Полный текст (3 717 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.
стр. 1366
تفسير قوله تعالى: (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض)
الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وبعد: قال الله في وسورة القصص: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ * مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ * وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٨٣ - ٨٨].
هذه الآيات الأخيرة من هذه السورة الكريمة يخبر الله فيها عن الدار الآخرة، وكيف أنه يجعلها لمن لا يريد علواً في الأرض ولا فساداً، وأن العاقبة الحسنة والجنة العظيمة لمن اتقى الله .
والمناسبة من هذه الآيات أن قبلها قصة فرعون، فذكر الله أنه علا في الأرض، واستكبر على من معه فقال: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا﴾ [القصص:٤]، كذلك تشبه به قارون الذي كان من قوم موسى فبغى عليهم، فعلا فرعون وهامان وقارون، فالله يقول: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا﴾ [القصص:٨٣] أي: لا يطلبون العلو ولا الاستكبار، فأرانا عاقبة الظالمين.
فما الذي صنعه فرعون وهامان وجنودهما؟ قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ [القصص:٨]، كانوا أصحاب خطيئة، كفروا بالله ﵎، وتظاهروا في كفرهم على نبيهم موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فأرانا الله كيف أخذهم أخذ عزيز مقتدر، فأهلكهم وأغرقهم، وجعلهم عبرة وآية للناس، فهؤلاء استكبروا بملكهم ووزاراتهم وجنودهم، وهذا قارون كان من قوم مستضعفين في الأرض، قال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ [القصص:٥ - ٦].
ولكن قارون كان من قوم موسى فتعجل البغي والعلو، ولم ينتظر وعد الله وهو الذي كان يقرأ التوراة ويجيد تلاوتها، ولكن الكبر كان في القلب، فمهما نزل من مطر على أرض كانت غير صالحة، أو كانت الأرض صالحة والبذور التي فيها غير طيبة، فإنها تنبت نباتاً غير حسن، والأرض الطيبة يخرج نباتها بإذن ربها، ﴿وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ [الأعراف:٥٨].
فهذا الإنسان كان خبيثاً في نفسه، فيه علو وكبر في قلبه، فضحه الله وكشف ما فيه وأظهره، فابتلاه بالمال كما ابتلى فرعون بالملك، وابتلى هامان بالوزارة، ففتح عليه من نعمة المال الكثير، فإذا به لا يراعي حق الله في ماله، وتشبه بفرعون في علوه وفساده، وكاد للنبي موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فإذا بالله يجعله آية للناس حتى يعتبروا، قال تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ﴾ [القصص:٨١].
فالله أخبر عن الأمم السابقة فقال: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت:٤٠] إلى أن قال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ [العنكبوت:٤٠]، فهذان الاثنان هما المذكوران في هذه السورة، ذكرهما الله بالتفصيل.
عقب الله هذه الآيات في نهاية قصة قارون كيف أن المستضعفين الذين تمنوا مكان قارون وماله رأوا آية بأعينهم: ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [القصص:٨٢].
فتعجبوا من أمر أنفسهم لتهورهم في أمانيهم، حيث تمنوا أن يكون لهم مثل قارون، فالإنسان يربع على نفسه، ولا يترك لنفسه هواها وعنانها فيتفكر فيما يشاء، ويتمنى ما يشاء، فإذا نظر إلى أهل الفساد لا يتمنى ما مع أهل الفساد؛ لأن العاقبة السيئة على هؤلاء تكون في الدنيا بالخزي، وفي الآخرة بالعذاب العظيم.
﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا﴾ [القصص:٨٣]، روى الإمام البخاري في صحيحه: (أن امرأة كانت تحمل رضيعها على يدها، فمر بها إنسان ذو شارة، فقالت: اللهم اجعل ابني مثل هذا، فإذا بالله ينطق الغلام ويقول: اللهم لا تجعلني مثله، فتتعجب المرأة، ثم يمر أناس بامرأة يضربونها ويقولون: سرقت، وهي تقسم أنها لم تفعل، فتقول: اللهم لا تجعل ابني مثلها، فيقول: اللهم اجعلني مثلها).
مر هذا الإنسان العظيم صاحب المنصب فقالت: اللهم اجعل ابني مثله، وهو يمص ثديها، فتركه وقال: اللهم لا تجعلني مثله، لأن هذا الرجل العظيم من المتكبرين ونهايته إلى النار، وهذه المرأة مظلومة، يقولون لها: سرقت ولم تسرق، زنيت ولم تزن، فهي مظلومة فقيرة، فلها عند الله الجنة، فقال: اللهم اجعلني مثلها.
فهذا صبي أنطقه الله ليري العباد كيف يكون الأمر، فليس كل شيء تراه تفرح به، فإنه قد يضرك في الدنيا العاجلة، ويضرك في الآخرة أكثر، فالمؤمن يرضى ولا يصرف بصره إلى ما متع الله به الناس، فيحسد الغير ويكمد نفسه، فهو يرى نفسه مظلوماً، فهذه آخرة الظالمين، فاعتبر هؤلاء وقالوا: ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا﴾ [القصص:٨٢].
لولا أن من الله على هؤلاء المؤمنين لخسف بهم، وهذه قراءة حفص عن عاصم، وقراءة باقي القراء: (لخُسِف بنا)، أي: لفُعل بنا كما فعل بهذا الإنسان: ﴿وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [القصص:٨٢]، الشأن أنه لا يفلح الكافرون، أو أنهم يتندمون على ذلك ويتوجعون لأنفسهم فيما تمنوه.
فيختم الله بهذه الآية العبرة، ويجمع هذا كله في القصة كلها، والآن خذوا هذه الموعظة، ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ﴾ [القصص:٨٣]، هذه الدار العظيمة في الآخرة وهي الجنة نجعلها للذين لا يريدون علواً -استكباراً- في الأرض، ولا فساداً، لا يريدون أن يكونوا ملوكاً أو وزراء أو رؤساء، لا يريدون أن يكونوا أصحاب غنى فاحش، ولكن يرضون في الدنيا بالقليل كما رضي النبي صلوات الله وسلامه عليه، وقال: (اللهم أحيني مسكيناً، وأمتني مسكنياً، واحشرني في زمرة المساكين)، صلوات الله وسلامه عليه.
قال: ﴿لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا﴾ [القصص:٨٣]، ليسوا من المفسدين بترفهم، وليسوا من المفسدين بخطيئاتهم وأفعالهم القبيحة، ﴿وَالْعَاقِبَةُ﴾ [القصص:٨٣] يعني: الحسنة بالجنة، ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣].
стр. 1367
تفسير قوله تعالى: (من جاء بالحسنة فله خير منها)
قال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ [القصص:٨٤]، يقول الله مبيناً لنا: إذا أتيت بحسنة فالله يعطيك ما هو أفضل منها، فمن جاء بالحسنة فله خير منها، وعرفنا أن الحسنة تضاعف إلى عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف.
وأعظم الحسنات مطلقاً قول: لا إله إلا الله.
إذا قلنا: لا إله إلا الله، فلا يوجد خير منها، ويكون التفسير على ذلك: من جاء بلا إله إلا الله فيعقبه الخير بسببها، فله الخير العظيم من هذه الكلمة عند رب العالمين سبحانه، فالله ما خلق الخلق إلا لعبادته ، فكلمة التوحيد من أعظم ما يكون.
وإذا كانت الحسنات غير كلمة التوحيد فله الحسنة مضاعفة بعشر أمثالها إلى ما يشاء الله .
قوله: (ومن جاء بالسيئة) وهذا محمول على عكس معنى الحسنة، فإذا كانت الحسنات هي الأعمال الصالحات، فيكون معنى السيئات: الأعمال الغير الصالحة، وإذا كانت الحسنة لا إله إلا الله فالسيئة التي هي أكبر الكبائر: الكفر بالله والشرك به سبحانه.
﴿فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [القصص:٨٤].
لا يظلمهم الله ، ولكن الذي عملوه في الدنيا ينالون الجزاء عليه في الآخرة.
стр. 1368
تفسير قوله تعالى: (إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد)
ثم قال لنبيه ﷺ : ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص:٨٥].
هذه الآية هي الخامسة والثمانون من هذه السورة، وليست الآية مكية ولا مدنية، يعني: لا نزلت في مكة ولا في المدينة، وإن كان الغالب أن يقال: إن السور المكية هي التي نزلت في العهد المكي، فتكون هذه في العهد المكي؛ لأنها نزلت والنبي ﷺ في أثناء هجرته إلى المدينة.
وذلك أنه لما هاجر خرج إلى أماكن لا يعرفها، فاحتاج إلى دليل يدله على الطريق، فكان معه أبو بكر الصديق، ومعهما رجل من بني الديل هادياً خريتاً، فسلك بهم طرقاً لا يعرفونها، حتى وصل بهم إلى المدينة، فلما أفلتوا من الكفار مر على طريق يعرفونها بالجحفة، وكأنه ﷺ تحسر على مكة؛ لأنه يحبها، فالتفت وهو يقول: (إنك لأحب البلاد إلي، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت)، صلوات الله وسلامه عليه، فأنزل الله عليه هذه الآية يبشره ويطمئنه أنه سيرجع إليها يوماً من الأيام.
﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ [القصص:٨٥]، أنزل عليك هذا القرآن وفرض عليك تلاوته وتحصيله.
﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص:٨٥]، سيرجعك مرة ثانية إلى هذه البلدة التي خرجت منها، وهذا وعد الله، ولا يخلف الله الميعاد.
فالله أرجعه إليها بعد خروجه منها بثمان سنوات صلوات الله وسلامه عليه.
﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [القصص:٨٥]، قل لهؤلاء الكفار الذين ذهبوا يسألون ويتحرون، وألغوا عقولهم وصدقوا اليهود وغيرهم، فسألوهم: أنحن على الهدى أم هو على الهدى؟! فإذا باليهود وقد أضلهم الله يقولون: أنتم ﴿أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء:٥١]، قالوا لهم ذلك كذباً، فالله يقول: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [القصص:٨٥]، من معه الهداية من الله سبحانه، ومن الذي هو في ضلال بين واضح وفي تيه، وفي بعد عن الحق.
стр. 1369
تفسير قوله تعالى: (وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب)
قال تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ﴾ [القصص:٨٦].
فهو ما كان يرجو ذلك، ولا خطر على باله ﵊ أنه سيكون رسولاً، ولكن غيره تمنوا هذا الشيء، فعرفوا أنه سيبعث في هذا الزمان رسول -ويعرف ذلك اليهود- فإذا بهم يتمنون لقاءه وينتظرون بعثته، وبعضهم يلقب نفسه بالراهب، ويذهب ليتعبد من أجل أن تنزل عليه الرسالة، ولكن الرسالة ليست كسباً من الإنسان، وإنما هي وهب من الله سبحانه ﵎، فقال له: ﴿وَمَا كُنتَ تَرْجُوا﴾ [القصص:٨٦]، أنت لم تكن في يوم من الأيام يخطر على بالك أن تكون رسولاً، إنما الذي كان على باله ﷺ أن يعبد الله، فكان يتوجه إلى غار حراء في الليالي ذوات العدد يتحنث، ويتعبد لله في هذا الغار، حتى جاءه الوحي فجأة وبغتة من غير أن يكون على باله.
