← Тафсир

Тафсир · id 37037

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (3 717 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

أحاديث دالة على فضل المجاهد وإن مات على فراشه أم حرام بنت ملحان هي خالة أنس بن مالك ﵁، وهي زوجة عبادة بن الصامت، وكان يدخل في بيتها ﷺ وينام أحياناً عندهم نوم القيلولة صلوات الله وسلامه عليه. روى البخاري ومسلم عن أنس (أن النبي ﷺ دخل عندها فنام ﷺ ثم استيقظ وهو يضحك) دخل بيت أم حرام بنت ملحان التي هي أخت أم سليم أم أنس بن مالك ﵁، وهذه أختها زوجة عبادة بن الصامت، فاستيقظ النبي ﷺ وهو يضحك فقالت: ما يضحكك يا رسول الله صلوات الله وسلامه عليه؟ فقال ﷺ : (ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله يركبون يبج هذا البحر مثل الملوك على الأسرة) يخبر أنه رأى في الرؤيا ورؤيا الأنبياء كلها وحي من الله وكلها حق، فرأى أن من أمته من يخرج مجاهداً في سبيل الله في البحر، وفي عهد النبي ﷺ ما كان الصحابة متعودين على ركوب البحر في الجهاد في سبيل الله سبحانه؛ لأن ركوب البحر شيء شاق جداً فهو رأى هذه الرؤيا وفسرها أنه يخرج في يوم من الأيام ناس من الصحابة مجاهدين في البحر، فضحك فقال: (مثل الملوك على الأسرة، فقالت: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم، فدعا لها رسول الله ﷺ ، ثم وضع رأسه ثم استيقظ وهو يضحك صلوات الله وسلامه عليه فقالت: وما يضحكك يا رسول الله؟ قال: ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله) كما ذكر في الحديث الأول، يعني: مرتين كأنه يخرج ناس مجاهدون في سبيل الله وبعدهم يخرج آخرون مجاهدون في سبيل الله ، (فقالت: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم قال: أنت من الأولين) فذكر الراوي أنها ركبت البحر في زمن معاوية بن أبي سفيان وحين خرجت من البحر، ركبت دابتها فوقعت من الدابة وماتت رضي الله تبارك تعالى عنها، فهذه المجاهدة طلبت من النبي ﷺ أن يدعو الله أن يجعلها منهم، فكانت هي منهم خرجت مجاهدة في سبيل الله مع زوجها عبادة بن الصامت ﵁ مجاهدين للروم. لاحظ أن النبي ﷺ قال: (أنت من الأولين) يعني: من هؤلاء المجاهدين فكان لها أجر هؤلاء المجاهدين الذي كالملوك على الأسرة مع أنها لم تقاتل وإنما وقعت عن دابتها، فالمهاجر إذا هاجر في سبيل الله وجاهد في سبيله ثم قتل أو مات فله أجره وله الرزق الحسن عند الله . أيضاً: جاء في حديث آخر: عن عبد الله بن عتيك قال النبي ﷺ : (من خرج من بيته مهاجراً في سبيل الله فخر عن دابته فمات، أو لدغته حية فمات، أو مات حتف أنفه؛ فقد قع أجره على الله، ومن مات قعصاً فقد استوجب المآب) المعنى: أن الخارج مجاهداً ليس شرطاً أن يقتل من قبل العدو، فمن الممكن أن يموت أو تلدغه حية فيكون له أجره عند الله؛ لأنه نوى الخروج، بل من سأل الله الشهادة بصدق فله أجرها وإن مات على فراشه، كما قال النبي ﷺ : (من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه).

стр. 317

تفسير قوله تعالى: (ليدخلنهم مدخلاً يرضونه وإن الله لعليم حليم) قال الله تعالى: ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [الحج:٥٩] وعد من الله أن يدخلهم مدخلاً يرضونه، وفيها قراءتان: قراءة الجمهور: ﴿مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ﴾، وقراءة نافع وأبي جعفر المدنيين: (مَدْخلاً يرضونه) هذا مصدر ميمي، والأول مشتق من الرباعي، والثاني مشتق من الثلاثي، أي: أدخلهم مُدْخلاً ودخلوا مَدْخلاً، فأدخل الله هؤلاء مُدْخلاً يرضونه، أو دخلوا هم يوم القيامة مَدْخلاً حسناً عند ربهم في الجنة، فقوله تعالى: ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ﴾ [الحج:٥٩] أي: يرضون ما دخلوا فيه، حين يرون الأجر العظيم من الله. قال تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [الحج:٥٩] لما ذكر الله أجر هؤلاء ذكر اسمين من أسمائه سبحانه، الاسم الأول: العليم، الاسم الآخر: الحليم . فقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [الحج:٥٩] أي: عليم بمن يستحق هذا الأجر العظيم، وعليم بنيات هؤلاء، وحليم عن عقابهم، قد يسيء الإنسان ثم يهاجر في سبيل الله، فالهجرة تجب ما قبلها، وقد يكون بعض من هؤلاء وقع في نوع من الذنوب، أو شيء من الآثام، وبعد ذلك يستر عليه الله ويغفر له، فالله حليم، وكم من إنسان يجاهد في سبيل الله مستيقناً بما أوجب الله من هجرة ومن جهاد وله الأجر العظيم عند الله سبحانه، ولعله كان قبل ممن يدفع هذا الدين ويمنع النبي ﷺ أن يدعو في مكة، وأن يدعو إلى دين ربه سبحانه، فالله سبحانه حلم عليهم، ثم أرشدهم وهداهم إلى الإسلام ثم جعلهم شهداء، بل قد يكون قد قتل مسلماً مثل: خالد بن الوليد، في يوم أحد كان كافراً، والنبي ﷺ وأصحابه في يوم أحد يقاتلون هؤلاء الكفار، وإذا بـ خالد يسلم بعد ذلك قبل فتح مكة، ويدخله الله في هذا الدين مدخلاً حسناً، ويكون من المجاهدين لإعلاء دين رب العالمين سبحانه، فالله حليم ، عليم بقضائه وقدره، علم أن هذا ممن يستحق الحسنى من الله ، فلم يؤاخذه بذنوبه، ولم يعجل له العقوبة، وتاب عليه ، وجعله من المجاهدين، فالله عليم بمن يستحق الرحمة، والله يحلم عن العاصي لعله يتوب، فإذا تاب رفعه وغفر له ، وفرق بين أن يحلم على إنسان ليتوب، وبين أن يملي إنساناً ليعذبه، فالله يحلم عن إنسان علم في قلبه الخير، فإذا به يتركه فيراجع نفسه ويتوب، فيتوب الله عليه، ويملي إنساناً آخر في معصية؛ فإذا به يزداد عتواً وفجوراً، ويزداد بعداً عن دين الله ونفوراً، فإذا بالله يأخذه أخذ عزيز مقتدر. نسأل الله بفضله حلمه وكرمه ورزقه الحسن، ونعوذ بالله من عذابه، ونسأله جنته ونعوذ به من عقابه. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 318

تفسير سورة الحج [٥٨ - ٦٤] ذكر الله سبحانه أن من هاجر في سبيله وابتغاء مرضاته سواء قتله المشركون أو مات حتف أنفه فقد تكفل له ربه بالرزق الحسن في جنة النعيم بما يرضيه، وذكر أن من ظلم فانتصر وعاقب بالمثل ثم بغى عليه خصمه فإن الله ناصره ومؤيده، والله سبحانه يدخل الليل في النهار ويدخل النهار في الليل، وهو الإله الحق وما دونه الباطل، أفلا يقدر على أن ينصر المظلوم؟! بلى.

стр. 319

تفسير قوله تعالى: (والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقهم الله رزقاً حسناً) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الحج: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الحج:٥٨]. أخبر الله عن فضله على عباده الذين هاجروا في سبيله، وأوذوا فقاتلوا وقتلوا في سبيل الله، أو أنهم أوذوا فهاجروا ثم ماتوا فوعدهم الله بالرزق الحسن منه، وهو خير الرازقين، ورزقه الحسن جنات تجري من تحتها الأنهار.

стр. 320

تفسير قوله تعالى: (ليدخلنهم مدخلاً يرضونه وإن الله لعليم حليم) ذكر الله لنا وعده فقال: ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [الحج:٥٩] فمدخل إما أن يكون مصدراً، أو اسم مكان، فإن كان اسم مكان فالمعنى: يدخلهم موضعاً يرضونه في جنات الخلود. وإن كان مصدراً فالمعنى: دخولاً يرضونه في جناته سبحانه. قال تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [الحج:٥٩] فذكر صفة له سبحانه وهي العلم، وصفة أخرى وهي الحلم. وفي هذه الآية ذكر الله سبحانه ما يفعله بالمؤمنين، وذكر اسمين ثم في الآية التي تليها ذكر اسمين له سبحانه، وفي الآية الثالثة ذكر اسمين آخرين من أسمائه الحسنى، وهذا الموضع الوحيد في القرآن الكريم الذي ذكر فيه من أسمائه الحسنى ثمانية أسماء في آيات متتالية. فذكر: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [الحج:٥٩]. وبعدها: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [الحج:٦٠]. وبعدها: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج:٦١]. وبعدها: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦٢] فبدأ بالعلم والحلم، والمعنى: إن الله لعليم يعلم ما يفعله العباد، ويعلم من الذي يستحق منهم الثواب والعقبى الحسنة، ومن الذي يستحق العقاب والعاقبة السيئة، والله حليم يحلم عن عباده، فهو بعلمه سبحانه، يعلم أن هذا يستحق الرحمة، وإن كان الآن في وقت يعصي فيه ربه سبحانه، ولكن سيأتي عليه وقت يتوب، فيحلم عليه سبحانه، ثم يتوب العبد، ويكون من أهل رحمة الله ، فالله عليم بنياتهم وأعمالهم، حليم عن عقابهم.

