Полный текст (3 717 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.
стр. 1401
دعوة نوح على قومه
لقد عاش نوح يدعو قومه حتى جاوز الألف التي ذكرها الله هنا في كتابه، قال تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت:١٤] فكذبوه ولم يؤمنوا به كما قال تعالى: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود:٤٠]، أي: لم يؤمن معه إلا العدد القليل، فكان يوصي بعضهم بعضاً، ويحذر بعضهم بعضاً من نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام؛ ولذلك دعا عليهم، وقال كما قال تعالى: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح:٢٦]، فقوله: (دياراً) وديور بمعنى واحد، والمعنى: لا تجعل عليها أحداً أبداً، والعرب تقول: لا تجعل على الأرض دياراً، ولا تجعل على الأرض ديوراً، أي: لا تجعل على الأرض أحداً، بمعنى: خذهم جميعاً واستأصل شأفتهم.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح:٢٧] أي: لا تذر أحداً يدور فوق الأرض من هؤلاء الكفار وأهلكهم جميعاً؛ لأنك إن تركتهم يضلوا عبادك، ولا يتركوا بعدهم إلا فاجراً كفاراً.
قال سبحانه هنا: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ﴾ [العنكبوت:١٤] وهذا ترتيب وتعقيب: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ﴾ [العنكبوت:١٤] فكانت فترة زمنية طويلة، ولكنها عند الله لا تساوي شيئاً: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧]؛ لأن اليوم من أيام القيامة بالألف السنة التي عاشها نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، قال الله : ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ﴾ [العنكبوت:١٤]، ﴿فَأَنجَيْنَاهُ﴾ [العنكبوت:١٥] وهذا يفيد الترتيب والتعقيب، كأنها أشياء متوالية بعضها وراء بعض.
فبين أن يدعوهم إلى الله، ثم يدعو عليهم، ثم يأخذهم الطوفان بالنسبة لنا مدة طويلة، ثم إنه ما دعا عليهم إلا بعد أن يئس منهم، ولم ييأس منهم إلا عندما أخبره الله سبحانه بقوله: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود:٣٦]، فلم يدع عليهم طوال هذه المدة حتى أخبره الله أنه لن يؤمن من قومه إلا من قد آمن، قال تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [هود:٣٦] أي: لا تحزن عليهم.
стр. 1402
هلاك قوم نوح بالطوفان
قال الله : ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ﴾ [العنكبوت:١٤]، الطوفان: هو الماء الذي أغرقهم، فإذا به يطوف بهم، فبعد أن كانوا فوق الماء صاروا تحته، فأغرقهم الله بأن أمر السماء أن تفتح أبوابها، وأمر الأرض أن تفتح أبوابها، فإذا بالماء ينبع من الأرض وينزل من السماء، وينطبق الماءان عليهم، فيهلكهم الله سبحانه بالغرق العظيم.
وممن أهلك الله في ذلك الطوفان: ابن نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، قال الله : ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾ [هود:٤٢] فرفض الابن الكافر أن يركب مع أبيه النبي عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وقال: ﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ﴾ [هود:٤٣] أي: سأطلع فوق الجبل ولن يصل إلي الماء، فاغتر بذلك وصعد إلى الجبل، فصعد الماء وراءه حتى أغرقه الله فكان من المغرقين.
ومعنى قوله سبحانه: ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ﴾ [العنكبوت:١٤] أي: أغرقهم الطوفان، وكأنه مارد جبار أمسكهم فلم يفلتهم، ولم يترك لهم مكاناً يلجئون فيه ويهربون إليه، فكأنه أمسك بهم وأغرقهم بقدرة الله فيه، وهذا دليل على الإهلاك الشديد، وعدم الإفلات من عذاب الله إذا نزل؛ ولذلك يقول الله بعد ذلك: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾ [العنكبوت:٢٢] فلو نزلتم داخل الأرض أو طلعتم إلى السماء فلن تهربوا منا.
قوله: ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:١٤]، أي: بسبب ظلمهم.
قال : ﴿فَأَنجَيْنَاهُ﴾ [العنكبوت:١٥] أي: أنجينا نوحاً على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وذلك أن الله أمره أن يصنع السفينة، فظل يصنعها سنين، وخلال هذه السنين كان يمر به قومه ويستهزئون به، قال سبحانه: ﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ [هود:٣٨] وذلك أنهم قالوا: كيف تصنع سفينة في الصحراء، وكيف تركبها، إذاً: أنت مجنون بفعلك هذا، فرد عليهم: ﴿قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ [هود:٣٨] انتظروا ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [هود:٣٩].
وجعل الله له علامة من العلامات تأتي وقت عذابهم، وهي أن الفرن الذي يتقد ناراً سيخرج منه الماء.
فلما رأى نوح تلك العلامة ركب السفينة وركب معه المؤمنون من قومه: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود:٤٠]، ثم أغرق الله الجميع، قال تعالى: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ [العنكبوت:١٥]، وأصحاب السفينة هم الذين أمره الله بحملهم من الإنس والدواب: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود:٤٠].
قال سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت:١٥] أي: جعلنا هذه القصة آية للعالمين، وجعلنا هذه السفينة آية عجباً؛ لأنه من العجب أن يصنع رجل واحد سفينة تحمل خلقاً عظيماً من الإنس ومن الدواب وممن شاء الله له أن يحمله، فهذه آية من آيات الله .
ثم ذكر من بعد نوح إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1403
تفسير سورة العنكبوت [١٦ - ٢٠]
مما يجب على الداعية تجاه المدعوين وبالأخص الكفار: أن يقيم لهم الدلائل العقلية والنقلية على صحة ما يعتقده، وهذا هو دأب القرآن والأنبياء في دعوة أقوامهم إلى الله تعالى، ومن هؤلاء إبراهيم ﵇، وقد ذكر الله جانباً من قصته في سورة العنكبوت المفسرة هاهنا.
стр. 1404
قصة إبراهيم ﵇ مع قومه
قال الله في سورة العنكبوت: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ * أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ [العنكبوت:١٦ - ٢١].
لما أخبر الله في هذه السورة أنه أرسل نوحاً إلى قومه ومكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً فلم يصدقوه عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، قال تعالى: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود:٤٠]، فأهلكهم الله بالطوفان: ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ * فَأَنجَيْنَاهُ﴾ [العنكبوت:١٤ - ١٥] أنجينا نوحاً، ﴿وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ [العنكبوت:١٥] المؤمنين الذين كانوا معه في السفينة، ﴿وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت:١٥] جعلنا هذه السفينة أو جعلنا هذه آية للعالمين.
قوله: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ [العنكبوت:١٦] نصب إبراهيم على أنه مفعول لقوله: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ﴾ [العنكبوت:١٥]، والمعنى: أنجينا نوحاً وإبراهيم أيضاً أنجيناه، فكأنها معطوفة على المفعول والفعل الذي هو أنجى، أو أنه نصب بفعل مقدر هنا وتقديره: واذكر ﴿إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ [العنكبوت:١٦] أي: وقت أن قال لقومه ودعاهم إلى الله ، ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:١٦]، ذكر نوحاً وهو الأب بعد آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فإنه كان قد أرسل إلى بنيه وكانوا مؤمنين موحدين، وفيهم من يعصي الله سبحانه، فالله أمره أن يدعوهم إلى طاعة الله، ويعلمهم ويرشدهم كما علمه الله سبحانه، لكن نوحاً ﵊ هو أول الأنبياء الذين أرسلوا إلى قوم كفار قد أشركوا بالله .
ولذلك جاء في الحديث: (كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلها على التوحيد)، وقوم نوح هم أول قوم بدءوا الكفر والشرك بالله سبحانه وعبادة الأصنام والأوثان، فأرسل الله إليهم نوحاً فدعاهم فكذبوه فأهلكهم الله وأغرقهم.
وفي هذه السورة الله يذكر النبي ﷺ أن الأذى الذي أوذيتم به ليس شيئاً جديداً، أو ليس شيئاً محدثاً لم يحدث للذين من قبلكم، بل هذا شيء قد حدث للسابقين من قبلكم، ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٩]، فلست رسولاً بشيء جديد، بل كل الرسل أرسلوا بالتوحيد، وكل الرسل أوذوا في الله سبحانه، فهذا نوح أوذي ألف سنة إلا خمسين عاماً وهو يدعو قومه إلى دين الله سبحانه، وكذلك أوذي إبراهيم أبو الأنبياء على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وكل الأنبياء من بعد إبراهيم ﵊ من ذريته من أبناء إسحاق، إلا نبينا صلوات الله وسلامه عليه فهو الوحيد من أبناء إسماعيل الذي صار نبياً ورسولاً، بل أفضل الرسل ﵊.
قال تعالى: (وَإِبْرَاهِيمَ) يذكره بما حدث لإبراهيم وهو الذي عاش في هذا المكان فترة، وقد كان ﵇ في العراق ثم هاجر إلى الشام، ومن ثم أمره الله أن يبني البيت فأتى بـ هاجر إلى الجزيرة، وأمره الله سبحانه بعدما شب ابنه إسماعيل أن يبني البيت هنالك وتركه ورجع إلى الشام، وكان يزروه في هذا المكان، فالعرب يعرفون إبراهيم جيداً عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
ولذا يقول هنا: اذكر إبراهيم ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ﴾ [العنكبوت:١٦]، فأمرهم بعبادة الله، وقد أوذي أذى شديداً ﵊، دعا قومه في العراق إلى عبادة الله وكانوا عباد أصنام وأوثان، ولما لم يستجيبوا له هاجر إلى الشام هو وابن أخيه لوط ﵊، فوجدهم عباداً للشمس والقمر وكانوا يعبدون الكواكب من دون الله، وكان ﵇ ناظر أهل العراق وناظر أهل الشام، ولم يستجب له لا هؤلاء ولا هؤلاء.
ولهذا قال إبراهيم لأهل العراق: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [العنكبوت:٢٦]، فما كان منه إلا أن هجرهم وهاجر إلى الله سبحانه ﵎ وتوجه إلى الشام الأرض المقدسة، ودعا القوم هنالك، وأقام هناك بالشام ﵊، على أنه قد ابتلي في نفسه وفي أهله، فابتلي في أبيه وابتلي في ابنه ﵊ بلاءً عظيماً، وقد ساق لنا الله جل وعلا القصص مختصرة في هذه السورة التي ليست من الطوال، بل من السور الوسط في كتاب الله ، فالله يذكر فيها إشارات إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وما ابتلوا به، وكأن الغرض من ذلك ذكر العذاب الذي نزل بالأمم الذين كذبوا الأنبياء، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٠]، فهم استحقوا ذلك بظلمهم أنفسهم ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩].
стр. 1405
دعوة إبراهيم ﵇ لقومه
إبراهيم بالسريانية معناها: أب رحيم، وهو اسم على مسمى، فهو أبو الأنبياء ﵊، وهو من أرحم الناس بخلق الله سبحانه، وقد رأينا كيف جادل الملائكة في قوم لوط لما أرادوا إهلاك قوم لوط فقال الملائكة لإبراهيم ﵊: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [العنكبوت:٣٢].
دعا قومه وهم عباد الأصنام والأوثان فقال لهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ﴾ [العنكبوت:١٦]، توجهوا إلى الله بالعبادة الخالصة ولا تشركوا بالله سبحانه، (وَاتَّقُوهُ)، أي: اتقوا غضب الله سبحانه فاجعلوا بينكم وبين عقوبته وقاية من الطاعة، فإن طاعة الله تقيكم وتنجيكم من عذاب الله وتدفع عنكم نار جهنم، فاجعلوا هذه وقاية لكم من عذابه سبحانه.
﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [العنكبوت:١٦]، أي: أن تلك العبادة العظيمة وهذا التوحيد العظيم يقيكم من عذاب الله، وهو خير لكم بل وهو الأفضل لكم ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:١٦]، إن كنتم تعلمون ذلك عبدتم الله سبحانه وأطعتموني.
ثم أخبرهم عن عبادتهم الباطلة ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا﴾ [العنكبوت:١٧] إن عبادتكم هذه التي تعبدونها مقصورة على هذه الأوثان الباطلة، فهي عبادة باطلة ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ﴾ [العنكبوت:١٧]، أي: كل ما تعبدون من دون الله هو باطل وكل عبادة لما هو دون الله سبحانه فهي عبادة باطلة.
﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا﴾ [العنكبوت:١٧]، أي: أصناماً تعبدونها من دون الله سبحانه، قالوا: الأوثان هي الأصنام، وفرق البعض بين الأصنام والأوثان، فالأوثان ما يعبد من دون الله سبحانه من حجر منحوت أما الأصنام فتكون مصنوعة من ذهب أو فضة أو نحاس ونحوها من معادن، وقيل: الأصنام ما كان مصوراً على هيئة والأوثان ما كان مصوراً أو غير مصور.
قال إبراهيم ﵊: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت:١٧]، والخلق: الصنعة، أي: الذي تصنعونه بأيديكم كذباً على الله هو إفك وباطل وكذب تكذبونه فتدعون أنها آلهة وأنتم إنما نحتموها بأيديكم.
﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ﴾ [العنكبوت:١٧] أي: تصنعون ﴿إِفْكًا﴾ [العنكبوت:١٧]، كذباً ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا﴾ [العنكبوت:١٧]، ومن الملاحظ هنا أنه تحدث بشيء من التفصيل في قصة إبراهيم؛ لأن النبي ﷺ بعث إلى هؤلاء العرب الذين شابهوا قوم إبراهيم في عبادة الأصنام ففصل لذلك، والسورة منها ما هو مكي ومنها ما هو مدني، فكأنه يشير لهؤلاء الكفار أنكم فعلتم فعل قوم إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وكان الأجدر بكم أن تصنعوا كما صنع إبراهيم أبو الأنبياء وهو أبوكم ﵊.