قال تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ﴾ [القصص:٨٦] كأنه يأتي من بعيد، أي: من السماء من عند رب العالمين، فتتلقاه أنت، فقال: ﴿يُلْقَى إِلَيْكَ﴾ [القصص:٨٦]، ولم يقل: عليك، وإنما قال إليك، وفرق بين أن (يلقى عليك)، وأن (يلقى إليك)، فيلقى عليك فيكون صعباً عليك تلقيه، ولكن (يلقى إليك) كأنه يعطى إليك بهدوء، فتأخذه وتتلقاه مرحباً وحافظاً له، ومقيماً له، ومحباً له، ولست مع هذا الإلقاء معرضاً، أو لا يكون إلقاءً عنيفاً، وإنما يكون لطيفاً عليك.
قال سبحانه: ﴿إِلَّا رَحْمَةً﴾ [القصص:٨٦] فهذا يناسب قوله سبحانه: ﴿يُلْقَى إِلَيْكَ﴾ [القصص:٨٦]، فلو قال: (عليك) فإنه لا يناسب الرحمة، وإنما يقول هنا: ﴿يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً﴾ [القصص:٨٦] يعني: ولكن كان رحمة من ربك أن نزله عليك فألقاه إليك.
﴿فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا﴾ [القصص:٨٦] أي: معيناً ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ [القصص:٨٦]، فنهاه، وحاشا له أن يكون معيناً للكافرين، ولكن هذا خطاب له ولأمته بالتبع: لا تعاونوا الكافرين في كفرهم.
стр. 1370
تفسير قوله تعالى: (ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك)
﴿وَلا يَصُدُّنَّكَ﴾ [القصص:٨٧] هؤلاء الكافرون ﴿عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ [القصص:٨٧]، أي: وادع إلى التوحيد.
قوله: ﴿وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ﴾ [القصص:٨٧]، يحذره ربه ، وكانوا يكيدون للنبي ﷺ كما قال الله في سورة الإسراء: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا * وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٧٣ - ٧٤].
فإذاً: هنا المشركون جروا وراء النبي ﷺ في كيدهم يريدون أن يميلوا النبي ﷺ ، ولكن العصمة موجودة: ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ﴾ [الإسراء:٧٤] فبدأ بذكر العصمة، فإن الله ثبته على الحق فلا يزيغ أبداً، قال له سبحانه: ﴿وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ [القصص:٨٧]، ادع إلى التوحيد، (ولا تكونن من المشركين) خطاب له ولأمته.
стр. 1371
تفسير قوله تعالى: (ولا تدع مع الله إلهاً آخر)
قال تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [القصص:٨٨].
أي: احذر أن تتخذ إلهاً غير الله، وحاشا له -وهو المعصوم- أن يعبد غير الله، ولكن إذا كان هذا الوعيد يخاطب به النبي ﷺ فغيره من باب أولى أن يخاف من وعيد الله سبحانه.
قال: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ﴾ [القصص:٨٨]، ولا بد من الوقوف هنا، فهذا يسمى وقفاً لازماً؛ لأنك لو وصلت أفسدت المعنى، إذاً: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [القصص:٨٨]، وتقف ثم تقول: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [القصص:٨٨] فهذا تقرير منه أنه الإله الواحد، وفيها يجوز المد الطويل -لمن يمد مداً طويلاً- ويجوز القصر، وإن كان أصحاب القصر كـ قالون وحفص وأبي عمرو وغيرهم يجوزون في ذلك المد، ويسمونه مد التعظيم، وذلك في كلمة (لا إله إلا الله)، فيمد فيها مداً متوسطاً، حتى ولو كان يقصر في غيرها، ويسمي هذا المد: بمد التعظيم لله .
قال تعالى: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]، وقال في سورة الرحمن: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧]، فعبر بالوجه، وليس معناه أن الوجه يبقى وحده، ولكن الوجه أعظم ما يكون فعبر به، فهو عبر بالبعض عن الكل.
فالله سبحانه ﵎ عندما يقول: ﴿إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] معناه التعظيم، ونؤمن بالوجه لله ، فذكره هنا تعظيماً له، ولذلك يقول الثوري: سألت أبا عبيدة عن قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] فقال: إلا جاهه، كما تقول: لفلان وجه في الناس، أي: جاه في الناس، وهذا ليس معناه النفي لوجه الله ، بل هذا فيه إثبات لوجه الله، ولكن المعنى أنه يعبر بهذا الشيء عن العظمة.
فالمعنى: وجهه العظيم وذاته باقية وأما غيره كلهم فسيفنون.
قال: ﴿لَهُ الْحُكْمُ﴾ [القصص:٨٨] وحده لا شريك له، يحكم بما يشاء ويفعل ما يريد: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٨٨] وهذه قراءة الجمهور، وقراءة يعقوب: (وإليه تَرجعون).
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، وألا يجعلنا من المفسدين في الأرض، وأن يجعلنا من أهل الآخرة.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1372
تفسير سورة العنكبوت [ ١ - ٣]
سورة العنكبوت سورة مكية، ذكر الله فيها الابتلاء، وأنه سنة من سنن الله ، حتى يتميز الصادق من الكاذب، وقد ذكر الله في هذه السورة العظيمة عدداً من الدروس والمفاهيم العظيمة، التي كان حرياً بالمسلم أن يقف عندها متدبراً متفهماً لها، حتى يستفيد منها في سيره إلى الله .
стр. 1373
بين يدي سورة العنكبوت
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
أما بعد: قال الله في سورة العنكبوت: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:١ - ٣].
стр. 1374
سورة العنكبوت مكية وأقوال العلماء في ذلك
سورة العنكبوت هي السورة التاسعة والعشرون من كتاب الله سبحانه ﵎، وهي سورة مكية أو أغلبها مكية، وقيل: مدنية، وقيل: بعضها مكي وبعضها مدني، هذه السورة من أواخر السور التي نزلت في مكة وبعضها نزل بالمدينة، ولذلك اعتبرها البعض مدنية أو مكية بناء على ذلك، ونزلت قبلها سورة الروم، وسورة الروم مكية، ونزلت بعدها سورة المطففين، وسورة المطففين مكية، فكأن سورة العنكبوت نزل بعضها بمكة، ثم نزلت سورة المطففين كاملة، ثم أُكملت هذه السورة بعد ذلك في مكة والمدينة، فإذا قيل: سورة المطففين آخر ما نزل بمكة، فمراده: آخر سورة كاملة نزلت في مكة، وكانت هذه السورة قد نزل بعضها قبلها وبعضها بعدها.
وسورة العنكبوت آياتها تسع وستون آية على عد أكثر أهل العد من القراء، وحسب المصحف الحمصي عددها سبعون آية، والخلاف في الفاصلة، فبعضهم يعتبر (الم) آية مستقلة، وبعضهم يعدها والتي تليها آية واحدة، والآيات هي الآيات، وإنما بحسب العد، وحسب ما وقف عليه النبي ﷺ ، وهذا الخلاف في العد في كل القرآن إذا اختلف أهل العد.
والسورة فيها خصائص السور المكية، من ذكر التحدي بهذا القرآن، ومن ذكر الأقوام السابقين، والأنبياء الذين ابتلاهم الله سبحانه ﵎، ومن ذكر القصص وعاقبة هؤلاء المكذبين، وما الذي صنعه الله بهم.
стр. 1375
معنى الحروف المقطعة في أوائل السور
بدأ الله سبحانه هذه السورة بـ: ﴿الم﴾ [العنكبوت:١]، وهذه الحروف هي التي تسمى بفواتح السور، وهي من الإعجاز في القرآن الكريم، وكأن الله يقول للعرب: إن هذا القرآن من جنس الحروف التي تنطقونها وتتكلمون بها، وقد جئناكم بهذا القرآن بلغتكم ومن حروفكم، فائتوا بسورة من مثل هذا القرآن.
وقد ذكرنا قبل ذلك فقلنا: إن بعض أهل العد الذين يعدون حروف القرآن أو حروف السور يقولون: إنه إذا ابتدأت سورة بحروف مقطعة فغالباً ما تكون هذه الحروف أكثر الحروف المكررة في هذه السور، وغالباً ما يكون ترتيبها في التكرار أو في العدد: الحرف الأول أكثر ما يكون، ثم الثاني، ثم الثالث، وهكذا، وقد توجد حروف أخرى أكثر منها، ولكن الغالب ذلك، وستجد أن أكثر ما يعد في هذه السورة: حرف الألف، سواء ألفاً بهمزة، مفتوحة أو مكسورة، أو ألفاً من غير همزة، أو بهمزة مد، أو بهمزة على نبرة تكون ياء أو واواً، فيكون عدد الألف في هذه السورة تقريباً ثمانمائة وثمانية وخمسين مرة، ثم يليه اللام، فقد تكرر في هذه السورة تقريباً خمسمائة وخمسين مرة، ثم يليه حرف الميم، فقد تكرر في هذه السورة حوالي ثلاثمائة وواحداً وأربعين مرة، وكأن الترتيب في هذه السورة ترتيب تنازلي، الألف ثم اللام ثم الميم، وكأن الإشارة إلى أن هذه الحروف من جنس ما تتكلمون بها على هذا الترتيب، فائتوا بمثل ما جئناكم به.
والحروف هذه كما ذكرنا قبل ذلك أنها سر من أسرار القرآن، أي: مهما قال المفسرون فيها باجتهاداتهم فإن حقيقة علمها عند الله ﵎، فهم يطلعون على بعض الأشياء منها، فلماذا هذه السورة بدأت بـ ﴿الم﴾ [العنكبوت:١]؟ ولماذا هذه بـ ﴿كهيعص﴾ [مريم:١]؟ ولماذا هذه بـ (حم) ﴿عسق﴾ [الشورى:٢]؟ ولماذا هذه بـ (طسم)؟ الله أعلم بحقيقة الأمر في ذلك، ولكن كل ما يقوله المفسرون في ذلك ما هو إلا شيء من عند أنفسهم، ليس توقيفاً عن النبي ﷺ ، وإنما هو فهم يؤتيه الله من يشاء، ولذلك ستجد من يقول: إن هذه الحروف فيها تعجيز للناس، وسيقول: ما ذكرت أبداً هذه الحروف إلا ويليها الإشارة إلى هذا القرآن العظيم، ومن ذلك قوله : ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة:١ - ٢].
﴿الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [آل عمران:١ - ٣].
فهنا يذكر الحروف ويذكر بعدها الإشارة إلى القرآن، إلا في ثلاث سور من القرآن لم يذكر بعدها الكتاب مباشرة، وإنما ذكر ذلك في ثنايا السورة، منها هذه السورة التي معنا، فذكر الإشارة إلى القرآن بعد آيات من أول السورة، وليس في أول السورة عقب: ((الم)).
وكذلك نفس الأمر في سورة الروم ومريم.
ففي هذه السورة الكريمة ذكر العلماء أن الله سبحانه ﵎ افتتحها بـ ﴿الم﴾ [العنكبوت:١] تعجيزاً للكفار كما ذكرنا، وقيل: إن ﴿الم﴾ [العنكبوت:١] اسم للسورة أو اسم للقرآن، أو أنها حروف من أسماء الله بدأ بها هذه السور، والله أعلم بذلك.
