره ﵊. وقد جاء أنهم كانوا يقولون له: سل ربك أن يشفيك فيقول: (عافاني الله سبعين سنة أفلا أصبر سبعين مثلها؟)، يعني: إذا كان منّ علي بصحة وبعافية وبمال وبولد سبعين سنة، أفلا أصبر سبعين سنة مثلها؟

стр. 120

بيان أن من الأدب عدم نسبة الشر إلى الله قال الله ﵎: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ [الأنبياء:٨٣]. وهذا فيه غاية الأدب، فهو لم يقل: مسستني بضر، أو أنزلت بي الضر، والله هو الذي يخلق الخير والسقم والبلاء. والله ينزل على عبده ما يشاء سبحانه، ولكن من الأدب مع الله أن ينسب العبد النعمة والخير إليه سبحانه، وهو الفاعل لكل شيء سبحانه، فيقول كما قال النبي ﷺ : (الخير بيديك، والشر ليس إليك) فالخير من عند الله سبحانه، وهو الذي خلق الخير وغيره، ولكن الأدب مع الله سبحانه أن ينسب العبد البلاء إلى نفسه، كما قال إبراهيم: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ﴾ [الشعراء:٧٨ - ٨٠] وهو الذي أمرضه، ولكنه تأدب مع الله ، فقال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ﴾ [الشعراء:٨٠] فلم ينسبه إلى الله، وإن كان الله هو الذي يشفيه، وهو الذي يمرضه . وهنا سيدنا أيوب ﵊ قال: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ [الأنبياء:٨٣] وهذه قراءة الجمهور. وقرأها حمزة: (أني مسنيْ الضر وأنت أرحم الراحمين). فبعد ثماني عشرة سنة طلب من ربه سبحانه أن يكشف عنه البلاء. مما جاء في الآثار: أن أصحاب أيوب ﵊ جاءوا إليه فقالوا له: ذلك أنك أذنبت ذنباً لا يعلمه إلا الله ، قال: فكان أشد ما كان عليه سوء الظن، فسجد لله ونادى ربه وقال: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣] فكشف الله عنه ذلك.

стр. 121

تفسير قوله تعالى: (فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر)

стр. 122

رد الله على أيوب أهله بعد كشف ضره قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ [الأنبياء:٨٤]، أي: فكشفنا كل ما به من ضر، ولم نترك منه شيئاً. قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ [الأنبياء:٨٤]، أي: بعد أن أخذهم منه، وكأن الله أخذ أولاده الثلاثة والعشرين كما ذكر ابن عباس، ثم ردهم عليه ربه سبحانه، فقيل: ردهم بعدما أماتهم، فأحياهم له، وقيل: إنه أعطاه أجرهم وأعطاه بدلاً منهم، ولعله يكون كذلك، ولم يذكر لنا الأمر، ولكن الله على كل شيء قدير، فهو قادر على إحيائهم له بعد موتهم، كما ذكر لنا في بني إسرائيل: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ [البقرة:٢٤٣] أي: أنهم وجدوا الطاعون ينزل في الناس، فخافوا وهربوا لعلهم ينجون من الطاعون. فلما هربوا وخرجوا قال لهم الله : موتوا! فماتوا جميعهم، ثم أحياهم بعد ذلك، والله على كل شيء قدير. فقد يفعل ذلك آية، فيميت الإنسان قبل أجله ثم يبعثه لأجله المعلوم عند الله ، وقد يكون إحياء الله لأولاد أيوب من هذا الباب؛ لأن الله قال: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ [الأنبياء:٨٤]. ولعل المعنى: آتيناه أجر أهله، أي: صبره على أهله، فيكون بتقدير محذوف هنا: وأعطيناه في الدنيا مثلهم، ويوم القيامة يجد الجميع في جنة الخلد معه. ومما جاء أن إبليس ذهب إليه ليوسوس إليه فما قدر عليه، فسأل الله أن يسلطه عليه فأراد الله أن يري الملائكة والخلق كيف يصبر هذا الإنسان فابتلاه، وقد قال في سورة ص: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص:٤١] وكأنه يذكر أن الشر من الشيطان تسلط عليه، أو أنت سلطت علي هذا الشيطان ففعل بي ما فعل وابتلاني في أصدقائي فوسوس لهم فأساءوا الظن في، وابتلاني في امرأتي فأنا أسأت الظن فيها، فمسني الشيطان بنصب وعذاب. فقال الله : ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص:٤٢] والركض: الضرب بالرجل، ومنه ركض فرسه، يعني: ركب عليه وضرب برجليه على جنبيه حتى يجري، فهنا قال: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص:٤٢] أي: على الأرض، فنبعت له عين ماء من الأرض فاغتسل منها وشرب فأبرأه الله ﵎ فصار أحسن مما كان. قال تعالى: ﴿فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ [الأنبياء:٨٤]. هنا ذكر رحمة من عندنا، وقال في ص: ﴿رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [ص:٤٣]. وهنا قال تعالى: ﴿رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:٨٤] أي: تذكرة للعابدين، أي: لكل العباد الذين يعبدون الله سبحانه، ويعلمون أن الله يبتلي العبد بالخير وبالضر، كما قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء:٣٥]. فالله يبتلي عبده بما يشاء، فإذا أعطاه المال فهذا بلاء من الله فليحمد ربه سبحانه، وليؤد الحقوق التي أمر بأدائها، وإذا ابتلاه الله بالمرض فليعلم أن هذا من عند الله ولا يكشفه إلا الله سبحانه، وليدع بما قاله النبي ﷺ في الدعاء: (أذهب البأس رب الناس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاءك، شفاءً لا يغادر سقماً).