стр. 321

تفسير قوله تعالى: (ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به) قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [الحج:٦٠] أي: ذلك الأمر الذي قصصنا عليك أن من عاقب فرد العقوبة بعقوبة مثلها، أو جازى على العقوبة بمثلها فلا حرج عليه. ذكر المفسرون أن هذه الآية نزلت في قوم من المسلمين لقوا بعض مشركي مكة لليلتين بقيتا من شهر الله المحرم أحد الأشهر الحرم، فأراد الكفار قتال المسلمين قبل أن ينتهي شهر المحرم، وقالوا: إن أصحاب محمد ﷺ يكرهون القتال في الشهر الحرام، فاحملوا عليهم، والكفار كذلك كانوا لا يقاتلون في الأشهر الحرم إلا أنهم كانوا ينسئون فيها. والأشهر الحرم ذكرها الله تعالى في قوله: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة:٣٦] وهي: ثلاثة سرد وواحد فرد، فالفرد شهر رجب، والسرد ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، هذه اختصت بالحج فيذهب الحاج لأداء نسكه فلا يؤذى، ولا يتعرض له أحد من العرب. أما في شهر المحرم وشهر رجب فكانوا يمتنعون من القتال تعظيماً لمن يذهب إلى العمرة فيهما. إلا أن الكفار كانوا يتلاعبون بهذه الأشهر، فيجيء شهر المحرم فيقولون: سنؤخر الحرمة إلى صفر ونجعل له حرمة الشهر الحرام، فلما لقوا المسلمين قال بعضهم لبعض: إن المسلمين لا يقاتلون في هذا الشهر فاحملوا عليهم واقتلوهم. فحملوا عليهم، فناشدهم المسلمون ألا يقاتلوهم في الشهر الحرام، فأبى الكفار إلا القتال فحملوا عليهم، فثبت الله المسلمين ونصرهم على المشركين، فالباغي أبى الله إلا أن يقهره يوماً من الأيام. قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ [الحج:٦٠] فهذا وعد من الله سبحانه بالنصر للإنسان المظلوم الذي بغي عليه لينصرنه الله، وهذا جواب قسم، وأصله: والله لينصرنه الله سبحانه. فلما انتصر المسلمون على المشركين قالوا: قتلتم في الأشهر الحرم، فأنزل الله : ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ﴾ [الحج:٦٠] أي: جازى على العقوبة، ﴿بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ﴾ [الحج:٦٠] بدأ المشركون فانتصر المسلمون بفضل الله ، قال: ﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ﴾ [الحج:٦٠] فبغى المشركون في الفعل، وبغوا في القول، وقالوا: هؤلاء تعدوا في الأشهر الحرم، والله وعد المؤمنين بالنصر. ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [الحج:٦٠] يعني: عفا عن قتالكم في الشهر الحرام؛ لأنكم مطلوبون، ولأنكم تدافعون عن أنفسكم. وقيل: بل نزلت في قوم من المشركين مثلوا بقوم من المسلمين يوم أحد، فعاقبهم رسول الله ﷺ . هنا يعرض ربنا بالعفو، يعني: الله يعفو عنكم فكونوا أنتم أيضاً من العافين عمن ظلمكم. ذكر الله تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الشورى:٤١ - ٤٢] ثم ذكر سبحانه: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى:٤٣] والمعنى: أن المظلوم يجوز له أن ينتصر وينتصف من ظالمه، ولكن إن قدر فعفا، فهذا أفضل عند الله . وقد بدأ الله بذكر الانتقام والمعاقبة، ولكن في النهاية ذكر العفو من الله سبحانه تعريضاً للمؤمنين أنه إذا قدرتم فاعفوا، قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [الحج:٦٠] أي: عظيم العفو والتجاوز عن إساءات الخلق ومعاصيهم، وغفور يمحو ويستر الذنوب، فعفا عن المؤمنين في ذنوبهم وقتالهم في الشهر الحرام.

стр. 322

تفسير قوله تعالى: (ذلك بأن الله يولج الليل في النهار) قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج:٦١] ذلك الذي قصصناه عليك بأن الله يولج: والإيلاج: الإدخال، فكأن الليل يدخل في النهار، والنهار يخرج من الليل، وهكذا يتعاقب الليل والنهار على الأرض، وهي المكان الوحيد الذي فيه هذا النهار، فهناك غلاف حول الأرض يظهر فيه ضوء الشمس عليها، أما الكون كله خارج غلاف الكرة الأرضية فإنه مظلم. ويميز بين الليل والنهار، كما أنه يميز بين الحق والباطل، فالله الذي قدر على ذلك جعل الليل سكناً وستراً، وجعل النهار وضوحاً وجلاء، فأظهر الحق، وأبطن الباطل . فهذا الذي قدر أن يأتي بالليل والنهار أليس بقادر على أن يظهر ظلم هؤلاء الظلمة؛ فيأخذهم ويعاقبهم، ويظهر الإيمان وضوءه ونوره العظيم ويظهر أهله وينصرهم؟! فلا أحد يقدر على ما يقدر عليه الله . قال تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج:٦١] سميع يسمع ما يفعله العباد، وبصير يرى ما يصنعونه، فلا شيء يحجب عن سمعه وعن بصره، فهو قادر على أن يغير الليل والنهار، ويغير القلوب، ويبدل الناس بغيرهم، وهو على كل شيء قدير.

стр. 323

تفسير قوله تعالى: (ذلك بأن الله هو الحق) قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦]، كرر الله: (ذلك) ثلاث مرات؛ لبيان قدرة الله سبحانه، أي: ذلك الذي فعلناه، وذلك الذي قصصناه عليك؛ لتعلم قدرتنا العظيمة على الجميع، نعاقب من نشاء، ونعفو عما نشاء، ونبدل الليل والنهار، وكذلك نبدل القلوب ونغير ما نشاء من أمر الناس، فمنهم كافر، ومنهم مؤمن، ونسمع ونرى كل شيء، وذلك من الله بقدرته العظيمة الباهرة؛ لأنه هو الحق سبحانه، وأن ما يدعون من دونه هو الباطل، فيذهب الله الباطل كما يذهب الليل ويأتي بالحق كما يأتينا بالضوء وبالنهار. قال تعالى: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج:٦٢] فيها قراءتان: (وأن ما يدعون) قراءة الجمهور، وقراءة نافع، وأبي جعفر، وابن عامر، وشعبة عن عاصم: ((وَأَنَّ مَا تَدْعُون))؛ فالخطاب للمشركين: وأن ما تدعون من دون الله سبحانه هو الباطل، فهم يدعون ما لا ينفعهم، ولا يضرهم، وذلك هو الضلال البعيد. قال تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦٢] فذكر هنا اسمين له سبحانه، العلي أي: المتعالي الذي لا شيء مثله سبحانه، فهو عالٍ على كل شيء بقدرته سبحانه، عالٍ عن الأشباه والأنداد، مقدس عما يقوله الظالمون من صفات لا تليق بجلاله . العالي فوق خلقه فله العلو: علو الكمال، وعلو الذات، وعلو القهر، وعلو الصفات. وهو يملك كل شيء، ويدبر أمر كل شيء، عالٍ عن أن يصل إليه دنس العباد وأذاهم. وهو الكبير سبحانه، وهي صفة أخرى من صفاته العظيمة. ولما ذكر الليل والنهار بأشياء عظيمة، وذكر لنا أن الله سبحانه هو الحق، وأن ما يدعون من دونه باطل هزيل سيضمحل، أخبر أنه هو وحده الكبير سبحانه، فمهما رأى الإنسان من شيء كبير من الأرض أو من السماء أو من الأجرام أو من الجبال، بل أي شيء يراه في نفسه عظيماً كبيراً؛ فالله أعظم وأكبر وأجل منه. فلذلك حين يعلو الإنسان فوق جبل يقول: الله أكبر، وهذه سنة النبي ﷺ ، وإذا نزلت من الجبل إلى الأرض قلت: سبحان الله. وهذا مناسب للحال فإذا ارتفع الإنسان قد يظن أنه علا وبغى فيقول: الله أكبر من كل شيء. وإذا نزل الإنسان يستشعر التواضع في النزول والانخفاض فيقول: سبحان الله، أي: لا ينحط أبداً ، ولا ينزل نزولاً يدل على نقص، بل نزوله إلى السماء بكماله، وجلاله وقدرته وهو العلي الكبير، لا يعتريه نقص، ولا شيء مما يعتري الخلق. قوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ:٢٣] أي: الموصوف بالعظمة والجلال وكبر الشأن. وقيل: الكبير من الكبرياء فله الكبرياء، والكبرياء: الكامل في ذاته سبحانه، وله الوجود العظيم الذي لا يشبهه شيء من خلقه.

