Полный текст (3 717 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
أنواع الهدي وجواز الأكل من هدي التطوع
ثم قال سبحانه: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج:٢٨]، فقوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج:٢٨] هذا الأمر من الله لعباده يفيد النفع لهم، قال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج:٢٨]، فهو تفضل من الله تعالى، ولو شاء سبحانه لأمر بإخراجه كله في سبيله ، ولأخرج للفقراء والمساكين، لكن الله سبحانه تكرم على هؤلاء الذين حجوا وقطعوا المسافات الطويلة حتى وصلوا إلى هنالك، بأن يأكلوا من هديهم دونما حرج، والأمر هنا: أمر إرشاد، وليس أمر وجوب، فيجوز له أن يأكل من هدي التمتع، أو هدي القران، أو هدي التطوع، لكن الهدي الواجب عليه غير ما ذكرناه: كجزاء الصيد مثلاً، كأن يقتل إنسان صيداً في الحرم، أو يكون قد أحصر، أو كانت عليه فدية: كإزالة الأذى بالترفه ونحوه، أو كان عليه هدي بالنذر، فهذه من الواجبات التي لا يجوز له أن يأكل من هديه فيها، فإذا نذر هدياً لبيت الله الحرام ذبحه ولا يجوز له أن يأكل منه.
فإذا كان قد قتل صيداً في الحرم وذبح هدياً فلا يجوز له أن يأكل منه، وإذا ترفه بإزالة أذى كحلق رأسه في أثناء الإحرام أو وضع طيب ونحو ذلك وكان عليه الهدي فيه فلا يجوز له أن يأكل منه، وإنما يجوز له أن يأكل من هدي التمتع، أو هدي القران، أو هدي التطوع.
قال الله : ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج:٢٨]، وهذا في القران، فقد قرن في الأمرين بين الأكل والإطعام، وقد فرق العلماء بين الأمرين: فإطعام الفقراء فرض؛ لأن المقصد من الذبح: هو سد جوع هؤلاء وحاجتهم، لكن يجوز لك أن تأكل منه أيضاً؛ فقد أكل النبي ﷺ من هديه بعد أن نحر مائة ناقة صلوات الله وسلامه عليه في حجة الوداع، فنحر بيده الكريمة نحو ثلاثة وستين وأكمل الباقي علي رضي الله تعالى عنه، فأخذ من كل واحدة منها قطعة من اللحم ووضعها جميعاً في القدر وأكل منها صلوات الله وسلامه عليه، فكونه أكل منها يبين لنا أنه يجوز لك أن تأكل من ذلك.
قال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج:٢٨]، وهنا يقول الأصوليون: إن دلالة الاقتران دلالة ضعيفة، يعني: أنه إذا اقترن أمران أحدهما للوجوب والآخر للاستحباب فإنه لا يقال حينئذ: إن الاثنين للاستحباب أو للقران، ولكن: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج:٢٨]، فأهل العلم يقولون: إن لك أن تأكل أو تترك؛ لأن الأكل ليس فرضاً أو أمراً تعبدياً، ولكن العبادة إطعام: ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج:٢٨]، أي: الذي من أجله شرع الهدي، ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج:٢٨].
والبائس الفقير: هو الإنسان الذي ناله البؤس والفقر الشديد، يقال: بئس يبؤس بأساً إذا افتقر، فإذا افتقر الإنسان صار بائساً، وقد يستعمل فيمن نزلت به نازلة من الدهر أو مصيبة من المصائب، مثل قول النبي ﷺ في سعد بن خولة الذي كان قد هاجر من مكة إلى المدينة ثم ذهب مع النبي ﷺ إلى مكة ومات بها، وقد كان النبي ﷺ يحب لأصحابه المهاجرين الموت في غير المكان الذي هاجروا منه، فما كان للمهاجرين الموت في مكة؛ لكي تكتب لهم الحسنات من مكان هجرتهم إلى مكان موتهم في غيرها من البلدان، فالنبي ﷺ حزن لفوات هذا الأجر عليه ﵁ فقال: (ولكن البائس سعد بن خولة) يعني: أنه ضاع منه بعض الأجر، فالشاهد: أن الله قد أمر بذبح الهدي.
стр. 247
الوقت المختار في ذبح الأضحية
العلماء يذكرون لنا وقت الذبح في الأضحية فيقولون: إذا كان الهدي مختصاً بالكعبة فلا يذبحه إلا في الحرم، وأما إذا كان هدياً تطوعاً فله ذبحه في أي وقت شاء، يعني: أن الإنسان إذا ذهب إلى العمرة ومعه الهدي فله أن يذبحه في الوقت الذي يعتمر فيه، لكن هدي القران أو هدي التمتع لا يذبح إلا في يوم النحر، وهذه سنة النبي ﷺ وأمر الله ، أما وقت النحر: فيكون يوم النحر، على خلاف بين العلماء في جوازه قبل هذا الوقت أو لا في هدي المتمتع بالعمرة إلى الحج؟ والراجح: أنه لا ينحر إلا في يوم النحر، فلذلك سمي بيوم النحر؛ ولأن الصحابة الذين كانوا مع النبي ﷺ في حجة الوداع كان أكثرهم متمتعاً بأمر النبي ﷺ ، ولم يثبت أن أحداً منهم نحر قبل يوم النحر، فلو كان يجوز أن ينحر قبل يوم النحر لفعله الصحابة ولو البعض ولأقره النبي ﷺ ، والنبي ﷺ ما ذبح هديه قبل يوم النحر، فعلى ذلك: يكون وقت الذبح لهدي التمتع أو القران في يوم النحر والأيام بعده، أما الأضحية: فإنها تكون في يوم النحر وما بعده من أيام التشريق، ففي أي يوم سيكون النحر للأضحية؟ يقول العلماء: إن النبي ﷺ نحر يوم النحر بالمدينة، واستدلوا بحديث جابر بن عبد الله ﵄ في صحيح مسلم قال: (صلى بنا رسول الله ﷺ يوم النحر بالمدينة فتقدم رجال فنحروا وظنوا أن النبي ﷺ قد نحر، فأمر النبي ﷺ من كان نحر أن يعيد بنحر آخر ولا ينحروا حتى ينحر النبي ﷺ .
وقد وضحت هذه الرواية روايات أخرى: وهو أنهم نحروا قبل أن يصلي النبي ﷺ ، ولا شك أنه نحر بعد الصلاة، فإذا جاءت رواية أنهم نحروا قبل النبي ﷺ ، وجاءت الرواية الأخرى بأنهم نحروا قبل الصلاة فالمعنى واحد، وهو أنهم نحروا قبل الصلاة، أي: قبل نحر النبي صلوات الله وسلامه عليه، فأمرهم أن يعيدوا صلوات الله وسلامه عليه، وبين لهم أن من نحر قبل الصلاة فهي شاة لحم، أي: ليس فيها أجر الأضحية، ومن نحر بعد الصلاة فهي أضحية مقبولة.
إذاً: فالنحر هنا يكون من بعد صلاة العيد، أما إذا لم يستطع الإنسان أن يصلي العيد لعذر ما: كاختلاف أوقات الصلاة في البلد الواحد أو نحوه، وأراد أن ينحر فعليه أن ينحر بعد أول صلاة عيد أو بعد مضي وقت صلاة العيد، فيذبح الإنسان الذي لم يستطع أن يشهد الصلاة، فقد جاء عن البراء بن عازب في صحيح مسلم قال رسول الله ﷺ : (أول ما نبدأ به في يومنا هذا يوم العيد أن نصلي ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا)، وفي حديث آخر: (من ذبح قبل الصلاة فتلك شاة لحم).
стр. 248
عدد أيام النحر واختلاف العلماء فيها
العلماء اختلفوا في عدد أيام النحر، فالأكثر على أنها: ثلاثة أيام، العيد ويومان بعده، والراجح من حيث الدليل: أنه يجوز النحر في أربعة أيام، في يوم العيد وفي أيام التشريق الثلاثة.
وممن قال بأن أيام النحر ثلاثة أيام فقط: الإمام مالك، والإمام أبو حنيفة، والإمام أحمد، وعند الشافعي: أربعة أيام، وإن كان الأفضل عنده ثلاثة أيام ابتداءً من العيد، وقد استدل القائلون بذلك ببعض الآثار عن بعض أصحاب النبي ﷺ بأن النحر في يوم العيد ويومين بعده، لكنه ثبت عنه ﷺ في الحديث أنه قال: (كل أيام التشريق ذبح)، وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن جبير بن مطعم قال النبي ﷺ : (عرفات كلها موقف)، ففي الحديث يبين النبي ﷺ لهم المناسك، فيقول: (عرفات كلها موقف)، وقد وقف في مكان معين، فلا يشترط على الناس كلهم الوقوف في نفس المكان الذي وقف فيه ﷺ ، ولكن في كل عرفة، قال: (وارفعوا عن عرنة)، وهو مكان هنالك اسمه: عرنة قبل عرفة، وليس من عرفات، قال: (وكل مزدلفة موقف، وارفعوا عن بطن محسر، وكل فجاج منى منحر) يعني: أن النحر في أي مكان من منى، وليس له مكان معين.
قال: (وكل أيام التشريق ذبح)، وهذا الشاهد من الحديث: وهو أن أيام التشريق الثلاثة بعد العيد كلها ذبح بنص حديث النبي ﷺ .
يقول ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن يوم النحر يوم أضحى، وأجمعوا ألا أضحى بعد انسلاخ ذي الحجة، والمقصود: أن بعض العلماء قالوا بجواز النحر بعد العيد، والصواب: أن النحر يكون في الأربعة الأيام من العيد، فيوم النحر منها، ولذلك أمر النبي ﷺ بالذبح فيها وقال: (كل أيام التشريق ذبح)، فدل على أن غيرها لا يدخل فيها.
стр. 249
حكم ذبح الأضحية في الليل
الذبح يكون في أيام العيد سواء الأضحية أو الهدي، أما أن يذبح في الليل فأكثر العلماء على كراهة ذلك، وإن كان الراجح فيها: أنه يجوز الذبح والنحر في الليل والنهار، والذين كرهوا ذلك قالوا: إن الذبح بالليل مظنة إخفاء اللحم عن الفقراء، فيصير كالذي يجز أرضه في الليل لكي يمنع الزكاة عن الفقراء، ويمنعهم أن يطلبوا منه شيئاً، كما قال الله عن أصحاب الجنة: ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلا يَسْتَثْنُونَ﴾ [القلم:١٧ - ١٨]، فأقسموا على جز أرضهم في الليل؛ لكي لا يسألهم الفقراء شيئاً في الصباح، فالذين كرهوا الذبح في الليل عللوا ذلك: بأن الليل مظنة الإخفاء عن الفقراء بخلاف النهار فإن الفقير يرى اللحم فيطالب بحظه منه.
