Полный текст (3 717 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
تفسير قوله تعالى: (وزكريا إذ نادى ربه وكانوا لنا خاشعين)
قال الله تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء:٨٩].
وزكريا نبي من أنبياء بني إسرائيل على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وهو أبو يحيى النبي ﵊، وزكريا هو الذي كفل مريم ﵍، وولده يحيى هو ابن خالة المسيح على نبينا وعليهم الصلاة والسلام، فكان زكريا زوج أخت مريم ومريم أم المسيح ويحيى هو ابن أختها، فهما أبناء خالة.
قوله تعالى: ((وَزَكَرِيَّا)) تقرأ بالمد وبالقصر، وقراءة القصر هي قراءة حفص عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف، كلهم يقرءونها: ((وَزَكَرِيَّا))، وباقي القراء يقرءونها: ((وَزَكَرِيَّاء))، بالمد فيها، وستكون منصوبة، (زكرياءَ) يعني: اذكر زكرياء.
وهؤلاء الذين يقرءونها (زكرياء) لهم قراءتان فيها: الأولى: قراءة ابن عامر وشعبة: ((وَزَكَرِيَّاء إِذْ))، وباقي القراء في الهمزة الأولى يحققونها والهمزة الثانية يسهلونها، فيقول: ((وَزَكَرِيَّاء اِذْ نَادَى رَبَّهُ)) مثلما نقرأ: ﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت:٤٤]، فهذه القراءات التي فيها.
قال تعالى: ((وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ)) أي: نادى ربه مناجياً داعياً: لا تذرني فرداً، وذكرها الله في سورة مريم، كما قدمنا قبل ذلك أنه قال: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم:٥ - ٦] فقال: ((يَرِثُنِي))، وذكرنا أن الإرث الذي يقصده هنا هو ميراث النبوة، أي: يكون نبياً مثلي، فيرث العلم الشرعي، وإلا فالأنبياء أبعد الناس عن طلب المال أو عن جمع المال من أجل أن يرثهم أولادهم هذا المال، وإنما رأى أن من حوله من الأولياء والعصبات من قومه وأهله لا يصلحون لحمل ميراث النبوة، فالله ذكر أنه نادى ربه هنا وقال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾ [الأنبياء:٨٩] أي: أنا أدعو إليك فإذا مت انقطعت الدعوة بموتي.
﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء:٨٩] أي: أنت الذي ترث الأرض ومن عليها، وأنت الذي ترث أمري، وأنت الذي تبعث من بعدي من يدعو القوم، ولكن اجعل لي ولداً يرثني في أمر النبوة والدعوة إليك.
قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء:٩٠] أي: بعدما كبر وشاخ في سنه استجبنا له ووهبنا له هذا الغلام يحيى.
﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء:٩٠] أي: أن زوجة زكريا كانت عاقراً لا تلد فأصلح الله أمرها، وإذا بها تلد ويكون منها هذا الغلام، فالمعنى: أنا استجبنا له وأصلحنا زوجته فجعلناها تلد وجعلناها أهلاً لذلك، ووهبنا له يحيى على نبينا وعليهم الصلاة والسلام.
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [الأنبياء:٩٠]، يعني: لكونهم كانوا من الصالحين، ما هي أفعالهم؟ ﴿كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠] هذه صفات عظيمة لهؤلاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
فأمر النبي ﷺ أن يذكرهم ويذكر صفاتهم حتى يتأسى بهم صلوات الله وسلامه عليه، ويعلم القوم أحوالهم.
قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [الأنبياء:٩٠] العجلة مذمومة إلا أن تكون في الخير وفي المسابقة والمسارعة إلى الخيرات، فليسرع الإنسان لعله لا يدري هل يعيش إلى أن يعمل الخير أو يموت قبله؟! فأي عمل من أعمال الخير بادر إليه وسابق إليه وسارع إليه، فالخير كله من عند الله ، فسارع قبل أن يفوت عليك الخير أو تتبدل نيتك.
وقوله: ((وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا)) الرغب: شدة الرغبة فيما عند الله سبحانه، والطمع في كرمه وثوابه ورحمته ، ترجو ما عنده، والرهب: الخوف منه .
وكمال العبادة لا يكون إلا بكمال الحب لله وكمال الذل بين يديه .
فهؤلاء الأنبياء كانوا يدعون ربهم راغبين فيما عنده، سائليه جنته ، ولذلك قال النبي ﷺ للرجل: (ماذا تقول في صلاتك؟ قال: أسأل الله الجنة وأعوذ به من النار، ولا أدري ما دندنتك ولا دندنة معاذ)، يعني: لا أستطيع أن أدعو بما تدعو به أنت ومعاذ، ولكن أطلب منه الجنة وأستعيذ به من النار، فقال ﷺ له: (حولهما ندندن) أي: دعاؤنا كله حول دخول الجنة والنجاة من النار.
فهنا قال: ﴿يَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء:٩٠] فلا يجوز للإنسان أن يقول: إني أدعو ربي محبة ولا أخاف منه، وإلا فربنا سبحانه قد خوفنا في كتابه بأنه شديد العقاب سبحانه، وأنه عزيز ذو انتقام ، ولم يذكر ذلك إلا ليرغبنا في جنته ويرهبنا من عذابه وبطشه وانتقامه، فالعبد المؤمن من كمال عبادته لله سبحانه أن يحب الله ويرغب فيما عنده، وأن يخاف الله ، ويحذر من ناره سبحانه ونقمته وعذابه سبحانه.
إذاً: أعظم العبادة ما كانت على الرغبة والرهبة؛ لأن الرغبة وحدها تدفعه في النهاية لأن يكون مرجئاً، وسيترك العمل في النهاية ولا يعمل، وكذلك الإنسان الذي يعبد الله بالخوف وحده يصل في النهاية إلى اليأس ولا حول ولا قوة إلا بالله، لكن الله يرغب ويرهب عباده، فهو ما ذكر الجنة إلا لكي تطلبوا من الله هذه الجنة، وذكر النار ليخوفكم منها وتتعوذوا بالله منها ومن شرها ومن سمومها وجحيمها.
وقوله: ﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠] أي: كانوا خاشعين لرب العالمين سبحانه، يدعون ربهم سبحانه ويخشعون ويتواضعون ويذلون أنفسهم لربهم .
стр. 142
تفسير قوله تعالى: (والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها)
قال الله تعالى: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:٩١].
يعني: اذكر هذه التي أحصنت فرجها، ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ [الأنبياء:٩١] وذكر في سورة آل عمران وفي سورة مريم تفصيلاً طويلاً في ذلك، وهنا أشار إشارة: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [الأنبياء:٩١].
فهناك ذكر أنها كانت صغيرة السن ونذرتها أمها لخدمة بيت المقدس، فقامت بذلك على أتم التمام وأكمل الكمال وخدمت في بيت الله، وكانت طاهرة مطهرة ﵍، فطهرها الله سبحانه وجعلها سيدة نساء العالمين، وجعل لها في الجنة منزلة عظيمة جداً، وجعلها آية للخلق.
قال تعالى: ﴿الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [الأنبياء:٩١] أي: طُهرَتْ وطَهَرَتْ نفسها ولم تقع في دنس أبداً.
﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ أي: أرسلنا جبريل روح القدس فنفخ نفخة من روح الله ، فجبريل ﵇ نفخ في جيب درعها نفخة، فقام روح القدس بهذه النفخة.
قوله: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ [الأنبياء:٩١]، شرف الله هذه الروح بإضافتها إليه ، فهذه روح الله سبحانه، كما يقال: هذه أرض الله، هذه سماء الله، وهذا بيت الله، والمسيح روح الله، أي: روح خلقها الله وشرفها بإضافتها إليه.
وذكر هنا: ((فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا)) [الأنبياء:٩١] وهناك ذكر ((فَنَفَخْنَا فِيهِ)) [التحريم:١٢].
قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:٩١].
أي: جعلناها آية وجعلنا ابنها أيضاً آية، فهو سبحانه جعلهما من أعظم الآيات، ﴿آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:٩١] وذلك أنها حملت بابنها من غير أب، فجعلناها آية كما كان آدم قبل ذلك آية من غير أب ولا أم، وكما كانت حواء آية من ذكر ليست من أنثى، فجعلنا المسيح ابن مريم آية أن جاء من أنثى ليس من ذكر، والله على كل شيء قدير، يخلق ما يشاء، خلق آدم من تراب لا ذكر ولا أنثى، فأوجده ، وأوجد حواء من ذكر فقط، وأوجد المسيح عيسى ابن مريم من أنثى فقط، ويخلق ما يشاء سبحانه وهو على كل شيء قدير.
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 143
تفسير سورة الأنبياء [٩٢ - ٩٦]
إن دين الأنبياء واحد وهو الإسلام، ودعوتهم واحدة، فكلهم يدعون إلى عبادة الله سبحانه وتوحيده، ولكن الناس عبدوا مع الله غيره فصاروا فرقاً وأحزاباً، كل يعبد من دن الله ما يريد، فالذي يعبد الله وحده ويعمل الصالحات محفوظ عمله عند الله، وإذا أراد الله إهلاك قرية لا يقبل منها توبة، ولا رجوع لها إلى الدنيا مرة أخرى، وإن من علامات الساعة التي ذكرها الله تعالى خروج يأجوج ومأجوج، فإذا خرجوا فقد اقترب موعد قيام الساعة.
стр. 144
تفسير قوله تعالى: (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ * وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ * وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ * حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ﴾ [الأنبياء:٩٢ - ٩٦].
ذكر الله لنا ذكراً عن بعض أنبيائه ورسله عليهم الصلاة والسلام في الآيات السابقة، فذكر أسماء سبعة عشر من الأنبياء وأولادهم، ومنهم السيدة مريم ﵍، ومنهم ذو الكفل على أنه كان نبياً أو كان عبداً صالحاً.
بعد أن ذكر هؤلاء الأنبياء قال: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الأنبياء:٩٢] إشارة إلى الأنبياء ومن تبعهم من الأقوام على دين الله ، فالجميع أمة واحدة، ومجتمعون على شيء واحد، وهو توحيد الله .
فدين الله هو دين الإسلام الذي ارتضاه لعباده، والذي قال فيه سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣].
فالله سبحانه سمانا المسلمين، قال تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج:٧٨] يعني: إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام أسلم نفسه وبدنه ووجهه لله، فوصفنا الله بوصف إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وصار اسماً اختاره الله لهذه الأمة أمة الإسلام، وإن كان دينه سبحانه هو دين الإسلام قبل ذلك، كما كان نوح إذ قال لربه: ﴿وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٩٠].
قال ابن عباس: الأمة بمعنى: الدين، وقال: هو دين الإسلام، فقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الأنبياء:٩٢] يعني: هذا دينكم الذي جاءكم هو دين هؤلاء الأنبياء من قبلكم، وهو دين الإسلام، فذكر الله الأنبياء من لدن نوح إلى النبي ﷺ في هذه السورة وقال: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الأنبياء:٩٢]، أي: هذا دينكم، وحاله أنه دين واحد من عند رب العالمين .
قال تعالى: ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٩٢]، الرب واحد والدين واحد، فكيف يتوجه العباد لغير رب العالمين سبحانه بالعبادة.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٩٢] الجميع يقفون عليها بالسكون، ما عدا يعقوب يقف عليها بالياء: (وأنا ربكم فاعبدوني) وإذا وصلها أيضاً يصلها بالياء يقول: (فاعبدوني * وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنبياء:٩٣].
стр. 145
تفسير قوله تعالى: (وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون)
فإذا كان الدين واحداً والرب واحداً، فالذي يخالف هذا الدين يستحق أن يعذبه الله سبحانه.
وأخبر عن هؤلاء أنهم ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنبياء:٩٣]، أي تقطعوا هذا الدين فمنهم من عبد الله وهم أهل الإسلام الذين تابعوا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ومنهم من فرق الدين، فذهب لعبادة الأصنام أو عبد الملائكة أو ادعى على الله أن له الصاحبة وأن له الولد، وعبد من دون الله ما لم ينزل به سلطاناً.
فقوله تعالى: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ﴾ [المؤمنون:٥٣] أي: قطعوا وفرقوا دينهم فصاروا شيعاً، ومنهم من فرق الدين، فذهب لعبادة الأصنام أو عبد الملائكة، أو ادعى على الله كذباً أن له الصاحبة وأن له الولد، وعبد من دون الله ما لم ينزل به سلطاناً.
قال تعالى: ﴿كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾ [الأنبياء:٩٣] هؤلاء الذين زعموا أنهم يعبدون غير الله سبحانه لن يرجعوا إلى هذا الغير، وإنما يرجعون إلى الله سبحانه.
فكل هؤلاء أفراداً وجماعات يرجعون إلى الله ليجازيهم ويحاسبهم، فهم فريقان إما أهل الأعمال الصالحة والتوحيد، وإما أهل الشرك والكفر.
стр. 146
تفسير قوله تعالى: (فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه)
قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [الأنبياء:٩٤].
هذا قيد، فقد يفعل الرجل من الكفار عملاً صالحاً، ولكن لا يقبل منه؛ لأنه ليس مؤمناً، فشرط قبول العمل أن يكون العامل مؤمناً بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾ [الأنبياء:٩٤] للتبعيض لم يقل: من يعمل الصالحات؛ لأنه قليلٌ من يعمل كل الصالحات، بل لعله من التكليف بما لا يطاق، أن كل إنسان يعمل كل الأعمال الصالحة، ولكن الله تكرم على العباد فجعل الإنسان يعمل من الصالحات، فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
فقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [الأنبياء:٩٤] أي: عمل أعمالاً صالحة وكان مؤمناً فهذا لا كفران لسعيه.