стр. 324

تفسير قوله تعالى: (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء) قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [الحج:٦٣] ذكر الله لفظ الجلالة، ووصفها بأسمائه الحسنى الأخرى، فاللطيف: الدقيق في علمه ، والخبير: العليم ببواطن الأمور، يعلم ما قل وما صغر، وما ظهر وما خفي. قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [الحج:٦٣] وكل إنسان يرى ذلك، فينزل من السماء الماء، قال تعالى: ﴿فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج:٦٣] تجد أرضاً ينزل عليها من السماء المطر بالليل، فإذا بها بالنهار قد بدأت خضرتها أو أنها تكون أرضاً بوراً ثم بعد فترة ينبتها الله سبحانه. فإما أن يكون الإصباح حقيقاً على هذا النحو، أو بعد ذلك يصير مآلها إلى الإخضرار بسبب ما أنزل الله من الماء. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [الحج:٦٣] فالله لطيف خبير يعلم كل شيء، وهو لطيف بعباده عليم بخفاياهم. فاللطف معناه: العلم الدقيق، ومن معناه: الرحمة الخفية منه ، فقد يلاقي الإنسان في الدنيا الظلم والصعوبة والشدة ثم يلطف الله به ويغفر لمذنبه. وتأمل المناسبة الجميلة بين أسماء الله الحسنى، وبين ما يذكره الله من بديع خلقه، فالإنسان في قاحل من الأرض، وهو محتاج للماء ليشرب، وفجأة أنزل الله من السماء ماء فارتوى الإنسان وأنبتت الأرض، فنقله بلطفه من حال عسر صعب شديد إلى حال فيه يسر، وفيه فضل من الله وفيه غنى؛ فيحمد العبد ربه عليه. فهو اللطيف بعباده، وهو خبير، وعلمه دقيق يعلم ما خفي من أمر العباد، فقد يكون في قلب العبد اليأس والقنوط حين تأخر نزول المطر، فيعلم الله ذلك، ويعجب من قنوط العبد، وقرب تفريجه لهذا الحال. فإذا كاد العبد أن ييئس فجأة ينزل المطر بلطف الله سبحانه ﵎، فينبت الزرع ويشرب الإنسان! والله لطيف بأرزاق عباده، فيخرج لهم النبات من الأرض، ويعطيهم ما يحتاجونه من أشياء على قدر ما يحتاجون.

стр. 325

تفسير قوله تعالى: (له ما في السماوات وما في الأرض) قال تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الحج:٦٤] فذكر هنا اسمين آخرين من أسمائه الحسنى سبحانه، فالله يملك ما في السموات وما في الأرض، وإن الله لهو الغني عما في السموات وعما في الأرض وعن عباده سبحانه، فهو غني بذاته، والعبد فقير بذاته. والله الحميد المستحق للحمد، والمحمود على إحسانه وإنعامه، والمحمود على جلاله وإكرامه، والمحمود على جماله وأفعاله. فلا يحتاج إلى شيء لغناه، وهو المحمود سبحانه في كل حال، يحمده العبد في السراء فيقول: الحمد لله رب العالمين، ويحمده في الضراء فيقول: الحمد لله على كل حال، فهو المستحق للحمد؛ لأنه أهل لذلك. نسأل الله بأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 326

تفسير سورة الحج [٦٠ - ٦٥] يذكر الله من أسمائه الحسنى ما يناسب آياته في كتابه الكريم، فهو سبحانه له تسعة وتسعون اسماً من حفظها دخل الجنة، فينبغي الحرص على معرفة أسماء الله وصفاته، وقد ذكر الله في سورة الحج أسماء حسنى كثيرة لم يذكرها في غيرها من سور القرآن.

стр. 327

تفسير قوله تعالى: (ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الحج: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ * لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحج:٦٠ - ٦٥]. في هذه الآيات من سورة الحج يذكر الله عظيم قدرته وبديع صنعته في خلقه للسماوات وللأرض، وذكر أنه له الأسماء الحسنى، ومقتضى أسمائه أن له أفعالاً عظيمة في خلقه ويرينا بعضاً منها في سبع آيات متعاقبة، وكل آية يختمها ربنا سبحانه باسمين من أسمائه الحسنى. وجاء في حديث النبي ﷺ : (إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة). فقوله: (أحصاها) أي: حفظ هذه الأسماء وعرف معانيها وقام بحقها ودعا الله بها في مواطنها. وهنا ربنا ينبهنا في كل آية باسمين من أسمائه الحسنى مناسبين للآية، فقال سبحانه: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [الحج:٦٠]، فذكر اسمين من أسمائه: العفو والغفور . ومن أسمائه الحسنى ما فيها صفات لا تليق إلا به وحده سبحانه، ومنها ما فيها صفات تليق به وحده لجلالها وكمالها، وأمر العباد أن يتخلقوا بالأوصاف التي فيها كالمغفرة والرحمة، فأمر عباده أن يعفو بعضهم عن بعض، وأن يتراحم بعضهم مع بعض، فمن الصفات التي له سبحانه وأمر العباد أن يتصفوا بها، الرحمة والعفو، فيكون فيهم الرحمة والمغفرة للناس على ما يسيئون إليهم. فذكر هنا: (وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ) وعاقب هنا بمعنى: جازى عقاباً للذي عاقبه، كأنه من ظلم فجوزي على ظلمه. قال تعالى: (ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ) وعد الله المظلوم بأنه ينصره، وهنا أصحاب النبي ﷺ كما ذكرنا قبل ذلك لما لاقوا الكفار في شهر حرام استغل الكفار الفرصة لأن المسلمين لا يقاتلون في الشهر الحرام، وأرادوا قتالهم، فنصحهم المسلمون بأن هذا لا ينبغي؛ لأنه شهر حرام، فأبى الكفار، فقاتلهم المسلمون فنصرهم الله ، فأخبرنا هنا أن من عاقب بمثل ما عوقب به، أي: هؤلاء الذين جازوا الكفار بمثل ما فعل الكفار، فإذا بغى الكفار واستغلوا الشهر الحرام، فالله ينصر المظلوم، فنصر الله المؤمنين ووعدهم بنصره. قال تعالى: (لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ) هنا ينصر المظلوم، وأيضاً يشير لهذا الإنسان الذي يظلم بأن من صفات الله العفو والمغفرة، فكن أنت أيضاً على مثل هذه الصفة، قال تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور:٢٢]، ففي هذه الآية إشارة إلى اسمين من أسمائه سبحانه أنه يعفو عن الذنوب ويتجاوز عن السيئات ويغفر ويستر ، وفيه تعريض للمؤمنين أيضاً أن يكونوا على مثل هذه الصفات، اعفوا واصفحوا حتى يغفر الله لكم. فمناسبة ما ذكر من عقوبة ومن نصر لله ، وأن الله ينصر عباده المؤمنين المظلومين، ختم بالعفو والمغفرة، فإن هذا الكافر الذي قاتل المسلمين لعله يسلم يوماً من الأيام، فالله يغفر لمن دخل في الإسلام بعد كفره، والإسلام يجب ما قبله، والتوبة تجب ما قبلها، فعلى ذلك هنا ربنا سبحانه وعد المؤمنين بالنصر، وأيضاً المغفرة لمن تاب إليه سبحانه والعفو عما سلف. فهذان اسمان من أسماء الله الحسنى: العفو والغفور. (لَعَفُوٌّ) العفو: يتجاوز عن الذنوب لمن تاب إليه سبحانه. (غَفُورٌ) الغفور: الذي يستر الذنوب ويمحوها ويزيلها، والذي لا يؤاخذ بها سبحانه إذا تاب العبد إليه.

стр. 328

تفسير قوله تعالى: (ذلك بأن الله يولج الليل في النهار) قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج:٦١]. قوله تعالى: (ذَلِكَ) أي: ذلك الأمر الذي قصصنا عليك من نصر المظلوم بأن الله على كل شيء قدير سبحانه. وقوله تعالى: (بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ) أي: يدخل هذا في ذاك، ويخرج هذا من ذاك. وقوله تعالى: (وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) الليل فيه الظلمة، فالإنسان لا يرى في الظلمة ولكن يسمع في الظلام، وفي النهار يرى الإنسان ويسمع، فهنا النهار مناسب للإبصار، والليل مناسب للسمع؛ فختم الله الآية بأنه سبحانه السميع البصير سبحانه، فهو سميع ليل نهار، وإن كان الإنسان قد يعتريه في سمعه النقصان في وقت دون وقت على القرب، وعلى البعد، فهو يسمع القريب ولا يسمع البعيد، وقد يكون الإنسان قريباً من إنسان ويصاب بصمم فلا يسمع، لكن الله يسمع كل شيء، ولا يخفى عليه شيء، فالله سميع والله بصير لا يحجبه عن الإبصار الليل ولا النهار، فيرى بالليل كما يرى بالنهار ، يرى الجلي ويرى الخفي، ويرى الدقيق ويرى العظيم الجليل، ويرى كل شيء ما بعد وما قرب.