стр. 123

حلف أيوب أن يضرب زوجته وبره في ذلك قال تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٤٤]. وكأنه حصل شيء بينه وبين امرأته، فقيل: إن المرأة جاءها الشيطان فوسوس إليها بشيء، وقال لها: اطلبي من أيوب كذا فإذا فعله فإن الله ﵎ يشفيه، فطلبت منه ذلك، فقيل: إنه أمرها بشيء من الشرك تطلبه من أيوب، فلما طلبته أقسم أيوب أن يضربها مائة جلدة على ذلك، وقيل غير ذلك. فالمقصود: أنه أقسم على شيء فعلته هذه المرأة الصالحة الصابرة أن يضربها مائة جلدة، والله أرحم الراحمين يقول له: ما ذنبها، وقد جلست معك هذه السنين الطويلة صابرة؟ وفي النهاية لو فرضنا أنها أخطأت في شيء فالله غفور رحيم كريم سبحانه. فأمر أيوب: أن أوف بيمينك، ولكن اضربها ضربة واحدة. قال تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ [ص:٤٤] والضغث العثكول من النخل، وهو القنو المدلى الذي فيه البلح، فأمره أن يأخذ قنواً منه فيه مائة خوصة فيضرب بها المرأة ضربة واحدة، ليبر بقسمه، وجعل له الله هذا المخرج، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣]. قال تعالى: ﴿فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ [ص:٤٤] ثم مدحه الله سبحانه بقوله: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٤٤] وقال سبحانه هنا: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ [الأنبياء:٨٤] أي: نادى فاستجبنا له.

стр. 124

شدة تضرع أيوب ودعائه لربه قال تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ [الأنبياء:٨٣] والنداء أشد الدعاء. فدعا ربه سبحانه وناجاه متوسلاً إلى ربه سبحانه فقال: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣] وهذا من الجمال في السؤال ﴿ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ [الأنبياء:٨٣] والأصل أن يقول: ارفع عني الذي أنا فيه، ولكنه قال: رحمتك عظيمة وأنت أعلم ما الذي أريده، فتلطف في سؤاله ربه ﵎، فقال: ﴿أََنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣] أي: فلتسعني رحمتك. فاستجاب له الله سريعاً، قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ) [الأنبياء:٨٤] وكان قد تباطأ عن الدعاء سنوات، واستحيا من ربه الذي أكرمه بالخير كثيراً، وقال: أفلا أصبر كثيراً على هذا الذي ابتلاني به؟ فلما نادى ربه قال: ((فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ [الأنبياء:٨٤] أي: آتيناه الأجر على أهله الذين ماتوا، أو أحيا الله سبحانه أهله، والله أعلم بذلك.

стр. 125

نعمة الله على أيوب بعد شفائه قال تعالى: ((وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ)) أولاداً آخرين. قال تعالى: ﴿رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ [الأنبياء:٨٤] فرحمناه وكشفنا ما به وأعطيناه، ورحمنا زوجته فأمرناه ألا يحنث وأن يضربها ضربة واحدة. قال تعالى: ﴿وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:٨٤] أي: حتى يتذكر كل إنسان عابد لله سبحانه رحمة رب العالمين الواسعة، وأنه الذي يستجيب لمن يدعوه كما قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل:٦٢]. لا إله إلا الله، وقال النبي ﷺ في حديثه عن أيوب: (إن أيوب على نبينا وعليه الصلاة والسلام بينما كان يغتسل عرياناً خر عليه جراد من ذهب، فجعل أيوب يحثوه في ثوبه، فناداه ربه سبحانه: يا أيوب، ألم أكن أغنيتك عما ترى؟) يعني: ألم أعطك أندر ذهب وأندر فضة، وحاشا لأيوب أن يكون طماعاً، وهو نبي معصوم، وإنما هو أدب الأنبياء. وقد قال لنا النبي ﷺ : (إنها صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته) ولو أن إنساناً ذهب إلى إنسان غني وكبير وأعطاه شيئاً من الصدقة فقال له: لا أريد، لكان ردها قبيحاً، وحينئذ يشعر المعطي بالضيق لرفضه، وكلما ازداد قدره ومقامه كان الرفض أوجع له. ولله المثل الأعلى، ولا شيء يناله من عبده، قال تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج:٣٧]، فلما أنزل الله على أيوب هذا الجراد من الذهب ابتلاء له، ونظراً لما يصنع قبل صدقة ربه عليه، فسأله الله ممتحناً له ومختبراً: (ألم أكن أغنيتك عن هذا؟ قال: بلى؛ ولكن لا غنى لي عن بركتك). فهنا منه تأدب في الأخذ وتأدب في الجواب صلوات الله وسلامه عليه، فذكره الله في هذه الآيات وفي غيرها.

стр. 126

تفسير قوله تعالى: (وإسماعيل وإدريس وذا الكفل)

стр. 127

بيان مدح الله لإسماعيل بصدق الوعد قال تعالى: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ * وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنبياء:٨٥ - ٨٦]. وقد كان أيوب صابراً، قال تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٤٤] أي: كثير الأوبة إلى الله ، وقد كان الأنبياء مثله، ولكنه أشدهم بلاءً في جسده وفي ماله وفي ولده. قال تعالى: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ﴾ [الأنبياء:٨٥] وهو ابن إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، وقد كان نبياً رسولاً ﵊. وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ [مريم:٥٤] أي: كان يعد الوعد ويصدق في وعده، وقد وعد شخصاً أن يلقاه في المكان الفلاني بعد ثلاث، فانتظر بعد ثلاث ولم يأت الرجل إلا بعد ثلاث ليال، فقال له: لقد شققت علي! وصبر. وليس مطلوباً من الناس أن يكونوا على مثل هذا الوعد العظيم والوفاء، ولكن يذكر ربنا لنا هؤلاء لنقتدي بهم في الوفاء بالوعد، وكثير منا اليوم يعد ولا يفي بوعده، فالواجب الوفاء بالوعد. وقد جاء مثل ذلك عن النبي ﷺ ، وهو أن رجلاً وعده قبل الإسلام أن يأتيه في المكان الفلاني، فانتظره النبي ﷺ وبات في مكانه ينتظر الرجل حتى ظهر الرجل بعد ذلك وقال: لقد شققت علي، فإسماعيل فعل ذلك، واقتدى به النبي صلوات الله وسلامه عليه. وقال تعالى عن إسماعيل: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم:٥٥] وأنت قبل أن تدعو الناس ادع أهلك، وأولى الناس أن تنقذهم من النار أهلك، وقد قال الله في القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]. إذاً: إسماعيل كان صادق الوعد ﵊، وكان رسولاً نبياً، وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عمله عند ربه مرضياً، وذكر هنا أنه من الصابرين، وأي صبر أعظم من صبر إسماعيل ﵊ حين أخذه أبوه ليذبحه.