قال تعالى: ﴿فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾ [الأنبياء:٩٤] الكفران بمعنى: الستر، وبمعنى: التضييع، وبمعنى: الجحد، ومنه الكافر، سمي كافراً لكونه جحد فقال: لا يوجد إله، فكأنه غطى على هذه المعلومة ولم يخرجها ولم يقل بها.
والكافر أيضاً: الزارع، وهو الفلاح الذي يضع البذرة في الأرض ويغطي عليها التراب، فهذا كفرها أي: غطاها بالتراب لكي تظهر بعد ذلك.
فهذا يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار، فهؤلاء زراع وهؤلاء زراع، ولكن عبر في الثاني بالكفار؛ لأن المقصود: أنه زارع، ولكنه من هؤلاء الكفرة، فيعجب الزراع المؤمنين الذين زرع الله في قلوبهم الإيمان فنبت أعمالاً صالحة، فتغيظ منهم الكفرة الذين كفروا ربهم، فستروا أمر الله ، وكأنهم قالوا: لا إله، وعبدوا مع الله آلهة أخرى، وجحدوا نعم الله ، فوجهوا العبادة لغير الله سبحانه، فهؤلاء الكفار مصيرهم النار، والمؤمنون لا كفران لسعيهم، يعني: لن نضيعه، ولن نستره، ولن نغطيه، ولكن نظهره يوم القيامة في كتاب، وسنجزيهم عليه أعظم الثواب.
وقوله تعالى: ﴿لِسَعْيِهِ﴾ [الأنبياء:٩٤] أي: ما سعاه، وما تعب فيه، واجتهد وعمل الصالحات.
قال تعالى: ﴿وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾ [الأنبياء:٩٤] يطمئن الخلق أن لا شيء يضيع عندنا، فالله لا ينسى شيئاً ولكن يطمئنك، ستجد صحيفتك يوم القيامة، وكل أعمالك موجودة في هذه الصحيفة، فيوم القيامة لا يضيع شيء مما عملته.
ويفهم من هذه الآية أن الذين يعملون السيئات سيكون عقابهم شديداً، وعذابهم أليماً، وتظهر أعمالهم التي عملوها، ولا شيء يضيعه الله ، بل كل شيء يُكتب في كتاب.
стр. 147
تفسير قوله تعالى: (وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون)
قال الله سبحانه: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء:٩٥].
أي: يحرم عليهم أن يرجعوا، فإذا أهلكناهم لن نرجعهم مرة أخرى إلى الدنيا.
قرئت: (حرام) وهذه قراءة الجمهور، وقرئت: (وحرم على قرية) وهي بنفس المعنى، مثل: حلال وحل، حرام وحرم.
فالجمهور يقرءونها: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ [الأنبياء:٩٥]، وأما شعبة عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف يقرءون: (وحرم على قرية) أي: هذا محرم عليهم، إذا جاءهم العذاب فأهلكناهم فلا رجوع إلى هذه الدنيا.
إذاً: على هذا المعنى فإن قوله تعالى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء:٩٥] كأن (لا) بمعنى: (ما) الموصولة، وكأنه حرام رجوعهم، فيكون حراماً رجوع هؤلاء الناس إلى هذه الدنيا مرة ثانية.
وهم يتمنون الرجوع عند الله ويقولون: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون:٩٩] لكن الله يقول: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء:٩٥] فحرام بمعنى: وجب ولزم عدم رجوعهم إلى الدنيا.
وهناك معنى آخر اختاره ابن عباس ﵁ وهو: لا يرجعون بالتوبة، يعني: حظرنا عليهم التوبة، فالله لا يقبل التوبة في موضعين: إذا جاء العذاب من عند الله سبحانه وعاينه الكفار فلا يقبل توبتهم.
والحالة الثانية: عند الغرغرة وخروج نفس الإنسان، وكأن المعنى على هذا: أنه حرمنا ومنعنا قبول التوبة من هؤلاء في هذا الحين، حين يرون العذاب.
قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾ [يونس:٩٨] لم يحصل ذلك.
﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا﴾ [يونس:٩٨] أحسوا بأنه سيأتي العذاب بمغادرة الرسول المكان فتابوا إلى الله قبل أن يعاينوا العذاب.
قال الله تعالى: ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ [يونس:٩٨] هذه القرية الوحيدة التي حذرهم نبيهم ﵊ العذاب، ثم ترك القرية وركب البحر وخرج عنهم، فإذا بهم يستيقنون أن العذاب سيأتي مادام أن النبي ﵊ تركهم، فتابوا إلى الله فقبل الله منهم.
فهذه هي القرية الوحيدة التي قبل منهم، فإذا جاء العذاب من عند الله على قرية منع عنهم قبول التوبة، فالتوبة لا تقبل إلا من الإنسان الذي يعرف أن هذا غيب، فهو لا يرى الجنة ولا يرى النار ولا يرى الله ، ولكنه مستيقن بذلك في قلبه، فتاب خائفاً من الله، راجياً رحمته، مرعوباً ومرهوباً من ناره، هذا هو الذي تقبل منه التوبة.
فقوله تعالى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء:٩٥] أي: أنهم لا يتوبون، فقد منعنا عنهم التوبة في ذلك، أو منعنا القبول للتوبة حين يعاينون العذاب.
стр. 148
تفسير قوله تعالى: (حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج)
стр. 149
من أخبار ذي القرنين
قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ﴾ [الأنبياء:٩٦] قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ [الأنبياء:٩٦] قبيلتان من أعظم القبائل التي خلقها الله ، وهم قبيلتان من بني آدم، وقدمنا ذكرهم في سورة الكهف.
وجاء في حديث طويل في صحيح مسلم ذكر هؤلاء الناس، وذكرت قصتهم في سورة الكهف.
قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي القرنين﴾ [الكهف:٨٣] وذو القرنين عبد من عباد الله الصالحين مكن له ربه في الأرض، قال تعالى: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ [الكهف:٨٤] يعني: يصل إلى أي مكان في الأرض يريد الله أن يصل إليه فيسبب له الأسباب، فقد وصل إلى مشرق الشمس وإلى مغرب الشمس بتيسير من الله سبحانه.
واتبع ذو القرنين الأسباب حتى وصل إلى قوم لم يجعل الله لهم من دون الشمس سبباً أو ستراً، والله على كل شيء قدير، يجعل لأناس عقولاً يفكرون فيكون بينهم وبين الشمس ستر، ويجعل لغيرهم من الناس قلة حيلة، فلا يعرفون أن يستتروا من الشمس بشيء، فهؤلاء لا بيوت لهم يستترون بها من الشمس.
قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف:٨٩] فـ ذو القرنين وصل إلى مطلع الشمس ووصل إلى مغرب الشمس، ثم أتى إلى قوم ﴿لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ [الكهف:٩٣] والقراءة الأخرى: (لا يكادون يُفقِهون قولا) يعني: لا يعرفون أن يتكلموا بكلام يفهم منهم، وهم أنفسهم لا يفهمون ما يقال، يعني: لسانه غير لسانهم، فلا يفهم منهم ما يقولون، فهم يتكلمون بلغة غريبة عليه فلا يكادون يُفقِهونه أو يفهمونه ما يريدون أن يقولوه، والغرض: أنهم أفهموه أن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض، قال الله تعالى: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ [الكهف:٩٤] أي: ندفع لك ضريبة وتضع بيننا وبينهم سداً.
قال تعالى: ﴿قَالَ مَا مَكَّنِي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ [الكهف:٩٥] أي: لن أنتظر ضرائبكم، فالله قد أعطاني خيراً عظيماً، لكن أعينوني بما عندكم من آلات، قال تعالى: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكهف:٩٦] أي: رفع الحديد بين الجبلين وجعل حديداً وفوقه نحاساً، فجعل سداً عظيماً بينه وبين هؤلاء وأفرغ عليه من القطر، أي: النحاس، حتى لا يخرج هؤلاء القوم، فحبسهم الله .
قال تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ [الكهف:٩٧] أي: لم يستطيعوا أن يقفزوا من فوقه، قال تعالى: ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف:٩٧] أي: لم يستطيعوا أن يخرقوا فيه خرقاً يخرجوا منه؛ لأن هذا أمر الله .
فلما حبسهم ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ [الكهف:٩٨] فهذا أمرٌ مؤقت إلى أن تأتي علامات الساعة، فمن علامات الساعة أن يخرجوا من هذا المكان.
قال تعالى: ﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ [الكهف:٩٨] أي: لا بد أن يقع ذلك.
هنا قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ﴾ [الأنبياء:٩٦] فقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ﴾ [الأنبياء:٩٦] قراءة الجمهور، وقراءة ابن عامر وأبي جعفر ويعقوب: (حتى إذا فُتِّحت).
وقوله تعالى: ﴿يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ [الأنبياء:٩٦] هذه قراءة عاصم فقط، وباقي القراء يقرءون: (ياجوج وماجوج).
стр. 150
كثرة عدد يأجوج ومأجوج
قال الله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ﴾ [الأنبياء:٩٦] المعنى: من كل مكان مشرف ومرتفع، فكأنهم من كل مكان يخرجون على الناس لكثرة عددهم.
وسبحان الله لا أحد يعرف أين هم الآن، فقد حجبهم الله من أيام ذي القرنين، لكنهم موجودون يقيناً، فالله هو الذي أخبر بذلك، والله لا يخبرنا بشيء لا يكون أبداً ، فهم موجودون، ولكنّ الإنسان جاهل، ومع ذلك يدعي أنه عرف كل شيء في الكون، وهو بجهله يعلم في نفسه أنه لم يعرف كل شيء، ولكن يتعالم ويتعالى.
فهم يتكلمون مثلاً عن مثلث برمودا، فأمريكا لم تعرف ما هو سر هذا المثلث، فلا طائرة تصل إليه إلا اختفت، فقد أرسلوا سرباً من الطائرات للبحث عن طائرة ضاعت هناك، فلم تعد الطائرة ولم يعد السرب، فأرسلوا سفناً إلى تلك الأماكن فلم تعد تلك السفن، ويكتمون ذلك ويقولون: مكان مجهول من الأرض لا نعرف ما فيه، فهنا يعجزهم الله فلا يعرفون ما هناك، ولا يعرفون أين اختفت الطائرات من سنة سبع وأربعين حتى الآن.
فإذا أخبرنا الله أن هناك مكاناً في الأرض فيه سد موجود ووراءه هؤلاء القوم وأنهم كثرة كاثرة، فلا يقول الإنسان: أين هم؟ قد طفنا الأرض كلها، فأنت لم تعرف كل شيء في الأرض، فإن في الأرض أماكن لا يعرف الإنسان ما هو الشيء الموجود فيها، فالله سبحانه أخبرنا أنه سترهم خلال هذه الفترة، وأخبر عنهم أنهم سيخرجون ومن كل حدب ينسلون.
والنسل يعني: الإيجاد السريع، أي: يخرج بسرعة، فكأن هؤلاء في وقت خروجهم يفتح الله السد الذي حبسهم به فيخرجون إلى الناس، وهو السد الذي بناه عليهم ذو القرنين، فهم في كل يوم يحاولون خرق هذا السد ولكنهم لا يستطيعون، ولكن في كل يوم يفتحون منه شيئاً، فيقول كبيرهم في آخر هذا اليوم: غداً نفتحه فنخرج على الناس ولا يستثني بقول: إن شاء الله، فيعود السد كما كان وتغلق تلك الفتحة فيقومون في الصباح فيجدون السد قد أغلق، وهكذا حتى يأتي وعد الله، فيقول كبيرهم: غداً إن شاء الله نفتحه، فتبقى الفتحة كما هي، فإذا جاء الصباح أكلموا فتحه وخرجوا على الخلق، فيأكلون ما في الأرض من نبات، ويشربون ما في الأرض من مياه، ويهلكون أهل الأرض.
стр. 151
فتح ردم يأجوج ومأجوج
روى البخاري ومسلم من حديث زينب بنت جحش ﵂ أن النبي ﷺ استيقظ يوماً من نومه وهو يقول: (لا إله إلا الله! ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه)، وضم إصبعيه السبابة والإبهام، فكأنها عدد العشرة، فالنبي ﷺ يقول: إن يأجوج ومأجوج فتحوا اليوم من ردمهم كهذا، إذاً: سيستطيعون أن يفتحوا الباقي ويأتي أمرهم ويأتي شرهم.
قال: (ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه -وعقد سفيان بيده عشراً- قالت أي السيدة زينب بنت جحش ﵂ قلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟) يعني: يخرج هؤلاء ويأتي الشر ويأتي البلاء حتى لو كان فينا الصالحون (قال: نعم إذا كثر الخبث)، فقد يكون الصالحون كثيرين وأهل المعاصي موجودين، ولكن الصالحين لا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.
إذاً: فأهل الصلاح تغافلوا عن أهل المعاصي وكثر أهل المعاصي، ولم يقدر لهم أحد على شيء، فيأتي عذاب الله والفتنة، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥] فالبلاء يأتي على الجميع، وهؤلاء يخرجون على الجميع.
стр. 152
حديث الدجال آخر الزمان
في حديث رواه مسلم عن النواس بن سمعان (أن رسول الله ﷺ ذكر الدجال ذات غداة فخفض فيه ورفع حتى ظنناه في طائفة النخل، فلما جئنا إليه عرف ذلك فينا، قال: ما شأنكم؟ قلنا: يا رسول الله ذكرت الدجال غداة فخفضت فيه ورفعت -يعني: ذكرت من أمره الذي أفزعنا وخوفنا منه فقال النبي ﷺ : غير الدجال أخوفني عليكم، إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم) يعني: كأنه يوصي ربه بأن يخلفه على كل مسلم، ويطلب ذلك من ربه .
