← Тафсир

Тафсир · id 37037

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (3 717 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

تفسير قوله تعالى: (من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. قال الله : ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ * وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج:١٥ - ١٨]. أخبرنا الله سبحانه ﵎ أنه ينصر عبده صلوات الله وسلامه عليه فقال: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ [الحج:١٥]. كأنه ييئس الكفار من أن يطمسوا نور الله سبحانه ويطفئوه، فالله متم نوره سبحانه ﵎، ولو كره الكافرون، فإن كرهوا واغتاظوا من أن الله ينصر رسوله ﷺ وينصر دينه قال: (فليمدد) أي: المغتاظ منهم بحبل إلى السماء: ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ [الحج:١٥]. يعني فليذهب فيقتل نفسه فيمت غيظاً وحنقاً، فهل يذهب هذا الذي صنعه بنفسه ما يغيظ؟ لن يذهبه ولكنه في الدنيا يخنق نفسه، ويتحول إلى غضب الله سبحانه ﵎ وعذاب رب العالمين. والمعنى الآخر: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج:١٥] يعني يحاول الصعود إلى السماء وينظر هل يقدر أن يمنع نصر الله الذي ينزل من السماء على رسوله ﷺ ؟ ولينظر هل يقدر أن يمنع هذا القرآن من النزول من السماء؟ قال: ﴿فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ [الحج:١٥] يعني كل ما يكيده وكل ما يصنعه للحيلولة دون نصر النبي ﷺ ودون إبلاغه ﷺ ، فليحاول الصعود إلى السماء، وينظر هل يقدر أن يمنع نصر الله الذي ينزل من السماء على رسوله ﷺ ؟ ولينظر هل يقدر أن يمنع هذا القرآن من النزول من السماء؟ قال: ﴿فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ [الحج:١٥] لا يقدر أن يمنع نصر الله سبحانه، ولا أن يمنع نزول القرآن من السماء، حتى ولو خنق نفسه!

стр. 212

تفسير قوله تعالى: (وكذلك أنزلناه آيات بينات) قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الحج:١٦] أي: كهذا الإنزال، وهذا الذي تسمعونه يتلى عليكم أنزلنا من السماء آيات هذا القرآن العظيم آيات بينة واضحة فيها الهدى وفيها الرحمة وفيها الشفاء. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ﴾ [الحج:١٦]، فالهدى هدى الله سبحانه ﵎، يهدي من يشاء ويعصم ويعافي بفضله، ويضل من يشاء ويبتلي عدلاً، فيضل من يشاء بعدله، ويهدي من يشاء بفضله، ولا يملك أحداً من الله شيئاً سبحانه ﵎، فأنزل الله هذا القرآن آيات بينات واضحة ومع ذلك تعمى على من يعمي الله سبحانه ﵎ قلبه، فالإنسان الأعمى لا يرى هذا الشيء البين الواضح الذي يراه الإنسان المبصر، فربنا سبحانه يخبر أن الهدى هداه، وأنه يهدي من يريد، ويهدي من يشاء سبحانه ﵎، فمن لم يهده الله سبحانه مهما جمعت له الآيات ومهما وضحت له الحجج، فلا سبيل للهدى لهذا الإنسان، فإن الله يهدي من يريد.

стр. 213

تفسير قوله تعالى: (إن الذين آمنوا والذين هادوا) قال الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [الحج:١٧] هؤلاء هم المسلمون والكفار، فذكر المؤمنين وذكر المناوئين لهم الذين هادوا يعني اليهود، والصابئين الذين عبدوا النجوم من دون الله سبحانه ﵎ فصبئوا وخرجوا عن دين رب العالمين سبحانه، وهذه قراءة الجمهور، وقراءة نافع وأبي جعفر المدنيين (والصابين). والنصارى هم الذين عبدوا المسيح من دون الله سبحانه ﵎، والمجوس هم الذين عبدوا النيران من دون الله سبحانه، والذين أشركوا هم الذين عبدوا الأوثان، وكل من زعم لنفسه إلهاً ادعاه وعبده من دون الله ؛ كل منهم يزعم أنه على صواب ويخطئ غيره، فالله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ﴾ [الحج:١٧] أي يقضي ويفتح بينهم يوم القيامة، ويقضي سبحانه بين هؤلاء يوم القيامة، وإن ظنوا في الدنيا أنهم على شيء، ولكن يوم القيامة تظهر الحقائق وأنهم ليسوا على شيء بل كانوا على ديانات باطلة إلا الذين آمنوا. قال الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج:١٧] يشهد عليهم يوم القيامة، فقد أحصى عليهم كل شيء فعله، وكل شيء قالوه، وكل شيء زعموه واعتقدوه، فالله يوم القيامة كفى به شهيداً على هؤلاء، أحصى أعمالهم وسيجازيهم ويحاسبهم عليها يوم القيامة.

стр. 214

تفسير قوله تعالى: (ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض) قال سبحانه ﵎: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الحج:١٨]. لما ذكر الله الذين اختلفوا في عبادة رب العالمين، ناسب أن يذكر أن هنالك من لم يختلف في عبادة ربه سبحانه ﵎، وعبدوه، وما يكون هؤلاء الكفرة بجوار هذه الأشياء العظيمة؟ ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾ [النازعات:٢٧ - ٢٨]. فالله سبحانه ﵎ خلق السماوات وخلق كل ما فيها، وهم أكثر من البشر بكثير، وأقوى منهم بكثير، وكلهم يسجد لله طائعاً ويعبد ربه سبحانه ويسبح بحمد ربه، قال الله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء:٤٤]، فالذين كفروا بالله سبحانه لا قيمة لهم، إنهم قوم في الأرض، والأرض كلها ما تساوي ذرة في ملكوت الله سبحانه ﵎! الرؤيا هنا رؤية قلبية، يعني: ألا يعتقد قلبك وعقلك ذلك، فأنت ترى تسخير الله سبحانه ﵎ لهذه الأشياء، فهي مسخرة بقدرة الله سبحانه، فهي متحركة بأمر الله سبحانه ﵎، النجوم والكواكب والشموس والأقمار كلها خلقها الله، وخلق لها مساراتها التي تسير فيها طائعة أو كارهة، تسير في هذا المسار، فالله خلق السماوات والأرض وقال لهما: ﴿اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:١١]، قالتا: أتينا طائعين، ولسنا كارهين لعبادته، ولسنا مكرهين على ذلك، ولكننا أتينا طائعين. فربنا يقول للخلق: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ﴾ [الحج:١٨] سجوداً حقيقياً، وقد جاء في حديث النبي ﷺ أن الشمس تسجد تحت عرش الرحمن حتى يأذن لها سبحانه فتطلع من مشرقها، ثم يوم القيامة لا يؤذن لها فتطلع من مغربها، فكل شيء يسجد لله مطيعاً وكارهاً، فالسجود بمعنى الطاعة، والسجود بمعنى العبادة لله، فيسجد له كل شيء من الخلق. قال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ﴾ [الحج:١٨] من في السماوات من ملائكة ومن خلق يعلمه الله سبحانه: ﴿وَمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الحج:١٨] كل من في الأرض من الإنسان والجان والحيوان والدواب والحشرات والجماد والنبات، فلما سجدوا لرب العالمين عاملهم معاملة العقلاء؛ لأنهم يسجدون ويسبحون؛ فلذلك قال: (من) وما قال: (ما) قال هنا: (من في السماوات ومن في الأرض)، وإن كان فيها الجمادات. قال: ﴿وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ﴾ [الحج:١٨] نصص على هذه لأن من الخلق من عبد الشمس من دون الله سبحانه، ومنهم من عبد القمر من دون الله، ومنهم من عبد الكواكب من دون الله، فقال: ﴿وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ﴾ [الحج:١٨] كل هذه تسجد لرب العالمين مطيعة له سبحانه ﵎. قال: ﴿وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ﴾ [الحج:١٨] الجبل يسجد لرب العالمين، والكافر يأخذ حجراً من الجبل يعبده من دون الله سبحانه! والشجر يسجد لرب العالمين، وذاك يأتي بشجرة يغطيها ويعبدها ويقول: هذه الإله من دون الله سبحانه ﵎! فهذه الكائنات كلها أعقل من الكافر الذي لا يعبد ربه سبحانه. قال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ [الحج:١٨] كل ما يدب على الأرض وكثير من الناس، كثيرون منهم، وأما الأكثر فكما قال الله: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦]، فالأقل المؤمنون، والأكثر الكفرة، فالمؤمنون كثيرون وهم يعبدون الله ويسجدون له سبحانه، وغيرهم حق عليهم العذاب، وهم الأكثر الذين عبدوا غير الله سبحانه.

стр. 215

معنى قوله تعالى (ومن يهن الله فما له من مكرم) قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ [الحج:١٨] إذا أهان الله خلقاً من خلقه فمن يكرم هذا الخلق؟ من أمر الله به إلى النار لا أحد ينجيه من غضب الله الجبار، من أمر الله به أن يعذب وأن يهان فمن يقدر يرفع عنه ذلك؟ من يهنه الله سبحانه فلن تجد من يكرمه. وأي أهانة أعظم من أن يدخله الله جهنم، فإذا سألوا ربهم العفو وإذا سألوا ربهم الخروج، عاملهم معاملة الكلاب فقال: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨]، وهذه كلمة تقال زجراً للكلب، وتقال لأهل النار والعياذ بالله. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج:١٨]، لما ذكر الله أن من يهن الله فما له من مكرم، فالإنسان ليس له أن يقول أي كلمة يوم القيامة، ليس لك شيء عند رب العالمين سبحانه، ليس لك إلا عملك، فإذا صلح العمل أصلح الله حالك، وأصلح طريقك إلى الجنة، وإذا فسد العمل كان الإنسان في النار والعياذ بالله، والله يفعل ما يشاء سبحانه ﵎ ولا اعتراض على فعله، ومن يعترض فماذا ينفعه هذا الاعتراض على رب العالمين، فقد قال: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، فإذا اعترض فله نار جهنم وله الهوان يوم القيامة.

стр. 216

تفسير قوله تعالى: (هذان خصمان اختصموا في ربهم) قال سبحانه: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج:١٩] المؤمنون والكفار، والعبرة بعموم اللفظ وإن كان سبب النزول سبب خاص. يذكر الإمام البخاري أنها نزلت في علي بن أبي طالب وحمزة وعبيدة بن الحارث ﵃، هؤلاء فريق مع فريق آخر من الكفار وهم عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة، وذلك في يوم بدر حين خرج هؤلاء الكفار وطلبوا من المؤمنين من يخرج إليهم للمبارزة، فخرج إليهم من المؤمنين علي بن أبي طالب وحمزة وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، وكلهم من آل بيت النبي صلوات الله وسلامه عليه، فاقتتلوا فجرح عبيدة بن الحارث وقتل الثلاثة الكفار لعنة الله عليهم، قال علي بن أبي طالب: أنا أول من يجثو للخصومة يوم القيامة، ويذكر أن هذه الآية نزلت في هذا الفريق من المؤمنين، وهذا الفريق من الكفار، والعبرة بعموم اللفظ، فهي نزلت فيهم وفي غيرهم من كل من خاصم من الكفار، فيوم القيامة يفصل الله بينهم. قال الله: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ [الحج:١٩] هذا فريق من المؤمنين اختصم مع فريق من الكفار، والخصومة في من هو المعبود الحق؟ وما هو الدين الحق؟ والكفار تعصبوا لرأيهم، ولم ينظروا بعقولهم إلى هذا الدين الحق الذي جاء من عند رب العالمين، فيوم القيامة يفصل الله ويقضي بينهم.

стр. 217

صور من عذاب النار قال الله: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ [الحج:١٩ - ٢٠]. الكفار في الدنيا علوا واستكبروا ورفضوا دين الله سبحانه، وجادلوا بالباطل، ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٣٩]، فإذا جمعهم الله يوم القيامة يكون مصيرهم كما قال الله: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ [الحج:١٩]. قطعت لهم كما يفصل للإنسان ثوب من القماش على مقاسه، فهم فصلت لهم ثياب من نار جهنم على قدر أحجامهم يوم القيامة. قال الله: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ [الحج:١٩] الحميم السائل الذي بلغ أقصى درجات الحرارة، ولا يقاس به سائل في الدنيا أبداً، وأصل الحميم الماء الساخن، ولكن لن يجدوا مثل هذا الماء في نار جهنم، وإنما سوائل ساخنة ملتهبة بقدر عظمة النار وشدة لهيبها، وهذا الحميم يحصل به أنه يصهر به ما في بطونهم والجلود، ولو أن إنساناً انصب عليه ماء مغلي في الدنيا فإنه يحرق الجلد الخارجي منه، أما هذا يصب من فوق الرأس فيصهر ما بداخل الإنسان ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ [الحج:٢٠]، يصهر به ما في بطونهم من أمعاء ومن معدة وغيرها والعياذ بالله! يصهر يعني يذاب ما في بطونهم والجلود من الداخل والخارج، وبدأ بالداخل لأنه غير متوقع، فالعادة أن الشيء الحار يحرق الإنسان من الخارج، أما من الداخل فلا يحرقه، لكن هذا يكون يوم القيامة والعياذ بالله. ومع هذا لا يموتون، ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦]، عذاب لا يرفع عن هؤلاء والعياذ بالله.