стр. 128

قصة إتيان إبراهيم ﵇ بأهله إلى مكة وتركهم فيها وقد ولد إسماعيل من هاجر، فلما ولد لها غارت سارة من هاجر، فأخذ إبراهيم بوحي من الله هاجر وابنها إسماعيل بعيداً عن سارة وذهب بهما إلى مكة. وكانت سارة في الشام. وقد كانت مكة صحراء لا طعام فيها، ولا ماء، وعندما وصل بهما إلى مكة ترك بها جراباً من تمر وسقاء فيه ماء، وتركها هناك عند موضع البيت، ولم يكن البيت في ذلك الوقت موجوداً، وترك ابنه الوحيد الذي جاء له بعد أكثر من ثمانين سنة في هذا المكان مع أمه. فقالت هاجر: يا إبراهيم! إلى من تتركنا في هذا المكان الذي لا أنيس به ولا جليس؟ فسكت إبراهيم وكأن الأمر شديداً على نفسه، ولكنه ينفذ أمر الله ووحيه، فانطلق وتركها، فقالت: إلى من تتركنا؟ وفي النهاية قالت: إلى الله؟ قال: نعم. قالت: إذاً فلا يضيعنا. وذهب إبراهيم حتى إذا كان وراء أكمة، أي: ثنية، وقد كان متجلداً أمامها وأمام ولده الصغير حتى لا يتسخطان أمر الله، فلما توارى خلف الأكمة ظهر حنانه ﵊ ودعا ربه متوسلاً إليه: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ * رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم:٣٧ - ٣٨]. فدعا ﵊ ربه سبحانه، وترك ابنه، فشب هذا الولد، وكان أبوه يأتيه بين الحين والحين ينظر إليه ويرجع، وصبر الولد وشب.

стр. 129

قصة بناء إبراهيم للبيت مع ابنه إسماعيل وقصة الذبح فأتى إبراهيم ﵊ يوماً وقال لإسماعيل: (إن الله أمرني بأمر، قال: فامض إلى ما أمرك ربك، قال: وتعينني؟ قال: وأفعل. قال: أمرني أن أرفع القواعد من البيت، فأعانه إسماعيل فرفعا القواعد من البيت، ثم رجع إبراهيم ﵊ بأمر الله . وبعد فترة أوحى الله إليه رؤيا منامية: أن اذبح ولدك، وقد كان إبراهيم في كل حين ينظر إلى ابنه بأنه لم يربه وتركه في هذا المكان، فذهب إليه وقال: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات:١٠٢] فلم يقل له: هذه أضغاث أحلام وهرب منه، فهو يعلم أن أباه نبي من عند الله سبحانه، وأن هذا وحي من الله. فقال: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢] أي: أصبر لذلك. وعندما أراد أن يذبحه طلب منه إسماعيل أن يلقيه على وجهه حتى لا ينظر إليه وهو يذبحه. فلما كاد أن يذبحه نزل أمر الله : ﴿أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات:١٠٤ - ١٠٧]. فكان بلاءً بيناً عظيماً للإثنين، لإبراهيم ﵊ وابنه إسماعيل، فكان إسماعيل صابراً، فذكره الله من الصابرين. وكذلك إدريس على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وكذلك ذو الكفل قال تعالى: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنبياء:٨٥]. فكل واحد من هؤلاء صبر لأوامر الله ، فمدحهم الله ﵎. وقد رفع الله إدريس مكاناً علياً في السماء الرابعة، وقد قيل إنه كان قبل نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وقيل: بل كان بعده، فالله أعلم. فالغرض: أنه ابتلاه الله سبحانه ﵎، فصبر لأمر الله سبحانه، فرفعه الله بصبره مكاناً علياً. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 130

تفسير سورة الأنبياء [٨٥ - ٩١] يذكر الله سبحانه جملة من الأنبياء ويذكر صفاتهم ودعوتهم لقومهم وصبرهم وحلمهم عليهم، كل ذلك تسلية للنبي ﷺ حتى يقتدي بهم في ذلك، حتى إذا واجه من قومه الإعراض والإيذاء يصبر عليهم ويستمر في دعوتهم حتى يؤمنوا، أو يجاهدهم ويقاتلهم.

стр. 131

قصص إسماعيل وإدريس وذا الكفل الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ * وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنبياء:٨٥ - ٨٦].

стр. 132

قصة إسماعيل ﵇ ذكر الله في سورة الأنبياء جملة من أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام، لنتعظ بذكرهم ونتأسى بفعلهم وصبرهم وجهادهم، فذكر بعضهم في هذه الآيات، قال تعالى: ((وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ * وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ)). أول هؤلاء الأنبياء هو إسماعيل بن إبراهيم عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام، وذكرنا بالأمس شيئاً من قصته، وكيف صبر لأمر الله سبحانه بالذبح، حتى نجاه الله ، وفداه بذبح عظيم، وكيف أنه أعان أباه في بناء الكعبة، ودعوا ربهما ، ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة:١٢٧]، وكيف أنه صبر على أهله، فكان يأمرهم بالصلاة والزكاة، وكان من الخاشعين لربه العالمين.