стр. 329

تفسير قوله تعالى: (ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل) قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦٢] قال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ) فالله الحق، ويأبى إلا أن يحق الحق بكلماته سبحانه. قال تعالى: (وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ) فمهما استنصروا بهذا الباطل ومهما رأوا الباطل قد كثر وقد كبر في نظر هؤلاء، فالله العلي الكبير سبحانه، فالإنسان الذي يتبع الباطل يجد له أعواناً كثيرين على الباطل، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦]، ولا يهدوك إلى سبيل الله، بل يضلوك عن سبيل الله سبحانه. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف:١٠٣]، فالكثرة من الناس ليسوا من أهل الإيمان، فالإنسان يستكثر بمن هو مثله، والكفار يستكثرون ويتقوون بأمثالهم فيرون أنفسهم في عدد كبير جداً، فيستكثرون أنفسهم ويستكبرون بما هم فيه. قال تعالى: (وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ) مهما علا الباطل لا بد أن يدحضه الله سبحانه، والله وحده العلي . وقوله تعالى: (الْكَبِيرُ) مهما كبر أهل الباطل وكثروا فالله هو الكبير وحده لا شريك له، الله أكبر من كل شيء، وأن الله هو العلي الكبير سبحانه الموصوف بالعظمة والكبرياء.

стр. 330

تفسير قوله تعالى: (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء) قال الله تعالى: ((أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ)) [الحج:٦٣]. يذكر لنا النبي ﷺ أن الله يفعل كذا، والله يفعل كذا، ويذكر لنا من صفاته ما يناسب المقام. فالله أنزل الماء من السماء أي: من السحاب ومن حيث شاء الله ، نزل المطر بالليل، وأصبحت الأرض مخضرة، هذه آية، وذكرها قبل ذلك في الآية الخامسة من هذه السورة بقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحج:٥ - ٦]، فالمناسبة العظيمة بين إنزال الماء من السماء: أن الماء ينزل من السماء على أرض جدباء فيحييها الله سبحانه، وينزل القرآن من السماء على قلوب عباد -والله أعلم من يستحق الهدى- فيهديها ويحييها بعد موتها وبعد ضلالها، فالقرآن شفاء ونور وحياة، نزل من السماء ويحيي به الله قلوب من يشاء من خلقه. في الآية الأولى ذكر لنا ربنا سبحانه: (وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ) وهذه لها معان في اهتزازها وربوها، فالأرض تهتز بالنبات الذي فيها، سيقان النبات وجذور النبات تدخل في الأرض، فإذا بالأرض تهتز وتعلو بما نما فيها من جذور للنبات، هذا معنى من المعاني. وتربو الأرض ويرتفع فيها النبات، فكأنها علت بالنبات الذي فوقها. والآية هنا يقول سبحانه: (فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً) وفي تلك الآية يقول سبحانه: (اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ)، والبعض يقول: إن الأرض اهتزت وربت داخل الأرض نفسها، فالأرض من داخلها تهتز، والربو بداخل الأرض نفسها، ثم بعد ذلك ينبت النبات، فعلى التفسير الأول: أن الأرض علت بما فوقها من النبات، نبات نما وعلا فوق الأرض، فهذا هو ربو الأرض وعلوها. والبعض الآخر يقول: إن الربو بداخل الأرض نفسها، التربة نفسها تربو وتنتفخ وتعلو، وهذا موافق لما جاء في هذه الآية، والعلم الحديث يقول لنا هذا الشيء أيضاً، ففي عام ١٨٢٧م اكتشف عالم بريطاني اسمه براون أن المطر ينزل على الأرض فيحدث في الأرض اهتزازات بداخل التربة، أي: حبيبات التراب التي في الأرض تهتز، فيحصل نوع من التأين فيها، شحنات سالبة وشحنات موجبة بسبب المطر، فالتي تأخذ شحنة عالية تتحول إلى شحنة موجبة، والثانية تتحول إلى شحنة سالبة أو العكس في ذلك، فيحصل تنافر بين هذه الشحنات فتعلو الأرض؛ لأن الماء يدخل بداخلها، أي: أن جزءاً من ألف جزء من الملي يدخل فيها شيء من الماء، والأخرى يدخل فيها شيء من الماء، فيحجز الماء في هذه الصفيحات من حبيبات الأرض لكي تنمو النباتات بعد ذلك، يقول براون: إن هذه الحبيبات من التراب عبارة عن صفائح بعضها فوق بعض من المعادن المختلفة، وهي صفائح متراصة، فإذا نزل المطر تكونت شحنات كهربائية مختلفة بين الحبيبات بسبب اختلاف المعادن، وحدث تأين وتحول إلى شحنات سالبة وشحنات موجبة، فإذا نقص عدد الكهيربات في الذرة أصبحت موجبة، وإذا زادت صارت سالبة بفعل الماء الذي ينزل عليها، وبدخول الماء من عدة جهات إلى تلك الحبيبات يحدث اهتزاز في هذه الحبيبات. والاهتزاز له فائدة عظيمة، فقد قال سبحانه: (اهتزت وربت) أي: تهتز صفيحات التراب، وبعد ذلك تتباعد بعضها عن بعض وتحتوي الماء في داخلها، فالاهتزاز يوجد مجالاً لدخول الماء بين الصفائح، فإذا دخل الماء بين صفائح التراب نمت ودبت هذه الحياة، وربت وزادت بسبب دخول الماء بين الصفائح، فإذا تشبعت بالماء أصبحت عبارة عن خزان للماء، فالتراب الذي نراه يصير خزاناً للماء بداخل الأرض يحفظ الماء بين هذه الصفائح، والنبات يستمد الماء من التراب الذي في صفائحه ذرات الماء طوال شهرين أو ثلاثة أشهر، فأصبحت خزانات للماء بداخل الأرض، وربت بفعل الماء الذي بداخلها ثم بعد ذلك أنبتت النبات. وهنا يقول الله في الآية: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً) أي: ربت الأرض وبعد ذلك أخرجت النبات، والاهتزازات الذي ذكرها هذا العالم موجودة في القرآن في قوله تعالى: (فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ)، ولكنهم اعتبروها كشفاً علمياً حديثاً جداً، ونسبوها لصاحبها الذي اكتشفها، ولكن صاحبها الحقيقي هو الله الذي أخبر بها، فسماها علماء النبات اهتزازات براون نسبة لمن اكتشفها، وكان ذلك في عام ١٨٢٧م، والقرآن من قبل ١٤٠٠ سنة ذكر لنا هذا الشيء العظيم: أن الأرض تهتز وتربو وتنمي هذا النبات، ثم اكتشفوا ذلك، ونسبوه للمكتشف ونسوا ما ذكر الله ! فقوله تعالى: (فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً) بالنبات الذي فوقها. قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ) إذ تصبح الأرض مخضرة وفيها النبات الأخضر، فيها الورق الأخضر الذي يأتي عليه الضوء، فيخرج منه أوكسجين؛ لأنه يتنفس ويأخذ ثاني أكسيد الكربون ويخرج لنا الأوكسجين الذي نعيش به، ولكي نعرف لطف الله بعباده أخرج من النبات الغذاء للإنسان والأوكسجين الذي يتنفس به الإنسان من فضل الله ، فقال لنا: الله لطيف بعباده ، فالمطر حياة للإنسان، لما ينزل من ماء يشربه الإنسان ويسقي الأرض وينمي النبات، ويخرج لنا الأوكسجين الذي نتنفسه. قال: (خَبِيرٌ) أي: دقيق في علمه يعلم ما دق وما جل، ويعلم ما يحتاجه الإنسان، فيعطيه ما يحتاجه. وهنا نرى المناسبة الجميلة بين إنزال الماء ولطف الله بالعباد، فالإنسان يعطش ويحتاج للتنفس وللطعام، فالله بلطفه أنزل الماء فأعطاه هذا كله، والله خبير يعلم حاجة الإنسان ويعلم ما في قلبه عندما يدعوه، فالله الخبير سبحانه العليم بخفايا النفوس، والعليم بما يحتاجه الإنسان، أخرج له النبات وأعطاه الرزق.

стр. 331

تفسير قوله تعالى: (له ما في السماوات وما في الأرض) قال الله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الحج:٦٤] الله هو الغني الذي يملك كل شيء، وهو الحميد المستحق لأن يحمد سبحانه تعالى على كماله وعلى جلاله، فالله يملك، والذي يملك هو الغني، والذي يملك هو الذي يحمد؛ لأنه قادر ولأنه مالك ولأنه غني مستغن عن غيره، والكل يحتاجون إليه، واحتياجهم إليه يدفعهم أن يحمدوا هذا الغني الذي يعطيهم بسؤالهم وبغير سؤالهم، فالله له أن يملك فهو الغني سبحانه. فقوله سبحانه: (لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ) أي: يملك ما في الأرض، فكل ما تملك من بيت وأرض وزرع هو ملك لله، ومع ذلك أعطاك ذلك، أفلا تحمده سبحانه أن أعطاك وسماك مالكاً وأنت في الحقيقة لا تملك شيئاً، هو ملك الله سبحانه، فالله الحميد المستحق لأن يحمد سبحانه على كرمه وعلى فضله سبحانه وعلى إعطائه عبيده مالا يملكون، فهو ملك له.