стр. 218

تفسير قوله تعالى: (ولهم مقامع من حديد) قال الله تعالى: ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ [الحج:٢١] المقامع جمع مقمعة، وهي آلة من حديد يساق بها الفيل، وهي معكوفة الرأس، يضرب بها على الفيل من أجل أن يمشي، فهؤلاء في نار جهنم يعاملون معاملة الحيوان، فيضربون بهذه المقامع، وكأنها مرزبة من حديد يضرب بها هذا الإنسان على رأسه، كلما أرادوا أن يخرجوا من نار جنهم يعادون فيها مرة أخرى، ولهم مقامع من حديد، قالوا: والمقامع أيضاً السياط، وأصلها من أقمعت الرجل بمعنى ضربته حتى أذل وأهين بهذا الضرب.

стр. 219

تفسير قوله تعالى: (كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها) قال سبحانه: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [الحج:٢٢] يريدون أن يفروا من النار، وتأتي عليهم النار مثل أمواج البحر، ترفعهم إلى أعلاها فيظنون أنه يمكن أن يهربوا من أعلى النار، فإذا ارتفعوا إذا بالملائكة تضربهم على رءوسهم بهذه المقامع من حديد، كلما أرادوا أن يخرجوا منها من النار من شدة غمهم أعيدوا فيها بهذا الضرب المخزي ويقال لهم: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج:٢٢] ذوقوا هذا العذاب خالدين فيه أبداً، ويقال: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [آل عمران:١٨٢]. والإنسان المؤمن عندما يستشعر ذلك، ويدخل قلبه الإيمان؛ يخاف من رب العالمين، ويخاف من هذا اليوم، وما يؤمنه أنه يدخل النار وقد قال الله سبحانه: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١]؟! فهذه آيات مهولة مخيفة تزعج الإنسان وتجعله يخاف من رب العالمين، والمطلوب هو الخوف من الله، الخوف الذي يدفع الإنسان لطاعة الله سبحانه، ويمنعه من المعصية. نسأل الله أن يعيننا على طاعته، وأن يجنبنا معصيته. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 220

تفسير سورة الحج [٢٣ - ٢٤] وعد الله المؤمنين بجنات تجري من تحتها الأنهار، وأنه سوف يحليهم فيها بأنواع الحلي من ذهب ولؤلؤ، ويلبسهم من الحرير، والفضل والمنة لله إذ هداهم في الدنيا إلى الطيب من القول، وهداهم إلى صراطه المستقيم، فله الحمد كله، فهو الحميد في أسمائه وصفاته وأفعاله.

стр. 221

تفسير قوله تعالى: (إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الحج: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ [الحج:٢٣ - ٢٤]. لما أخبر الله سبحانه ﵎ عن حال أهل النار وكيف أن الله سبحانه ﵎ يعذبهم العذاب الأليم فقال: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ [الحج:١٩ - ٢٠]، فذكر ما يكونون فيه من عذاب مقيم؛ فقد استكبر الكفار في الدنيا ورفضوا قبول الحق الذي جاء من عند رب العالمين، وتجبروا على الخلق فاستحقوا نار جهنم؛ ولذلك جاء في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (احتجت الجنة والنار فقالت النار: يدخلني الجبارون والمتكبرون، وقالت الجنة: يدخلني الضعفاء والمساكين، فقضى الله بينهما فقال للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء، وقال للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء، ولكل واحدة منكما ملؤها) يعني الله سبحانه ﵎ وعد أن يملأ هذه ويملأ هذه، فالنار مكان المتكبرين فهذا عذابهم، يصب من فوق رءوسهم الحميم، وتقطع لهم ثياب من نار، ويصهر بهذا الحميم ما في بطونهم والجلود، ويذكر في الآية الأخرى أنه يأمر بالكافر أن يسلك في سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً كما قال: ﴿فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة:٣٢]، فالإنسان الكافر في نار جهنم يكون كاللحم المشوي في السيخ، وكما يقال: سلكت الخرز في الخيط بمعنى أدخل الخيط في جوف الخرز، وكذلك الكافر يؤتى بسلسلة طولها سبعون ذراعاً على قدر طول هذا الإنسان وأكثر فيسلك فيها فتدخل من فيه وتخرج من دبره، ويعلق في نار جهنم كالشيء المشوي! وجاء في سنن الترمذي عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (إن الحميم ليصب على رءوسهم فينفذ الحميم حتى يخلص إلى جوفه فيسلت ما في جوفه حتى يمرق من قدميه وهو الصهر ثم يعاد كما كان) قال الترمذي: حسن صحيح، هذا حال الكافر، أما المؤمن فيقول : ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ﴾ [الحج:٢٣]، فربنا عندما يخوف الإنسان بالنار يرجي الناس بجنته حتى يتوب على من يشاء، ومن تاب تاب الله عليه وأدخله جنته. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج:٢٣]، حق على الله سبحانه ﵎ أن يدخل المؤمنين بفضله وبرحمته جنات تجري من تحتها الأنهار بشرط أن يكونوا آمنوا وأن يكونوا عملوا الصالحات، والإيمان ليس هو مجرد قول باللسان، ولا يقين في القلب، ولكن لابد من العمل الصالح. قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ﴾ [الحج:٢٣] أي: بساتين عظيمة ﴿تَجْرِي﴾ [الحج:٢٣] أي: تجري في أرضها الأنهار، وهي أنهار من ماء وأنهار من عسل وأنهار من خمر وأنهار من لبن. قال: ﴿يُحَلَّوْنَ﴾ [الحج:٢٣] أي هؤلاء أهل الجنة يحليهم ويزينهم ربهم سبحانه بما تركوه في الدنيا تواضعاً لرب العالمين سبحانه. ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ [الحج:٢٣] فهم ملوك في الجنة. والأساور جمع أسورة، وهو ما يزين به المعصم، تتزين به النساء، وقد يتزين به ملوك الكفار في الدنيا، فربنا يحلي أهل الجنة، بهذه الأساور، وهي أساور من ذهب وأساور من لؤلؤ وأساور من فضة، فذكر هذا هنا في سورة الحج، وقال في سورة فاطر: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ [فاطر:٣٣]، وقال في سورة الإنسان: ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الإنسان:٢١]، فهذه من أنواع الحلي التي يلبسها أهل الجنة. وهنا في هذه الآية قال سبحانه: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ [الحج:٢٣] ولؤلؤاً بالنصب قراءة نافع وأبي جعفر وعاصم ويعقوب، وباقي القراء يقرءونها بالجر (ولؤلؤٍ)، والمعنى يحلون فيها من أساور من ذهب، ويحلون لؤلؤاً على النصب، وعلى الجر المعنى: يحلون فيها من أساور هذه الأساور من ذهب ومن اللؤلؤ. وهؤلاء الذين يقرءونها بالجر وبالنصب لهم وجهان في الهمز، فيقرأ أبو جعفر وشعبة عن عاصم (ولولؤاً)، ولـ أبي عمرو في الهمزة الأولى وحمزة (ولولؤ) على خلاف بين حمزة وهشام في الهمزة الثانية، فيقرآنها في الوقف: (ولولو)، وإن كان هشام ليس له في الأولى إلا الهمز.

стр. 222

معنى قوله تعالى: (ولباسهم فيها حرير) قال سبحانه ﵎: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج:٢٣] لباس أهل الجنة فيها الحرير، وهو أرفع ما يتحلى به الإنسان في الدنيا، وهو نتاج دودة القز، هذا هو الحرير الطبيعي في الدنيا، أما الحرير الصناعي فلا يحرم، وإنما التحريم للرجال في الحرير الطبيعي، وقد جعله الله لأهل الجنة، وجاء في حديث عن النبي ﷺ : (من يلبس الحرير في الدنيا أو الذهب في الدنيا أو يشرب الخمر في الدنيا يحرم من ذلك يوم القيامة)، والعلماء اختلفوا في معنى يحرم عليه يوم القيامة، هل هو بمعنى أنه يدخل النار؟ لاشك أنه يدخل النار إذا مات على ذلك ولم يتب منه، فيدخله الله النار، فإذا دخل الجنة هل يصير محروماً من ذلك؟ هذا محتمل، وقد رجح الإمام القرطبي في التفسير أنه يحرم منه فيدخل النار ويعذب، فإذا خرج من النار ودخل الجنة يحرم من ذلك أيضاً! وهذا يجعل المؤمن يخاف من هذه المحرمات، مثل أن يلبس خاتم ذهب، وقد قال النبي ﷺ : (يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في إصبعه!)، وفي الحديث الذي رواه الحاكم وابن عساكر من حديث أبي هريرة وصححه الشيخ الألباني في الصحيحة: (من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، ومن شرب الخمر في الدنيا لم يشربه في الآخرة، ومن شرب في آنية الذهب والفضة لم يشرب فيها في الآخرة)، ثم قال رسول الله ﷺ : (لباس أهل الجنة وشراب أهل الجنة وآنية أهل الجنة) يعني الذي يريد أن يقلد في الدنيا أهل الجنة يحرم من ذلك يوم القيامة سواء بمعنى أنه يدخل النار فيحرم منها أو إذا دخل الجنة حرمه الله من ذلك على خلاف بين العلماء في حرمانه منها إذا دخل الجنة، فالبعض يقول: من دخل الجنة لا يحرم من شيء، والبعض يقول: الجنة درجات، فرجل في درجة عالية، والثاني في درجة دونه، ولا يتمنى ما عند غيره، ويرى أنه في مكان عظيم، ولكنه محروم مما هو أعلى منه، والله يجعله يرضى بذلك، وكذلك الذي كان يلبس الحرير لا يشتهيه في الجنة، فهو محروم منه، ولكن غيره يراه أنه قد حرم مما يتمتعون به في الجنة، والله أعلم.

стр. 223

تفسير قوله تعالى: (وهدوا إلى الطيب من القول) قال الله عن أهل الجنة: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ [الحج:٢٤] الله العظيم هو الذي هداهم إلى أن نطقوا بالطيب من القول، والطيب من القول هو قول لا إله إلا الله، وأطيب القول وأعظم القول كتاب الله سبحانه ﵎، فهدى الله المؤمنين لقراءة كتاب الله وحفظ كلام رب العالمين سبحانه، وأن يقولوا ما قاله النبي ﷺ وأمرهم به من تسبيح وتحميد وتهليل وتكبير وغير ذلك من الأذكار، فهداهم الله للكلام الطيب من أمر بمعروف ونهي عن منكر، والصلاة وغير ذلك من ذكر الله سبحانه ﵎. ففي الدنيا هداهم إلى الطيب من القول، وأيضاً هداهم إلى البشارات الحسنة، فبشرهم الله بما جاء في كتابه سبحانه وما جاء في سنة نبيه ﷺ ، وبشرهم برؤى منامية يرونها فيستبشرون بذلك من طيب القول. وهدوا أيضاً إلى صراط الحميد في الآخرة، فيهديهم الله إلى الصراط المستقيم فيمرون على الصراط سريعاً، ويدخلون جنة رب العالمين نسأل الله أن يجعلنا منهم ومعهم. قال: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ [الحج:٢٤] قالوا: يعني إلى طريق الجنة، فهداهم الله في الدنيا بالعمل وبالقول الصالح، وكذلك في الآخرة هداهم إلى طريق الجنة ولم يضلهم عنه.

стр. 224

نعيم أهل الجنة أهل الجنة يمتعون كما في قوله سبحانه: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج:٢٣]، ومن أين تجيء هذه الثياب؟ في الجنة أشجار تنبت لهم الثياب، ففي الحديث الذي رواه الإمام أحمد والطبري في تفسيره وابن حبان وصححه الشيخ الألباني في الصحيحة أن النبي ﷺ قال: (طوبى شجرة في الجنة مسيرة مائة عام، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها)، فربنا بكرمه وبفضله لا يحوجهم إلى أن كل واحد يفصل له الثياب، بل تخرج لهم الثياب من شجرة في الجنة مسيرة فروعها وظلها مائة عام، فينتقي ما يشاء ويلبس ما يريد، وفضل الله عظيم سبحانه ﵎. وجاء في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله ﵎ يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك؟!)، وكل واحد يظن أنه قد أعطي ما لم يعط أحد من أهل الجنة، وهذا من فضل الله سبحانه ﵎، ففي الدنيا كل إنسان يعطيه الله شيئاً يكون في قلبه النظر والتشوف إلى غيره سواء حسده أو لم يحسده، فيرى غيره أفضل منه مكانة، ويتمنى مكانة ذلك، ولكن أهل الجنة كل رضي بمنزلته، فيرون من هو أعظم منهم فيغبطونه على ما هو فيه من نعيم عظيم ولكن يرضون بما هم فيه من النعيم. (فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك، قالوا: يا رب وأي شيء أفضل من ذلك؟ قال سبحانه: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً) فهذا أعظم ما يعطاه أهل الجنة، فقد يعطى الإنسان نعيماً ولكن يخاف أن الله يغضب عليه، ويخاف أن يحرم من ذلك، ولكن إذا أمنه الله وأعطاه الأمان وأنه لن يغضب عليه أبداً تمت النعمة. وفي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (ينادي مناد: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبداً) فذلك قول الله : ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:٤٣]، وقال: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [الزخرف:٧٢ - ٧٣].