стр. 1406
محاجة إبراهيم لقومه
قال عن إبراهيم أنه قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا﴾ [العنكبوت:١٧]، هذه الأصنام هل سترزقكم؟ أو هل ستأتيكم بالطعام والشراب؟ كلا! فهي لا تملك لكم شيئاً، وإبراهيم قال بقوله وفعل بفعله ما يدل على الإنكار على قومه، ولذلك لما خرج القوم -قوم إبراهيم- في يوم من الأيام إلى عيد لهم جهزوا طعامهم ووضعوه أمام أصنامهم كأنهم ينتظرون من الأصنام أن تبرك هذا الطعام فتجعل فيه البركة، آملين أن يرجعوا فيأكلوا هذا الطعام، فذهب إبراهيم إلى هذه الأصنام فإذا به يجد هذا الطعام عندهم فقال: ما لكم؟ ألا تأكلون؟ كلوا من هذا الطعام الذي أمامكم، ويستفهم متعجباً لجهل قومه وما هم فيه من باطل وذهاب عقولهم، وهل هذه الأصنام تأكل أو تشرب حتى تضعوا الطعام أمامها؟! وهل هذه الأصنام تملك لنفسها شيئاً من أجل أن تبرك لكم هذا الطعام الذي أمامها؟ فإذا به يقول للأصنام ﴿مَا لَكُمْ لا تَنطِقُونَ﴾ [الصافات:٩٢]، لماذا لا تردون ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ [الصافات:٩٣]، فكسر جميع الأصنام الموجودة إلا كبيراً لهم تركه حتى يرجعوا فيتساءلوا: لماذا هؤلاء كسروا وهذا لم يكسر؟ وإذا كان لم يكسر فلماذا لم يدافع عن غيره؟ فلما رجعوا ووجدوا ذلك قالوا: ﴿مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٥٩]، من صنع هذا بآلهتنا؟ والعجب أن تلك الآلهة من قبل البشر، وكأن الناس لا يفهمون ما الذي يقولونه! ﴿مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٥٩]، من هذا الذي يقدر أن يظلم الإله؟ بل هم لا يعقلون ما يقولون! ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ * قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ [الأنبياء:٦٠ - ٦١].
ائتوا بإبراهيم واسألوه: ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء:٦٢ - ٦٣]، كل ذلك من أجل أن يتساءلوا، ولكن هيهات فقد ذهبت هذه العقول، ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء:٦٣]، والمعنى كأنه يقول: مستحيل أن يصنع أحد منهم ذلك، فلا كبيرهم ولا صغيرهم يستطيع فعل شيء من ذلك، وإنما يذكر إبراهيم هذا الشيء حتى يعقلوا ويفهموا، كأنه يقول معرضاً في الكلام: إن كان هؤلاء ينطقون فقد فعله الكبير، ولكن الحقيقة أنهم لا ينطقون فكيف يصنع هذا الكبير؟! فعرض في الكلام، وهذه إحدى كذبات إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فإنه لم يكذب في حياته إلا ثلاث كذبات فقط، ومن منا يعيش طول عمره لا يكذب إلا ثلاث مرات فقط؟! وإبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ما كذب كذباً صريحاً وإنما كان تعريضاً.
فهنا لما قال: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء:٦٣]، فكأنه علق فقال: هو الكبير هذا لو كانوا ينطقون، فإذا عقلتم أنهم لا ينطقون فستدركون أن الكبير لم يصنع، بل إن أحداً آخر صنع هذا الشيء، فليس كذباً صريحاً وإنما هو تعريض في الكلام من إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنبياء:٦٤]، رجعوا إلى أنفسهم في المعاتبة فكانوا يعاتب بعضهم بعضاً، أما أنهم رجعوا إلى عقولهم فلا، ولكنهم رجعوا إلى أنفسهم بالعتب فقالوا: أنتم ظالمون، أين الحراس الذين يحرسون الآلهة؟! كلام الجهلاء الأغبياء الذين لا يفكرون، أي آلهة هذه التي تحتاج إلى من يحرسها؟ قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء:٦٥]، ثم تواصوا فيما بينهم وتشاوروا ماذا يصنعون فيه؟ وقد ذكر لنا هنا سبحانه أنهم ﴿قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾ [العنكبوت:٢٤]، فهذان خياران أمامكم: إما القتل بالسيف، وإما الإحراق بالنار، ولنرجع إلى الآيات في مجادلة إبراهيم ﵊ لهؤلاء.
قال ﵇: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا﴾ [العنكبوت:١٧]، لا يملكون أن يطعموكم ولا أن يسقوكم ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ [العنكبوت:١٧]، ارجعوا إلى ربكم، فأنتم عندما تنزل بكم المصيبة ترفعون أيديكم وتنادون: يا رب! وهذا دأب الكفار دائماً في كل زمان، عندما تنزل بهم المصيبة يستغيثون بالله وحده لا بالآلهة، فقال لهم إبراهيم: هذا الإله العظيم الذي تدعونه عند المصائب هو الذي يملك لكم الرزق ﴿وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت:١٧]، أنتم راجعون ليجازيكم وليحاسبكم، وهذه قراءة الجمهور، وقراءة يعقوب (إليه ترجِعون) والمعنى: أنتم ترجِعون إلى الله فهو وحده إليه المرجع والمآب.
﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا﴾ [العنكبوت:١٨]، فتستمروا في تكذيبكم ﴿فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [العنكبوت:١٨]، يعني: لستم أول من كذب، ولكن هذه عادة الكفار مع أنبيائهم عليهم الصلاة والسلام، ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [العنكبوت:١٨]، كل رسول عليه البلاغ وليست عليه النتيجة، ولذلك يأتون يوم القيامة فيأتي النبي ومعه الرهط، ويأتي النبي ومعه القوم الكثيرون، ويأتي النبي وليس معه أحد قد دعا قومه ولم يستجب له أحد ﵊، فليس مسئولاً عن النتيجة، بل النتيجة على الله .
﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [العنكبوت:١٨]، وهنا بيان أن وظيفة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام هي التبيين والتوضيح، وأنهم لا يتركون شبهة من الشبهات، وهذا هو الذي عليهم فحسب ﴿الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [العنكبوت:١٨]، أي: الواضح الذي لا غموض فيه ولا إشكال.
стр. 1407
تذكير إبراهيم لقومه بقدرة الله تعالى
قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [العنكبوت:١٩]، (أولم يروا) إما أنه كلام من الله يقول لهؤلاء الموجودين: أولم ير هؤلاء الكفار كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده؟ أو أنه من كلام إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وهذه رواية شعبة عن عاصم، وقراءة حمزة والكسائي وخلف: (أولم تروا) بالخطاب كأنه من إبراهيم يقول لقومه: (أولم تروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده)، والإنسان يرى كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده في كل يوم وفي كل فصل من الفصول، فالناس ينظرون إلى النبات كيف يبدؤه الله سبحانه، فيكون حبة في الأرض ثم تنمو سنبلة، ثم تصير فيها الحبوب، ثم يأكلها الإنسان وتموت ثم يزرعها مرة ثانية، وفي كل ذلك يرى الناس كيف يبدأ الله الخلق ثم يعيده مرة ثانية.
وكما يرى في الحيوان كيف يتوالد أمامه، كيف يبدئ الله خلقه فيكون صغيراً ثم يكبر، ثم يتزاوج، ثم يأتي منه النسل ويموت الأب، بل يرى كل إنسان في نفسه كيف يكون منه الذرية وكيف يموت الكبار ويعيش الصغار، يرى في كل يوم آيات الله سبحانه ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [العنكبوت:١٩] ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [العنكبوت:١٩]، والمعنى: إذا كنتم في الدنيا ترون هذا فكيف لا يقدر على ذلك يوم القيامة سبحانه؟! بل هو على الله سبحانه يسير.
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [العنكبوت:٢٠]، وكأن الله هنا يأمر نبيه ﷺ أن يقول للكفار: سيروا في الأرض واذهبوا جنوباً وانظروا قوم عاد وما صنع الله بهم وسيروا شمالاً وانظروا كيف صنع بقوم ثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة، ما الذي صنعه الله بهؤلاء.
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الخَلْق﴾ [العنكبوت:٢٠].
أي: كيف بدأ الله خلقه فأوجد القرون السابقة، فسيروا وتبينوا وانظروا وتدبروا، ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ﴾ [العنكبوت:٢٠] أي: يعيد الخلق مرة ثانية.
فالذي بدأه من عدم قادر على أن يوجده من عدم أو من تراب مرة أخرى ، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ﴾ [العنكبوت:٢٠]، أي: يعيده ويخلقه، والنشأة الآخرة: الخلق الآخر، أي: مرة أخرى، وقراءة الجمهور (النشأة الآخرة)، وقراءة ابن كثير وأبي عمرو (النشاءة الآخرة).
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [العنكبوت:٢٠]، فإنه يقدر على الخلق، ويقدر على الرزق ويقدر على الجزاء لعباده والحساب لهم، ويقدر أن يدخلهم جنته برحمته أو أن يدخلهم ناره بعدله سبحانه، والله على كل شيء قدير ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ [العنكبوت:٢١].
стр. 1408
تفسير سورة العنكبوت [١٦ - ٢٥]
يخبر الله تعالى عن الخليل إبراهيم ﵇ أنه دعا قومه إلى التوحيد، وأرشدهم إلى إثبات المعاد الذي ينكرونه بما يشاهدونه في أنفسهم من خلق الله إياهم من العدم، فالذي بدأ الخلق قادر على إعادته، ثم أرشدهم إلى الاعتبار بما في الآيات المشاهدة: السماوات وما فيها من الكواكب والنجوم الثابتة والسيارة، والأرضين وما فيها من مهاد وجبال وأودية وبرارٍ وقفار وبحار وأنهار وأشجار، فكل ذلك دال على وجود صانعها وهو الله .
стр. 1409
لمحة مختصرة عن دعوة إبراهيم قومه إلى التوحيد وترك الشرك
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
ذكر الله قصة إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام في سورة العنكبوت باختصار، مشيراً فيها إلى أن إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام دعا قومه إلى عبادة الله سبحانه، وترك الأوثان والأصنام التي كانوا يعبدونها من دون الله، قال : ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ﴾ [العنكبوت:١٦] أي: توجهوا إلى الله وحده بالعبادة واحذروا عقوبته سبحانه، ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:١٦] أي: لو كنتم تعلمون وتفهمون، ولو اطلعتم على هذا الأمر وحقيقة ما يكون يوم القيامة لعلمتم أن الخير لكم في الدنيا والآخرة هو بتوحيد الله تعالى وعبادته.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت:١٧] أي: هذه المعبودات التي تعبدونها من دون الله أنتم الذين صنعتموها ونحتموها، فعبدتم كذباً اختلقتموه واخترعتموه.
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ [العنكبوت:١٧] وقد علم كل إنسان كافر أن الآلهة الباطلة التي يعبدها من دون الله لا تملك له نفعاً ولا ضراً، ولا تملك له رزقاً ولا تمنعه عنه، إنما الذي يرزق وينفع ويضر هو الله ، فأمرهم إبراهيم أن يبتغوا عند الله الرزق، وأن يدعوا الله سبحانه ويطلبوا من الله ويتوكلوا عليه ويعبدوه ويشكروا له، قال: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت:١٧].
وكلام إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام كلام جميل فصيح بليغ، فهو يدعوهم إلى الله سبحانه، وبين لهم في هذه الجملة الواحدة أن هذه الآلهة لا تملك شيئاً لنفسها ولا لهم، لا تملك رزقاً؛ لأن الذي يملك الرزق هو الله ، فإذا كان كذلك فاطلبوا الرزق ممن يملكه، فهنا يعلمهم ويعلم غيرهم ألا يتوكل المرء على غير الله سبحانه، فأنت لا تطلب الرزق ممن لا يملك لنفسه شيئاً، بل اطلب الرزق من الله ، وارفع يدك إليه وادعه مخلصاً له سبحانه، فهو الذي يعطيك، فإذا كان هو الذي يعطي فاعبده سبحانه، وتوجه بالعبادة إليه، ومن العبادة الدعاء والتوكل على الله والاستغاثة به واللجوء إليه سبحانه، وكذلك الصدق مع الله ومحبته والإخلاص له وتوحيده بجميع أنواع العبادات.
قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت:١٧] أي: اشكروا الله أن ترككم وأمهلكم حتى الآن وأنتم تعبدون غيره لعلكم تتوبون إليه سبحانه، اشكروه أن رزقكم وأنتم تكفرون به وتشركون به، واشكروه أن جعل فيكم من يدعوكم إليه ، فاشكروا نعمة الله عليكم بإعطائه ومنه عليكم، وتذكروا أنكم إليه ترجعون.
﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا﴾ [العنكبوت:١٨] هذا من خطاب إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام لقومه، أو أن الله يقول لهؤلاء المشركين: لستم أول من كذب، كما أن قوم إبراهيم ليسوا أول من كذب، ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [العنكبوت:١٨] أي: ليس أمراً جديداً أن يكذب قوم إبراهيم إبراهيم ﵊، فقد كذبت الأمم من قبل ذلك، وليس جديداً أن تكذب الرسل، فقد ذكر الله لنبيه ﷺ : ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فاطر:٤] فالرسل قد كذبهم أقوامهم أول ما دعوهم إلى الله ، ثم من الله بعد ذلك بالهدى على من يشاء، قال: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [العنكبوت:١٨] أي: يأخذ بالأسباب والنتيجة على الله سبحانه ﵎.
стр. 1410
تفسير قوله تعالى: (أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق إن الله على كل شيء قدير)
قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [العنكبوت:١٩] يأمر الله عباده أن يتأملوا في الكون ويتأملوا في المخلوقات كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده، والناس يرون ذلك أمامهم من توالد الحيوانات، ومن الزروع والثمار كيف يخلقها الله ، وكيف تنمو البذور وتصير أشجاراً وتصير ثماراً، وتصير للناس حبوباً وطعاماً، ثم بعد ذلك تصير إلى التراب مرة ثانية، ثم يعيدها الله مرة أخرى فتنبت من هذا التراب نبتاً آخر بفضل الله سبحانه، ((أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ)) وكلما تقدم علم الإنسان نظر أكثر في ذلك، فهاهم الآن يقولون: تولد كواكب جديدة وتفنى كواكب قديمة، فهذه أشياء خلقها الله وأبدعها ويراها الإنسان، قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر:٢٨]، فكلما تقدم علم الإنسان ازداد معرفة بربه سبحانه ويقيناً بأنه القادر على كل شيء، فهو يخلق ويرزق وينفع ويضر ويحيي ويميت ويفعل ما يشاء، قال لعباده: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [العنكبوت:١٩] أي: إعادة الخلق مرة ثانية يسير على الله.
стр. 1411
تفسير قوله تعالى: (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق)
قال الله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [العنكبوت:٢٠] أي: تأملوا في المخلوقات حتى تعرفوا كيف خلقهم الله سبحانه على كثرتهم وتفاوت هيئاتهم، واختلاف ألسنتهم وألوانهم وطبائعهم، كيف بدأ الخلق من آدم ﵊ وانتشر منه هذا العدد الجم المهول والجمع الغفير من الخلق، ويتكلمون بألسنة شتى ولسان آدم خلقه الله واحد، فكيف اختلفت هذه الألسنة؟! فهذا يتكلم بالعربي وهذا بالعجمي وهذا بالهندي وهذا بالصيني وهذا، والله يسمع هذا كله، ويعرف من عباده ما يقولون، ويستجيب لعباده سبحانه.
اختلفت طبائعهم بحسب ما خلقهم الله من الأرض، فهذا مخلوق من هذه الأرض، وهذا من هذه الأرض، فكان من الأرض السهل والجبل والصعب والوعر، وكذلك أخلاق الناس كهذه الأرض التي خلقوا منها، والله على كل شيء قدير.
انظروا إلى مساكن القرون الماضية كيف سكنوا وكيف عمروا في هذه الأرض، وكيف أهلكهم الله، ﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص:٥٨] فتأملوا في الخلق، وتدبروا كيف يصنع الله مع عباده ما لم يكن على بالهم وما لم يخطر بحسابهم، قال : ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ﴾ [العنكبوت:٢٠] كما بدأ الخلق أول مرة وأفناه فإنه يعيده نشأة أخرى، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [العنكبوت:٢٠]، لم يقل: على الإعادة قدير، ولكن على الإعادة وعلى الإفناء وعلى كل شيء هو قدير .
стр. 1412
تفسير قوله تعالى: (يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير)
قال الله تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ [العنكبوت:٢١] فمن قدرة الله سبحانه كما يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويعيد النشأة مرة ثانية بعد الإفناء، كذلك يحاسب ويعذب ويرحم سبحانه، يعذب من يشاء من خلقه ويرحم من يشاء من خلقه ﴿وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ [العنكبوت:٢١] أي: ترجعون إليه سبحانه.
قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ﴾ [العنكبوت:٢٢] أين تهربون من الله ؟ هل تظنون أنكم سوف تفلتون من الله وتهربون منه؟! لن تعجزوا ربكم سبحانه.
فقوله ((وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ)) هذا من الإعجاز القرآني العظيم؛ لأن فيه إشارة إلى أن الناس سيحاولون الصعود إلى السماء، سيحاولون ذلك، وكان الماضون من المفسرين يتعجبون لهذه الكلمة، فيقولون: وما أنتم بمعجزين في الأرض وأنتم فيها، ولا في السماء فرضاً جدلياً؛ لأنهم لم يروا أحداً، يعني: لن تعجزوا الله لا في الأرض ولا في السماء.
ولم ينزل القرآن للسابقين فقط، بل القرآن للجميع حتى تقوم الساعة، فهو يخاطب الجميع، والله يعلم أنكم في يوم من الأيام ستصنعون الصواريخ والطائرات، وتصعدون إلى السماء، وتظنون أنكم أقوياء وتعجزون غيركم، لكن ولو ذهبتم إلى السماء فلن تقدروا أن تفلتوا من الله ، ولا تتحركون من مكان إلى مكان إلا بإذن الله وبقضاء الله وقدره .
﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ [العنكبوت:٢٢] أي: من يتولى أمركم من دون الله؟ لا أحد، من ينصركم من دون الله؟ لا أحد.
إذاً: لا ولاية لأحد يتولى أمركم إذا أراد الله بكم شيئاً، ولا ينصركم أحد من دون الله إن أراد بكم شراً.
стр. 1413
تفسير قوله تعالى: (والذين كفروا بآيات الله ولقائه)
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُوْلَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [العنكبوت:٢٣] أي: أن الكفار يئسوا من رحمة الله سبحانه، وعبدوا الأصنام والأوثان، فهم الذين ذهبوا بأنفسهم إلى ذلك، وهنا بيان أن الذي يموت على الكفر مستحيل أن يدخل جنة الله ، فليس من حق إنسان أن يدعو لكافر قد مات على الكفر بالرحمة؛ لأن الله أيئسه من رحمته، فقال ((أُوْلَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي)) إذاً: الكافر الذي أعرض عن الله سبحانه ويستحق أن يعيش في الدنيا معيشة ضنكاً، وعندما يموت الكافر على كفره لم يستحق رحمة الله، (أولئك يئسوا): أي: أيئستهم من رحمتي وكتبت عليهم أنه لا رحمة لهم، وأنهم لا يخرجون من النار، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].
﴿وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [العنكبوت:٢٣] ذكر الله أن الكافر يستحق النار خالداً فيها، ويستحق العذاب الأليم المؤلم الموجع.
стр. 1414
تفسير قوله تعالى: (فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه)
قال تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنجَاهُ اللَّهُ مِنْ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت:٢٤] كأن إبراهيم ذكرهم بعبادة الله سبحانه ودعاهم دعوة طويلة، وفي النهاية ما كان جوابهم إلا الإعراض، ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:١٧١].
فقوله: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ [العنكبوت:٢٤] هذا حصر لجوابهم، فهم لم يفكروا في دعوة إبراهيم ﵇ ولم يناقشوه، بل تشاور بعضهم مع بعض، فقال بعضهم: اقتلوه، وقال بعضهم: حرقوه؛ وأشنع وسيلة لقتل الإنسان أن يحرق بالنار.
ولذلك نهانا الله عن ذلك على لسان النبي ﷺ ، وأخبرنا أنه لا يحرق بالنار إلا ربها .
قال تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ﴾ [العنكبوت:٢٤] وهنا اختصر ربنا القصة ولم يفصلها كما فصلها في غير هذه السورة، ففي سورة الأنبياء جاء الأمر من الله : ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء:٦٩ - ٧٠].
فقوله: ((فَأَنجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ)) فيه بيان قدرة الله سبحانه، الأمر لا يحتاج إلى عناء ولا إلى تعب، حاشا لله ! ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] فهم تشاوروا مع بعضهم واتفقوا على أن يشعلوا ناراً عظيمة، وأججوها حتى كانوا يبتعدون عنها حتى لا تلفحهم هذه النار، ووضعوا إبراهيم في منجنيق، ومن بعيد ألقوا بإبراهيم في النار، فإذا بالله يأتي أمره إلى النار: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩] فصارت النار جنة لإبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فرأوا أمامهم آية عظيمة، ويا ليتهم آمنوا بالله سبحانه وصدقوا بإبراهيم ﵊! ولكن أصروا على ما هم فيه من كفر وعناد، قال الله سبحانه: ﴿فَأَنجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾ [العنكبوت:٢٤] لكن هذه الآيات لم تنفع هؤلاء الكفار ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت:٢٤] أي: من كان يؤمن ومن كان في قلبه الهدى والتقى تنفعه هذه الآيات.
стр. 1415
تفسير قوله تعالى: (وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثاناً مودة بينكم)
قال إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام مجادلاً لقومه، وكأن الله سبحانه أسرع بالإخبار عما حدث لإبراهيم وكيف نجاه الله سبحانه ثم رجع إلى إتمام هذه القصة في مناقشة إبراهيم لقومه، قال: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت:٢٥] أي: أنكم ما عبدتم غير الله إلا لهذا الغرض ولهذا الهدف وهو المودة التي بينكم في الحياة الدنيا، ومن أجل أن يشجع بعضكم بعضاً ويعين بعضكم بعضاً، ويجامل بعضكم بعضاً، ويحب بعضكم بعضاً، فإذا حدث هذا في الدنيا فلن تنفعكم هذه المودة يوم القيامة، ((وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا)) تماثيل تعبدونها من دون الله، ﴿مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (مودة) كأنه مفعول لأجله، أي: من أجل المودة التي بينكم في الحياة الدنيا، وهذه فيها ثلاث قراءات للقراء: فـ حفص عن عاصم وحمزة وروح وخلف يقرءون: ﴿مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [العنكبوت:٢٥].
وقرأها ابن كثير وأبو عمرو والكسائي وقرأها رويس عن يعقوب: ((مَوَدَّةُ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)).
وقرأها باقي القراء: (مودةً بينكم في الحياة الدنيا).
(إنما اتخذتم من دون الله) كأنه على الابتداء، والخبر الذي اتخذتموه مودة بينكم في الحياة الدنيا، وباقي القراء يقرءونها: ((مَوَدَّةً بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا))، أي: اتخذتم ذلك مودةً بينكم؛ لأن حاله أن يكون كذلك، أو لأجل المودة التي تكون بينكم في الحياة الدنيا.
((ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ)) لأنه ليس كل مودة تنفع صاحبها يوم القيامة؛ لأن آية الإيمان الحب في الله والبغض في الله، فيحب المؤمن أخاه في الله، فينتفع بهذه المودة في الدنيا، ويوم القيامة أن يشفع أحدهم لصاحبه، وأن يظلهما الله بظله يوم لا ظل إلا ظله.
أما مودة الكفار فيما بينهم فهي فقط في الدنيا، ولكن يوم القيامة قال: ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [العنكبوت:٢٥] وقال تعالى في سورة غافر: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ﴾ [غافر:٤٧] فيرد عليهم الكبار ويقولون: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ﴾ [سبأ:٣٢] أي: نحن لم نمنعكم من الهدى وإنما كنتم مجرمين، فيحدث بينهم يوم القيامة وهم في النار شجار، فيتشاجر بعضهم مع بعض، ويشتم بعضهم بعضاً، ويلعن بعضهم بعضاً.
يقول سبحانه: ﴿وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ﴾ [العنكبوت:٢٥]: ملاذكم نار جهنم، ولن تخرجوا من نار جهنم ((وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ)).
يعني: هذه النار التي تكون يوم القيامة هي نار جهنم، وهي سوداء مظلمة على أصحابها، تضطرم عليهم، وهم في هذه النار يشتم بعضهم بعضاً كل يقول للآخر: أنت السبب الذي أدخلتني فيها، ثم يقولون: لو قلنا لخزنة النار أن يشفعوا لنا، فخزنة النار لا تجيبهم ولا ترد عليهم، فيصبرون صبراً طويلاً، فطال صبرهم ثم جزعوا، فقالوا: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم:٢١] فقالوا لبعضهم: نادوا ربكم، فقالوا: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٧] أي: لن نعود إلى تكذيب الرسل، وظنوا أنه سيرحمهم، فأجابهم: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨].
فهذه نار جهنم التي يدوم مكثهم فيها لا حياة كريمة لهم فيها ولا راحة فيها ولا موت يستريحون به، لذلك المؤمن يتخيل ما يكون في النار، ويتذكر قول الله سبحانه: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥].
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1416
تفسير سورة العنكبوت [٢٥ - ٢٧]
يبين الله سبحانه ما قاله إبراهيم ﵇ حين حاور قومه عبدة الأصنام فقال: إن هذه الأوثان التي اتخذتموها وعقدتم عليها المودة والمحبة الظاهرة بينكم في الحياة الدنيا، فإذا جاء يوم القيامة كفر بعضكم ببعض ولعن بعضكم بعضاً، وانقلبت الصداقة عداوة، ثم فارقهم بعد ذلك فهاجر هو وزوجه وابن أخيه إلى الشام ليدعو أقواماً غيرهم علهم يستجيبون له ﵇.
стр. 1417
تفسير قوله تعالى: (وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثاناً مودة بينكم)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت:٢٥] لقد قد أخبرنا الله فيما سبق من الآيات كيف دعا إبراهيم ﵊ قومه إلى عبادة الله، وإلى ترك ما يعبدون من أصنام وأوثان من دون الله سبحانه، وبين لهم أن هذه المعبودات لا تنفعهم، وأنها لا تملك لهم رزقاً.