والراجح في هذه المسألة: أنه يجوز الذبح في الليل إذا كانت نيته أن يوزع على الفقراء، أما إذا كانت نيته الاستخفاء من الفقراء فتبقى المسألة هنا على الكراهة.
стр. 250
حكم أكل صاحب الكفارات من دماء كفاراته
قال تعالى: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج:٣٤]، ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج:٢٨]، قلنا: إن الأمر فيه على الندب، ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج:٢٨].
وهنا يذكر الإمام القرطبي: أن دماء الكفارات لا يأكل منها أصحابها، فإذا فرضنا أن إنساناً عليه كفارة نذر مثلاً فذبح هذا الشيء الذي نذره ثم وزعه على الفقراء، وبعد ذلك أكل منها هو، فهنا لا يجوز له أن يأكل منها، فإن أكل منها لزمه أن يشتري لحمة بالقدر الذي أكله ليخرجه للفقراء والمساكين، وهذه مسألة يكثر السؤال عنها، فنقول: إذا نذر بشيء فذبح فلا يجوز أن يأكل منه.
لكن قد ينذر الإنسان بأضحية لله، كأن يقول: عليّ نذر أن أذبح أضحية لله تعالى، والأضحية ليست واجبة على الصحيح من كلام أهل العلم، لكن إذا نذرها الإنسان صارت واجبة الذبح، ولكنها لا تزال أضحية في الحكم فيجوز له أن يأكل منها، وأن يهدي منها، وأن يخرج للفقراء، ويكون توزيعها بهذه الصورة، فكونه ألزم نفسه بالنذر لا يخرجها عن كونها أضحية، ومثلها مثل هدي التمتع، فهدي التمتع واجب على الإنسان الذي يتمتع من العمرة إلى الحج، ومع ذلك يجوز له أن يأكل منه، فكونه واجباً لا يمنعه أن يأكل منه سواء من هدي القران أو من هدي التمتع.
وقد ثبت أن النبي ﷺ أكل من هدي القران، وأن الصحابة أكلوا من هدي التمتع.
стр. 251
عدم جواز الأكل من الهدي إذا عطب في الطريق إلى البيت الحرام
ذكر العلماء مسألة عطب الهدي، فلو أن الإنسان أخذ هدياً إلى بيت الله الحرام وعطب هذا الهدي، فهذا الهدي إما أن يكون واجباً عليه مثل: هدي القران وهدي التمتع وغيره، وإما أن يكون مستحباً تطوعاً، فهدي الواجب مضمون عليه، يعني: أخذ هدياً بسبب أنه متمتع بالعمرة إلى الحج، وحصل أن هذا الهدي هزل في الطريق فاحتاج لذبحه وأكله فلا شيء عليه؛ لأنه مضمون عليه، مع أن المطلوب منه غيره، فسيأتي بغيره مكانه.
أما هدي التطوع فله حكم آخر: ففي سنن أبي داود عن ناجية الأسلمي: (أن رسول الله ﷺ بعث معه بهدي تطوع)، والنبي ﷺ كان في المدينة وناجية مسافر لعمرة، والنبي ﷺ أرسل معه هدياً تطوعاً، سواء كان ناجية متوجهاً بعمرة أو بحج، فقال له النبي ﷺ : (إن عطب منها شيء فانحره، ثم اصبغ نعله في دمه، ثم خل بينه وبين الناس)، وفي رواية: (ولا تأكل منه ولا أحد من أهل رفقتك)، وهذا في صحيح مسلم بمعناه من حديث ابن عباس.
وفيه: أن النبي ﷺ كان في غاية الكرم، فكان يعطي الهدي لمن يريد الحج أو العمرة ليذبحه عند البيت ويوزعه على الفقراء، فكان يأمر هذا الذاهب مثل ناجية مثلاً ﵁: أنه إذا عطب من الهدي شيء في الطريق أن يذبح، وأن يلطخ بدمه ظهره ليعرف من يراه أن هذا هدي للبيت، فيقوم الفقراء بالأكل منه، أما منعه ورفقته من الأكل منه فلسد الذريعة، حتى لا يفرط صاحب الهدي فيه حتى ينحره فيأكل منه ورفقته بسبب الجوع، فإذا علم أنه إذا ذبح الهدي فلن يأكل منه شيئاً حافظ عليه تمام المحافظة حتى يصل به إلى هنالك، ولذلك قال له النبي ﷺ : (إذا عطب منها شيء فانحره، ثم اصبغ نعله في دمه) يعني: خذ النعل وضعه على دمه ولطخ به جلده بحيث يعرف الناظر أن هذا اللحم هدي لبيت الله الحرام، قال: (ثم خل بينه وبين الناس، ولا تأكل منه أنت ولا أحد من أهل رفقتك)؛ سداً للذريعة؛ لكي لا يذبحوا الهدي في الطريق ثم يزعمون بعد ذلك أنه قد عطب والله أعلم.
نكتفي بهذا القدر، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحابته أجمعين.
стр. 252
تفسير سورة الحج [٢٧ - ٣٠]
أمر الله تعالى خليله إبراهيم أن يؤذن في الناس بالحج، ووعده بمجيء الناس لحج بيت الله، وجعل الله لهم فيه منافع كثيرة في دينهم ودنياهم، وأمرهم أن يذكروا اسمه في أيام العشر على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، فيأكلون ويطعمون منها، ويتمون في هذه الأيام مناسك حجهم.
стр. 253
تفسير قوله تعالى: (وأذن في الناس بالحج)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الحج: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ * ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٧ - ٢٩].
أمر الله سبحانه ﵎ نبيه وخليله إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام أن يرفع القواعد من البيت، وأن يؤذن في الناس بالحج، ووعده سبحانه ﵎ أن يسمعه الناس ويأتوه رجالاً ومشاة وعلى كل ضامر أي بعير يأتين من كل فج عميق، أي من كل طريق فسيح بعيد؛ يأتون ليشهدوا منافع لهم، منافع دينية ومنافع دنيوية، ويذكروا اسم الله في أيام معلومات، وهي العشر من ذي الحجة، والأيام المعدودة هي أيام العيد الأربعة، وقد تدخل تحت مسمى الأيام المعلومة أيضاً، فتكون أربعة عشر يوماً، فيذكرون اسم الله في هذه الأيام، مكبرين ملبين داعين ربهم سبحانه في أيام العشر وفي أيام الحج، يدعون ربهم سبحانه ﵎، ويشكرونه على ما رزقهم من بهيمة الأنعام.
ثم قال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج:٢٨]، فهنا ذكر الأكل وذكر إطعام البائس الفقير.
стр. 254
من أحكام الأضاحي
استحب العلماء في الضحايا أو في الهدايا أن يأكل منها صاحبها ويهدي منها ويطعم الفقراء، ويكون النصيب الأكبر لإطعام الفقراء، وقال بعضهم: ثلث لطعامه، وثلث يهدي منه، وثلث للفقراء يتصدق بها عليهم.
وجاء في حديث أن النبي ﷺ قال لـ ثوبان: (أصلح لحم هذه الشاة، فأكل منها ﷺ حتى قدم المدينة)، وفي سنن أبي داود: (أنه أكل ﷺ من الأضحية التي ذبحها، وتصدق منها ﷺ ، وأكل منها متزوداً من خروجه من مكة إلى المدينة صلوات الله وسلامه عليه).
وجاء عن ابن مسعود ﵁ أنه يقسم الأضحية أثلاثاً، قال الإمام مالك: ليس عندنا في الضحايا قسم معلوم موثوق، بمعنى أنه ليس شرطاً أنها تقسم ثلاثة أثلاث، لكن يجوز أن يتصدق بها جميعاً، وإن كان الأفضل أن يأكل منها، وأن يهدي منها، فيأكل منها شيئاً، ويهدي منها شيئاً، ولكن الصدقة تكون بالأكثر.
والإمام الشافعي كان يرى أن النصف للأكل والهدايا، ويتصدق بالنصف لقوله سبحانه: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج:٢٨]، وكأن الآية قسمتها قسمين، للأكل وإطعام البائس الفقير، وقال مرة: يأكل ثلثاً، ويهدي ثلثاً، ويطعم ثلثاً، لقول الله : ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج:٣٦]، فالقانع السائل الذي قنع بالسؤال، والمعتر الذي يمر بك ولا يسأل، ولكن ينظر إلى الطعام، وقد يكون محتاجاً وقد لا يكون، فيهدي له، فأخذ الشافعي من هذه الآية: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج:٣٦] أنها تجزأ أثلاثاً، ثلث تأكل منه، وثلث للقانع يعني السائل الفقير الذي يطلب ويسأل، وثلث للمعتر الذي لا يسأل، يعني يعطيه على وجه الهدية أو الهبة.
وهل المسافر مخاطب بالأضحية كما يخاطب بها الحاضر؟ الأصل أن الجميع مخاطبون بالأضحية، سواء من كان مسافراً أو حاضراً.
والحاج مخاطب بالأضحية مثل غيره، فالراجح أنه يجوز للحاج أن يضحي، وإن كان الهدي في حقه أفضل؛ لأن المكان مكان هدي، لكن المسافر غير الحاج فالأضحية في حقه مشروعة، وإن كان قد يهدي غير الحاج مع من يذهب إلى الحرم كما كان يفعل النبي ﷺ ، فيرسل مع رجل من أصحابه هدياً للبيت.
والحاج إذا كان متمتعاً أو قارناً عليه هدي القران أو هدي التمتع وهو فرض عليه، لكن إذا كان مفرداً للحج، فليس عليه هدي، ويستحب له أن يهدي على وجه التطوع.
стр. 255
حكم الادخار من لحم الأضاحي
قال الإمام القرطبي ﵀: اختلف العلماء في الادخار على أربعة أقوال، فروي عن علي وابن عمر من وجه صحيح أنه لا يدخر من الضحايا بعد ثلاث، وهذا جاء عنه ﷺ في حديث صحيح، وثبت عنه النسخ لهذا الحديث، فنهى عن ادخار لحوم الأضحية فوق ثلاث، وفي العام التالي سألوا النبي ﷺ عن ذلك فقال: (إنما نهيتكم من أجل الدافة)، وذلك أن جماعة من الأعراب نزلوا على النبي ﷺ في المدينة وكانوا في مجاعة، وكان أهل المدينة في العيد يذبحون، فرأى النبي ﷺ أن الناس لو ذبحوا وأهدوا الثلث مثلاً وادخروا الباقي أو أهدوا النصف وادخروا الباقي فلن يكفي اللحم جميع من في المدينة من الأعراب ومن أهل المدينة الفقراء؛ فلذلك نهاهم ذلك العام عن الادخار فوق ثلاث، فكل من سيدخر من اللحم سيدخر لثلاثة أيام فقط، وتكون كمية قليلة، والباقي سيوزع على الناس، فيكفي الجميع، فلما سألوه في العام الذي يليه عن الادخار قال: (إنما نهيتكم من أجل الدافة)، فنهى النبي ﷺ عن الادخار من أجل المواساة.
