← Тафсир

Тафсир · id 37037

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (3 717 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

تفسير قوله تعالى: (وجاهدوا في الله حق جهاده) قال تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج:٧٨]، أمر الله العباد أن يجاهدوا في الله حق الجهاد، وحق الجهاد أن يكون الجهاد كله لله ؛ وليس للنفس فيه حظ. فقد سأل رجل النبي ﷺ : (أرأيت أحدنا يقاتل حمية، ويقاتل شجاعة، أي ذلك في سبيل الله؟ قال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله). فالذي يجاهد ليعلي شرع الله سبحانه وليرفع كلمة الله هو الذي يجاهد في سبيل الله سبحانه. ومن أعظم الجهاد أن يجاهد الإنسان نفسه في الله، وأن يجاهد أعداء دينه من الكفار ومن المنافقين. وكذلك أن يجاهد في الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ولذلك جاء في حديث فضالة بن عبيد ﵁ مرفوعاً: (ألا أخبركم بالمؤمن؟ من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم) وإن كان الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر والقدر خيره وشره، ولكن لا يتم الإيمان إلاَّ أن يعمل أعمالاً أخرى من أعظم هذه الأعمال: أن تكون أميناً مأموناً عند الناس في أموالهم وأنفسهم، فإذا كانوا معك فهم آمنون من شرك فلا تؤذيهم في أبدانهم ولا تخونهم ولا تخادعهم. فيعطيك المال وهو آمن أنك سترد إليه ذلك، وأنك لن تخونه ولن تخدعه ولن تضيع عليه ماله، وكذلك في النفوس. ومعلوم أن المسلم: من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وصام رمضان، وحج البيت إن استطاع إليه سبيلاً. وقد بين النبي ﷺ عملاً آخر من أعمال الإسلام التي يجب على المسلم فعلها فقال: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده). وعليه فالمسلم هو الذي حصل أركان الإسلام، وكان من صفاته: أن الناس يسلمون من لسانه ويده، فلا يقع فيهم بغيبة، ولا بنميمة، ولا يشهد عليهم زوراً، ولا يفعل بهم فجوراً وغير ذلك من آفات اللسان. ومن صفاته: أن يسلم الناس من يده فلا يؤذي بها أحداً إلا بحق الله ، فيغضب لله، وينتصر لله ، ليس المؤمن الذي يؤذي ويلعن أو يطعن في الناس. وقال في المجاهد: (من جاهد نفسه في طاعة الله) فقد يكون الإنسان يجاهد في سبيل الله في الظاهر، وفي الباطن أنه ما قاتل إلا لدنيا يصيبها، أو قاتل ليقال عنه: جريء وشجاع. ولذلك هنا ينبه النبي ﷺ أنك لكي تجاهد عدوك حق الجهاد لا بد أن تجاهد نفسك في البداية على طاعة الله سبحانه، وعلى القيام بأمره وعلى الإخلاص وعدم المعصية. ولا يتخيل أن إنساناً لا يجاهد نفسه سيجاهد أعداء الله سبحانه، بل ذلك دليل على أنه سيفر منهم. فإذا كان في نفسه لا يصبر على طاعة الله ولا يصلي ولا يصوم ولا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن منكر، ومن ثم يريد جهاد الكفار وهو لم يجاهد نفسه، فإن ذلك لمن العجب! قال: (والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب) فالمهاجر من هاجر من مكة إلى المدينة، أو المهاجر الإنسان الذي يهجر دار الكفر ودار المعاصي إلى دار الإيمان ودار الطاعات، ولكن مع هجر الخطايا والذنوب، فالإنسان المؤمن يبتعد عن الخطايا وعن الذنوب، ويكون هاجراً لها ومخاصماً لها وبينه وبينها حواجز عظيمة؛ لأنه يطيع الله سبحانه. قال: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج:٧٨]، فحق الجهاد أن تجاهد في سبيل الله سبحانه وتجاهد نفسك فتلزمها بالطاعة وتنهها عن المعصية، وتجاهد الناس في الله فتأمرهم بالمعروف، وتنهاهم عن المنكر، وتجاهد المنافقين وتجاهد الكفار كما أمر الله في كتابه، فمن فعل ذلك كان المجاهد حق الجهاد. نسأل الله أن يجعلنا من أهل هذه الدرجة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 352

تفسير سورة الحج [٧٦ - ٧٨] يأمر الله تعالى عباده المتصفين بالإيمان أن يركعوا ويسجدوا ويقيموا صلاتهم ويعبدوا ربهم؛ لأن ذلك هو الطريق الموصل إلى الفلاح، كما يأمرهم بالجهاد في الله حق جهاده باجتناب المعاصي وفعل الطاعات، ومقارعة المشركين الصادين عن الدين، والمولى جل في علاه حين يأمر بهذا لا يريد أن يدخل المكلفين في الحرج والمشقة، إنما هو ابتلاء بأمور يستطيعونها، ومن قام بذلك من هذه الأمة فهو المسلم المستحق أن يشهد على الأمم السابقة بتبليغ رسلهم إياهم الدين، فعليهم بالاعتصام بالله فهو نعم المولى ونعم النصير.

стр. 353

تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمُ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج:٧٧]. في قوله تعالى في آخر الآية السابقة: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجُعُ الأُمُورُ﴾ [الحج:٧٦]، قراءتان: قراءة ابن عامر، ويعقوب، وحمزة، والكسائي وخلف: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تَرْجِعُ الأُمُورُ﴾ [الحج:٧٦] بالمبنى للمعلوم، وقراءة غيرهم: ((تُرجَع)) بالمبني للمجهول، والمعنى: أن الأمور مرجعها إلى الله ، فكل أمر يفعله الإنسان مرجع ذلك إلى الله ، يجازي العبد على خيره بالخير والإحسان، وعلى شره بالعقوبة في النار أو يعفو عمن يشاء. ثم أمر عباده بالركوع والسجود قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمُ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج:٧٧]. (اركعوا واسجدوا)، إشارة إلى الصلاة، إذ إن ذلك من أفعالها، وأيضاً هذه آية من آيات السجدة في كتاب الله العزيز. وهنا خصص الله وعمم، خصص الصلاة وهي من أهم العبادات، فبها تتعبد لربك سبحانه، وتصلح ما بينك وبينه، وتدعوه كل يوم، ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦]، سبع عشرة مرة في صلاة الفريضة وغير ما تدعوه في صلاة النافلة في قراءتك لفاتحة الكتاب. وقد قسم الله الصلاة بينه وبين عبده فقال الله في الحديث القدسي: (إذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، قال الله سبحانه: حمدني عبدي. وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣]، قال: أثنى علي عبدي. وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤]، قال: مجدني عبدي. وإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل). قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [الحج:٧٧] أي: بكافة أنواع العبادة، ثم قال: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج:٧٧] أي: لتتقربوا به إلى الله سواءً كان الخير فرائض أو نوافل.

стр. 354

تفسير قوله تعالى: (وجاهدوا في الله حق جهاده) قال الله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج:٧٨]، تجاهد نفسك في الله بأن تطيعه في كل ما أمرك به، وتنتهي عما نهاك الله عنه. وتجاهد أعداء دين الله سبحانه: من الكفار، والمنافقين. فالجهاد أنواع: جهاد الكلمة، وجهاد القلب، وجهاد السيف والإيمان. فتجاهد نفسك، وتجاهد غيرك، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ما استطعت إلى ذلك سبيلاً. وتجاهد بالدفاع عن دين الله، وإظهار حجته على خلقه. قال: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ [الحج:٧٨]، فمثلما أن الله يختار من خلقه ما يشاء، ويجعل من الملائكة رسلاً ومن الناس، فقد اختار هذه الأمة. قال سبحانه: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ [الحج:٧٨] أي: اصطفاكم واختاركم، وفضل هذه الأمة على غيرها من الأمم.

стр. 355

معنى قوله تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) ثم قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، فالله رءوف رحيم، ما جعل علينا في الدين من حرج. والحرج: الضيق، ويأتي من المكان الذي لا يجد الإنسان لنفسه مخرجاً، ولذلك جاء عن ابن عباس ﵁ في هذه الآية أنه سأله عبيد بن عمير وجاء في ناس من قومه وقالوا: ما الحرج؟ فقال ابن عباس: أو لستم العرب؟ فسألوه ثلاث مرات وفي كل ذلك يقول: أو لستم العرب؟ ثم قال: ادعوا لي رجلاً من هذيل فقال: ما الحرج فيكم؟ فقال: الحرج من الشجر ما ليس له مخرج، يعني: الشجر الملتف إذا دخلت فيه لم تستطع الخروج منه. ومعنى الحرج هنا: أي لم يجعل الضيق في الدين. فلرأفة الله بالمؤمنين ورحمته جعل لهم في هذا الدين اليسر العظيم، وجعل لهم من قواعده أن الأمر إذا ضاق اتسع، فإذا وجدت الشدة رخص الله لعباده. وجاء عن النبي ﷺ قوله: (بعثت بالحنيفية السمحة)، والحنيفية ملة إبراهيم، ودين الإسلام الدين الحنيف، والمسلم حنيف مائل عن الأديان الباطلة إلى الصراط المستقيم، إلى الدين الحق الذي فيه السماحة وفيه اليسر. فالله كان يشدد على الأمم السابقة بعتوهم وطغيانهم، ومعصيتهم له، وبعدهم عن طاعة رسل الله عليهم الصلاة والسلام. ولكن هذه الأمة جعل فيها الحنيفية السمحة، فأعطاها من المسامحة، وأعطاها من اللين ما لم يعط أمة قبلها، فرفع عنها المؤاخذة فيما تبدي في أنفسها أو تخفيه، قال تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٤]، فضاق ذلك على المؤمنين جداً أن يحاسبوا على ما في أنفسهم وإن أخفوه! فقال الله سبحانه: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦]. فدعا المؤمنون ربهم بذلك، فقال: (قد فعلت) أي: لا أؤاخذكم إذا نسيتم، أو أخطأتم إلى آخر الآية. كذلك من فضله على هذه الأمة أنهم يتوبون وتوبتهم تجب ما قبلها، أما الأمم السابقة فقد شدد عليهم، فبنو إسرائيل لما عبدوا العجل من دون الله أمرهم نبيهم موسى ﵊ لكي يتوبوا إلى الله وتقبل توبتهم أن يقتلوا أنفسهم، فقام بعضهم إلى بعض بالسيوف فقتل بعضهم بعضاً حتى قتل منهم في وقت واحد سبعون ألفاً! ثم تقبل منهم، ولم يجعل توبتهم باللسان. ومن ذلك أيضاً: ما جاء عن النبي ﷺ في حجة الوداع (لما سأله رجل: إني حلقت قبل أن أنحر، قال: افعل ولا حرج)، وقال آخر: رميت قبل أن فعل كذا، افعل ولا حرج. فما سؤل يومئذ عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: افعل ولا حرج. وكان من فضل الله سبحانه أن أنعم على هذه الأمة برفع الحرج، قال لنا: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، فدين الإسلام أن تستسلم لرب العالمين، وتسلم نفسك إليه لتنتفع بذلك، أما الله فلا تنفعه عبادتك، ولكن خلقك إظهاراً لقوته وقدرته سبحانه؛ وليظهر أسماءه الحسنى وصفاته العلى بخلق مخلوقاته فيرحمهم ويتوب عليهم إذا تابوا، فقصد نفعهم تفضلاً منه . ومن رأفته بخلقه وفضله أن قدر العباد على ما كلفهم، ولم يكلفهم بما لا يقدرون عليه، فمثلاً أمر العباد بخمس صلوات في اليوم والليلة، والعبد يقدر أن يصلي أكثر من الصلوات الخمس، ولكن الله جعلها خمس صلوات فقط في الفريضة، وما شئت من نوافل. وفي الصيام أمرك بصوم رمضان وأنت تقدر أن تصوم رمضان وزيادة، ولكن لم يزد على ذلك إلا أن يكون كفارة أو نذر من العبد. فالله لو شاء لجعل السنة كلها صيام، ولجعل الفطر منها أياماً معدودة، ولكن من فضله ومن كرمه لم يكلف العباد إلا ما يطيقونه بل أقل مما يطيقون. وقد جعل ما كلفهم به أقساماً ثلاثة: قسم يتعلق بالعقائد، وثانٍ يتعلق بالأفعال، وثالث يتعلق بالمنهيات. ففي العقائد كلفوا أن يؤمنوا بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقضاء والقدر، وينبني على هذا الإيمان أن يعمل رجاء جنة الله ، وخوفاً من ناره. وجعل ما يفعله العباد أقساماً: قسم يتعلق بأبدانهم: كالصلاة والصوم. وقسم يتعلق بأموالهم: كالزكاة. وآخر يتعلق بالأموال والأبدان، مثل: الحج. وجعل التكاليف سهلة ميسرة على العباد، وجعل في هذه الأقسام رخصاً للعباد، فإذا سافر العبد جاز له الفطر وقصر الصلاة وجمع الصلاتين في وقت إحداهما. وجعل ما نهاهم عنه رحمة بهم، فلا ينهانا إلا عن الشيء الخبيث المؤذي الذي يضر الإنسان في حياته وبعد وفاته، ومن ذلك في الكف: قسم جعله الله سبحانه إحياءً لنفوس العباد، وإصلاحاً لأبدانهم: كنهيه عن القتل، وعن أكل الخبائث والسموم. وجعل قسماً آخر من المنهيات لئلا تؤذي غيرك بأن تتلف عليهم أموالهم، أو تتلف عليهم أعضاءهم، وجعل في ذلك العقوبة حتى يحيا الناس من غير أن يؤذي بعضهم بعضاً. وقسم لحفظ نسب الناس، ونسلهم وتعظيم المحارم: كالنهي عن الزنا وغير ذلك. فالمتأمل في الشريعة يجدها كلها رحمة في الأمر والنهي وليس فيها من حرج. كذلك لم يكلف الصغير قبل البلوغ وإن كان يعقل، ومن رحمته في ذلك أن يكتب له الحسنات ولا يكتب عليه الأوزار، فلا يبلغ إلا وله رصيد من الحسنات. ومن رحمة الله بعباده أن خفف عليهم، ونهى عن التشديد في الدين، وهذا الصحابي عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ لما أحب أن يصوم الدهر كله، ويقوم الليل كله نهاه النبي صلوات الله وسلامه عليه وقال: (إن لزوجك عليك حقاً، ولزورك عليك حقاً، ولجسدك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه). والله رفع عنا الحرج في الخطأ وفي النسيان، وما استكرهنا عليه. فعلى المسلم أن ينظر في نصوص الشريعة ليعلم ما جاء فيها من ترخيص فيأخذ به، ولا يعمل بالتشهي والهوى.