стр. 133

قصة إدريس ﵇ إدريس ﵇ هو نبي من أنبياء الله، ورسول من رسل الله عليهم الصلاة والسلام، ذكر الله هنا أنه من الصابرين ومن الصالحين، ((وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ * وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ)). فوصفهم بالصلاح ووصفهم بالصبر، وإدريس النبي ﵊ قالوا: كان قبل نوح على نبينا وعليهما الصلاة والسلام، وقيل: بل كان بعد نوح ﵊ والله أعلم. وقالوا: كان إدريس أول من خط بالقلم، وأول من خاط الثياب ولبسها، ونظر في علم النجوم وعلم الحساب، وسير النجوم وغير ذلك. فربنا ذكر أنه رفعه مكاناً علياً، رفعه بصبره ورفعه بصلاحه، وذكر النبي ﷺ في قصة معراجه أنه رآه في السماء الرابعة، فرفعه الله مكاناً علياً.

стр. 134

قصة ذي الكفل والأقوال في نبوته وعدمها قوله: ((وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ)) اختلفوا في ذي الكفل هل كان نبياً من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أم كان رجلاً من الصالحين، فالبعض يقول: هو نبي من الأنبياء باعتباره ذكر مع هؤلاء الأنبياء في هذه السورة. والذي يقول: ليس من الأنبياء وإنما كان رجلاً صالحاً، وإنه تكفل لنبي من الأنبياء بشيء فوفى بما طلب منه، باعتبار ما جاء في حديث الترمذي وإسناده ضعيف: (كان الكفل لا يتورع من ذنب عمله، فأتته امرأة ولما ذكرته بالله تركها)، إلى آخر الحديث، ويشبه هذه القصة ما ورد في الصحيحين عن النبي ﷺ في حديث الثلاثة الذي آواهم المطر إلى غار في الجبل، ومنهم رجل وقف من امرأة موقف الرجل من زوجته فذكرته بالله فتركها وترك لها الدنانير التي كان قد أعطاها. فذكر في الترمذي أن اسمه الكفل، وفي الآية هنا، ذو الكفل، وقلنا: إن هذا الحديث الذي في سنن الترمذي إسناده ضعيف، فلا يصح أن يفسر به هذا الذي ذكره الله ، وهنا كونه يذكر أنه من أهل الصلاح ومن أهل الصبر ينافي أن يكون هذا من أهل الفساد وأنه لا يتورع من ذنب، ثم فجأة يثني عليه بذلك، لعل هذا يكون بعيداً، والأقرب أنه كان نبياً من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أو أنه تكفل لنبي من الأنبياء بأمر الأمة من بعده، فقد جاء في الرواية: (أن نبياً من أنبياء الله في بني إسرائيل، لما كبر في سنه طلب من قومه من يقوم لي في هذا الأمر، أو من يكفل لي أمر الناس، بشرط أن يصوم النهار ويقوم الليل ولا يغضب -يعني: من أجل أن يكون حاكماً وقاضياً على قومه- فقام شاب فقال: أنا، فقال: اجلس -كأنه استصغر أمره، كيف يكون حاكماً على هؤلاء القوم وهو صغير؟ - فسكت وكرر في اليوم الثاني وفي اليوم الثالث، وكل مرة يقوم هذا الرجل فاستخلفه، فقام وتكفل بذلك). وكان من العباد قبل أن يتولى الحكم على قومه، فلما تولى الحكم لم ينس العبادة، من صيام وقيام ليل، وقام بالأمر الذي تكفل به خير قيام. كذلك كان يقوم على أمر الناس ولا يغضب، وهذا أمر صعب جداً، لا يقوم به إلا نبي من الأنبياء، حتى إن الشيطان أراد أن يخرجه عن حده وعن قوله فيغضبه فلم يقدر عليه، فجاءه في صورة إنسان ليغضبه وهو صائم، في وقت القيلولة، جاء الشيطان في صورة إنسان مظلوم يطلب الحكم له، فقال: أنا رجل مظلوم، وطلب منه أن يأتي معه لينصره على خصمه، فأرسل معه رجلاً فرفض، وأصر إلا أن يأتي معه، فخرج معه فلما أخذ بيده وانطلق إذا به يفر ويهرب منه، وإنما أراد أن يجعله يغضب؛ لأنه أزعجه وقت نومه، لكنه لم يغضب، وعرف أنه الشيطان. ومدحه الله في هذه السورة بأنه من الصابرين، والصبر لم يكن مرة واحدة يصبر فيها، ولكن واضح من الآية أنهم صبروا صبراً عظيماً وصبراً طويلاً فقال: ((كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ)) أي: كل واحد اختصه الله بمهام قام بها وأداها على أكمل الوجوه، وصبر لأمر الله حتى توفاه الله سبحانه. قال سبحانه: ((وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا))، ورحمة الله جنته، فرحمهم الله ورضي عنهم وأدخلهم جنته سبحانه، ثم قال: ﴿إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنبياء:٨٦]، وإن هنا سببية معناها: لأنهم من الصالحين.

стр. 135

تفسير قوله تعالى: (وذا النون إذ ذهب مغاضباً وكذلك ننجي المؤمنين)