واختلف العلماء هل هذا الحكم يكون منسوخاً أو أن هذا الحكم موقوف على مثل هذه الحالة، ثم يرفع إذا انتهت هذه الحالة؟ يقول الإمام القرطبي: وهنا مسألة أصولية وهي الفرق بين رفع الحكم بالنسخ، ورفعه لارتفاع علته، فرفع الحكم بالنسخ معناه إلغاؤه، ولا يعود هذا الحكم مرة أخرى، ورفع الحكم لارتفاعه العلة معناه أنه يرجع برجوع العلة، فرفع الحكم بالنسخ مثل قول النبي ﷺ : (كنت نهيتكم عن زيارة المقابر، ألا فزوروها فإنها تذكر بالآخرة)، فالنهي عن زيارة القبور حكم منسوخ، يعني ارتفع تماماً ولا يعود مرة أخرى.
لكن قوله: (إنما نهيتكم لأجل الدافة)، هذا الحكم انتهى بانتهاء علته، فو رجعت العلة مرة أخرى يرجع الحكم مرة أخرى، فلو وجدت مجاعة في بلد، والناس عندهم أضاحي، فيأكلون منها ويدخرون ثلاثة أيام فقط، وليس لهم الادخار بعد ذلك، حتى يكفي المحتاجين.
стр. 256
حرمة بيع الأضاحي
قوله : ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج:٢٨] من صفات الفقير أنه بائس، وهو من نزل به بؤس ونزلت به شدة، فأمر الله أن تطعم البائس الفقير، والفقير قد يكون في شدة، وقد لا يكون في شدة، فهنا قال: ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج:٢٨] يعني الذي بؤسه شديد، فتأكل وتطعم الفقير الذي في شدة شديدة، والفقير المحتاج، والبائس الذي ناله البؤس وشدة الفقر، يقال: بئس يبأس بؤساً إذا افتقر فهو بائس.
وتطلق الكلمة نفسها على من نزلت به نازلة من الدهر، يعني مصيبة من المصائب من موت وغيره وإن لم يكن فقيراً، يقال: هذا البائس فلان.
وجاء في حديث صحيح أن النبي ﷺ قال: (ألا فكلوا وادخروا واتجروا) يعني اطلبوا الأجر من الله، وليست من التجارة، ولكن المعنى أطلبوا أجراً من الله سبحانه ﵎ في ذلك، فأنه لا يجوز للإنسان أن يبيع لحم الأضاحي ولا يبيع لحم الهدايا.
стр. 257
تفسير قوله تعالى: (ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم)
قال الله سبحانه ﵎: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩]، ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا﴾ [الحج:٢٩]، هذه قراءة أكثر القراء، ومنهم قالون عن نافع، والبزي عن ابن كثير وأبو جعفر والكوفيون كلهم، فيقرءونها بالتسكين، وقرأ باقي القراء ورش عن نافع وقنبل عن ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو: (ثم لِيقضوا تفثهم)، والأصل أن لام الأمر مكسورة، ولكن خففت في القراءة الأولى.
قال الله : ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج:٢٩] يعني بعد نحر الضحايا ونحر الهدايا يكمل ما بقي عليه من مناسك الحج، كالحلق ورمي الجمار وإزالة الشعر، والأصل في التفث ما علا على الجسد من أوساخ، قال الأزهري: التفث الأخذ من الشارب وقص الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة، فيزيل عن نفسه ما كان عليه بسبب إحرامه وطول مدته.
وإذا نحر الحاج أو المعتمر هديه وحلق رأسه وأزال وسخه وتطهر وتنقى ولبس فقد أزال تفثه.
وقوله: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج:٢٩] أي: إذا وجب عليه من النذر شيء، وقراءة الجمهور: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج:٢٩] باللام الساكنة، وابن ذكوان وحده يقرؤها: (ولُيوفوا نذورهم)، وشعبة عن عاصم يقرؤها: (ولْيُفوا نذورهم) وقد مدح الله سبحانه ﵎ المؤمنين الذين يوفون بالنذر، فهنا أمر بالوفاء بالنذر، ومدح هنالك الموفين بالنذر.
وقد قال النبي ﷺ : (لا وفاء لنذر في معصية الله)، يعني يجب عليك الوفاء بالنذر إلا أن يكون النذر في معصية، فمن نذر أن يطيع الله فليطعه كما جاء في الحديث، وقال: (ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه، وكفارته كفارة يمين)، ومثال نذر المعصية أن ينذر أن يضرب فلاناً أو يفعل شيئاً من المحرمات، فالنبي ﷺ نهى عن الوفاء بهذا النذر، وأمر أن يكفر عن هذا النذر كفارة يمين.
قال: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩]، الطواف بالبيت العتيق أنواع، هناك الطواف المستحب مثل طواف القدوم، وهو سنة من سنن القادم إلى بيت الله الحرام، فيطوف عندما يأتي إلى المسجد تحية المسجد، فتحية البيت الحرام أن تطوف طواف القدوم أول ما تقدم عليه.
وقد اختلف العلماء هل طواف القدوم واجب أم سنة من السنن؟ فذهب بعض العلماء أنه واجب، وهذا مروي عن الإمام مالك، فلو رجع الحاج إلى بلده بغير طواف الإفاضة سيغني عنه طواف القدوم، والراجح أن طواف القدوم سنة وليس فرضاً، ولا يغني عن طواف الإفاضة، لكن يحل محله طواف الوداع؛ لأن طواف الوداع فرض كما جاء في حديث النبي ﷺ : (رخص للحائض أن تنفر دون أن تطوف طواف الوداع) فدل على أن طواف الوداع فرض.
فمن نسي طواف الإفاضة الذي هو في يوم العيد فليطف طواف الإفاضة عند الوداع، ويكون لطواف الوداع ولطواف الإفاضة.
إذاً: طواف القدوم سنة، وطواف الإفاضة ركن من أركان الحج، وركن من أركان العمرة، وطواف الوداع واجب، وليس ركناً من الأركان، والفرق بين أن نقول: ركن وواجب، أن الركن لا بد أن تأتي به، والواجب إذا لم تأت به وسافرت فعليك أن تجبره بدم، أما الركن فلا يجبر بدم، فلو أن إنساناً في الحج ترك طواف الإفاضة وسافر، فيظل على إحرامه، فيحرم عليه أن يأتي النساء إلى أن يرجع ويطوف طواف الإفاضة، فلو ترك طواف الوداع فيجبره بدم.
وطواف الوداع يسمى طواف الصدر، وهو واجب من واجبات الحج، واختلف العلماء هل طواف الوداع واجب في العمرة أم ليس واجباً؟ والراجح أنه سنة في العمرة، لكن في الحج واجب.
стр. 258
معنى البيت العتيق
قوله سبحانه: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩] وصف الله البيت بأنه عتيق، وكلمة عتيق تحتمل عدة معان أكثرها موجودة في البيت الحرام، قال الله : ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران:٩٦]، فهو عتيق لكونه أقدم بيوت الله .
ويسمى عتيقاً؛ لأن الله أعتق هذا البيت من أن يتسلط عليه الجبابرة، فلا أحد تسلط عليه وتركه الله ، فلما جاء أبرهة لهدم البيت أرسل الله عليه: ﴿طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل:٣ - ٥]، فأعتقه الله من تسلط الكفار والجبابرة.
وسمي عتيقاً؛ لأنه لم يملك موضعه قط، فلم يملك أحد هذا المكان أبداً لا قبل الإسلام ولا بعد الإسلام، فهو بيت عتيق لأنه لم يملك.
وأيضاً هو بيت يعتق الله من يدخلونه من النار، فالحجاج أكثر من يعتقهم الله سبحانه ﵎ من النار.
وقيل: ويسمى البيت العتيق لأنه أعتق من الغرق في الطوفان، فعندما غرقت الأرض كلها في الطوفان، أعتق الله البيت، فلم يناله من ذلك شيء.
وقيل: العتيق بمعنى الكريم، والعتق في اللغة تطلق بمعنى الكرم، فهو بيت كريم.
وقالوا: العتيق صفة مدح تقتضي جودة الشيء، كقول عمر ﵁: حملت على فرس عتيق، أي على فرس جيد.
وكل هذه المعاني موجودة في بيت الله الحرام، فهو أقدم بيت وضع للناس، وهو أشرف وأكرم موضع على الأرض، والله سبحانه ﵎ عتقه من تسلط الجبابرة عليه، والله أعتق العبيد الذين يحجون إلى هذا البيت، فيعتق الله سبحانه رقابهم من النار.
стр. 259
تفسير قوله تعالى: (ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير لهم)
قال الله : ﴿ذَلِكَ﴾ [الحج:٣٠] يعني فرضكم ذلك، فهو خبر للمبتدأ، أو مفعول لفعل محذوف تقديره: امتثلوا ذلك الذي أمرناكم به من الحج والطواف بالبيت العتيق والوفاء بالنذور وغير ذلك، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج:٣٠]، فمدح الله سبحانه الذين يعظمون حرمات الله سبحانه ﵎، والحرمات المقصود بها هنا أفعال الحج المشار إليها بقوله سبحانه: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩]، لأن هذه من الحرمات، ومنها أيضاً تعظيم هذا المكان، واحترام هذا المكان، فعلى الإنسان أن يعظمه فلا يحدث فيه ولا يبتدع فيه ولا يأتي فيه بمعصية ولا فاحشة، والحرمات أيضاً امتثال أوامر الله سبحانه ﵎ من الفرائض والسنن.
﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج:٣٠] فهو خير قدمه وجعله عند الله سبحانه، أو خير أفعل تفضيل بمعنى أن هذا الأعظم والأفضل له والأخير له عند الله .
стр. 260
معنى قوله تعالى: (وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم)
قال الله تعالى: ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [الحج:٣٠]، الأنعام هي الإبل والبقر والغنم، فأحلها الله سبحانه إلا ما يتلى عليكم مما ذكره سبحانه في سورة المائدة بقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [المائدة:٣]، فأحل لنا الأنعام إلا ما يكون منها منخنقة أو موقوذة أو نطيحة أو بقية مما أكل السبع، فهذه الأشياء ميتة فلا يحل لنا أن نأكل ما مات من بهائم الأنعام أو ما ذبح لغير الله ، ويحل لنا ما ذكي شرعاً.
стр. 261
معنى قوله تعالى: (فاجتنبوا الرجس من الأوثان)
قال تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج:٣٠] الرجس يطلق على الشيء القذر، وفي القرآن تأتي كلمة الرجس والرجز، والرجز أصل معناها العذاب، والرجس معناها العذرة والنتن، والرجس تحتمل المعنيين كأنه يقول: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾ [الحج:٣٠] يعني القاذورات والنجاسات من هذه الأوثان التي من عبدها أدخلته في رجز من عذاب الله .