стр. 1376
مواضيع سورة العنكبوت
في هذه السورة تثبيت للمؤمنين، وأنه مهما أصابتهم الفتن، ومهما أصابهم البلاء، فإن لهم الجنة جزاء صبرهم، لذا فإن كل سورة من سور القرآن لها أغراض يذكرها ربنا ﵎ في ثنايا هذه السور، فالإنسان الناظر نظرة عامة لهذه السورة يجد فيها أن الله يثبت المؤمنين المستضعفين الذين يبتلون، فيقول لهم: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:٢] ثم يسوق لهم كيف ابتلى الأنبياء، ومنهم إبراهيم الخليل على نبينا وعليه الصلاة والسلام حينما ألقي في النار: ﴿قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ﴾ [العنكبوت:٢٤].
وفيها أيضاً: الأمر بمنافاة المشركين والبعد عنهم، والتبرؤ من هؤلاء المشركين حتى ولو كانوا أولي قربى، ولذلك وصى الله بالوالدين إحساناً وقال: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان:١٥]، فالإنسان يصاحب الوالدين بالمعروف، ويحسن إليهما، ويطيع الوالدين في المعروف، أما في الكفر بالله ، وفي معصية الله فلا طاعة لأحد في ذلك.
وفي هذه السورة أيضاً وجوب صبر المؤمنين على أذى المشركين، وأن لهم سعة في الأرض فيذهبون ويتوجهون حيث شاءوا، قال الله فيها: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت:٥٦]، فذكر أن أرض الله واسعة، وذكر في السورة الأخرى فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء:٩٧]، وهنا ذكر الله فقال: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت:٥٦]، أي: ما الذي جعلكم تقيمون في مكة حتى هذا الحين، وقد هاجر النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة؟ ولماذا تقولون: نحن مستضعفون وأنتم لا زلتم في مكة؟ وإنما اخرجوا وهاجروا مع النبي ﷺ ، فحاول ذلك المستضعفون في مكة فخرج منهم من استطاع أن يهاجر إلى النبي ﷺ ، ورد منهم من غلب على أمره وأرجعوه إلى مكة.
أيضاً في هذه السورة الأمر بترك الجدل إلا بالحسنى، قال تعالى: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت:٤٦].
كذلك فيها الأمر للنبي ﷺ بالثبات على إبلاغ هذا القرآن العظيم، وشرائع هذا الإسلام العظيم، والتأسي بالأنبياء السابقين وبأحوالهم.
كذلك فيها الإخبار عن أمية النبي ﷺ ، وأنه نبي أمي ﵊، قال سبحانه: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت:٤٨]، فذكر أن النبي ﵊ كان أمياً، وذكر أيضاً الحكمة من ذلك، وهي: أنك يا محمد! إن كنت تتلو كتاباً من قبل القرآن، أو كنت تخط كتاباً بيمينك ﴿إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت:٤٨]، أي: لارتاب أهل الباطل في القرآن، ولقالوا: إن هذا الكلام الذي يقوله قد قرأه من كتب السابقين، وترجمه لنا بالعربية حين يزعم أنه من كلام الله ، لذلك أغلق الله عنهم هذا الباب فقال: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ * بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٨ - ٤٩]، أي: أن القرآن محفوظ في الصدور والسطور، بخلاف الكتب السابقة، فقد كان أهل الكتاب يكتبونها فإذا مات من حفظوا ذلك يقوم الذين كتبوا فيحرفون هذا الكتاب، وما يجدون أحداً يراجع عليهم ويقولون: ما حفظنا غير هذا الذي كتبتموه، فيحرفون ولا يعرفه غيرهم.
أما القرآن فالأصل أنه محفوظ في الصدور: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٩].
كذلك في هذه السورة الإلزام بإثبات وحدانية الله سبحانه ﵎، فقد ألزم المشركين بأن يعبدوا الله وحده، فهم يقرون بأنه الخالق وحده سبحانه، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [العنكبوت:٦١] أي: فكيف يصرفون عن توحيده؟ وكيف ينصرفون عن عبادته سبحانه وقد أقروا أنه الخالق سبحانه، خلق السموات والأرض بغير عمد ترونها؟ كذلك فيها إثبات جزاء الأعمال، فقد توعد الله المشركين بالعذاب الذي يأتيهم بغتة وهم منهمكون في باطلهم، وغير ذلك من أغراض هذه السورة العظيمة.
стр. 1377
سنة الابتلاء
سورة العنكبوت بدأها ربنا سبحانه بقوله: ﴿الم﴾ [العنكبوت:١] ثم قال: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:٢].
قوله: ﴿أَحَسِبَ﴾ [العنكبوت:٢]، أي: أفيظن الناس عندما يقولون: آمنا.
أنه لا يتعرض أحدهم للبلاء؟ ليست هذه سنة الله سبحانه في خلقه، إنما سنة الله في الخلق أن يبتلي المؤمن، فكلما ازداد الإيمان واليقين كلما ازداد البلاء من الله ﵎ عليه، ولذلك كان (أشد الناس ابتلاء الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل) كما جاء عن النبي ﷺ .
يقول لنا ربنا سبحانه: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ [العنكبوت:٢] قال ابن عباس وغيره: أراد بـ (الناس) قوماً من المؤمنين كانوا بمكة، وكان الكفار من قريش يؤذونهم ويعذبونهم على الإسلام كـ سلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد، وعمار بن ياسر وياسر أبوه وسمية أمه، وعدة من بني مخزوم، وغيرهم ممن كان يعذب في مكة، وكانت صدورهم تضيق لذلك، وربما استنكروا كيف أن الله يمكن الكفار منهم، والإنسان في وقت الضيق يمكن أن يحصل في صدره شيء من ذلك، فيأتيه الشيطان فيوسوس في نفسه، ويقول: هل هذا جزاء إيماني؟ هل هذا جزاء أنني أصلي؟ هل هذا لأنني ملتزم بالدين؟ وهكذا، فيوسوس له الشيطان في الابتعاد عن الالتزام، وعن دين رب العالمين، لكن ربنا يطمئن المؤمنين ويثبتهم، وكأنه يقول لهم: أنتم تريدون أن تقولوا: نحن مؤمنون، وتأخذون الجنة العظيمة من غير بلاء؟ لا، لابد من الابتلاء والتمحيص.
وقالوا في سبب نزولها: إنها نزلت في يوم بدر لما قتل مهجع مولى عمر بن الخطاب ﵁، وكان عبداً عند عمر، فأعتقه عمر رضي الله ﵎ عنه، أو كان أبوه عبداً وأعتقه عمر رضي الله ﵎ عنه، فكان له الولاء عليه، وكان الرجل أول قتيل من المسلمين في يوم بدر، رماه رجل من الكفار اسمه: عامر بن الحضرمي فقتله، فذكر النبي ﷺ أنه من الشهداء، ولكن أبوه وامرأته جزعا عليه جزعاً شديداً، فنزلت الآية تطمئنهم وتقول: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:٢].
كذلك ذكروا في سبب نزولها: أن ناساً من المؤمنين كانوا في مكة، وعندما خرج النبي ﷺ إلى الحديبية في السنة السادسة راسل هؤلاء المؤمنين، وأمرهم أن يخرجوا، فخرج بعضهم فإذا بالمشركين يردونهم ويقتلون بعضهم، فنزلت الآية تثبتهم وتطمئنهم، وأنه لا بد من البلاء، فيبتلي الله الإنسان المؤمن حتى يثبت إيمانه، يقول الله سبحانه: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:٢] إذاً: سنة الله أن المؤمن مبتلى، ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت:٣]، أي: لقد ابتلينا الذين من قبلهم، والفتنة بالتشديد بمعنى: الابتلاء والاختبار، وأصلها: من فتن الحديد، وفتن الذهب، وفتن الفضة، بمعنى: أدخلها النار حتى ينقيها من الشوائب، فقال الله : ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت:٣]، فالذين من قبلهم فتنوا وحرقوا وأوذوا في سبيل الله ، ومنهم إبراهيم الخليل على نبينا وعليه الصلاة والسلام.
روى الإمام البخاري عن خباب بن الأرت قال: (شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا له: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال النبي ﷺ : لقد كان من قبلكم يؤخذ بالرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين) فانظروا إلى هذا البلاء الشديد الذي كان في السابقين، فالنبي ﷺ يقول ذلك للمؤمنين ليثبتهم وليطمئنهم، فيقولون للنبي ﷺ : ألا تدعو لنا؟ ألا تستنصر لنا؟ وأنت ترى ما نحن فيه من النكال والعذاب من الكفار، فأخبرهم النبي ﷺ : أنكم لستم بأول من ابتلي، بل إن بلاءكم أخف ممن كان قبلكم فقد كان يؤتى بالرجل من الذين من قبلكم فينشر بالمناشير، ويمشط بأمشاط الحديد، بمعنى: يؤتى بمشط من حديد قد وضع على النار، وينزعوا به لحمه من جسده (ما دون عظمه ولحمه) يقول ﷺ : (فما يصرفه ذلك عن دينه، ثم يقسم فيقول: والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب غنمه، ولكنكم قوم تستعجلون)، أي: أنتم تستعجلون، ولكن إن صبرتم فإن الدين سينشر، والإيمان سيستقر، والأمان سينتشر بين الناس، حتى يخرج المسافر من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف أحداً، لا قطاع طريق ولا غيره، فلا يخاف أحداً في الطريق إلا الله سبحانه ﵎، وإن خاف من شيء ما فسيخاف من الذئب، لأنه يأكل غنمه مثلاً، ولكن لا يخاف من البشر (ولكنكم قوم تستعجلون).
أيضاً مما جاء من الأحاديث في هذا المعنى ما رواه ابن ماجة بإسناد صحيح عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (دخلت على النبي ﷺ وهو يوعك)، أي: مريض مرضاً شديداً، (قال: فوضعت يدي عليه ﵊ فوجدت حره بين يدي فوق اللحاف) يعني: أنه حط يده فوق اللحاف الذي على النبي ﷺ فشعر بحرارة شديدة جداً، قال: (فقلت: يا رسول الله! ما أشدها عليك) أي: أن هذه حرارة شديدة جداً، فهو لم ير مثلها قط، فقال النبي ﷺ : (إنا كذلك يضعف لنا البلاء ويضعف لنا الأجر.
قال أبو سعيد: قلت: يا رسول الله! من أشد الناس بلاء؟ قال: الأنبياء).
إذاً: مهما ابتلي إنسان فلن يبتلى بمثل ما ابتلي به الأنبياء، (قال: قلت: ثم من؟ قال: ثم الصالحون، إن كان أحدهم ليبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباءة يحوبها أو يجوبها، وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء).
قوله: (إن كان أحدكم ليفرح بالبلاء) أي: أن الصالحين يبتليهم الله فيصبرون على البلاء، بل ويفرحون بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء، وهذا حديث صحيح.
حديث آخر صحيح رواه الترمذي عن سعد بن أبي وقاص قال: قلت: (يا رسول الله! أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلباً) أي: قوة في الإيمان (اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة).
لذلك إذا ابتلي العبد فليتذكر أن الله يكفر عنه سيئاته بهذا البلاء، ويرفع له درجاته بهذا البلاء، ويجعله كالأنبياء، فليتأس بالأنبياء والصالحين، وليصبر على ذلك وينتظر الفرج من الله.