وأمرهم أن يطلبوا الرزق عند الله الذي هو خالقهم ، والذي هو رازقهم ويملك نفعهم وضرهم سبحانه، وأمرهم أن يعبدوه وأن يشكروا له، وأخبرهم أنهم راجعون إليه.
وأنهم إن كذبوا فليس هذا شيئاً جديداً على الرسل ولا من الأمم، فقد كذب قبلهم أقوام رسلهم فجاءهم العذاب من عند الله، وليس على الرسول إلا البلاغ المبين.
ثم أخبرهم إبراهيم ﵊ أن الله يبدأ الخلق وهو القادر على إعادته، وأنه يعذب من يشاء، وأنه يرحم من يشاء، وأنه إليه يقلبون ويرجعون وأنهم لن يعجزوا الله هرباً في الأرض ولا في السماء، وليس لهم من دونه ولي يتولى أمرهم، وليس لهم من دونه نصير قوي ينصرهم.
ولما أخبر بذلك كان جواب هؤلاء الأقوام عليه يدل على سفاهتهم فلم ينظروا فيما قال من حجج، وفيما هم فيه من باطل، وإنما تشاوروا كيف يقضون عليه وعلى دعوته، هل نقتله أم نحرقه؟ وأرادوا أشنع أنواع القتل لإبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام حتى يمنعوا أي أحد يريد أن يؤمن ويصدق بما جاء به، وحتى يمنعوا من يأتي بعده أن يقول كما يقول إبراهيم فقالوا: ﴿اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾ [العنكبوت:٢٤].
فلما أوقدوا له ناراً وألقوه فيها جاءت رحمة رب العالمين سبحانه: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩] وأرادوا به كيداً فجعلهم الله الأخسرين والأسفلين، وجعل هذا الذي فعله مع إبراهيم آية من الآيات لقوم يؤمنون.
قال إبراهيم لقومه: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [العنكبوت:٢٥] أي: أن عباد النيران وعباد الأصنام وعباد الشيطان يعبدون ذلك وتكون بينهم مودات في الحياة الدنيا على ما هم فيه من باطل، فتجد الكفار يميل بعضهم إلى بعض، ويرضى بعضهم عن بعض في الظاهر، أما القلوب ففيها الحقد، والحسد، والخوف من الناس، والغيرة من الغير.
فالله جعل قلوبهم متفرقة وإن اجتمعوا على ضلالة واحدة، فيظهر بعضهم لبعض المودة، ثم يوم القيامة يظهر الله ما في صدورهم، يظهر ذلك في النار فيشتم بعضهم بعضاً، ويلعن بعضهم بعضاً، ويتبرأ بعضهم من بعض، يقول الله سبحانه: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت:٢٥].
стр. 1418
تفسير قوله تعالى: (فآمن له لوط)
﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [العنكبوت:٢٦].
والوحيد الذي استجاب لإبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، لوط ابن أخيه وقال بعض المفسرين: ابن أخته، ولكن الغالب على أنه ابن أخي إبراهيم ﵊، فإبراهيم عم لوط عليهما الصلاة والسلام.
فلوط آمن لإبراهيم وجعله الله بعد ذلك نبيناً آمن وقال: ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ [العنكبوت:٢٦].
يعني: إبراهيم ترك قومه وهاجر إلى الله لما لم يجد أحداً يؤمن به، ولن يهاجر إلا بإذن ربه ، فهجرته إلى ربه الهجرة الخالصة، وإبراهيم ﵇ كان مولده في بلدة في جنوب العراق اسمها كوثا، وهو المكان الذي أرادوا قتله فيه، فهاجر بعد ذلك من جنوب العراق إلى شمال العراق إلى مكان اسمه حران في الشمال، ومن حران ذهب إلى الشام.
فكأن هجرة إبراهيم من عند قوم يعبدون الأصنام إلى مكان آخر يعبدون فيه غير الله أيضاً؛ ليدعوهم إلى الله، وفي كل مكان كان يناظر قومه، ويدعوهم إلى الله ، وهم يرفضون الاستجابة لإبراهيم.
فكأنه توجه مرتين في هجرته: مرة من جنوب العراق من المكان الذي أرادوا حرقه فيه، وهو الآن قريب من البصرة في جنوب العراق، فتوجه إلى شمال العراق إلى حران، ثم وجد هناك أقواماً يعبدون غير الله سبحانه، فناظرهم، ثم تركهم وتوجه بعد ذلك إلى الشام، فوجد أهل الشام يعبدون الكواكب من دون الله سبحانه، فدعا الجميع فلم يؤمنوا، وناظرهم مناظرات عديدة وعظيمة فيها الإقناع للقوم، ومع ذلك لم يستجب له هؤلاء إلا من شاء الله سبحانه أن يهديه إلى دين رب العالمين.
فإبراهيم أول من هاجر إلى الله ، ومعه ابن أخيه لوط.
ولما وصل إبراهيم إلى الشام كان عمره خمساً وسبعين عاماً عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
فلم تكن هجرته من مجرد ابتلاء بسيط، إنما كان ابتلاء شديداً من قومه وصل بهم إلى أن أرادوا إحراقه بالنار وابتلي في أبيه صانع الأوثان والأصنام فقال لإبراهيم: اعتزلني واهجرني وابتعد عني وإلا لأرجمنك بالحجارة، أو لأسبنك أمام الناس.
فقال لأبيه: ﴿قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا * وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم:٤٧ - ٤٨].
اعتزلهم وهاجر من عند هؤلاء الأقوام بإذن ربه سبحانه، قال تعالى: ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [العنكبوت:٢٦] أي: إذا كان منعكم ما أنتم فيه من رئاسة ومن أموال وقوة أن تدخلوا في هذا الدين العظيم فأنا أهجركم وأتوجه إلى ربي؛ إذا ظننتم أنكم بقوتكم تغلبونني فالله هو العزيز الذي لا يغالب، وهو القاهر فوق عباده سبحانه، إنه يعز ويغني ويظهر هذا الدين ويمنعني منكم، وله حكمة في عدم إيمانكم أن أخرج من هذا المكان إلى مكان آخر فالله في كل أمره وتدبيره عزيز غالب حكيم له حكمة في كل أمر يفعله سبحانه.
стр. 1419
تفسير قوله تعالى: (ووهبنا له إسحاق ويعقوب)
﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ﴾] العنكبوت:٢٧].
قال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [العنكبوت:٢٧] فبعد أن هاجر من جنوب العراق إلى شماله، ثم إلى الشام، ومن الشام ذهب إلى مصر، وفي مصر أهدى جبار مصر لزوجته سارة هاجر، وذهب بها إلى الشام، وهنالك أهدتها له زوجته سارة، فصارت لإبراهيم أمة يطؤها، فولدت له إسماعيل على نبينا وعليه السلام، فهذا أول من ولد له، وبعد ذلك أخذ إسماعيل وتوجه به إلى مكة، وتركه هنالك، ثم رجع إلى الشام فرزقه الله بعد ذلك إسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، أي: أن يعقوب ابن لإسحاق عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام.
فقوله تعالى: ((وَوَهَبْنَا لَهُ)) يعني: بعد ذلك ﴿إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [العنكبوت:٢٧].
فلما هاجر إبراهيم لم يكن معه من المؤمنين سوى امرأته سارة وابن أخيه لوط، فتوجه الاثنان إلى ديار الشام، فصار لإبراهيم أنعام ومواشي، وصار للوط أيضاً كذلك فابتعد أحدهما عن الآخر كل واحد في مكان بأنعامه وأغنامه لأمرين: الأول: الكلأ، فكل منهما يختار لنفسه مكاناً فسيحاً لأنعامه.
والثاني: الدعوة إلى الله ، فلا يحتاج المكان لأكثر من نبي واحد.
فهذا توجه إلى مكان وهذا إلى مكان آخر، كل منهما يدعو إلى الله .
قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [العنكبوت:٢٧].
إذاً: هنا مكافئة لإبراهيم ﵊ أن يكون له أجر عظيم جداً لكون كل نبي من الأنبياء بعده من ذريته وله أجره، فلذلك ندعو لنبينا ﷺ أن يصلي الله عليه كما صلى على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وقد قال النبي ﷺ : (الولد من كسب أبيه) فإبراهيم أبو الأنبياء، فكل من جاء بعده من الأنبياء له ثوابه؛ لأنه سبب وجوده وهو إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فهو أبو كل الأنبياء بما فيهم نبينا محمد ﷺ ، فكان الأجر الذي يؤجره إبراهيم أجراً عظيماً جداً بناءً على ذلك.
ولكن الله تفضل وأكرم نبينا صلوات الله وسلامه عليه أن أوصله إلى ما كان عليه إبراهيم من الخلة، فجعل محمداً خليله كذلك، وفضله عليه وعلى غيره، فجعله إمام الأنبياء ﵊، وأعطاه الأجر تفضيلاً، وهنا كأن أجر إبراهيم أكثر؛ لأن من ذريته كل الأنبياء بما فيهم نبينا ﷺ ، فلذلك تقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم.
لكن النبي ﷺ أفضل، والعادة عندما نقول: إن هذا أفضل لا نعطي له من الأجر كأجر المخصوص.
إذاً: إبراهيم أقل في الأفضلية من محمد ﷺ ، فعندما ندعو لمحمد ونقول: أعطه ما تعطي إبراهيم، يقول العلماء: الأمر هنا على العكس في ذلك، فإبراهيم ﵊ كنبي له أجر معين، ونبينا ﷺ أعظم، لكن إبراهيم كأب للأنبياء له مثل أجور من جاء بعده بما فيهم محمد ﷺ ، فإذا قلنا: أعط محمداً كما أعطيت إبراهيم، فالمقصود: الأجر المجموع لإبراهيم هو وأولاد الأنبياء جميعهم بما فيهم محمد ﷺ فهذا الأجر أعظم مما يأخذه محمد ﵊ وحده.
فلذلك يعطى فندعو فنقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وآل محمد ﵊ هم ذريته بالأصل، ونساء النبي ﷺ من آل محمد ﷺ ، وكل مؤمن تقي من آله ﵊، فالمؤمنون الأتقياء أولياء النبي ﷺ ، وهو أولى بهم من آبائهم ومن أقربائهم، فعلى ذلك الأجر المجتمع لإبراهيم وذريته من الأنبياء ندعو الله أن يكون لمحمد ﷺ وأهله ﵊ ومن تابعه كأجور هؤلاء، فهذه العلة في الأمر بالصلاة على النبي ﷺ كما صلى الله على إبراهيم.
قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [العنكبوت:٢٧] أي: جعلنا في ذرية إبراهيم النبوة من فرعين: فرع إسماعيل، وفرع إسحاق، وفرع إسحاق منه كل الأنبياء الذين جاءوا بعد إبراهيم ﵊، وفرع إسماعيل ليس فيه إلا نبينا صلوات الله وسلامه عليه.
إذاً: فجنس النبوة في هؤلاء الأنبياء من ذريته، وفيهم جنس الكتب المنزلة.
وقد آتى الله إبراهيم الصحف كما قال: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى:١٨ - ١٩].
فإبراهيم آتاه الله صحفاً، وموسى ﵊ من ذرية إبراهيم ﵊، وأنزل الله عليه التوراة، ومن ذريته بعد ذلك من الأنبياء داود الذي آتاه الله الزبور، والمسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام آتاه الله الإنجيل، وكتب أخرى لا نعرفها أنزلها الله على أنبياء ورسل لا نعرف كم عددهم، قال تعالى: ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر:٧٨]، ولكن ذكر لنا من نعتبر بقصصه.
ومحمد صلوات الله وسلامه عليه أنزل الله عليه هذا القرآن العظيم الشفاء لما في الصدور، والشريعة الباقية حتى تقوم الساعة، وحتى يبعث الناس من القبور.
قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾ [العنكبوت:٢٧] أي: آتينا إبراهيم ﵊ أجره في الدنيا، فابتلي ابتلاءً عظيماً وشديداً جداً، فأي بلاء أعظم مما ابتلي به إبراهيم ﵊؟ في كونه يعيش مع أبيه وهو عابد للأصنام وصانع لها، وإبراهيم يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر، فيغضب عليه أبوه، ويطرده من المكان ويهدده بالقتل وبالرجم ويسبه، ثم يناظر قومه فيخيفونه بالنار ثم يحمل ويلقى فيها، ولو أنه أطاعهم وقال: أنا مكره، فيمكن أن يكون له عذر عندهم، ولكنه انتظر الفرج من الله ولم يطلب من الملائكة أن تعينه، ولا الناس، بل لم يطلب من أحد شيئاً، ولم يطلب العفو من هؤلاء الذين يريدون قتله، وإنما انتظر الفرج من الله سبحانه، فإذا بالله يأمر النار أن تكون برداً وسلاماً على إبراهيم ﵊.
والكائنات انتظرت متى يأمرها الله بأن تطفئ هذه النار، فالملائكة الموكلون بالمطر انتظروا أن يقول الله: أنزلوا المطر وأطفئوا هذه النار.
ولكن الأمر كان أسرع من ذلك بكثير، النار نفسها تكون برداً وسلاماً على إبراهيم، قال تعالى: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩].
إذاً: صار لهب النار المحرق ناراً باردة.
ولما كان البرد مؤذياً للإنسان قال: كوني برداً وسلاماً، والمعنى: كوني باردة وفيك سلم لإبراهيم وسلاماً له، فاطمأن في النار بتثبيت الله له، فهذا كان بلاء لإبراهيم ﵊.