стр. 136

حكم التفضيل بين الأنبياء قال الله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧]. وذا النون هو سيدنا يونس على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وذو من الأسماء الستة بمعنى صاحب، يعني: صاحب النون، والنون الحوت الضخم الكبير، فذو النون هو صاحب الحوت، وصاحب الحوت هو يونس بن متى على نبينا وعليه الصلاة والسلام. ذكر الله تعالى هنا يونس ﵇ فقال: ((وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا)) وذكره الله في سورة الصافات فقال: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ * فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات:١٣٩ - ١٤٤]. وذكره أيضاً في قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ * لَوْلا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ * فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القلم:٤٨ - ٥٠]. هذا كله في سيدنا يونس بن متى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فذكر لنا ربنا قصته، ونبينا صلوات الله وسلامه عليه ذكره في الحديث، وقال: (لا يقولن أحدكم: إني خير من يونس بن متى)، ﵊. وفي الحديث الآخر: (لا ينبغي لعبد أن يقول: إني خير من يونس بن متى). وفيه رواية ثالثة: قال: (ولا أقول: إن أحداً أفضل من يونس بن متى)، وفي رواية: (لا ينبغي لنبي أن يقول: أنا أفضل من يونس بن متى). هذا من تواضع النبي صلوات الله وسلامه عليه، وإلا فهو رسول الله ﷺ أفضل الخلق، وهو سيد ولد آدم ﵊، ومع ذلك قال ذلك تواضعاً؛ حتى إذا قرأ الإنسان هذه الآيات في كتاب الله لا يستهين بسيدنا يونس ﵊، ولا يظن أنه لو كان مكانه لفعل أفضل مما فعله، أو يفاضل بين الأنبياء على وجه التحقير للبعض منهم، كأن يقول: لو كان نبينا ﷺ مكانه كان كذا وكذا، فالرسول ﷺ سد الباب، بل يتواضع صلوات الله وسلامه عليه ويهضم نفسه ﷺ ويقول: (رحم الله أخي يوسف لو لبثت في السجن كما لبث ثم جاءني الداعي لبادرت) فهو يهضم نفسه ﷺ ويقول: إن سيدنا يوسف كان على صبر عظيم جداً، فهو مع أنه كان في السجن ويأتيه الداعي ويقول: تعال كلم الملك، فيقول له: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٠] فالنبي ﷺ يقول: لو كنت مكانه لما قلت هذا الشيء، ولخرجت مباشرة؛ لأن السجن بلاء شديد.

стр. 137

قصة يونس ﵇ مع قومه من قصة سيدنا يونس ﵇ ما ذكر الله هنا: ((وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا)) يعني: غضبان لله ، قالوا: مغاضباً لأجل ربه؛ لأن قومه عصوا ربهم . والله بعثه إلى أهل نينوى وهي بلدة من أرض الموصل في العراق، فدعاهم إلى الله فترة طويلة فلم يستجيبوا له وكذبوه، فوعدهم بنزول العذاب في وقت معين، وخرج عنهم مغاضباً لهم، ولكن خروجه هنا كان بغير إذن من الله سبحانه، يقول سبحانه: ((فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ))، يعني: نضيق عليه. وهنا قراءة الجمهور، ((فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ))، وقراءة يعقوب: ((فَظَنَّ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ)) أي: أن لن يضيق عليه في أمر دعوته إلى الله ، فخرج بغير إذن من ربه، وهنا تعلم منه النبي ﷺ أنه لا يخرج مهاجراً من بلده مع إيذاء الكفار له حتى يأتي الإذن من الله . فيونس ﵊ خرج مغاضباً لقومه، فلما رأوا آثار العذاب، وأن العذاب آت من عند الله ، ويونس ﵇ قد خرج وتركهم خضعوا وتضرعوا لربهم ، قال ربنا سبحانه: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس:٩٨]. فقوله: ((فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا)) أي: هلا كانت قرية آمنت فانتفعت بإيمانها قبل أن يأتي العذاب، إلا قوم يونس لما رأوا العذاب نفعهم الإيمان قبل أن ينزل العذاب؛ لأنهم خشعوا لله وتضرعوا لله ، وعرفوا أن نبيهم صادق، فالله ذكر أنهم الوحيدون الذين كشف عنهم العذاب قبل أن ينزل عليهم، فرحمهم الله وكشف عنهم العذاب.

стр. 138

إلقاء يونس في اليم ولما ذهب يونس من عند قومه ركب السفينة فلجت بهم وخافوا أن يغرقوا فتساءلوا فيما بينهم، فقال أحدهم: إن معنا عبداً آبقاً من ربه، وإنها لا تسير حتى يلقى في البحر، فاقترعوا فوقعت القرعة على يونس، فقالوا: والله لا نلقيك، فاقترعوا مرة ثانية وثالثة وفي كل مرة تقع القرعة عليه، فألقى بنفسه في البحر، قال الله : ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الصافات:١٣٩ - ١٤٠]، أي: المملوء، ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات:١٤١] يعني: ساهم في القرعة، فهم لما وجدوه نبياً معهم ويقول لهم: ارموني في البحر، بعد أن وقعت القرعة عليه، رفضوا إلقاءه في البحر حتى كرروا القرعة ثلاثة مرات، فألقى بنفسه في البحر، فالله سلط حوتاً يلتقمه، ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الصافات:١٤٢] أي: وهو آثم؛ لأنه عمل عملاً يلام عليه، ولو كان غيره لما كان يلام على ذلك، لو أن أحد الدعاة إلى الله ذهب إلى قوم يدعوهم فرفضوا أن يقبلوا دعوته فخرج من عندهم إلى غيرهم كان مثاباً على ذلك ومأجوراً، لكن هذا نبي من أنبياء الله، والأنبياء مراتبهم عالية، وقد يكون الشيء من غيرهم حسنة ويكون منهم سيئة، ولذلك قالوا: حسنات الأبرار سيئات المقربين؛ لأن درجات هؤلاء المقربين عالية، فقد يكون منهم الشيء يعد عند الله إساءة ويكون من غيرهم إحساناً وليس إساءة. فهذا النبي الكريم ﵊ لامه الله ؛ لأنه خرج بغير إذنه . قال تعالى: ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ * فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات:١٤٢ - ١٤٤] أي: لبقي في بطن الحوت إلى قيام الساعة، ولكن الله رحمه بتسبيحه؛ لأنه كان كثير التسبيح وكثير الصلاة وكثير الذكر لله ، فنفعه ذلك، ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ * وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾ [الصافات:١٤٥ - ١٤٦]. وهنا يذكر لنا ربنا أنه نادى في الظلمات؛ لأن الحوت يكون في أعماق البحر، وأعماق البحر تكون مظلمة، والجزء من البحر الذي فيه نور هو مقدار خمسين أو مائة متر من سطح البحر، وتحت ذلك ظلمات البحر.