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1378
تفسير سورة العنكبوت [٢ - ٧]
يكشف الله سبحانه في هذه الآيات الكريمات سنة من سننه في هذا الكون، وهي: أن من ادعى الإيمان من الناس فلا بد أن يبتلى ويفتن ليظهر صدقه من كذبه، وقد فتن الله تعالى السابقين ليظهر مكنون سرائرهم، ثم لما كان من الناس من يعمل السيئات ذكر الله أن من هذا حاله فلن يفوت ربه؛ بل إن ظن ذلك فهو حكم سيئ على مولاه القادر عليه، ثم بين أن من كان يخاف أو يطمع في لقاء ربه فاللقاء آت لا محالة، ومن عمل صالحاً فإنما يعود نفعه عليه.
стр. 1379
سبب تسمية هذه السورة بسورة العنكبوت
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
هذه سورة العنكبوت كما ذكرنا في الحديث السابق، واشتهرت بهذا الاسم من عهد النبي ﷺ لكونها اشتملت على ذكر العنكبوت في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:٤١].
وكان المشركون كما يقول عكرمة ﵀ إذا سمعوا تسمية سورة العنكبوت يستهزئون بالتسمية وبالقرآن ويستهزئون بالنبي ﷺ ، فأنزل الله على نبيه ﷺ : ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر:٩٥]، يعني: المستهزئين بهذا ومثله.
وقال : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة:٢٦].
فالله لا يستحيي أن يضرب المثل للشيء الصغير الذي هو في نظر الناس حقير.
والإنسان عدو ما جهل، بل ويستهزئ بما يجهله، فإذا تبين له بعد ذلك حقيقتة رجع إلى الأمر وتاب إلى ربه .
لكن المشركين نظروا إلى قوله سبحانه: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ [العنكبوت:٤١].
فالله ذكر مثلهم في اتخاذهم أولياء وناصرين ينصرونهم من دون الله، وتعززوا بالشياطين وبأصنامهم وأوثانهم، فمثلهم في استنصارهم بذلك كمثل الذي يحتمي ببيت وواهن ضعيف.
فهم يحتمون بشركائهم ويستنصرون بهذه الطواغيت التي لا تملك لنفسها فضلاً عن غيرها شيئاً، فمثلهم كإنسان هجم عليه أعداؤه، فدخل يختبئ من الأعداء ويحتمي من ضرباتهم ببيت العنكبوت الذي هو أوهن البيوت.
وأي إنسان هذا الذي يحتمي ببيت العنكبوت فيحميه؟! فهذا مثل هؤلاء الكفار.
لذلك لما وجدوا أن القرآن يذكرهم بذلك، وأنهم كالذي يحتمي ببيت العنكبوت، إذا بهم يستهزئون، ولم ينظروا إلى حقيقة الأمر أن أولياءهم لا تنفع ولا تشفع ولا تضر ولا تملك لنفسها ولا لغيرها شيئاً، ولكنهم تجاهلوا ذلك، وتغافلوا عنه، وزعموا أن هذه الآلهة تنفعهم وتقربهم إلى الله زلفى.
فلما سمعوا كلمة العنكبوت ضحكوا واستهزءوا من النبي ﷺ ومما ذكر الله ، وعندما نأتي إلى قوله : ﴿كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ [العنكبوت:٤١] سنجد أنها آية من آيات الله العظيمة، ومعجزة من المعجزات التي لم يفهموها، ولم يعرفوا حقيقتها إلا بعد أن تقدم العلم، فظهر لهم هذا الشيء, وإن كان هذا المثال واضحاً: إنكم تحتمون بآلهتكم، وما الذي تصنعه لكم آلهتكم؟! ولو جاء إنسان من الكفار على آخر منهم وضربه بالسيف أمام هذه الآلهة ما أغنت عنه شيئاً، فكيف تعبدونها من دون الله سبحانه، وهي لا تملك لنفسها ولا لكم شيئاً؟! وكذلك ذكر الله البعوضة والنمل، وهذه أشياء لا يذكرها الله تعالى إلا لحكمة، وأهل الجاهلية مع كفرهم وشركهم فعقولهم في عمى وضلالة، لا يفهمون ولا يحاولون الفهم لما جاء في كتاب الله .
إن هذه السورة بدأها الله بالحروف (ألف، لام، ميم) فيتحدى هؤلاء الكفار: إن كلامكم مكون من هذه الحروف، فائتوا بمثل هذه القرآن، أو بعشر سورٍ من مثله، أو سورة واحدة من مثله.
فهم سخروا من القرآن لأنه ذكر الله فيه العنكبوت والنمل والبعوض، ولكنه لما تحداهم لم يقبلوا هذا التحدي، والأكثرون لم يفعلوا ذلك، وعادة الإنسان العربي أن فيه عصبية، وفيه عناد، فإذا تحداه أحد قبل التحدي، ولكن من إعجاز القرآن أن الغالبية العظمى من هؤلاء لم يقدروا أن يقبلوا هذا التحدي، ومن رءوس هؤلاء الكفار الوليد بن المغيرة الذي كان يعد من أفصحهم وأبلغهم، وأكثرهم مالاً وبنين، ومع ذلك كان كلامه عن هذا القرآن: إنه قرآن عجيب وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق, وما هو بقول البشر.
وبعضهم حاول أن يؤلف مثل هذا القرآن، فبدأ يتكلم بكلام فيه تخاريف، فيذكر أشياء فيضحك عليه من حوله منه، كما فعل مسيلمة الكذاب، لما سمع سورة العصر من النبي ﷺ ، ثم قال بعد ذلك: وأنا أنزل علي، ثم تكلم عن الضب بكلام فارغ يصفه به، فجعل أصحابه يضحكون من الكلام الذي قاله، وقال له قائلهم: والله إنك لتعلم أني أعلم أنك كاذب.
ومع ذلك تبعوه لكونه منهم، لا لكونه صادقاً.
فالغرض من ذلك بيان أن العرب الذين كذبوا النبي ﷺ قد قال الله عنهم: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام:٣٣].
أي: أنهم لا يقولون عنك كذاب، بل هم يجحدون آيات الله، وفي قرارة أنفسهم يعرفون أنك على الحق تماماً، ولكنهم يظهرون خلاف ما يبطنون.
стр. 1380
تفسير قوله تعالى: (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون)
قال سبحانه: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:٢].
(الناس) المقصود بهم هنا المسلمون، أو بعض المسلمين، فهو من العموم الذي يراد به الخصوص، أي: أحسب المؤمنون الذين دخلوا في هذا الدين أن يتركهم الله على ذلك من غير أن يبتليهم ومن غير أن يمتحن قوة إيمانهم، فيرفع درجاتهم بهذا الذي يبتلون به في الدنيا؟! فليس الأمر سهلاً بمجرد أن الإنسان يقول: لا إله إلا الله، أو يا الله، فينزل عليه الرزق من السماء، ويفتح له أبواب الرزق من الأرض، ويفتح له الحب من الناس، والخير الذي يراه أمامه كل يوم من غير أي بلاء ولا عناء، فيكون في جنة في الدنيا، وهذا لا يكون للمؤمن أبداً، أنه في الدنيا منعم مرفه، وفي الآخرة كذلك؛ بل لا بد أن يبتلى في الدينا حتى ينال النصيب الأوفى والحظ العظيم من النعيم يوم القيامة، لذلك لا بد في الدنيا من البلاء.
стр. 1381
تفسير قوله تعالى: (ولقد فتنا الذين من قبلهم)
قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت:٣].
أي: ابتليناهم واختبرناهم وامتحناهم بالآيات في الدنيا، وبالتعذيب فيها، حتى نجحوا ونجاهم الله ، وأدخلهم الجنة.
قال تعالى: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٣].
في قوله: (فليعملن) (وليعلمن) اللام للتوكيد، والنون للتوكيد، فدخلت اللام على أول المضارع والنون المثقلة على آخره وهذا دليل على القسم، كأنه يقول: والله ليعلمن الله ذلك، والله يعلم علم غيب، ويعلم علم الشهادة، و (ليعلمن) تفيد الاستقبال، فكأنه علم مخصوص، وقبل ذلك كان الله يعلم كل شيء قبل أن يخلق البشر، فخلق الله القلم وأمره أن يكتب ما يكون إلى يوم القيامة، فكتب هذا كله.
فالله علم ما في اللوح المحفوظ؛ من أنه سيكون كذا وكذا، فلان مؤمن وفلان كافر وهكذا، لكن هنا علم آخر معناه: علم المشاهد، يعني: أن يحدث ذلك، فالله في علمه أن فلاناً لو عاش يكون مؤمناً، أو لو عاش يكون كافراً، ولكنه قبضه قبل أن يكون كافراً، فعلم الله علم غيب، والعلم في الشهادة أن يحدث ذلك، وهذا الذي تكلم عنه سبحانه ﵎ (فليعلمن) أي: ليكونن ذلك، فقد علمه غيباً فقدره وسيعلمه حين يفعله هذا الإنسان، ويكتب كذلك بأنه فعل ذلك ليجازيه عليه.
فعلم الله علمان لا يختلفان: علم غيب، وعلم شهادة.
علم غيب: قبل أن يخلق الإنسان قد علم الله ما هو كائن إلى يوم القيامة، وأن هذا مؤمن وأن هذا كافر، وأن هذا يعيش كذا فقدر أجله وعلمه، وشقي أو سعيد، ورزقه كله مقدر عند الله سبحانه، فعندما يحدث هذا الشيء يكون علم الشهادة وعلم بالحدوث لهذا الأمر.
قال تعالى: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت:٣] أي: فليظهرن ذلك مشاهدة، ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٣]، أي: فليعلمن الله الذين صدقوا في قولهم: لا إله إلا الله، وصدقوا في إيمانهم وزعمهم أنهم يحبون الله ، وليعلمن الكاذبين الذين قالوا: آمنا وهم لم يؤمنوا، والذين كذبوا وادعوا أنهم يجاهدون في سيبل الله، فلما جاء الجهاد لم يفعلوا ذلك.
стр. 1382
تفسير قوله تعالى: (أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا)
قال سبحانه: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا﴾ [العنكبوت:٤].
يعني: أفظن الذين يعملون السيئات ويكسبون الشرك والمعاصي، وأفظع السيئات الكفر بالله .
فيقول لهؤلاء المشركين: هل تظنون أنكم تهربون من الله سبحانه، وتعجزون ربكم؟! وكأنه المثال الذي بين الناس: شخص يجري وراء آخر فقد يفلت من هذا الذي يجري وراءه، ولكن أتظن وأنت تتعامل مع الله أنك سوف تهرب منه سبحانه، فتصعد إلى السماء أو تنزل إلى الأرض، أو تمشي شمالاً أو يميناً، وتفلت من الله سبحانه، فهذا لا يكون أبداً.
قال تعالى: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [العنكبوت:٤]، أي: ساء ما يحكمون به على ربهم أن شبهوه بالخلق، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.