стр. 356

معنى قوله تعالى: (ملة أبيكم إبراهيم) قال سبحانه: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج:٧٨] يعني: دين الإسلام هو ما كان عليه إبراهيم ﵊، وكأنه يقول على وجه الإغراء: الزموا ملة أبيكم إبراهيم وكونوا على ما كان عليه من الدين الحنيف. ثم قال: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج:٧٨]، هنا كأن قوله سبحانه: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج:٧٨]، جملة معترضة وكأن الأصل قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج:٧٨]، فالله سبحانه بفضله وبكرمه شرف هذه الأمة بأن سماهم أمة الإسلام. فكان إبراهيم ﵊ على الإسلام وكذلك هذه الأمة. أما غيرها من الأمم فقد سميت بعضها باليهودية، والأخرى بالنصرانية وهكذا، أما هذه الأمة فقد اختار الله لها هذا الاسم الذي دعا إليه الأنبياء عليهم الصلاة والسلامة أقوامهم فقال أحدهم: ﴿وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٩٠]، وقال: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٧٢]. قال تعالى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج:٧٨] يعني: أن الله سماكم المسلمين، وشرفكم بذلك، وجاء عن النبي ﷺ في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره قال: (فادعوا بدعوى الله الذي سماكم: المسلمين المؤمنين عباد الله). وأعظم وأجمل تسمية للإنسان أن يسمى مسلماً ولا يتسمى بأي شيء آخر، لأن الله هو الذي اختار هذا الاسم لهذه الأمة. قال: (وفي هذا)، يعني: وفي حكمه أن من اتبع ملة محمد ﷺ فهو من المسلمين.

стр. 357

معنى قوله تعالى: (ليكون الرسول شهيداً عليكم) قال الله تعالى: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ﴾ [الحج:٧٨] فجعل الرسول ﷺ شاهداً على هذه الأمة، وجعل هذه الأمة شهيدة على الأمم السابقة، فقال: ﴿وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الحج:٧٨] أي: بتبليغ شرع الله ، فيؤتى يوم القيامة بالأنبياء من قبلنا فيسألون: هل بلغتم؟ فيقولون: نعم. فيؤتى بأممهم فيقال: هل بلغكم هؤلاء الرسل؟ فيقولون: لا، لم يبلغوا! فنشهد على هذه الأمم، ويشهد علينا النبي صلوات الله وسلامه عليه. فأقام الله هذه الأمة مقام نبيها ﷺ في الشهادة، فجعلهم شهوداً على الأمم السابقة، وعلى تبليغ رسلهم، ونحن لم نحضرهم، ولكن نشهد بما جاء في القرآن، ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [الأعراف:٧٣]، ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [هود:٢٥]، ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [هود:٥٠]، فالذي ذكر الله في القرآن نشهد به يوم القيامة. فجعل لهذه الأمة فضلاً عظيماً، وتشريفاً لهم أن يشهدوا على الأمم السابقة.

стр. 358

معنى قوله تعالى: (فأقيموا الصلاة) قال الله سبحانه: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ﴾ [الحج:٧٨] أي: أقيموا الصلاة كما أمركم الله ، وكما بين لكم النبي ﷺ . قال تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [الحج:٧٨] أي: أخرجوا زكاة أموالكم على ما فصل لكم ربكم في الكتاب، وبين النبي ﷺ في السنة. قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ﴾ [الحج:٧٨] أي: الجئوا إلى ربكم، واستمسكوا بدين الله سبحانه، ففيه العصمة، وفيه النجاة. ثم قال: ﴿هُوَ مَوْلاكُمْ﴾ [الحج:٧٨] أي: هو ربكم وخالقكم، وناصركم . قال: ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج:٧٨]، فمهما تولى الإنسان أحداً غير الله لا يقدر أن ينصره، ولا يقدر أن ينفعه أو يضره إلا أن يشاء الله، ولكن الله وحده هو النافع الضار، وهو المنعم المتفضل على عباده، فهو نعم المولى ونعيم النصير. نسأل الله أن يعيننا على شكره وذكره، وحسن عبادته. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 359

تفسير سورة المؤمنون [ ١ - ٦] إن الإيمان بالله هو مناط النصر والفوز والفلاح دنيا وأخرى، وقد جعل الله علامات وأمارات لأهل الإيمان، من اتصف بها كان في سلك المؤمنين الناجين، ومن حاد عنها يخشى عليه أن يحشر في زمرة الفاسقين الظالمين، وصدر سورة المؤمنون من أوضح مواطن الكتاب العزيز في إظهار صفات أهل الإيمان، وتحديدها، فعلى المؤمن أن يتحلى بها حتى يكون منهم بإذن الله تعالى.

стр. 360

المناسبة بين آخر سورة الحج وأول سورة المؤمنون أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة المؤمنون: بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ١١]. والمناسبة بين آخر سورة الحج وبين بداية هذه السورة العظيمة: أنه في آخر سورة الحج يقول الله : ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج:٧٨]، فكأنه قال بعد ذلك: فإذا فعلتم ذلك فأنتم المفلحون، ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١]، فهنا نجد جمال القرآن في الترتيب والنزول، فما نزلت سورة الحج ووراءها سورة المؤمنون إلا لحكمة ولترتيب بلاغي جميل، وهذا الذي بينه النبي ﷺ عندما كان يعرض القرآن على جبريل، فقد كان يعرض عليه القرآن في كل سنة مرتباً بحسب ما نزل عليه، إلا في آخر سنة من حياته ﷺ فقد عرض على جبريل القرآن مرتين. وبهذا الترتيب الإلهي فإنك ستجد مناسبات بين خواتيم السورة وبين أول السورة التي تليها، وهنا مناسبة عظيمة وجميلة، فلما ذكر الله في آخر سورة الحج أنه سمى المسلمين بهذا الاسم، والمسلم من أسلم نفسه لله، والنبي ﷺ يقول لنا كما في صحيح مسلم: (قد أفلح من أسلم، ورزقه الله كفافاً، وقنعه الله بما آتاه)، أي: قد أفلح الإنسان الذي دخل في هذا الدين، فأسلم نفسه، وأسلم وجهه، وأسلم قلبه لله رب العالمين، يحكم فيه بما يشاء، ويفعل فيه ما يريد، ولا يعترض على الله، فإذا رزقه الكفاف -أي: على قدر الحاجة، لا زيادة ولا نقصان- ورزقه الله القناعة مع الرزق الذي ساقه إليه، فإنه يقنع. ولاحظ أن الفضل كله من الله ، فضل من الله سبحانه أن خلق الإنسان، وأن هداه للإسلام، وأن رزقه رزقاً حسناً سبحانه، وأن رزقه القناعة، فإذا قنع فقد جعله من المفلحين، فالفضل كله منه سبحانه، ولذلك صلى النبي ﷺ على جنازة فحفظوا من دعائه ﷺ للميت قوله: (اللهم أنت خلقتها، وأنت رزقتها، وأنت هديتها للإسلام، وأنت توفيتها، جئنا شفعاء فاغفر له)، فهذا الدعاء ذو الكلمات اليسيرة القليلة فيه إثبات هذه النعم لله سبحانه، فأعظم النعم على العباد الخلق، فهو خلقهم، والرزق، فهو رزقهم، ثم هداهم للإسلام، ثم توفاهم . والوفاة بعدها البعث والحساب، فهو سبحانه قد هداهم قبل ذلك، وسيهديهم بعد ذلك لطريق الجنة بفضله وكرمه سبحانه.

стр. 361

عدد آيات سورة المؤمنون وبيان أنها مكية هذه السورة الثالثة والعشرون من كتاب الله رب العالمين سبحانه ﵎، وهي سورة المؤمنون، وهي من السور المكية، حيث نزلت هذه السورة كلها في مكة، فقد أجمع علماء التفسير على أنها سورة مكية كلها، وعدد آيات هذه السورة مائة وثمان عشرة آية، حسب العد الكوفي والحمصي، ومائة وتسع عشرة آية عند الباقين، والخلاف في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [المؤمنون:٤٥]، فالذي يقول: أنها مائة وتسع عشرة آية يقف على قوله: (وَأَخَاهُ هَارُونَ)، على أنها رأس آية، والذي يقول: إنها مائة وثمان عشرة آية لا يعتبر هذه رأس آية، أي: أن الذي يقول: إنها مائة وتسع عشرة آية يعتبر الآية السابقة آيتين، فيصبح عدد الآيات مائة وتسع عشرة آية، والاختلاف هذا في عد آيات القرآن جائز، ومعناه: أن الآية الواحدة في بعض السور بعضهم يعتبرها آية واحدة، والبعض الآخر يعتبرها آيتين، وذلك باعتبار كيف وقف عليها النبي ﷺ ، فقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [المؤمنون:٤٥]، بعضهم جعلها آيتين، والبعض الآخر جعلها آية واحدة، لكن الآية هي هي، والكلام هو هو، إنما الخلاف في العد فقط. فسورة المؤمنون من السور المكية -كما ذكرنا- وهي تتميز بخصائص السور المكية، حيث إن السور المكية تدعو الخلق إلى الله ، فتهتم بأمر العقيدة، واليوم الآخر، وتذكر الأنبياء السابقين عليهم الصلاة والسلام، وتسرد بعضاً من سيرهم وقصصهم، وتذكر الجنة والنار، والآداب، والأخلاق الحسنة، والتربية، وكل هذا سنجده في هذه السورة العظيمة من أولها إلى آخرها.