стр. 139

دعاء يونس في بطن الحوت ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾ [الأنبياء:٨٧]، أي: دخل بطن الحوت وهو مظلم، وهو في جوف البحر المظلم، وجاء عليه الليل المظلم، ظلمات بعضها فوق بعض، ((فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ))، هذا نداؤه ودعوته التي ذكرها النبي ﷺ في الحديث، قال ﷺ : (دعاء ذي النون في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، لم يدع به رجل مسلم في شيء قط إلا استجيب له)، هذا دعاء عظيم جداً؛ لأن فيه توحيد الله ، وفيه الاعتراف بالتقصير والذنب، وأن الإنسان ظالم لنفسه وظالم لغيره. فلما قال هذا استجاب الله له، قال: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ [الأنبياء:٨٨] أي: مباشرة، ألهمه الله ما يقول فاستجاب له سبحانه، قال: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾ [الأنبياء:٨٨] هنا ما قال: (فاستجبنا له فنجيناه من الغم) وإنما قال: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاه﴾ [الأنبياء:٨٨] لأنه لو قال: (فنجيناه) لكان المعنى: أننا استجبنا ولكن أبطأنا في نجاته، ولكن لما قال: (ونجيناه) أي: استجبنا له وحالاً كانت النجاة من الله ، فهذه الكلمة لها شأن عظيم عند الله ، فهو عندما قالها أنجاه الله . ثم قال: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء:٨٨]، وهذا تفضل الله وكرمه على عباده، فقوله: ((وَكَذَلِكَ)) أي: وهذا الإنجاء ليس مختصاً بيونس ﵇، بل كل إنسان مؤمن يرجع إلى ربه ويستغيث بربه ويقول ذلك ننجيه كذلك من البلاء ومن الكرب. قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِيَ﴾ [الأنبياء:٨٨]، بصيغة المضارعة، وهذه قراءة الجمهور. وقراءة ابن عامر وشعبة عن عاصم ((وَكَذَلِكَ ُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ))، على صيغة الماضي. والمعنى: أن الله نجى المؤمنين من قبل ومن بعد، فكما نجى الله يونس نجى غيره. إن قصة ذي النون على نبينا وعليه الصلاة والسلام يذكرها لنا ربنا ، فيخشى النبي ﷺ أن الإنسان يسيء الظن، فقال: (لا تفضلوني عليه، أو لا يقل أحدكم: أنا خير من يونس) فلا ينبغي لك أن تقول على نفسك ولا على النبي إنه أفضل من يونس، والمعنى لا تقل: لو كنت مكانه كنت عملت كذا، أو تقول: لو أن النبي ﷺ مكانه كان عمل كذا، هذا لا ينبغي لأحد أن يقوله، ولا أن يخير بين الأنبياء على وجه التحقير للبعض الآخر. ورد في حديث للنبي ﷺ أنه قال: (من سره أن يستجيب الله له في البلاء فليكثر من الدعاء في الرخاء)، يعني: إذا كنت تريد أن يستجيب الله لك الدعاء عندما ينزل بك كرب، فأكثر من الدعاء، وعود الملائكة سماع صوتك باستمرار، حتى تقول: يا رب يا رب، ففي وقت الكرب ينفعك ذلك، فسيدنا يونس ﵊ كان كل يوم يصعد إلى السماء منه تسبيح وصلاة وأعمال صالحة، والملائكة اعتادوا على ذلك، فلما حبس في بطن الحوت إذا به يقول: (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين)، والملائكة تسمع صوتاً بعيداً فيقولون: يا ربنا صوت غريب من مكان بعيد، يقول: أما تعرفونه ذاك عبدي يونس، فيقولون: يونس الذي لم يزل يصعد إليك منه عمل متقبل، فالله يلهمه أن يقول هذا الدعاء لينجيه بفضله .

стр. 140

نجاة يونس من بطن الحوت وإرساله إلى مائة ألف أو يزيدون قال تعالى: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ [الصافات:١٤٥] (فنبذناه) أي: ألقيناه، فالله أوحى إلى الحوت بالتقامه، فما أن ألقى بنفسه في البحر حتى التقمه وابتلعه، ويوحي الله إلى الحوت أنه ليس رزقاً لك، وإنما أنت سجن فقط، فيكون سجناً له فلا يتأذى فيه، ويسبح لربه ويصلي له وهو في جوف الحوت. قوله: (وهو سقيم) أي: مريض. ثم قال: ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾ [الصافات:١٤٦]، ألقاه الحوت في العراء على الشاطئ، ليس هناك شيء يظله، وهو محتاج للطعام والشراب، فالله أنبت عليه شجرة من يقطين، واليقطين هو القرع، فإذا بهذه الشجرة تظله، ويأكل من قرعها. ثم قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات:١٤٧]، فالله من عليه وتركه نبياً، بل وأرسله إلى قوم آخرين، ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [الصافات:١٤٨] وهنا ربنا قال: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء:٨٨] أي: كما نجينا يونس على نبينا وعليه الصلاة والسلام.