стр. 225

أهل الجنة وأهل النار في صحيح مسلم ومسند أحمد من حديث عياض بن حمار وهو حديث طويل وفي آخره قال النبي ﷺ : (وأهل الجنة ثلاثة) يعني ثلاثة أصناف، قال: (ذو سلطان مقصد) أي: كان له سلطان وملك وسلطة على من تحته ويعدل في ذلك، فيتصدق على عباد الله، ويوفقه الله لطاعة الله وطاعة الرسول صلوات الله وسلامه عليه، فهذا من أهل الجنة. قال: (ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم) فهذا من أهل الجنة، ملأ الله قلبه رحمه لقرابته، فهو رحيم بالمؤمنين عكس الإنسان القاسي الغليظ القلب، فأهل الجنة الرحماء، وجاء في الحديث: (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء). قال: (وعفيف متعفف ذو عيال) من أهل الجنة رجل عفيف لا يسأل الناس شيئاً، وهو متعفف عما في أيدي الناس، لا ينظر إليهم ولا يحسدهم فيما أعطاهم الله ، وإن كان ذا عيال كثير، فهو عفيف قنوع راض بما أعطاه سبحانه ﵎، وهذا المفلح الذي قال عنه النبي ﷺ : (قد أفلح من رزق كفافاً وقنعه الله بما آتاه) كفافاً أي على قدره، وقنعه الله بما آتاه، هؤلاء الثلاثة من أهل الجنة. ثم ذكر أهل النار في الحديث نفسه فقال: (وأهل النار خمسة) يعني أهل النار خمسة أصناف، منهم (الضعيف الذي لا زبر له، الذين هم فيكم تبع لا يبتغون أهلاً ولا مالاً) يعني إمعات الناس، ليس عندهم عقول، فهم تافهون يمشي أحدهم بين الناس همه أن يضحك مع الناس، ولا يهمه أمر دين، يعيش للدنيا غير ملتفت للدين، لا إلى صلاة ولا إلى صوم ولا إلى عبادة ربه سبحانه، فهذا إنسان لا عقل له ويلحق بالبهائم. قال ﷺ : (لا يبتغون أهلاً ولا مالاً) غير مسئول عن أحد، فهو إنسان غبي أحمق لا يفكر، ولو كان له الولد يموت فإنه يدعو له ابنه، أو يعيش فيعمل ابنه العمل الصالح فيؤجر على هذا العمل الصالح، ولا يزال يؤجر من أعمال ذريته لأنه كان سبباً في وجودهم، لكن هذا لا زبر له، أي ليس له عقل، فهو فرح لأنه يعيش لوحده، ينافق ويداهن ويأكل من باب الحلال وبالحرام، ليس على باله جنة ولا نار، فهؤلاء لا زبر لهم أي لا عقول لهم تردعهم عن منكراتهم. قال: (الذين هم فيكم تبع) فقنعوا بذلك (لا يبتغون أهلاً ولا مالاً) يعني لا يبتغون مالاً حلالاً، وطعامه في الدنيا من الحرام. قال: (والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه) خفى بمعنى ظهر يعني مجرد ما يظهر له شيء من مطامع الدنيا يسرقه ويأخذه، فالخائن من أهل النار. قال: (ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك) يريك أنه صديقك وحبيبك، وهو يخادعك في أهلك وفي مالك فاحذر هؤلاء. ثم ذكر البخل أو الكذب كأن الراوي شك هل الرابع البخيل أو الكذاب، فهم من أهل النار. ثم ذكر الشنظير، وهو الفاحش البذيء الذي يتكلم بالفحش، فهو من أهل النار والعياذ بالله. نسأل الله أن يجعلنا من أهل جنته. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 226

تفسير سورة الحج الآية [٢٥] لقد رفع الله قدر وشأن بيته الحرام، فأضافه إلى نفسه، وذكره في كتابه، وجعل له حرمة إلى يوم القيامة، وتوعد من أراد الإلحاد في بيته الحرام بالقتال والمعاصي بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة، وقد أمر الله إبراهيم ببناء بيته الحرام، ودعوة الناس إليه ليطوفوا حوله، ويقوموا بمناسك الحج والعمرة، طاعة لله وامتثالاً لأمره سبحانه.

стр. 227

تفسير قوله تعالى: (إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الحج: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج:٢٥]. ذكر الله تعالى في كتابه الكريم المسجد الحرام، وأنه جعله للناس سواء العاكف فيه والباد، فالناس يستوون في أمر المسجد الحرام، وليس أحد أحق من أحد بشيء فيه، فمن سبق إلى مكان فهو أحق به، سواء في المسجد الحرام أو في المناسك في الحج أو في العمرة، حتى ينتقل من هذا المكان، والكل سواء في تعظيم الحرمة وقضاء النسك، ويستوي في ذلك الحاضر الذي هو موجود، أو الباد وهو الذي يأتي من البادية أو القرى، أو يأتي من مكان بعيد إلى هذا البيت الحرام. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج:٢٥]، خبر (إن) في هذه الآية مقدم وتقديره: لهم عذاب أليم، أو: إن الذين كفروا قد خسروا خسراناً مبيناً، ويلاحظ أن الله لم يذكر الخبر في هذه الآية هنا فقد قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الحج:٢٥]، أي: جزاء الذي يفعل ذلك العذاب من الله وهو معلوم، فاكتفى بذكر ذلك ولم يذكر الخبر؛ لأنه معلوم.

стр. 228

فضل البيت الحرام ذكر الله عن المسجد الحرام أنه مسجد وأنه حرام، فهو أعظم بيوت الله وهو مكان السجود، فيسجد فيه المؤمن لله مطيعاً له، عابداً له، يذل نفسه في عبادة ربه سبحانه. وهذا المسجد يحرم على الناس أن يلحدوا فيه، ويحرم عليهم أن يعصوا ربهم فيه، وهو أعظم المساجد، والصلاة فيه بمائة ألف صلاة في غيره من المساجد، فأجره عظيم، ولذلك فالذي يلحد فيه ذنبه عظيم.

стр. 229

خطر الاستهانة بالبيت الحرام قال : ﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ﴾ [الحج:٢٥]، قوله: (ومن يرد) أي: أصبح يريد، وجزمت كلمة يرد هنا بحذف حرف العلة، ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج:٢٥]، أي: من يريد في المسجد الحرام أن يلحد فيه ظالماً، والإلحاد: هو الميل والزيغ والبعد عن الحق. ومن صور الذي يلحد في المسجد الحرام أن يظلم نفسه ويظلم غيره، أو يقع في الشرك بالله سبحانه، أو في الكبائر والفواحش والذنوب، فالله يتوعد هذا الملحد بالعذاب الأليم، حيث قال: ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج:٢٥]. وجاء في صحيح البخاري عن ابن عباس قال: قال ﷺ : (أبغض الناس إلى الله ثلاثة)، يعني: أبغض العصاة إلى الله رب العالمين ثلاثة، (ملحد في الحرم، ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية، ومطلب دم امرئ بغير حق ليهريقه)، فهؤلاء أبغض الناس إلى الله ، وأبغض العصاة: هو من يلحد في الحرم، يعني: يقع في الفواحش، أو يقع في كبائر الذنوب، أو يريد الظلم فيه، وكذلك الإنسان الذي يشرك بالله ، فهؤلاء هم أبغض الناس إلى الله . وقوله: (ومبتغ في الإسلام سنة جاهلية) أي: بعد أن دخل في الإسلام عاد يعمل ما كان يعمله أهل الجاهلية ويعتقدونه من شرك، وكهانة، وعرافة، وسحر، وأشياء كانوا يفعلونها في الجاهلية، فكذلك الذي يريد أن يرجع إلى دعوى الجاهلية، ويتعصب بعصبية الجاهلية، ويدعي دعوى الجاهلية، فهو من أبغض الناس إلى الله . وذلك أن من سنن الجاهلية أن الإنسان إذا قتل إنساناً أتى أهل القتيل فقتلوا القاتل، وقتلوا معه من هو أعظم منه من قبيلته، فيأخذون بدم الواحد دماء أناس مظلومين لم يفعلوا شيئاً، ولعلهم يتركون القاتل احتقاراً له ويقتلون أكبر رجل في قبيلته، إذ لعلهم يحتقرون القاتل ويقتلون زعيم القبيلة مثلاً، فهذا هو الذي يبتغي في الإسلام سنة الجاهلية، وما كان يصنعه أهل الجاهلية من محاسبة غير الظالم، فيأخذون مظلوماً بذنب إنسان ظالم. قال: (ومطلب دم امرئ بغير حق ليهريقه)، وهو الذي يقتل إنساناً من غير حق أو سبب، أو هو من يقتل غير القاتل، أو يقتل الإنسان المظلوم. فهؤلاء أبغض الناس إلى الله ، ولهم العذاب الأليم عند الله رب العالمين سبحانه.

стр. 230

ذكر أقوال الصحابة في معنى الإلحاد قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج:٢٥] قلنا: الإلحاد: هو الزيغ والميل عن طاعة الله سبحانه، والدخول في المعاصي وأعظمها الشرك بالله سبحانه، وجاء عن الصحابة في تفسير (من يرد فيه بإلحاد) تفسيرات كلها تعود لهذا المعنى، فيقول ابن عباس ﵁: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج:٢٥] قال: الشرك، وهذا نوع من أنواع الإلحاد في البيت الحرام، والشرك سواء في المسجد الحرام أم في غيره فهو لا يغفره الله إلا أن يتوب العبد ويراجع التوحيد، فالذي يذهب للمسجد الحرام ويدعو غير الله يستحق هذه العقوبة الشديدة. قال عطاء: الشرك والقتل، يعني: الذي يلحد في الحرم هو الذي يقتل مظلوماً أو يشرك بالله ، وقيل: بل معناه صيد الحمام، وقطع شجر الحرم، ودخول الإنسان غير محرم، وهذه كلها من المعاصي التي قد يفعلها الإنسان، فيذهب مسافراً إلى مكة ثم يدخل الحرم بغير حج ولا عمرة، وكأنه يستهين بهذا المكان الذي شرفه الله سبحانه وعظمه، ولا يرى عليه لله حقاً أن يدخل هذا المكان محرماً. ومثله الذي يستهين فيصيد حمام الحرم أو يقطع شجرة مستهيناً بالعقوبة في ذلك المكان، فصيد الحمام وقطع الشجر في ذلك المكان من الإلحاد بظلم، فكيف بالإنسان الذي يظلم أخاه المؤمن؟! قال ابن عمر ﵄: كنا نتحدث أن الإلحاد فيه أن يقول الإنسان: لا والله، وبلى والله. فكلام ابن عمر يدل على أنه بمعنى اللغو في الكلام، فالمقام العظيم في المسجد الحرام يمنع الإنسان أن يتكلم باللغو أو بغير ما ينبغي عليه. ولذلك كان ابن عمر ﵁ يجعل لنفسه فسطاطين، أي: خيمتين، خيمة في الحل وخيمة في الحرم، فإذا أراد أن يأتي أهله ويتكلم معهم في أمور الدنيا ذهب إلى الخيمة التي في الحل، وإذا أراد العبادة ذهب إلى الحرم، ولا يخلط بين هذه وتلك، وهذا من ورع ابن عمر ﵁. ومثله أيضاً عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ حيث كان له فسطاطان: أحدهما في الحل، والآخر في الحرم، فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الحل، وإذا أحب أن يؤدب عياله أدبهم في الخيمة التي في الحل، وإذا أراد أن يصلي صلى في خيمة الحرم، فقيل له: لماذا تفعل هذا الشيء؟ فقال عبد الله بن عمرو: إنا كنا لنتحدث أن من الإلحاد في الحرم أن نقول: كلا والله، وبلى والله، يعني: المنازعة في الكلام، فخاف عبد الله بن عمرو وعبد الله بن عمر ﵃ من الوقوع في ذلك في الحرم.