ثم ذكر لهم صفاته وكيف يعتصمون منه، قال: (إنه شاب قطط عينه طافية كأني أشبهه بـ عبد العزى بن قطن).
فقوله: (شاب قطط) يعني: شعره جعد وقوله: (عينه طافئة) وفي رواية: (طافية)، كأنه أعور.
قال: (فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف) ولذلك أوصانا النبي ﷺ بحفظ الآيات العشر الأول من سورة الكهف، وعشر آيات أخيرة من سورة الكهف.
قال: (إنه خارج خلة بين الشام والعراق فعاث يميناً وعاث شمالاً، يا عباد الله! فاثبتوا.
قلنا: يا رسول الله! وما لبثه في الأرض؟ قال: أربعون يوماً، يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة وسائر أيامه كأيامكم)، يعني: سيعيش في الأرض أربعين يوماً، ولكن من هذه الأربعين يوم كسنة حقيقية، ولذلك سألوا النبي ﷺ (قالوا: يا رسول الله، فذلك اليوم الذي كسنة تكفينا فيه صلاة يوم؟ فقال ﷺ : لا، اقدروا له قدره) معناه: أن الشمس تطلع وتغرب فيكون هذا اليوم ثلاثمائة وستين يوماً تمر على العباد أو أقل من ذلك فقال: (اقدروا له)، أي: تحدد وقتك بالزمن ما بين الفجر والظهر وما بين الظهر والعصر، وما بين العصر والمغرب، يعني: تحسب أوقات الصلاة بالساعات.
قال: (قلنا: يا رسول الله! وما إسراعه في الأرض؟ قال: كالغيث استدبرته الريح) يعني: كالريح تأتي شديدة، وقليل يأتي منها الغيث، فهذا كالغيث الذي استدبرته الريح.
قال: (فيأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون به ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذرى وأسبغه ضروعا وأمده خواصر).
أي: يأتي على قوم من الناس يفتنهم فيقول: أنا ربكم، فيؤمنون به، فعندما يؤمنون به، يأمر السماء أن أمطري، فينزل المطر عليهم، ويأمر الأرض أن أخرجي الحب وتنبت لهم، وتصير الإبل والبقر والغنم أعظم ما تكون في السمن، ويذهب الدجال إلى أناس آخرين فيكفرون به، قال: (ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله، فينصرف عنهم فيصبحون ممحلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم).
وهذه فتنة عظيمة لهؤلاء المؤمنين الصالحين، فإذا بأرضهم بعد أن كانت تنبت تكون يابسة، ولا مطر ينزل عليهم.
قال: (ويمر بالخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك، فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل) أي: مثل ذكور النحل، فتتبعه الذهب والفضة وكنوز الأرض.
قال: (ثم يدعو رجلاً ممتلئاً شباباً فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض، ثم يدعوه فيقبل ويتهلل) وهذا أفضل أهل الأرض إيماناً في ذلك الحين ومن أعظم الشهداء، فأخبر رسول الله ﷺ أنه يدعوه ثم يطلب منه أن يؤمن به فيرفض أن يؤمن به، فيضربه بالسيف فيقطعه نصفين ويمشي بين شقيه لكي يخيف الناس.
قال: (ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه ويضحك، فيسأله: أتؤمن بي؟ فيقول: ما ازددت فيك إلا بصيرة بأنك المسيح الكذاب الذي أخبرنا عنه النبي ﷺ ، فيريد أن يقتله مرة ثانية فلا يسلط عليه، يعني: هو لن يقتل إلا رجلاً واحداً يقتله مرة ويحييه مرة، ولا يسلط عليه بعد ذلك؛ لأن الله يخزيه أمامهم.
قال: (فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح بن مريم فينزل عند المنارة البيضاء في دمشق بين مهرودتين) يعني: يلبس ثوبين، قال: (واضعاً كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ) يعني: كأنه خارج من حمام، ما زال يتصبب عرقه مثل الجوهر واللؤلؤ، وهيئة الإنسان النظيف الخارج من الحمام يتساقط منه ماؤه، فهذا المسيح صلوات الله وسلامه عليه يخرج على الناس على هذه الصورة.
قال: (فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه)، فالله يفعل ما يشاء، فالإنسان يشم رائحة نفس المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام ويموت، ونفسه يصل إلى منتهى طرفه، فهذا شيء عجيب من أمر الله، أنه يهلك الكفار الموجودين بأنفاس المسيح صلوات الله وسلامه عليه، ونفسه يصل إلى حيث ينتهي طرفه.
قال: (حتى يدركه بباب لد) أي: في مكان اسمه لد قال: (فيقتله، ثم يأتي عيسى بن مريم قوم قد عصمهم الله منه، فيمسح عن وجوههم) يعني: الناس الذين عصمهم الله من الدجال، يأتون المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فيربت عليهم ويمسح على وجوههم ويحدثهم صلوات الله وسلامه عليه بدرجاتهم في الجنة.
стр. 153
خروج يأجوج ومأجوج وإفسادهم ونهايتهم
قال: (فبينما هو كذلك) وهذا هو الجزء المقصود من الآية، قال: (إذ أوحى الله إلى عيسى: إني قد أخرجت عباداً لي لا يدان لأحد بقتالهم) أي: يخرج يأجوج ومأجوج.
إذاً: المسيح الدجال يخرج أولاً، ثم يقتله المسيح صلوات الله وسلامه عليه، ثم بعد ذلك يخرج يأجوج ومأجوج.
قال تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ﴾ [الأنبياء:٩٦] يعني: يخرجون سراعاً من كل جبل ومن كل مكان، فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية في فلسطين فيشربون ما فيها.
قال ﷺ : (ويمر آخرهم فيقول: لقد كان بهذه مرة ماء، ويحصر نبي الله عيسى وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيراً من مائة دينار).
إذاً: المسيح لن يسلط على يأجوج ومأجوج، فإذا بهم يختبئون ويحصرون في مكان إلى أن يكون رأس الثور الذي يشتريه الناس بدراهم قليلة يساوي مائة دينار، أي: يساوي نصف كيلو من الذهب، من قلة الطعام ومن قلة الزاد، قال: (فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه فيدعون ربهم فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم) فبعدما يفسدون في الأرض ويظنون أنهم قد أهلكوا من على الأرض، ولا يوجد على الأرض إلا المؤمنون الذين اختبئوا مع المسيح ﵊، فإذا بيأجوج ومأجوج يقولون: نهلك من في السماء، فيوجهون نشابهم إلى السماء فيفتنهم الله، وينزل إليهم رماحهم مخضبة دماً.
فيقولون: إذاً أهلكنا من في السماء.
فبينما هم على ذلك يدعو المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام ربه، فإذا بالله يهلك هؤلاء بأحقر ما يكون، فيرسل عليهم النغف، وهي دود تكون في أنوف الإبل والأغنام، يرسلها على هؤلاء في أقفائهم فتأكلهم هذه الدود.
وانظروا إلى الإنسان المتكبر كيف يحقره الله ويسلط عليه أضعف خلقه، فهذه الديدان الصغيرة التي تكون في أنوف الإبل لا تؤذيها، فتكون في هؤلاء فتؤذيهم وتهلكهم، قال: (فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة، ثم يهبط نبي الله عيسى ﷺ وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم).
فإن أعداد هؤلاء القوم تملأ الدنيا، فلا يستطيع أحد أن يدفنهم، فقد ملئوا الأرض نتناً؛ بسبب أبدانهم الميتة، قال: (فيرغب نبي الله عيسى ﵊ وأصحابه إلى الله، فيرسل الله طيراً كأعناق البخت) فالله يخلق ما يشاء، يرسل طيراً مثل أعناق البخت، والبخت: نوعٌ من أنواع الإبل.
قال: (فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله) تنزل الطيور من السماء تأخذهم وترميهم حيث شاء سبحانه.
أما آثارهم على الأرض قال: (ثم يرسل الله مطراً لا يكن منه بيت مدر ولا وبر، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلقة، ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك، وردي بركتك، فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة).
العصابة: المجموعة من الناس عشرة فما دونهم، كل عشرة يأكلون رمانة واحدة لبركتها.
(ويستظلون بقحفها) أي: هذه الرمانة يستظل بها عشرة أفراد.
قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:٩٦] أي: لو أنهم آمنوا لفتحت عليهم بركات السماء، يعني: المطر، وبركات الأرض، يعني: الثمار.
قال: (ويبارك في الرسل -يعني: اللبن- حتى إن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس) يعني: الجماعة من الناس، واللقحة: اللبون، قال: (واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس) والفخذ من الناس: الذين هم جماعة أقل من القبيلة، يعني: غنمة واحدة تكفي مجموعة كبيرة، والبقرة تكفي قبيلة كاملة، والواحدة من الإبل تكفي عدداً ضخماً من الناس بحليبها.
قال ﷺ : (فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحاً طيبة).
فالله كريم ورحيم ، يريد أن يقبض هؤلاء العباد الذين صبروا بريح طيبة يشمونها، فيموتون، قال: (فتأخذهم تحت آباطهم فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم)، ريح طيبة من عند الله تأخذهم تحت آباطهم، أو ريح طيبة بمعنى: نسيم عليل طيب تأتي كل إنسان تحت إبطه فيموت.
أما الكفار ما زالوا أحياء، فهم الذين سيبقون عليها، قال: (ويبقى شرار الخلق، يتهارجون فيها تهارج الحمر فعليهم تقوم الساعة).
وفي الحديث الآخر: (لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق) هم هؤلاء الذين لا يقال فيهم: الله الله، ولا يعرفون الله، فإذا ذكر أحد الله يقولون: قد كان يقال ذلك، فهؤلاء يتهارجون، ويهرج بمعنى: يجامع، فالرجل يأتي المرأة ويزني بها في الشارع أمام الناس، ويفعلون ذلك مثل الحمير، هؤلاء شرار الخلق الذين تقوم عليهم الساعة.
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 154
تفسير سورة الأنبياء [٩٧ - ١٠٣]
أنزل الله كتابه الكريم لهداية البشر وإخراجهم من الظلمات إلى النور، وبين لهم في كتابه ما ينتظرهم من ثواب إن أطاعوه سبحانه، وما ينتظرهم من عقاب وعذاب إن أعرضوا عنه وكفروا به وقد امتلأ القرآن الكريم بالآيات التي تتحدث عن يوم القيامة وأهوالها، وعن الجنة والنار، وعن الحساب، وعن كل ما يحدث في ذلك اليوم العسير، وكذلك وردت الأحاديث الكثيرة عن النبي ﷺ التي تتكلم عن ذلك، وهذه الآيات من سورة الأنبياء تتكلم عن أهوال يوم القيامة، وعن نعيم الجنة وعذاب النار.
стр. 155
لا رجوع للقرى التي كتب الله إهلاكها ولا قبول لتوبتهم عند نزول العذاب
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
أما بعد: قال الله في سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ * إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ * لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ * لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لا يَسْمَعُونَ * إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٧ - ١٠٣].
أخبر الله في بداية هذه الآيات أنه حرم على قرية أهلكها أن يرجعوا إليها، أي: لا يرجعون إلى الدنيا بعد إهلاكهم، وإنما يبعثون يوم القيامة فيحاسبون.
أو: أنه إذا جاءهم العذاب ورأوه معاينة فقد حرم الله في هذه الحالة قبول التوبة منهم، قال تعالى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء:٩٥]، أي: لا تقبل منهم التوبة فيرجعون بها.
ثم ذكر علامة من علامات الساعة فقال: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ﴾ [الأنبياء:٩٦]، أي: تخرج هاتان القبيلتان من كل حدب، والحدب: المكان المرتفع من الأرض، والمحدب منها، كالتلال والجبال والكثبان فيخرجون من وراء هذا كله، ومن كل مكان يسرعون في الأرض إفساداً وإتلافاً وخراباً.
стр. 156
تفسير قوله تعالى: (واقترب الوعد الحق)
قال سبحانه: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ [الأنبياء:٩٧].
يعني: خروج العلامات الكبرى للقيامة كـ المسيح الدجال، ويأجوج ومأجوج، ونزول المسيح عيسى بن مريم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وغير ذلك من العلامات العشر الكبرى للساعة، وعندها تقترب الساعة ويحين وقتها.
قال تعالى: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٩٧]، أي: اقتربت القيامة.
(فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا) وشخص البصر بمعنى: حملق إلى الشيء، أي: نظر إليه من غير أن تطرف عيناه.
وهذا فيه بيان مدى الرعب الذي يكون فيه الإنسان، فإنه يفتح عينيه ولا يغلقهما ولا تطرفان ولا ترمشان، وإنما هما شاخصتان، وحالهم أنهم قائلون: ﴿يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [الأنبياء:٩٧]، أي: كنا في غفلة عن يوم القيامة وعن التوبة إلى الله ، فقد رأوا ما كانوا قبل ذلك ينكرونه ويتغافلون عنه.
قال تعالى: (فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي: من يوم القيامة، ويقولون: (يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ).
فيكون الجواب لهم: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٨] فعندما تقوم الساعة ويخرجون من قبورهم للجمع للموقف العظيم بين يدي رب العالمين يقفون ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [إبراهيم:٤٣]، أي: قائمين بين يدي الله ﵎.