стр. 141

تفسير قوله تعالى: (وزكريا إذ نادى ربه وكانوا لنا خاشعين) قال الله تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء:٨٩]. وزكريا نبي من أنبياء بني إسرائيل على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وهو أبو يحيى النبي ﵊، وزكريا هو الذي كفل مريم ﵍، وولده يحيى هو ابن خالة المسيح على نبينا وعليهم الصلاة والسلام، فكان زكريا زوج أخت مريم ومريم أم المسيح ويحيى هو ابن أختها، فهما أبناء خالة. قوله تعالى: ((وَزَكَرِيَّا)) تقرأ بالمد وبالقصر، وقراءة القصر هي قراءة حفص عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف، كلهم يقرءونها: ((وَزَكَرِيَّا))، وباقي القراء يقرءونها: ((وَزَكَرِيَّاء))، بالمد فيها، وستكون منصوبة، (زكرياءَ) يعني: اذكر زكرياء. وهؤلاء الذين يقرءونها (زكرياء) لهم قراءتان فيها: الأولى: قراءة ابن عامر وشعبة: ((وَزَكَرِيَّاء إِذْ))، وباقي القراء في الهمزة الأولى يحققونها والهمزة الثانية يسهلونها، فيقول: ((وَزَكَرِيَّاء اِذْ نَادَى رَبَّهُ)) مثلما نقرأ: ﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت:٤٤]، فهذه القراءات التي فيها. قال تعالى: ((وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ)) أي: نادى ربه مناجياً داعياً: لا تذرني فرداً، وذكرها الله في سورة مريم، كما قدمنا قبل ذلك أنه قال: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم:٥ - ٦] فقال: ((يَرِثُنِي))، وذكرنا أن الإرث الذي يقصده هنا هو ميراث النبوة، أي: يكون نبياً مثلي، فيرث العلم الشرعي، وإلا فالأنبياء أبعد الناس عن طلب المال أو عن جمع المال من أجل أن يرثهم أولادهم هذا المال، وإنما رأى أن من حوله من الأولياء والعصبات من قومه وأهله لا يصلحون لحمل ميراث النبوة، فالله ذكر أنه نادى ربه هنا وقال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾ [الأنبياء:٨٩] أي: أنا أدعو إليك فإذا مت انقطعت الدعوة بموتي. ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء:٨٩] أي: أنت الذي ترث الأرض ومن عليها، وأنت الذي ترث أمري، وأنت الذي تبعث من بعدي من يدعو القوم، ولكن اجعل لي ولداً يرثني في أمر النبوة والدعوة إليك. قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء:٩٠] أي: بعدما كبر وشاخ في سنه استجبنا له ووهبنا له هذا الغلام يحيى. ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء:٩٠] أي: أن زوجة زكريا كانت عاقراً لا تلد فأصلح الله أمرها، وإذا بها تلد ويكون منها هذا الغلام، فالمعنى: أنا استجبنا له وأصلحنا زوجته فجعلناها تلد وجعلناها أهلاً لذلك، ووهبنا له يحيى على نبينا وعليهم الصلاة والسلام. ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [الأنبياء:٩٠]، يعني: لكونهم كانوا من الصالحين، ما هي أفعالهم؟ ﴿كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠] هذه صفات عظيمة لهؤلاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. فأمر النبي ﷺ أن يذكرهم ويذكر صفاتهم حتى يتأسى بهم صلوات الله وسلامه عليه، ويعلم القوم أحوالهم. قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [الأنبياء:٩٠] العجلة مذمومة إلا أن تكون في الخير وفي المسابقة والمسارعة إلى الخيرات، فليسرع الإنسان لعله لا يدري هل يعيش إلى أن يعمل الخير أو يموت قبله؟! فأي عمل من أعمال الخير بادر إليه وسابق إليه وسارع إليه، فالخير كله من عند الله ، فسارع قبل أن يفوت عليك الخير أو تتبدل نيتك. وقوله: ((وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا)) الرغب: شدة الرغبة فيما عند الله سبحانه، والطمع في كرمه وثوابه ورحمته ، ترجو ما عنده، والرهب: الخوف منه . وكمال العبادة لا يكون إلا بكمال الحب لله وكمال الذل بين يديه . فهؤلاء الأنبياء كانوا يدعون ربهم راغبين فيما عنده، سائليه جنته ، ولذلك قال النبي ﷺ للرجل: (ماذا تقول في صلاتك؟ قال: أسأل الله الجنة وأعوذ به من النار، ولا أدري ما دندنتك ولا دندنة معاذ)، يعني: لا أستطيع أن أدعو بما تدعو به أنت ومعاذ، ولكن أطلب منه الجنة وأستعيذ به من النار، فقال ﷺ له: (حولهما ندندن) أي: دعاؤنا كله حول دخول الجنة والنجاة من النار. فهنا قال: ﴿يَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء:٩٠] فلا يجوز للإنسان أن يقول: إني أدعو ربي محبة ولا أخاف منه، وإلا فربنا سبحانه قد خوفنا في كتابه بأنه شديد العقاب سبحانه، وأنه عزيز ذو انتقام ، ولم يذكر ذلك إلا ليرغبنا في جنته ويرهبنا من عذابه وبطشه وانتقامه، فالعبد المؤمن من كمال عبادته لله سبحانه أن يحب الله ويرغب فيما عنده، وأن يخاف الله ، ويحذر من ناره سبحانه ونقمته وعذابه سبحانه. إذاً: أعظم العبادة ما كانت على الرغبة والرهبة؛ لأن الرغبة وحدها تدفعه في النهاية لأن يكون مرجئاً، وسيترك العمل في النهاية ولا يعمل، وكذلك الإنسان الذي يعبد الله بالخوف وحده يصل في النهاية إلى اليأس ولا حول ولا قوة إلا بالله، لكن الله يرغب ويرهب عباده، فهو ما ذكر الجنة إلا لكي تطلبوا من الله هذه الجنة، وذكر النار ليخوفكم منها وتتعوذوا بالله منها ومن شرها ومن سمومها وجحيمها. وقوله: ﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠] أي: كانوا خاشعين لرب العالمين سبحانه، يدعون ربهم سبحانه ويخشعون ويتواضعون ويذلون أنفسهم لربهم .