стр. 231

الأدلة على أن الهم بالسيئة والعزم عليها سيئة وإن لم يعلمها قال العلماء: المعاصي تضاعف بمكة كما تضاعف الحسنات، فالحسنات تكون عظيمة ومضاعفة، وكذلك السيئات، ومن ذلك ما ذكره الله بقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ [الحج:٢٥]، وليس الوعيد على الذي يفعل فقط، بل الذي يريد أن يفعل الإلحاد في الحرم، فالله يذيقه من عذاب أليم. وهنا يقول العلماء: هناك فرق بين الخاطر في رأس الإنسان ثم يكف عن ذلك ولا يفعل، وبين أنه يريد أن يفعل الخطأ ويعزم عليه ثم يقدم فيمنعه قضاء الله وقدره ، فالذي يهم ثم يمتنع لأنه يخاف من الله فهذا تكتب له السيئة حسنة، وقد جاء حديث عن النبي ﷺ بهذا المعنى. ففي الصحيحين من حديث ابن عباس قال: قال النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه : (إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك) أي: بين الله ذلك، يقول: (فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإذا هو هم بها فعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة)، وانظر إلى قوله: (هم بسيئة ولم يعملها) أي: لم يعملها خوفاً من الله ، وهنا فرق بين أنه امتنع من السيئة لأنه خاف من الله سبحانه فتكتب له حسنة كاملة، وبين أنه امتنع منها لعجزه فتحسر على كونه لم يفعلها، فهذا يؤاخذ على هذا الهم وعلى الإرادة بالفعل، فقال هنا ﷺ : (فإن هو هم بها فعملها كتبها الله له سيئة واحدة). والحديث هذا ذكر ابن عباس أن النبي ﷺ يرويه عن ربه، وكان اللفظ المسوق هنا من كلام النبي ﷺ ، ولكن جاء في رواية أخرى في صحيح البخاري أن الله قال: (إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه -يعني يقول للملائكة- حتى يعملها). وجاء من حديث أبي هريرة: (إذا أراد أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها، فإن عملها فاكتبوها له بمثلها، وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة)، فلاحظ هنا أنه قال: (إذا ترك السيئة من أجلي) فهذا تكتب له هذه السيئة التي كاد أن يفعلها حسنة. وجاء حديث آخر عن النبي ﷺ في سنن الترمذي ورواه الإمام أحمد أيضاً من حديث أبي كبشة الأنماري أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (ثلاثة أقسم عليهن، وأحدثكم حديثاً تحفظوه) أي: أن النبي ﷺ يخبر عن ثلاثة أشياء ويقسم عليهن، ويحدثنا حديثاً ويأمرنا أن نحفظ هذا الحديث صلوات الله وسلامه عليه. قال: (ما نقص مال عبد من صدقة) أي: إذا تصدقت فإن المال لا ينقص أبداً من الصدقة، وصدق رسول الله ﷺ ، ولا نحتاج أن يقسم لنا فهو الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه. قال ﷺ : (ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر)، بمعنى: أن أي إنسان بدأ يفتح على نفسه باب السؤال ويمد يده للناس، فإن الله يفتح عليه باب الفقر، حتى وإن جمع أموالاً كثيرة وكنزها من سؤال الناس، إذ يملأ الله قلبه فقراً، فلا يزال يشعر بالفقر عمره أبداً، حتى يأخذه الله . قال ﷺ : (ولا ظلم عبد مظلمة فصبر عليها إلا زاده الله عزاً)، أي: ما من عبد يظلم مظلمة ويعفو عنها ويصبر إلا فتح الله له باب عز، وزاده عزاً إلى عزه . قال النبي ﵌: (وأحدثكم حديثاً تحفظوه، إنما الدنيا لأربعة نفر) أي: يعيش فيها أربع أصناف من الناس، قال: (عبد رزقه الله مالاً وعلماً فهو يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقه، فهذا بأفضل المنازل) أي: عبد رزقه الله مالاً وعلماً، فبعلمه يعمل في ماله فيتقي ربه في هذا المال، ويصل به رحمه بهذا المال، ويعلم لله فيه حقه من زكاة ونحوها، فهذا بأفضل المنازل؛ إذ جمع الله له علماً ومالاً وطاعة لله. قال: (وعبد رزقه الله علماً ولم يرزقه مالاً فهو صادق النية، يقول: لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلان، فهو بنيته فأجرهما سواء) أي: أن هذا الفقير لم يؤت مالاً، ولكن تمنى أن يؤتيه الله مالاً فيعمل كهذا. الرجل الأول صاحب العلم والمال والتقوى، فأجرهما سواء. قال: (وعبد رزقه الله مالاً ولم يرزقه علماً فهو يخبط في ماله بغير علم، ولا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله تعالى فيه حقه، فهذا بأخبث المنازل)، وهذا رجل جاهل ليس على علم، ومعه مال كثير يسرف به، فلا يترك شيئاً من حرام إلا وبذل فيه هذا المال، فهو يصرف ماله في كل شيء، ويريد بذلك أن يحصل على الدنيا، ويستمتع فيها، فبجهله يظن أن الأولى والأخرى هي هذه الدنيا، فلذلك ينفق ماله في الملاذ والحرام ولا يهمه شيء، فليس عنده علم، وليس عنده ورع يمنعه من معصية الله ، فهذا بأخبث المنازل وشرها وهي نار جهنم والعياذ بالله. قال: (وعبد لم يرزقه الله مالاً ولا علماً)، وهذا جاهل آخر لكنه فقير (فهو يقول: لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته ووزرهما سواء)، فالعلم يشرف بأهله، والجهل قبيح بأهله، وانظر إلى الإنسان العالم الذي عرف لله حقه، فلما أعطاه المال عمل بطاعة الله في هذا المال، فلما منعه صبر على هذا الأمر وتمنى الخير، فالتمني تجارة مع الله ، فالله هو الذي منعه من المال، وعلم الله أنه لو أعطاه المال لعمل كهذا الذي عمله، فمنعه المال وأعطاه الأجر، وهذا فضل الله ، بل ويجعل الإنسان الفقير يوم القيامة يدخل الجنة قبل الغني بخمسمائة عام، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء سبحانه ﵎. وهذا الرجل الرابع رجل مسكين، حرمه الله المال في الدنيا وهو جاهل، فبجهله لم ينظر إلى أمر الله وطاعته، وإنما نظر إلى الدنيا، ونظر إلى مال ذاك الإنسان الجاهل، فلقد أتعب نفسه بنفسه، وأشقى نفسه بعقله وبجهله، فهو ينظر إلى الدنيا أنها كل شيء، ويتمنى أن معه مالاً فيعمل به كذا وكذا من المعاصي، فهو يتمنى المعاصي، والله يكتب عليه السيئات بتمنيه لهذه المعاصي، فهو بأخبث المنازل عند الله كهذا الإنسان الجاهل صاحب المال. فهذا هو الفرق بين من خطر بباله أنه يفعل معصية ثم تراجع عن ذلك خوفاً من الله؛ فتكتب له حسنة، وبين من أراد فعل معصية ثم لم يفعلها ونسي أمرها، فهذا لا حسنة له ولا سيئة، وآخر أراد فعل معصية ومنع من هذه المعصية، فإذا به يتحسر على فوات هذه المعصية، كمن أراد أن يسرق شيئاً فوجد الباب مقفلاً، فرجع حزيناً، وصار يتمنى معرفته لفتح الأقفال، فالتمني موجود في قلبه، ولو تمكن لفعل، فهذا كالذي يفعله. ومن ذلك حديث النبي ﷺ أنه قال: (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، فقالوا هذا القاتل، فما بال المقتول؟! فقال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه). فحرصه على قتل صاحبه وإن كان لم يقتله جعله في النار مع صاحبه القاتل. فهذا مما يؤيد أن الإصرار على المعصية معصية، ومن ذلك قول الله سبحانه: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥]، فالمؤمنون إذا حدثتهم أنفسهم بالفاحشة أو المعصية تراجعوا خوفاً من الله ، ولم يصروا على هذا الأمر، وسواء فعلوا أو لم يفعلوا فالله يعفوا ويغفر لهم. ومن ذلك قول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [النور:١٩]، فهؤلاء أحبوا ولم يعملوا، فهم يحبون بقلوبهم أن تنتشر الفواحش بين الناس، ومع ذلك لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة، فكيف إذا فعلوا وأباحوا الفواحش للناس؟! ومن ذلك قول الله : ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات:١٢]، والظن هو فعل العقل، فالإنسان يفكر في الشيء بعقله، ولم يحقق شيئاً من ذلك، فقال الله : ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات:١٢]، فإن الظن منه الكثير ومنه القليل، والقليل من الظن غالباً يكون في الخير، والكثير منه يكون ظن سوء، وعلينا أن نجتنب هذا الظن السيء، فإذا رأيت من أخيك شيئاً فاحمله على المحمل الحسن، فإذا لم تفعل وظننت ظن السوء فإن الله يقول: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات:١٢] أي: إن بعضاً من هذا الظن الذي ظننته في أخيك تأثم عليه وتعاقب عليه عند الله . والغرض من هذا كله بيان ما جاء عن النبي ﷺ من أن الإنسان إذا هم بسيئة كتبت عليه هذه السيئة إن كان همه بعزم، ويعلم الله أنه لو تركه في ذلك لأتى الفاحشة وفعلها. ولذلك نقول: قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج:٢٥] يدل على عظمة الحرم وقدره، فالإنسان الذي يفعل المعصية فيه يأثم إثماً عظيماً، والذي يريد أن يفعل المعصية ويعلم الله من قلبه أنه يريد فعلها ويصر عليها فهذا داخل في قوله تعالى: ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج:٢٥]. وجاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال النبي ﷺ : (اجتنبوا السبع الموبقات، فقيل: يا رسول الله! وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات). والحديث نفسه رواه أبو داود وذكره عن عبيد بن عمير

стр. 232

تفسير سورة الحج (تابع) الآية [٢٥] ذكر الله تعالى أن المسجد الحرام يستوي فيه الحاضر والبادي، فلا فضل لأحد منا على الآخر إلا بالتقوى، وقد اختلف العلماء في المراد بالمسجد الحرام هنا، واختلفوا في جواز بيع دور مكة وإيجارها، ومعرفة هذا الخلاف من المهمات.