стр. 362

تفسير قوله تعالى: (قد أفلح المؤمنون) بدأها الله هذه السورة بقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١]، والفلاح بمعنى: النجاح الدائم، والفلاح يكون يوم القيامة بأن يدخل الإنسان جنة رب العالمين، فإذا حصل له هذا فقد فاز الفوز العظيم الذي لا خسران بعده، وهنا ﴿أَفْلَحَ﴾، بمعنى: نجح النجاح العظيم الذي لا يخسر بعده أبداً. ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾، و (قد) هنا للتحقيق والتأكيد، فهؤلاء مفلحون لا شك في ذلك، ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾، هؤلاء المؤمنون هم الذين جمعوا هذه الصفات العظيمة التي ذكرها سبحانه في العشر الآيات الأول من هذه السورة. وستجد هذه الصفات متوافقة مع ما ذكر الله من الصفات في سورة مكية أخرى، وهي سورة المعارج، فالصفات التي هنا أكدها هناك وزاد عليها شيئاً، فهنا قال عن جزاء من عمل بهذه الأوصاف: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠ - ١١]، وهنالك قال عنهم: ﴿أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ [المعارج:٣٥]، فهؤلاء هم الذين فازوا فدخلوا الجنة وأكرمهم الله بها، فينبغي على كل مؤمن أن يحاول أن يكون مع هؤلاء الذين أفلحوا والذين يكرمهم الله يوم القيامة ويقربهم إليه، والصفات هذه صفات عظيمة، لكنها سهلة التحصيل على من يسر الله لهم ذلك. ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ورد هنا الفلاح في حديث عن النبي ﷺ أنه قال: (قد أفلح من هدي)، يعني: إلى هذا الدين، إلى هذا الإسلام، (قد أفلح من أسلم، ورزق كفافاً، وقنعه الله بما آتاه)، (أسلم) أي: أتى بخصال الإسلام، ودخل في هذا الدين، وسلم نفسه لله رب العالمين. ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١]، أي: الذين آمنوا بالله وصدقوا المرسلين، وآمنوا بملائكة الله وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر، آمنوا بالله سبحانه فكانوا جنوداً لهذا الدين العظيم، يدعون إلى ربهم، فهم جاهدوا في الله حق جهاده كما ذكر الله في آخر سورة الحج، وهنا ذكر أن من جهادهم هذا أنهم خشعوا في صلاتهم، وقد قلنا: إن من أعظم الجهاد جهاد النفس، ولا تستطيع أن تجاهد أعداء الدين وأنت لم تجاهد نفسك، فالإنسان إذا جاهد نفسه وقهرها على الحق الذي يريده الله كان معاناً من الله سبحانه، وكان موفقاً من الله، فهو بعد ذلك يستطيع أن يجاهد أعداء الله بالسيف والسنان، بالحجة واللسان، أي: بالحجة والبيان، يجاهدهم جهاد القلب، وجهاد اللسان، وجهاد الجوارح والأركان، فهذا هو الذي تربى على هذا الدين، وجاهد نفسه وهواه.

стр. 363

تفسير قوله تعالى: (الذين هم في صلاتهم خاشعون) قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:٢]؛ لأن الصلاة هي من أعظم الأركان في هذا الدين بعد التوحيد، فإن فيها عبادة الله ، وفيها توحيد الله، وفيها الدعاء، وفيها إظهار الخشوع والذل والمسكنة والإخبات بين يدي الله رب العالمين.

стр. 364

معنى الخشوع والحث عليه فهذا الفلاح الذي ذكره الله في الآية الأولى يحصل بأن يكون الإنسان خاشعاً في صلاته: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ٢]، وكلمة (خشع) معناها: رمى ببصره نحو الأرض، وغض بصره، أي: وقف وقفة الإنسان الذليل بين يدي الله ، فلم يرفع بصره إلى السماء لينظر إليها، وقد حذرنا النبي ﷺ من ذلك، كما جاء في الحديث: (لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم إلى السماء، أو لتخطفن أبصارهم)، يعني: احذر أن ترفع بصرك إلى السماء وأنت في صلاتك، وإلا فإن الله سوف يخطف بصرك ويعميك. فاحذر من رفع البصر إلى السماء وأنت تصلي أو تقرأ القرآن، أو وأنت تقنت وتدعو ربك، بل لابد أن يكون بصرك إلى الأرض. وقد قيل: إن الصحابة ﵁ الله عنهم كانوا يصلون ويرفعون أبصارهم إلى السماء، فنزلت هذه الآية: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ٢]، فرموا بأبصارهم إلى الأرض، فهذا أصل الخشوع، يقولون: خشع بصره، أي: انكسر بصره، أي: تواضع ولم يرفع بصره، ولكنه وضعه في الأرض. وقالوا: اختشع الإنسان، بمعنى: طأطأ رأسه وتواضع، فالمؤمن متواضع لله سبحانه، يطأطأ رأسه ويخفض بصره بين يدي الله سبحانه، وقيل: الخشوع قريب من الخضوع، إلا أن الخشوع يكون في البدن، وهو إقرار باستخذاء، والخشوع يكون في البدن والصوت والبصر، فالخشوع يكون في البدن، بأن يكون الشخص واقفاً فارداً نفسه في الصلاة، متواضعاً لربه ، ففرق بين أنه يصلب قامته ويقف مستقيماً في صلاته، وبين أنه فارد صدره في الصلاة، فالمؤمن يكون واقفاً في الصلاة وقفة المتواضع لرب العالمين سبحانه، ويكون الخشوع في الصوت بألا يرفع صوته ولا يصيح في الصلاة، ولكن إذا كانت الصلاة جهرية فصوته تظهر عليه السكينة، ويظهر فيه الخشوع، ومن سمعه يحسب أنه يخشى الله، وهذا من أفضل الناس صلاة، أي: الذي إذا سمعت تلاوته تحسب أنه يخشى الله ، وليس لكونه يحزن في الصلاة، أو يتغنى ويترنم ترنيمة حزينة، وإنما الصوت فيه دليل الخشوع، صوت فيه تواضع وفيه خشوع لله رب العالمين، فليس المقصود النغمة فقط. فالخشوع قريب من معنى الخضوع، فيه يطأطئ رأسه ويتواضع، ويخفض صوته وبصره، فالخشوع يكون في البدن والصوت والبصر، قال الله : ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾ [القلم:٤٣]، وقال سبحانه: ﴿وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه:١٠٨]. والخشوع أيضاً يأتي بمعنى الخضوع، والتخشع: تكلف الخشوع لله والإخبات والتذلل، وأيضاً يأتي بمعنى: السهولة، وبمعنى: اليبس، قالوا: أرض خاشعة، أي: أنها تثيرها الرياح لسهولتها فتمحو آثارها، ومنه قوله سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ [فصلت:٣٩]، أي: متغبرة، متهشمة، يابسة، لا حياة فيها، ثم ينزل عليها الماء فيحييها الله . فعلى المؤمن أن يكون خاشعاً في صلاته، روى الترمذي عن أبي الدرداء ﵁ قال: (كنا مع رسول الله ﷺ فشخص ببصره إلى السماء، ثم قال: هذا أوان يختلس العلم من الناس)، فهنا النبي ﷺ يذكر أصحابه فرفع بصره إلى السماء، ثم قال لهم: (هذا أوان)، أي: حال سيأتي، مع أنهم ما زالوا مع النبي ﷺ ، وما زال العلم يأتيه من السماء، ولكن كأنه قرب رحيله صلوات الله وسلامه عليه، فيبتدئ الأمر يقل بعد ذلك قرن وراء قرن إلى أن يضيع من الناس أمر دينهم، وجاء في الحديث الآخر: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور العلماء، وإنما يقبضه بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رءوساً جهالاً، فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا). وفي هذا الحديث يقول ﷺ : (هذا أوان يختلس العلم من الناس حتى لا يقدروا منه على شيء)، فقال رجل من الأنصار كان على فقه وعلم، واسمه زياد بن لبيد الأنصاري: (كيف يختلس منا وقد قرأنا القرآن، فوالله لنقرأنه ولنقرأنه نساءنا وأبناءنا!)، يقول للنبي ﷺ : كيف يضيع منا هذا العلم ونحن قد حفظنا القرآن، وسنحفظه أولادنا ونساءنا؟ فقال ﷺ : (ثكلتك أمك يا زياد! إن كنت لأعدك من فقهاء أهل المدينة)، المعنى: أنه طالما أن الأمر أمر كوني قدري، وأن الله قدر ذلك، فليس من الممكن إلغاء ما قاله الله سبحانه، مهما حفظ الإنسان ومهما عمل. فهنا الرجل حباً في القرآن وحباً في الدين، وإظهاراً للمسارعة في طاعة النبي ﷺ قال: سنحفظ القرآن، وسنحفظه أولادنا ونساءنا، ولكن النبي ﷺ رد عليه بالشيء الآخر: أن الله إذا قدر شيئاً فليس من الممكن أن يرفع ما قدره سبحانه، قال له ﷺ : (إن كنت لأعدك من فقهاء أهل المدينة، هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا تغني عنهم؟!)، يعني: حتى لو أنكم حفظتم القرآن، ولكن إذا ضيعتم الخشوع فماذا يغني عنكم؟! قال جبير -راوي الحديث-: (فلقيت عبادة بن الصامت، فقلت: ألا تسمع إلى ما يقول أخوك أبو الدرداء؟ فأخبرته بالذي قال أبو الدرداء، قال: صدق أبو الدرداء، إن شئت لأحدثنك بأول علم يرفع من الناس، الخشوع)، وكأن الخشوع ليس مجرد كلمة يقولها الإنسان، ولكنها علم يتعلم فيه كيف يخشع بدنه وصوته وبصره لله ، يقول ﵁: (أول ما يرفع من الناس علم الخشوع، يوشك أن تدخل مسجد جماعة فلا ترى فيه رجلاً خاشعاً)، أي: يرفع الخشوع فيقف الإنسان في الصلاة وهو يفكر بأمور الدنيا، والثاني يلعب بذقنه، والثالث ينظر شمالاً ويميناً، والرابع يترك الصلاة ويمشي وهكذا، فكل واحد منشغل في حاله بعيداً عن أمر الصلاة، وهذا الحديث رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب، وصححه الشيخ الألباني ﵀. قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ٢]، إذاً: هم في صلاتهم خاشعون، أي: في أثناء الصلاة، وفي سورة المعارج قال تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج:٢٣]، فهم يواظبون على صلاتهم وخاصة صلاة الجماعة، لا يؤخرون الصلاة عن وقتها، وهم كذلك خاشعون في صلاتهم، فهنالك قال: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج:٢٣]، وهنا قال: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:٢].

стр. 365

تفسير قوله تعالى: (والذين هم عن اللغو معرضون) ذكر الله صفة ثانية لهؤلاء المؤمنين، ففي المعارج قال: ﴿والذين هم عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المعارج:٣٤]، وهنا قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون:٣]، هذه صفة ثانية من صفات المؤمن المفلح، وهي أنه معرض عن اللغو، سواء لغو الكلام أو لغو الأفعال، فكل ما ينبغي أن يلغى ويطرح فإن الإنسان المؤمن لا يشغل باله به، ولا يضيع وقته فيه، حتى ولو كان من الأشياء المباحة، فهم كما قال الله تعالى: ﴿عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾، وفي سورة الفرقان ذكر الله من صفات عباد الرحمن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان:٧٢]، أي: أكرموا أنفسهم ونزهوها عن أن يقعوا فيما لا ينبغي أن يقع فيه المؤمن، وفيما ينبغي أن يلغى ويطرح.

стр. 366

تفسير قوله تعالى: (والذين هم للزكاة فاعلون) قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ [المؤمنون:٤]، أي: من صفاتهم أنهم للزكاة فاعلون، ولاحظ قوله: (الذين هم)، فإنه أكد الوصف؛ لأنها ليست مرة واحدة، بل هذا الوصف غلب عليهم فأصبحوا مستمرين ومواظبين عليه، فـ (هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ)، فهو يعطي الزكاة، فإذا جاء العام الآخر أعطى الزكاة، وهكذا دائماً يعطي الزكاة، فيؤدون زكاة أموالهم، زكاة فطرهم، زكاة بهيمة أنعامهم، زكاة زروعهم وثمارهم، زكاة ما يخرجه الله لهم وما يؤتيهم من رزق في التجارة ونحوها، فهم يؤدون الزكاة بجميع أنواعها.