ثم هاجر من عند هؤلاء فوجد آخرين يعبدون الكواكب التي في السماء، فناظرهم في ذلك فأبوا إلا الكفر، فهجر هؤلاء وتولى عنهم، ثم يأتي إلى أرض الشام ومنها يتوجه إلى مصر، فإذا بجبار مصر يرى سارة ويريد أن يأخذها من إبراهيم، ولو علم أنه زوجها لقتله، فاضطر إبراهيم أن يقول: هي أختي خوفاً من القتل، فيأخذ الملك السيدة سارة ويريد أن يأتيها، فإذا بإبراهيم يصلي لله في هذه المصيبة التي ابتلي بها ﵊، وهي تدعو ربها، فإذا بالله يأخذ هذا الجبار فيصرعه، فيقول الجبار: ادعي لي وأنا أتركك، فتدعو له فإذا به يريدها ثانية، فتدعو عليه، فإذا بالله يصرعه ويأخذه ثلاث مرات وفي النهاية يقول لمن معه: إنما جئتموني بشيطانة.
فتركها وأهدى لها هاجر، فأخذت هاجر أمة عندها وذهبت إلى إبراهيم فوجدته يصلي فسألها، فقالت: إن الله أنقذني من هذا الجبار، ثم وهبت هاجر لإبراهيم فصارت ملكاً له لعله يأتي منها بولد، فكان أن جاء منها بولد.
فرزق إبراهيم ﵊ بولد فكأن هاجر ترفعت على سيدتها الأولى بسبب الولد، فإذا بها تغار منها، فكان في بيت واحد امرأتان وبينهما غيرة، فإذا بالله يأمره أن يأخذ هاجر وولدها ويتوجه بها إلى مكة، وهذا أمر صعب جداً أن يأخذ إبراهيم هذه التي صارت أم ولد له وأتاها وصار بينه وبينها مودة وعشرة، وبعد ذلك يتركها في مكة بلد ليس بها أنيس وكانت صحراء.
وتأمل حين تذهب إلى الحج وتتوجه إلى منى مثلاً، فإذا بالخيام تملأ المكان، فترى منظراً جميلاً جداً منى ومنظر الناس والعبادة.
وفي آخر يوم من أيام العيد عندما ينفر الناس في يوم النفر الأول، فترى الخيام التي كانت هناك بالألوف لم يبق من كل مائة خيمة إلا واحدة أو اثنتان، فصار المكان موحشاً، مع أنه بقي مئات من الناس، ثم بعد أيام منى ينصرف جميع الناس فيزداد وحشة، ولذلك لما ذهب بها وتركها وانصرف عنها قالت: إلى من تتركنا يا إبراهيم؟ فلم يرد عليها.
فبعد أن كررت ذلك قالت: آلله أمرك بذلك؟ قال: نعم.
قالت: إذاً لا يضيعنا.
أي: طالما أن الذي أمر بذلك هو الله فلن يضيعنا، وإبراهيم يكتم في نفسه عاطفته وحزنه وشفقته على ولده الرضيع ويتركه في هذا المكان، لكنه أمر الله تعالى.
لكن لماذا هذا البلاء كله؟ من أجل أن تظهر الخلة التي بإبراهيم مع ربه أنه لا يحب أحداً حبه لله ، فيبتليه الله في كل أحد في أبيه، وولده، وأم ولده لينظر هل يحب هؤلاء أكثر منه سبحانه أم لا؟ فيستجيب إبراهيم وينفذ أمر الله سبحانه، فلما كان خارج مكة وراء جبل وتوارى عن عيني هاجر
стр. 1420
تفسير سورة العنكبوت [٢٨ - ٣٥]
ذكر الله تعالى في هذه الآيات الكريمات قصة نبي الله لوط ﵇ مع قومه حين درا الحوار بينه وبينهم، وحين بكتهم نبيهم على إتيانهم الفاحشة، وهي إتيان الذكور دون ما خلق الله لهم من أزواجهم، وأنبهم بقوله: إن هذه الفاحشة لم يسبقوا إليها، وليس هذا فحسب؛ بل إنهم كانوا يقطعون الطرق، وعلاوة على ذلك كفروا بالله واستعجلوا عذابه، فجاءهم العذاب فأصبحوا جاثمين هلكى في ديارهم، وتلك عاقبة ظلمهم وعصيانهم.
стр. 1421
تفسير قوله تعالى: (ولوطاً إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله : ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت:٢٨].
ذكر الله بعد قصة إبراهيم ﵊ قصة ابن أخيه لوط ﵊، فقال: (ولوطاً إذ قال لقومه) فنصب لوطاً كما قال: (وإبراهيمَ) وكأن التقدير: واذكر لوطاً، أو: وأنجينا لوطاً، أو وأرسلنا لوطاً.
قال تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ [العنكبوت:٢٨] أي: اذكر لوطاً وقت أن قال لقومه: ﴿وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْعَالَمِينَ * أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمْ الْمُنكَرَ﴾ [العنكبوت:٢٨ - ٢٩].
وفي قوله تعالى: (إنكم لتأتون)، و (أئنكم لتأتون) إذا اجتمعتا فلها عند القراء قراءات ووجوه كثيرة.
فقراءة نافع، وابن كثير، وابن عامر، ويعقوب، وأبي جعفر، وحفص عن عاصم: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت:٢٨].
وباقي القراء الذين هم: أبو عمرو وشعبة عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف يقرئون: (أئنكم لتأتون الفاحشة) (أئنكم لتأتون الرجال).
إذاً: سيقرأ في الأولى بهمزتين، والثانية بهمزتين، وكل قارئ من القراء على أصله الذي يمد فيها والذي يسهل، فنجد مثلاً قالون وأبا جعفر يقرأان الأولى: (إنكم) والثانية (آئنكم) بالمد بالألف وبالتسهيل فيها.
ويقرأ ورش وابن كثير ورويس: (إنكم) (ائنكم) بالتسهيل في الثانية من غير مد للألف فيها.
ويقرأ أبو عمرو بالمد في الاثنين: (آئنكم لتأتون) (آئنكم لتأتون) الأولى بالمد مع التسهيل والثانية كذلك.
ويقرأ هشام: (إنكم) (آئنكم)، و (إنكم) (أئنكم) له قراءتان.
ويقرأ ابن عامر وروح عن يعقوب: (إنكم) (أئنكم).
ويقرأ شعبة عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف: (أئنكم) (أئنكم).
فالقراءت باعتبار اجتماع استفهامين: إنكم وأئنكم، تكررت مرتين ففيها هذه القراءات التي ذكرنا.
قال لوط: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت:٢٨] الفاحشة: الجريمة العظيمة التي تسيء إلى صاحبها يوم القيامة، وتسيء إليكم في الدنيا، وتسوء غيركم بفعلكم معهم ذلك.
ويقال: فحش الأمر، يعني: زاد عن حده جداً، فيأتون الجرم الفضيع الذي لا يتوقع، وكانوا أول من وقع في هذه الفاحشة، ولم يفعلها أحد قبلهم، ولم يتخيل أحد قبلهم هذه الفاحشة التي وقعوا فيها.
فهي أبداً ما حصلت في الخلق قبل قوم لوط.
стр. 1422
تفسير قوله تعالى: (أئنكم لتأتون الرجال)
ثم قال تعالى يفصل ما الذي يقعون فيه: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ﴾ [العنكبوت:٢٩].
فهذه جملة من الجرائم، وزد على ذلك أصل إجرامهم في كفرهم بالله ، وأنهم كفار مشركون.
قال تعالى: (أئنكم لتأتون الرجال) إذاً: بدلاً من أن يتزوج الرجل المرأة يأتي الفاحشة، ويأتي الرجال بدلاً من النساء.
ثم قال تعالى: (وتقطعون السبيل) فهم قطاع طرق ولصوص، يقطعون الطريق على الناس بأخذ أموالهم وبجباية المكوس عليهم والضرائب التي يأخذونها من الناس، وكذلك يخطفون الناس من الطريق ليفعلوا بهم هذه الفاحشة.
قال تعالى: (وتأتون في ناديكم المنكر)، نادي القوم: المكان الذي يجتمعون فيه، فعند اجتماعهم فيها يفعلون جرائم تتكرر في مجتمعات الناس من السخرية والاستهزاء بالناس.
واجتمعوا على أن يفعلوا الفواحش في نواديهم، ولا ينكر بعضهم على بعض هذا الذي يقعون فيه من الفاحشة.
وجرائم قوم لوط إذا حدثت في قرية من القرى، أو في بلد من البلدان استوجبت عقوبة رب العالمين ، واستحقوا أن يصيبهم مثل ما أصاب قوم لوط، فقد أصابهم ربنا ببلاء عظيم، وبعقوبة شديدة فضيعة.
وكذلك من يفعلون فعلهم، فلم يقع قوم في فاحشة قط حتى يعلنوا بها إلا أصابهم الله بأنواع من البلاء ذكرها النبي ﷺ في حديث سوف نذكره بعد ذلك إن شاء الله.
فقال هنا لوط ﵊: (إنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر)، أي: إذا اجتمعوا في نواديهم حرض بعضهم بعضاً على الوقوع في الفاحشة، وعلى أذى الناس والاستهزاء بهم، فكانوا يقومون في نواديهم ينظرون من يمر في الطريق فيحذفونه بالحصى، ويسخرون منهم، ويأخذونهم ويخطفونهم ولا أحد ينكر عليهم ما يقعون فيه من منكرات.
стр. 1423
تفسير قوله تعالى: (فما كان جواب قومه إلا أن قالوا)
قال تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [العنكبوت:٢٩] عندما يدعو رسل الله عليهم الصلاة والسلام أقوامهم في كل زمان فتكون النتيجة أن يكذبهم قومهم ولا يؤمنون بهم إلا أن يشاء الله شيئاً.
قال تعالى: (فما كان جواب قومه) أي: هذا هو الجواب الوحيد، فقصر الجواب على ذلك، ثم قال: (فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين)، وهذا بيان لكفر هؤلاء، ولو كان عندهم التصديق لعرفوا أنه نبي وعرفوا أن العذاب سيأتي وأن النبي لا يكذب ﵊، ولكنهم سخروا منه وقالوا: (ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين).
في قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّه﴾ [العنكبوت:٢٩] قراءتان: الجمهور على القراءة بالهمز.
وقراءة ورش وأبي عمرو وأبي جعفر أيضاً: (إلا أن قالوا ايتنا بعذاب الله) بنقل الهمزة، فإذا بدأ كل القراء بكلمة: (ائتنا) فلا يبدءون بالهمزة فيها وإنما يبدءون بالياء فيقولون: (ايتنا بعذاب الله) إذا بدءوا بها، وليست محل وقف وابتداء.
стр. 1424
تفسير قوله تعالى: (قال رب انصرني على القوم المفسدين)
ثم دعا ربه سبحانه فقال: ﴿قَالَ رَبِّ انصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ [العنكبوت:٣٠] ودعوة الأنبياء مستجابة، والله يستجيب ولكن ليس شرطاً أن يدعو وفي اللحظة يأتي العذاب، ولكن الله يملي ويمهل إلى حين، فلما دعا ربه بين لنا ربنا سبحانه كيف أتى هؤلاء عذاب رب العالمين.
стр. 1425
تفسير قوله تعالى: (ولما جاءت رسلنا إبراهيم)
قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [العنكبوت:٣١].
إذاً: رسل الله وهم الملائكة ﵈ جاءوا في البداية إلى إبراهيم، وقد ذكرنا قبل ذلك أن لوطاً كان مع إبراهيم، وأن الاثنين خرجا من العراق، فهاجر مع إبراهيم ﵊ وأتيا إلى ديار الشام، أو أتيا إلى فلسطين، وبعد المجيء إلى فلسطين توجه الاثنان إلى مصر، ثم رجع كل واحد ومعه من الغنم والإبل والمواشي ما ضاقت الأرض عن الاثنين، فالمكان الذي فيه إبراهيم لا يسع أن يكون فيه إبراهيم ولوط، غير أن هذا نبي وهذا نبي ولا يكون نبيان في مكان واحد، بل يتوجه كل نبي إلى مكان ليدعو القوم إليه.
فتوجه لوط ﵊ إلى قرى قوم لوط ليدعوهم إلى الله وكانوا مجموعة من القرى منها سدوم وعمورة وصوغر، وهذه القرى كانت جنوب البحر الميت.
ويذكر ربنا سبحانه أن الرسل الذين هم الملائكة في طريقهم إلى لوط جاءوا إلى إبراهيم، فقال هنا ربنا: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾ [العنكبوت:٣١] أي: جاءوا فبشروه.
وذكر في غير هذه السورة أنهم لما جاءوا إلى إبراهيم ﵊ دعاهم ليكرمهم ويطعمهم، وتوجه إلى بيته وجاء بعجل حنيذ فقربه وقدمه لهم ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ [هود:٧٠] فهو لم يكن يعرف أنهم رسل الله، ولم يكن يعرف أنهم ملائكة، فلما لم يأكلوا الطعام تبين بعد ذلك أنهم ملائكة.
فقالوا لإبراهيم: إنا مرسلون لأهل هذه القرية لنهلكها، وقال سبحانه هنا: (ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى) أي: بالبشارة أن يولد له ﵊، وأقبلت امرأته في صرة وقالت: عجوز عقيم، فأخبروها وبشروها بفضل من الله أنه سوف يولد لها ولد.