وهو هنا يذكر حالهم ويبين مدى الذل الذي هم فيه، فيقول: (مُهْطِعِينَ)، أي: مسرعين إلى الموقف العظيم، فالكل يتجه إلى مكان واحد ولا يتيه أحد منهم عنه، قال تعالى: (مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ) وقنع برأسه أي: وضع الرأس ورفع بصره إلى مكانه، فالرأس موضوع من الذل، والبصر ينظر إلى مكان شاخص في هذا المكان من الهول ولا يقدر على أن يطبق بصره.
стр. 157
تفسير قوله تعالى: (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم)
قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٨].
والحصب: الحجارة، فهم من حصب جهنم التي وقودها الناس والحجارة والعياذ بالله.
قال ابن عباس ﵁: لما أنزل: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٨]، شق على كفار قريش؛ لأن قوله: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ) يعني: هم وأصنامهم وكل ما يعبدون من دون الله حجارة في نار جهنم، فقالوا: شتم آلهتنا وذهبوا إلى ابن الزبعرى من كبرائهم فقالوا له: كذا، وسفه آلهتنا وشتمنا فقال هذا الرجل: لو حضرته لرددت عليه.
أي: ظن في نفسه أنه سيقول شيئاً ويرد على النبي ﷺ بها.
فقالوا: وما كنت تقول؟ قال: كنت أقول له: هذا المسيح تعبده النصارى، واليهود تبعد عزيراً، أفهما من حصب جهنم؟! يعني: أنت تقول: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء:٩٨] فعلى ذلك المسيح في النار وعزير في النار، فأعجبت مقالته قريشاً وفرحوا بها ورأوا أنهم غلبوا النبي ﷺ ورفعوا أصواتهم، وقالوا: خصم محمد! فأنزل الله قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠١].
يعني: المسيح ﵊ وعزيراً، قد سبقت لهما من الله الحسنى، وليسا داخلين في هذه الآية.
وأنزل الله : ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف:٥٧] أي: يصرخون ويصخبون ويقولون: خصمنا محمداً وغلبناه.
قال تعالى: ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف:٥٨]، أي: قوم شديد والخصومة بالباطل من غير أن يفهموا ما يقولون، وكأنهم كانوا يقولون: خصمنا محمداً وغلبناه، ﴿أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ [الزخرف:٥٨]، أي: آلهتنا خير أم المسيح خير؟ وأنت تقول: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّم﴾ [الأنبياء:٩٨]، أي: فيكون الكل في النار، فكذلك المسيح في النار، فقال الله لهم في هذه الآية: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف:٥٧]، أي: قال لهم: لا تفرحوا بهذا الشيء، فإن المسيح ﵊ وعزيراً ممن سبقت لهم منا الحسنى، فلا يردون ولا يدخلون النار مع من يدخل.
قال سبحانه: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٨]، يعني: داخلون في هذه النار مع الآلهة التي عبدتموها من دون الله ﵎.
стр. 158
تفسير قوله تعالى: (لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها)
قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾ [الأنبياء:٩٩]، أي: ليس من المعقول أن الإله يدخل النار.
قال سبحانه: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٩] وكل: أي: العابد والمعبود، فالذين عبدوا من دون الله آلهة باطلة وهم واردون النار مع من عبدهم، فالكل محبوسون فيها ولا يخرجون منها، وهم فيها خالدون.
قال تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٠] والزفير: خروج النفس.
والمعنى: تشبيه هؤلاء في نار جهنم بالحمير، فالحمار عندما ينهق يخرج زفيراً وزعيقاً ويأخذ شهيقاً، فكذلك هؤلاء عند بكائهم وصراخهم في النار كهيئة الحمير، وأما الصور فهي بشعة والنار مظلمة سوداء ملتهبة مستعرة على أهلها متجهمة لهم، وهم فيها يصرخون ولا يستجيب لهم أحد أو يجيرهم، فيستغيثون ولا يغيثهم أحد.
قال تعالى: ﴿وَهُمْ فِيهَا لا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٠]، أي: لا يسمعون شيئاً؛ لأنهم يحشرهم الله عمياً وبكماً وصماً، فلا يسمعون إلا صوت العذاب الذي نزل بهم وأصوات أهل النار.
فمعنى قوله: (لا يسمعون)، أي: لا يسمعون شيئاً؛ لقوله سبحانه: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ [الإسراء:٩٧].
وقيل: (لا يسمعون)، أي: لا يسمعون ما يسرهم، وإنما يسمعون صراخ أهل النار، وأصوات الملائكة الموكلة بعذابهم والعياذ بالله.
يقول ابن مسعود ﵁: (إذا بقي من يخلد في النار في جهنم جعلوا في توابيت من نار)، والعياذ بالله.
فأهل النار هذا حالهم؛ يصرخون في البداية ويسألون الله ، قائلين: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٧] فيجيبهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨] وعندما يقول لهم ذلك ييئسون من الخروج.
يقول ابن مسعود: (هؤلاء الباقون في نار جهنم والعياذ بالله يجعلون في توابيت من نار، وتجعل التوابيت في توابيت أخرى فيها مسامير من نار، فلا يسمعون شيئاً ولا يرى أحد منهم أن في النار من يعذب غيره)، أي: كل واحد منهم يرى نفسه هو وحده الذي يعذب ولا يرى غيره والعياذ بالله، ولا يسمع إلا صوت نفسه في هذا العذاب.
стр. 159
تفسير قوله تعالى: (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون)
قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠١]، وهم أهل الإيمان الذين أحسنوا، قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦].
وقد قدر لهم سبحانه بفضله وكرمه عندما خلقهم أن يكونوا في الجنة، فقد سبقت لهم من ربهم الحسنى، فأرشدهم وهداهم ووفقهم فعبدوه وماتوا على الإسلام، فكانت لهم الحسنى وزيادة، نسأل الله أن يجعلنا منهم.
قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠١]، أي: عن النار.
قال تعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٢].
فالنار لها حس، والحس والحسيس بمعنى: الحركة التي تسمع، فكأن نار جهنم وهي مشتعلة ومستعرة لها صوت اللهب في حركته واستعاره، وهذا هو حسيس النار، فالمؤمنون لا يسمعون حسيسها، فقد أنجاهم الله منها، وأبعدهم عنها، بعد أن مروا فوق الصراط.
قال تعالى: ﴿وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٢] فيقال لأهل الجنة: (إن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً، وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً).
فأهل الجنة يعيشون في خلود بلا موت، كما جاء في حديث النبي ﷺ : (يؤتى بالموت على هيئة كبش أملح، ويوضع على قنطرة بين الجنة والنار وينادى: يا أهل الجنة! فيشرئبون، - أي: يطلعون - وينادى: يا أهل النار! فيشرئبون، فيقال: أتعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، نعرفه هو الموت، فيأمر بذبحه بين الجنة والنار).
فييئس أهل النار من الرحمة فلا موت ولا خروج من النار، وأما أهل الجنة فيفرحون، فهم لن يخرجوا من الجنة، وليس هناك موت مرة أخرى، فقد ماتوا الموتتين، أما الأولى فعندما كانوا عدماً، ثم خلقهم فأحياهم الحياة الأولى، ثم أماتهم الموتة الثانية، وهي الموتة التي أدخلتهم في قبورهم، ثم أحياهم للبعث والنشور، وهذه الحياة الثانية فلا يوجد موت بعد ذلك، وإنما هي حياة دائمة أبداً.
قال تعالى: ﴿وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٢]، أي: فيما اشتهوا من طعام الجنة ومن ثمارها ومن خمرها ومن لبنها ومن مائها ومن عسلها ومن نعيمها، ومن الحور العين، ومما شاءوا من قصور وبساتين، فلهم فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وهم فيها خالدون.
стр. 160
تفسير قوله تعالى: (لا يحزنهم الفزع الأكبر)
стр. 161
معنى نفي حزن المؤمنين من الفزع الأكبر
قال تعالى: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٣].
أي: لا يخافون من الفزع الأكبر، وهو أهوال يوم القيامة وقيل: هو الوقت الذي يأمر فيه الله بالعباد إلى النار.
وقد جاء في الحديث أن الله يقول يوم القيامة: (يا آدم أخرج بعث النار فيقول: كم يا رب؟! فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار، وواحد إلى الجنة، فذاك يوم يجعل الولدان شيباً)، أي: تشيب الرءوس من هوله، فمن الواحد الذي سينجو من كل ألف؟ فهذا هو الفزع الأكبر في يوم القيامة.
وقيل: الفزع الأكبر: إذا أطبقت النار على أهلها، وذبح الموت بين الجنة والنار.
وقيل: هو: القطيعة والفراق، أي: عندما يفترقون، فمنهم إلى الجنة ومنهم إلى النار، فأهل الإيمان الذين سبقت لهم الحسنى لا يفزعون ولا يخافون، فقد طمأنهم الله بما صنع بهم من رحمة.
وقوله تعالى: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء:١٠٣] هذه قراءة الجمهور.
وقراءة أبي جعفر: (لا يُحْزِنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ) من الفعل الرباعي أحزن، وباقي القراء يقرءونها من الفعل الثلاثي حزن.
قال تعالى: ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ [الأنبياء:١٠٣] أي: وهم داخلون الجنة، يقولون: (هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ) فيطمئنهم الله ويبشرهم، كما قال تعالى: ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأحقاف:١٣].
وتتلقاهم الملائكة بالتحية وبالسلام وبالإكرام ويقولون: أبشروا، ﴿هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٣] وهي من الوعد لا من الوعيد، فقد وعدكم الله بحسن الجزاء وبحسن اللقاء وبحسن المثوبة.
стр. 162
يوم القيامة يتبع كل أناس معبودهم
وقد وصف لنا النبي ﷺ يوم القيامة وما يكون فيها من أهوال، وما يكون في الجنة من نعيم في حديث طويل رواه إسحاق بن رهويه في مسنده وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا والطبراني والآجري في الشريعة والدارقطني والحاكم وصححه.
وكذلك رواه ابن مردويه والبيهقي وصححه الشيخ الألباني ﵀ عن ابن مسعود ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (يجمع الله الناس يوم القيامة وينزل الله في ظلل من الغمام، فينادي مناد: يا أيها الناس! ألا ترضون من ربكم الذي خلقكم وصوركم ورزقكم أن يولي كل إنسان منكم ما كان يعبد في الدنيا ويتولى؟ أليس ذلك من ربكم عدلاً؟! قالوا: بلى).
والمعنى: أن ربنا يوم القيامة يأتي بفصل القضاء بين العباد ثم يقول لخلقه: ألا يرضى كل من كان يعبد شيئاً في الدنيا ويتولاه أن يتبع هذا الذي كان يعبده ويتولاه؟ أليس هذا عدلاً من ربكم؟ فيقولون: بلى.
قال: (فلينطلق كل إنسان منكم إلى ما كان يتولى في الدنيا، ويتمثل لهم ما كانوا يعبدون في الدنيا).
فكل من كان يعبد إلهاً في الدنيا يتبعه يوم القيامة.
قال: (فيمثل لمن كان يعبد عيسى شيطان عيسى)، أي: شيطان على هيئة عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ويتبعونه إلى النار.
قال: (ويمثل لمن كان يعبد عزيراً شيطان عزير، حتى يمثل لهم الشجرة والعود والحجر).
فكل معبود كانوا يعبدونه من دون الله يمثل لهم يوم القيامة، فالذي كان يعبد الحجر يتبع هذا الحجر ويمشي وراءه حتى يدخل معه النار، ومن كان يعبد الشجر يمثل له هذا الشجر فيتبعه إلى النار، ومن كان يعبد العجول والبهائم وغيرها تمثل له يوم القيامة فيتبعها إلى النار، ومن كان يعبد المسيح والعزير عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام يمثل له شياطين في هيئة هؤلاء فيتبعونه إلى النار.
стр. 163
موقف المؤمنين يوم القيامة وسجودهم لربهم
قال ﷺ : (ويبقى أهل الإسلام جثوماً فيتمثل لهم الرب فيقول لهم: ما لكم لم تنطلقوا كما انطلق الناس؟!)، أي: يأتيهم الله في صورة غير الصورة التي يعرفون، والله يفعل ما يشاء ﵎، وهذا من الغيب الذي نؤمن به كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه.
قال: (فيقولون: إن لنا رباً ما رأيناه بعد، فيقول: فبم تعرفون ربكم إن رأيتموه؟ قالوا: بيننا وبينه علامة إن رأيناه عرفناه) والعلامة هي التي جاءت في الآية: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم:٤٢]، فالعلامة أن يكشف عن ساق.
(قال: وما هي؟ قالوا: يكشف عن ساق.
فيكشف عند ذلك فيخر كل من كان يسجد طائعاً ساجداً)، أي: المؤمنون الذين كانوا يصلون لله يسجدون مختارين راغبين راهبين لرب العالمين، فيخرون سجداً لله ويوفقهم الله ويعينهم على ذلك، نسأل الله أن يجعلنا منهم.
قال: (ويبقى قوم ظهورهم كصياصي البقر يريدون السجود فلا يستطيعون)، أي: تصير ظهورهم كأذناب البقر يريدون أن يسجدوا فلا يستطيعون السجود،؛ لأن ظهورهم تصبح طبقة واحدة، وهؤلاء هم المنافقون.
قال: (ثم يؤمرون فيرفعون رءوسهم -أي: المؤمنون- فيعطون نورهم على قدر أعمالهم)، أي: بعد أن سجدوا لله يعطون النور، ويعطى كل أحد من المسلمين نوراً بقدر عمله.
قال ﷺ : (فمنهم من يعطى نوره مثل الجبل بين يديه، ومنهم من يعطى نوره فوق ذلك، ومنهم من يعطى نوره مثل النخلة بيمينه، ومنهم من يعطى نوره دون ذلك بيمينه، حتى يكون آخر ذلك من يعطى نوره على إبهام قدميه يضيء مرة ويطفأ مرة، فإذا أضاء قدم قدمه، وإذا طفئ قام).