فهم في عبادتهم يشبهون خالقهم بالمخلوق؛ لذلك صنعوا الأوثان والأصنام حتى يروها أمامهم، فيعبدوها من دون الله ، وهذا تفكيرهم الغبي، فقال سبحانه: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [العنكبوت:٤]، أي: على خالقهم بأنه لا يقدر عليهم، أو بأنهم يعجزونه، ولذلك لما اجتمع ثقفيان وقرشي أو قرشيان وثقفي، فتكلموا يسرون إلى بعضهم، وأسروا حديثهم، فسأل بعضهم بعضاً: أترون الله يسمعنا؟ فقال أحد الحمقى منهم: أرى أنه يسمعنا لو جهرنا ولا يسمعنا إذا أسررنا.
وقال الأخر: لو كان يسمعنا إذا جهرنا فهو يسمعنا في الحالين.
فأنزل الله يذكر في هذه الآيات أنهم كانوا يقيسون الخالق على المخلوق، إذ لو وقف أحد بعيداً عن المخلوق وأسر لآخر فإنه لن يسمعه، كذلك ربنا تعالى الله عما قالوا.
فنتكلم في السر من أجل ألا يسمعنا.
قال تعالى: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [العنكبوت:٤]، أي: يحكمون على خالقهم حكمهم على البشر، ويحكمون عليه أنه لا يقدر عليهم، وأنهم يعجزونه ويفلتون ويهربون منه.
стр. 1383
تفسير قوله تعالى: (من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت)
ثم قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ [العنكبوت:٥].
(يرجو) أي: يؤمل، وإن كان أكثر المفسرين على أن معناها: يخاف، وهو من معاني الرجاء، قال الشاعر: إذا لسعته النحل لم يرج لسعها فمعنى قوله: (لم يرج لسعها): لم يخف لسعها.
فقوله: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ اللَّهِ﴾ [العنكبوت:٥]، أي: من كان يخاف من لقاء الله يوم القيامة، ويخاف من ذنوبه: ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ [العنكبوت:٥]، فإن الموت آت آت.
ويرجو أيضاً بمعنى: يؤمل، فالإنسان المؤمن الذي يؤمل لقاء الله ، فليعمل عملاً حسناً فإنه ملاقيه عند الله.
ومن كان يخاف من لقاء الله سبحانه فليحذر من النار يوم القيامة، فإن الله يعذب من عصاه، قال تعالى: ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ [العنكبوت:٥]، أي: فالموت آت والبعث والنشور والقيامة آتية.
فأكده الله باللام هنا، فهو آت لا محالة، وهو السميع لما يقولون العليم بأحوالهم.
стр. 1384
تفسير قوله تعالى: (ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه)
قال تعالى: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت:٦].
فكل إنسان يجاهد فإنما الجزاء لنفسه، ولن ينفع بجهاده ربه شيئاً، والإنسان الذي يذبح مضحياً أو يذبح هدياً يتقرب به لله سبحانه، قال تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا﴾ [الحج:٣٧].
أي: لن يأخذ منكم فيأكل ولا ينتفع بهذا الذي تفعلوه، ولكن أنتم الذين تنتفعون بذلك، والذي يجعل ربكم سبحانه يعطيكم الثواب هو تقواكم، فأنتم المنتفعون أولاً وآخراً.
فإياك أن تمن عليه سبحانه بعملك وبعبادتك له، فإن الله لغني عنك وعن عبادتك، قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت:٦].
لكن العبد يصلي ويصوم ويرجو رحمة الله، ويصبر على الأذى، ويصبر على أقدار الله ، وليتذكر قوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:٢].
ولذلك لما قتل مهجع مولى عمر بن الخطاب ﵁ في يوم بدر وجزع عليه أبوه، وجزعت عليه زوجته جزعاً شديداً إذا بالله ينزل هذه الآية: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:٢].
أي: لا بد أن يفتنوا بالعذاب في الدنيا بالقتل والاستشهاد فيها، ولا بد أن يفتنوا ويبتلوا بالبلاء في الدنيا حتى يرفع الله درجاتهم يوم القيامة.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت:٦] يعني: عن أعمال الناس.
وقال لهم: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨].
стр. 1385
تفسير قوله تعالى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم)
قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [العنكبوت:٧].
وهذا قسم من الله للمؤمنين، فكأنه يقول: والله لنكفرن عنكم أيها المؤمنون العاملون الصالحات سيئاتكم.
وقوله: ((والذين أمنوا وعلموا الصالحات)) هذا قيد، فلا يأتي إنسان ويقول: أنا أقول: لا إله إلا الله، وهذا يدخلني الجنة، فلا بد من العمل، وهذا من واجبات الإيمان، فلا بد أن تعمل عملاً صالحاً.
والتكفير: المحو، أي: نمحو عنهم سيئاتهم بالمغفرة.
قال تعالى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت:٧].
والمعنى: نجزيهم أعمالهم بأحسن مما يتمنونه، فالإنسان يعمل العمل ويرجو الثواب من الله، هو يرى العمل قليلاً، فإذا جاء يوم القيامة وجد ثواباً عظيماً جداً لم يكن على باله.
كالذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فإذا بالناس يستجيبون ويفعلون هذا المعروف الذي أمرهم به، وهو لا يتخيل أن هذه الكلمة التي قالها توصله لهذا الثواب العظيم، فإذا به يوم القيامة يجد أعمالاً عظيمة له لم يعملها، ولكنه جوزي بعمل أصحابها.
ولذلك الكلمة الطيبة صدقة للإنسان، وأن تبتسم في وجه أخيك فتصير لك عادة فتضحك لأخيك فتكتب لك حسنة عند الله سبحانه، فإذا جئت يوم القيامة وجدت حسنات كثيرة ليست على بالك: حسنة لأنك أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر، وحسنة لأنك تبسمت في وجه أخيك، وحسنة لأنك أعنت إنساناً على حاجته، وحسنة لأنك دفعت لإنسان دابته وأعنته فيها: وهكذا، ولهذا قال: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت:٧]، أي: بأحسن أعمالهم وهي الطاعة، وكذلك نكفر عنهم كل معصية.
نسأل الله أن يجعلنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1386
تفسير سورة العنكبوت [٢ - ١٠]
بين المولى أنه لا يكفي ادعاء الإيمان فقط، بل لا بد لكل مؤمن أن يبتلى بما يظهر أن إيمانه حقيقي وقوي أم ضعيف، ثم إن ذلك الابتلاء سنة الله تعالى الماضية منذ بدأ الخليقة إلى أن تقوم الساعة، وهذا الابتلاء فيه رفع لدرجات المؤمنين وتمحيص لهم وغفران لذنوبهم، أما أصحاب السيئات فليسوا بمعجزين ربهم، فلا بد أن يرجعوا إليه ليجازيهم على سوء ظنهم به تعالى.
وقد أوصى الله تعالى بالوالدين، وأن يطاعا فيما يأمران به ما لم يكن معصية أو إثماً؛ لأنهما السبب في وجودك بعد الله تعالى، ولهما من سابق التعب والنصب والجهد ما يجعل طاعتهم عليك فرضاً.
стр. 1387
تفسير قوله تعالى: (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
في هذه الآية التي ذكرها الله من سورة العنكبوت وما قبلها يخبرنا ربنا سبحانه ﵎ أن الإنسان إذا قال: لا إله إلا الله ودخل في هذا الدين العظيم، فإنه لا يظن أنه سيعيش سعيداً في الدنيا بغير بلاء فيها، بل لا بد وأن يصيبه شيء من بلاء الدنيا.
وكلما كان الإنسان قريباً من الله ، قريباً من دين الله ، ممتثلاً أوامر الله، منزجراً عن نواهي الله سبحانه كلما أصابه البلاء أكثر من غيره.
قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:٢] أي: لا بد وأن يفتنوا وأن يبتلوا حتى يكفر الله عنهم من سيئاتهم، ويرفع درجاتهم.
وقد أخبرنا سبحانه أنه فتن الذين من قبلنا، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٣]، وقد كانت الفتنة في السابقين فتنة عظيمة وكانت الأصار عليهم والأغلال شديدة، لكن من رحمته سبحانه أن وضع عنا ذلك قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف:١٥٧]، ومن الأغلال التي كانت على بني إسرائيل: أنهم إذا أذنبوا ذنباً أمروا أن يقتل بعضهم بعضاً كما حدث لهم عندما عبدوا العجل، فقام بعضهم لبعض، وظللت عليهم غمامة وأظلم النهار، فقتل في موقف واحد فوق السبعين ألفاً من اليهود؛ حتى قبل الله توبتهم، وهذا كان من الآصار.
أما في ديننا من تاب تاب الله عليه، والإسلام يجب ما قبله، والتوبة تمحو الذنوب بفضل الله .
وقد كان على الذين من قبلنا آصار في عباداتهم، فلا تصح منهم صلاة إلا في بيعهم وكنائسهم، أما نحن فأيما رجل من أمة محمد ﷺ أدركته الصلاة في مكان من الأماكن فعنده مسجده وطهوره، فيتطهر إن لم يجد ماء بالتراب، وإن وجد مسجداً صلى فيه، فإن لم يجد فالأرض مسجد وطهور، وهذا من فضل الله ورحمته.
ومن الأغلال التي كانت على الذين من قبلنا أنه أن إذا أصاب البول ثوب أحدهم لم يجزئه إلا أن يقصه بالمقص، أما في ديننا فيكفي أن يغسله بالماء.
فهذه الآصار والأغلال التي كانت على الذين من قبلنا رفعها الله عنا، قال تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف:١٥٧].
وأخبر النبي ﷺ أن أحدهم كان ينشر بالمنشار، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه فلا يصده ذلك عن دينه، أما هذه الأمة فالإنسان المكره منها ولو على كلمة الكفر معذور في ذلك.
أما السابقون فلم يكن لهم عذر في ذلك، فكان أحدهم إذا ابتلي ليفتن عن دينه لا بد وأن يصبر وإلا مات على ذلك، ولذلك أن النبي ﷺ قال: (دخل رجل الجنة في ذباب، ودخل رجل النار في ذباب، مر رجل على قوم من الكفار لهم وثن يعبدونه من دون الله فقالوا: قرب -أي: لإلههم الذي يعبدونه- قال: ما أقرب؟ قالوا: قرب شيئاً ولو ذباباً قال: ما كنت لأقرب لغير الله شيئاً، فقدموه فضربوا عنقه، فدخل الجنة بذلك، ومر بهم رجل آخر فقالوا: قرب، قال: ما أقرب؟ قالوا: قرب ولو ذباباً، فقرب ذباباً فكان من أهل النار)، أما نحن في ديننا فقد أذن الله في التلفظ بكلمة الكفر لمن قلبه مطمئن بالإيمان حال الإكراه فقال: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل:١٠٦].
فالذين من قبلنا فتنوا فتناً شديدة، وصبروا، والله أعطاهم الأجر على ذلك، وجعل في أمتنا التيسير والتخفيف، ولكن لا بد من البلاء، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٣].
стр. 1388
تفسير قوله تعالى: (أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا)
وقد ذكرنا في الحديث السابق معناها، وأن معنى العلم أنه يعلم علم شهادة بعدما كان علماً غيبياً.
قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [العنكبوت:٤]، يعني: هل يظن الذين يشركون بالله سبحانه ويقعون في معاصي الله أن يفلتوا من عذاب الله؟ إن ظنوا ذلك فهو ظن السوء منهم، فكأن من ظن ذلك فقد شبه ربه بالمخلوق، فلما كان يقدر أن يهرب من المخلوق ظن أنه يهرب من خالقه ، وكان بعض الحمقى والمغفلين من أهل الجاهلية يتعاظم بجسمه وبقوته فيقول لغيره من هؤلاء الكفار: إن محمداً يخيفنا بالنار، فإننا إذا جئنا يوم القيامة وقفت أنا فمنعتكم!! يظن أنه في الدنيا مثلما يقف ليصد الناس فيوم القيامة سوف يقف على باب النار ويمنع الباقين، وذلك من جهله وحماقته وغبائه.
ويفرح هؤلاء بما يقول هذا المغفل ويصدقونه، وإن كان التصديق ظاهراً لكن يستحيل أن يكون الإنسان في قلبه يصدق مثل هذا الشيء.
فقال سبحانه: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [العنكبوت:٤].
بل كان بعضهم يقول للآخرين: إن محمداً يزعم أن على جهنم تسعة عشر، ونحن عددنا كثير، فكل رجل منا برجل منهم.
كأنه يظن أن ملائكة الله كالناس المغفلين الذين يراهم أمامه من هؤلاء.
ويذهب أحدهم إلى النبي ﷺ بجمجمة إنسان ميت ويقول: تزعم أن ربك قادر أن يبعث هذه ويفتها بيده، فيقول النبي ﷺ : (نعم، يبعثها ويدخلك النا).
стр. 1389
تفسير قوله تعالى: (من كان يرجو لقاء الله لغني عن العالمين)
قال سبحانه: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ [العنكبوت:٥] أي: من كان يخاف من عذاب الله ويؤمل رحمة الله؛ فإن الموعد سيأتيه، فكل ما هو آت قريب وإن طال في نظرنا؛ لأننا نقيس ذلك بأعمارنا وبسنين الدنيا، أما عند الله فيوم واحد كألف سنة مما تعدون، فإذا قال: هذا قريب، فهو قريب.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ [العنكبوت:٦].
فكل إنسان يعمل الصالحات، وكل مؤمن يجاهد في الله سبحانه فجهاده لنفسه، أي: ثواب هذا الجهاد لنفسه، ونفعه لها، فهو المنتفع في النهاية، ولن ينفع ربه شيئاً، قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت:٦]، أكد الله غناه عن كل العوالم، سواء كان العالم العلوي أو العالم السفلي.
стр. 1390
تفسير قوله تعالى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات)
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت:٧].
فالمؤمنون الذين يعملون الصالحات يقسم الله أنه سيكفر عنهم سيئاتهم، قال تعالى: ﴿لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ﴾ [العنكبوت:٧]، وهذا الفعل المضارع المسبوق بلام التوكيد والمنتهي بنون التوكيد الثقيلة دليل على وجود القسم، كأنه يقول: والله لنفعلن بهم ذلك ولنكفرن ذنوبهم، ولنمحون عنهم ما وقعوا فيه من خطايا، فتابوا إلى الله ، فنفعهم إيمانهم ونفعتهم توبتهم.
قال تعالى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ﴾ [العنكبوت:٧] هذا الفعل أيضاً جواب القسم، والتقدير: والله لنفعلن ذلك ونجزيهم الأجر العظيم.
قال تعالى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت:٧]، أي: أحسن ما كانوا يتوقعون، فقد توقعوا من الله أن يعطيهم ثواباً فأعطاهم ثواباً مضاعفاً.
توقعوا من الله أن يدخلهم جنة على نحو معين؛ فإذا به يدخلهم جنات فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
стр. 1391
تفسير قوله تعالى: (ووصينا الإنسان بوالديه)
قال الله : ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت:٨].
وفي سورة الأحقاف قال: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا﴾ [الأحقاف:١٥]، وفي سورة لقمان: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان:١٤]، وفي سورة البقرة قال: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة:٨٣]، أي: أحسنوا إليهم إحساناً.
وفي سورة النساء قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء:٣٦].
فأمر الله بالوصية بالوالدين.
وكذلك في سورة الإسراء ذكر الله الوصية بالوالدين والإحسان إليهما فقال: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء:٢٣]، فالإنسان ينظر إلى الذي أنعم عليه وأوجده وخلقه وهو الله فيعبده، وينظر إلى السبب في وجوده في الدنيا وهما والداه، فلهما فضل عليك أن أوجدك الله بسببهما، ولهما فضل التربية لك، والرعاية، والعناية بك، والرحمة عليك، ولذلك قال الله سبحانه: ﴿وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء:٢٤]، أي: رحماني وأنا صغير، وربياني وحملاني.
وقال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء:٢٤]، فأمر العبد بالتواضع لوالديه وألا يؤذيهما ولو بكلمة أف التي هي أقل الكلمات التي تؤذي، فما بالك بما هو أعظم من ذلك؟! قال سبحانه هنا: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت:٨]، أي: وصيناه أن يحسن إليهما بكل عمل فيه حسن، قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ [العنكبوت:٨]، أي: أطع والديك في أمر بمعروف أو في نهي عن منكر، وأطع والديك إذا أمراك بشيء مباح، أما إذا أمراك بمعصية فلا تفعل هذه المعصية ولا تطعهما، وصاحبهما بالمعروف حتى لو كانا كافرين يهوديين، أو نصرانيين، أو مشركين وثنيين، قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [لقمان:١٥]، وهنا قال: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [العنكبوت:٨]، كيف يكون العمل عند ذلك؟ ﴿فَلا تُطِعْهُمَا﴾ [العنكبوت:٨]، قال: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ﴾ [العنكبوت:٨].
يعني: إذا اجتهدا وبذلا الجهد العظيم في دفعك عن طاعة الله سبحانه، وفي إيقاعك في الكفر بالله سبحانه فإياك أن تطيعهم في ذلك، ومع ذلك صاحبهما معروفاً، فلهما فضل عليك وهما أبواك.
قال تعالى هنا: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ [العنكبوت:٨] وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [لقمان:١٥] ففي الآيتين لم يمنع الابن المؤمن من مصاحبة الأب والأم الكافرين، ولا من برهما والإحسان إليهما، وكذلك الإنفاق عليه أن ينفق عليهما.
بل قيل له: كن معهما في الخير، ولكن احذر من الطاعة في الشر، وفي المعصية والكفر.
ثم قال تعالى: ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت:٨]، ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ [لقمان:١٥].
فقد يستسهل الإنسان المعصية، ولكن لما يتذكر أنه راجع إلى الله فيحاسبه، فالخوف من الحساب يمنعه من المعصية، ويدفعه إلى الطاعة، وفي سورة لقمان قال تعالى: ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ﴾ [لقمان:١٥]، فإذا كان ينبئك بما كنت تعمل فمعناه: أنه سيحاسبك، فإن عملت الخير فلك الجزاء الحسن، وإن عملت الشر فعليك الوزر والحساب.
وذكر المفسرون أن هذه الآية نزلت في سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه إذ قال ﵁: أنزلت في أربع آيات: فذكر قصة وفيها قال: قالت أم سعد وكانت كافرة: أليس قد أمر الله بالبر؟ قال: بلى.
قالت: والله لا أطعم طعاماً ولا أشرب شراباً حتى أموت فتعير بي أو تكفر.
وفي رواية قال سعد: وكنت باراً بأمي فأسلمت، يعني: أنه كان عظيم البر بأمه رضي الله تعالى عنه، قال: وبقيت أياماً على ذلك، وكانوا إذا أرادوا أن يطعموها يشجروا فاها بالخشب ويحطوا بداخله الطعام لكي لا تموت.
فلما استمر الأمر على ذلك ذهب لأمه وقال ﵁: يا أماه! -يقول ذلك على وجه التعطف والتحنن عليها- لو كانت لك مائة نفس، فخرجت نفساً نفساً ما تركت ديني، فإن شئت فكلي، وإن شئت فلا تأكلي.
فلما رأت الأمر على ذلك، وأنه متمسك بدينه أكلت.
فهذه من الفتن التي قد يبتلى بها الإنسان المتمسك بدينه، وقد تجد من يصلي فيقول أبواه: لا تصل، ولا تذهب إلى المسجد، فإذا تنازل عن أمور دينه شيئاً فشيئاً ضيع كل شيء، وإذا تمسك بذلك لعل الله يهدي هؤلاء فيتركانه على ما هو عليه من طاعة ربه سبحانه.
فالإنسان عندما يبتلى بشيء من ذلك فليتذكر ما صنع سعد رضي الله تعالى عنه، وكيف أنه صبر لأمر الله سبحانه، وطاعة الله ﵎ فيها الخير والبركة.
ويقول ابن عباس ﵄: نزلت هذه الآية في عياش بن أبي ربيعة أخي أبي جهل لأمه، أي: أنه فعلت أمه نفس هذا الشيء، وعيروه بذلك، فثبت فإذا بالله يثبته في ذلك.
وجاء عن ابن عباس ﵄ قال: نزلت في جميع الأمة.
وهذا معناه: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
стр. 1392
تفسير قوله تعالى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات)
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ﴾ [العنكبوت:٩]، هذا جزاء الذل للمؤمنين، كما قال تعالى: ﴿لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت:٧].
فالله يجعل المؤمنين مع الصالحين، والصالحون هم من قاموا بأمر الله على الصلاح؛ فأصلحوا أنفسهم، فأصلح الله لهم سيرتهم، وأصلح حالهم وبالهم، وجعلهم في جنته .
والمعنى: الذين هم في غاية الصلاح، وقد بلغوا أقصى درجات الصلاح في كل أمورهم، فسنجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات معهم.
стр. 1393
تفسير قوله تعالى: (ومن الناس من يقول آمنا بالله)
قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [العنكبوت:١٠].
هنا ذكر فريقاً آخر من الناس الذين في إيمانهم ذبذبة: إما أنهم المنافقون، أو أن إيمانهم ضعيف بأقل فتنة يرتد ويرجع على عقبيه.
وقد كان من أهل مكة من آمن ودخل في دين الله تعالى: فلما هاجر النبي ﷺ مكثوا في مكة مستضعفين حتى كان عام الفتح.
قال الله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت:١٠]، فتنة الناس هنا عذاب الناس، فالمشركون كانوا يعذبون بعض المؤمنين، فإذا كان هذا المؤمن إيمانه ضعيف فيرى العذاب الذي ينزل به فيتزعزع إيمانه ويقول: ليس جهنم أكثر مما أنا فيه، فيرتد عن هذا الدين، وكأنه جعل عذاب الله يماثل عذاب البشر.
أو أنهم المنافقون الذين يظهرون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم.
وقد ذكرنا أن هذه السورة منها ما نزل بمكة، ومنها ما نزل بالمدينة، فإن كانت هذه الآية نزلت بمكة فالمقصود المؤمنون إيماناً ضعيفاً، وإن كانت نزلت بالمدينة فالمقصود المنافقون.
وقال مجاهد رحمه الله تعالى: نزلت هذه الآية في أناس كانوا يؤمنون بألسنتهم، فإذا أصابهم بلاء من الله أو مصيبة في أنفسهم افتتنوا.
وهنا التذكير للمؤمن أن يثبت على دينه، وأن يلازم أمر الله سبحانه، فإذا نزل به البلاء انتظر الفرج من الله ولا يتذبذب ولا يرتد على عقبيه؛ فإن في ردته شماتة للكفار به، وضياعاً له في دنياه وأخراه.