قال الله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾ [الحج:٣٠] يقال: وثن الشيء إذا أقام في مقامه، فالشيء القائم الذي يعبد من دون الله يسمى وثناً سواء كان من خشب أو من حديد أو من ذهب أو فضة أو صليب، هذا كله من الأوثان، ولذلك قال عدي بن حاتم: (قدمت على النبي ﷺ وفي عنقي صليب)، كان نصرانياً وقدم على النبي ﷺ لابساً صليباً من ذهب، فقال له النبي ﷺ : (ألق هذا الوثن عنك) فسماه وثناً، فالشيء الذي يعبد من دون الله سبحانه ﵎ على هيئة خشبة أو حديدة أو تمثال هو من الأوثان.
ويسمى الصنم وثناً؛ لأنه ينصب ويركز في مكان فلا يبرح عنه، فهو شيء قائم في مكان لا يرفع من هذا المكان الموجود فيه.
وسماه رجساً؛ لأنه سبب للرجز وسبب لعذاب الله سبحانه؛ ولأنه أيضاً من القاذورات التي كانوا عليها في الجاهلية، والرجس النجس، فالأوثان نجسة حكماً، وقلوب الذين يعبدونها من دون الله نجسة، وإن كان التمثال لو مسه الإنسان لا نقول له: انتقض وضوءك أو توضأ، لكن من عبده فقد دخل في قلبه الرجس والنجس وقاذورة الكفر.
قال الله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج:٣٠] حرم الله قول الزور في هذه الآية، وفي الصحيحين من حديث أبي بكرة قال: قال النبي ﷺ : (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئاً فجلس فقال: ألا وقول الزور، وشهادة الزور)، كان متكئاً فجلس يعني اشتد غضبه ﷺ لما ذكر شهادة الزور، فقال ذلك حتى قال الصحابي: (حتى قلنا: ليته سكت!) يعني أشفقوا على النبي ﷺ من شدة غضبه حين ذكر قول الزور.
فالله سبحانه ﵎ ينهانا عن الشرك بالله سبحانه، وينهانا عن قول الزور وشهادة الزور.
ثم قال: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ﴾ [الحج:٣١]، يعني كونوا مستقيمين لله سبحانه ﵎ على الحق مبتعدين عن الباطل، وكلمة حنفاء من ألفاظ الأضداد معناها الاستقامة ومعناها الاعوجاج، فأصل معناها حنف عن الشيء بمعنى مال، ولكن صار المعنى الشرعي لها دالاً على الاستقامة، يعني البعد عن الكفر والاستقامة على طريق الله سبحانه ﵎.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 262
تفسير سورة الحج [٣٠ - ٣٤]
لقد أمر الله تعالى بتعظيم حرماته وشعائره وعدم انتهاكها؛ تعظيماً للآمر بها وهو الله تعالى، وجعل تعالى تعظيم حرماته وشعائره دليلاً على تقوى القلب، وشعائر الله هي معالم الدين عموماً، ومنها مناسك الحج، وجميع هذه الأوامر مما يجب تعظيمها طاعة لله، واتباعاً لشرعه.
стр. 263
تفسير قوله تعالى: (ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير لهم)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الحج: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ * حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣٠ - ٣١].
ذكر لنا ربنا سبحانه ﵎ في هذه الآيات أن من يعظم حرمات الله سبحانه فذلك خير له عند ربه، وحرمات الله المقصود بها هنا: أعمال وأفعال الحج المشار إليها في الآية السابقة بقوله سبحانه: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩].
وقد تأتي كلمة الحرمات بمعنى العموم، أي: أمر الله سبحانه ﵎ به في دينه، من أوامر، وفرائض، وسنن، فالذي يعظم أوامر الله ويعمل بها، مطيعاً لرب العالمين سبحانه، فهذا له خير عند الله سبحانه، وأفضل له أن يطيع الله فذلك هو الخير، بل أعظم الخير عند الله سبحانه.
قال تعالى: ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعَامُ﴾ [الحج:٣٠]، ذكرنا في الحديث السابق: أن الله من على عباده بأن أنزل لهم ثمانية أزواج من الأنعام، من الضأن اثنين، ومن المعز اثنين، ومن الإبل اثنين، ومن البقر اثنين، فهذه هي بهيمة الأنعام التي أنزلها الله لعباده، خلقها لهم، وجعلها مسخرة تحت أيديهم، يأكلون منها، وينتفعون بألبانها، وأشعارها وأوبارها وأصوافها، وهذا من فضله سبحانه ﵎.
ثم استثنى فقال: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [الحج:٣٠] يعني: من تحريم الميتة، ومنها الموقوذة، والنطيحة، وما أكل السبع، فهو حرام.
قال: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج:٣٠]، فنهانا سبحانه ﵎ عن عبادة غير الله سبحانه، وسمى الأوثان والأصنام التي يعبدونها من دون الله رجساً، وأصل الوثن: هو التمثال أو الشيء الذي يكون ثابتاً في مكانه، ويكون من خشب أو من حديد، أو من ذهب، أو نحو ذلك، فقالوا: وثن الشيء أي: قام في مقامه، فسمي الصنم صنماً؛ لأنهم يثبتونه في مكانه، ويعبدونه من دون الله سبحانه ﵎.
فهنا ذم الله الأوثان وقال: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾ [الحج:٣٠]، فوصف الأوثان بأنها رجس، وأنها قذر نتن، وأنها شيء يشوش على الناس عقائدهم، ويجعل في قلوبهم الرجس والنجاسة القلبية المعنوية من الشرك بالله سبحانه ﵎ وغيره.
فقال: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾ [الحج:٣٠]، فكأنه نهاهم سبحانه ﵎ عن الرجس عامة، وخاصة الأوثان وما كان مثلها، وبين أن الرجس من الأوثان عبادة لغير الله سبحانه.
стр. 264
خطر شهادة الزور
ذكر الله شهادة الزور بعد الرجس من الأوثان وبين أن شهادة الزور شيء فاحش، فذكره هنا وكأن شهادة الزور، عدلت الشرك بالله سبحانه فذكرت معه، وشاهد الزور لا يقال: إنه مشرك وخارج من الدين، ولكن إثمه عظيم جداً، والإنسان الذي يشهد الزور يكون الضرر منه، ليس على نفسه فقط، ولكن يكون ضرره على الإنسان المظلوم الذي شهد عليه زوراً وظلماً، وهذا الإنسان المظلوم قد يقام عليه الحد ظلماً وزوراً، أو يؤخذ ماله، أو يسفك دمه ظلماً وزوراً، فضرر شاهد الزور متعدٍ، ويراه الناس وكأنه يشهد بحق أمام القاضي، وأنه عدل، فيحكم القاضي بما يقول هذا الشاهد، فيضر الآخرين.
ولذلك لما ذكر النبي ﷺ شهادة الزور، وهو يتكلم عن أكبر الكبائر، قال: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى.
يا رسول الله! قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين، وكان متكئاً فجلس) ﷺ ، لما وصل عند ذكر شاهد الزور، وكان متكئاً فجلس، وكأنه لما استحضر حال شاهد الزور غضب (وقال: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور)، كررها ثلاث مرات صلوات الله وسلامه عليه، فغضب حين استحضر كيف يفعل هذا الإنسان، فيري الناس أنه صادق وحقيقته أنه كذاب، يضر إنساناً مظلوماً، ويضيع عليه حقه، فقال النبي ﷺ : (ألا وقول الزور وشهادة الزور، ألا وقول الزور وشهادة الزور، ألا وقول الزور وشهادة الزور)، قال الصحابي راوي الحديث: (فما زال يقولها -يعني: يكرر هذه الكلمة- حتى قلنا: ليته سكت) يعني: أشفقوا على النبي ﷺ من شدة غضبه حين تذكر شاهد الزور، فتمنوا لو أنه اكتفى بذلك وسكت؛ وذلك منهم شفقة على النبي صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 265
تفسير قوله تعالى: (حنفاء لله غير مشركين به)
قال تعالى: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١] أي: كونوا حنفاء مستقيمين على دين الله، مسلمين لله، مائلين عن الباطل إلى الحق، كما ذكرنا في الحديث السابق أنها من ألفاظ الأضداد، يعني: أنها تطلق على المعنى وعلى ضده فأصلها من الحنف، والحنف: الميل، وهنا المقصود منها: الاستقامة، يعني: البعد والميل عن الباطل، والاستقامة على الحق.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١] أي: أن الإنسان المشرك بالله يوم القيامة هو بمنزلة من لا يملك لنفسه شيئاً، وهو في الدنيا قد يظن أنه يملك شيئاً، ولكنه يوم القيامة لا يملك أي شيء، وحاله كطير خر من السماء، أو كشيء وقع من السماء، فإذا بالطيور الجوارح تأتي عليه وتتخطفه من كل مكان، ولا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، ولا يدفع عن نفسه ضرراً ولا عذاباً.
وقوله تعالى: ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ [الحج:٣١] بالتخفيف قراءة الجمهور، وقراءة المدنيين نافع وأبي جعفر: (فتخطَّفه الطير) بتشديد الطاء، يعني: أنها تأخذ منه وتقطعه بمخالبها، وقيل: إن هذا يكون عند خروج روحه، فالإنسان الكافر وكذلك الفاجر تخرج روحه بصعوبة وبشدة، وتتمزق والملائكة يخرجونها من داخله، وبعد ذلك يصعدون بها إلى السماء، فإذا استفتحوا بروحه السماء لم يفتح له، فتلقى من السماء، وقد جاء في حديث النبي ﷺ : (أنها تلقى من السماء، وتلا هذه الآية: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١])، (تهوي) يعني: تسقط به الريح، (في مكان سحيق) أي: مكان بعيد كأن الريح طارت به وأوقعته في جب عميق بعيد قعره.
قال سبحانه ﵎: ﴿فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١] المعنى: أن الإنسان المشرك بالله له عذاب عظيم جداً، لا يقدر أن يدفع عن نفسه هذا العذاب، كما لا يقدر الذي خر من السماء وتناوشته الطير وتخطفته أن يدافع عن نفسه.