стр. 233

تفسير قوله تعالى: (إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الحج: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج:٢٥]. يخبر الله في هذه الآيات عن الكفار الذين يصدون عن سبيل الله وعن المسجد الحرام، ثم نتطرق بعد ذلك للمسجد الحرام ومناسك الحج، وكيف أنه أمر إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام أن يؤذن في الناس بالحج ليأتوا بيت الله الحرام يحجون مطيعين لله رب العالمين خاشعين مخبتين. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الحج:٢٥]، هنا ذكر الذين كفروا ووصفهم أنهم يصدون عن المسجد الحرام، وجوابه خبر محذوف مقدر، كأنه يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحج:٢٥]، هؤلاء الذين يصدون عن سبيل الله وعن المسجد الحرام قد خسروا الخسران المبين، قد أهلكهم الله وجعلهم في خسار، فكأن الخبر محذوف ومقدر، ومعلوم أنهم قد خسروا الدنيا والآخرة بهذا الذي فعلوا. فهم كفروا بالله وصدوا عن المسجد الحرام، ولم يزالوا على ذلك بهذا الصد عن بيت الله الحرام، وقلنا: إن هذه السورة فيها المكي وفيها المدني، وهنا صدوا عن المسجد الحرام، أي: صدوا النبي ﷺ والمؤمنين في عام الحديبية، وهذه الآية مدنية، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الحج:٢٥]، وكانت الحديبية في سنة ست للهجرة في ذي القعدة، وخرج النبي ﷺ معتمراً ومعه أصحابه، فلما وصلوا إلى هذا المكان عند ماء الحديبية إذا بالكفار يتحزبون عليهم ويمنعونهم من دخول الحرم. فأخبر الله عن هؤلاء الكفار الذين صدوا عن سبيل الله، وهنا أخبر بالفعل المضارع ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ﴾ [الحج:٢٥]، فكأنها ليست المرة الوحيدة التي صدوا فيها عن سبيل الله، وإن كانت أشهر المرات التي صدوا فيها ما حدث في يوم الحديبية، حيث صدوا المؤمنين، وكانوا ألفاً وأربعمائة مع النبي ﷺ أو ألفاً وخمسمائة. فمنعوهم من دخول الحرم ومنعوهم من العمرة، وهذا فعل قبيح من هؤلاء الذين كانوا في الجاهلية لا يمنعون أحداً يأتي البيت، فإذا بهم يمنعون النبي ﷺ والمؤمنين من الاعتمار، ويرجع النبي ﷺ بغير عمرة في هذا العام، ويقاضي الكفار فيحدث بينهم الاتفاق على أنه يرجع ويأتي في العام القادم، ففعل الكفار كان فيه الوبال عليهم، وكان فيه التعجيل بالعقوبة وبهزيمتهم، حيث صدوا عن المسجد الحرام، وعادة الله في كل إنسان يصد عن الحرم، ويمنع المؤمنين من عبادة ربهم سبحانه وإتيان بيت الله الحرام أن يقهرهم ويذلهم، ونظرنا ماذا عمل في أبرهة وجنوده لما حاولوا هدم الكعبة فأرسل الله عليهم طيراً أبابيل ترميهم، قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل:٣ - ٥]. وانظر إلى جهد النبي ﷺ كيف جاهد هؤلاء ودعاهم إلى الله ، وكانت بينه وبينهم المواقف حتى صدوا النبي ﷺ ومن معه عن الاعتمار، فكانت الهزيمة عليهم بعدها بعامين في فتح مكة، وكان الفتح في رمضان في العام التاسع، والحديبية في ذي القعدة من العام السادس، وعمرة القضاء في العام السابع، فكان صلح الحديبية وما حدث فيها فتحاً من الله على المؤمنين، وإن كان ظاهرها الهزيمة، ومن العجب أن النبي ﷺ في مرجعه من الحديبية أنزل الله عليه سورة الفتح وفيها: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح:١]. فالمسلمون راجعوا مع النبي ﷺ فهم في غاية الكآبة والحزن والشعور بالهزيمة والمرارة، فقد وصلوا إلى قرب الكعبة ولم يدخلوا، ورجعوا بشروط مجحفة فرضها عليهم الكفار؛ وأنزل الله : ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح:١]، فإذا بـ عمر يتعجب ويقول للنبي ﷺ : أو فتح هذا؟! وفعلاً كان فتحاً عظيماً من الله ، إذ كان من شروط صلح الحديبية أن الكفار قالوا: من أتاك منا مسلماً ترجعه إلينا، والذي يأتي إلينا من عندك مرتداً كافراً لا يرجع إليك، وأن ترجع هذا العام ولا تدخل مكة إلا في العام المقبل، والنبي ﷺ ومن معه جاءوا من المدينة إلى مكة منهم الماشي على رجليه، ومنهم من يركب على جمل، وأخذوا أياماً وليالي حتى وصلوا إلى هنالك، فلما كان بينهم وبين الكعبة ساعات إذا بهم يردونهم ويرجع النبي ﷺ ومن معه! فالكفار لما استكبروا وعلوا في مكان ينبغي على كل إنسان أن يتواضع فيه لله ، إذا بالله يذلهم بعده بعامين، وتفتح هذه البلدة، وكل منهم يهرب إلى بيته، ولا يقدرون على مواجهة النبي ﷺ ومن معه من أصحابه، ولم يخرج إلا النساء يضربن الخيول بالخمر، ولذلك قال حسان بن ثابت ﵁: يبارين الأعنة مسرجات تثير النقع مطلعها كداء عدمنا خيلنا إن لم تروها تلطمن بالخمر النساءُ هذا حسان بن ثابت ﵁ يقول: عدمت بنيتي إذا لم ترونا ونحن ندخل عليكم من أعلى مكان في أصعب مكان في مكة، وسأل النبي ﷺ : (ماذا قال حسان؟ قالوا: قال: عدمتُ بنيتي إن لم تروها تثير النقع مطلعها كداء. فدخل النبي ﷺ من أصعب مكان في مكة) فكون الجيش يدخل من أصعب مكان معناه: الذل بل وغاية الذل لأهل البلد، إذ إن الجبال لم تمنعهم من الدخول ولا هم منعوهم، فدخل النبي ﷺ من المكان الذي قاله حسان رضي الله ﵎ عنه. الغرض: أنه كان الفتح من الله بالحديبية، وقد كان فيها شروط وهدنة لمدة عشر سنوات، فلم ينتظروا سنتين حتى نقضوا العهد، فإذا بالله يفتح للنبي ﷺ هذا البلد الحرام، ويصير داراً للإيمان ويأنس إليه أهل الإيمان إلى ما شاء الله . ومن الحديبية إلى فتح مكة بدأ يحصل نوع من الذهاب والمجيء من الكفار، إذ كانوا يأتون إلى المدينة فيطلعون على هذا الدين فيدخلون في الدين شيئاً فشيئاً، ويسبب الله الأسباب، فقد خرج أبو جندل وأبو بصير من عند الكفار وذهبوا إلى النبي ﷺ وأراد النبي ﷺ رد أبي جندل إلى أبيه سهيل بن عمرو، وفعلاً رجع أبو جندل إلى أبيه ثم هرب من عندهم ولم يذهب إلى النبي ﷺ خوفاً من أن يرده مرة ثانية، وأصبح قاطع طريق في مكان بين مكة والمدينة، يقطع الطريق على الكفار حتى استجار الكفار بالنبي ﷺ وراضوه بأن يأخذ كل من يأتي إليه من مكة، لفعل هذا الرجل رضي الله ﵎ عنه. ويدخل في هذين العامين في الإسلام أكثر ممن دخلوا فيه في السنوات الماضية، إذ دخل في خلال العامين من الحديبية حتى فتح مكة أضعاف من دخل خلال السنوات التسعة عشر الماضية، فقال الله : ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح:١]، فكان الفتح من الله ، وبعد هذا في رمضان من العام الثامن فتحت مكة لما نقض الكفار عهدهم مع النبي ﷺ وقتلوا أناساً من خزاعة. قال الله هنا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحج:٢٥]، يعني: صدوا ولم يزالوا يصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام، يصدون الناس عن ﴿الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج:٢٥]، المسجد الحرام جعله الله للناس سواء، العاكف فيه أي: الملازم والمقيم في المسجد الحرام، أي: أهل البلد. قوله تعالى: ﴿وَالْبَادِ﴾ [الحج:٢٥] أي: الذي أتى من البدو من خارج مكة، والكل سواء، لا يوجد لأحد على أحد فضل في ذلك، فالجميع يستوون في تعظيم حرمات هذا المكان وفي قضاء النسك، فليس أهل مكة أحق من غيرهم في أداء النسك، فالآتي إليهم أيضاً من حقه ذلك، ولا يمنع من أداء المناسك. قال الله سبحانه: ﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً﴾ [الحج:٢٥]، هذه قراءة حفص عن عاصم فقط، (سواءً) بالنصب، والمعنى: أنه بجعلنا إياه ذلك يستوي فيه الجميع. وباقي القراء ومنهم أيضاً شعبة عن عاصم: (سواء الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ) فعلى النصب تصير مفعولاً لجعلناه، وعلى الرفع يعني: العاكف والباد سواء في ذلك فهي خبر مقدم، فرفعت على ذلك، أي: يستوي المقيم فيه مع الذي يأتي إليه، فالجميع يعظمون هذا المكان، والجميع من حقهم أداء المناسك التي أمر الله بها، وليس أحد أحق من الآخر.

стр. 234

اختلاف العلماء في بيع دور مكة كان الصحابة يعظمون هذا المكان فكان أهل مكة في أيام المناسك يفتحون دورهم للناس، ويدخل الضيف ويمكث عندهم ما شاء الله، فقد كانوا في أيام الحج وأيام العمرات يخلعون أبواب الدور، وكان عمر بن الخطاب يرى ذلك وقد يأمرهم بذلك حتى جاء رجل من المؤمنين وجعل الباب على داره، فأنكر عليه عمر ﵁ فاعتذر عن ذلك بأن هؤلاء الضيوف يأتون ومعهم أمتعتهم، وقد كثرت السرقة لأمتعة الضيوف، فجعل الباب على داره ليحمي هؤلاء الضيوف الذين يأتون إلى الحرم. والراجح أن هذا ليس واجباً عليهم، فلا يجب على المقيم أن يخلع باب بيته، أو أن يدخل الضيوف عنده في البيت عنوة وقهراً عليه، ولكنهم عرفوا حق هذا المكان وحرمته وأن الناس سواء فيه، فاحترموا من يأتي إلى بيت الله الحرام، ففتحوا بيوتهم لاستقبال الحجيج والضيوف لهذا المكان العظيم. وبعض العلماء يرون أن دور مكة يستوي فيها الجميع، وهذا مذهب مالك، فقوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج:٢٥]، فيه قولان لأهل العلم: القول الأول: مذهب مالك أنه يستوي فيه الحرم والمسجد، والدور كلها من الحرم، وهو قول ابن عباس رضي الله ﵎ عنه. القول الثاني: قول الجمهور أن المسجد الحرام هو مكان المسجد فقط، واحتج له ابن خزيمة بأنه لو كان الحرم المقصود به مكة كلها لجاز لمالك البيت أن يؤجر بيته، أو أنه يملّك هذا البيت لغيره. ويقول ابن خزيمة أيضاً: لو كان المراد من قوله تعالى: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج:٢٥] جميع الحرم، وأن اسم المسجد الحرام واقع على جميع الحرم لما جاز حفر بئر ولا قبر، ولا التغوط ولا البول ولا إلقاء الجيف والنتن، والمعنى: أنه لو كانت مكة كلها هي المسجد الحرام إذاً: حكمها حكم المساجد لا يجوز أن يُجعل فيها مرحاض أو مكان للنجاسة، ولكن المسجد شيء وباقي الحرم شيء آخر. يقول الحافظ ابن حجر: القول بأن المراد بالمسجد الحرام الحرم كله ورد عن ابن عباس وعطاء ومجاهد، وأخرجه ابن أبي حاتم وغيره عنهم، والأسانيد بذلك كلها إليهم ضعيفة، فضعف ما أسند إليهم من أن المسجد الحرام هو الحرم كله، قال: المسجد الحرام هو مكان المسجد، ومكان المسجد كلما اتسع فهو المسجد، فإذا وسع في المسجد ما دخل فيه من الحرم صار مسجداً وله حكم المسجد الحرام. وهل بيوت مكة مثل غيرها من البيوت يجوز بيعها وشراؤها وتأجيرها أم أنه يستخدم البيت إذا كان محتاجاً له ولا يجوز له أن يبيعه؟ يقول الإمام القرطبي: هذا الخلاف ينبني على أصلين، أحدهما: أن دور مكة هل هي ملك لأربابها أم هي للناس؟ والثاني: هل فتح مكة كان عنوة أم كان فتح مكة صلحاً؟ الراجح: أن مكة فتحت بالوجهين عنوة في أول الدخول، ثم صلحاً مع أهلها بعد ذلك، وبنى العلماء على ذلك أنها إذا فتحت عنوة فهي ملك للغانمين، وإذاً: أهلها تركهم النبي ﷺ فيها، لكن كنوع من المنة عليهم أن يمكثوا فيها، ولكن الأرض ليست ملكهم، إذاً: ليس من حق أحد في مكة أن يبيع داره، ولكن يسكنها طالما هو محتاج إليها، فإن لم يحتج إليها بعد ذلك يتركها لغيره من غير بيع. وهذا قول مالك، والإمام القرطبي يرجح هذا القول هنا ويقول: الصحيح ما قاله مالك، وعليه تدل ظواهر الأخبار الثابتة بأنها فتحت عنوة، قال أبو عبيد: ولا نعلم أن مكة يشبهها شيء من البلاد، وذكر عن علقمة بن نضلة قال: توفي رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر ﵄ وما تدعى رباع مكة إلا السوائب، من احتاج سكن ومن استغنى أسكن، والمعنى: إذا كان محتاجاً للبيت جلس فيه، وإن لم يكن محتاجاً إليه تركه لغيره. وجاء في حديث عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: (إن الله تعالى حرم مكة فحرام بيع رباعها وأكل ثمنها، وقال: من أكل من أجر بيوت مكة شيئاً فإنما يأكل ناراً). والراجح أن هذه الأحاديث ضعيفة لا تثبت عن النبي ﷺ ، والراجح: أن بعضها من أقوال الصحابة، وليس من قول النبي صلوات الله وسلامه عليه. وجاء في حديث عن عائشة قالت: (قلت: يا رسول الله! ألا أبني لك في منى بناء يظلك من الشمس؟ فقال: لا، إنما هو مناخ من سبق إليه)، وهذا صحيح عنه ﷺ أن منى مناخ من سبق إليه، يعني: منى لا تُملك، لأنها من أماكن المشاعر وأماكن العبادة، فهي مكان المناسك والذاهب إليها إذا ثبت في مكان فالمكان من حقه حتى يخرج منه، لكن الكلام هنا ليس في منى، الكلام في بيوت مكة هل يملكها أصحابها أم لا يملكها أصحابها؟ فالإمام القرطبي يأخذ بقول مالك في أن مكة ومنى حكمها واحد. وذهب الإمام الشافعي إلى أن بيوت مكة ملك لأصحابها، فالذي يجلس في بيته يملك بيته، وإذا أحب ترك البيت وباع، واحتج بقول الله : ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج:٤٠]، فالله نسب الديار إليهم، فلو لم يكونوا مالكيها ما نسب الديار إليهم. وجاء في فتح مكة أن النبي ﷺ قال: (من دخل بيته فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن)، فنسب الدار إلى صاحبها. وجاء أيضاً في صحيح البخاري أن أسامة بن زيد قال للنبي ﷺ في حجة الوداع: (أين تنزل في دارك غداً في مكة؟) يعني: عندما نصل إلى مكة غداً ستنزل في أي دار من ديارك؟ فقد كان له دار ﷺ ، وهاجر وتركها ﷺ فكان جوابه ﷺ : (وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور؟)، عقيل هو عقيل بن أبي طالب، ولما هاجر النبي ﷺ كان عقيل وطالب كافرين، وأخوهم علي بن أبي طالب، وكذلك أخوهم جعفر كانا مسلمين، فـ أبو طالب لما توفي ورثه الكافران عقيل وطالب، فأخذوا الديار وبيت النبي ﷺ الذي عاش فيه وباعا الجميع، فالنبي ﷺ أخبر أنهما لم يتركا شيئاً له، فهنا لولا أن البيوت ملك لأصحابها لما قال النبي ﷺ ذلك لما سئل: (أين تنزل غداً من دارك؟)، ولذلك الصواب في هذه المسألة مذهب الشافعي، أن أهل مكة يملكون بيوتهم، ويجوز لكل منهم أن يبيع داره وأن يسكنها وأن يؤجرها، وأما ما جاء من الأحاديث في النهي عن ذلك فلم يصح فيها عن النبي ﷺ شيء. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 235

تفسير سورة الحج [٢٦ - ٢٨] القرآن الكريم مليء بالقصص والعبر، وبذكر أخبار الأنبياء والسابقين، ومن ذلك قصة بناء إبراهيم البيت الحرام، ودعوته الناس لحج بيت الله الحرام، وقد وعده الله بإجابة كثير من الناس دعوته، ليشهدوا منافع لهم، ويذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، ويتموا مناسك الحج كما أمرهم الله.