стр. 367

تفسير قوله تعالى: (والذين هم لفروجهم حافظون فإنهم غير ملومين) قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون:٥ - ٦]، وهذا وصف آخر من أوصافهم: أنهم (لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ)، فلا يقعون في شيء حرمه الله من زنا، أو لواط، أو مسافحة، أو معاشرة محرمة حرمها الله ، من نكاح إماء أو كتابيات مما حرم الله ومنعه، ولا يقعون فيما حرمه الله من عادة سرية ونحوها، فهم ﴿لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون:٥]، أي: يحفظ فرجه إلا على ما أحله الله له، وقد أحل الله الزوجة وملك اليمين: الزوجة بعقد النكاح، وملك اليمين بعقد الشراء أو بالهبة، فهذا الذي أحله الله ، فهم يحرصون على أن يأخذوا الحلال ويجتنبوا ما حرم الله . أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 368

تفسير سورة المؤمنون [١ - ١١] يخبر الله في هذه السورة أن أهل الفلاح الحقيقي هم المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وكتبه وملائكته واليوم الآخر، وأن من صفاتهم التي اتصفوا بها الخشوع في الصلاة، فهم يؤدونها بشروطها وأركانها ومستحباتها، ثم هم عن الكلام الذي لا قيمة له معرضون، وهم لأداء الزكاة التي افترضها الله عليهم فاعلون، وقد عبر بصيغ المبالغة كناية عن مبادرتهم إليها وفرحهم بإخراجها وإعطائها الفقراء، ثم ذكر عنهم أنهم متصفون بصفة العفة فهم محافظون على فروجهم إلا فيما أحل الله لهم، وهم مع ذلك يراعون عهودهم وأماناتهم فيوفون بها ويؤدونها إلى أصحابها.

стр. 369

صفات المؤمنين المذكورة في أول سورة المؤمنون الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة المؤمنون: بسم الله الرحمن الرحيم. ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ١١]. يخبرنا ربنا في هذه الآيات الإحدى عشرة من أول هذه السورة الكريمة سورة المؤمنون عن فلاح المؤمنين الذين من صفاتهم ما ذكر هنا: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) فقد حكم لهم بالفلاح ، وهو أعظم النجاح، وهو النجاح الذي لا خسران بعده، والفوز العظيم، والفوز المبين، وقد سماه الله بأسماء في كتابه تدل على دوام نجاح المؤمنين يوم القيامة، وعلى خلودهم في هذا الفوز العظيم، وأنهم سابقون إلى هذا الخير بفضل الله لا يحرمهم منه أبداً.

стр. 370

إقامة الصلاة فهم مؤمنون مصدقون بما جاء من عند رب العالمين سبحانه، فقد آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره. وأسلموا وشهدوا شهادة التوحيد، وأقاموا الصلاة كما أمر الله سبحانه، وآتوا الزكاة، وصاموا رمضان، وحجوا البيت، وفعلوا ما أمر الله من طاعات، فهم المؤمنون الصالحون، وقد زادوا على أركان الإسلام وأركان الإيمان صفات عظيمة موجودة فيهم، فهم في صلاتهم خاشعون، أقاموا الصلاة كما أمروا: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣]، ولكن زادوا صفة الخشوع فخشعت قلوبهم، وخشعت أبدانهم، وخشعت نواظرهم، فإذا بهم وهم في صلاتهم لا ينشغلون بغير الصلاة، فأذهانهم حاضرة، وقلوبهم حاضرة، لا يكثرون الحركة، ولا يختلس الشيطان منهم صلاتهم، فهم ينظرون إلى محل سجودهم كما كان النبي ﷺ يفعل، ويصلون وهم يستشعرون أنهم قريبون من ربهم سبحانه، فيدعونه ويتوسلون إليه سبحانه، يرجون فضله ويخافون عذابه فهم ﴿فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:٢].

стр. 371

الإعرض عن اللغو قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون:٣]. واللغو: هو ما ينبغي أن يلغى ويطرح من أقوال وأفعال لا قيمة لها، فهم لا يأبهون لها ولا ينظرون إليها، فالإنسان المؤمن يحافظ على نفسه، ويحافظ على وقته، ويحافظ على أفعاله، ويحافظ على كلماته، فلا يضيع وقته فيما لا ينفعه، أو فيما يأتي من ورائه الضرر، فالمؤمن حريص على وقته، يعلم أن عمره أيام محسوبة، وليال مكتوبة، فهو يخاف أن يضيع عمره في لهو ولعب؛ بل يريد أن ينتهز كل ساعة من ساعات عمره وكل لحظة من لحظات عمره فيما هو طاعة لله، حتى إذا جاء يوم القيامة وجد صحيفته ممتلئة بالأعمال الطيبة العظيمة. فالمؤمن دائماً يفكر كيف ينجو يوم القيامة؟ وكيف يطيع الله ؟ وكيف يحافظ على وقته في طاعة وفي خشوع وفي عبادة؟ فإذا دخل في الصلاة استشعر أنه يكسب من ورائها شيئاً عظيماً في الدنيا وفي الآخرة، فهو يكسب في الآخرة الأجر من الله، وصلة الله له، وجنة رب العالمين سبحانه، وأن يكون مع السابقين، وفي الدنيا يكسب أنها تزيده خلقاً حسناً، وأنها تجعله بالمؤمنين رءوفاً رحيماً، صلاته وأنها عن الفحشاء والمنكر، ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت:٤٥]، فيدخل إلى الصلاة ذاكراً لله سبحانه، ويخرج من الصلاة فلا يزال ذاكراً لله محباً لها حتى تأتي الصلاة التي تليها وهكذا، فهم في صلاتهم خاشعون، وهم عن اللغو معرضون، وهم للزكاة فاعلون.

стр. 372

إتيان الزكاة قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ [المؤمنون:٤] أي: يؤدون الزكاة التي أمر الله بأدائها، فلا يبخلون بها ولا يشحون على الفقير، ولا يمنون بأنهم أعطوه صدقة أموالهم، وإذا تصدقوا تصدقوا بأفضل ما عندهم، أو بأوسط ما عندهم، ولكن أبداً لا ينظرون إلى شيء رديء فيخرجونه لله ، وهم يعلمون أن ما يعطونه ويخرجونه فالله يخلف خيراً منه، ويعطي أضعافاً مضاعفة عليه، فهم للزكاة فاعلون، علموا أن الزكاة تزكي أموالهم، وتزكي ما في قلوبهم من إيمان، وتنمي ما عندهم من أموال، وأن الزكاة تطيب قلوب الفقراء وصدورهم، وتطيب أعمالهم، فهم يفرحون بأن يؤدوا الزكاة كما يفرح الإنسان الذي يأخذها، فهم يعطون وفي الحقيقة يأخذون، فهو أخرج زكاة ماله والله زاده أضعافاً مضاعفة في ماله، وأعطاه الثواب، وقد قال النبي ﷺ حين قالت له عائشة ﵂ وقد ذبحوا شاة وتصدقوا بها على الفقراء قالت: (لم يبق منها إلا الذراع، قال: بل بقيت كلها إلا الذراع). أي: إن الذي أخرجته هو الذي ادخرته عند الله فبقيت جميعها إلا الذراع الذي سنأكله فسينتهي. فالمؤمنون يؤتون الزكاة، و (فاعلون) هنا اسم فاعل، ومثله (خاشعون)، ومعرضون، من أعرض فهو معرض، واسم الفاعل هو الذي يليق بجميع الزمان في الماضي والحاضر والمستقبل، تقول: خشع في الماضي فهو خاشع، ويخشع الآن فهو خاشع، وسيخشع في المستقبل فهو خاشع، فصفة اسم الفاعل تدل على الدوام، فهم خاشعون دائماً في صلاتهم، فليس خشوعهم في صلاة أو صلاتين ثم ينتهي، بل هو مستمر في جميع صلواتهم. وهم دائماً يعرضون إذا دعاهم إنسان للهو ولغو الحديث، ولذلك ينزهون أنفسهم مثل عباد الرحمن الذين مدحهم الله بأنهم ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان:٧٢] أي: أكرموا أنفسهم عن أن يقعوا في هذا الباطل أو في هذا اللغو، حتى كأنهم إذا وقعوا فيه فقد أهانوا أنفسهم، فهم ينصرفون عن الكلام الباطل وعن الأفعال التي لا تليق بالمؤمنين. وهم يعطون زكاة أموالهم، ويفرحون بإعطاء الزكاة كفرح من يأخذ المال.

стр. 373

حفظ الفروج عن الحرام قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون:٥]، عبر باسم الفاعل هنا كناية عن أنهم يحفظون فروجهم دائماً في الماضي وفي الحاضر وفي المستقبل، إلا في أمرين: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون:٦]، الزوجة التي تزوجها بنكاح شرعي صحيح، ﴿أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون:٦] وملك اليمين الآن غير موجود، وهم الرقيق، فيشتري الرجل الأمة فيتسرى بها ويطؤها ويجوز له أن يبيعها، فإن أنجب ولداً من هذه الأمة فإنه يكون حراً، طالما أن الأمة ملك له، إلا إذا تزوجها، والأصل المنع من زواج الحر من الأمة؛ لأن ولده سوف يكون رقيقاً برق أمه، فمنع الله من الزواج من إماء أهل الكتاب ومن المشركات، فلا يجوز للمسلم أنه يتزوجها أصلاً لا في خوف عنت ولا في غير خوف عنت، وأما الأمة المؤمنة فيجوز له في حال العسر وخوف العنت أن يتزوج منها، لكن الأصل في النكاح أن يتزوج المؤمن من المرأة الحرة، ويجوز للمرأة أن تملك عبداً، ولا يجوز لها أن تتسرى به، إنما يجوز فقط للرجل أن يتسرى بأمته، أما العكس فلا يكون أبداً، فلا تباح فروج المؤمنين والمؤمنات بهذا الأمر، وهذا بإجماع العلماء، وملك اليمين هي التي تباع كما يباع الحيوان، فالمؤمن حافظ لفرجه إلا على زوجه، والمرأة كذلك إلا على زوجها، وهو غير ملوم في ذلك؛ لأنها شهوة تحافظ على زينة الإنسان، وعلى نسله، وعلى بقائه على الأرض الذي أراده الله . قال النبي ﷺ : (تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم)، وأمر النبي ﷺ بالنكاح فقال: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء). فالنكاح مأمور به، فقد أمر الله عباده فقال: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور:٣٢]، وذلك حتى يستمر بقاء الإنسان على وجه الأرض فيعمرها ويعبد ربه فيها. فالمؤمنون حافظون لفروجهم إلا فيما أباحه الله ، وأما غير ذلك فيحرم على الإنسان أن يقع في الزنا أو اللواط والعياذ بالله، أو في الاستمناء -العادة السرية- فالذي يباح له الزوجة فقط في زماننا، أما غير ذلك فلا يباح له. قال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون:٦] أي: إذا أتوا أزواجهم أو ملك يمينهم. قال تعالى: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾ [المؤمنون:٧] مما لم يبحه الله ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون:٧] أي: الذين تعدوا الحلال إلى الحرام، فهم المجاوزون للحد، فالله جعل حدوداً للحلال وللحرام، فقال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة:٢٢٩]، أي: أن للحلال حدوداً معلومة لا تتعدى، وهناك حدود للوطء عند النكاح، فلا تتعدى هذا النكاح إلى سفاح أو غيره مما حرم الله سبحانه، وذكر لنا حدوداً أخرى وهي من المحرمات فقال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة:١٨٧]. إذاً: فلا تتجاوز الحلال فتقع في الحرام، ولا تقترب من الحرام فإنه يخشى عليك أن تقع فيه. فالمؤمنون لا يبتغون وراء ما أمر الله به وأباحه، وإلا كانوا عادين واقعين فيما لا يحل لهم. قال العلماء: يسمى من نكح ما لا يحل له عادياً، وأوجب عليه الحد لعدوانه كالحد في الزنا برجم المحصن الثيب والمرأة المحصنة الثيبة، أما غير المحصن فيجلد مائة جلدة والمرأة التي لم تحصن مثله، واللائط إنسان عاد، حده الشرعي أن يرجم كما ذكر الفقهاء، ولهم تفاصيل في ذلك. فالمؤمن يقف عند ما أحل الله سبحانه ولا يتجاوزه إلى ما حرمه سبحانه. والمجاوزة تأتي تدريجياً، فلو أن الإنسان ترك نفسه وهواها وقع في النهاية فيما يشتهيه من حلال ومن حرام، ولكن الشريعة تقيد الإنسان، فتأمر المؤمن أن يغض بصره، وأن يحفظ فرجه، وتأمر المؤمنة كذلك: أن تغض بصرها، وأن تحفظ فرجها، قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور:٣١]، وقد قالوا: البصر بريد الزنا، فإذا ترك الإنسان بصره فإنه ينظر شيئاً فشيئاً حتى يقع في الحرام وقلبه يشتهي ويتمنى، وفرجه يصدق ذلك أو يكذبه، فلذلك لا تترك نظرك كما تشتهي فتنظر إلى ما تريد، ولتكن مقيداً بشرع رب العالمين ، فالعين نعمة من الله ، وقد تكون بسبب نظره إلى ما لا يحل لك نقمة عليك، فليحذر الإنسان المؤمن أن يضيع شرع الله بأن ينظر إلى ما لا يحل له. والذي ينظر للشيء الذي حرمه الله يقوم غالباً بترك واجبات أوجبها الله عليه، فتراه يمشي في الطريق وينظر إلى النساء، فإذا جاء وقت الصلاة -ولعله كان يصلي- فيقول لنفسه: لعله نزل مني لعله كذا، فيؤجل الصلاة، فإذا بالنظرة قد أورثت في هذا الإنسان نفاقاً بتركه للصلاة، ولعله يكون في رمضان فيمشي في الطريق وينظر إلى ما حرم الله ثم يذهب ويفطر، وقد صلى أحد الناس معنا المغرب فقال لي: أنا إنسان طيب إلا الصوم فلا أصوم أبداً، فقلت له: لماذا لا تصوم؟ فقال: أنا أشرب السجائر كثيراً وأحب أن أنظر إلى النساء! فعين هذا الإنسان جعلته يترك الصيام، مع أنه قد بلغ ثلاثين أو أربعين سنة، فالإنسان إذا وقع في الحرام أتاه الشيطان فقال له: لا تصم، فيفطر، ثم يقول له: لا تصل لأنك تعمل كذا، فيترك الصلاة والصيام، ولعله يترك ما فرض الله عليه كله، فيموت ولا ينفعه شيء. وقد سألني أحدهم: أن رجلاً مات والده ولم يصل قط، فهل نحج عنه أو لا؟ الجواب الله أعلم بحاله. بعض الناس من كبار السن كنا نقول لهم: لماذا لا تصلون؟ فيقولون: ماذا نستفيد من الصلاة إذا صلينا؟ سبحان الله! ومن يدري لعله كان يترك الصلاة وهو صغير ويقول: سأصلي إذا كبرت، فلما كبر قال: ماذا سأستفيد؟ ويظل على ذلك حتى يموت ولا حول ولا قوة إلا بالله، فالتارك للصلاة كأنه يائس من رحمة الله، ولذلك على المؤمن أن يعتبر بمثل هذه الأشياء، وكيف أن الله منَّ عليه بأن غض بصره وأرشده للصلاة، ومن عليه بأن جعله يصوم في رمضان وفي أوقات التطوع كما جاء في سنة النبي ﷺ ، فيحمد الله سبحانه ويفرح بنعمة الإسلام وكفى بها نعمة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا﴾ [الأعراف:٤٣]. فالمؤمن لا يلام على وطء امرأته إلا فيما حرم الله عليه، كأن يأتيها في وقت حيضها أو في وقت نفاسها، أو أن ينكحها في دبرها، فهذا كله حرام، قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون:٧].