فلما تعجبت: ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود:٧٣] فجاءت البشرى لإبراهيم بأنه سيولد له من سارة التي كانت عقيماً وكانت عجوزاً جاوزت الثمانين من عمرها وإبراهيم قرب المائة من عمره ﵊، قال تعالى: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات:٢٨] وقد بشر قبل ذلك بالغلام الحليم فكان إسماعيل ﵊، والآن بشروه بالغلام العليم وهو إسحاق، فجاءت البشرى، ثم أخبروه أنهم متوجهون إلى قرى قوم لوط ليهلكوهم.
وهذه الآية أيضاً فيها قراءات: ففي قوله: (جَاءَتْ) ثلاث قراءات: يقرؤها بفتح الجيم الجمهور.
ويقرؤها بالإمالة ابن عامر بخلف هشام.
ويقرؤها حمزة وخلف: (ولما جيئت).
وقوله تعالى: (رُسُلُنَا): يقرؤها الجمهور بضم السين.
ويقرؤها أبو عمرو (رسْلنا) بتسكين السين ورفع اللام.
وقوله: (إِبْرَاهِيمَ) فيها قراءتان: قراءة الجمهور: (إبراهيم).
وقراءة ابن عامر بخلف هشام: (إبراهام).
وقوله تعالى: (بِالْبُشْرَى) يقرؤها الجمهور بالفتح.
وورش يقرؤها على التقليل.
وأبو عمرو وحمزة والكسائي وخلف يقرءونها بالإمالة.
فقال الملائكة: (إنا مهلكو أهل هذه القرية) أي: سنهلك قرى سدوم بسبب ظلم أهلها.
стр. 1426
تفسير قوله تعالى: (قال إن فيها لوطاً)
قال إبراهيم وهو الأب الرحيم ﵊: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا﴾ [العنكبوت:٣٢] وفي سورة هود قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ﴾ [هود:٦٩] فسلم عليهم، وبعدما دعاهم إلى الطعام، وعرف أنهم ملائكة قال الله : ﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ * إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود:٧٤ - ٧٥] ففي إبراهيم ﵇ ثلاث صفات من أحسن الصفات التي تكون في الإنسان: فهو حليم، أواه، منيب، (حليم): أي: عنده صبر وأناة ليس بمتعجل ولا بمتهور، وهذا الحلم ظاهر عليه ﵊ في مخاطبته للملائكة ﵈، فقد جادلهم في قوم لوط؛ لرحمته، وأنه يتوقع أن يؤمنوا ويمكن أن يرجعوا إلى الله ويتوبوا.
وهو أواه، أي: رجاع إلى الله سبحانه، فظن أنهم يمكن أيضاً أن يرجعوا إلى الله سبحانه.
وكان الجدال فقال: أتهلكون قرية وفيها مائة يعبدون الله؟ قالوا: لا.
قال: أتهلكون قرية وفيها عشرون يعبدون الله؟ قالوا: لا.
قال: أتهلكون قرية وفيها ثلاثة يعبدون الله؟ قالوا: لا.
قال: أتهلكون قرية وفيها واحد يعبد الله؟ قالوا: لا.
قال: إن فيها لوطاً، فقالوا: ﴿قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ [العنكبوت:٣٢].
إذاً: لن نهلك القرية ولوط فيها، بل سنخرج لوطاً منها ونهلك القرية بعد ذلك، وفي قوله : ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [العنكبوت:٣٢] قسم، أي: والله لننجينه وأهله.
وفي قوله: (لننجينه) قراءتان: قراءة الجمهور: (لنُنجِّينه) بالتثقيل.
وقراءة حمزة والكسائي وخلف: (لنُنْجينه) بالتخفيف.
قال تعالى: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [العنكبوت:٣٢] الغابرون: الباقون في العذاب، فامرأة لوط من هؤلاء.
وامرأة لوط كانت تذهب وتخبر قومها عن أسرار لوط ﵊، فكانت من الكافرين فاستحقت عقوبة رب العالمين سبحانه، ولم ينفعها أن زوجها كان نبياً ﵊، كما أن ابن نوح لم ينفعه أن أباه كان نبياً، وكذلك زوجة نوح، وقد ضرب الله المثل للكفار بهاتين المرأتين فقال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم:١٠] والخيانة بالكفر، فلم تؤمنا، والخيانة بالوشي للأعداء بما يكون عند نوح أو عند لوط عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام.
стр. 1427
تفسير قوله تعالى: (ولما أن جاءت رسلنا لوطاً)
ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ﴾ [العنكبوت:٣٣] وهنا في (جاءت رسلنا) القراءات السابقة.
قال تعالى: (سيء بهم) أي: ساءه هذا الأمر، أو سُيء به، ولبيان المبني للمجهول قرأها نافع وأبو جعفر وابن عامر والكسائي ورويس عن يعقوب: (سُيء بهم).
قال تعالى: (وضاق بهم ذرعاً) إذاً: هنا ساءه أمر هؤلاء ولم يعرف أنهم ملائكة، ووجدهم شباناً حساناً، وطالما أن هناك شباناً موجودين فسيأتي قوم لوط يفعلون بهم الفاحشة، فكان أن (سيء بهم).
والإنسان الذي هو قليل الحيلة يضيق ذرعاً ولا يعرف ماذا سيعمل مع هؤلاء، ولوط ليس عنده جيش، وليس عنده أبناء ذكور، إنما كان معه بنات ﵊، فكيف يدفع قومه عن هؤلاء؟ والله يرينا هذه الصورة التي فيها لوط ﵊، وكيف أن الأمر كان شديداً عليه لدرجة أنه يقول: ﴿هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود:٧٧]، ويقول لقومه: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود:٨٠].
ليرينا الله كيف أنه إذا ضاق الأمر جاء الفرج من عنده وحده.
فهذا لوط كان وحده في بيته يدفع هؤلاء القوم، وذهبت امرأته إلى القوم وأخبرتهم أنه يوجد شبان حسان عند لوط ﵊، فجاء القوم يتدافعون في الطريق، فإذا به يغلق بابه في وجوههم فيدفعون عليه الباب، هو يدفع من الداخل يحمي أضيافه وهم من الخارج يدفعونه يريدون كسر الباب على لوط ومن معه، فضاق بهم ذرعاً وقال المقولتين السابقتين.
فلما ضاق به الأمر وقال هذه الكلمة إذا بالملائكة تنطق وتقول للوط: ﴿إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ [هود:٨١] أي: لا تخف، لست أنت الذي ستحمينا نحن الذين سندافع عنك بإذن الله رب العالمين، ولن يستطيعوا الوصول إليك.
وإذا بالملائكة ترمي هؤلاء القوم بالحصباء في وجوههم فيعميهم الله وهم على باب لوط، فيرجعون وهم يتوعدون لوطاً أنهم راجعون إليه ﵊، والملائكة تطمئنه ويقولون له: ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ﴾ [العنكبوت:٣٣].
وفي ذلك قراءتان: هذه قراءة الجمهور.
وقراءة ابن كثير وشعبة عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف ويعقوب.
(مُنْجُوك).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ﴾ [العنكبوت:٣٣] يعني: وبناتك.
ثم قال: ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ [العنكبوت:٣٣] أي: امرأتك التي وشت بأسرارك إلى هؤلاء الكفار، والتي لم تؤمن بك ﴿كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [العنكبوت:٣٣] أي: من المتبقين في العذاب.
стр. 1428
تفسير قوله تعالى: (أنا منزلون على أهل هذه القرية رجزاً من السماء)
قال تعالى: ﴿إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [العنكبوت:٣٤] أي: عقوبة وعذاباً من السماء.
وفي قوله تعالى: (إنا منزلون) قراءتان: قراءة الجمهور، وقراءة ابن عامر.
فجاءتهم الزلزلة من عند رب العالمين، فإذا بجبريل ﵇ يرفع القرية ويهوي بها، قال سبحانه: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى * فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾ [النجم:٥٣ - ٥٤] وأنزل عليهم حجارة من الجحيم فأهلكهم جميعاً.
стр. 1429
تفسير قوله تعالى: (ولقد تركنا منها آية لقوم يعقلون)
قال سبحانه: ﴿وَلَقَد تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت:٣٥] فالذي يمر هناك يعرف أن هذه سدوم قرى قوم لوط التي أهلكها الله وجعل مكانها بحيرة منتنة مالحة، فمن يعقل يحترز عن الوقوع في المعاصي، ومن لم ينفعه التذكر استحق العقوبة.
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1430
تفسير سورة العنكبوت [٣٦ - ٤٠]
ذكر الله تعالى في هذه الآيات البينات قصة نبيه شعيب مع قومه، وكيف أنه دعاهم إلى عبادة الله وخوفهم اليوم الآخر ونهاهم عن الفساد في الأرض؛ فبدلاً من أن يؤمنوا كذبوه، فأهلكهم الله سبحانه، ثم ذكر نماذج من أولئك المكذبين وكيف أهلكهم ودمرهم؛ كل ذلك ليتعظ المؤمن ويعتبر بمن سبق، فمن فعل الذنب فلا يبعد أن تحل به عقوبة أمثاله من الأمم البائدة.
стр. 1431
ذكر بعض أنبياء الله تعالى
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
لما ذكر الله لنا قصة إبراهيم ﵊ مع قومه وكيف أنه دعاهم إلى الله وكانوا يعبدون الأوثان والأصنام من دون الله، فرفضوه وأرادوا أن يحرقوه فأنجاه الله من النار، وذكر لنا قصة لوط ابن أخي إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وكيف أنه هاجر مع إبراهيم إلى بلاد الشام، ودعا قومه في قرى سدوم وعمورة وصوغر، فلما دعاهم إلى الله سبحانه أبوا إلا الكفر والإعراض والوقوع في أعظم المنكرات والفواحش وإتيان الذكران من العالمين، ثم حذرهم عقوبة الله فرفضوا وقالوا: ﴿ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [العنكبوت:٢٩] فجاءهم العذاب فاقتلعهم الله بأرضهم، وزلزل بهم، وأرسل عليهم من السماء حجارة من سجيل، فأصبحوا في ديارهم هامدين خامدين صرعى جزاءً بما كانوا يعملون.
ونلاحظ في سورة الأعراف عندما يذكر الله تعالى هؤلاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يطيل في ذكرهم، وما فعلوا مع قومهم وما فعل قومهم معهم.
وكذلك في سورة هود، وفي سورة طه عندما يذكر موسى ﵊.
ولكن في هذه السورة إشارات الغرض منها: أن يبين الله تعالى كيف أن العصيان من الأقوام يترتب عليه العقوبة العاجلة من الله سبحانه.
فهذه السورة جزء منها مكي وجزء مدني، وكأن الجزء المكي منها يبين للنبي ﷺ وللكفار من أهل مكة أن هذا رسول حق ﵊، وهو يدعوكم إلى الله كما دعا من قبل إبراهيم، ولوط، وشعيب، وغيرهم من الأنبياء دعوا أقوامهم، وأنتم كذبتم كما كذب من قبل قوم إبراهيم وقوم لوط، وقوم شعيب وقوم موسى وغيرهم فانتظروا سوء عاقبة من كان قبلكم.
وذكر الله قوم نوح، ثم عقب بإبراهيم ﵊.
ونوح أول الأنبياء وأول الرسل ﵊ إلى الكفار المكذبين، وبعده إبراهيم أبو الأنبياء ﵊، وإن كان بينهما قرون كثيرة فيها أنبياء يعلمهم الله .
ولكن كأن الغرض هنا في الترتيب أن يذكر الأب بعد الأب، فآدم الأب الأول، وبعده نوح ﵊، ثم أغرق الله البلاد وأهلك العباد الذين كفروا به، وصار من على الأرض أبناء نوح ﵊ فهو أب بعد أب.
وذكر بعده إبراهيم ﵊ فهو أبو الأنبياء ﵊ وله التشريف.
ثم ذكر بعده لوطاً فهو في نفس الزمن، وهو ابن أخيه.
ثم ذكر بعده شعيباً عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
стр. 1432
تفسير قول الله تعالى: (وإلى مدين أخاهم شعيباً)
قال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [العنكبوت:٣٦].
هو مدين بن إبراهيم ﵊، وقد سكن في هذه الديار التي سميت باسمه.
إذاً: ديار مدين التي كانت بين الشام وبين الحجاز هي مدين التي فر إليها موسى ﵊، فتجد في رأس خليج العقبة مكاناً اسمه أيلة بالقرب من الحجاز، أو على أول الحجاز تكون بلد مدين، والبعد بينها وبين مصر أكثر من ألف ميل الذي مشاه موسى ﵊ هارباً من فرعون وفاراً إلى مدين! وتزوج هنالك ثم رجع إلى مصر مرة ثانية كل هذا ماشياً على قدميه ﵊.
فهذه مدين، وهذا مدين بن إبراهيم ﵊، فكأنها المناسبة: أن هذا مدين بن إبراهيم وهذه البلدة التي كان فيها أرسل إليهم شعيب ﵊.
فكأن قوم مدين كانوا قريبي عهد بإبراهيم؛ ولذلك استبعد من استبعد من المفسرين أن يكون شعيب هذا زوج ابنته موسى ﵊.
وقالوا: المسافة بعيدة بين إبراهيم وبين موسى حوالي ألف سنة، وشعيب قريب من إبراهيم ﵊، وهو من أبناء مدين الذي هو ابن إبراهيم ﵊، قالوا: فبعيد أن يتزوج موسى من ابنة شعيب النبي.