стр. 332

تفسير قوله تعالى: (ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض) قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحج:٦٥]. هذه من نعم الله على العباد، سخر لكم ما في الأرض وما في البحر وما في الجو، سخر لكم الدواب، وسخر لكم الجماد، وسخر لكم الحيوان، وسخر لكم ما في البحار، وما في الأنهار، وسخر لكم ما في السموات من شيء من فضله، وجعل لكم طعاماً من طيور وغيرها، وهنا سخر لكم ما في الأرض . قال تعالى: (وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ) أي: سخر لكم السفن تجري في البحر، ليس بأمرك أنت ولكن بأمر الله ، هو الذي يسيرها بالرياح، وهو الذي يسيرها بما يشاء سبحانه، ولو شاء أوقفها ولو شاء لقلبها وقد فعل هذا كله. قال تعالى: (وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ) أي: يمسك السماء أن تقع، وما سماك هو: ما علا فوقك، ومنه السماء، ويمسك النجوم أن تصطدم بعضها ببعض، وعلماء الفلك يراقبون السماء ويقولون: هناك نجم أتى من تلك المنطقة ومذنب أتى من مكان آخر، ولو وصل إلى الأرض وضربها بذيله لضاعت الأرض، والذي يمسك هذا ويمنعه هو الله حتى يأتي قضاؤه وقدره، والإنسان يراقب فقط، لكن لا يقدر أن يتصرف بشيء، فلو نزل نجم يهوي إلى الأرض لكي يدمر الأرض لا يقدر الإنسان أن يصنع به شيئاً، فالله يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه. قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ) هذا من رأفة الله بعباده ومن رحمته بعباده ، فالله رءوف ولطيف بعباده سبحانه، فالرأفة رحمة الله بعباده، فذكر اسمين من أسمائه: الرءوف، أي: رحيم بعباده سبحانه، ولطيف في رحمته بعباده، وهو الرحيم ذو الرحمة المتواصلة الدائمة في كل شيء من أمور الإنسان ومن أمور خلقه فهو رحيم. (رَءُوفٌ) قرئت في القرآن كله بقراءتين: قراءة الجمهور: ((إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ))، وقراءة البصريين وحمزة والكسائي وخلف وشعبة عن عاصم: (لَرَؤف) بالقصر من غير مد للهمزة، ففي كل القرآن هذا الاسم العظيم يقرأ: (رؤف) ويقرأ: (رءوف). فهنا الأسماء الحسنى جاءت في السبع الآيات المتوالية: (إن الله لعليم حليم)، (وإن الله لعفو غفور)، (إن الله سميع بصير)، (وأن الله هو العلي الكبير)، (إن الله لطيف خبير)، (إن الله لهو الغني الحميد)، (إن الله بالناس لرءوف رحيم) فذكر الله فضله وكرمه وأسماءه الحسنى المناسبة لما ذكره، قال رسول الله ﷺ : (إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة) فالمناسبة: أنك تفهم اسم الله سبحانه، وتستدعي فضل الله بهذا الاسم في الموطن الذي يناسبه، فتسأله رحمته حين تنزل بك المصائب وتنزل عليك الشدائد، وتسأله من فضله، وتسأله من رحمته ومن لطفه، وتسأله من رأفته سبحانه، وفي كل موطن تذكر اسماً من أسماء الله يناسب كشف الضر في هذا الموطن عنك، وإجابة سؤالك. نسأل الله أن يعلمنا ويحفظ لنا دينه، ويجعلنا من عباده المخلصين. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد.

стр. 333

تفسير سورة الحج [٦٦ - ٧٢] لقد خلق الله تعالى الإنسان من عدم ثم يميته ثم يحييه يوم القيامة، والكافر لم يشكر الله تعالى على نعمه، بل صار جاحداً كفوراً لها، مجادلاً بالباطل، فالله سيحكم في هؤلاء يوم القيامة، فهو يعلم ما في السماوات والأرض، ومن ذلك جدل المجادلين وعدم استجابة المكذبين.

стр. 334

تفسير قوله تعالى: (وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن الإنسان لكفور) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الحج: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ﴾ [الحج:٦٦]. لما ذكرنا الله بنعمه العظيمة في الآيات السابقة، وعقب في كل آية من الآيات باسمين من أسمائه الحسنى دالين على ما ذكر فيها، ذكر بعد ذلك طبيعة الإنسان وما فيه من كفر، وما فيه من جهل، فقال : ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ﴾ [الحج:٦٦]. فالله خلق الإنسان وقد كان لا شيء قبل أن يخلقه سبحانه، فأحياه حياتين، وأماته موتتين. فالموتة الأولى يوم أن كان عدماً، ثم أحياه الله وجعله إنساناً في هذه الدنيا، ثم أماته الموتة الثانية ليبعثه ويجازيه يوم القيامة، ثم يحييه بعد ذلك. فالإنسان يمر في حياته بمراحل: مرحلة الطفولة، ومرحلة الشباب، ومرحلة الكهولة، ومرحلة الشيخوخة ثم الموت. يتقلب الإنسان بين حالي الضعف والقوة، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [الروم:٥٤]. فمن المفترض أن الإنسان الذي يرى آيات الله في الخلق، وفي نفسه أن يعرف قدرة الله، فيقدر الله حق قدره، قال سبحانه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام:٩١]. وهنا يذكر سبحانه أنه هو الذي أحياكم، ثم يميتكم، ثم يحييكم. أحياكم يوم أن كنتم عدماً ثم كنتم نطفة فجعل فيكم حياةً مستقرة عشتم بها على الأرض، ثم أماتكم وتوفاكم سبحانه، ثم يبعثكم ليجازيكم، فهل عملتم ليوم الجزاء أم كفرتم وجحدتم نعم الله عليكم؟ قال: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ﴾ [الحج:٦٦] يعني: من طبيعة الإنسان الكفر، والكفر الجحد، والمقصود هنا الجحد لنعم الله ، فمهما أنعم على الإنسان استقل ما أعطاه الله سبحانه، سواء صرح بذلك أم لم يصرح، قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات:٦] أي: كنود جحود كفور، يجحد نعم الله ، إنها طبيعة الإنسان! قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ [العاديات:٧] يعني: لو أن الإنسان حاسب نفسه لعرف أنه فعلاً يجحد نعم الله ، فتجد بعضهم يقول: إنني مريض، ولا أملك شيئاً، يشكو ربه ﵎! فإذا راجع نفسه وتأمل وقال: الله أطعمني، وسقاني، وكفاني، وأواني، ومنع عني الخلق شرورهم، ورزقني، عرف أنه كاذب فيما ادعى من عدم الملك، وأن الله قد أنعم عليه بالنعم العظيمة. فقال هنا سبحانه: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ﴾ [الحج:٦٦] اختلف المفسرون فيمن نزلت هذه الآية فقيل: في الأسود بن عبد الأسد. وقيل: في أبي جهل بن هشام. وقيل: في العاص بن هشام. وقيل: في جماعة من المشركين. ولكن الله لم يقصد هؤلاء فقط، وإنما قال: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ﴾ [الحج:٦٦] يعني: أن جنس الإنسان فيه هذا العيب أنه يعرف نعم الله، ثم ينكرها كما قال: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا﴾ [النحل:٨٣]. فينكر نعم الله التي أنعم عليه بأي دعوة من الدعاوى كأن يكون خائفاً من الحسد أو غيره. فيقول الله له: لا تنكر نعم الله عليك، ولكن قل: الحمد لله الذي أنعم علي وأعطاني. وقل: ما شاء الله؛ إن خفت على نفسك من الحسد من غيرك، أو من نفسك.

стр. 335

تفسير قوله تعالى: (لكل أمة جعلنا منسكاً) يقول سبحانه ﵎: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ [الحج:٦٧] أي: جعلنا لهم شريعة يعبدون الله بها. ومن معاني النسك: شرع الله سبحانه، والنسك العبادة، والذبح لله . فكل أمة من الأمم جعل الله لهم شرعاً ومنهاجاً يسيرون عليه، ثم يأتي نبي بعد نبي فينسخ الله على لسانه ما يشاء، ويأتي بشرع آخر. ولكن يتفق الجميع على عبادة الله الواحد ، ويتفقون على أن يسلموا أنفسهم لرب العالمين يحكم فيهم بما يشاء ، ويتفقون على قول لا إله إلا الله. وقد ذكر المفسرون أن هذه الآية نزلت بسبب جدال الكفار للمؤمنين في أمر الذبائح، فقالوا: تأكلون ما ذبحتم، ولا تأكلون ما ذبح الله! يعنون بذلك الميتة فكأنهم جعلوا ذلك من باب قياس الأولى. وهذا الجاهل الذي يتعامى عن الحقيقة، نسي أن الذي أزهق الروح وقبضها في الحالتين هو الله والإنسان إنما باشر الذبح، ثم أخبرك الله أن هذه المذكاة حلال، وأن التي ليست مذكاة حرام. فهؤلاء جادلوا بالباطل مع معرفتهم ما يقوله النبي ﷺ ، وما يقوله المؤمنون.

стр. 336

تفسير قوله تعالى: (فلا ينازعنك في الأمر) قال الله سبحانه ﵎ عن هؤلاء للنبي ﷺ : ﴿فَلا يُنَازِعُنَّكَ فِي الأَمْرِ﴾ [الحج:٦٧] يعني: دع هؤلاء في إفكهم وافترائهم واختلاقهم على الله الكذب، فأنت قد عرفت الحق الذي أنت عليه. ثم قال سبحانه: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ [الحج:٦٧] ادع هؤلاء وغيرهم إلى الله ، ولا يصدنك هؤلاء عن دعوتك إليه. ثم قال له مؤكداً: ﴿إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج:٦٧] فأنت على هدى ومن معك عليه كذلك، قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨]. فإذا عرف المؤمن الحق فلا ينظر لما يقول الكفرة إلا على وجه الرد عليهم بحيث لا يشغل نفسه بهم، فإن اشتغل بهم ضيعوا عليه أمر دينه. ثم قال سبحانه: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ [الحج:٦٧] أي: انتبه لدعوتك إلى الله ، ولا تشغل نفسك بجدال هؤلاء؛ فإنهم يأخذون وقتك كله، وأنت قد هداك الله إلى دين لا عوج فيه صراط مستقيم إلى جنة رب العالمين.