стр. 236

تفسير قوله تعالى: (وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله في سورة الحج: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ * ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٦ - ٢٩]. يخبرنا الله سبحانه ﵎ في هذه الآيات كيف أنه أوحى لإبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام بمكان البيت، وعلمه مكان البيت، حتى يبني بيتاً لله سبحانه، فلا يشرك بالله سبحانه ﵎ شيئاً. ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج:٢٦]، والتبوء بالمكان بمعنى: النزول بالمكان، أي: أنزلناه في مكان أو هيأنا له مكاناً لنزوله، فكأن المعنى هنا: أرشدنا إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام لمكان البيت، والبيت كان أصله موجوداً، ولكن الرياح كانت قد طمسته بالتراب فلم يكن يعرف مكان البيت، فدل الله سبحانه ﵎ إبراهيم على مكان البيت، وأمره أن يبني بيت الله سبحانه ﵎، فرفع إبراهيم القواعد من البيت بأمر ربه سبحانه ﵎. ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج:٢٦] أي: أريناه أصل البيت ليبينه، وكان أصل البيت قد درس بالطوفان وغيره، فلما جاءت مدة إبراهيم ﵊ أمره الله سبحانه ﵎ ببنيان البيت، فجاء إلى موضع البيت، وجعل يبحث عن موضع هذا البيت حتى يبنيه لله ، فبعث الله سبحانه ﵎ ريحاً أطارت التراب، وكشفت له عن أصل البيت وأساس البيت، الذي كان من عهد آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام كما قيل. فرتب إبراهيم قواعد البيت ورفع البيت كما أمره سبحانه ﵎، واستعان بابنه إسماعيل، وقال له: إن الله أمرني أن أبني بيته، قال: فأطع ربك. قال: وتعينني؟ قال: وأعينك. فرفع الاثنان القواعد من البيت قائلين لربهما سبحانه: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة:١٢٧]. وقد بني البيت في مكان ليس فيه ناس، ولم يحج أحد إلى هذا البيت في هذا الزمان الذي فيه إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، إلى أن رفع القواعد من البيت ثم نادى في الناس بأمر الله سبحانه ﵎: إن الله بنى بيتاً فحجوا. قال الله: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج:٢٦] هذه قراءة الجمهور، وقراءة أبي جعفر وقراءة أبي عمرو: ((وَإِذْ بَوَّانَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا)) أي: قائلين له: لا تشرك بي شيئاً. أي: ارفع القواعد من البيت في هذا المكان لعبادة الله، وحتى يوحد الله سبحانه ﵎ وحده لا شريك له، ﴿أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ [الحج:٢٦]، قيل: هي مخاطبة لإبراهيم، وهو الراجح، وهذا قول جمهور المفسرين. وقيل: ﴿أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ [الحج:٢٦]، مخاطبة للنبي صلوات الله وسلامه عليه. والراجح أن الخطاب هنا لإبراهيم، وليس فيه ذكر للنبي صلوات الله وسلامه عليه. ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج:٢٦]. ولم يكن هناك طائفين ولا قائمين ولا ركع ولا سجود في ذلك الزمان والمكان، إلى أن رفع إبراهيم القواعد من البيت، فهيئ المكان لمن يأتي للعبادة في هذا المكان بأمر الله . ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ [الحج:٢٦]، هذه قراءة نافع وأبي جعفر وهشام وحفص عن عاصم: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج:٢٦]، وباقي القراء: ((وَطَهِّرْ بَيْتِيْ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ)) يعني: بالسكون دون الفتح. والطائفون هم الذين يطوفون بهذا البيت بعدما بناه إبراهيم ﵊، فيطهر البيت من النجاسات، يطهره من الشرك والإلحاد بالله سبحانه ﵎، من أجل أن يكون للعبادة. ومن عهد إبراهيم إلى أن تقوم الساعة فهناك من يطوف بالبيت، ويعبد الله سبحانه، ولا يشرك به شيئاً، إلى ما يشاء الله سبحانه ﵎. ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ﴾ [الحج:٢٦]، الطائف: هو الذي يطوف حول البيت، والقائم: هو الواقف في مكانه، سواء في صلاة أو في دعاء أو في غير ذلك. ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج:٢٦]، القيام والركوع والسجود من هيئات الصلاة، فطهر بيتي لمن يطوف بالبيت، والطواف بالبيت صلاة، ﴿وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج:٢٦]، وهذه هي هيئات الصلاة المعروفة. فالله سبحانه ﵎ أمر إبراهيم برفع القواعد من البيت وبناء هذا البيت العتيق، فكم لإبراهيم ﵇ من الفضل والثواب، فإن الناس من عهده وهم يطوفون بالبيت، ويعبدون الله سبحانه ﵎. ثم جاءت فترة من الفترات جاء فيها مشركو العرب فتركوا التوحيد، وأشركوا بالله سبحانه ﵎، فجاء النبي صلوات الله وسلامه عليه ليطمس هذا الشرك بالله، ويظهر نور الله سبحانه ﵎، ويرجع الناس إلى التوحيد مرة ثانية. وقد ذكر هنا: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ﴾ [الحج:٢٦]، وذكر في سورة البقرة: ﴿لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة:١٢٥]، فالطائف الذي يطوف بالبيت، والعاكف يعني: الملازم للبيت، لعبادة الله سبحانه ﵎، ﴿وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج:٢٦] أي: المصلين.

стр. 237

تفسير قوله تعالى: (وأذن في الناس بالحج) قال تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج:٢٧]. أمر الله إبراهيم ﵊ أن يؤذن، والأذان بمعنى: الإعلام، ومنه الأذان الشرعي المعروف، وهو: الإعلام بألفاظ معروفة، ولكن هنا ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ﴾ [الحج:٢٧] يعني: قم فناد، فبعد أن انتهى إبراهيم من رفع القواعد من البيت وهو يدعو ربه سبحانه: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة:١٢٧]، أمر أن يؤذن وينادي، وليس في هذه الأماكن أحد، إلا قليل من الناس، وأما باقي الناس فهم في البلاد وفي البحار وفي كل مكان بعيد، ومع ذلك فقد أستمع إبراهيم ﵊ أمر ربه، فأذن في الناس. جاء عن ابن عباس ﵁ قال: لما فرغ إبراهيم ﵊ من بناء البيت قيل له: أذن في الناس بالحج، فقال: يا رب وما يبلغ صوتي؟ يعني: أنا في هذا المكان فلمن أؤذن، ومن سيسمع صوتي، ويأتي إلي؟ فقال: أذن وعلي البلاغ. إذاً: فقد كان إبراهيم سبباً من الأسباب فقط، فالله يقول له: عليك الأذان فقط، وليس عليك النتيجة. قال ابن عباس: فصعد إبراهيم خليل الله ﵊ جبل أبي قبيس في مكة ونادى: يا أيها الناس! إن الله قد أمركم بحج هذا البيت ليثيبكم به الجنة ويجيركم من عذاب النار فحجوا، فأسمع الله الناس، والعادة أن الإنسان عندما يتكلم لا يسمعه إلا الحاضر، ولكن إبراهيم أسمع الحاضر والغائب أيضاً، وأسمع من لم يوجد؛ لأن الذي أوصل صوته إليهم هو: الله سبحانه ﵎، وإنما كان إبراهيم سبباً فقط، وهذا كما قال لنبينا ﷺ : ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧] عندما أخذ كفاً من حصى ورماه في وجوه الكفار، وقال: (شاهت الوجوه)، فإذا بالله يعمي أبصار هؤلاء فلا يرون، وكف الحصى لا يكفي لإصابتهم أجمعين، ولكنه رمى وكانت النتيجة من الله سبحانه ﵎. وفي يوم بدر والمؤمنون يقاتلون الكفار عندما رفع أحد المؤمنين سيفه ليقتل الكافر سقطت رقبة الكافر قبل أن يضربه المسلم، والذي فعل ذلك هو الله سبحانه ﵎، فلم يكلفنا الله إلا الأخذ بالأسباب، وأما النتيجة فهي منه سبحانه ﵎. ولذلك فعندما أذن إبراهيم، أجابه من كان في أصلاب الرجال وأرحام النساء، ممن كتب الله له الحج تفضلاً منه ، فردوا على إبراهيم قائلين: لبيك اللهم لبيك، فمن أجاب يومئذ حج على قدر الإجابة، يعني: من أجاب مرة حج مرة، ومن أجاب مرتين حج مرتين، وهكذا.

стр. 238

فضائل إبراهيم ﵇ وقد أخذت سنة التلبية من فعل إبراهيم ﵇، فهو خليل رب العالمين، ومعنى الخليل: أقرب حبيب، وأحب حبيب. وقد وصل إلى هذه الدرجة بطاعته لربه سبحانه، وبتوحيده له، وبأمره للناس بالمعروف ونهيه عن المنكر، وبمحاجته لأهل الأصنام، وبإفراده لله سبحانه ﵎ بالمحبة العظيمة، والتي تنطمس بجوارها أي محبة. وقد اختبره الله سبحانه ﵎ في أبوه، هل سيحب أباه وإلا ربه سبحانه ﵎، وقد كان أبوه يعصي الله، ويصنع الأصنام، فأمره إبراهيم بالمعروف ونهاه عن المنكر، وأمره بالتوحيد، قائلاً له: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ [مريم:٤٣]، ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ [مريم:٤٥]. فأبي أبوه أن يدخل في دينه، وأن يطيعه وقال: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا * قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم:٤٦ - ٤٧] أي: سأدعو لك ربي، ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم:٤٧] واعتزل إبراهيم أباه، واعتزل عباد الأصنام، وفر بدينه إلى ربه سبحانه ﵎، وأقبل على قوم يعبدون الكواكب من دون الله سبحانه، فدعاهم إلى رب العالمين، فلم يهتم ألا يستجيبوا له، وأن يطردوه عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، ولكنه أصر على الدعوة إلى ربه سبحانه. واختبره ربه في ابنه إسماعيل، وكان بكره وابنه الوحيد، فأمره بذبح ابنه ﵊، فإذا به يستجيب ولا يتردد، ويذهب إلى ابنه ويقول له: إن الله أمرني أن أذبحك، فقال: ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢]. فهذه سنن عظيمة وعجيبة في طاعة الله وتفويض الأمر إليه، والاستسلام والتسليم بين يديه . وإبراهيم ﵊ عندما كان يرفع القواعد من البيت كان يساعده ابنه إسماعيل فقط، وقد كان إسماعيل يذهب فيأتيه بالحجارة، وإبراهيم يرفع القواعد من البيت، وهما يدعوان ربهما: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة:١٢٧]. ومن المستحيل أن يكون هذا العمل لغير الله ؛ لأن الذي يعمل عملاً لغير الله فإنه يعمله في مكان يراه الناس فيه، وإبراهيم معصوم من ذلك ﵊، فهو يرفع القواعد من البيت ولا أحد معه إلا ابنه، وربه سبحانه شاهد عليه وهو يرفع ويتوسل إلى الله: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة:١٢٧]. فيتعلم المؤمن من هذا ألا يغتر بعمله أبداً، فإذا كان إبراهيم ﵊ وهو المعصوم من الذنوب، والذي يستحيل في حقه أن يرائي أحداً، ولا أحد موجود حتى يطلع على ما يقوله إبراهيم ويفعله، ومع ذلك يدعو ربه سبحانه: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ [البقرة:١٢٧]، فإذاً: لا تمن بعملك على الله ، وإذا عملت عملاً فارجو من ربك أن يقبل منك هذا العمل، وإذا تقبله منك فهو الذي قال لنا في كتابه: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧]، فإذا تقبل عمل إنسان فهذا دليل على أن هذا الإنسان تقي، وإذا كان تقياً وقاه الله النار.