стр. 142

تفسير قوله تعالى: (والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها) قال الله تعالى: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:٩١]. يعني: اذكر هذه التي أحصنت فرجها، ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ [الأنبياء:٩١] وذكر في سورة آل عمران وفي سورة مريم تفصيلاً طويلاً في ذلك، وهنا أشار إشارة: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [الأنبياء:٩١]. فهناك ذكر أنها كانت صغيرة السن ونذرتها أمها لخدمة بيت المقدس، فقامت بذلك على أتم التمام وأكمل الكمال وخدمت في بيت الله، وكانت طاهرة مطهرة ﵍، فطهرها الله سبحانه وجعلها سيدة نساء العالمين، وجعل لها في الجنة منزلة عظيمة جداً، وجعلها آية للخلق. قال تعالى: ﴿الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [الأنبياء:٩١] أي: طُهرَتْ وطَهَرَتْ نفسها ولم تقع في دنس أبداً. ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ أي: أرسلنا جبريل روح القدس فنفخ نفخة من روح الله ، فجبريل ﵇ نفخ في جيب درعها نفخة، فقام روح القدس بهذه النفخة. قوله: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ [الأنبياء:٩١]، شرف الله هذه الروح بإضافتها إليه ، فهذه روح الله سبحانه، كما يقال: هذه أرض الله، هذه سماء الله، وهذا بيت الله، والمسيح روح الله، أي: روح خلقها الله وشرفها بإضافتها إليه. وذكر هنا: ((فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا)) [الأنبياء:٩١] وهناك ذكر ((فَنَفَخْنَا فِيهِ)) [التحريم:١٢]. قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:٩١]. أي: جعلناها آية وجعلنا ابنها أيضاً آية، فهو سبحانه جعلهما من أعظم الآيات، ﴿آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:٩١] وذلك أنها حملت بابنها من غير أب، فجعلناها آية كما كان آدم قبل ذلك آية من غير أب ولا أم، وكما كانت حواء آية من ذكر ليست من أنثى، فجعلنا المسيح ابن مريم آية أن جاء من أنثى ليس من ذكر، والله على كل شيء قدير، يخلق ما يشاء، خلق آدم من تراب لا ذكر ولا أنثى، فأوجده ، وأوجد حواء من ذكر فقط، وأوجد المسيح عيسى ابن مريم من أنثى فقط، ويخلق ما يشاء سبحانه وهو على كل شيء قدير. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 143

تفسير سورة الأنبياء [٩٢ - ٩٦] إن دين الأنبياء واحد وهو الإسلام، ودعوتهم واحدة، فكلهم يدعون إلى عبادة الله سبحانه وتوحيده، ولكن الناس عبدوا مع الله غيره فصاروا فرقاً وأحزاباً، كل يعبد من دن الله ما يريد، فالذي يعبد الله وحده ويعمل الصالحات محفوظ عمله عند الله، وإذا أراد الله إهلاك قرية لا يقبل منها توبة، ولا رجوع لها إلى الدنيا مرة أخرى، وإن من علامات الساعة التي ذكرها الله تعالى خروج يأجوج ومأجوج، فإذا خرجوا فقد اقترب موعد قيام الساعة.

стр. 144

تفسير قوله تعالى: (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ * وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ * وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ * حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ﴾ [الأنبياء:٩٢ - ٩٦]. ذكر الله لنا ذكراً عن بعض أنبيائه ورسله عليهم الصلاة والسلام في الآيات السابقة، فذكر أسماء سبعة عشر من الأنبياء وأولادهم، ومنهم السيدة مريم ﵍، ومنهم ذو الكفل على أنه كان نبياً أو كان عبداً صالحاً. بعد أن ذكر هؤلاء الأنبياء قال: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الأنبياء:٩٢] إشارة إلى الأنبياء ومن تبعهم من الأقوام على دين الله ، فالجميع أمة واحدة، ومجتمعون على شيء واحد، وهو توحيد الله . فدين الله هو دين الإسلام الذي ارتضاه لعباده، والذي قال فيه سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]. فالله سبحانه سمانا المسلمين، قال تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج:٧٨] يعني: إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام أسلم نفسه وبدنه ووجهه لله، فوصفنا الله بوصف إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وصار اسماً اختاره الله لهذه الأمة أمة الإسلام، وإن كان دينه سبحانه هو دين الإسلام قبل ذلك، كما كان نوح إذ قال لربه: ﴿وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٩٠]. قال ابن عباس: الأمة بمعنى: الدين، وقال: هو دين الإسلام، فقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الأنبياء:٩٢] يعني: هذا دينكم الذي جاءكم هو دين هؤلاء الأنبياء من قبلكم، وهو دين الإسلام، فذكر الله الأنبياء من لدن نوح إلى النبي ﷺ في هذه السورة وقال: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الأنبياء:٩٢]، أي: هذا دينكم، وحاله أنه دين واحد من عند رب العالمين . قال تعالى: ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٩٢]، الرب واحد والدين واحد، فكيف يتوجه العباد لغير رب العالمين سبحانه بالعبادة. وقوله تعالى: ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٩٢] الجميع يقفون عليها بالسكون، ما عدا يعقوب يقف عليها بالياء: (وأنا ربكم فاعبدوني) وإذا وصلها أيضاً يصلها بالياء يقول: (فاعبدوني * وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنبياء:٩٣].

стр. 145

تفسير قوله تعالى: (وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون) فإذا كان الدين واحداً والرب واحداً، فالذي يخالف هذا الدين يستحق أن يعذبه الله سبحانه. وأخبر عن هؤلاء أنهم ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنبياء:٩٣]، أي تقطعوا هذا الدين فمنهم من عبد الله وهم أهل الإسلام الذين تابعوا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ومنهم من فرق الدين، فذهب لعبادة الأصنام أو عبد الملائكة أو ادعى على الله أن له الصاحبة وأن له الولد، وعبد من دون الله ما لم ينزل به سلطاناً. فقوله تعالى: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ﴾ [المؤمنون:٥٣] أي: قطعوا وفرقوا دينهم فصاروا شيعاً، ومنهم من فرق الدين، فذهب لعبادة الأصنام أو عبد الملائكة، أو ادعى على الله كذباً أن له الصاحبة وأن له الولد، وعبد من دون الله ما لم ينزل به سلطاناً. قال تعالى: ﴿كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾ [الأنبياء:٩٣] هؤلاء الذين زعموا أنهم يعبدون غير الله سبحانه لن يرجعوا إلى هذا الغير، وإنما يرجعون إلى الله سبحانه. فكل هؤلاء أفراداً وجماعات يرجعون إلى الله ليجازيهم ويحاسبهم، فهم فريقان إما أهل الأعمال الصالحة والتوحيد، وإما أهل الشرك والكفر.
следующие страницы →