стр. 337

تفسير قوله تعالى: (وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون) قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ﴾ [الحج:٦٨] أي: إذا جادلوك بهذا الذي يقولونه، ﴿فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحج:٦٨] أي: الله أعلم بأعمالكم، وبأقوالكم، ونواياكم. فقد يقول الكافر كلاماً يتوهم منه المسلم أنه يجادل من أجل الوصول إلى الحق، والله يعلم أنهم كذابون، وأنهم لا يريدون حقيقة ولا غيرها. ولكن يريدون أن يشنعوا على الإسلام وعلى المسلمين، ومهما أظهروا عسلاً أمام الناس فقد أبطنوا فيه سماً. ولذلك من يطلع على أقوال المستشرقين الذين يمدحون الإسلام تجد أن في باطن كلامهم الكذب على هذا الدين وأنهم يقولون كلاماً يجذبون به الناس، ثم بعد ذلك يضعون لهم السموم. ومثال ذلك: الكافر الذي ألف كتاب العظماء المائة في التاريخ، يذكر أن أعظم الناس الذي دعوا الخلق وظهروا واشتهروا هو النبي ﷺ . ثم يقول: إنه يفرق بين كونه رجلاً دعا الناس والتفوا حوله، وبين كتابه الممتلئ بالخرافات، وبالكلام الذي لا يقبله العقل! فالله أعلم بما يعمل هؤلاء، وإن أظهروا أن هذا الدين حسن، فإن لهم هدفاً في قلوبهم وهو تشويه صورة الإسلام، ويجعلونه دين خرافات، فلا يعترفون به. ومن ذلك: ما فعلوا من لجان للتقريب بين الأديان، وأنه لا بد أن يجتمع الناس على التسامح. ثم يجتمعون من أجل أن يتكلموا عن أمر الأديان الثلاثة: اليهودية، والنصرانية، والإسلام. ثم يخرجون بوثيقة يرفض اليهود والنصارى التوقيع عليها وقالوا: نحن لا نعترف بالإسلام أصلاً، أنه دين، أما المسلمون فقد كادوا أن يوقعوا على ذلك! فنقول لهؤلاء المستدرجين من المسلمين: إنهم في الحقيقة لا يعترفون بدينكم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠] فأخبرنا ربنا أن هؤلاء أبداً لن يحبوا المسلمين، ولن يرضوا عنهم حتى يبدلوا دينهم بما هم عليه. فإذا تغافل المسلم عن ذلك سلط الله عليه عدوه حتى يذيقه الأمرين، ليعلموا أن ما قاله الله حق!

стр. 338

تفسير قوله تعالى: (الله يحكم بينكم يوم القيامة) قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [الحج:٦٩] أي: أن الله يحكم بيننا وبينكم يوم القيامة فيما عرفتم من الحق ثم اختلفتم حوله. يقول العلماء: في هذه الآية أدب حسن علمه الله لنبيه صلوات الله وسلامه عليه، ولعباده جميعهم في الرد على المجادل المتعنت، فقال: مثل هؤلاء لا يستحق الجدال والمناظرة؛ لأنه يتكلم بالباطل ولا يريد الوصول إلى الحق. وعلى ذلك فالذي يستحق أن يجادل هو الذي يطلب الحق ليصل إليه، أما الذي يجادل للجدل، فهذا لا يستحق الجواب.

стр. 339

تفسير قوله تعالى: (ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض) قال الله : ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَاب إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج:٧٠] كأنه سبحانه يقول للنبي ﷺ : إنك قد علمت ذلك، على وجه الاستفهام التقريري (ألم تعلم؟) فيقول له وللمؤمنين بالتبع: اعلموا أن الله يعلم ما في السماء والأرض، واستيقنوا ذلك فقد علمه سبحانه وكتبه عنده في كتاب. فكل ما هو كائن إلى يوم القيامة مكتوب عند الله لا يبدل ولا يمحى. قال تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج:٧٠] أي: أن الله كتب ذلك في الكتاب، ويسير عليه أن يعلم كل شيء، إنما هو صعب على الإنسان أن يعلم أشياء من أجل أنه يحفظ هذا، ويحفظ هذا، ويكتب ويقيد من أجل أن يحفظ، لكن الله لا يحتاج إلى كتاب، ولا إلى اللوح، ولا إلى القلم. إنما يبين أنه على كل شيء قدير، فخلق قلماً، وأمره أن يكتب كل ما يريده الله فكتبه، وجعل لوحاً حفظ فيه كل ما شاء الله سبحانه ﵎. وهذا إعجاز من الله أن يخلق قلماً فيكتب، وأي لوح هذا الذي يستوعب كل شيء من وقت ما خلق الخلق إلى أن تقوم القيامة؟! فمهما تعجب الإنسان من ذلك فهو على الله يسير. فإن كان ذلك على الله يسيراً فلم لا تعبدون الله؟ ولم تتركونه إلى غيره ممن لا يستطيعون أن يخلقوا؟ قال سبحانه: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:١٧].

стр. 340

تفسير قوله تعالى: (ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطاناً) قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [الحج:٧١] أي: يعبدون من دون الله أوثاناً، وأحجاراً، ويعبدون أناساً وشياطين وجناً. وفي قوله تعالى: ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ [الحج:٧١] قراءتان: قراءة الجمهور: (مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا) بالتشديد. وقراءة ابن كثير، وأبي عمرو، ويعقوب: (مَا لَمْ يُنزِلْ بِهِ سُلْطَانًا) بالتخفيف، وهكذا في القرآن كله. ومعنى قوله: ((سلطاناً)) أي: دليل وبينة وكتاب من عنده سبحانه. ثم قال تعالى: ﴿وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الحج:٧١] أي: لا علم لهم نزل من عند الله، ولا عقل يدل على ما يقوله هؤلاء، فلا نقل ولا عقل. قال سبحانه: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [الحج:٧١] فإذا جاءوا يوم القيامة وسئلوا: لماذا عبدتم هؤلاء؟ لا يجدون حجة نقلية، ولا حجة عقلية، ولا نصير ينصرهم يوم القيامة حين يردون إلى ربهم . فكانوا في الدنيا في بعد عن رب العالمين، وقست قلوبهم.

стр. 341

تفسير قوله تعالى: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر) قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [الحج:٧١] أي: يعبدون من دون الله أوثاناً، وأحجاراً، ويعبدون أناساً وشياطين وجناً. وفي قوله تعالى: ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ [الحج:٧١] قراءتان: قراءة الجمهور: (مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا) بالتشديد. وقراءة ابن كثير، وأبي عمرو، ويعقوب: (مَا لَمْ يُنزِلْ بِهِ سُلْطَانًا) بالتخفيف، وهكذا في القرآن كله. ومعنى قوله: ((سلطاناً)) أي: دليل وبينة وكتاب من عنده سبحانه. ثم قال تعالى: ﴿وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الحج:٧١] أي: لا علم لهم نزل من عند الله، ولا عقل يدل على ما يقوله هؤلاء، فلا نقل ولا عقل. قال سبحانه: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [الحج:٧١] فإذا جاءوا يوم القيامة وسئلوا: لماذا عبدتم هؤلاء؟ لا يجدون حجة نقلية، ولا حجة عقلية، ولا نصير ينصرهم يوم القيامة حين يردون إلى ربهم . فكانوا في الدنيا في بعد عن رب العالمين، وقست قلوبهم.

стр. 342

تفسير سورة الحج الآية [٧٣] ضرب الله تعالى لنا مثلاً بأحقر المخلوقات وأضعفها وهو الذباب، منبهاً على حقارة الأصنام وسخافة عقول عابديها، فتحدى الله الكفار وآلهتهم التي يعبدونها بأن يخلقوا ذباباً، بل تحداهم بما هو أقل من ذلك، وهو أن يستنقذوا من الذباب ما أخذ منهم، فهم عاجزون عن رد ما سلبه منهم، ضعف الطالب والمطلوب.