стр. 266
تفسير قوله تعالى: (ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب)
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢]، إن تعظيم شعائر الله من تقوى القلوب، والشعائر جمع شعيرة، والشعيرة أصلها: العلامة، وشعائر الدين: أعلام الدين ومعالمه العظيمة، فعلى الإنسان أن يعرف أن هذا الدين هو دين التوحيد، ويعظم توحيد الله سبحانه ﵎، وأن يعلم أن هذا الدين من أركانه: الصلاة، والصوم، والزكاة، والحج، ويجب عليه أن يعظم هذه الأركان التي فرضها الله سبحانه، فمثلاً الإنسان الذي يحج بيت الله الحرام، هو بذلك يقيم أعظم المناسك، وأعظم الشعائر وهو أنه يعظم توحيد الله، ويعظم مناسك الحج، ويعظم ما يهدى إلى البيت من بدن هي من معالم الحج، فتعظيم دين الله سبحانه دليل على تقوى قلب الإنسان، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢] فإن الفعل نفسه وهو التعظيم من تقوى القلوب، أو أن الشعائر التي يستقر في القلوب تعظيمها هي من تقوى القلوب.
إذاً: الضمير في الآية: ﴿فَإِنَّهَا﴾ [الحج:٣٢] يعود على الشعائر، أو على فعل تعظيم هذه الشعائر، وأن ذلك من تقوى قلوب من يفعلها.
стр. 267
وقت ذبح الهدي ومكانه
﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٣٣] ومعنى محلها كأنه مأخوذ من إحلال المحرم، فكأن المعنى محل الشعائر، إما على المعنى الواسع وهو: طاعة الله سبحانه ﵎، أو على المعنى الضيق وهو: مناسك الحج.
وقوله تعالى: ﴿مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٣٣] المراد بذلك: طواف الإفاضة، يعني: بعد أن تحرم، وتطوف، وتسعى، وتقف يوم عرفة، وبعد أن تذهب إلى المزدلفة، وترجع إلى منى، وترمي الجمار، ترجع لتطوف بالبيت، فالآن تحل الحل الكبير، فبطواف الإفاضة يحل الإنسان الحل كله، فقالوا: المعنى: أن شعائر الله في الحج، من الوقوف بعرفة ورمي الجمار، والسعي، تنتهي بطواف الإفاضة، فعلى ذلك يكون هنا محلها، أي: نهاية الإحلال من شعائر الحج ومناسكه.
وقال الإمام الشافعي: المقصود هنا بقوله تعالى: (محلها) البدن نفسها، يعني: مكان ذبحها، وأنها تذبح في الحرم، فمعنى قوله: ﴿مَحِلُّهَا﴾ [الحج:٣٣] أي: إلى الحرم، وهذا بناء على أن الشعائر هي: البدن.
стр. 268
تفسير قوله تعالى: (لكم فيها منافع إلى أجل مسمى)
قال تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ [الحج:٣٣] أي: في هذه المناسك منافع، منها: سوقكم الهدي إلى البيت، فلكم فيها منافع إلى أجل مسمى، فالإنسان الذي يسوق الهدي من إبل، أو من بقر، أو من أغنام، فهذا دليل تقوى قلبه، فإنه إنما يسوقها معظماً لشعائر الله سبحانه، وله أن ينتفع بها، فيأخذ من لبنها ما يحتاج إلى شربه، ويركب عليها إذا احتاج إلى ذلك حتى يصل بها إلى مكان نحرها وذبحها.
فقال سبحانه: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ [الحج:٣٣] أي: في البدن التي تساق إلى بيت الله الحرام، من الركوب، ومن الدر، ومن النسل، ومن الصوف وغير ذلك مما يحتاج إليه حتى يصل بها إلى بيت الله الحرام.
وجاء في الصحيح من حديث أبي هريرة: (أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً يسوق بدنة) يعني: أنه رآه يسوق جملاً أو ناقة فقال النبي ﷺ : (اركبها)؛ لأن الرجل ناله جهد، ونالته مشقة شديدة، ومع ذلك فهو من تعظيمه لهذه الشعيرة يمشي خلف ناقته ولا يريد أن يركبها، وقد أنهكه التعب، فقال له النبي ﷺ مشفقاً عليه: (اركبها)، فهذه من ضمن المنافع، فقال الرجل: (إنها بدنة) يعني: هذا هدي لبيت الله الحرام، فكيف أركبه؟ فقال له النبي ﷺ : (اركبها)، فأذن له بذلك، فقال الرجل: إنها بدنة، فقال النبي ﷺ : (ويلك أو ويحك اركبها)، فأمره بركوبها، وهذا دليل على أن الإنسان إذا احتاج لركوب البدنة ركبها، وإن احتاج لصوفها، أو إلى شرب لبنها، فله أن ينتفع بها إلى أن يصل إلى بيت الله الحرام.
وقد جاء في الحديث الآخر في صحيح مسلم قال جابر بن عبد الله ﵄: (سمعت النبي ﷺ يقول: اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهراً) يعني: إن احتجت إلى ذلك، وتعبت ومعك الجمل الذي أنت ذاهب به إلى بيت الله الحرام لتنحره هنالك، فلك أن تركبه بالمعروف إذا كنت محتاجاً، وأما إذا لم تكن محتاجاً فلا داعي للركوب.
قال سبحانه: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٣٣]، والأجل المسمى: يوم الذبح، وأما قبل ذلك فلكم فيها منافع.
стр. 269
وقت ذبح الهدي ومكانه
﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٣٣] ومعنى محلها كأنه مأخوذ من إحلال المحرم، فكأن المعنى محل الشعائر، إما على المعنى الواسع وهو: طاعة الله سبحانه ﵎، أو على المعنى الضيق وهو: مناسك الحج.
وقوله تعالى: ﴿مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٣٣] المراد بذلك: طواف الإفاضة، يعني: بعد أن تحرم، وتطوف، وتسعى، وتقف يوم عرفة، وبعد أن تذهب إلى المزدلفة، وترجع إلى منى، وترمي الجمار، ترجع لتطوف بالبيت، فالآن تحل الحل الكبير، فبطواف الإفاضة يحل الإنسان الحل كله، فقالوا: المعنى: أن شعائر الله في الحج، من الوقوف بعرفة ورمي الجمار، والسعي، تنتهي بطواف الإفاضة، فعلى ذلك يكون هنا محلها، أي: نهاية الإحلال من شعائر الحج ومناسكه.
وقال الإمام الشافعي: المقصود هنا بقوله تعالى: (محلها) البدن نفسها، يعني: مكان ذبحها، وأنها تذبح في الحرم، فمعنى قوله: ﴿مَحِلُّهَا﴾ [الحج:٣٣] أي: إلى الحرم، وهذا بناء على أن الشعائر هي: البدن.
стр. 270
تفسير قوله تعالى: (ولكل أمة جعلنا منسكاً)
قال سبحانه: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج:٣٤]، ((وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا)) قرئت (منسَكا) وهي قراءة الجمهور، و (منسِكاً) بكسر السين وهي قراءة حمزة والكسائي وخلف، والمعنى على القراءتين واحد، والمنسك له عدة معانٍ، وكلها داخلة تحتها، فمن معانيها: الشرائع يعني: جعلنا شريعة لكل أمة، وإن كانت كل الأمم مجتمعة على التوحيد، فإن كل الرسل أمرهم الله أن يدعوا إلى عبادة ربهم سبحانه، كما قال تعالى: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩] فالكل يدعوا إلى دين واحد وهو: دين الإسلام والاستسلام لرب العالمين، والطاعة، والإذعان، والخضوع لله ، ولكن جعل لكل منهم شرائع، وكيفيات مختلفة في حجهم وغير ذلك، وجعل لكل أمة منهم منسكاً.
ومن معاني المنسك: الذبح.
ومن معانيه أيضاً: الطاعة، أو طرق الطاعة، وكيفيتها.
وذكروا من معاني المنسك: أنه موضع الذبح.
وقالوا: المنسك: هو أصل المكان المعتاد للشيء، فالمناسك: هي الأماكن التي يعتاد الذهاب إليها في أوقات الحج.
وكذلك قالوا في معنى: (منسكاً): مذهباً، يعني: من طاعة الله سبحانه ﵎، فكل أمة شرع الله لهم كيفية في العبادة.
قال سبحانه: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج:٣٤] أي يذكرون اسم الله على بهيمة الأنعام، يعني: أنهم حين يرونها يكبرونه، وحين يذبحونها يسمونه، ويكبرونه سبحانه.
стр. 271
الاستسلام في كل أمر لله
قال سبحانه: ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا﴾ [الحج:٣٤] أي: وإن اختلفت شرائع الأمم، فهؤلاء يزيدهم أوامر، وهؤلاء يضع عنهم آصاراً وأغلالاً، وغير ذلك، ولكن في النهاية فإن الجميع مأمورون بطاعة الله، وبعبادته على الدين الذي شرعه سبحانه.
﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الحج:٣٤] أي: فلا إله إلا الله، ولا معبود بحق إلا الله سبحانه ﵎.
﴿فَلَهُ﴾ [الحج:٣٤] أي: وحده لا شريك له.
﴿أَسْلِمُوا﴾ [الحج:٣٤]، وهذا دين الإسلام الذي أمر الله به عباده، وأمر به الرسل أن يسلموا أنفسهم لله رب العالمين.
وعلى العبد أن يكون كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]، فهنا أمر الله النبي ﷺ ، وأمر الأنبياء من قبله، أن تكون حياتهم كلها طاعة لرب العالمين، فخصص في قوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي﴾ [الأنعام:١٦٢]، ثم عمم بقوله: ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي﴾ [الأنعام:١٦٢] أي: كل شيء في حياتي يكون لله رب العالمين، فالإنسان تكون حياته كلها عبادة لله سبحانه، بصلاة أو صوم، أو أي عبادة تعمل، سواء في قيامه أو في نومه فهو يعبد الله في ذلك، فهو ينام ليستريح فيقوم ليكمل عبادة رب العالمين سبحانه.
وكذلك إذا أشغل لعمله فهو يريد أن يتحرى الحلال، فيعبد الله بطاعته، وذلك باجتنابه المحرمات، مستحضراً الخوف من الله سبحانه، فهذه أيضاً عبادة لرب العالمين سبحانه.
وكذلك يتعبد لله بصلاته، بصومه، بزكاته، بحجه، باعتكافه، بنذره، بجهاده، بأمره بالمعروف بنهيه عن المنكر، إذاً: يكون عمله كله عبادة لله رب العالمين، فقال تعالى هنا: ﴿فَلَهُ﴾ [الحج:٣٤] أي: الإله الواحد لا شريك له.
﴿أَسْلِمُوا﴾ [الحج:٣٤] أي: استسلموا له، وسلموا إليه قلوبكم وأبدانكم، ووجهوا وجوهكم له وحده.
﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ [الحج:٣٤]، والإنسان المخبت هو: المطيع المتواضع، الخاشع لله سبحانه، وأصل الخبت هو: ما انخفض من الأرض، ومنه: الأرض المخبتة، وهذه أرض خبت أي: فيها انخفاض، فعلى الإنسان أن يتواضع ويذلل نفسه لله رب العالمين.
فقوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ [الحج:٣٤] أي: يبشر المتواضعين لله سبحانه.
وقد جاء في حديث النبي ﷺ : (من تواضع لله رفعه الله).