стр. 374

حفظ الأمانات ومراعاة العهود ومن صفات المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون:٨]. فهم مؤدون للأمانة وراعون لها، أي: أنهم محافظون على الأمانة أقصى درجات المحافظة، وقد علمنا ديننا ذلك وكرر علينا هذا الأمر، قال في كتابه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المعارج:٣٢] أي: يرعى أمانته فيحافظ عليها أشد من محافظته على ماله؛ لأنها أمانة، وقد جاء في حديث النبي ﷺ وقد سأله رجل: (متى الساعة؟ قال: إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قال: وما تضييع الأمانة؟ قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله)، فمتى أصبح الناس ينظرون إلى من سيكون والياً عليهم، لا من جهة دينه، ولكن ينظرون إلى صفات ليست من الدين كقولهم عن بعض الناس: ما ألطفه! ما أقواه! ما أظرفه! فيجعلونه قدوة لهم لأجل ذلك، فلينتظروا الساعة. أما المؤمنون فيعرفون أمانة الله ، فإذا أرادوا من إنسان أن يكون كبيرهم نظروا إلى دينه وإلى تقواه وإلى حنكته وخبرته في هذا الأمر الذي سيجعلونه فيه، لكن إذا وسد الأمر إلى غير أهله بالمجاملات وبالأحساب ففي هذه الحالة انتظر الساعة. وقوله تعالى: ﴿لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون:٨] بالجمع وهذه قراءة الجمهور، وقراءة ابن كثير: (والذين هم لأمانتهم وعهده راعون). والأمانة من جنس الأمان، قال الله في كتابه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ﴾ [الأحزاب:٧٢]. والأمانة أمانة في التكليف، والتكاليف الشرعية عرضها الله على السموات وعلى الأرض وعلى الجبال فأبين أن يحملنها، لماذا؟ لأنهن عرفن أنهن سيكلفن بشيء بعده إما جنة وإما نار وما يدريهم أنهم سيدخلون الجنة وسينجون من النار؟! فعرضت على الإنسان فحملها الإنسان، ومن أوصاف الإنسان أنه متهور وأنه سريع القدوم إلى الشيء الذي قد يهلكه، ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢]، فحمل الإنسان هذه الأمانة، وأخذ على عاتقه أن يطيع الله ، فمنهم من أطاع الله ومنهم من عصاه . فالمؤمنون لأماناتهم وعهدهم راعون، أي: أنه إذا أعطى إنساناً يميناً أو عقداً أو عهداً على شيء فإنه يراعي عهده ولا يخون أبداً ولا يغدر ولا يضيع مواثيقه، بل هو مؤتمن على هذا كله، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون:٨]، وقال النبي ﷺ : (أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك). (أد الأمانة) أي: إذا ائتمنك إنسان على أمانة فأدها إليه كما أعطاها لك. ولو أنه خانك مرة من المرات في شيء فلا تخنه، ولا تقل: مثلما خانني أخونه، وكم من الناس يفعلون ذلك! فتجد كثيراً من الناس من متدينين وغيرهم سرعان ما يخون الأمانة ثم يقول: هو فعل بي كذا في يوم كذا، وينسى ما قاله النبي ﷺ ، وينسى أن النبي الأمين صلوات الله وسلامه عليه كان الكفار يؤذونه ويؤذون أصحابه، وكانت أمانات الكفار عنده في مكة ﷺ ، فلما أراد الهجرة أخذ يجهز أماناتهم لردها إليهم وهم يعدون لقتله، وأمر أم أيمن بأداء وإرجاع الأمانات إلى أهلها، فهو منشغل بأماناتهم وهم منشغلون بسفك دمه صلوات الله وسلامه عليه، وينجيه الله ويخرج من بين أظهرهم ويتوجه إلى المدينة مهاجراً صلوات الله وسلامه عليه، وقد أمن أن الأمانة سترد إلى أهلها عن طريق أم أيمن وعن طريق علي بن أبي طالب رضي الله ﵎ عنهما.

стр. 375

المحافظة على الصلوات قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون:٩] أي: يحافظون على الصلاة فلا يضيعون أوقاتها، ولا هيئاتها، ولا شروطها، وقراءة الجمع للجمهور، وقراءة الإفراد لـ حمزة والكسائي وخلف. : ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠]، أي: هؤلاء المؤمنون هم الذين سيرثون جنة رب العالمين سبحانه ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١١]. نسأل الله أن يجعلنا من أهلها. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 376

تفسير سورة المؤمنون [١٠ - ١٣] بعد أن ذكر الله سبحانه صفات المؤمنين في أول السورة ثنى بذكر ابتداء خلق الإنسان من سلالة من طين، وهو آدم ﵇، فقد خلقه الله من صلصال من حمأ مسنون، وذكر أنه خلق الإنسان بعد آدم من نطفة، وأن هذه النطفة تمر بمراحل، ثم تتحول إلى علقة، وتتحول العلقة إلى مضغة، وتتحول المضغة إلى عظام مكسو باللحم، ثم تنفخ فيه الروح عندما يمر عليه مائة وعشرون يوماً، فتبارك الله رب العالمين.

стр. 377

صفات المؤمنين الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. ما زلنا في سورة المؤمنون التي قدمنا شيئاً من تفسير أول آياتها قبل ذلك، وقد بدأها ربنا بقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١] ذكر النهاية والنتيجة التي يسعى إليه كل إنسان مؤمن وهي أن يكون من المفلحين، فبدأ بالأهم الذي يرجوه كل إنسان، والذي خلق الله الخلق من أجله وهو أن يفلحوا بطاعتهم وبعبادتهم لله سبحانه. قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ومن صفات هؤلاء المؤمنين ما ذكر الله هنا: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون:٢ - ٩]، هؤلاء هم المؤمنون الذين حكم الله لهم بالفلاح، ثم ذكر أن فلاحهم أنهم ينجحون عند الله ويفوزون الفوز العظيم الذي لا خسران بعده أبداً فقال: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠ - ١١] والفردوس: هي أعلى الجنة وأوسط الجنة وفوقها عرش الرحمن ، فهؤلاء الذين اجتمعت فيهم هذه الصفات هم أهل الفردوس الأعلى، وهم في عليين، وهم المقربون من رب العالمين، نسأل الله أن يجعلنا منهم. تفضل الله على المؤمنين بأن جعلهم يرثون الفردوس، وقد أمر النبي ﷺ المؤمنين إذا دعوا ربهم وسألوه أن يسألوه الفردوس الأعلى من الجنة فقال: (إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس الأعلى من الجنة؛ فإنه أعلى الجنة وأوسطها، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة)، فالإنسان المؤمن إذا سأل الله فليسأله أهم الأشياء وأعظم الأشياء، ويكون هذا هو شاغل الإنسان المؤمن عن الدنيا وعن فتنها وعن مصائبها، أنه يرجو في النهاية الفلاح والفوز العظيم، ويخاف من الخسران ويخاف من النار، فيسأل ربه ليل نهار أن يكون مع (النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا) في الفردوس الأعلى. وقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: (إن الله تعالى جعل لكل إنسان مسكناً في الجنة ومسكناً في النار) فأما المؤمنون فيأخذون منازلهم ويرثون منازل الكفار، ويرجع الكفار في منازلهم في النار، والإنسان المؤمن يريه الله منزلاً في النار، ويقول له: هذا منزلك لو عصيت الله، والإنسان المؤمن يفرح بأنه أطاع الله وأنه لم يدخل هذا المنزل، والإنسان الكافر يدخل في هذا المنزل والعياذ بالله، والإنسان المؤمن يريه الله منزله في الجنة ويقول له: هذا منزلك في الجنة وقد ورثناك منازل هؤلاء، لو أطاعوني لدخلوا هنا، ولكنهم لم يطيعوني وعصوني فدخلوا النار، وأنتم ورثتم هذه الجنة وأخذتموها بفضل الله وبرحمته سبحانه. وما منكم من أحد إلا وله منزل في الجنة وله منزل في النار، والله يتفضل على المؤمنين بأن يدخلهم الجنة ويورثهم جنات النعيم.

стр. 378

تفسير قوله تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين) لما بدأ الله بالشيء الهام الذي ينتظره الإنسان المؤمن، وهو أن يكون مفلحاً وبين صفات الفلاح، بدأ بعد ذلك يذكر لنا بدء خلق هذا الإنسان، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون:١٢] أي: أن الله هو الخالق للإنسان وغيره من المخلوقات، فهو خلقهم ليطيعوه وخلقهم ليعبدوه ، فالله خلق السماوات وخلق الأرضين، وخلق كل شيء، وما من شيء إلا يسبح بحمده، فليس محتاجاً لعبادة هذا الإنسان ولا لهؤلاء الجان، ولكن الله يبتلي الخلق بعضهم ببعض، لحكمة منه ، فملائكته أقوى من سائر خلقه ، وهم يعبدونه ليل نهار، وما من موضع في السماوات إلا وفيه ملك لله إما قائم أو راكع أو ساجد يعبد الله ويسبح الله، وهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. فهذا الإنسان المخلوق الضعيف الذي هذا أصله لا يحتاج الله لعبادته؛ بل خلقهم ليبتليهم، وهذا الإنسان خلقه ليكرمه إن أطاع ربه، وليحقق مقتضى صفاته أنه الرحيم والقدير والعليم والحكيم والخبير ، فيخلق المخلوقات ليحقق مقتضى هذه الصفات العلية له ، فلا يحتاج إلى خلقه سبحانه ليعبدوه، فلن يزداد بعبادتهم شيئاً ولن ينقص بكفرهم شيئاً، ولكن خلقهم لنفعهم ولما فيه صلاحهم إن هم أطاعوه سبحانه. قال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِين) هذا أصل الإنسان، والإنسان هنا هو آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فهذا أصله أنه كان عدماً كان ماء وطيناً، فأوجد الله منه هذا الخلق، وتركه من صلصال من طين ومن حمأ مسنون فترة، ثم نفخ فيه الروح ، فكان أصل هذا الإنسان من سلالة من طين، قالوا: السلالة بمعنى: الصفوة، فكأن المقصود منه مني الإنسان، وقيل: السلالة من السلة واستخراج الشيء من الشيء، ولذلك الطين إذا أمسك بين الأصابع تسرب من بين أصابع الإنسان، فهو سلالة وخلاصة من شيء، أو شيء من طين، أي: ماء وتراب، بُلّ التراب فصار طيناً، فهذا الإنسان مخلوق من هذا الطين الذي لو أمسكته بين أصابعك وهو تراب وماء ما قدرت على جمعه، بل يتسلل من بين الأصابع، وقيل: النطفة سلالة، والولد سليل، أي: مأخوذ من هذه السلالة وما تفرع عنها، والطين أيضاً إذا عصرته بين أصابعك انسل وخرج منها، فالأصل أن الإنسان من سلالة من طين ثم صار إنساناً. والإنسان عندما يمر بهذا الطين الذي يسيل في الشارع تراه يجتنب أن يصل إلى ثيابه منه، نقول له: هذا هو أصلك أنت، وأنت مخلوق من هذا الطين (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِين).