стр. 343

تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج:٧٣]. يذكر لنا ربنا في هذه الآية مثلاً يضربه لعباده، فاستمعوا لما يقول الله سبحانه، قال : ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٧٤]، فضرب الله مثل ما يعبد من دون الله ، وكيف أن هذه الآلهة التي تعبد من دون الله لا تملك لنفسها ولا لغيرها شيئاً. وهنا يذكر لنا شيئاً من أحقر الأشياء التي يراها الإنسان، فيقول: ((إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ)) أي: هذه الآلهة التي عبدوها من دون الله، سواء كانت هذه الآلهة من حجر أو كانت من بشر أو كانت من جان أو شياطين أو ملائكة، فهؤلاء عبدوا من دون الله ما لا ينفع، ولا يضر نفسه ولا غيره ولا يملك نفعاً ولا ضراً لا لنفسه ولا لغيره، فهؤلاء لو اجتمعوا لن يخلقوا شيئاً من مخلوقات الله سبحانه، ولو كان هذا الشيء من أحقر ما يكون. قوله: ((وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ)) فهنا شيئان: الأول: الذباب لا يقدر أحد أن يخلقه، أي: لا يقدرون ولو اجتمعوا جميعهم أن يخلقوا ذباباً. الثاني: أن هذا الذباب المخلوق الحقير الذي يقتله الإنسان لو أنه سلب من الإنسان شيئاً لا يقدر الإنسان أن يستنقذ هذا الشيء من هذا الذباب، حتى ولو قتل هذا الذباب فإنه لا يقدر أن يستنقذ هذا الشيء منه. وحاول العلماء ذلك، فوضعوا قطعة سكر للذباب، ومجرد أن وقع عليها الذباب رشوا عليه مبيداً وقتلوه، وحاولوا أن يأخذوا منه السكر فوجدوا أنه مستحيل؛ لأن الذباب لما وقف على السكر قام بإنزال إنزيم حلل السكر إلى مادة أخرى تماماً، وضاعت قطعة السكر على الإنسان ولم يقدر أن يأخذها، وقد يأتي إنسان فيفكر ويعاند في هذا الشيء، ويقول: لماذا لا نقدر أن نستنقذ الشيء من الذباب؟ وقد جرب العلماء وأثبتوا أن ما قاله الله هو الحق، فهذا المخلوق الحقير الذي يضايق الإنسان اسمه ذباب، من الذبذبة والحركة، يعني: كثرة حركة فيه فهو يتحرك شمالاً ويميناً وفوق وتحت، ويؤذي الإنسان ويضايق الإنسان، في الدنيا وكذلك يوم القيامة يكون هذا الذباب في النار ليؤذي أهل النار والعياذ بالله.

стр. 344

حديث الذباب وموقف علماء الطب وغيرهم منه يذكر النبي ﷺ لنا في الذباب شيئاً عجيباً في حديثه، يقول: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه) جاء في هذا الحديث الذي ظل المسلمون مئات السنين لا يعرفون ما وراء هذا الحديث، ولكن يقولون: نطبق ما قال النبي ﷺ ، حتى أتى ممن لا يفهمون سنة النبي ﷺ وبدءوا ينكرون ذلك، ويقولون: كيف يروي الأئمة، مثل هذه الأحاديث حتى الإمام البخاري في صحيحه، وهو: (إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثم لينزعه؛ فإن في إحدى جناحيه داءً وفي الأخرى شفاءً)؟ في الماضي كان المسلمون يعلمون ما قاله النبي ﷺ في الذباب وأن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء، لكن لم يكونوا يعرفون ما هو الداء وما هو الشفاء. وبعد ذلك جاء في القرن العشرين بعض المسلمين ممن استغربوا وخرجوا عن أرضهم وذهبوا للغرب وتعاملوا معهم ورجعوا ينكرون هذا، حتى من المشايخ، ويقولون: لم يكن من المفترض أن يذكر البخاري مثل هذا الحديث في الصحيح، هذا حديث خطأ؛ لأن الذباب مؤذ، وكيف نضع الذبابة كلها بداخل الإناء وكيف نخرجها؟! هذا شيء مقزز، وهذا شيء مؤذ، وهذا فيه مرض، فقالوا ما قالوا فيه، وبعد ذلك يقوم علماء الطب الأجانب ليفحصوا في الذباب، ويبحثوا ما فيها، وماذا في الحديث الذي يذكره النبي ﷺ ، فذكروا أنهم وصلوا بتجاربهم إلى أن الذباب فعلاً في أحد جناحيه جراثيم، وفي الجناح الآخر فيه ما يقتل الجراثيم، هناك أبحاث كثيرة قام بها علماء أمريكيون وبريطانيون وسويسريون وغيرهم فيقولون: ثبت علمياً أن الذباب يفرز جسيمات صغيرة من نوع الإنزيم تسمى (بكتريوفاج) أي: مفترسة الجراثيم، في داخل الذباب نفسه، قالوا: هذه المفترسة للجراثيم تسمى بعامل الشفاء، وهي صغيرة الحجم ويقدر طولها من عشرين إلى خمسة وعشرين (مل مايكرون)، فإذا وقعت الذبابة في الطعام أو الشراب فلو غمست جميعها نزل هذا الإنزيم الذي يقتل الميكروبات الموجودة في هذه الذبابة. يقول الدكتور أمين رضا أستاذ جراحة العظام في بحث عن الذبابة: نؤكد أن المراجع القديمة فيها وصفات طبية لأمراض مختلفة باستعمال الذباب، وهذا شيء عجيب جداً! ثم يقول: وفي العصر الحديث صرح الجراحون الذين عاشوا في السنوات العشر التي سبقت اكتشاف مركبات السلفا بأنهم قد رأوا بأعينهم علاج الكسور المضاعفة والقرحات المزمنة عولجت بالذباب، قال جراحون هذا الشيء! والبعض الآخر قالوا: لاحظ الأقدمون أن موضع لدغة الزنبور أو العقرب إذا دلك بالذباب فإنه ينفع منه نفعاً بيناً. وعندما ذهب الأطباء في الحرب العالمية لمعالجة الجنود لاحظوا أن الجنود الذين يعالجون في ميدان المعركة يشفون بسرعة، أما الضباط الذي ينتقلون للمستشفى ويعالجون بعلاج أرقى ومعقم يتأخر شفاؤهم؛ وذلك لأن الجنود الذين يعالجون في الميدان يتعرضون لوقوع الذباب على جراحاتهم، وليس معنى ذلك أن الذباب شيء جيد، لا، بل هو مؤذ في الدنيا وفي الآخرة والعياذ بالله، ولكن حديث النبي ﷺ الذي يقول فيه: (إذا وقع الذباب)، فالمسلمون لم يعرفوا معنى هذا الحديث، ولكن قالوا: هكذا قال النبي ﷺ ، فعندما بدأ ناس آخرون منهم يقلدون الغرب في كلامهم، وقالوا: كل شيء نفهمه بالعقل ولا نقبل هذا الحديث، لجهلهم وغبائهم، وكثير من المسلمين فيهم غباء وفيهم جهل وفيهم بعد عن دين الله ، وبعد ذلك يتكلم الواحد منهم بجهله ويقول: العلم ينفي هذا الشيء وهو جاهل أصلاً، لم يدرس علماً ولا رآه، لكن هؤلاء الغربيون بيحثون ويرون ماذا وراء هذا الشيء. الدكتور (فيرينك) نشر بحثاً عن جائحات (الهايبا) (يعني: الكوليرا) في الهند، فاكتشفوا كائنات دقيقة تأخذ الجراثيم وتلتهمها، وعندما حصل وباء الكوليرا في الهند، وقتل أناساً كثيرين، وبعد ذلك فجأة قل هذا الوباء وبدأ ينتهي، اكتشفوا أن نوعاً من البكتيريا وهي (البكتريوفاج) (آكلة الجراثيم) كانت السبب في شفاء هؤلاء، وأثبت هذا الرجل أن العامل الأساسي في إطفاء جوائح (الكوليرا) كانت هذه (البكتريوفاج)، وقال: ويوجد في براز الناقهين من المرضى الذين كانوا مصابين (بالكوليرا) هذا (البكتريوفاج)، ويأتي الذباب ويقف على هذا البراز ويذهب على أحواض الماء التي يشرب منها الناس فيضع فيها (البكتريوفاج) ويشفيهم الله ! هذا شيء عجيب جداً، الإنسان لا يتخيل هذا الشيء، وليس المسلمون الذين يقولون هذا الشيء، إنهم الكفار الذين يقولون هذا الأمر، ففي سنة (١٩٢٨م) كان هناك أنواع من الجراثيم تؤذي الناس، فأتى الذباب وأكل هذه الجراثيم، وبعد ذلك تركها، قال هنا: فاختفى أثرها بعد حين، اختفى أثر هذه الجراثيم بعد حين، وماتت كلها من جراء وجود ملتهم الجراثيم، هذا شأن الذباب في مكافحة الأمراض الجرثومية التي قد ينقلها هو بنفسه، الذباب ينقل الأمراض الجرثومية، وفي نفس الوقت فيه علاج لهذه الأمراض. وفي خلاصة بحثه يقول لنا: إذا هيئ خلاصة من الذباب في مصل فسيولوجي فإن هذه الخلاصة تحتوي على أربعة أنواع من الجراثيم الممرضة. وهذا رجل ألماني اسمه (بريشل) قال: وجد أن الذبابة المنزلية مصابة بطفيلي من جنس الفطريات، وهذا الطفيلي يقضي حياته في الطبقة الدهنية الموجودة داخل بطن الذبابة. وقال العلماء الجدد: إن هذا الفطر الموجود فيه خميرة قوية تزيل أجزاء الحشرة الحاملة للمرض. وذكروا عن علماء إنجليز وعلماء سويسريين وغيرهم في اكتشافات لأشياء: أن الذبابة عالجت أمراضاً معينة، بسبب هذا الشيء الموجود فيها، من ضمنها (التيفود) و (الكوليرا) و (الزحار) وغيرها، وهنا الأبحاث التي ذكرها علماء الغرب في ذلك، فيها الذي قاله النبي ﷺ وصدقه المسلمون؛ لأنه غيب، ولم يبحثوا في الذبابة، فأخذوا وصدقوا وسلموا بما قاله النبي ﷺ ، وفعلوا ما قاله ﷺ ، وجاء العلماء الغربيون وصدقوا ما قاله النبي ﷺ ، وإن لم يؤمنوا بما قاله ﵊، ولكن بحثهم العلمي أدى إلى هذا الشيء الذي قاله النبي ﷺ : (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه؛ فإن في أحد جناحيه داءً وفي الآخر شفاء)، فهنا الذي ذكره الله في القرآن أن هذا الذباب من أحقر المخلوقات التي خلقها الله ، فذكرها الله وفيها أنه لا يقدر الإنسان أن يخلق مثلها، ولا يقدر الإنسان إن سلبه هذا الذباب شيئاً أن يستنقذه منه. ((ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ)) الطالب الذي يطلب أن يخلق مثل هذا الذباب، فضعف ولا يقدر، وضعف أن يطلب وأن يستنقذ من الذباب شيئاً أخذه منه، والمطلوب: هو الذباب وهو ضعيف حقير يحتقره الإنسان. نسأل الله أن يعلمنا ديننا، وأن يجعلنا ممن يؤمنون بالغيب ويصدقون كلام الله رب العالمين وكلام النبي ﷺ . أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 345

تفسير سورة الحج [٧٣ - ٧٨] ما قدر الكافرون ربهم حق قدره حيث أنكروا قدرته على البعث وعبدوا غيره وكذبوا رسله، والله يصطفي رسلاً من الملائكة ومن الناس، ويعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، فيجب على العباد الاستجابة لرسل الله الذين يدعونهم إلى عبادة الله، فيعبدونه كما أمرهم، ويجاهدون في سبيله لنصرة دينه الذي ارتضاه وشرعه لجميع الناس.