نسأل الله أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1394
تفسير سورة العنكبوت [١٢ - ١٥]
من رحمة الله بالناس أن أرسل إليهم أنبياءً ورسلاً يخرجونهم من الظلمات إلى النور، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ويدلونهم على طريق السعادة في الدنيا والآخرة، ولقد كانت سنة الله في خلقه أن يهلك من لم يتبع دعوة الرسل أو صد عن اتباع دعوتهم، وكان نوح ﵇ مثالاً لهذه السنة، حيث أهلك الله من خالفه واستكبر عن اتباع الحق الذي جاء به.
стр. 1395
دعوة الكافرين للمؤمنين أن يتبعوا سبيلهم
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة العنكبوت: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ * فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ * وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [العنكبوت:١٤ - ١٨].
يذكر الله هنا إشارات لقصص بعض الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام.
لقد دعا النبي ﷺ الناس إلى دين الله ، فاتبعه البعض، وكفر به الكثيرون، فقال الكفار المتعنتون لمن آمن من الضعفاء المستضعفين منهم: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت:١٢] أي: كونوا معنا في هذا الذي نحن فيه، ولا تتبعوا محمداً صلوات الله وسلامه عليه، وإذا كان عليكم ذنب فسوف نحمله عنكم يوم القيامة.
فبعد أن ذكر الله تعالى مقالتهم هذه أخبر عن كذبهم فقال: ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [العنكبوت:١٢] أي: لن يحملوا شيئاً من خطايا هؤلاء بحيث يخففون عنهم يوم القيامة، ولكن سيحملون أثقالهم مضاعفة: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت:١٣] أي: يكذبون.
стр. 1396
قصة نوح ﵇
إن هؤلاء الكفار ليسوا بالأمر الجديد، وليسوا أول من كفر بالله ، بل قد كفر قبلهم الكثير؛ ولذلك ذكر الله للنبي ﷺ أنه وإن يكذبوك فقد كذبت أمم من قبلهم، من هذه الأمم من أرسل الله إليهم نوحاً على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فبدأ به لأنه أبو الأنبياء ﵊، وثنى بإبراهيم لأنه أب بعد أب، فكان أبو الخلق آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام نبياً، وكان يدعو أبناءه وهم على التوحيد وليسوا كفاراً، ولكن كان فيهم بعض المعاصي.
стр. 1397
سبب شرك قوم نوح
تقادمت السنون والدهور، وجاء بعد آدم عشرة قرون كانوا على التوحيد، حتى تحول الناس من توحيدهم لله إلى عبادة الأصنام، وعبدوها من دون الله سبحانه، فأرسل الله إليهم نوحاً ﵇، وكان سبب شركهم ذلك: التصاوير والتماثيل والأصنام، فقال بعضهم لبعض: ﴿لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح:٢٣]، فكان سبب ضلال هؤلاء: هذه الآلهة التي عبدوها من دون الله سبحانه، وسبب وجود هذه الآلهة: أن الناس كان فيهم أناس صالحون يعبدون الله سبحانه، فأحبهم الناس، فلما مات هؤلاء الصالحون أتاهم إبليس ووجدهم في حزن على الذين ماتوا، وهم: ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، فقال لهم: اصنعوا لهم الصور حتى تذكروهم، فصوروا لهم الصور حتى تكون تذكاراً يتذكرون بها هؤلاء الأقوام الصالحين.
فلم يزالوا على ذلك حتى أتاهم الشيطان وقال لهم: اصنعوا لهم التماثيل حتى تذكروهم بها، فصنعوا التماثيل على قبورهم، وكانوا يذهبون وينظرون إليهم ليتعظوا، وليتذكروا هؤلاء الصالحين فيتأسوا بهم في صلاحهم، فلما مات من عرف ذلك من الآباء إذا بأولادهم وأحفادهم من بعدهم يقولون: كان آباؤنا يذهبون ويتبركون بهؤلاء ويعبدونهم، فبدل من أن الآباء كانوا يتعظون بهم ويتذكرون أعمالهم الصالحة ليعبدوا الله كما كانوا يعبدونه، انقلب الأمر عند الأبناء والأحفاد فعبدوهم من دون الله، وتواصى بعضهم مع بعض بعبادة هذه الآلهة.
فكان ذلك أول شرك على الأرض، وأول ما حدث الكفر والشرك بالله كان بعبادة هذه التماثيل، فأرسل الله نوحاً على نبينا وعليه الصلاة والسلام إلى هؤلاء القوم يدعوهم إلى عبادة الله ، قال الله : ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف:٥٩].
стр. 1398
ما واجه به قوم نوح نبيهم
لما دعا نوح قومه إلى الله ، وكانوا غلاظاً ذا شدة وقسوة في قلوبهم، رفضوا دعوة نوح ﵇، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود:٤٠]، فشكا نوح إلى ربه: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا * فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح:٥ - ١٢].
ودعاهم بالترغيب وبالترهيب، ثم أنكر عليهم مستغرباً متعجباً من صدودهم وإعراضهم: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح:١٣] أي: أين ذهبت عقولكم فتعبدون تماثيل لا تنفع ولا تضر، وتنسون ربكم ولا توقرونه؟! ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا * أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا﴾ [نوح:١٣ - ١٥]، إلى آخر ما ذكره نوح لقومه وهو يدعوهم إلى الله ، فرفضوا أن يطيعوه، وكان جوابهم: ﴿لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ [نوح:٢٣] أي: انتبهوا أن تتركوا الآلهة وتذهبوا إلى نوح.
فأوصى الآباء والأجداد الأبناء والأحفاد بذلك، وحذروهم من ترك الآلهة: ﴿لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ [نوح:٢٣ - ٢٤] أي: أنهم ضلوا وأضلوا، وعبدوا غير الله سبحانه ﵎.
стр. 1399
عاقبة المكذبين للرسل
لقد فصل الله في القرآن قصة نوح في مواطن، من أطولها ما جاء في سورة هود على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فذكر كيف أنه دعاهم فلم يستجيبوا له، فأغرقهم الله وأهلكهم.
وجاء كذلك تفصيل دعوة نوح لقومه في سورة نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وكيف دعاهم بالذي سبق من الآيات.
وفي سورة العنكبوت ذكر الله تعالى فيها إشارات الغرض منها: بيان أن قريشاً ليسوا أول من كذب، بل إن هناك أقواماً كذبوا من قبلهم، فأشار الله إلى هؤلاء الأقوام المكذبين وأنه أهلكهم، ثم ذكر أقواماً آخرين كذبوا فأهلكهم الله، وهكذا.
كأنه يفصل شيئاً ثم يرجع في النهاية يفند هذا الشيء بعد أن يجمله.
قال الله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٠] فذكر في هذه الآية إشارات للأقوام المكذبين وجمعها على طريقة اللف والنشر، فذكر في النهاية كيفية إهلاكهم بقوله: منهم من أهلكناه بكذا ومنهم من أهلكناه بكذا، وفي هذا تخويف لقريش، وكأنه يقول لهم: احذروا أن يصيبكم مثلما أصاب هؤلاء الأقوام، فيرسل عليكم حاصباً، أو تأخذكم صيحة من السماء، أو يخسف بكم الأرض أو يغرقكم، أو يفعل بكم ما يشاء، والله على كل شيء قدير.
стр. 1400
المدة التي مكثها نوح يدعو قومه
قال هنا في أمر نوح: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت:١٤]، ففي كل موضع يذكر فيه نبياً يذكر شيئاً يختص بهذا الموضع.
والذي اختصت به هذه السورة: أنه ذكر فيها المدة التي لبثها نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام في قومه، وهي مدة طويلة، جداً أشار إليها بقوله: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت:١٤] أي: تسعمائة وخمسون عاماً، ولم يعبر بتسعمائة وخمسين، بدلاً من ألف؛ لأن الألف لها وقع في السمع، فسماعك للألف غير سماعك للتسعمائة، لذلك إذا كتب في الأوكازيون: تسعمائة وتسعة وتسعون، ولم يكتب ألف، فإن الإنسان يحس أنها قليلة، فإذا ذكر ألف دخل في العقل أن الألف كثير، والمقصود أن نوحاً لبث كثيراً في قومه، فقال الله : إنه لبث في هؤلاء القوم الذين أهلكهم الله ألف سنة إلا خمسين عاماً.
ثم أغرقهم الله ، ثم بعثه الله إلى قوم غيرهم بعد ذلك، وهم أبناؤه وأحفاده ومن كانوا معه، فجاوز الألف السنة على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فكأن الفترة التي مكثها نوح ﵊ في هؤلاء القوم المهلكين ألف سنة إلا خمسين عاماً.
стр. 1401
دعوة نوح على قومه
لقد عاش نوح يدعو قومه حتى جاوز الألف التي ذكرها الله هنا في كتابه، قال تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت:١٤] فكذبوه ولم يؤمنوا به كما قال تعالى: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود:٤٠]، أي: لم يؤمن معه إلا العدد القليل، فكان يوصي بعضهم بعضاً، ويحذر بعضهم بعضاً من نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام؛ ولذلك دعا عليهم، وقال كما قال تعالى: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح:٢٦]، فقوله: (دياراً) وديور بمعنى واحد، والمعنى: لا تجعل عليها أحداً أبداً، والعرب تقول: لا تجعل على الأرض دياراً، ولا تجعل على الأرض ديوراً، أي: لا تجعل على الأرض أحداً، بمعنى: خذهم جميعاً واستأصل شأفتهم.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح:٢٧] أي: لا تذر أحداً يدور فوق الأرض من هؤلاء الكفار وأهلكهم جميعاً؛ لأنك إن تركتهم يضلوا عبادك، ولا يتركوا بعدهم إلا فاجراً كفاراً.
قال سبحانه هنا: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ﴾ [العنكبوت:١٤] وهذا ترتيب وتعقيب: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ﴾ [العنكبوت:١٤] فكانت فترة زمنية طويلة، ولكنها عند الله لا تساوي شيئاً: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧]؛ لأن اليوم من أيام القيامة بالألف السنة التي عاشها نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، قال الله : ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ﴾ [العنكبوت:١٤]، ﴿فَأَنجَيْنَاهُ﴾ [العنكبوت:١٥] وهذا يفيد الترتيب والتعقيب، كأنها أشياء متوالية بعضها وراء بعض.
فبين أن يدعوهم إلى الله، ثم يدعو عليهم، ثم يأخذهم الطوفان بالنسبة لنا مدة طويلة، ثم إنه ما دعا عليهم إلا بعد أن يئس منهم، ولم ييأس منهم إلا عندما أخبره الله سبحانه بقوله: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود:٣٦]، فلم يدع عليهم طوال هذه المدة حتى أخبره الله أنه لن يؤمن من قومه إلا من قد آمن، قال تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [هود:٣٦] أي: لا تحزن عليهم.
стр. 1402
هلاك قوم نوح بالطوفان
قال الله : ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ﴾ [العنكبوت:١٤]، الطوفان: هو الماء الذي أغرقهم، فإذا به يطوف بهم، فبعد أن كانوا فوق الماء صاروا تحته، فأغرقهم الله بأن أمر السماء أن تفتح أبوابها، وأمر الأرض أن تفتح أبوابها، فإذا بالماء ينبع من الأرض وينزل من السماء، وينطبق الماءان عليهم، فيهلكهم الله سبحانه بالغرق العظيم.