стр. 239

معنى قوله تعالى: (يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر) عندما رفع إبراهيم القواعد من البيت أمره ربه سبحانه بقوله: ﴿أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج:٢٧]، سأل ربه : وما يبلغ صوتي؟ يعني: أنا سأفعل وأستجيب ولكن من سيسمعني؟ ومن سيصله صوتي؟ فأخبره الله : أذن أنت وأنا أبلغ هذا الشيء، فوصل إلى أسماع من شاء الله أن يحجوا هذا البيت، فلبوا ربهم سبحانه وحجوا بيته. ومعنى (أذن) أي: أعلن وناد على الناس في الحج، فيستجيبون لك، وهذا وعد من الله ، وقد تحقق وعد الله سبحانه ﵎، فإن الناس في قلوبهم شوق إلى حج بيت الله سبحانه، فكلما تذكروا البيت فإن من استطاع منهم ذهب وحج لله ، فإذا ذهب كان ﴿مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة:١٢٥]، والمثابة: الشوق والرجوع والتكرار، فكلما ذهب إلى البيت اشتاق إليه أكثر، وكلما رجع من حج أو من عمرة اشتاق أن يرجع إليه مرة ثانية وثالثة، استجابة لأمر الله . وقوله تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ [الحج:٢٧] أي: على أرجلهم مترجلين مشاة. ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج:٢٧] الضامر: البعير المهزول، يقال: ضمر الشيء بمعنى: أهزله، ومنه تضمير الخيل، فقد كانوا يعدون الخيل للجهاد وللكر والفر، ولذلك كانوا يضمرونها، فيعزل الخليل تماماً ويلبسه الصوف ثم يجعله يجري حتى يعرق فيخفف شحمه فيضمر، فهذا تضمير الخيل، والضمور بمعنى: الهزال، فقوله تعالى: (وعلى كل ضامر) معناه: أن الناس يأتوك من أماكن بعيدة حتى يكون الجمل الذي يركبه صاحبه هزيلاً ضعيفاً، فيكون المعنى: وعلى كل بعير ضامر هزيل مهزول من طول السفر. إذاً: فقوله تعالى: ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ﴾ [الحج:٢٧]، كأنه تشريف لهذا البعير المركوب، فهو شرف للبعير الذي رُكب وأتى بصاحبه إلى بيت الله الحرام. قال: ﴿يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج:٢٧] يعني: هذه الإبل أتت من كل فج عميق بأصحابها ليحجوا بيت الله سبحانه. والفج: الطريق الواسع، والعميق: البعيد، والمعنى: يأتون من طرق بعيدة وبلاد بعيدة شاسعة؛ ليحجوا بيت الله الحرام.

стр. 240

تفسير قوله تعالى: (ليشهدوا منافع لهم) هؤلاء الذين يأتون بيت الله الحرام قال عنهم سبحانه: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج:٢٨]، إذاً: فهم أتوا إلى بيت الله الحرام ليحضروا منافع لهم، وهي منافع دنيوية ومنافع أخروية، فهم عندما أتوا لعبادة الله أكرمهم الله في الدنيا والآخرة، وقد جاء في حديث النبي ﷺ : (الحج والعمرة ينفيان الفقر والذنوب)، وهذه المعاملة من الله إكراماً منه لعباده، فأنت عندما أنفقت مالك وأتعبت نفسك فإن الله يتقبل منك ذلك الإنفاق، وزيادة على ذلك قال ﷺ : (ما نقص مال من صدقة). فيغفر الذنوب، ويزيد في المال، ويرجع الحاج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، أي: يرجع وليس عليه ذنوب كما ولد لا ذنوب عليه. فقوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج:٢٨] قالوا: إنها منافع دنيوية وأخروية، أما الأخروية فهي: أنهم يشهدون المناسك: عرفات، والمشعر الحرام، ومنى وغير ذلك، ويعبدون الله سبحانه، وتكون لهم المغفرة من الله، فيحضرون لينتفعوا بعبادتهم. وأما المنافع الدنيوية فإنه يشتري أشياء، ويبيع أشياء ويتاجر، فليس عليهم جناح أن يبتغوا فضلاً من ربهم في أيام الحج، وليس عليهم جناح أن يبيعوا وأن يشتروا.

стр. 241

الأمر برفع الصوت في التلبية قوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج:٢٨]، أي إنهم يذكرون الله سبحانه ﵎ في كل موطن من المواطن، ويكبرون ويلبون، ويستحب للحاج أن يرفع صوته بالتلبية، كما جاء في حديث النبي ﷺ : (إن جبريل أتاه وأمره أن يأمر أصحابه أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية) أي: لبيك اللهم لبيك، ومعنى لبيك أي: أنا مستجيب لك، ومقيم على طاعتك، ومقبل إليك.

стр. 242

الأيام المعلومات قوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج:٢٨]. ذكر الله الأيام المعلومة والأيام المعدودة، فذكر هنا المعلومة، وفي البقرة ذكر المعدودة، فقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة:٢٠٣]، فالأيام المعدودات: هي أيام التشريق ويوم النحر، والأيام المعلومات: هي العشر من ذي الحجة، وقد يدخل معها أيضاً الأيام المعدودات، فيكون المعنى: أن العادة أن الناس يذهبون إلى المناسك من أول ذي الحجة أو قبلها في أشهر الحج، فيذكرون الله مسبحين وملبين ومكبرين ومتقربين إليه . وقد جاء عن ابن عباس ﵁ أنه قال: الأيام المعدودات أيام التشريق، والأيام المعلومات أيام العشر من شهر ذي الحجة، وهي أعظم أيام السنة؛ فقد صح عنه ﷺ أنه قال: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من عشر ذي الحجة. قالوا: يا رسول الله! ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد، إلا أن يخرج رجل بماله ونفسه ولا يرجع من ذلك شيء) يعني: يستشهد في سبيل الله، ويؤخذ ماله. فلنحرص على حسن العبادة في الأيام المعلومات، وهي من أول شهر ذي الحجة إلى اليوم العاشر منه. وجاء عن ابن عباس أيضاً أنه قال: الأيام المعلومات يوم النحر وثلاثة أيام بعده. فكأن الوارد عن ابن عباس: أن الأيام المعلومة تبدأ من أول شهر ذي الحجة إلى آخر أيام العيد، فهي أيام معلومة ومعدودة. إذاً: الأيام المعدودة التي ذكرها الله في سورة البقرة هي أيام العيد: يوم العيد وثلاثة أيام التشريق، ويوم العيد هو: يوم الحج الأكبر، وفيه أعظم المناسك في الحج، فسماه الله يوم الحج الأكبر.

стр. 243

معنى قوله تعالى: (على ما رزقهم من بهيمة الأنعام) قوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج:٢٨] أي: كأنهم يجهزون بهيمة الأنعام في هذا الوقت من أجل أن يذبحوها في يوم العيد، ويكبرون الله ، ويقولون: اللهم هذا منك ولك، ويقولون عند الذبح: ﴿قل إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢]، فإذا رأوا هذه الذبائح حمدوا ربهم سبحانه، وكبروا عليها، قال سبحانه: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج:٢٨]. إذاً: ففي أول الأيام من ذي الحجة يرى الحاج بهيمة الأنعام فيكبر ربه في هذه الأيام المعدودة، ثم يذبح هذه الأنعام مكبراً لله، ومسمياً لله عليها. والبهيمة هي: كل ذات قوائم أربع، فكل دابة لها أربع قوائم تسمى بهيمة، حتى لو كانت من دواب الماء إذا كانت تمشي على أربع فتسمى بهيمة. وكذلك كل حي لا يميز يقال عنه: بهيم وبهيمة، والحي الذي ليس في عقله تفكير ولا يجيد النطق يسمى بهيمة. والمقصود من البهيمة هنا: الأنعام التي هذه صفتها، والأنعام تطلق على الإبل، والبقر ويدخل فيها الجواميس، والأغنام ويدخل فيها الماعز، فكل هذه تسمى بهيمة الأنعام، سواءً كانت ذكوراً أو إناثاً، فيذكرون اسم الله عليها وهم ينحرونها، سواء نحروها هدياً أو نذراً أو أضحية. نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 244

تفسير سورة الحج [٢٧ - ٢٨] لقد أمر الله تعالى نبيه إبراهيم ﵇ أن يؤذن في الناس بالحج، وتكفل بتبليغ ندائه هذا إلى أرجاء الأرض، فكان فرضاً على الناس أن يحجوا بيت الله الحرام، ليشهدوا منافع لهم دنيوية: من تحصيل الرزق والمعاش، وأخروية: وهي ما أعده الله للحجاج من واسع فضله، وجميل عفوه وكرمه.

стр. 245

تفسير قوله تعالى: (وأذن في الناس بالحج) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الحج: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ * ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٧ - ٢٩]. فقد أمر الله إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أن يبني البيت ويرفع قواعده فرفعها، وأمره الله أن يؤذن في الناس ويعلمهم: بأن تعالوا إلى بيت الله لتحجوا، فقال: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ [الحج:٢٧] وهذا وعد من الله فافعل ذلك؛ واعلم أنهم سوف يستجيبون ويأتون، قال: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ [الحج:٢٧] أي: مشياً على أقدامهم، ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج:٢٧]، أي: راكب على جمل أو ناقة قد هزلت من طول السفر ومشقته. قال: ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ﴾ [الحج:٢٧] أي: الإبل، فالتأنيث يعود عليها، ﴿يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج:٢٧]، فهو شرف لها؛ لأنها حملت صاحبها وذهبت به إلى بيت الله الحرام ليحج. ﴿يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ﴾ [الحج:٢٧]، الفج: هو الطريق الواسع، والعميق: البعيد بعداً شاسعاً، ﴿يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج:٢٧ - ٢٨]، فيذهب الحجيج أو المعتمرون إلى بيت الله الحرام ليحجوا وليعتمروا، و ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج:٢٨] أي: في الدنيا وفي الآخرة. ومن منافع الآخرة: المغفرة من الله سبحانه، وتكفير السيئات، ورفع الدرجات، أما منافع الدنيا فهي ما يكون من تجارة وبيع وشراء ومكاسب ونحو ذلك، فيشهدون منافع في الدنيا ومنافع في الآخرة بسبب الحج والعمرة. قال: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج:٢٨]، وهذا من أول دخول شهر ذي الحجة إلى الانتهاء من المناسك جميعها، فيذكرون الله ملبين ومكبرين، ويذكرون الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، فيذكرون اسم الله رافعين أصواتهم بالتلبية والتكبير، ﴿فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج:٢٨]، والأيام المعلومات: هي العشر من ذي الحجة، والأيام المعدودات الأربعة داخلة فيها أيضاً، فهم يذكرون اسم الله في هذه الأيام جميعاً، سواء الأيام المعلومة أو الأيام المعدودة. فالمعلومة: العشر من ذي الحجة، والمعدودة الأربعة بما فيها العيد وأيام التشريق، وقد يصدق بيان الأيام المعلومة: أنها جميع الأيام من أول شهر ذي الحجة إلى آخر أيام المناسك. قال: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج:٢٨]، وبهيمة الأنعام: هي التي خلقها الله لعباده، فقال: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنْ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنْ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام:١٤٣]، ثم ذكر أن من الإبل اثنين، ومن البقر اثنين، ويقصد بالاثنين: الذكر والأنثى، ففي الإبل: الجمل والناقة، وفي البقر: البقرة والعجل، وكذلك الجواميس فإنها داخلة فيها ذكوراً وإناثاً، وفي الغنم: التيس والماعز، فهذه ثمانية أزواج أنزلها الله للعباد وجعلها من بهيمة الأنعام التي يأكلونها، والتي منها يحصل الهدي إلى البيت والأضحية. قال: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج:٢٨]، والبهيم: هو الأعجم الذين لا ينطق ولا يميز، فقالوا: البهيمة هي ذوات الأربعة الأرجل، فخرج منها ما كان ذا أربع أرجل ولكنه لا يثبت في الهدي: كالحمار الوحشي والغزلان. إذاً: فبهيمة الأنعام: هي التي ذكرها ربنا في كتابه، ذكر من الغنم اثنين، ومن الماعز اثنين، ومن الإبل اثنين، ومن البقر اثنين.