стр. 379

تفسير قوله تعالى: (ثم جعلناه نطفة في قرار مكين) قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون:١٣] أي: جعل الله هذه الإنسان نطفة وأقرها في مكان وفي قرار مكين، وجعل لها عوامل تجعلها تعيش بالقدر الذي حدده الله ، ثم يخرج منها ما شاء في الوقت الذي يشاؤه الله ، ويخرج من هذا الماء الشيء الذي هو حي، وكوّن أعداداً كثيرة جداً، والذي يكون منه الإنسان شيء واحد وهو هذه النطفة، وهي ماء الرجل. يقول العلماء: إنه ماء الرجل ومتوسط ما ينتجه الرجل في اليوم الواحد حوالي ثلاثمائة مليون حيوان منوي، وهي متجددة دائماً، ومتوسط ما يقذفه الإنسان في القذفة الواحدة من المني في الدفعة حوالي من (٣ - ٤ سم٣) هذه الكمية القليلة ترى كم فيها من حيوانات منوية؟ فيها من أربعمائة إلى خمسمائة مليون حيوان منوي في الدفعة الواحدة، يدفعها الإنسان في جماع أو احتلام، والله يختار واحداً فقط من هذه الحيوانات المنوية ليكون منه هذا الإنسان، وهذا الحيوان المنوي فيه صفات معينه في الرجل، وقد خلق الله في المرأة منذ خلقها عدداً من البويضات، يقول العلماء: إن البويضات مخلوقة في المرأة تقدر بحوالي اثنين مليون من البويضات، فهي أول ما تنزل من بطن أمها فيها هذا العدد من البويضات، فتبدأ هذه البويضات تتناقص حتى تصل في سن الإنجاب من أربعمائة إلى خمسمائة بويضة فقط، وهذه الكمية كافية للإنجاب في مرحلة ما بين سن (١٢) إلى (٥٠) سنة الذي هو سن اليأس للمرأة، وهذا العدد الذي قدره الله في المرأة لا يزيد ولا يتخلق يومياً كما يحدث في حيوان الرجل، ولكنه ينقص حتى تصل المرأة إلى سن اليأس وتنفد هذه البويضات، ولا تقدر المرأة على الإنجاب بعد ذلك، فإذا حدث غير ذلك فهو من معجزات الله في خلقه أن يوجد ذلك لمن يشاء ، كما حدث لزوجة إبراهيم ﵊، فقد أنجبت بعد سن اليأس. فالله خلق هذا الإنسان من هذه النطفة ومن هذه البويضة، وقد ذكر سبحانه أنه خلقه من أمشاج، والأمشاج هو اختلاط مني الرجل ببويضة المرأة، فيكون منها الصفات، صفات الذكور وصفات الإناث، وقد جاءت أحاديث عجيبة جداً عن النبي ﷺ تبين لنا هذه المراحل، مع هذا الذي جاء في كتاب الله ، وهذا الكلام العظيم الذي في كتاب الله وفي سنة النبي صلوات الله وسلامه عليه من الأحاديث جعل علماء الغرب يذهلون، وقد جاء في هذا المعنى أن رجلاً سمع ابن مسعود يقول: (الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره)، فتعجب الرجل تعجب كيف يكون شقياً وهو في بطن أمه ولم يعمل شيئاً يصير به شقياً؟! فذهب الرجل إلى حذيفة بن أسيد الصحابي الفاضل ﵁ يقول ذلك كالمنكر على ابن مسعود قوله: (الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من وعظ بغيره)، فقال له حذيفة بن أسيد ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكاً فصورها، وخلق سمعها وبصرها وجلدها وعظامها، ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب رزقه؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص)، وقوله: (ثنتان وأربعون ليلة) هذا العدد يذكره علماء الطب ويقولون: إن الجنين في الأسبوع السادس تخلق فيه هذه الأشياء، ولم يكن النبي ﷺ من علماء التشريح، ولم تكن عنده كاميرات تصوير يصور بها رحم المرأة ولا شيء من ذلك، ولكن الله هو الذي أوحى لنبيه ﷺ حتى أخبره بهذا الأمر بهذه الدقة التي لم يعرفها العلماء إلا بالمتابعة والتشريح والمناظرة وهم بعد النظر في الأدلة العقلية قالوا: تخلق هذه الأشياء في الأسبوع السادس تقريباً، أما حديث النبي ﷺ فذكر الليلة وقال: (إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكاً فصورها) ويقول علماء متخصصون في ذلك: في نهاية الأسبوع السادس -أي: بعد الاثنتين والأربعين ليلة - تكون النطفة قد بلغت أوج نشاطها في تكوين الأعضاء، وهي قمة المرحلة الحرجة الممتدة من الأسبوع الرابع حتى الثامن، ثم يقوم الملك إلى هذه النطفة ويصور فيها هذه الأشياء في خلال هذه الفترة. وهناك أحاديث أخرى جاءت عن النبي ﷺ في هذا المعنى، كحديث عبد الله بن مسعود ﵁ الذي قال فيه: حدثنا النبي ﷺ وهو الصادق المصدوق: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سيعد، فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها)، والحديث في الصحيحين. وهذه الرواية رواية مسلم وفيها تفصيل دقيق جداً، أكثر مما جاء في صحيح البخاري، والتفصيل الذي فيها قوله: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد)، وهذا معنى كلام ابن مسعود ﵁: (الشقي من شقي في بطن أمه) أي: أنه معلوم عند الله من قبل خلق هذا الإنسان أنه شقي أو سعيد، وهذه من الأشياء الغيبية التي يجب أن نؤمن بها، فالله خلق الخلق وعلم أن هؤلاء للجنة يصيرون وهؤلاء للنار يصيرون، وقدر أقداراً ، ولكن لم يطلعنا على ذلك ولم نعلم ذلك، فالذي أمرنا به أن نؤمن بذلك ولا نتعرض له بالجدل الباطل. إذاً: فالواجب علينا أن نؤمن بالقضاء والقدر، وليس معنى ذلك أن الإنسان يترك العمل ويقول: لو كنت مكتوباً من أهل الجنة فسأعمل للجنة، لا، فإن هذا من باب الجدل العقيم الذي يضيع الإنسان فيه عمره، وفي النهاية يموت على ذلك وقد ضاعت دنياه وأخراه، فالقضاء والقدر أمرنا بالإيمان به، أما العمل فقال النبي ﷺ : (اعملوا فكل ميسر لما خلق له) فأمرنا ألا نتوقف عن العمل، والقضاء والقدر هو شيء كتبه الله عنده، لم يطلع على ذلك أحداً من خلقه. فعلى الإنسان المؤمن ألا يتعرض لأمر القضاء والقدر إلا بالإيمان به والتصديق واليقين، ثم يعمل؛ لأن النبي ﷺ قال لأصحابه لما سألوه عن ذلك: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له). فهنا في الحديث قلنا: (إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها) يعني: أنه في نهاية حياته لا يوفق لعمل أهل الجنة فيكون من أهل النار. نسأل الله أن يجعلنا من عباده السعداء، ولا يجعلنا من عباده الأشقياء. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 380

تفسير سورة المؤمنون [١٢ - ١٥] ذكر الله لنا في كتابه مراحل خلق الإنسان وأطواره، وهذه الأطوار من آيات الله العظيمة، ثم بعد أن خلقه يميته، وهذه آية أخرى كبيرة، وبعد موته يبعثه يوم القيامة ليجازيه على أعماله، فتبارك الله أحسن الخالقين، وأحكم الحاكمين.

стр. 381

تفسير قوله تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة المؤمنون: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٢ - ١٦]. ذكر الله في هذه الآيات مراحل خلق الإنسان، وكيف خلقه الله من شيء حقير: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون:١٢]، فهذا أصل الإنسان، وقد ذكر الله في خلق الإنسان آيات في كتابه ، كقوله في سورة الكهف: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً﴾ [الكهف:٣٧]، كما في قصة الرجلين اللذين آتى الله أحدهما جنتين، ولم يؤت الآخر، فاستكبر صاحب الجنتين على صاحبه الذي يعبد الله سبحانه، وقال: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ [الكهف:٣٤] ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الكهف:٣٧]، فأصل خلق الإنسان من التراب، وهنا ذكر الله أنه خلقه من طين، أي: خلقه الله من تراب وماء، والأصل في خلقه التراب، والعناصر الموجودة بجسم الإنسان هي نفس العناصر الموجودة في التراب، وأكثر جسم الإنسان من الماء، فهو مخلوق من التراب والماء. قال الله : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ [غافر:٦٧]، وقال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ [فاطر:١١]، وقال: ﴿خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [النحل:٤]، يذكره الله بأول خلقه وإذا به يخاصم، ويناظر، ويجادل خالقه ! وقال سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس:٧٧]، وقال: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة:٨]، يخرج من المحل الذي يخرج منه البول، يستقذره الإنسان، وقال: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [المرسلات:٢٠]، فهذا بدء خلق الإنسان، فالله يذكره بأن هذا بدء خلقك، فليس لك أن تجادل ربك، وليس لك أن تستكبر على الخلق، فأنت خلقت من تراب مثلهم، وخلقت من ماء مهين.

стр. 382

تفسير قوله تعالى: (ثم جعلناه نطفة في قرار مكين) قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون:١٣]، أصل النطفة: النقطة من الماء، وكأنها النخبة المنتقاة من الإنسان تجتمع من نطفة الرجل ونطفة المرأة، كما قال الله: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ [الإنسان:٢] أي: مختلطة فيها صفات الرجل، وصفات المرأة، فالبويضة يلقحها الحيوان المنوي، ويجعلها الله بعد هذه النطفة علقة، وقوله: ﴿فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون:١٣]، القرار المكين: هو رحم المرأة، فهو متمكن في مكانه، حفظ الله هذا الإنسان في هذا الطور داخل هذا الرحم الذي ثبته في بطن المرأة، وجعل حوض المرأة من عظام يحميه عن اليمين وعن الشمال، ومن أمامه ومن خلفه، وجعل هيئته فيها حماية له، وملأ هذا الكيس الذي يحاط بالجنين بماء بحيث يحميه من أي اضطرابات وصدمات، فكأنه يسبح داخل كيس من ماء، وهذا من فضل الله ورحمته سبحانه! فالذي ينظر لمراحل التخليق في بطن المرأة يعلم قدرة الله ، وكيف حفظ الله هذا الجنين في هذه الأطوار.