وممن أهلك الله في ذلك الطوفان: ابن نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، قال الله : ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾ [هود:٤٢] فرفض الابن الكافر أن يركب مع أبيه النبي عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وقال: ﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ﴾ [هود:٤٣] أي: سأطلع فوق الجبل ولن يصل إلي الماء، فاغتر بذلك وصعد إلى الجبل، فصعد الماء وراءه حتى أغرقه الله فكان من المغرقين.
ومعنى قوله سبحانه: ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ﴾ [العنكبوت:١٤] أي: أغرقهم الطوفان، وكأنه مارد جبار أمسكهم فلم يفلتهم، ولم يترك لهم مكاناً يلجئون فيه ويهربون إليه، فكأنه أمسك بهم وأغرقهم بقدرة الله فيه، وهذا دليل على الإهلاك الشديد، وعدم الإفلات من عذاب الله إذا نزل؛ ولذلك يقول الله بعد ذلك: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾ [العنكبوت:٢٢] فلو نزلتم داخل الأرض أو طلعتم إلى السماء فلن تهربوا منا.
قوله: ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:١٤]، أي: بسبب ظلمهم.
قال : ﴿فَأَنجَيْنَاهُ﴾ [العنكبوت:١٥] أي: أنجينا نوحاً على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وذلك أن الله أمره أن يصنع السفينة، فظل يصنعها سنين، وخلال هذه السنين كان يمر به قومه ويستهزئون به، قال سبحانه: ﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ [هود:٣٨] وذلك أنهم قالوا: كيف تصنع سفينة في الصحراء، وكيف تركبها، إذاً: أنت مجنون بفعلك هذا، فرد عليهم: ﴿قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ [هود:٣٨] انتظروا ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [هود:٣٩].
وجعل الله له علامة من العلامات تأتي وقت عذابهم، وهي أن الفرن الذي يتقد ناراً سيخرج منه الماء.
فلما رأى نوح تلك العلامة ركب السفينة وركب معه المؤمنون من قومه: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود:٤٠]، ثم أغرق الله الجميع، قال تعالى: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ [العنكبوت:١٥]، وأصحاب السفينة هم الذين أمره الله بحملهم من الإنس والدواب: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود:٤٠].
قال سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت:١٥] أي: جعلنا هذه القصة آية للعالمين، وجعلنا هذه السفينة آية عجباً؛ لأنه من العجب أن يصنع رجل واحد سفينة تحمل خلقاً عظيماً من الإنس ومن الدواب وممن شاء الله له أن يحمله، فهذه آية من آيات الله .
ثم ذكر من بعد نوح إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1403
تفسير سورة العنكبوت [١٦ - ٢٠]
مما يجب على الداعية تجاه المدعوين وبالأخص الكفار: أن يقيم لهم الدلائل العقلية والنقلية على صحة ما يعتقده، وهذا هو دأب القرآن والأنبياء في دعوة أقوامهم إلى الله تعالى، ومن هؤلاء إبراهيم ﵇، وقد ذكر الله جانباً من قصته في سورة العنكبوت المفسرة هاهنا.
стр. 1404
قصة إبراهيم ﵇ مع قومه
قال الله في سورة العنكبوت: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ * أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ [العنكبوت:١٦ - ٢١].
لما أخبر الله في هذه السورة أنه أرسل نوحاً إلى قومه ومكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً فلم يصدقوه عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، قال تعالى: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود:٤٠]، فأهلكهم الله بالطوفان: ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ * فَأَنجَيْنَاهُ﴾ [العنكبوت:١٤ - ١٥] أنجينا نوحاً، ﴿وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ [العنكبوت:١٥] المؤمنين الذين كانوا معه في السفينة، ﴿وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت:١٥] جعلنا هذه السفينة أو جعلنا هذه آية للعالمين.
قوله: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ [العنكبوت:١٦] نصب إبراهيم على أنه مفعول لقوله: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ﴾ [العنكبوت:١٥]، والمعنى: أنجينا نوحاً وإبراهيم أيضاً أنجيناه، فكأنها معطوفة على المفعول والفعل الذي هو أنجى، أو أنه نصب بفعل مقدر هنا وتقديره: واذكر ﴿إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ [العنكبوت:١٦] أي: وقت أن قال لقومه ودعاهم إلى الله ، ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:١٦]، ذكر نوحاً وهو الأب بعد آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فإنه كان قد أرسل إلى بنيه وكانوا مؤمنين موحدين، وفيهم من يعصي الله سبحانه، فالله أمره أن يدعوهم إلى طاعة الله، ويعلمهم ويرشدهم كما علمه الله سبحانه، لكن نوحاً ﵊ هو أول الأنبياء الذين أرسلوا إلى قوم كفار قد أشركوا بالله .
ولذلك جاء في الحديث: (كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلها على التوحيد)، وقوم نوح هم أول قوم بدءوا الكفر والشرك بالله سبحانه وعبادة الأصنام والأوثان، فأرسل الله إليهم نوحاً فدعاهم فكذبوه فأهلكهم الله وأغرقهم.
وفي هذه السورة الله يذكر النبي ﷺ أن الأذى الذي أوذيتم به ليس شيئاً جديداً، أو ليس شيئاً محدثاً لم يحدث للذين من قبلكم، بل هذا شيء قد حدث للسابقين من قبلكم، ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٩]، فلست رسولاً بشيء جديد، بل كل الرسل أرسلوا بالتوحيد، وكل الرسل أوذوا في الله سبحانه، فهذا نوح أوذي ألف سنة إلا خمسين عاماً وهو يدعو قومه إلى دين الله سبحانه، وكذلك أوذي إبراهيم أبو الأنبياء على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وكل الأنبياء من بعد إبراهيم ﵊ من ذريته من أبناء إسحاق، إلا نبينا صلوات الله وسلامه عليه فهو الوحيد من أبناء إسماعيل الذي صار نبياً ورسولاً، بل أفضل الرسل ﵊.
قال تعالى: (وَإِبْرَاهِيمَ) يذكره بما حدث لإبراهيم وهو الذي عاش في هذا المكان فترة، وقد كان ﵇ في العراق ثم هاجر إلى الشام، ومن ثم أمره الله أن يبني البيت فأتى بـ هاجر إلى الجزيرة، وأمره الله سبحانه بعدما شب ابنه إسماعيل أن يبني البيت هنالك وتركه ورجع إلى الشام، وكان يزروه في هذا المكان، فالعرب يعرفون إبراهيم جيداً عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
ولذا يقول هنا: اذكر إبراهيم ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ﴾ [العنكبوت:١٦]، فأمرهم بعبادة الله، وقد أوذي أذى شديداً ﵊، دعا قومه في العراق إلى عبادة الله وكانوا عباد أصنام وأوثان، ولما لم يستجيبوا له هاجر إلى الشام هو وابن أخيه لوط ﵊، فوجدهم عباداً للشمس والقمر وكانوا يعبدون الكواكب من دون الله، وكان ﵇ ناظر أهل العراق وناظر أهل الشام، ولم يستجب له لا هؤلاء ولا هؤلاء.
ولهذا قال إبراهيم لأهل العراق: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [العنكبوت:٢٦]، فما كان منه إلا أن هجرهم وهاجر إلى الله سبحانه ﵎ وتوجه إلى الشام الأرض المقدسة، ودعا القوم هنالك، وأقام هناك بالشام ﵊، على أنه قد ابتلي في نفسه وفي أهله، فابتلي في أبيه وابتلي في ابنه ﵊ بلاءً عظيماً، وقد ساق لنا الله جل وعلا القصص مختصرة في هذه السورة التي ليست من الطوال، بل من السور الوسط في كتاب الله ، فالله يذكر فيها إشارات إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وما ابتلوا به، وكأن الغرض من ذلك ذكر العذاب الذي نزل بالأمم الذين كذبوا الأنبياء، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٠]، فهم استحقوا ذلك بظلمهم أنفسهم ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩].
стр. 1405
دعوة إبراهيم ﵇ لقومه
إبراهيم بالسريانية معناها: أب رحيم، وهو اسم على مسمى، فهو أبو الأنبياء ﵊، وهو من أرحم الناس بخلق الله سبحانه، وقد رأينا كيف جادل الملائكة في قوم لوط لما أرادوا إهلاك قوم لوط فقال الملائكة لإبراهيم ﵊: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [العنكبوت:٣٢].
دعا قومه وهم عباد الأصنام والأوثان فقال لهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ﴾ [العنكبوت:١٦]، توجهوا إلى الله بالعبادة الخالصة ولا تشركوا بالله سبحانه، (وَاتَّقُوهُ)، أي: اتقوا غضب الله سبحانه فاجعلوا بينكم وبين عقوبته وقاية من الطاعة، فإن طاعة الله تقيكم وتنجيكم من عذاب الله وتدفع عنكم نار جهنم، فاجعلوا هذه وقاية لكم من عذابه سبحانه.
﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [العنكبوت:١٦]، أي: أن تلك العبادة العظيمة وهذا التوحيد العظيم يقيكم من عذاب الله، وهو خير لكم بل وهو الأفضل لكم ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:١٦]، إن كنتم تعلمون ذلك عبدتم الله سبحانه وأطعتموني.
ثم أخبرهم عن عبادتهم الباطلة ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا﴾ [العنكبوت:١٧] إن عبادتكم هذه التي تعبدونها مقصورة على هذه الأوثان الباطلة، فهي عبادة باطلة ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ﴾ [العنكبوت:١٧]، أي: كل ما تعبدون من دون الله هو باطل وكل عبادة لما هو دون الله سبحانه فهي عبادة باطلة.
﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا﴾ [العنكبوت:١٧]، أي: أصناماً تعبدونها من دون الله سبحانه، قالوا: الأوثان هي الأصنام، وفرق البعض بين الأصنام والأوثان، فالأوثان ما يعبد من دون الله سبحانه من حجر منحوت أما الأصنام فتكون مصنوعة من ذهب أو فضة أو نحاس ونحوها من معادن، وقيل: الأصنام ما كان مصوراً على هيئة والأوثان ما كان مصوراً أو غير مصور.
قال إبراهيم ﵊: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت:١٧]، والخلق: الصنعة، أي: الذي تصنعونه بأيديكم كذباً على الله هو إفك وباطل وكذب تكذبونه فتدعون أنها آلهة وأنتم إنما نحتموها بأيديكم.
﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ﴾ [العنكبوت:١٧] أي: تصنعون ﴿إِفْكًا﴾ [العنكبوت:١٧]، كذباً ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا﴾ [العنكبوت:١٧]، ومن الملاحظ هنا أنه تحدث بشيء من التفصيل في قصة إبراهيم؛ لأن النبي ﷺ بعث إلى هؤلاء العرب الذين شابهوا قوم إبراهيم في عبادة الأصنام ففصل لذلك، والسورة منها ما هو مكي ومنها ما هو مدني، فكأنه يشير لهؤلاء الكفار أنكم فعلتم فعل قوم إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وكان الأجدر بكم أن تصنعوا كما صنع إبراهيم أبو الأنبياء وهو أبوكم ﵊.
следующие страницы →