стр. 246

أنواع الهدي وجواز الأكل من هدي التطوع ثم قال سبحانه: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج:٢٨]، فقوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج:٢٨] هذا الأمر من الله لعباده يفيد النفع لهم، قال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج:٢٨]، فهو تفضل من الله تعالى، ولو شاء سبحانه لأمر بإخراجه كله في سبيله ، ولأخرج للفقراء والمساكين، لكن الله سبحانه تكرم على هؤلاء الذين حجوا وقطعوا المسافات الطويلة حتى وصلوا إلى هنالك، بأن يأكلوا من هديهم دونما حرج، والأمر هنا: أمر إرشاد، وليس أمر وجوب، فيجوز له أن يأكل من هدي التمتع، أو هدي القران، أو هدي التطوع، لكن الهدي الواجب عليه غير ما ذكرناه: كجزاء الصيد مثلاً، كأن يقتل إنسان صيداً في الحرم، أو يكون قد أحصر، أو كانت عليه فدية: كإزالة الأذى بالترفه ونحوه، أو كان عليه هدي بالنذر، فهذه من الواجبات التي لا يجوز له أن يأكل من هديه فيها، فإذا نذر هدياً لبيت الله الحرام ذبحه ولا يجوز له أن يأكل منه. فإذا كان قد قتل صيداً في الحرم وذبح هدياً فلا يجوز له أن يأكل منه، وإذا ترفه بإزالة أذى كحلق رأسه في أثناء الإحرام أو وضع طيب ونحو ذلك وكان عليه الهدي فيه فلا يجوز له أن يأكل منه، وإنما يجوز له أن يأكل من هدي التمتع، أو هدي القران، أو هدي التطوع. قال الله : ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج:٢٨]، وهذا في القران، فقد قرن في الأمرين بين الأكل والإطعام، وقد فرق العلماء بين الأمرين: فإطعام الفقراء فرض؛ لأن المقصد من الذبح: هو سد جوع هؤلاء وحاجتهم، لكن يجوز لك أن تأكل منه أيضاً؛ فقد أكل النبي ﷺ من هديه بعد أن نحر مائة ناقة صلوات الله وسلامه عليه في حجة الوداع، فنحر بيده الكريمة نحو ثلاثة وستين وأكمل الباقي علي رضي الله تعالى عنه، فأخذ من كل واحدة منها قطعة من اللحم ووضعها جميعاً في القدر وأكل منها صلوات الله وسلامه عليه، فكونه أكل منها يبين لنا أنه يجوز لك أن تأكل من ذلك. قال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج:٢٨]، وهنا يقول الأصوليون: إن دلالة الاقتران دلالة ضعيفة، يعني: أنه إذا اقترن أمران أحدهما للوجوب والآخر للاستحباب فإنه لا يقال حينئذ: إن الاثنين للاستحباب أو للقران، ولكن: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج:٢٨]، فأهل العلم يقولون: إن لك أن تأكل أو تترك؛ لأن الأكل ليس فرضاً أو أمراً تعبدياً، ولكن العبادة إطعام: ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج:٢٨]، أي: الذي من أجله شرع الهدي، ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج:٢٨]. والبائس الفقير: هو الإنسان الذي ناله البؤس والفقر الشديد، يقال: بئس يبؤس بأساً إذا افتقر، فإذا افتقر الإنسان صار بائساً، وقد يستعمل فيمن نزلت به نازلة من الدهر أو مصيبة من المصائب، مثل قول النبي ﷺ في سعد بن خولة الذي كان قد هاجر من مكة إلى المدينة ثم ذهب مع النبي ﷺ إلى مكة ومات بها، وقد كان النبي ﷺ يحب لأصحابه المهاجرين الموت في غير المكان الذي هاجروا منه، فما كان للمهاجرين الموت في مكة؛ لكي تكتب لهم الحسنات من مكان هجرتهم إلى مكان موتهم في غيرها من البلدان، فالنبي ﷺ حزن لفوات هذا الأجر عليه ﵁ فقال: (ولكن البائس سعد بن خولة) يعني: أنه ضاع منه بعض الأجر، فالشاهد: أن الله قد أمر بذبح الهدي.

стр. 247

الوقت المختار في ذبح الأضحية العلماء يذكرون لنا وقت الذبح في الأضحية فيقولون: إذا كان الهدي مختصاً بالكعبة فلا يذبحه إلا في الحرم، وأما إذا كان هدياً تطوعاً فله ذبحه في أي وقت شاء، يعني: أن الإنسان إذا ذهب إلى العمرة ومعه الهدي فله أن يذبحه في الوقت الذي يعتمر فيه، لكن هدي القران أو هدي التمتع لا يذبح إلا في يوم النحر، وهذه سنة النبي ﷺ وأمر الله ، أما وقت النحر: فيكون يوم النحر، على خلاف بين العلماء في جوازه قبل هذا الوقت أو لا في هدي المتمتع بالعمرة إلى الحج؟ والراجح: أنه لا ينحر إلا في يوم النحر، فلذلك سمي بيوم النحر؛ ولأن الصحابة الذين كانوا مع النبي ﷺ في حجة الوداع كان أكثرهم متمتعاً بأمر النبي ﷺ ، ولم يثبت أن أحداً منهم نحر قبل يوم النحر، فلو كان يجوز أن ينحر قبل يوم النحر لفعله الصحابة ولو البعض ولأقره النبي ﷺ ، والنبي ﷺ ما ذبح هديه قبل يوم النحر، فعلى ذلك: يكون وقت الذبح لهدي التمتع أو القران في يوم النحر والأيام بعده، أما الأضحية: فإنها تكون في يوم النحر وما بعده من أيام التشريق، ففي أي يوم سيكون النحر للأضحية؟ يقول العلماء: إن النبي ﷺ نحر يوم النحر بالمدينة، واستدلوا بحديث جابر بن عبد الله ﵄ في صحيح مسلم قال: (صلى بنا رسول الله ﷺ يوم النحر بالمدينة فتقدم رجال فنحروا وظنوا أن النبي ﷺ قد نحر، فأمر النبي ﷺ من كان نحر أن يعيد بنحر آخر ولا ينحروا حتى ينحر النبي ﷺ . وقد وضحت هذه الرواية روايات أخرى: وهو أنهم نحروا قبل أن يصلي النبي ﷺ ، ولا شك أنه نحر بعد الصلاة، فإذا جاءت رواية أنهم نحروا قبل النبي ﷺ ، وجاءت الرواية الأخرى بأنهم نحروا قبل الصلاة فالمعنى واحد، وهو أنهم نحروا قبل الصلاة، أي: قبل نحر النبي صلوات الله وسلامه عليه، فأمرهم أن يعيدوا صلوات الله وسلامه عليه، وبين لهم أن من نحر قبل الصلاة فهي شاة لحم، أي: ليس فيها أجر الأضحية، ومن نحر بعد الصلاة فهي أضحية مقبولة. إذاً: فالنحر هنا يكون من بعد صلاة العيد، أما إذا لم يستطع الإنسان أن يصلي العيد لعذر ما: كاختلاف أوقات الصلاة في البلد الواحد أو نحوه، وأراد أن ينحر فعليه أن ينحر بعد أول صلاة عيد أو بعد مضي وقت صلاة العيد، فيذبح الإنسان الذي لم يستطع أن يشهد الصلاة، فقد جاء عن البراء بن عازب في صحيح مسلم قال رسول الله ﷺ : (أول ما نبدأ به في يومنا هذا يوم العيد أن نصلي ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا)، وفي حديث آخر: (من ذبح قبل الصلاة فتلك شاة لحم).

стр. 248

عدد أيام النحر واختلاف العلماء فيها العلماء اختلفوا في عدد أيام النحر، فالأكثر على أنها: ثلاثة أيام، العيد ويومان بعده، والراجح من حيث الدليل: أنه يجوز النحر في أربعة أيام، في يوم العيد وفي أيام التشريق الثلاثة. وممن قال بأن أيام النحر ثلاثة أيام فقط: الإمام مالك، والإمام أبو حنيفة، والإمام أحمد، وعند الشافعي: أربعة أيام، وإن كان الأفضل عنده ثلاثة أيام ابتداءً من العيد، وقد استدل القائلون بذلك ببعض الآثار عن بعض أصحاب النبي ﷺ بأن النحر في يوم العيد ويومين بعده، لكنه ثبت عنه ﷺ في الحديث أنه قال: (كل أيام التشريق ذبح)، وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن جبير بن مطعم قال النبي ﷺ : (عرفات كلها موقف)، ففي الحديث يبين النبي ﷺ لهم المناسك، فيقول: (عرفات كلها موقف)، وقد وقف في مكان معين، فلا يشترط على الناس كلهم الوقوف في نفس المكان الذي وقف فيه ﷺ ، ولكن في كل عرفة، قال: (وارفعوا عن عرنة)، وهو مكان هنالك اسمه: عرنة قبل عرفة، وليس من عرفات، قال: (وكل مزدلفة موقف، وارفعوا عن بطن محسر، وكل فجاج منى منحر) يعني: أن النحر في أي مكان من منى، وليس له مكان معين. قال: (وكل أيام التشريق ذبح)، وهذا الشاهد من الحديث: وهو أن أيام التشريق الثلاثة بعد العيد كلها ذبح بنص حديث النبي ﷺ . يقول ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن يوم النحر يوم أضحى، وأجمعوا ألا أضحى بعد انسلاخ ذي الحجة، والمقصود: أن بعض العلماء قالوا بجواز النحر بعد العيد، والصواب: أن النحر يكون في الأربعة الأيام من العيد، فيوم النحر منها، ولذلك أمر النبي ﷺ بالذبح فيها وقال: (كل أيام التشريق ذبح)، فدل على أن غيرها لا يدخل فيها.

стр. 249

حكم ذبح الأضحية في الليل الذبح يكون في أيام العيد سواء الأضحية أو الهدي، أما أن يذبح في الليل فأكثر العلماء على كراهة ذلك، وإن كان الراجح فيها: أنه يجوز الذبح والنحر في الليل والنهار، والذين كرهوا ذلك قالوا: إن الذبح بالليل مظنة إخفاء اللحم عن الفقراء، فيصير كالذي يجز أرضه في الليل لكي يمنع الزكاة عن الفقراء، ويمنعهم أن يطلبوا منه شيئاً، كما قال الله عن أصحاب الجنة: ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلا يَسْتَثْنُونَ﴾ [القلم:١٧ - ١٨]، فأقسموا على جز أرضهم في الليل؛ لكي لا يسألهم الفقراء شيئاً في الصباح، فالذين كرهوا الذبح في الليل عللوا ذلك: بأن الليل مظنة الإخفاء عن الفقراء بخلاف النهار فإن الفقير يرى اللحم فيطالب بحظه منه. والراجح في هذه المسألة: أنه يجوز الذبح في الليل إذا كانت نيته أن يوزع على الفقراء، أما إذا كانت نيته الاستخفاء من الفقراء فتبقى المسألة هنا على الكراهة.

стр. 250

حكم أكل صاحب الكفارات من دماء كفاراته قال تعالى: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج:٣٤]، ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج:٢٨]، قلنا: إن الأمر فيه على الندب، ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج:٢٨]. وهنا يذكر الإمام القرطبي: أن دماء الكفارات لا يأكل منها أصحابها، فإذا فرضنا أن إنساناً عليه كفارة نذر مثلاً فذبح هذا الشيء الذي نذره ثم وزعه على الفقراء، وبعد ذلك أكل منها هو، فهنا لا يجوز له أن يأكل منها، فإن أكل منها لزمه أن يشتري لحمة بالقدر الذي أكله ليخرجه للفقراء والمساكين، وهذه مسألة يكثر السؤال عنها، فنقول: إذا نذر بشيء فذبح فلا يجوز أن يأكل منه. لكن قد ينذر الإنسان بأضحية لله، كأن يقول: عليّ نذر أن أذبح أضحية لله تعالى، والأضحية ليست واجبة على الصحيح من كلام أهل العلم، لكن إذا نذرها الإنسان صارت واجبة الذبح، ولكنها لا تزال أضحية في الحكم فيجوز له أن يأكل منها، وأن يهدي منها، وأن يخرج للفقراء، ويكون توزيعها بهذه الصورة، فكونه ألزم نفسه بالنذر لا يخرجها عن كونها أضحية، ومثلها مثل هدي التمتع، فهدي التمتع واجب على الإنسان الذي يتمتع من العمرة إلى الحج، ومع ذلك يجوز له أن يأكل منه، فكونه واجباً لا يمنعه أن يأكل منه سواء من هدي القران أو من هدي التمتع. وقد ثبت أن النبي ﷺ أكل من هدي القران، وأن الصحابة أكلوا من هدي التمتع.
следующие страницы →