стр. 383

تفسير قوله تعالى: (ثم خلقنا النطفة علقة) قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤]. ((ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً)) النطفة تتحول إلى علقة، فهذه النطفة الملقحة تلتصق في جدار الرحم، مثل النبات الذي له جذر يمص بجذره الماء الذي يغذيه، وكذلك هذه النطفة تصير كالعلقة تعلق بجدار الرحم، وتأخذ منه ما يغذيها من الدماء. (فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً) العلقة تتحول إلى مضغة، وهي صغيرة جداً، وهي كهيئة قطعة اللحم الممضوغة، وتوصف في الكتب العلمية كأنها لبانة ممضوغة، فيها آثار الأسنان. قال الله: (فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا) تتحول هذه المضغة إلى عظام، والله ذكر العظام قبل اللحم، وكان المعروف عند علماء الطب إلى عهد قريب أن اللحم يتكون في البداية ثم العظم بعده، ولكن الله ذكر العظم ثم اللحم بعده، وهذا الذي اكتشفوه حديثاً أن العظام تتكون في البداية ثم بعد ذلك اللحم. وكانوا قبل أكثر من قرن يقولون: إنه يتكون اللحم ثم العظم، ثم بعد ذلك قبل سنوات قريبة قالوا: يتكون العظم واللحم معاً، ثم اكتشفوا أن العظم يتكون الأول ثم اللحم بعد ذلك، وهذا قد ذكره الله هنا، وهم قالوا: إن الفرق بين خلق العظم واللحم وقت يسير جداً لا يكاد يلاحظ؛ ولذلك كانوا يعتقدون أن العظم واللحم يتكونان سوياً. قال الله: ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون:١٤]، في هذا الطور تكون المضغة المخلقة وغير المخلقة، وتكون الغضاريف التي فيها العمود الفقري والرأس، ثم يتحول إلى خلق آخر وهو خلق الجنين على الهيئة المعروفة في بطن المرأة، فيه اليد، وفيه الرجل، والرأس، والعين، والأنف، (ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ). وقوله سبحانه: (فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا) هذه قراءة الجمهور، وقرأها ابن عامر وشعبة عن عاصم: (فخلقنا المضغة عظماً فكسونا العظم لحماً). وخلق الجنين خلق عجيب، ففي مرحلة من المراحل لا تميز بين هذه المضغة التي تكون في الإنسان أو الحيوان حتى يحوله الله خلقاً آخر متمايزاً، فيتميز الإنسان عن غيره من الحيوانات في المراحل التي بعد ذلك، قال الله: (ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ)، عندما يسمع الإنسان ذلك لا يسعه إلا أن يقول: (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) أي: كثرت بركة رب العالمين ، وتمجد الله سبحانه في بديع صنعه، وعظيم ما خلق سبحانه.

стр. 384

تفسير قوله تعالى: (ثم إنكم بعد ذلك لميتون) قال الله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ [المؤمنون:١٥]، بعد أن خلق الإنسان من طين، وفي النهاية يرجع إلى التراب مرة ثانية، فيدفن في قبره فإذا بالديدان تأكله، والديدان يأكل بعضها بعضاً، ويتحول الجميع إلى تراب، قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف:٢٩]، فقد بدأكم من تراب وتعودون إلى التراب، ثم يعيدكم مرة أخرى يوم القيامة، يوم يبعثكم .

стр. 385

إخبار النبي ﷺ عن تذكير الجنين وتأنيثه في بطن أمه روى مسلم عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: (كنت قائماً عند رسول الله ﷺ ، فجاء حبر من أحبار اليهود فقال: السلام عليك يا محمد! قال ثوبان: فدفعته دفعة كاد يصرع منها)، غضب ثوبان لأنه نادى النبي ﷺ باسمه ولم يقل: يا رسول الله، وربنا نهانا أن ندعوه باسمه كغيره من الناس، (فقال اليهودي: لم تدفعني؟ فقال: ألا تقول: يا رسول الله؟! فقال اليهودي: إنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهله، فقال رسول الله ﷺ : إن اسمي محمد الذي سماني به أهلي)، يريد أن يحسم الخلاف ويسكت هذا وذاك، (قال اليهودي: جئت أسألك، فقال له رسول الله ﷺ : أينفعك شيء إن حدثتك؟ فقال: أسمع بأذني)، وهذه عادة اليهود يسمعون بالأذن فقط، ولا يدخل ذلك إلى قلوبهم، (فقال: أسمع بأذني، فنكت رسول الله ﷺ بعود معه في الأرض) كالمتعجب من هذا الذي سيسمع بأذنه! (فقال اليهودي: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات؟ فقال النبي ﷺ : في الظلمة دون الجسر)، والجسر هو الذي سيعبر عليه الناس فوق متن جهنم إلى أن يدخلوا الجنة أو يتساقطون في النيران والعياذ بالله، فقال النبي ﷺ : (في الظلمة دون الجسر)، وتبدل الأرض غير الأرض والسموات بما يشاء الله سبحانه، وهذا لا يعلمه إلا نبي، واليهودي يعرف ذلك مما أخبرهم به موسى ﵊. (قال الرجل: فمن أول الناس إجازة؟ قال النبي ﷺ : فقراء المهاجرين، فقال اليهودي: فما تحفتهم حين يدخلون الجنة؟)، والتحفة ما تتحف به الضيف أو من يأتي إليك، فقال النبي ﷺ : (زيادة كبد النون)، والنون هو: الحوت، فالله يطعم هؤلاء من الزيادة التي على كبد الحوت، والله أعلم بعظمه، خلقه الله وجعل تحفة أهل الجنة الأكل من زيادة كبد هذا الحوت، (قال اليهودي: فما غذاؤهم على إثرها؟ فقال النبي ﷺ : ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها، قال اليهودي: فما شرابهم عليه؟ قال ﷺ : من عين فيها تسمى سلسبيلاً، قال: صدقت، قال: وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان، فقال ﷺ : وهل ينفعك إذا حدثتك؟! فقال: أسمع بأذني، قال: جئتك أسألك عن الولد، فقال النبي ﷺ : ماء الرجل أبيض، وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا فعلا مني الرجل مني المرأة أذكر بإذن الله، وإذا علا مني المرأة مني الرجل آنث بإذن الله، فقال اليهودي: لقد صدقت وإنك لنبي)، وما قال: أشهد أن لا إله إلا الله، بل قال: أنت نبي، ويقولون: هو نبي الأميين. (قال: ثم انصرف فذهب، فقال رسول الله ﷺ : لقد سألني الذي سألني عنه ومالي علم بشيء منه حتى أتاني به) يقول النبي ﷺ : ما كنت أعرف هذه الأجوبة، ولكن نزل الوحي حالاً على النبي ﷺ يخبره بالأجوبة عن هذه الأسئلة. وقول النبي ﷺ : (ماء الرجل أبيض، وماء المرأة أصفر) يقول العلماء الذين يتكلمون عن هذا الحديث من علماء الطب: إن البشرية لم تعلم بواسطة علومها التجريبية أن الجنين يتكون من نطفة الرجل ونطفة المرأة إلا في القرن التاسع عشر، فقد كانوا يظنون أن الجنين من نطفة الرجل فقط، وتيقنوا ذلك في أول القرن العشرين. والحديث تضمن وصفاً لماء الرجل وماء المرأة، وإن كان أكثر أهل الطب إلى عهد قريب يقولون: المرأة ليس لها ماء، فلا يوجد إلا المني من الرجل فقط، ثم بعد ذلك اكتشفوا أن في المرأة حويصلة جراف اكتشفها رجل اسمه دارك، هذه الحويصلة تخرج سائلاً لونه أصفر، قالوا: ماء المهبل يميل إلى الصفرة، وكذلك الماء في حويصلة جراف، قالوا: لكنه يكون قليلاً فلا تشعر به المرأة في الغالب، وقد تشعر به بعض النساء. قالوا: عند خروج البويضة من هذه الحويصلة تدعى حينئذ الجسم الأصفر، فلونها أصفر، وقد قال النبي ﷺ : (ماء الرجل أبيض، وماء المرأة أصفر)، ولم ير ذلك ﷺ ، وإنما أخبره الوحي بذلك. وهنا إعجاز آخر حيث قال: (فإذا اجتمعا فعلا مني الرجل مني المرأة أذكر بإذن الله)، يعني: يكون المولود ذكراً، وإن علا مني المرأة كان المولود أنثى، يقول العلماء: في هذا الحديث إشارة إلى أن إفرازات المهبل لها تأثير في الذكورة والأنوثة، قالوا: إفرازات المبيض حمضية، وتقتل الحيوانات المنوية، وإفرازات عنق الرحم في المرأة قلوية، ولكنها لزجة، وإفرازات الرجل قلوية أيضاً، فإذا غلبت قلوية الرجل على إفرازات الرحم الحمضية كان الجنين ذكراً، وإذا علا ماء المرأة كان المولود أنثى كما ذكر النبي ﷺ . قال العلماء: لهذه الإفرازات تأثير على نشاط الحيوانات المنوية المذكرة أو المؤنثة، وقد ذكر الشيخ عبد المجيد الزنداني هذا الأمر، وذكر أنه بحث عن هذا طويلاً حتى لقي دكتوراً مصرياً في أمريكا له سنين يحضر في هذا الأمر، وأخبره أن هذه المسألة ما زالت تحتاج إلى أبحاث جديدة، وله فيها أبحاث لم ينشرها، فأخبره الزنداني بأن هذا موجود في حديث النبي ﷺ ، وهو أن ماء الرجل وماء المرأة يكونان سبباً في ذكورة أو أنوثة المولود، فقد قال ﵊: (إذا علا ماء الرجل كان ذكراً بإذن الله، وإذا علا ماء المرأة كانت أنثى بإذن الله). ومن الأحاديث التي جاءت في هذا المعنى حديث أنس بن مالك الذي رواه البخاري، وفيه أن عبد الله بن سلام بلغه مقدم النبي ﷺ فأتاه يسأله عن أشياء فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي، وهذا عبد الله بن سلام كان من أحبار اليهود، وقد أسلم، أما الآخر فلم يذكر أنه أسلم، فـ ابن سلام سأل النبي ﷺ عن أول أشراط الساعة، وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ وما للولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟ فقال النبي ﷺ : (أخبرني بها جبريل آنفاً)، وذكر له مثل ما ذكر في الحديث الأول، وقال: (أما أول أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت، وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد ذكراً) يعني: إذا غلب ماء الرجل صار الولد ذكراً، (وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل صار الولد أنثى، فقال عبد الله بن سلام: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله)، فآمن عبد الله بن سلام بالنبي صلوات الله وسلامه عليه، وطلب منه أن يكتم ذلك، حتى يعرف منزلته عند اليهود، وجاء اليهود إلى النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : (أي رجل عبد الله بن سلام فيكم؟ قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وأفضلنا وابن أفضلنا، فقال النبي ﷺ : أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام؟! قالوا: أعاذه الله من ذلك)، وكأن النبي ﷺ كان يرجو أن يسلموا إذا علموا أن كبيرهم وخيرهم قد أسلم، (فقالوا: أعاذه الله من ذلك فأعاد عليهم فقالوا مثل ذلك، فخرج إليهم عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فقالوا: أنت شرنا وابن شرنا، فقال: هذا ما كنت أخاف يا رسول الله)، فأحب أن يعرف النبي ﷺ قدره فيهم وأنه خيرهم وابن خيرهم، وأنه أفضلهم، وعالمهم، فلما علموا أنه أسلم سرعان ما انقلبوا وكذبوا عليه! والغرض بيان أن القرآن وأحاديث النبي ﷺ فيها بيان حقائق علمية اكتشفت الآن في زماننا، وهي تبين قدرة الله ، وإعجاز هذا القرآن العظيم، حيث يخبر بحقائق علمية لم تكشف إلا الآن، وقد ذكرها القرآن قبل ألف وأربعمائة عام. نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 386

تفسير سورة المؤمنون [١٤ - ١٨] يذكر الله في غير موضع من كتابه العزيز مراحل خلق الإنسان، وفي ذلك إعجاز باهر للعقول، ثم يمتن جل في علاه على خلقه -وهو المنان- بأصناف من النعم التي أنعم بها على عباده، وهي كثيرة لا يمكن أن تحصر بحال من الأحوال، ومنها: نعمة المطر، والتي تعد في حد ذاتها معجزة قوية في تفاصيلها.