فيعطون النور يوم القيامة حتى يمروا في ظلماتها، وحتى يمروا فوق الصراط على ظهر جهنم إلى الجنة.
стр. 164
المرور على الصراط
قال: (فيمرون على الصراط، والصراط كحدّ السيف دحض مزلة).
والصراط: جسر مضروب على ظهر جنهم مثل الشعرة، وحده كحد السيف، وهو (دحض مزلة)، أي: يزل الذي يمشي فوقه.
قال ﷺ : (فيقال لهم: انجوا على قدر نوركم)، أي: مروا على قدر نوركم.
قال: (فمنهم من يمر كانقضاض الكوكب)، أي: مثل الكوكب الدري اللامع في السماء عندما ينقض سريعاً.
قال: (ومنهم من يمر كالطرف)، أي: مثل أن تغمض عينيك وتفتحهما.
قال: (ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كشد الرجل ويرمل رملاً، ويمرون على قدر أعمالهم حتى يمر الذي نوره على إبهام قدمه يجر يداً ويعلق يداً)، أي: كأنه يحبو على يديه؛ لأنه خائف أن ينزلق ويسقط من فوق الصراط.
قال: (ويجر رجلاً ويعلق رجلاً)، أي: تكون إحدى رجليه على الصراط والأخرى معلقة خارج الصراط، ويد يمسك بها والثانية معلقة.
قال: (وتصيب جوانبه النار، فيخلصون، فإذا خلصوا قالوا: الحمد لله الذي نجانا منك بعد الذي أرانا، لقد أعطانا الله ما لم يعط أحداً من العالمين)، أي: هؤلاء المتأخرون عندما يمرون والله أعلم كم سيأخذون من السنين ومن العمر حتى يمروا فوق الصراط الذي على ظهر جهنم بهذه الصورة، فهم يمشون مرة ويكبون مرة، وتلفحهم النار أخرى، وتخطفهم الكلاليب من حول النار، فمن الناس من هو ناج مسلم، ومنهم من هو مخدوش ومن هو مكردس في النار، أي: يقع في نار جهنم والعياذ بالله.
قال: (فينطلقون إلى ضحضاح عند باب الجنة فيغتسلون فيعود إليهم ريح أهل الجنة وألوانهم) وذكر لنا هؤلاء الذين هم آخر من يدخل الجنة لكي نتخيل ما ينالون، وعليه كم سينال السابقون؟ قال: (ويرون من خلل باب الجنة -وهو يصفق- منزلاً في أدنى الجنة فيقولون: ربنا! أعطنا ذلك المنزل)، فبعد أن نجوا من النار بدءوا يطلبون أن يقتربوا من الجنة.
قال: (فيقول لهم: أتسألون الجنة وقد نجيتكم من النار؟ فيقولون: ربنا! أعطنا هذا الباب لا نسمع حسيسها)، يعني: اجعل هذا الباب الذي هو باب الجنة حائلاً بيننا وبين النار؛ لكي لا نسمع حسيس النار ولا نسمع صوتها، فكأنهم إلى هذا الحين وهم يسمعون صوت النار التي أنجاهم الله منها.
قال: (فيقول لهم: لعلكم إن أُعْطِيتُمُوهُ أن تسألوا غيره؟ فيقولون: لا وعزتك لا نسأل غيره، وأي منزل يكون أحسن منه؟ قال: فيدخلون الجنة، ويرفع لهم منزل أمام ذلك).
في حديث آخر قال: (إنهم قبل مجيئهم عند الجنة يمثل لهم شجرة فينظرون إليها، فيقول أحدهم: رب أدنني من هذه الشجرة أكل من ثمرتها وأشرب من مائها وأستظل بظلها، فيقول له ربه سبحانه: لعلي إن أعطيتك أن تسألني غيرها، فيقول: لا يا رب! وعزتك لا أسألك غيرها؟ وربنا سبحانه يعلم أنه لا يطيق ما يراه - فيغفر له ويسامحه ويعفو عنه - فيقربه منها، فإذا مكث تحتها مثل له أخرى أفضل منها وأبعد منها، فينظر فترة ثم يقول: يا رب! أدنني من هذه، فيقول له سبحانه: يا ابن آدم! ما أغدرك؟ ألم تعطني العهود والمواثيق ألا تسألني غيرها؟! فيقول: يا رب! لا أسألك غيرها، وعزتك لا أسألك غيرها، فيدنيه منها سبحانه ﵎ ويأخذ عليه العهود والمواثيق ألا يسأل غيرها، فإذا بالعبد يطلب غيرها، والله سبحانه يريد أن يعطيه وإنما مثل له ذلك؛ ليريه فضله ﵎ وكرمه عليه).
وقال في هذا الحديث: (ويرفع لهم منزل أمام ذلك كأن الذي رأوا قبل ذلك حلم عنده، فيقولون: ربنا أعطنا ذلك المنزل، فيقول: لعلكم إن أعطيتموه أن تسألوا غيره؟! فيقولون: لا وعزتك! لا نسأل غيره، وأي منزل أحسن منه؟ فيعطونه، ثم يرفع لهم أمام ذلك منزل آخر كأن الذي رأوا قبل ذلك حلم عند هذا الذي رأوا، فيقولون: ربنا! أعطنا ذلك المنزل فيقول: لعلكم إن أعطيتموه أن تسألوا غيره؟! فيقولون: لا وعزتك! لا نسأل غيره، وأي منزل أحسن منه؟ ثم يسكتون)، أي: يستحون من ربهم سبحانه.
قال: (فيقول لهم: ما لكم لا تسألون؟! فيقولون: ربنا قد سألناك حتى استحيينا).
стр. 165
أدنى أهل الجنة منزلة
قال: (فيقال لهم: ألا ترضون أن أعطيكم مثل الدنيا منذ خلقتها إلى يوم أفنيتها وعشرة أضعافها؟! فيقولون: أتستهزئ بنا وأنت رب العالمين؟).
قال مسروق: فلما بلغ عبد الله بن مسعود راوي الحديث هذا المكان من الحديث ما بلغه إلا ضاحكاً، وكلما يذكر هذا الحديث يضحك عندما يصل إلى هذا المكان، فقال: (سمعت رسول الله ﷺ يحدث مراراً، فما يبلغ هذا المكان من الحديث إلا ضاحكاً، حتى تبدو لهواته)، يعني: يبدو آخر ضرس من أضراسه.
قال: (فيقول: لا، ولكني على ذلك قادر فاسألوني، فيقولون: ربنا ألحقنا بالناس، فيقال لهم: الحقوا الناس؛ قال: فينطلقون يرملون في الجنة حتى يبدو لرجل منهم في الجنة قصراً من درة مجوفة، فيخر ساجداً، فيقال له: ارفع رأسك، فيرفع رأسه ويقول: رأيت ربي.
فيقال: إنما هذا منزل من منازلك.
فينطلق ويستقبله رجل، فيتهيأ للسجود فيقال له: مالك؟! فيقول: رأيت ملكاً.
فيقال له: إنما ذلك قهرمان من قهارمتك).
وهو قد ظنه ملكاً من ملوك الجنة، فيقال له: هذا خادم من خدمك الذين يخدمونك في الجنة.
قال: (عبد من عبيدك، فيأتيه فيقول له: إنما أنا قهرمان من قهارمتك على هذا القصر، تحت يدي ألف قهرمان كلهم على ما أنا عليه، فينطلق به عند ذلك حتى يفتح له القصر، وهي درة مجوفة سقائفها وأغلالها وأبوابها ومفاتيحها منها، فيفتح له القصر فيستقبله جوهرة خضراء مبطنة بحمراء سبعون ذراعاً، فيها ستون باباً كل باب يفضي إلى جوهرة على غير لون صاحبتها، في كل جوهرة سرر وأدراج ونصائف، أو قال: ووصائف، فيدخل فإذا هو بحوراء عيناء عليها سبعون حلة، يرى مخ ساقها من وراء حللها، كبدها مرآته وكبده مرآتها، إذا أعرض عنها إعراضة ازدادت في عينه سبعين ضعفاً عما كانا قبل ذلك، فتقول: لقد ازددت في عيني سبعين ضعفاً، ويقول لها مثل ذلك.
قال: فيشرف ببصره على ملكه مسيرة مائة عام) وهذا الرجل من أواخر من يدخل الجنة.
ولما سمع عمر بن الخطاب هذا الحديث الذي يحدث به عبد الله بن مسعود قال لـ كعب الأحبار وقد كان أولاً يهودياً من كبرائهم وعلمائهم ثم أسلم: يا كعب! ألا تسمع إلى ما يحدثنا ابن أم عبد عن أدنى أهل الجنة ما له، فكيف بأعلاهم؟! فقال كعب: يا أمير المؤمنين! ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، إن الله كان فوق العرش والماء، فخلق لنفسه داراً بيده، فزينها بما شاء وجعل فيها من الثمرات والشراب، ثم أطبقها فلم يرها أحد من خلقه منذ خلقها، جبريل ولا غيره من الملائكة، ثم قرأ الآية: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة:١٧].
قال: وخلق دون ذلك جنتين فزينهما بما شاء، وجعل فيهما ما ذكر من الحرير والسندس والإستبرق، وأراهما من شاء من خلقه من الملائكة، فمن كان كتابه في عليين نزل تلك الدار، فإذا ركب الرجل من أهل عليين في ملكه لم يبق خيمة من خيام الجنة إلا دخلها من ضوء وجهه، حتى إنهم ليستنشقون ريحه ويقولون: واها لهذه الريح الطيبة، ويقولون: لقد أشرف علينا اليوم رجل من أهل عليين، قال عمر: ويحك يا كعب إن هذه القلوب قد استرسلت فاقبضها)، يعني: إن قلوبنا اشتاقت للجنة، وسنجلس نحلم بها ولا نعمل شيئاً لها، فاقبضها وذكرنا بغيرها.
стр. 166
أهوال النار
فقال كعب: (يا أمير المؤمنين! إن لجهنم زفرة ما من ملك ولا نبي إلا يخر لركبته، حتى يقول إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليه وعلى نبينا: رب! نفسي نفسي، وحتى لو كان عمل سبعين نبياً إلى عملك لظننت أن لن تنجو منها).
أي: لا تغتر بما سمعت عن الجنة، فاسمع ما في النار فهو أشد، فعلى الإنسان المؤمن أن يدعو ربه رغباً ورهباً كما كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فيرغب في الجنة فيسمع أحاديثها فتتوق نفسه فيعمل، ويتذكر النار فيهرب ويخاف منها، ويسمع ما جاء فيها من وعيد فيحذر على نفسه، فهو بين الخوف والرجاء يعبد ربه سبحانه خائفاً من بطشه ومن عذابه راجياً رحمة الله.
стр. 167
تفسير سورة الأنبياء [١٠٤ - ١١٢]
لقد كتب الله أن العاقبة للمتقين، وأنه يورث الأرض عباده الصالحين، وقد امتن على البشرية بأن أرسل محمداً ﷺ رحمة للعالمين، وأوحى إليه لينذر الناس ويدعوهم إلى دين الله، فإن أجابوا أفلحوا، وإن أعرضوا فالحكم لله وهو المستعان على ما يصفون.
стр. 168
عقوبة أهل النار
الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وسلم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
أما بعد: قال الله في سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ * وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ * وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ * قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ * إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ * وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ * قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٤ - ١١٢].
هذه هي الآيات الأخيرة من هذه السورة الكريمة، سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، يخبرنا فيها ربنا ﵎ عما يكون يوم القيامة من عقوبة لأهل النار، ومن ثواب لأهل الجنة.
فأما المشركون الذين عبدوا غير الله فقد أخبر الله ﵎ أنه: جعلهم حطباً لجهنم، فقال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء:٩٨] أي: وقود لها، كما قال تعالى: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة:٢٤]، والمقصود بالناس هنا الكفرة المشركون، والحجارة أي: التي كانوا يعبدونها من دون الله ، ﴿أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ * لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ * لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنبياء:٩٨ - ١٠٠].
فهؤلاء هم أهل النار الذين يخلدون في نار جهنم، والعياذ بالله.
﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ﴾ [هود:١٠٦] أي: أصوات كنهيق الحمير، ﴿وَهُمْ فِيهَا لا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٠]، أي: لا يسمعون كلاماً يطمئنهم أو يريحهم، أو كلاماً فيه رحمة، فلا يسمعون إلا صوت العذاب، ولا يسمعون إلا لهيب النار، وصوت حركتها وحسيسها.
стр. 169
ثواب أهل الجنة
وأما المؤمنون الذين من الله عليهم، وسبقت لهم من ربهم الحسنى، فقد قال تعالى عنهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ [الأنبياء:١٠١]، أي: وعدهم الله بالجنة، وخلقهم حين خلقهم وهو يعلم أنهم لهذه الجنة صائرون، فقد قال تعالى مخبراً عن جزائهم: ﴿أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠١]، أي: عن النار مبعدون.
﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء:١٠٢] أي: صوتها، وحس الحركة: لهيبها.
﴿وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء:١٠٢ - ١٠٣]، أي: لا يحزنهم يوم القيامة، ولا يحزنهم تفرق الناس، فريق في الجنة وفريق في السعير، فريق شقي وفريق سعيد، فلا يحزنون يوم القيامة فقد طمأنهم الله سبحانه.
﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٣]، فيستبشرون بكلام الملائكة لهم، ويستبشرون بهذا اليوم، حيث إنهم صائرون إلى الجنة.
стр. 170
تفسير قوله تعالى: (يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب)
يوم القيامة قال مخبراً عنه: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٤].
فقوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ﴾ [الأنبياء:١٠٤]، مثل قوله تعالى: ﴿وَالسماوات مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧]، .
فتخيل هذه السماوات التي خلقها الله ﵎ ولم نر منها إلا الشيء اليسير من هذه النجوم والكواكب، والأجرام المواجهة للأرض، فكم يكون حجمها؟! إن حجمها عظيم لا يتخيل، وجميعها يطويها الله ﵎، فيطوي السماوات كلها بيمينه.
وقوله تعالى: ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء:١٠٤]، فالسجل هو جلدة الكتاب وما بداخلها، فهو الكتاب نفسه، فكأنه يقول: الصفحات نطويها، ويغلق الكتاب على ما فيه.
فيطويها كلها ويقفلها على بعضها، ويضم بعضها إلى بعض ، قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء:١٠٤]، وهذه قراءة الجمهور.
وقرأ أبو جعفر: ((يوم تطوى السماء كطي السجل للكتاب)).
وأما قراءة: ﴿لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء:١٠٤]، فهي قراءة حفص عن عاصم، وحمزة والكسائي وخلف، وأما باقي القراء فقرءوا: ((للكتاب)).
والمعنى: أنك كما تطوي الكتاب وتغلقه، فيضم بعضها إلى بعض، وهذا الكلام الذي يقوله علماء الفلك اليوم، فهم يقولون: إن الكون كله كان شيئاً واحداً، ثم انفجر انفجاراً عظيماً، فلا يزال يتباعد، ويوسع الله السماوات والأجرام، ويبعد بعضها عن بعض إلى درجة معينة، هذا هو كلام علماء الفلك، ولا يهمنا كلامهم بشيء، إلا أنه قد قاله الله من قبل.
فقد أخبر سبحانه أنه خلق السماوات والأرضين، وأنه سيجمعهم مرة ثانية، هؤلاء علماء الفلك الكفار يقولون: إن السماوات والأرض سيرجعن وينضم بعضهن إلى بعض، وقد أخبر بهذه الحقيقة وأنه سيوسع هذا الكون كما قال سبحانه: ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات:٤٧]، فهو يوسع الكون لدرجة معينة حسب كلام علماء الفلك، وسيصل إلى أن سرعة الاتساع تقل وتقل، حتى يصبح الكون هو القوة الطاردة المركزية التي تبتعد لبعيد، وتصبح قوة الشد بين الكواكب مع بعضها متساوية، ثم لابد في النهاية من أن تزيد واحدة على الأخرى، وهنا يبتدئ الاقتراب حتى تنكمش كلها في الأرض، وهنا تطوى السماوات والأرضون، وكل شيء يطوى مرة أخرى.
لا يهمنا نحن المسلمين ما وصلوا إليه، ولكن الذي يهمنا أن هذا الكلام قد قاله الله قبل أن يعرفوا شيئاً من ذلك، فقد أخبر الله أنه يعيد الخلق مرة ثانية، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ﴾ [إبراهيم:٤٨]، لقد طوى الجميع، وبدل السموات والأرضين بما يشاء ، وهذه كقوله تعالى في هذه الآية: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ﴾ [الأنبياء:١٠٤]، أي: بدأنا الخلق الأول، وسنعيده مرة ثانية، فنعيد السموات، ونعيد الأرض غير هذه الأرض، فتكون الجنات، ويكون ما لا نراه الآن، فيظهره الله بعد ذلك، كما قال: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء:١٠٤].
﴿وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٤]، وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً، وأول الخلق يكسى يوم القيامة إبراهيم ﵊، ثم تلا هذه الآية: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء:١٠٤]) والحديث رواه مسلم، ولفظه عن ابن عباس ﵁ قال: (قام فينا رسول الله ﷺ خطيباً بموعظة، فقال: يا أيها الناس! إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلاً) يعني: مثلما خلق الإنسان، وخرج إلى الدنيا حافياً عارياً غير مختون، كذلك يحشر يوم القيامة على هذه الصورة.
قال: (وتلا ﷺ هذه الآية: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٤]، ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم ﵇.
стр. 171
تفسير قوله تعالى: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر)
قال الله : ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٥].
يخبر تعالى هنا أنه وعد وكتب عنده في الكتب السماوية: ﴿أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٥]، ولابد من أن يكون هذا الشيء.
وقد اختلف المفسرون هنا في المراد بهذه الأرض، فبعضهم ذكر أنها هذه الأرض التي في الدنيا، يعني: أن الله يفتح لدينه، فإذا بالناس يدخلون في دين الله أفواجاً، وتفتح الأرض لدين الإسلام، ولا يبقى بيت مدر ولا حجر إلا دخله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام وأهله، وذلاً يذل به الكفر وأهله.
ولذلك قال هنا: ﴿وَعْدًا عَلَيْنَا﴾ [الأنبياء:١٠٤]، إذاً: هنا الأرض مثلما كانت مكة للمؤمنين مع نبينا ﵊، وكان وعداً من الله أن يجعل المستضعفين هم الذين يمكنون في الأرض، فكذلك جعل لهذه الأمة التمكين يوماً من الأيام.
فإذا اقتربت الساعة، ونزل المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، لم يبق على الأرض دين إلا الإسلام، فالمسيح ﵇ لا يقبل الجزية من نصراني أو يهودي، ولا يقبل إلا الإسلام فقط، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ولا يكون إلا دين الله الذي هو دين الإسلام فقط، وهو الذي يحكم به المسيح صلوات الله وسلامه عليه.
ثم بعد ذلك يرسل الله ريحاً، فتقبض أرواح المؤمنين جميعاً، ولا يبقى إلا شرار الخلق، فيرجعون إلى الكفر مرة ثانية، ولا يعرفون لهم إلهاً حتى يفنيهم الله، وعليهم تقوم الساعة.
فالمقصود أن الله وعد المؤمنين بأنه سيورثهم هذه الأرض بالفتوحات والنصر منه ﵎ كما يشاء.
والمعنى الآخر: أن المقصود بالأرض في الآية الجنة، يعني: أن الله كتب أنه يورث هذه الجنة لعباده الصالحين، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء:١٠٥] والزبور هنا معناه: المزبور، وهو المكتوب، فالزبور هنا بمعنى: الكتاب، وهو الصحيفة أو الصحف التي نزلت على داود على نبينا وعليه الصلاة والسلام.
وقيل: إن الزبور كل الكتب السماوية، والزبر: الكتب.
وفي هذه الآية قراءتان: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ﴾ [الأنبياء:١٠٥]، هذه قراءة الجمهور.
وقرأ حمزة وخلف: ((ولقد كتبنا في الزبور)).
الزبور إما جمع زبر بمعنى: صحيفة أو مكتوب، أو جمع زبر بمعنى: كتاب، أو جمع زبور بمعنى: كتاب.
فعلى ذلك قالوا في قوله تعالى: ﴿فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء:١٠٥]، الذكر: أم الكتاب الذي هو عند الله ، وهو: أصل الكتاب في اللوح المحفوظ الذي عند الله، فنسخ من هذا اللوح المحفوظ إلى الكتب السماوية التي نزلت على الأنبياء والمرسلين، وهي التوراة، والإنجيل، وصحف إبراهيم، والقرآن العظيم، وزبور داود، فكتب الله في اللوح المحفوظ، ونسخ من اللوح المحفوظ في هذه الكتب السماوية: ﴿أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٥].
وقيل: بل معنى الزبور: زبور داود، وإن القرآن كتب من قبلها، قالوا: فالذكر المقصود به هنا القرآن، ولذلك قالوا: إن المقصود بقوله تعالى هنا: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء:١٠٥]، أي: من بعدما كتبنا ذلك في القرآن والزبور وأنزلنا هذه الكتب: أن الأرض بوعد من الله يورثها عباده الصالحين، فقال: ﴿أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٥] ﴿وعِبَادِيَ﴾ [الأنبياء:١٠٥] فيها قراءتان: قراءة الجمهور: (عباديَ الصالحون)، بالفتح.
وقراءة حمزة: (عباديْ الصالحون)، بالسكون.
فإذا وقف عليها فـ يعقوب يقف: ((عِبَادِيَ الصَّالِحُونَه)) بهاء السكت.
стр. 172
تفسير قوله تعالى: (إن في هذا لبلاغاً)
قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٦]، هنا يخبر بأنه قد أبلغ، فقال: ﴿بَلاغٌ﴾ [إبراهيم:٥٢]، يعني: هذا بلاغ من رب العالمين سبحانه ﵎، وهذا كقوله تعالى: ﴿بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الأحقاف:٣٥]، فقد أبلغنا أعظم البلاغ.
فقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي هَذَا﴾ [الأنبياء:١٠٦]، أي: الذي آتيناكم به فيه البلاغ العظيم من رب العالمين، وهو ليس لأي أحد، وإنما: ﴿لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٦]، أي: لمن يعبد الله ويعرف حق الله سبحانه، ويتقرب إلى ربه، فهذا فيه البلاغ له، وفيه التذكرة والموعظة.
стр. 173
بيان إرسال الرسول رحمة للعالمين
قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧].
فهو رحمة لرب العالمين، والعالمين: جميع العالم من الإنس والجن، فهم جميع الخلق، والله أرسل محمداً صلوات الله وسلامه عليه رحمة للخلق جميعهم، فهو رحمة للإنس والجن وللمؤمنين والكافرين والدواب، ورحمة للدواب، ورحمة لخلق الله جميعاً.
ويكفي النظر في تشريعه الذي جاء به صلوات الله وسلامه عليه للتعرف على هذه الرحمة صلوات الله وسلامه عليه، فقد أرسل رحمة، كما قال الله : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٣]، فما كان الله ليعذبهم، ولا يستحق العذاب غير الكفار، وإنما قال له: أنت أمان لهؤلاء الكفار، فلن نعذبهم مادمت فيهم، فكان رحمة لهم، صلوات الله وسلامه عليه، فلم يخسف بهم الأرض، ولم يرسل عليهم حاصباً من السماء، ولم يغرقهم ولم يرسل عليهم الطوفان، أو الجراد، أو القمل، أو الضفادع، أو الدم، والله على كل شيء قدير، فكان رحمة بذلك.
ولما آذوه أشد الأذى ﷺ دعا ربه قائلاً: (اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف) وسلامه عليه، فإذا بالله يمنع عنهم المطر، وتجدب الأرض، ويشتد عليهم الحر، فإذا بهم يتعبون، ويجوعون، ولا يجدون ما يأكلون حتى أكلوا كل شيء، فقد أكلوا من أوراق الأشجار، وجلود الحيوانات والبهائم الميتة، فلما اشتد عليهم ذلك ذهبوا للنبي ﷺ وناشدوه بالله وبالرحم الذي بينهم وبينه، إلا سأل ربه أن يكشف عنهم ما هم فيه، فهو رحمة للعالمين صلوات الله وسلامه عليه.
فنسي ما كانوا يفعلونه به وبأصحابه، ودعا ربه أن يرفع عنهم ذلك، قال سبحانه: ﴿إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ [الدخان:١٥]، أي: عائدون للكفر والتكذيب مرة ثانية، وسترجعون إلينا يوم القيامة فنجازيكم، فكان رحمة للعالمين صلوات الله وسلامه عليه.
ولما فتحت مكة، وقال سعد بن عبادة ﵁: اليوم يوم الملحمة.
أي: هذا يوم الالتحام، ويوم الحرب والقتل، فقالوا للنبي ﷺ ، ما قال سعد بن عبادة فقال: (بل اليوم يوم المرحمة) صلوات الله وسلامه عليه، فقد كان رحمة للعالمين.
وفي شرعه العظيم منعنا من الأذى، وأمرنا أن نقتل أنواعاً من الدواب، وقال ﷺ : (خمس يقتلن في الحل والحرم)، فما أمرنا أن نقتل إلا شيئاً مؤذياً، (الفأرة، والكلب العقور، والحدأة، والغراب، والحية)، هذه التي تؤذي الناس أمرنا بقتلها، وأما غير ذلك فلم يأمرنا بقتلها، بل إنه نهى عن قتل النمل إن كان لا يؤذي، ونهى عن قتل النحل، ونهى عن قتل الشيء الذي لا يؤذي، فلا تقتل ما لا يؤذيك، فإذا صار مؤذياً فحينها يقتل للأذى والضرر الذي فيه، فكان رحمة صلوات الله وسلامه عليه.
وقد أخبرنا أن من أسباب إنزال الله للمطر من السماء على أهل الأرض ما ذكره بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:٩٦].
وقد جاء لهم بهذا الدين العظيم الذي فيه الإيمان، فيؤمنون به فتنزل عليهم البركات من السماء والأرض، كما حدث أن فتح الله الفتوح العظيمة، فكان الإسلام يفتح كل بيت فيأتي الله بالرزق العظيم لعباده الصالحين.
وكان رحمة للخلق صلوات الله وسلامه عليه في أخلاقه الحسنة، فكان الأسوة العظيمة، والقدوة الطيبة الطاهرة صلوات الله وسلامه عليه.
فقد عرفه المؤمنون وعرفه الكفار، فكانوا يقولون عنه ﷺ : الصادق الأمين، وكانوا يأتمنونه ولم يعرفوا منه غدراً قط ولا خيانة صلوات الله وسلامه عليه.
فقد كان يقول: (لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة أعين).
وقد عرفه أهل الكتاب بصفة الرحمة، فقد جاء في الحديث الذي رواه الترمذي.
وهو حديث صحيح عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: (خرج أبو طالب إلى الشام، وخرج معه النبي ﷺ في أشياخ من قريش، فلما أشرفوا على الراهب هبطوا فحلوا رحالهم، فخرج إليهم الراهب).