لكن الغرض هنا أن الله أرسل إلى مدين الذين كذبوا وكفروا أخاهم شعيباً، كأنه يقول هنا: وإلى مدين أرسلنا أخاهم شعيباً.
стр. 1433
تفسير قوله تعالى: (فقال يا قوم اعبدوا الله وارجوا اليوم الآخر)
قال تعالى: ﴿فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الآخِرَ﴾ [العنكبوت:٣٦] أي: اعبدوا الله، فأمرهم بعبادة الله سبحانه وتوحيده، وبأن يوجهوا كل أعمالهم خالصة لله .
قال تعالى: ((وَارْجُوا الْيَوْمَ الآخِرَ)) أي: أملوا ما عند الله من جنة وخافوا من عذاب الله سبحانه وصدقوا بما جئتكم به من رسالة من عند رب العالمين.
ثم قال: ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِين﴾ [العنكبوت:٣٦] يعثى: بمعنى: يفسد، ويقال في العثى: أنه أشد الفساد، أي: لا تفسدوا في الأرض أشد الإفساد فكان إفسادهم أنهم كفروا بالله سبحانه، وأنهم ينقصون في الكيل والميزان كما فصل الله في سورة الأعراف وفي سورة هود كيف أن نبيهم بين لهم ذلك.
وكان شعيب يلقب بخطيب الأنبياء؛ لحسن بيانه، وحسن تبليغه، وجمال كلامه، وأنه أخذ قومه باللطف وبالبيان شيئاً فشيئاً وحجة وراء حجة ليقنعهم، ومع ذلك لم يستجيبوا ولم يؤمنوا به.
فقال لهم: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف:٨٥ - ٨٦] فدعاهم بهذا البيان الطيب الجميل: ((اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ)) أي: معي بينة وآية تدل على أني رسول من رب العالمين .
ثم قال: ((فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ)).
وفي آية أخرى: ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [هود:٨٥].
وفي الآية الأخرى: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف:٨٥].
ثم قال: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ [هود:٨٦] أي: لا أملك إلا أن أدلكم على الحق، ولست رقيباً عليكم، ولا أحولكم من شيء إلى شيء فلا أملك لكم ذلك.
فيخاطبهم ويتلطف لهم ويرقق قلوبهم بقوله: يا قوم! أي: أنا منكم، فقال: (يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره).
وقال: ﴿وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ * بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [هود:٨٥ - ٨٦] يعني: ما بقي لكم من حلال أفضل وأخير لكم من حرام تطلبونه إن كنتم مصدقين بأنكم ترجعون إلى الله فيحاسبكم يوم القيامة.
فما كان جواب قومه إلا أن ردوا عليه بالسفاهة فقالوا: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود:٨٧] أي: أنت جاعل نفسك حليماً رشيداً فلن نسمع الكلام الذي تقوله.
ثم قال تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ [الأعراف:٨٨].
وحاشا له أن يكون قد دخل في ملتهم حتى يعود فيها، ولكنهم قصدوا من آمن معه، فكما دخلوا معك في دينك يرجعون إلى ديننا مرة أخرى، وإلا فسوف نخرجك ونطردك من هذه القرية.
فرد عليهم: ﴿قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ * قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ [الأعراف:٨٨ - ٨٩] ثم دعا ربه: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف:٨٩].
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٠].
إذاً: جدل طويل بين شعيب وبين قومه، يرقق قلوبهم، ويدعوهم إلى هداية الله رب العالمين، وهم يأبون إلا قسوة القلوب والاستكبار والإفساد.
стр. 1434
تفسير قوله تعالى: (فكذبوه فأخذتهم الرجفة)
وفي النهاية يذكر الله أنه أخذهم أخذ عزيز مقتدر، فقال: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [العنكبوت:٣٧] فأجمل هنا ما فصل في سورتي الأعراف وهود وغيرهما.
قال: (فكذبوه) إجمالاً، (فأخذتهم الرجفة) وزلزل الله بهم الأرض من تحتهم، فأصبحوا في ديارهم جاثمين وجاءهم العذاب من عند الله سبحانه.
وقد قال هناك: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٩٢] (كأن لم يغنوا) أي: كأن لم يعيشوا وكأن لم يقيموا فيها أبداً وكأنهم لم يكونوا قبل ذلك، مضت أعوام وسنون وهم في هذا المكان كافرين بالله ، فلما جاءتهم الرجفة أصبحوا في ديارهم جاثمين: من الجثوم، والجثوم: البروك على الركب وعلى الأقدام، فكأنهم حين جاءت عليهم الرجفة من رعبهم يلقون أنفسهم على الأرض ويأتيهم الموت وهم على ذلك.
قال تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [هود:٩٤] ومنها المجثمة: وهي الطائر الذي يربط في مكان ويحذف عليه بالسهام.
وكذلك يقال: جثم الطائر وجثم الأرنب، بمعنى: أنه لبد في المكان وأقام وألصق بطنه بالأرض؛ فكذلك هم أصبحوا في ديارهم جاثمين ملقون على الأرض باركين عليها أمواتاً، وجاءهم العذاب من عند رب العالمين.
ثم قال: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾ [الأعراف:٩٣] أي: شعيب ﵊: ﴿وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ [الأعراف:٩٣] أي: لا تستحقون أن أحزن عليكم، وكيف آسى عليكم وقد كفرتم بالله وقد حذرتكم فاستحققتم هذه العقوبة من ربكم؟ فلا آسى عليكم، ولا أحزن عليكم.
стр. 1435
تفسير قوله تعالى: (وعاداً وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم)
ثم ذكر الله أقواماً آخرين قبل شعيب، وقبل إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام فقال: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾ [العنكبوت:٣٨] أي: اذكروا عاداً واذكروا ثمود قبل ذلك فهم أقوام أهلكهم الله .
وفي قوله تعالى: ((وَثَمُودَ)) قراءتان: قراءة حفص عن عاصم وحمزة ويعقوب: (وثمود وقد تبين لكم).
وقراءة باقي القراء: (وثموداً وقد تبين لكم) بالألف وعليها تنوين.
قال تعالى: ((وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ)) يعني: أنتم تمرون على ديار عاد، وتمرون على ديار ثمود فالله تعالى يخاطب قريشاً وأهل الحجاز: لقد عرفتم ديار هؤلاء، وكيف أهلكهم الله سبحانه، وكيف أن ديارهم لم تسكن إلا قليلاً، فديار عاد في الجنوب بين اليمن والحجاز، وديار ثمود في الشمال بين الحجاز والشام.
قال سبحانه: ((وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ)) في الحجر وفي الأحقاف كيف أهلكهم الله سبحانه.
قال تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [العنكبوت:٣٨] أي: أن الشيطان يزين للإنسان الشيء على خلاف حقيقته، والله ﵎ يزين الشيء خلقة، فالله يخلق الأشياء جميلة وخلق الله كله طيب جميل، والشيطان يأتي الإنسان فيزين له سوء عمله، فيعمل القبيح، فإذا بالشيطان يريه أن هذا الذي يصنعه أمر حسن.
والله يحرم على العبد النظر إلى الحرام؛ فإذا بالشيطان يزينه في عينه فيوسوس: انظر إليه فإنه حلو جميل، فينظر إلى ما حرم الله ويواقع ما حرم الله.
والشيطان يزين له المعصية ويزين له ما فيه غضب الله على أنه شيء يرضيه، فإذا بالعبد يواقعه فيقع في غضب ربه سبحانه، فزين لهم الشيطان أعمالهم القبيحة فجعلها في نظرهم حسنة.
قال تعالى: ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [العنكبوت:٣٨] أي: عن طريق الله سبحانه.
ثم قال: ﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [العنكبوت:٣٨] أي: أن الإنسان الذي يتنكب الطريق وهو لا يعرف لعله يكون له عذر، أما الذي يعرف الطريق ويتنكب عنه فهذا لا عذر له.
فالله أرسل الأنبياء يرشدون الناس: هذا طريق الله ، وهذا طريق الشيطان، واحذر أن تسلك هذا الطريق.
إذاً: هو مستبصر الآن ويرى الطريق الصحيح أمامه، كالذي يسير وأمامه طرق ولا يعرف أين أمشي، فيأتي إليه إنسان ويقول له: امش في هذا الطريق، فبعدما عرف الطريق يتركه ويمشي في غيره! فهذا مستبصر يعرف أين الحق ويمشي إلى الباطل وهو يعرف ذلك.
فالله سبحانه قد أنزل الكتب وأرسل الرسل لئلا يكون للناس حجة على الله سبحانه، فصد الشيطان هؤلاء عن سبيل الله، وكانوا يعرفونها، وكانوا يعرفون الحق وقد بان لهم بالبرهان طريق الله فكانوا مستبصرين.
стр. 1436
تفسير قوله تعالى: (وقارون وفرعون وهامان)
ثم ذكر الله غيرهم فقال: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾ [العنكبوت:٣٩] فقارون كان من قوم موسى وقد ذكرنا قصته في سورة القصص، قال تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ [القصص:٧٦] والقصة معروفة.
(وفرعون): هو الذي حكم مصر والذي نظر في نفسه أنه أعلى من الناس، فادعى أنه إله عليهم، وكذب على الناس فوصدقوا كذبه، وكانوا قوماً مغفلين قال الله عنه: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ﴾ [الزخرف:٥١] وقال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤].
فإذا بهم يصدقونه ويعبدونه من دون الله سبحانه، قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [الزخرف:٥٤].
وهامان وزير فرعون الذي يعينه على باطله، فقد قال له: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [القصص:٣٨].
يقول له: سأبني لك صرحاً من أجل أن تطلع إلى السماء، وهو يعلم أن صرحه لن يبلغ السماء أبداً، ويبنيه ويصدق فرعون فيما يقول.
ويقول: هذا الصرح اصعد فيه إلى السماء فيصعد فرعون فوق الصرح، وينزل للقوم ويقول لهم: لم أجد أحداً في السماء، وليس هناك إله وهذا موسى كذاب، فهذا الكذاب هامان يعين فرعون على ما هو فيه من باطل.
قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [العنكبوت:٣٩] فقارون ألهاه ماله وحسده لموسى ﵊؛ لأنه كان ابن عم لموسى ﵊، فغار من موسى فقال: أنا معي الأموال كلها وأنت تكون رسولاً!! فغار منه فكان أن خسف الله به الأرض.
وفرعون وهامان كذبا موسى ﵇ وقام الاثنان بأعمال تدل على هذا التكذيب، قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾ [العنكبوت:٣٩] استكبروا وكأن هذه الآية تحذر كل مستكبر: مهما تكبرت وعلوت فلست بفائت على الله ، بل الله الذي تركهم كما قال: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف:١٨٣] أي: اذهبوا واعملوا ما تريدون فيستكبرون ثم لا يفلتون من ربهم سبحانه.
стр. 1437
تفسير قوله تعالى: (فكلاً أخذنا بذنبه)
قال تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت:٤٠] أي: كل واحد من هؤلاء الأقوام أخذه الله بذنبه.
(فكلاً) هنا لف للكلام ثم نشر بعد ذلك كيف أهلكهم سبحانه.
فقال: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾ [العنكبوت:٤٠] أي: كما فعلنا بقوم لوط، وكما فعلنا بقوم شعيب وغيرهم، ثم قال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ [العنكبوت:٤٠] كما فعلنا بقوم شعيب وثمود وغيرهم.
ثم قال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ﴾ [العنكبوت:٤٠] كما فعلنا بقارون وغيره.
ثم قال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ [العنكبوت:٤٠] كما فعلنا بقوم نوح المكذبين، وكما فعلنا بفرعون وجنوده.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ [العنكبوت:٤٠] أي: لم يفعل ذلك ظالماً لأحد، قال سبحانه: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦] حاشا له أن يظلم.
قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٠] أي: ظلموا أنفسهم فاستحقوا عقوبة الله، وهذا فيه تحذير لكل إنسان يظلم نفسه أو يظلم غيره أنه لن يفلت من العقوبة، فعليه مراجعة نفسه والرجوع إلى الله سبحانه إنه تواب رحيم.
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1438
تفسير سورة العنكبوت [٤١ - ٤٣]
ضرب الله تعالى مثلاً رائعاً لأولئك الذين عبدوا غيره واتخذوا معبوداتهم أولياء لهم ببيت العنكبوت الذي هو أوهن البيوت، فكأنه يقول: كما أن بيت العنكبوت لا يمنعها من حرٍ ولا قرٍ ولا ريح ولا عدو، فكذلك أولياؤكم لا ينصرونكم ولا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً فضلاً عن أن ينفعوا غيرهم، ثم بين أن هذه الأمثال لا يعقلها ويفهم المراد بها إلا من وهبه الله العلم ورزقه فهم كتابه وتدبر آياته جل وعلا.
стр. 1439
تفسير قوله تعالى: (مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة العنكبوت: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:٤١].
في هذه الآية من سورة العنكبوت يخبرنا الله عن الكفار الذين عبدوا الأصنام من دونه سبحانه، وأن مثل هؤلاء في ضعفهم، وضعف عقولهم، وضعف من يلجئون إليه ويدعونه من دون الله كمثل العنكبوت حين اتخذت بيتاً لا يحميها من أعدائها، وقد يكون بيتاً تعيش فيه وتستخدمه مصيدة لغيرها، أما أنه يحميها من أحد يريد أن يدوس عليها فيقطع ويمزق هذا البيت ويقتل العنكبوت فلا يحميها من ذلك، ولا يحميها من الرياح إذا هاجت وسارت عليها فأطارت البيت بمن فيه.