стр. 387

أطوار خلق الإنسان الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة المؤمنون: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ * وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ * وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ * فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [المؤمنون:١٥ - ١٩]. ذكر الله عباده بنعمه العظيمة التي أنعم بها عليهم، ومنها: أنه خلقهم من تراب من سلالة من ماء مهين، ثم مرت نطفة الإنسان بالمراحل التي ذكر الله في الآية قبل ذلك فقال: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون:١٤]. فكان الإنسان في بداية تكوينه نطفة، ثم خلق الله منها العلقة، ثم المضغة، وأنشأ الله خلقاً آخر في مراحله الأولى لا يفرق بين نطفة الإنسان ونطفة الحيوان من حيث المنظر، وكذلك عندما تصير هذه النطفة علقة، ثم مضغة، ففي هذه المراحل تكون شكلاً واحداً في رحم الأم، ثم يخلق الله العظام ويكسوها لحماً، وينشئ الخلق الآخر فيصير الإنسان إنساناً، أي: يصبح منظره منظر إنسان، منتصب القامة، فيه اليد والرجل والعين، فتبارك الله سبحانه أحسن الخالقين والخلاق العظيم ، فهو الذي يخلق الشيء فيكون على الوفق الذي قدره ، فهو الخالق البارئ المصور سبحانه، خلق وقدر كل شيء وأوجده من عدم إلى وجود، وأوجد فيه ما يتميز به عن غيره، فيقدر الشيء ويخلقه ويجعله على النحو الذي قدره عليه، قال تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤]. فإن من معاني الخلق: تقدير الشيء، والإنسان قد يقدر الشيء وقد يكون على وفق ما قدره وقد لا يكون، فالإنسان يقدر بتفكيره فتكون الفكرة سهلة عنده فلما يبتدئ ويعمل الذي يقوله قد يقدر أن يصل إلى ما فكر فيه وقد لا يقدر، أما الله فما من شيء يقدره إلا ويكون على ما قدره عليه ، والأمر عليه يسير وسهل ، فمن معاني الخلق: التقدير، ولذلك يقول زهير بن أبي سلمى في شعره: ولأنت تفري ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يفري وكأنه يمدح أحداً فيقول: أنت تقدر الشيء فيقع على النحو الذي قدرته، فيأتي الخلق بمعنى التقدير. قال الله : ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤]، والله يقدر ولا بد أن يكون الشيء الذي قدره على النحو الذي أراده سبحانه، والإنسان عندما يقدر فقد يكون هذا الشيء وقد لا يكون، فالله أحسن الخالقين، وأحسن الصانعين ، وهو الذي يتقن الشيء ويصنعه على ما قدره سبحانه. ومن معاني الآية: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤]، أي: أتقن الصانعين فهو الذي يصنع الشيء على نحو من الإتقان العظيم الذي لا يشبهه فيه أحد أبداً، فلذلك الخلق يأتي بمعنى الصنع.

стр. 388

تفسير قوله تعالى: (ثم إنكم بعد ذلك لميتون) قال سبحانه: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ [المؤمنون:١٥]، أي: مثلما خلقكم فإنه سوف يعيدكم إلى التراب مرة ثانية ثم يخرجكم منه ثالثة للجزاء والحساب، قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ [المؤمنون:١٥]، أي: بعد ما خلقكم ورزقكم، وبعد ما جعل لكم أعماراً تعملون فيها ويبتليكم ستموتون. لذلك لا بد أن يكون الموت على بال كل مؤمن، فالمؤمن الفطن هو من يعتبر بغيره، وفي ذلك قال ابن مسعود ﵁: الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره. والمؤمن ينظر إلى الموت على أنه نهاية كل إنسان، فلم يحدد لنا ربنا سبحانه متى سنموت ولكن الموت يأتي فجأة وبغتة، ثم إن قبر الإنسان إما أن يكون حفرة من حفر النيران وإما روضة من رياض الجنة. قال تعالى:: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ [المؤمنون:١٥]، أي: بعد هذا الخلق وبعد الحياة: ﴿لَمَيِّتُونَ﴾ [المؤمنون:١٥]، أي: راجعون إلى الله وفي قبوركم تموتون وتسلب منكم أرواحكم. قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٦]، أي: تعودون إلى الحياة مرة ثانية يوم القيامة يوم أن يجازي الله الخلائق.

стр. 389

تفسير قوله تعالى: (ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق) ثم يذكر الله من نعمه على الخلق: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنْ الْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾ [المؤمنون:١٧]، أي: سبع سماوات طباقاً، أي: بعضها فوق بعض، وسماء فوقها سماء، ونحن تحت السماء الدنيا أي: السماء السفلى، والإنسان لم يعرف حدود هذه السماء ولكنه عرف الكواكب وعرف الأجرام، ولم ولن يصل إلى السماء التي فيها الملائكة، والتي ذكر لنا النبي ﷺ في الحديث أن كثافتها وسمكها خمسمائة سنة، وبينها وبين التي تليها خمسمائة سنة. وقوله: (سبع طرائق) أي: جعلها طرقاً للملائكة في هذه السماوات، والطرائق بمعنى: طارق الشيء أي: جعل بعضه فوق بعض، ومنه طارق النعل، أي: وضع نعله فوق نعل آخر، وهنا طارق السماوات أي: جعل بعضها فوق بعض، فسميت طرائق لأن بعضها فوق بعض، وسميت كذلك لأنها طرق الملائكة في السماء. قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾ [المؤمنون:١٧] فهذه السماوات العظيمة التي لا يدري الإنسان عنها شيئاً، والكون في اتساع، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات:٤٧]، والإنسان يلهث ويجري لكي يعرف تفاصيل هذه الأشياء، ولكي يقال: إنه عالم فلك، والعلماء يقولون: إنه بيننا وبين السماء في الجزء المنظور من الأرض من ناحيتنا أكثر من أربعمائة ألف مليون مجرة، وكانوا قبل سنة يقولون: إن عددها مائة ألف مليون مجرة، أو مائة مليار مجرة، والآن تضاعف إلى أربعمائة ألف مليون مجرة، ويمكن بعد عشر سنين أن يتضاعف العدد، وكل مجرة من المجرات فيها مثل هذا العدد من النجوم والكواكب والأقمار والشموس. وعلى الرغم من عظم هذا الكون وضخامته إلا أن الله يعلم كل ما فيه وكل تفاصيله، وهو الوحيد القادر على إدارته إدارة دقيقة . قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾ [المؤمنون:١٧]، أي: لم نغفل عن الخلق ولن نغفل عنه أبداً، ولكن نجازيهم يوم القيامة على ما صنعوا، ولم نغفل أيضاً عن متابعة مصالح الإنسان، فننزل عليه رزقه، ونعطيه ماءه وشربه، ونهديه وننزل عليه من السماء ما يشفيه من أمراض بدنه، وما يشفيه من أمراض قلبه، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾ [المؤمنون:١٧]، أي: في القيام بمصالح هذا الخلق فالله هو الحي القيوم . كذلك: ﴿وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾ [المؤمنون:١٧]، أي: عن خلق هذه السماوات، فنحن لم نغفل عنها، ولو حصل ذلك لسقطت السماء على الأرض، ولكن الله لا يعزب عنه شيء ولا يغفل عن شيء.

стр. 390

تفسير قوله تعالى: (وأنزلنا من السماء ماء بقدر) ومن نعمه العظيمة التي يذكرها لنا قال: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ [المؤمنون:١٨]، معنى السماء في هذه الآية: كل ما سما أو علا فوقك وهو السحاب، وقد يكون المعنى: أن أصله من الجنة، مثلما ذكر لنا أن أصل نهر النيل ونهر الفرات من الجنة، وقد صح الحديث عن النبي ﷺ في ذلك. وانظر إلى التعبير هنا ((وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ))، ويقول في آية أخرى: ﴿يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى:٢٧]، فالعبد يستغيث بالله: أن أنزل المطر، والله أعلم بمصالح العباد، ومن يستحق ومن لا يستحق، فينزل في هذه البقعة من الأرض كمية من الماء وفي البقعة الأخرى كمية من الماء، بحسب ما يراه الله ، فلو زادت المياه التي تنزل من السماء عن حدها لأغرقت الأرض، ولكن الله ينزل كل شيء بقدر، والمتتبع لأحوال الماء كيف يكون في البحار والأنهار وفي المحيطات وأنه يتبخر إلى السماء بنظام عظيم قدره سبحانه، فيتبخر الماء من البحار ومن أماكن المياه إلى السماء بسبب أشعة الشمس فيعلو، والشمس تسخن ماء البحر لدرجة معينة لا يتأذى بها الإنسان، وهذا من حكمة الله ، يتبخر فيصعد الماء إلى طبقات الجو العليا، وهذا الماء كلما ارتفع تقل درجة الحرارة، إلى أن يصل إلى حد معين فوق قمم الجبال، فتكون درجة الحرارة أقل منها على الأرض، فيتكثف الماء في منطقة معينة من السماء، وبعد هذا الحد بأربعين كيلو متراً في السماء تزيد درجة الحرارة مرة أخرى، ويقف فيها الماء المتبخر في هذه المنطقة من طبقات الجو، فيرسل الله الرياح لتحرك هذه الأبخرة المتكونة من الماء والتي أصبحت على شكل سحب، وبعد ذلك يأمر الله بأن تنزل الأمطار حيث يريد من الأرض. وقد جاء في الحديث الذي في صحيح مسلم والذي فيه: أن رجلاً كان يسير فسمع صوتاً في سحابة: اسق حديقة فلان، فتتبع فنظر فإذا بالسحابة تجيء من مكان معين فتنزل المياه كلها في شرجة أرض صخرية، فتتجمع المياه وتمشي إلى مكان واحد فقط، فمشى وراء المياه إلى أن وصل إلى حديقة، فسأل صاحب الحديقة عن اسمه، فقال: فلان، فكان نفس الاسم الذي سمعه في الصوت الذي كان في السحابة، فقال: لمَ سألتني عن اسمي؟ فقال له: إني سمعت صوتاً في السحابة يقول: اسق حديقة فلان، فتتبعت الماء فوجدته جاء عندك في الأرض الذي أنت فيها. فماذا يعمل هذا الإنسان؟ قال: إنه يزرع هذه الأرض، والمحصول الذي يخرج منها يقسمه أثلاثاً: ثلثاً يأكل منه هو وأهله وعياله، والثلث الآخر يرده في الأرض زرعاً مرة ثانية، والثلث الثالث يتصدق به لله ، رعى الله فرعاه الله وحفظه وحفظ له ماله، وما نقص مال من صدقة، فهذه سحابة تنزل ماءها من أجل فلان، وهذه بركة من رب العالمين ، وبركة طاعة الإنسان، فإنه حين يطيع ربه يعطيه من فضله . فينزل الماء بقدر يناسب الحديقة المعينة، أو على قدر يناسب المزارع المراد إنزال المطر عليها حتى لا يهلك أهلها، وينزل سيولاً في أماكن معينة لحكمة منه وهي إغراقها وأصحابها، فكل شيء ينزل بقدر من عنده . يقول لنا العلماء: إن رحمة رب العالمين أن المسطحات المائية من بحار ومن محيطات ومن أنهار والتي تتبخر منها المياه مساحة دقيقة ومحسوبة تماماً، فلو أنها زادت عن هذا الحد لتبخرت كمية كبيرة من الماء، وعندما تنزل بشكل أمطار ستغرق الدنيا، ويقول العلماء: لو أن المسطحات المائية كانت أوسع مما هي عليه لغرقت الدنيا بالمطر الذي ينزل عليها، ولكن حكمة الله سبحانه أن جعل البحار والمحيطات بهذا الحجم أو بهذه المساحة والاتساع. أما كمية الأمطار التي تنزل فهي كمية كبيرة جداً يقال: إنها تعادل حوالي ستة عشر مليون طن من الماء، ينزل من السماء في كل ثانية واحدة، فلولا أن الله قسم أرزاق العباد هنا لأغرق هذا الماء النازل الدنيا وأهلك أهلها. والمطر الذي هو على شكل سحاب في السماء يرسل الله الرياح فتثيره، ويتولد من ذلك ما يشاء الله من برق ومن رعد، فالإنسان ينظر للبرق أنه شيء خطير سينزل مطر، ويخاف منه، ولكن الله يجعله رحمة منه لزرع الإنسان ولحياة هذا الإنسان. قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ﴾ [المؤمنون:١٨]، فالماء لا ينزل على نفس المكان الذي خرج منه ولكن إلى مكان آخر، ومن حكمة الله أنه لو أن الماء نزل في نفس المكان ما سقى زرعاً ولا ضرعاً، ولكن يتحرك على أرض معشبة يخرج منها ما فيها، وعلى أرض مجدبة يخرج منها ثمارها، وينزل على أرض أخرى فإما أن يتجمع في باطن الأرض في مكان بعيد عن الجراثيم فيكون طاهراً ومطهراً للإنسان وماء عذباً، أو أنه ينزل على أماكن عالية، وقد ينتن لو بقي في مكانه، فيسخر الله له ما يسيره فإذا به يجري أنهاراً ويصب في البحار. فالذي رفعه والذي أنزله قادر على أن يذهب به كله فلا يجد الإنسان ما يشرب، فالله على كل شيء قدير، ويجب على الإنسان أن يعرف قدرة الله، وأن يقدر الله حق قدره، قال سبحانه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام:٩١]. الحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً. نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
следующие страницы →