وقد من الله على قريش برحلة إلى الشام ورحلة إلى اليمن، في الشتاء والصيف، فقال تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش:٣ - ٤]، فأخذه عمه أبو طالب في قافلة قريش المتوجهة إلى الشام، فلما وصلوا إلى أطراف الشام في تجارة والنبي ﷺ صغير معهم، فإذا بالراهب الذي في ذلك المكان ينزل إليهم، وذلك كما في الحديث.
(خرج إليهم الراهب، وكانوا قبل ذلك يمرون به فلا يخرج إليهم، ولا يلتفت، فجعل يتخللهم الراهب حتى جاء فأخذ بيد رسول الله ﷺ وقال: هذا سيد العالمين، هذا رسول يبعثه الله رحمة للعالمين.
فقال له أشياخ من قريش: ما علمك؟ - أي: كيف عرفت هذا الشيء؟ - قال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلا خر ساجداً) فرأى ذلك هذا الراهب، وهي آية من آيات الله له.
قال الراهب: (ولا يسجد الشجر والحجر إلا لنبي، وإني أعرفه بخاتم النبوة أسفل غضروف كتفه مثل التفاحة) أي: أنه أخذه وفحصه ورأى كتفه، فوجد فيه خاتم النبوة مثل التفاحة وهي: غدة من اللحم على ظهره ﷺ في أسفل غضروف الكتف، مثل التفاحة.
(ثم رجع فصنع لهم طعاماً، إكراماً للنبي ﷺ ، فلما أتاهم به كان النبي ﷺ يرعى الإبل، فقال: أرسلوا إليه، قال: فأقبل وعليه غمامة تظله من حر الشمس)، فكان يمشي ﷺ وفوقه سحابة تظل رأسه صلوات الله وسلامه عليه، وذلك قبل أن يوحى إليه ﵊، يعني: قبل أن يبلغ سن النبوة الذي هو سن الأربعين سنة.
قال: (فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء الشجرة، فلما جاء النبي ﷺ وجلس، مال فيء الشجرة عليه، فقال الراهب: انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه)، فهم لم يروا الشجر يسجد، ولكن الراهب رآه، وأخبرهم بذلك، وخوفاً من أنهم لا يصدقونه أخبرهم بعلامة في كتفه، فكان المفروض أن يصدقوه، ثم أخبرهم أن ظل الشجرة عندما جلس مال إلى الجهة الأخرى، فالمفروض أن هؤلاء أول من يصدق النبي صلوات الله وسلامه عليه.
قال: (فبينما هو قائم عليهم وهو يناشدهم ألا يذهبوا به إلى الروم، فإن الروم إذا رأوه عرفوه بالصفة، فيقتلونه، فالتفت فإذا بسبعة قد أقبلوا من الروم، فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: جئنا لأننا علمنا أن هذا النبي خارج في هذا الشهر فلم يبق طريق إلا بعث إليه أناس)، يعني: أنهم كانوا مستعدين لوجود نبي الله سبحانه، فأناس من الرهبان يعرفون أن هناك نبياً، وهم ينتظرون حتى يؤمنوا به، وأناس آخرون ينتظرونه صلوات الله وسلامه عليه، فهؤلاء الروم بعثوا في كل طريق من طرق الشام مجموعة من الجنود لقتل النبي صلوات الله وسلامه عليه، قالوا: (وإنا قد أخبرنا خبره وبعثنا إلى طريقك هذا.
فقال لهم الراهب: هل خلفكم أحد هو خير منكم؟ قالوا: إنما أخبرنا خبره بطريقك هذا.
فقال لهم الراهب: أفرأيتم أمراً أراد الله أن يقدره أتقدرون على رده؟ قالوا: لا، قال: فبايعوه وأقاموا معه)، أي: بايعوا على أن لا تؤذوه، وأترككم تتعبدون معي هنا، فبايعوه ومكثوا معه في الطريق، فكان أماناً للنبي صلوات الله وسلامه عليه من رب العالمين.
(قال الراهب: أنشدكم بالله، أيكم وليه؟ قالوا: أبا طالب، فلم يزل يناشد أبا طالب حتى رده أبو طالب).
فهل يحتاج إلى مناشدة وقد رأى مثل هذه الآيات؟ نلاحظ أن أبا طالب مات كافراً، ولم يمت مسلماً، وهو قد دافع عن النبي ﷺ ورأى من الآيات ما رأى، ومع ذلك قضى الله أن يموت كافراً، فالغرض أنهم ردوا النبي ﷺ .
والشاهد من الحديث هو قول الراهب: هذا رسول رب العالمين، يبعثه الله رحمة للعالمين صلوات الله وسلامه عليه.
وهو رحمة حتى إذا شتم إنساناً، أو لعن إنساناً، وكان هذا الإنسان لا يستحق هذا الشتم وهذه اللعنة فكأنما يطهره بذلك، وكأنما يدعو له بالرحمة، فعندما يقول لإنسان: اذهب لعنك الله، فكأنه يقول: اذهب رحمك الله، كأنه يدعو له بذلك.
ففي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ قالت: (دخل على رسول الله ﷺ رجلان، فكلماه بشيء لا أدري ما هو)، وفي رواية لـ مسلم: (فخلوا به ﷺ ، فكأنهما ضايقا النبي ﷺ عندما قعد معه، قالت: (فسبهما ولعنهما وأخرجهما).
والمفترض أن الضيف عندما يأتي في بيت المضيف أن يحسن في الكلام، ويراعي أدب المكان، ويراعي مع من يتكلم، فكونه يطردهم من البيت ليس من عادته ﷺ ، ولكن لابد أن يكونا قد قالا قولاً شديداً للنبي ﷺ حتى سبهما ولعنهما وأخرجهما.
قالت عائشة فقلت: (يا رسول الله! من أصاب من الخير شيئاً ما أصابه هؤلاء)، أي: كل إنسان قد يصاب بشيء من الخير إلا هؤلاء فإنهم لم يخرجوا بخير أبداً، فقال ﷺ : (وما ذاك؟ قالت: قلت: لعنتهما وسببتهما، فقال ﷺ : أوما علمت ما شارطت عليه ربي؟ قلت: اللهم إنما أنا بشر فأي المسلمين لعنته أو سببته فاجعلها له زكاةً وأجراً).
يقول العلماء رحمهم الله تعالى: إن النبي ﷺ كان بالإمكان أن يسكت بدل
стр. 174
تفسير قوله تعالى: (إن في هذا لبلاغاً)
قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٦]، هنا يخبر بأنه قد أبلغ، فقال: ﴿بَلاغٌ﴾ [إبراهيم:٥٢]، يعني: هذا بلاغ من رب العالمين سبحانه ﵎، وهذا كقوله تعالى: ﴿بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الأحقاف:٣٥]، فقد أبلغنا أعظم البلاغ.
فقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي هَذَا﴾ [الأنبياء:١٠٦]، أي: الذي آتيناكم به فيه البلاغ العظيم من رب العالمين، وهو ليس لأي أحد، وإنما: ﴿لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٦]، أي: لمن يعبد الله ويعرف حق الله سبحانه، ويتقرب إلى ربه، فهذا فيه البلاغ له، وفيه التذكرة والموعظة.
стр. 175
تفسير قوله تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)
قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٦]، هنا يخبر بأنه قد أبلغ، فقال: ﴿بَلاغٌ﴾ [إبراهيم:٥٢]، يعني: هذا بلاغ من رب العالمين سبحانه ﵎، وهذا كقوله تعالى: ﴿بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الأحقاف:٣٥]، فقد أبلغنا أعظم البلاغ.
فقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي هَذَا﴾ [الأنبياء:١٠٦]، أي: الذي آتيناكم به فيه البلاغ العظيم من رب العالمين، وهو ليس لأي أحد، وإنما: ﴿لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٦]، أي: لمن يعبد الله ويعرف حق الله سبحانه، ويتقرب إلى ربه، فهذا فيه البلاغ له، وفيه التذكرة والموعظة.
стр. 176
وجه كون النبي ﷺ رحمة للكفار
قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧].
فهو رحمة لرب العالمين، والعالمين: جميع العالم من الإنس والجن، فهم جميع الخلق، والله أرسل محمداً صلوات الله وسلامه عليه رحمة للخلق جميعهم، فهو رحمة للإنس والجن وللمؤمنين والكافرين والدواب، ورحمة للدواب، ورحمة لخلق الله جميعاً.
ويكفي النظر في تشريعه الذي جاء به صلوات الله وسلامه عليه للتعرف على هذه الرحمة صلوات الله وسلامه عليه، فقد أرسل رحمة، كما قال الله : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٣]، فما كان الله ليعذبهم، ولا يستحق العذاب غير الكفار، وإنما قال له: أنت أمان لهؤلاء الكفار، فلن نعذبهم مادمت فيهم، فكان رحمة لهم، صلوات الله وسلامه عليه، فلم يخسف بهم الأرض، ولم يرسل عليهم حاصباً من السماء، ولم يغرقهم ولم يرسل عليهم الطوفان، أو الجراد، أو القمل، أو الضفادع، أو الدم، والله على كل شيء قدير، فكان رحمة بذلك.
ولما آذوه أشد الأذى ﷺ دعا ربه قائلاً: (اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف) وسلامه عليه، فإذا بالله يمنع عنهم المطر، وتجدب الأرض، ويشتد عليهم الحر، فإذا بهم يتعبون، ويجوعون، ولا يجدون ما يأكلون حتى أكلوا كل شيء، فقد أكلوا من أوراق الأشجار، وجلود الحيوانات والبهائم الميتة، فلما اشتد عليهم ذلك ذهبوا للنبي ﷺ وناشدوه بالله وبالرحم الذي بينهم وبينه، إلا سأل ربه أن يكشف عنهم ما هم فيه، فهو رحمة للعالمين صلوات الله وسلامه عليه.
فنسي ما كانوا يفعلونه به وبأصحابه، ودعا ربه أن يرفع عنهم ذلك، قال سبحانه: ﴿إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ [الدخان:١٥]، أي: عائدون للكفر والتكذيب مرة ثانية، وسترجعون إلينا يوم القيامة فنجازيكم، فكان رحمة للعالمين صلوات الله وسلامه عليه.
ولما فتحت مكة، وقال سعد بن عبادة ﵁: اليوم يوم الملحمة.
أي: هذا يوم الالتحام، ويوم الحرب والقتل، فقالوا للنبي ﷺ ، ما قال سعد بن عبادة فقال: (بل اليوم يوم المرحمة) صلوات الله وسلامه عليه، فقد كان رحمة للعالمين.
وفي شرعه العظيم منعنا من الأذى، وأمرنا أن نقتل أنواعاً من الدواب، وقال ﷺ : (خمس يقتلن في الحل والحرم)، فما أمرنا أن نقتل إلا شيئاً مؤذياً، (الفأرة، والكلب العقور، والحدأة، والغراب، والحية)، هذه التي تؤذي الناس أمرنا بقتلها، وأما غير ذلك فلم يأمرنا بقتلها، بل إنه نهى عن قتل النمل إن كان لا يؤذي، ونهى عن قتل النحل، ونهى عن قتل الشيء الذي لا يؤذي، فلا تقتل ما لا يؤذيك، فإذا صار مؤذياً فحينها يقتل للأذى والضرر الذي فيه، فكان رحمة صلوات الله وسلامه عليه.
وقد أخبرنا أن من أسباب إنزال الله للمطر من السماء على أهل الأرض ما ذكره بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:٩٦].
وقد جاء لهم بهذا الدين العظيم الذي فيه الإيمان، فيؤمنون به فتنزل عليهم البركات من السماء والأرض، كما حدث أن فتح الله الفتوح العظيمة، فكان الإسلام يفتح كل بيت فيأتي الله بالرزق العظيم لعباده الصالحين.
وكان رحمة للخلق صلوات الله وسلامه عليه في أخلاقه الحسنة، فكان الأسوة العظيمة، والقدوة الطيبة الطاهرة صلوات الله وسلامه عليه.
فقد عرفه المؤمنون وعرفه الكفار، فكانوا يقولون عنه ﷺ : الصادق الأمين، وكانوا يأتمنونه ولم يعرفوا منه غدراً قط ولا خيانة صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 177
معرفة أهل الكتاب للنبي ﷺ بأنه رحمة للعالمين
فقد كان يقول: (لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة أعين).
وقد عرفه أهل الكتاب بصفة الرحمة، فقد جاء في الحديث الذي رواه الترمذي.
وهو حديث صحيح عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: (خرج أبو طالب إلى الشام، وخرج معه النبي ﷺ في أشياخ من قريش، فلما أشرفوا على الراهب هبطوا فحلوا رحالهم، فخرج إليهم الراهب).
وقد من الله على قريش برحلة إلى الشام ورحلة إلى اليمن، في الشتاء والصيف، فقال تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش:٣ - ٤]، فأخذه عمه أبو طالب في قافلة قريش المتوجهة إلى الشام، فلما وصلوا إلى أطراف الشام في تجارة والنبي ﷺ صغير معهم، فإذا بالراهب الذي في ذلك المكان ينزل إليهم، وذلك كما في الحديث.
(خرج إليهم الراهب، وكانوا قبل ذلك يمرون به فلا يخرج إليهم، ولا يلتفت، فجعل يتخللهم الراهب حتى جاء فأخذ بيد رسول الله ﷺ وقال: هذا سيد العالمين، هذا رسول يبعثه الله رحمة للعالمين.