إن الله يبشر هؤلاء هنا، وهم المتواضعون الخاشعون من المؤمنين، نسأل الله أن يجعلنا منهم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 272
تفسير سورة الحج [٣٤ - ٣٦]
أمر الله تعالى جميع الأمم أن يوحدوه، وجعل لكل أمة منسكاً وعيداً ليذكروا اسم الله فيه على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، وأمر الله رسوله أن يبشر المخبتين بكل خير في الدنيا والآخرة، وهم الخائفون من الله الصابرون على أقدار الله، المقيمون الصلاة والمنفقون مما رزقهم الله.
стр. 273
تفسير قوله تعالى: (ولكل أمة جعلنا منسكاً)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال الله في سورة الحج: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الحج:٣٤ - ٣٦].
ذكر الله سبحانه ﵎ أنه جعل لكل أمة منسكاً أي: ذبائح يذبحونها وطاعات يفعلونها متقربين بها إلى ربهم سبحانه ﵎، وكل أمة شرع الله لهم عبادات يعبدون الله سبحانه ﵎ بها، فالذبائح كانت لكل أمة من الأمم يتقربون لله بذبحها.
والنسك يأتي بمعنى العبادة والطاعة لله سبحانه ﵎، فالأمم كلها وإن اختلفت شرائعهم يتفقون في أمر توحيد الله سبحانه وعبادة الله وحده لا شريك له.
قال الله: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج:٣٤]، فالغرض من الذبح هو ذكر اسم الله سبحانه ﵎.
ثم قال: ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ [الحج:٣٤] الإله واحد فاعبدوه وحده لا شريك له، متقربين إليه بالصلاة، وبالذبح، وسائر الطاعات؛ فإذا أسلمتم لله وأخبتم أي: أطعتم الله وتواضعتم وخشعتم لله سبحانه فلكم البشارة، قال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ [الحج:٣٤].
стр. 274
تفسير قوله تعالى: (الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم)
هؤلاء المخبتون المتواضعون الخشع من المؤمنين من صفاتهم: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الحج:٣٥]، فذكر الله أربعة أوصاف لهؤلاء المخبتين المؤمنين المطيعين لله سبحانه ﵎، فمن أوصافهم: أنهم إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، والوجل: شدة الخوف والرهبة من الله سبحانه ﵎، فالمؤمن إذا ذكر الله يهتز قلبه ويقشعر جلده ويخاف من الله سبحانه ﵎، وعلم أنه ملاق ربه فاستعد ليوم الحساب والجزاء.
وقد حصر الله هذا الوصف في المؤمنين فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [الأنفال:٢ - ٣]، وهنا ذكر هذه الأوصاف فقال: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج:٣٥]، وقال الله سبحانه ﵎ في سورة الزمر: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٣] فالمؤمنون صادقون مع الله سبحانه يخافون ربهم، يقرءون القرآن فتقشعر جلودهم وأبدانهم، وتلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله، فهم يعودون ويرجعون إلى الله سبحانه ﵎، وكلما سمعوا ذكر الله اهتزت قلوبهم، فلما ذكروا الله ذكروا عذابه فخافوا، وذكروا رحمته فلانوا لله سبحانه ﵎، ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٣].
стр. 275
الصبر
ثم قال في هذه الآية: ﴿وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ﴾ [الحج:٣٥] هذا وصف آخر لهم، الصبر على ما أصابهم من أقدار الله سبحانه ﵎، صبروا على الطاعة، وصبروا عن محارم الله سبحانه، وصبروا على القضاء والقدر، فما قدره الله عليهم رضوا به، فهم راضون عن الله سبحانه، فلما كان عند وفاتهم رضي الله عنهم ورضوا عنه، ولما لقوا ربهم يوم القيامة رضي عنهم ورضوا عنه، فقال هنا سبحانه: ﴿وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ﴾ [الحج:٣٥] والإنسان المؤمن مبتلى، ولذلك قال النبي ﷺ : (أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، ويبتلى الرجل على قدر دينه؛ فإن كان في دينه شدة زيد له من البلاء، وإن كان في دينه رقة قلل له من البلاء) بحسب دين المؤمن يبتلى، فيزيد الله بلاء الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام؛ لأن درجاتهم عظيمة عند الله سبحانه، فيرفع درجاتهم بالصبر على هذا البلاء؛ لذلك الإنسان إذا رأى صاحب مصيبة ما يقول: هذا يستحق، انظروا ماذا عمل، فلعل هذا المبتلى يكون له أجر عظيم عند الله، ويكون له درجة لم يبلغها بعمله، فالله ابتلاه بالصبر، فالمؤمنون يصبرون على أوامر الله سبحانه، وعلى أقدار الله سبحانه، وعما نهى الله عنه.
стр. 276
إقامة الصلاة
قال الله: ﴿وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ﴾ [الحج:٣٥] لم يذكر أنهم يصلون فقط، ولكن ذكر أنهم أقاموا الصلاة، يعني: يعدل صلاته ويستقيم عليها، فأقامها من إقامة القدح وهو الذي يكون في السهم، فيقيمه بأن يعدل الحديدة التي سيجعلها سهماً يرمي به، ولو كانت معوجة لا تصل إلى هدفها، فالصلاة إذا كانت معوجة، وإذا كانت فيها اختلاس يختلسه الشيطان من العبد، وإذا كانت الصلاة ينقرها الإنسان كنقر الغراب؛ فلم يقمها كما أمر الله ، بل نقص من صلاته حتى تضيع منه هذه الصلاة، فالمؤمن يقيم صلاته كما أمره الله سبحانه، ويستقيم عليها ويداوم عليها، ويحسن صلاته.
стр. 277
الإنفاق
قال الله سبحانه: ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الحج:٣٥]، فرزقهم الله فعرفوا فضل الله عليهم، وعرفوا أن هنالك من حرم فيعطون هذا المحروم، ولو شاء الله لحرمهم، فالإنسان المؤمن كيس فطن يتفكر ويتدبر ويتأمل، فالله أعطاني، وحرم فلاناً ولو شاء الله لعكس الأمر فأعطاه وحرمني، فبما أنه أعطاني فسأجود بما أعطاني الله سبحانه ﵎، وأعطي هذا الإنسان المحتاج، والمؤمن موقن أن المال مال الله، والله جعل العباد خلفاء في الأرض كما قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠] إنسان يخلف غيره، ويخلفه غيره، فالناس خلفاء في الأرض، إنسان يعيش فترة يستمتع بهذه الدنيا ويعبد ربه سبحانه ﵎، ثم يموت ويخلفه غيره حتى يرث الله الأرض ومن عليها سبحانه ﵎؛ فإذا كان الإنسان مستخلفاً في الأرض وما هو مالك لهذه الأرض، بل يعيش فيها فترة من الزمن، ثم يمضي ويتركها، ويأتي غيره، والناس يخلف بعضهم بعضاً على هذه الأرض، والمال الذي مع الإنسان سيتركه يوماً من الأيام لغيره؛ فلينفق من هذا المال حيث يريد الله سبحانه ﵎، فلينفق على نفسه وعلى عياله، وعلى زوجته، وعلى الأقربين، لينفق في طاعات الله سبحانه ﵎، وليؤد زكاة ماله، وليؤد الحقوق التي فرضها الله عليه من واجبات ومستحبات.
стр. 278
الخشية من الله
المؤمنون يعرفون الحقوق وينفقون فيما يرضي الله سبحانه ﵎، فمدحهم الله بهذه الصفات، وقد كان أصحاب النبي ﷺ على هذه الصفات يخشعون لذكر الله سبحانه ﵎، وعندما تتلى عليهم الآيات يبكون، وكان قدوتهم النبي صلوات الله وسلامه عليه، عندما كان يقرأ القرآن يسمع لصدره أزيز كأزيز المرجل من خوفه من الله ، ومن بكائه وكتمه لهذا البكاء، فيسمع الصوت من صدره، وليس من فمه صلوات الله وسلامه عليه، فكانوا يسمعون لصدره أزيزاً كأزيز المرجل.