فكأنه يشير إلى أن هؤلاء الذين يعبدونهم من دون الله سبحانه لا ينفعونهم بشيء، ولا يملكون لهم ضراً ولا نفعاً ولا لأنفسهم كمثل بيت العنكبوت في وهنه وضعفه.
قال تعالى: (اتخذت بيتاً) وهذا البيت لا يحميها من أعدائها، وإذا جاءت الرياح أطارت البيت وضيعته، وإذا داس عليها إنسان أو حيوان لا تقدر أن تدفع ولا يدفع بيتها عنها، فكذلك هذه الأصنام وهذه الآلهة التي تعبد من دون الله، لا تملك لأصحابها لا نصراً ولا ولاية ولا تملك لهم ضراً ولا نفعاً ولا شيئاً.
قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [العنكبوت:٤١] الولي: هو النصير، والولي هو الذي يحمي الإنسان ويدافع عنه، ويكون متولياً لأمره، فلا يعقل أبداً أن هذه الأصنام والتماثيل تتولى أمور هؤلاء القوم وتدبر لهم كونهم وأمورهم، فمثلهم كمثل هذه العنكبوت (اتَّخَذَتْ) يعني: العنكبوت (اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ) أوهن: أضعف من الضعف، قال تعالى عن زكريا ﵇: ﴿إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم:٤] أي: صار عظمي ضعيفاً لا يحملني، فالإنسان الواهن: هو الإنسان الضعيف، به وهن أي: به ضعف.
فاتخذت هذه العنكبوت بيتاً، وأوهن وأضعف البيوت هو بيت العنكبوت.
وفي قوله تعالى: (البيوت) قراءتان: قراءة بالضم وهي قراءة ورش، وأبي عمرو، وحفص.
وقراءة أبي جعفر ويعقوب، وباقي القراء بكسر الباء: (وإن أوهن البِيوت).
قال تعالى: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:٤١] أي: لو كانوا يعلمون أن هذه الأشياء التي عبدوها من دون الله كبيت العنكبوت ولو أنهم تدبروا في ذلك لعلموا أنها لا تنفعهم شيئاً ولا تملك لهم حيلة ولا تملك لهم رزقاً فابتعدوا عنها ولم يعبدوها من دون الله .
стр. 1440
من عجائب العنكبوت وبيته
وهذه الآية آية عجيبة جداً، وفيها معجزة عظيمة من المعجزات في تعبير القرآن العظيم بهذه الصيغ، قال تعالى: ﴿اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ [العنكبوت:٤١] والتاء تاء التأنيث، وهنا إشارة إلى أن أنثى العنكبوت هي التي تبني البيت، وهذا بعد دراسات العلماء لهذه الحشرة العجيبة سنين طويلة يصلون في النهاية إلى ما في هذه الآية ويقولون: الذكر لا يبني البيت أبداً إنما الذي يبني البيت هي أنثى العنكبوت! والوهن الذي أشار إليه القرآن على معاني صحيحة؛ فالمعنى الذي يفهمه القارئ من أول قراءته لهذه الآية أن أضعف البيوت بيت العنكبوت، وهذا معنى صحيح؛ فهو بيت واه وضعيف، كما نقول: إنسان وهن منه العظم، كأن بيت العنكبوت لا ينصب نفسه ولا بد أن تلصقه في الجدران من أجل أن يستقر عليه.
ومعنىً آخر من وراء ذلك: أن الوهن في العنكبوت نفسه، وهو أنثى العنكبوت وذكر العنكبوت وأولاد العنكبوت.
وهذه العنكبوت حين التزاوج والتلاقح فالذكر حين يلقح الأنثى تستنفد قواه بهذا التلقيح وتأخذ منه ما فيه وفي النهاية تقتله وتأكله.
فحياة أنثى العنكبوت حياة عجيبة جداً! بعدما نفعها بأن لقحها قتلته، ولم تقتله فقط؛ بل أكلته أيضاً، فهذا بيت ليس فيه رحمة إنما يعتمد على المنفعة.
وأولاد العنكبوت يهربون من البيت وهم صغار، ولا يعيشون أبداً في البيت إلى أن يكبروا؛ لأن البيت واه وضعيف.
وليس هناك علاقات اجتماعية قوية بين الأنثى والذكر والأولاد، فلو جاعت أكلت أولادها، فعلى ذلك هو بيت عجيب جداً.
وهذه دراسات علمية منشورة على الإنترنت ذكرها علماء المسلمين وأخذوها عن علماء الكفار الذين درسوا حياة الحشرات وتكلموا عنها باستفاضة، قالوا: هذا القرآن يذكر لنا أن أنثى العنكبوت هي التي اتخذت بيتاً، وهم أثبتوا الآن أن الذي يبني هذا البيت هي الإناث وليس الذكور.
وبيت العنكبوت ضعيف، وهذا معروف من زمن قديم، والجديد الذي عند أهل العلم في ذلك يقولون: إنه فيه ضعف من نوع آخر، وهو أن من بداخله يأكل بعضهم بعضاً وليس فيه حياة اجتماعية أسرية بداخله.
وهذا أمر عجيب من تعبير القرآن؛ إذ يمكن أن يقول الناس: هذا يعمل مثل خيط العنكبوت، أما القرآن فلا يقول: خيط العنكبوت، إنما يقول: بيت العنكبوت، فيا ترى ما الفرق بين الاثنين؟ فالخيط مهما كانت قوته لو حاولت تبني منه بيتاً فذلك غير ممكن أن يستقيم الخيط فتبني منه بيتاً، لكن البيت لا بد أن تعلقه على جدار أو عمود، فلا بد من تعليقه على شيء من أجل أن يستقيم ويرتفع.
فلو أتيت بالخيط ووضعته وجلست داخل هذا الخيط مهما كانت قوته فليس بشيء؛ بل لا بد أن يكون معلقاً بعيداً عنك من أجل أن يكون بيتاً تعيش فيه.
أما إذا لم يكن له أشياء تحمله وترفعه وتنصبه عليه سقط على من فيه، فلم ينفع من فيه بشيء.
فالعلماء يتكلمون عن التعبير القرآني: بالبيوت، ولم يقل: الخيوط.
قالوا في الدراسة: إن خيوط العنكبوت ظهرت أقوى أنواع الخيوط، فخيط العنكبوت ليس خيطاً ضعيفاً بالنظر إلى ما هو مثله من الخيوط.
بمعنى: لو أتينا بأي نوع من أنواع الخيوط الرقيقة في مثل رقة خيط العنكبوت، لكان خيط العنكبوت أقوى من هذا الخيط حتى لو كان هذا الخيط من الفولاذ أو من الصلب، ولذلك يقول العلماء: إذا كانت هذه الخيوط تبدو ضعيفة واهية وتمزقها الرياح؛ إلا أن الدراسات أثبتت أنها على درجة عالية من المتانة والشدة والمرونة، فهي تعد أقوى مادة بيولوجية ينتجها حيوان عرفها الإنسان حتى الآن.
ولا يفوقها في الكون كله قوة خيط إلا نوع يسمى: بالكوارتز المصهور، قالوا: هذا أقوى منه.
وقالوا: هذا الشيء الرفيع يتمدد إلى خمسة أمثاله، وليس هناك خيط مثله، فإذا كان طوله سنتيمتراً واحداً فإنه يتمدد حتى يصبح طوله خمسة سنتيمترات، فهو قوي وفيه متانة.
وقالوا: إنهم حاولوا أن يقلدوا خيط العنكبوت من أجل أن يصنعوا خيوطاً قوية تضاهي خيط العنكبوت، وقد قالوا: إنه أقوى من الفولاذ المعدني بعشرين مرة، فتخيل! خيط تصنعه هذه العنكبوت الذي أنت تدوس عليها برجلك، فلا تستطيع أن تصنع خيطاً مثل خيطها إلا بجهد جهيد.
وقالوا: أقوى الخيوط الموجودة الذي يلي خيط العنكبوت خيط استحدثوه حديثاً مصنوع من الكوارتز المصهور، يقولون: وتبلغ قوة احتماله ثلاثمائة ألف رطل للبوصة المربعة.
أي: أنك لو أتيت ببوصة مربعة مضغوطة من خيط العنكبوت يتحمل قوة من غير أن يتفشى ويتكسر ثلاثمائة ألف رطل عليه.
قالوا: فإذا قدر جدلاً أن أتينا بخيط العنكبوت وضغطناه وعملنا منه حبلاً في سمك الإبهام، فبالإمكان أن يأخذ طيارة جامو، وهي إحدى الطائرات العملاقة.
ولكن كيف يصنعون ذلك من أجل أن يصلوا إلى القوة العظيمة التي لهذه الخيوط؟ قالوا: هناك غدد موجودة في بطن العنكبوت، وهناك ثلاثة ثقوب موجودة فيها ينزل منها ما تفرزه الغدد وتخرج منها على هيئة شعيرات، فيجتمع خيط مع خيط ويجدل الخيوط في بعضها بحيث تكون في النهاية خيط العنكبوت.
كذلك في بطنها أكثر من ستمائة غدة تفرز مادة معينة، وهذه المادة تنزل من ثقوب ثلاثة موجود في داخلها مثل المغازل كل واحدة تنزل خيطاً، والثانية تنزل خيطاً، ويلتف الخيط على بعضه، فيتجدل بحيث يكون خيط العنكبوت الذي يظهر أمامنا.
وقد اكتشفوا أن الحشرات أكثر شيء موجود على الأرض، وقالوا: يوجد أكثر من عشرة مليون نوع من أنواع الحشرات، ولم يصلوا إلا إلى معرفة حوالي مليون وقليل من هذا العدد الضخم من الحشرات الموجودة على الأرض.
والعنكبوت لوحده خمسة وثلاثون ألف نوع من هذه الحشرات الموجودة، وربنا ضرب لنا مثلاً بها وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة:٢٦].
إذاً: البعوضة خلق، وأنت لا تستطيع أن تخلق مثله، والذبابة خلق وأنت لا تستطيع أن تخلق مثلها، فخلق عظيم من خلق الله توجد فيه حكم خلقها الله .
وقد قال لنا: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا﴾ [فصلت:٥٣] أي: هؤلاء الكفار سنريهم آياتنا، أما المؤمن فيعلم أن الله لا يخلق شيئاً إلا لحكمة، والكافر يظل يفكر ويصنع ويتأمل ويخرج بنتيجة يصل في النهاية إلى ما قاله الله .
فضرب الله بالعنكبوت المثل، والإنسان يراها حشرة تافهة ويتقزز منها، ولكن يقول لك: هذه لا تخلو من فوائد، وربنا سيذكرها هكذا وانتهى.
العنكبوت فيها فوائد كثيرة جداً لدرجة أنهم يقولون: إنها تلتهم الملايين من الحشرات الضارة.
كذلك تلتهم الملايين من النباتات الضارة بالصحة، بل إنها تعمل كمبيدات حشرية لدرجة أن أحد العلماء يقول ويؤكد: إن نهاية الإنسان تصبح حتمية لو أن العنكبوت لم تكن موجودة على وجه الأرض، هل تتخيل هذا الشيء؟! فيضرب الله تعالى المثل بشيء يدل على أنه مثل عظيم من الله ، والاختيار للألفاظ مقصود لمعانٍ عظيمة منه سبحانه.
قال سبحانه: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:٤١] أي: لو يعلمون ذلك ويتأملون في كلام الله لآمنوا ودخلوا في دين الله ﵎.
وقد ذكر الله تعالى قبل ذلك النمل فقال تعالى: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ [النمل:١٨]، وجاء عن النبي ﷺ (أنه نهى عن قتل النمل)، والعلماء يذكرون أيضاً أن النمل نافع جداً للإنسان، وأنه يتخذ سلاحاً يحمي الأشجار للإنسان من الحشرات الضارة بالأشجار التي تنخرها؛ لدرجة أن في اليمن يبيعون النمل، فيذهبون للغابات ويأتون بالأشجار التي عليها النمل وينقلونها على الجمال إلى السوق من أجل أن تباع، ويأخذها أصحاب مزارع الموالح وغيرها من أجل أن يحمي النمل لهم مزارعهم.
فالنبي ﷺ لا ينهى عن ذلك إلا لحكمة عظيمة جداً.
إذاً: نقتل ما كان مؤذياً للإنسان بالقرص، أو يخرب بيت الإنسان، أما غير ذلك فلو أنه قضي على النمل كله الذي على وجه الأرض لخربت وضاع على الإنسان غذاؤه.
ولو أنه قضي على جميع العناكب التي على وجه الأرض لمات الإنسان بعد ذلك من أعدائه الموجودين.
فالله لم يخلق شيئاً إلا لحكمة، والإنسان قد يستكبر، ويقول: هذا مخلوق ليس له لزوم، ويضيع شيئاً من الأشياء التي أوجدها الله في مكان، فإذا بتضييعه لهذا الشيء في هذا المكان يدمر له هذا المكان بسوء صنيعه.
وكذلك لو أن الإنسان أخذ شيئاً من موطن غير موطنه، ووضعه في مكان آخر، فتكاثر في هذا المكان، فلعله يخرب هذا المكان بصنيعه هذا.
فلو ترك الإنسان الدنيا على ما خلقها الله عليه ولم يتعرض للتجارب لتضييع البيئة التي أوجدها ربنا أوجدها وفطرها عليها؛ لكانت الأرض فيها الخير العظيم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف:٩٦].
следующие страницы →