فقال له أشياخ من قريش: ما علمك؟ - أي: كيف عرفت هذا الشيء؟ - قال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلا خر ساجداً) فرأى ذلك هذا الراهب، وهي آية من آيات الله له.
قال الراهب: (ولا يسجد الشجر والحجر إلا لنبي، وإني أعرفه بخاتم النبوة أسفل غضروف كتفه مثل التفاحة) أي: أنه أخذه وفحصه ورأى كتفه، فوجد فيه خاتم النبوة مثل التفاحة وهي: غدة من اللحم على ظهره ﷺ في أسفل غضروف الكتف، مثل التفاحة.
(ثم رجع فصنع لهم طعاماً، إكراماً للنبي ﷺ ، فلما أتاهم به كان النبي ﷺ يرعى الإبل، فقال: أرسلوا إليه، قال: فأقبل وعليه غمامة تظله من حر الشمس)، فكان يمشي ﷺ وفوقه سحابة تظل رأسه صلوات الله وسلامه عليه، وذلك قبل أن يوحى إليه ﵊، يعني: قبل أن يبلغ سن النبوة الذي هو سن الأربعين سنة.
قال: (فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء الشجرة، فلما جاء النبي ﷺ وجلس، مال فيء الشجرة عليه، فقال الراهب: انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه)، فهم لم يروا الشجر يسجد، ولكن الراهب رآه، وأخبرهم بذلك، وخوفاً من أنهم لا يصدقونه أخبرهم بعلامة في كتفه، فكان المفروض أن يصدقوه، ثم أخبرهم أن ظل الشجرة عندما جلس مال إلى الجهة الأخرى، فالمفروض أن هؤلاء أول من يصدق النبي صلوات الله وسلامه عليه.
قال: (فبينما هو قائم عليهم وهو يناشدهم ألا يذهبوا به إلى الروم، فإن الروم إذا رأوه عرفوه بالصفة، فيقتلونه، فالتفت فإذا بسبعة قد أقبلوا من الروم، فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: جئنا لأننا علمنا أن هذا النبي خارج في هذا الشهر فلم يبق طريق إلا بعث إليه أناس)، يعني: أنهم كانوا مستعدين لوجود نبي الله سبحانه، فأناس من الرهبان يعرفون أن هناك نبياً، وهم ينتظرون حتى يؤمنوا به، وأناس آخرون ينتظرونه صلوات الله وسلامه عليه، فهؤلاء الروم بعثوا في كل طريق من طرق الشام مجموعة من الجنود لقتل النبي صلوات الله وسلامه عليه، قالوا: (وإنا قد أخبرنا خبره وبعثنا إلى طريقك هذا.
فقال لهم الراهب: هل خلفكم أحد هو خير منكم؟ قالوا: إنما أخبرنا خبره بطريقك هذا.
فقال لهم الراهب: أفرأيتم أمراً أراد الله أن يقدره أتقدرون على رده؟ قالوا: لا، قال: فبايعوه وأقاموا معه)، أي: بايعوا على أن لا تؤذوه، وأترككم تتعبدون معي هنا، فبايعوه ومكثوا معه في الطريق، فكان أماناً للنبي صلوات الله وسلامه عليه من رب العالمين.
(قال الراهب: أنشدكم بالله، أيكم وليه؟ قالوا: أبا طالب، فلم يزل يناشد أبا طالب حتى رده أبو طالب).
فهل يحتاج إلى مناشدة وقد رأى مثل هذه الآيات؟ نلاحظ أن أبا طالب مات كافراً، ولم يمت مسلماً، وهو قد دافع عن النبي ﷺ ورأى من الآيات ما رأى، ومع ذلك قضى الله أن يموت كافراً، فالغرض أنهم ردوا النبي ﷺ .
والشاهد من الحديث هو قول الراهب: هذا رسول رب العالمين، يبعثه الله رحمة للعالمين صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 178
شتم النبي ودعاؤه على إنسان ينقلب رحمة وتطهيراً
وهو رحمة حتى إذا شتم إنساناً، أو لعن إنساناً، وكان هذا الإنسان لا يستحق هذا الشتم وهذه اللعنة فكأنما يطهره بذلك، وكأنما يدعو له بالرحمة، فعندما يقول لإنسان: اذهب لعنك الله، فكأنه يقول: اذهب رحمك الله، كأنه يدعو له بذلك.
ففي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ قالت: (دخل على رسول الله ﷺ رجلان، فكلماه بشيء لا أدري ما هو)، وفي رواية لـ مسلم: (فخلوا به ﷺ ، فكأنهما ضايقا النبي ﷺ عندما قعد معه، قالت: (فسبهما ولعنهما وأخرجهما).
والمفترض أن الضيف عندما يأتي في بيت المضيف أن يحسن في الكلام، ويراعي أدب المكان، ويراعي مع من يتكلم، فكونه يطردهم من البيت ليس من عادته ﷺ ، ولكن لابد أن يكونا قد قالا قولاً شديداً للنبي ﷺ حتى سبهما ولعنهما وأخرجهما.
قالت عائشة فقلت: (يا رسول الله! من أصاب من الخير شيئاً ما أصابه هؤلاء)، أي: كل إنسان قد يصاب بشيء من الخير إلا هؤلاء فإنهم لم يخرجوا بخير أبداً، فقال ﷺ : (وما ذاك؟ قالت: قلت: لعنتهما وسببتهما، فقال ﷺ : أوما علمت ما شارطت عليه ربي؟ قلت: اللهم إنما أنا بشر فأي المسلمين لعنته أو سببته فاجعلها له زكاةً وأجراً).
يقول العلماء رحمهم الله تعالى: إن النبي ﷺ كان بالإمكان أن يسكت بدلاً من أن يلعن، ولكنه هنا كأنه خير بين أمرين لا ثالث لهما، إما أن تؤذي هؤلاء وتعاقبهم، أو نحن نعاقبهم، فكأنه إن تركهم فإن الله سيعاقبهم عقاباً شديداً بنار جهنم، أو يعاقبهم بهذا الكلام الذي قاله ﷺ .
فمن رحمته ﷺ أن اختار الأهون، وهو أنه يشتمهما ويسبهما على ما شارط ربه عليه إن كانا لا يستحقان السب أو اللعن، فيكون كأنه يدعو لهما ﷺ ، ولا يؤخرهما لعقوبة رب العالمين، فهذه رحمته.
стр. 179
سب النبي ولعنه وقت الغضب يكون صلاة يوم القيامة
ومن الأحاديث الكثيرة التي جاءت مخبرة أنه رحمة من رب العالمين: ما رواه أبو داود عن عمرو بن أبي قرة وذكر: أن حذيفة ﵁ كان بالمدائن، فكان يذكر أشياء قالها ﷺ لأناس من أصحابه في الغضب، فينطلق أناس ممن سمع ذلك من حذيفة فيأتون سلمان ﵁ فيذكرون له قول حذيفة، فيقول سلمان: حذيفة أعلم بما يقول.
فيرجعون إلى حذيفة فيقولون له: قد ذكرنا قولك إلى سلمان فما صدقك ولا كذبك، فأتى حذيفة سلمان.
ومعنى الرواية: أن حذيفة وهو في المدائن يكلم الناس ويقول لهم: إن النبي ﷺ مرة لعن أبا فلان، ومرة قال لفلان كذا، ويذكر أشياء وقعت، فكانوا يذهبون إلى سلمان ويخبرونه بقول حذيفة، فـ سلمان يقول: حذيفة أعلم، لا يقول: صدق، ولا يقول: كذب، فكأن حذيفة غضب لهذا الشيء.
فذهب يعاتب سلمان، وسلمان رضي الله ﵎ عنه فقيه، وعالم عظيم، وقد مدحه النبي صلوات الله وسلامه عليه، بقوله: (سلمان منا أهل البيت)، فقد أوتي علماً من عند رب العالمين.
فلما ذهب حذيفة إلى سلمان يعاتبه: لماذا لا تقول لهم إني صادق فيما أقول؟ فقال سلمان: إن رسول الله ﷺ كان يغضب، فيقول في الغضب لأناس من أصحابه، والمعنى: أنه إذا غضب لعله يلعن أناساً، ولكن هذه اللعنة مشروطة بشرط بينه وبين رب العالمين، فأنت لا تدري هل هذا مستحق للعن أو ليس مستحقاً له.
يقول سلمان ﵁: إن النبي ﷺ كان يغضب، فيقول في الغضب لأناس من أصحابه، ويرضى فيقول في الرضا لأناس من أصحابه، أما تنتهي حتى تورث رجالاً حب رجال، ورجالاً بغض رجال! أي: أنت عندما تحدث أن النبي ﷺ شكر أبا فلان أو لعنه فأنت ستجعل الناس يكرهون هذا الإنسان ويكرهون ابنه، فاترك هذا الأمر، ولا تحدث بهذا الشيء.
ثم قال رضي الله ﵎ عنه: ولقد علمت أن رسول الله ﷺ خطب فقال: (أيما رجل من أمتي سببته سبة، أو لعنته لعنة في غضبي، فإنما أنا من ولد آدم أغضب كما يغضبون، فاجعلها عليهم صلاة يوم القيامة).
ثم قال سلمان ﵁: والله لتنتهين أو لأكتبن إلى عمر.
أي: ليس كل شيء تسمعه من النبي ﷺ أنه سب فلاناً أو لعن فلاناً تبلغه للناس، فيكرهون الناس على حسب هذا، فلا تبلغ هذه الأشياء، وإذا بلغتها فلا تذكر اسم هذا الإنسان، حتى لا يكره الناس بعضهم بعضاً.
وصدق رضي الله ﵎ عنه، وما كذب حذيفة ﵁، فقد كان صاحب سر النبي ﷺ في المنافقين، ولكن أراد سلمان أن لا تتفكك الأمة بهذا الكلام، ولذلك نهاه رضي الله ﵎ عنه، وقال له: سنبعث لـ عمر ونكتب له ﵁، فالغرض بيان أن النبي ﷺ رحمة للعالمين.
стр. 180
تفسير قوله تعالى: (قل إنما يوحى إلي إلهكم إله واحد)
قال الله سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الأنبياء:١٠٨].
أي: فهذا الوحي الذي جئتكم هو: أن تعبدوا الإله الواحد سبحانه الذي كنتم تتعجبون منه، وتقولون: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص:٥] فقال: أنا جئتكم بذلك لأن تعبدوا إلهاً واحداً لا شريك له.
﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٨]، أي: هل تسلمون لرب العالمين أنفسكم ووجوهكم وقلوبكم وأعمالكم، فتكون خالصة له سبحانه، فإذا أسلموا فهو خير لهم، وأما: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنبياء:١٠٩] يعني: أعلمتكم على سواء.
وكلمة: (على سواء) هنا معناها: أن ما أجهر به مثل ما أخفيه، فهما سواء، بمعنى: لا أقول لكم شيئاً وأخفي عنكم غيره، فلا أغدر ولا أخلف ولا أكذب، وإنما الذي أقوله بلساني هو في قلبي، فقد آذنتكم وأعلمتكم علماً نستوي نحن وأنتم فيه، ونستوي في العلم أن مرجعنا إلى الله ، وأنه لا مودة بيننا وبينكم.
قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَدْرِي﴾ [الأنبياء:١٠٩]، (إن) بمعنى ما، أي: ما أدري.
﴿أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٩]، أي: يوم القيامة الذي أنتم تستعجلون به، لا أدري هل هو قريب أم بعيد؟ وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ﴾ [الأنبياء:١١٠].
أي: إن الله ﵎ يعلم الجهر وما تنطقون به، ويعلم ما تكتمون.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [الأنبياء:١١١].
﴿وَإِنْ أَدْرِي﴾ [الأنبياء:١٠٩]: لعله عائد على الإمهال، أي: إن الله أمهلكم ولا أدري أقريب أم بعيد هذا الإمهال! فلعل ذلك يكون اختباراً لكم وفتنة وامتحاناً ومتاعاً تمتعون به في هذه الدنيا، حتى يأتيكم الأجل.
قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الأنبياء:١١٢].
أي: قال النبي ﷺ داعياً ربه، كما قال المرسلون قبل ذلك، فإنهم سألوا ربهم فقالوا: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف:٨٩].
كذلك قيل للنبي ﷺ : قل ذلك، ولذلك قرأ الجمهور: ((قل رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ)).
وقرأ حفص وحده عن عاصم من القراء: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الأنبياء:١١٢].
والقراءتان في الآية لهما معنيان، فكأنه قال له ربه: قل ذلك، فقال ﷺ : ﴿رَبِّ احْكُمْ ?بِالْحَقِّ﴾ [الأنبياء:١١٢].
وقرأ الجمهور: ((ربِّ)).
وقرأ أبو جعفر: ((ربُّ احكم بالحق))، يعني: يا رب! احكم بالحق.
﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:١١٢] يعني: يا رب! افتح بيننا وبينهم، وأظهر حكمك في هؤلاء، وربنا ﵎ هو الرحمن، ومن رحمة رب العالمين أن أرسل محمداً صلوات الله وسلامه عليه، وأمهل هؤلاء لعلهم يؤمنون، ولم يعاجلهم بالعقوبة، وقد آمن كثير من هؤلاء الذين كانوا من أشد الناس على النبي ﷺ .
﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:١١٢]، أي: نستعين برب العالمين على ما تقولون من أقوال شركية، وعلى ما تفترون على الله من الكذب، وعلى ما تتهمون به النبي ﷺ ، من قولكم: كاهن وساحر ومجنون وكذاب وغير ذلك، فهو المستعان على ما تقولون، وما تصفون.
نسأل الله أن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً نافعاً، وأن يفقهنا في ديننا، وأن يتقبل منا صلاتنا وصيامنا وقيامنا.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
следующие страницы →