وجاء في الصحيح من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: (إن الناس سألوا النبي ﷺ حتى أحفوه في المسألة) يعني: يوم من الأيام رجل سأل النبي ﷺ ، ثم الثاني سأل، ثم الثالث سأل، وكان يكره السؤال ﷺ ، وكان يقول: (إن الله كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال)، فلعل الإنسان يسأل عن شيء فيحرم على الناس من أجل مسألته، ومن كثرة التدقيق والأسئلة لعلهم يسألون عن أشياء لا يحل لهم أن يسألوا عنها، مثل الرجل الذي قال للنبي ﷺ : (أين أبي؟) أبوك قد مات فلماذا تسأل هذا السؤال؟ فلما سأل عن هذا قال له: (في النار)، فلو قال الثاني: أين أنا ويجيء وحي إلى النبي ﷺ بأن هذا في النار فتكون الفضيحة في الدنيا، فلما أكثروا من السؤال غضب النبي ﷺ وقام ووقف على المنبر صلوات الله وسلامه عليه فقال للناس: (لا تسألوني عن شيء إلا بينته لكم ما دمت في مقامي هذا) وكان هذا القول منه قول غضب، والله أوحى إليه بذلك، يعني اتركهم يسألوا وأجبهم عن الأسئلة التي يسألون عنها بما فيها، فلما رأوا غضب النبي ﷺ وأن هذه مصيبة من المصائب جلسوا يبكون، يقول أنس بن مالك ﵁: (فلما سمع ذلك القوم أرموا ورهبوا أن يكون أمر قد حضر) يعني خشوا أن تكون مصيبة تحضرهم في هذا المقام، فرجعوا إلى أنفسهم وسكتوا، يقول أنس بن مالك ﵁: (فجعلت ألتفت يميناً وشمالاً فإذا كل إنسان لاف رأسه في ثوبه يبكي)، انظروا عقل الصحابة رضوان الله عليهم وإيمانهم، لما قال لهم: اسألوا، علموا أنهم أخطئوا في حق النبي ﷺ ، فجلسوا يبكون فيما بينهم وبين الله ، وليس رياءً، بل كل واحد مغطي رأسه بثوبه يبكي بينه وبين الله ، نادم على ما قال للنبي ﷺ ، فهذه أحوال الصحابة رضوان الله عليهم، ولعل بعضهم يخطئ في الشيء فيقوم الباقي يذكرونه فيرجعون إلى الله تائبين منيبين إليه خاشعين، فمدحهم الله على خشوعهم، وهنا ذكر المؤمنين فقال: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ﴾ [الحج:٣٥]، ومدح الله الذين يدخلون في هذا الدين من قسيسين ورهبان بأنهم يعرفون أن هذا الدين هو الحق، ويعرفون ما يقوله النبي ﷺ ولا يستكبرون؛ فإذا عرفوا الحق بكوا من ذلك، يقول الله : ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة:٨٣]، وهؤلاء هم الذين عرفوا بشارات النبي ﷺ وانتظروا بعثته، فلما سمعوا ما أنزل إلى النبي ﷺ عرفوا صدق ذلك من كتبهم، فدخلوا في هذا الدين ولم يستكبروا، أما غيرهم ممن رفضه فقد استكبروا عن دين الله سبحانه ﵎، فقال الله عن هؤلاء: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ * وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾ [المائدة:٨٣ - ٨٤] لماذا لا نؤمن وندخل مع القوم الصالحين؟ فمدحهم الله على خشوعهم، وعلى إخباتهم، وعلى دخولهم في دين النبي ﷺ ، وهم يعرفون أنه الحق، وكان لهم أجران وليس أجراً واحداً، أجر على أنهم آمنوا بنبيهم ﵊، وأجر على أنهم آمنوا بنبينا صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 279
تفسير قوله تعالى: (والبدن جعلناها لكم من شعائر الله)
قال الله سبحانه: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ [الحج:٣٦] البدن: جعلها الله من الشعائر، والبدن من التبدين، وكأن البدن مأخوذ من البدانة، وهي تطلق على الإبل، وكذلك تطلق تجوزاً على البقر، يقال: بدن الرجل إذا سمن، ويقال: بدَّن الرجل إذا كبر في السن، كما في قول النبي ﷺ : (إني قد بدنت) يعني: كبرت في السن، وقد قال ذلك وهو في سن الستين ﵊، فكان في الصلاة ينزل ببطء ويقوم ببطء، فقال للناس: (إني قد بدنت فلا تسبقوني بالركوع والسجود) أي: راعوا عند نزولي فلا تنزلوا قبلي؛ ولذا يجب على المصلي ألا يسبق الإمام بركوع ولا بسجود، ولا يزعم أنه بذلك خاشع لله سبحانه ﵎، وكان الصحابة ينتظرون النبي ﷺ حتى يضع جبهته على الأرض في السجود فيهوون في السجود، فلا ينزل أحدهم قبل النبي صلوات الله وسلامه عليه، فمن الخطأ الذي يقع فيه كثير من إخواننا أنه لا يراعي الإمام الذي يكون ضعيفاً في نزوله أو في قيامه، فترى المأموم يسجد على الأرض والإمام ما قد سجد، فلا تكن مسابقاً للإمام، قال النبي ﷺ : (أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار)، وكذلك لا ترفع بصرك إلى السماء، ولا تسبق الإمام في الرفع ولا في السجود، ولكن كن بعد الإمام، وأيضاً لا تتخلف عن الإمام كثيراً، فهذا كله من الخطأ، فالنبي ﷺ قال: (إذا كبر فكبروا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا) فالفاء هنا للترتيب والتعقيب، فإذا سجد الإمام فاسجد بعده مباشرة، وإذا رفع ترفع بعده مباشرة، وإذا سلم سلم بعده بلا تأخير، فأنت في صلاة الجماعة مع إمام ولست وحدك، وإذا صليت وحدك فأطل ما شئت، لكن وأنت مع الإمام فلا تخالف الإمام في ركوع، ولا في سجود.
قلنا: البدن تطلق على الإبل، وقد تطلق على البقر، فهذه البدن جعلها الله من شعائر الله.
قال: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ [الحج:٣٦] يعني: بهيمة الأنعام لكم فيها خير، فالإبل تركبونها، وتأخذون من ألبانها، وتأخذون من أوبارها، وتنحرونها لله سبحانه.
قال: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ [الحج:٣٦] يعني: منافع دينية ودنيوية، ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج:٣٦] الأصل في البدن أنها الإبل، فذكر كيفية نحرها، فقال: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج:٣٦] فينحر الجمل وهو قائم، والبقر والغنم تذبح مضجعة على الجانب الأيسر، وأنت تمسك السكين بيمينك وتذبحها، لكن الإبل تنحر قائمة، هذه هي السنة فيها، والنحر هو الطعن بنصل في اللبة يعني: في أسفل رقبة الجمل، وهذه الطعنة تقطع عروق القلب وقد تصل إلى القلب نفسه، فيسرع إزهاق الروح بذلك، وأما الذبح فيقطع العروق التي في الرقبة، وهي عروق القلب، ويقطع الحلقوم والمريء والودجين اللذين في جانبي الرقبة.
إذاً: السنة في الإبل النحر وهي قائمة واقفة صواف كما ذكر الله ، ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج:٣٦] بمعنى: وهي قائمة على ثلاثة قوائم معقولة اليد اليسرى، فإذا أراد نحر الجمل يثني يده اليسرى ويربطها، فيقف على رجلين واليد اليمنى، فإذا طعنه لا يتحرك الجمل، ويسقط على جنبه.
قال الله: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج:٣٦] اذكروا اسم الله يعني: تسمون الله سبحانه ﵎، أو تذكر اسمه فتقول: باسم الله أو تقول: الله أكبر، فتذكر الله وأنت تنحر الجمل، وكذلك وأنت تذبح البقر.
وفي صحيح مسلم أن ابن عمر أتى على رجل وهو ينحر بدنته باركة يعني: معه ناقة ينحرها وهي باركة فقال: (ابعثها قياماً مقيدة سنة نبيكم ﷺ وكان ابن عمر يفعل ذلك ﵁، فعندما كان في شبابه وقوته كان يأخذ الحربة بيده فينحرها في لبتها، فلما أسن عبد الله بن عمر كان يصعب عليه ذلك، بسبب أنه ضعف لكبر سنه، فكان ينيخ الجمل وينحره وهو قاعد.
والنحر أو الذبح للأضحية أو الهدي لا يكون إلا بعد طلوع الشمس من يوم العيد، ولا يجوز قبل طلوع الشمس بإجماع العلماء في الأضحية.
والأضحية لا تكون إلا بعد صلاة العيد.
قال الله سبحانه: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج:٣٦] أي: إذا سقطت على الأرض تأكل منها، قال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج:٣٦] (فكلوا منها) هذا أمر من الله ، وحمله جماهير العلماء على الاستحباب، فيستحب أن تأكل منها، وأن تطعم منها.
والقانع: هو الذي قنع بالسؤال، يعني: يمد يده ويسأل، والمعتر: هو الذي يعتريك ويمر بك لتراه فتعطيه على وجه الهدية، ومن هنا أخذ العلماء أنك تطعم البائس الفقير ثلثاً، وتهدي للذي لا يسأل ثلثاً، وثلث تأكل أنت منه، فتقسمها أثلاثاً، وما هو شرط أن تكون أثلاثاً متساوية.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 280
تفسير سورة الحج [٣٦ - ٣٨]
من نعم الله أن شرع للمسلمين شعيرة ذبح الهدي والأضاحي، ليذكروا اسم الله عليها، ويأكلوا منها ويطعموا الفقراء ويشكروا الله، والله لا يقبل منها إلا ما كان خالصاً له، فإنه لا يتقبل إلا من المؤمنين المتقين، فهؤلاء لهم البشرى في الدنيا والآخرة، والله يتولاهم ويحفظهم ويدافع عنهم في الدنيا والآخرة.
стр. 281
تفسير قوله تعالى: (والبدن جعلناها لكم من شعائر الله)
الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الحج: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ [الحج:٣٦ - ٣٨].
في هذه الآيات من سورة الحج يخبرنا الله سبحانه ﵎ عن نعمة من نعمه سبحانه ﵎ على عباده، وهي البدن، فقال: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ [الحج:٣٦]، والبدن هي الإبل، وتطلق أيضاً على البقر، فجعل الله بهيمة الأنعام نعماً لعباده يأكلون منها، ويركبون منها، ويستخدمون أشعارها وأوبارها وأصوافها أثاثاً ومتاعاً إلى حين, وجعلها لهم من شعائر الحج فقال: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج:٣٦]، شعار جمع شعيرة، والشعيرة المعلم والمنسك، فهي من بعض شعائر الله، ومن المناسك العظيمة في أيام الحج.
قال: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ [الحج:٣٦] أي: لكم فيها منافع دنيوية، في بيعها وشرائها، والاستفادة من ألبانها ومن وبرها ومن نسلها، وكذلك ركوبها حتى تنحر في محلها.
﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج:٣٦]، هذا فيه بيان كيفية نحر الإبل، فإنها تنحر بأن تطعن في لبتها بسكين ونحوه وهي قائمة معقولة اليد اليسرى، يعني: يدها اليسرى مربوطة مثنية إلى ركبتها التي في يدها، بحيث تكون واقفة على ثلاث قوائم فقط، على اليد اليمنى والرجلين، أما اليد اليسرى فتكون مربوطة مرفوعة، فإذا طعنها في لبتها تسقط على الأرض، فهذه من شعائر الله سبحانه ﵎، ونحرها يكون على هذه الصفة.
والسنة في الإبل أن تنحر، والسنة في البقر والغنم أنها تذبح، ويجوز في البقر النحر.
((فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا)) يعني: سقطت على الأرض بعدما طعنت.
قال الله : ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج:٣٦] وفي الآية الأخرى قال: ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج:٢٨] فالبائس: الإنسان الذي في ضيق وفي شدة ونزلت به مصيبة من مصيبات الدهر، فأطعموا هذا الإنسان المحتاج، وأطمعوا الفقير، والقانع هو الذي قنع بالسؤال، والمعتر الذي لم يسأل، فكأنك تهدي لهذا المعتر، وتعطي الفقير السائل، وتأكل منها، فتقسم الأضحية أثلاثاً، ولا يشترط أن تكون الأثلاث متساوية، وإذا كان أكثرها في الصدقة هذا الأفضل.
стр. 282
تفسير قوله تعالى: (لن ينال الله لحومها ولا دماؤها)
قال الله : ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج:٣٧] كان أهل الجاهلية يطلون الكعبة بدماء البدن، ويظنون أنهم يتقربون إلى الله بذلك، والدم نجس، ولا يجوز للإنسان أن يلطخ الكعبة بمثل هذه النجاسات، فقال سبحانه ﵎: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا﴾ [الحج:٣٧]، قال ابن عباس: كان أهل الجاهلية يطلون البيت بدماء البدن، فأراد المسلمين أن يفعلوا ذلك فنزلت هذه الآية.
وقوله: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ﴾ أي: لن يصل إلى الله سبحانه، ولن يستفيد الله سبحانه ﵎ من ذلك شيئاً، والله الغني عن خلقه وعن عبادتهم، وهو مستغن عن العباد وعبادتهم، قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٨].
قال الله: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا﴾ [الحج:٣٧]، قال ابن عباس: أي: لن يصعد إليه، فلا اللحوم ستصعد إلى السماء، ولا الدماء ستصعد إليه، والذي يصل ويصعد إليه التقوى والعمل الصالح، فالله يتقبل عملك الصالح، ويكتب الله في كتاب ما عملت من ثواب، أما اللحم أو الدم فلا يرتفع إلى الله، وإنما يرفع ثوابك إلى الله، ويثيبك عليه الله بجنته وفضله.
والذي يصل ويرتفع إلى الله التقوى من العباد أي: ما أريد به وجه الله سبحانه ﵎، فذلك الذي يقبله، وذلك الذي يثيب عليه سبحانه ﵎، قال النبي ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات) يعني: إذا عملت العمل بغير نية فلن يقبله الله سبحانه، وإذا عملت العمل بنية صالحة خالصاً لرب العالمين قبله ورفعه إليه سبحانه، ونماه وزاده لك.
قوله: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا﴾ [الحج:٣٧] هذه قراءة الجمهور: ((لَنْ يَنَالَ اللَّهَ)) [الحج:٣٧]، وقراءة يعقوب: (لن تنال الله لحومها ولا دماؤها ولكن تناله التقوى منكم) فأنث الفعل باعتبار اللحوم.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ﴾ [الحج:٣٧] أي: من الله عليكم بأن سخر لكم بهيمة الأنعام، والله عظيم سبحانه ﵎، والإنسان أضعف بكثير من البقرة التي يذبحها، ومن الجمل الذي ينحره، ومع ذلك سخر الله هذا الجمل ينقاد لناحره، يأخذ بلجامه، ويسوقه ثم يطعنه، فالله الذي سخر ذلك، ولو شاء ما استطعت أن تغلبه، وقد يهجم الذئب على الإنسان وهو أضعف من الجمل ولا يقدر عليه الإنسان، ويخاف منه، ويفر منه، وكذلك يخاف من النمر والفهد والأسد، ولا يقدر على مواجهتها، فلو شاء الله لسلط الجمل عليه كما سلط عليه هؤلاء، ولكن الله سخر وذلل الجمل، فاعلم أن الله من فضله ومن رحمته سخر لك بهيمة الأنعام، ولو شاء لصعبها عليك ولما جعلها منقادة ميسرة مذللة لك.
قال الله: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ﴾ [الحج:٣٧] أي: هذا التسخير العظيم لتتأملوا في تدبير الله للكون، وأن التدبير إلى الله وليس إليكم، وتدبيره بحسب ما يريده الله العزيز القدير سبحانه.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [الحج:٣٧]، فمن السنة عند أن تذبح أو تنحر أن تكبر الله سبحانه ﵎، فسخر لكم هذه الأنعام لتذبحوها وتنحروها مكبرين الله، مسمين اسم الله عليها، قال: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج:٣٦] يعني التسمية، وقال هنا: ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [الحج:٣٧]، فتجمع بين التسمية والتكبير، تقول: باسم الله، والله أكبر.
стр. 283
معنى قوله تعالى: (لتكبروا الله على ما هداكم)
قال الله سبحانه ﵎: ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [الحج:٣٧]، تكبر الله سبحانه ﵎ شاكراً إياه سبحانه على نعمه العظيمة، وأعظم النعم أن هداكم للإسلام، وأن هداكم ووفقكم لهذه الشعائر، وأن هداكم لذبح بهيمة الأنعام على اسم الله ولم تشركوا به غيره.
قال: ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [الحج:٣٧] الهدى فضل منه.
ثم قال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الحج:٣٧] فأنتم أحسنتم في ذلك، فالبشارة من الله سبحانه ﵎ لعباده الذين أحسنوا، فلهم الحسنى وزيادة، لهم جنة رب العالمين، ولهم زيادة النظر إلى وجهه سبحانه ﵎، فبشر المحسنين بالفضل العظيم منه سبحانه ﵎.
стр. 284
من أحكام التسمية عند الذبح
في الصحيح عن أنس قال: (ضحى رسول الله ﷺ بكبشين أملحين أقرنين) والكبش الأملح الذي لونه أبيض وفيه سواد.
وقوله: أقرنين، أي: فيهما قرون، قال: (ورأيته يذبحهما بيده صلوات الله وسلامه عليه، ورأيته وضعه قدمه على صفاحهما) يعني: وضع قدمه على صفحة العنق حتى يثبته على الأرض بحيث يتمكن من ذبحه، قال: (وسمى وكبر)، ففيه أن السنة في الذبح أن تسمي الله وتكبر.
قال بعض العلماء: التسمية واجبة، وأكثر العلماء أنها مستحبة، وقال بعضهم: لابد أن يسمي الله بهذا الاسم: باسم الله، وجمهور العلماء أنه لا تتعين التسمية بذلك، ويكفي أي اسم من أسماء الله الحسنى، مثل باسم الرحمن، أو يقول: الله أكبر فقط، لكن السنة أن يجمع بين اللفظين فيقول: باسم الله، والله أكبر.
ومن ترك التسمية عند الذبح متعمداً اختلف العلماء هل تؤكل ذبيحته أو لا تؤكل؟ فإن كان مسلماً ونسي التسمية فالراجح أن ذبحه صحيح، وتؤكل ذبيحته، لكن إذا تعمد ذلك فذهب البعض من العلماء إلى أنها لا تؤكل، وذهب البعض الآخر إلى أنه إذا تعمد ذلك متأولاً فتؤكل ذبيحته، وهذا قول الشافعي، وقال الإمام أحمد: لابد أن يسمي الله ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام:١٢١]، فنهى من الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه.
فالأحوط أنه لابد أن يسمي أو يذكر الله سبحانه ﵎، ولو بالتكبير فقط.
وهل يسمي ويصلي على النبي ﷺ ؟ كره العلماء الصلاة على النبي ﷺ عند الذبح، ولكن يذكر الله وحده فقط، فهذا محل طاعة لله ، فيسمي الله الذي أمره بذلك: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ [الحج:٣٦]، وما قال: اذكروا اسم أحد مع الله سبحانه ﵎، فالمستحب ذكر اسم الله وحده لا شريك له، فيقول: باسم الله والله أكبر، إظهاراً لشعيرة التكبير، وأيضاً لعلك ترى في نفسك قدرة وقوة عندما تذبح هذه الذبيحة، والإنسان قد يتعاظم في نفسه عندما قدر على هذه الذبيحة، فيذكر نفسه بأن الله أكبر سبحانه ﵎، فمهما استطعت على ذلك فالله أكبر منك، والله هو الذي مكنك من ذلك، ففي التسمية توحيد الله ، وفي التكبير تواضع من العبد لربه الذي سخر له ذلك.
وهل يقول الذابح: اللهم تقبل مني؟ بعض العلماء أجاز ذلك، والبعض كرهه، فكره ذلك الإمام أبو حنيفة، والجمهور على الجواز وهو الراجح؛ لأنه جاء في الصحيح من حديث السيدة عائشة ﵂ أن النبي ﷺ لما ذبح الكبشين قال: (باسم الله، اللهم تقبل من محمد وآل محمد، ومن أمة محمد)، ثم ضحى به صلوات الله وسلامه عليه، ففيه أنه دعا ربه أن يتقبل منه، وأيضاً إبراهيم وإسماعيل عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام لما رفعا قواعد البيت كانا يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة:١٢٧].
стр. 285
تفسير قوله تعالى: (إن الله يدافع عن الذين آمنوا)
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج:٣٨] بعد أن بشر المحسنين بالجنة، بشرهم في الدنيا بأنه معهم فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨]، وقال هنا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج:٣٨]، فالله معهم في الدنيا وفي الآخرة، والله يدفع عنهم، والله يدافع عنهم، وهنا قراءتان: ((إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ)) هذه قراءة الجمهور، وقراءة ابن كثير وأبي عمر ويعقوب: (إن الله يدفع عن الذين آمنوا)، فإذا جاء الكفار دافع الله عن المؤمنين، وإذا نزلت البلية وجاءت المصيبة دفع الله عن المؤمنين.
﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ [الحج:٣٨] إذا علمنا سبب النزول عرفنا ما هي العلاقة بين أول الآية وآخرها، قالوا: نزلت بسبب المؤمنين لما كثروا بمكة وآذاهم الكفار، وهاجر من هاجر إلى أرض الحبشة، فأراد بعض المؤمنين في مكة أن يقتل من أمكنه من الكفار ويهرب بعد ذلك، وأراد بعضهم أن يغتال بعضهم أو يغدر بهم في أموالهم، ويحتال عليهم، فنزلت هذه الآية تحذر المؤمنين، وقد ذكرنا أن هذه السورة العظيمة سورة الحج مكية ومدنية، فيها آيات مكية، وفيها آيات مدنية، وهي من السور التي جمعت بين القرآن المكي والقرآن المدني، وهذه الآية يطمئن الله المؤمنين بأنه يدافع عنهم، فلا تفعلوا ذلك: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ﴾ [الحج:٣٨] كثير الخيانة، ﴿كَفُورٍ﴾ [الحج:٣٨] يكفر بالله سبحانه ﵎، ويجحد نعم الله سبحانه ﵎، وقال النبي ﷺ : (ينصب للغادر لواء عند استه بقدر غدرته يقال: هذه غدرة فلان) يعني: يوم القيامة يفضح الإنسان الغدار، فإذا كان المؤمنون في أمان مع الكفار فلا يجوز أن يغدروا بهم فيأخذوا أموالهم، أو يقتلوهم غيلة وغدراً وخيانة، وإنما القتال يكون في الجهاد في سبيل الله سبحانه ﵎، ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال:٥٨] حتى يعلموا أنه سيقاتلهم ثم يحدث القتال بين المؤمنين وبين الكفار، أما الغدر والخيانة فالله نهى عنها، والنبي ﷺ الصادق الأمين صلوات الله وسلامه عليه كان في مكة يؤذى ﵊، ويفعل المشركون أفضع أنواع الأذى فيه وفي أصحابه ﷺ ، ومع ذلك كانوا يأتمنونه على أموالهم، فكان عنده ودائع لهؤلاء الكفار في بيته صلوات الله وسلامه عليه، فلما أراد أن يهاجر صلوات الله وسلامه عليه لم يأخذ هذه الودائع والأمانات ويذهب بها ويقول: أخذنا منهم بما فعلوه، مع أنهم جهزوا لقتله ﷺ أربعين رجلاً، وجلعوا من كل قبيلة رجلاً معه سيف ليقتلوا النبي ﷺ بضربة رجل واحد، فالنبي ﷺ أوصى بالأمانات لـ أم أيمن ولـ علي بن أبي طالب؛ حتى تعاد الأمانات إلى أهلها، وخرج مهاجراً إلى المدينة صلوات الله وسلامه عليه ولم يأخذ شيئاً من أموالهم وهم عازمون على قتله ﷺ ! قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ [الحج:٣٨]، وقال النبي ﷺ : (أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك).
نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
следующие страницы →