стр. 346

تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [الحج:٧٣ - ٧٦]. يضرب الله لنا في هذه الآيات مثلاً، وأمرنا أن نستمع لهذا المثل فقال: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الحج:٧٣] ولم يقل: فاسمعوا له من السماع؛ لأنه قد يمر الشيء على أذنك فقد تفهمه، وقد لا تفهمه. ولكن الاستماع بمعنى: الإصغاء والتدبر والتأمل فيما يقوله الله . فيضرب الله لنا الأمثال ويقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة:٢٦]، والبعوضة من خلق الله فلا يستحيي أن يضرب المثل بها، وبما فوقها من كائنات يخلقها الله . فهي وإن كانت حقيرة في نظركم لكنها عظيمة جليلة في خلقتها؛ ولذلك لو اجتمع الخلق كلهم أن يخلقوا شيئاً من أحقر الأشياء التي ينظرون إليها ويستقلونها في أعينهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً. فلذلك يضرب الله المثل بهذا الشيء وإن كان يبدو لك حقيراً، ولكن خلقته خلقة عظيمة جداً، فالله الذي خلقه والذي قدره على أن يطير، والذي قدره على أن يؤذيك ويضايقك. فانظر إلى الذبابة وسميت ذبابة؛ لتذبذبها وكثرة طيرانها، وذهابها ومجيئها، فهي مخلوق خلقه الله يؤذي بطبعه فجعله الله في الدنيا عبرة، وجعله يوم القيامة في نار جهنم عذاباً على أهل النار، وقد أخبر النبي ﷺ أن الذباب كله في النار ليكون عذاباً لأهلها. وفي الدنيا لا يقدر الإنسان على أن يمحو الذباب أو يفنيه، وقد يقلل منه، وهو يتكاثر سريعاً بأمر الله تعالى فيبقى ليؤذي الإنسان، وقد ينفع الإنسان به في أشياء كما ذكرنا في الحديث السابق. فالله يضرب لنا المثل بالذباب الذي نحتقره ونستصغره، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج:٧٣]، إنه لو اجتمع هؤلاء جميعهم العباد والمعبودون من دون الله سبحانه فلا يستطيعون أن يخلقوا ذباباً. قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ﴾ [الحج:٧٣] فلو أن الذبابة وقعت على طعام أحدكم فأخذت منه شيئاً، وطارت به؛ ما قدرت أن تستنقذه منها. وقد ذكرنا سابقاً كيف أنهم راقبوا هذا في الذباب ووجدوا أنه بمجرد أن تضع لعابها على الطعام وقبل أن يدخل في جوفها تحوله إلى شيء آخر يسهل امتصاصه والطيران به. ولا يقدر أحد أن يستنقذه منها أبداً، قال سبحانه: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ﴾ [الحج:٧٣]. والإنسان قد يكون قوياً، فيصارع إنساناً قوياً، ويغلبه ويأخذ منه ما سلبه إياه. ولكن الذبابة الحقيرة تأخذ الشيء، ولا تقدر أن تسترجعه منها. إذاً: اعرف قدر نفسك فالله خلق الأشياء وسخرها لكم، وخلق أشياء ولم تقدروا على تسخيرها إلا أن يشاء الله . قال: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج:٧٣] الطالب هو الذي يريد استنقاذ الشيء، والمطلوب هو الذبابة الضعيفة. فكما ضعف الطالب عن الذبابة كذلك ضعفت الآلهة التي يطلبونها ويرجونها من دون الله ، وضعف عبادها، وهي لا تنفعهم إلا أن يتوبوا إلى ربهم ، ويعبدونه وحده لا شريك له. ومن هذه الآية يتبين عدم احتقار أي مخلوق من مخلوقات الله ﵎، فلعل الله يجعل فيه من القوة ما إنه يسلب منك شيئاً، فلا تقدر أن تسترد هذا الشيء منه.

стр. 347

تفسير قوله تعالى: (ما قدروا الله حق قدره) قال تعالى: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٧٤] فالله هو القوي العزيز القاهر فوق عباده، ومع ذلك لم يعطوه حقه من العبادة الحقيقية، فقد يذكر الله سبحانه أحدهم ولا يستحضر عظمته، ويقسم بالله وهو كاذب في قسمه، ولو استحضر عظمته لم يقسم به، فإن أقسم كان باراً صادقاً فيما يقول. ومعنى قوله تعالى: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الحج:٧٤] أي: ما عظموا الله حق تعظيمه حيث جعلوا هذه الأصنام شركاء له. والعجب من هؤلاء حين يعبد أحدهم هذه الأصنام ويسأل: كم آلهة تعبد؟ يقول: سبعة: ستة في الأرض، وواحد في السماء! فقد سأل النبي ﷺ حصيناً والد عمران بن حصين فقال: (من الذي لرغبتك ورهبتك قال: الذي في السماء). إذاً: عرفوا أن الذي في السماء هو الذي ينفعهم، وهو الذي يضرهم، وهو الذي يملك لهم كل شيء، ومع ذلك عبدوا غيره، وأوحت لهم الشياطين أنكم إنما تعبدونها لتقربكم إلى الله زلفى، وقد أمر الله عباده بعبادته وحده، ونهاهم أن يشركوا به شيئاً، ومع ذلك أصروا على الشرك بالله . قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٧٤] أي: إن الله قوي عزيز لا يمانع، يمنع ما يشاء، ويعطي ما يشاء.

стр. 348

تفسير قوله تعالى: (الله يصطفي من الملائكة رسلاً) قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج:٧٥] في هذه الآية كأن الله يرد على هؤلاء المشركين الذين قالوا: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١]، والقريتان: مكة والطائف، فهم نظروا إلى هذين السيدين فيهما، واعترضوا كيف لا ينزل على أحدهما القرآن ونزل على محمد ﷺ ؟! فأجاب الله سبحانه: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف:٣٢] أي: هل أنتم تقسمون لأنفسكم شيئاً أم الذي يقسم الأرزاق، ويقسم الرحمات هو الله ؟ فهم قد عارضوا ربهم ، وادعوا أشياء لا يحل لهم أن يدعوها، واعترضوا على نبوة النبي صلوات الله وسلامه عليه، فأنزل الله أنه يصطفي من يشاء. وهذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة الذي قال عن النبي ﷺ : ﴿أَؤُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [ص:٨]، فقال الله : ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ [الحج:٧٥] أي: يصطفي من الملائكة رسلاً يرسلهم إلى أنبيائه في الأرض، فالملك الذي ينزل من السماء إلى الأرض اصطفاه الله واختاره واجتباه من بين الملائكة، فهو مقرب إلى الله ، وكان من أعظم ملائكة الله جبرائيل ﵊ الذي نزل بالوحي على النبي ﷺ وعلى الأنبياء من قبله. قال الله سبحانه: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج:٧٥] أي: ومن الناس كذلك يصطفي رسلاً، فاصطفى منهم آدم، ونوحاً، واصطفى إبراهيم عليهم الصلاة والسلام، واصطفى نبينا صلوات الله وسلامه عليه وفضله على سائر الأنبياء والمرسلين بل على سائر خلقه. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج:٧٥]، فالله سميع لأقوال عباده، بصير بمن يستحق أن يختاره من خلقه لرسالته، علام الغيوب يعلم كل شيء ولا يخفى عليه شيء.

стр. 349

تفسير قوله تعالى: (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم) قال سبحانه: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [الحج:٧٦] ما بين يديك هو: ما أمامك من المكان ومن الزمان، وما خلفك أي: ما وراءك من المكان ومن الزمان. فالله يعلم ما يكون أمامكم من أشياء وضعها الله في أماكنها، وما أمامكم من زمان، وكم ستعيشون في الأرض؟ وإذا متم من يخلفكم؟ كذلك يعلم ما بين أيديكم من أعمال ستعملونها، وما خلفكم مما قد عملتموه، وكل ذلك عند الله في كتاب. قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [الحج:٧٦]. فكل أمر من الأمور مآله إلى الله ، ليحاسب من فعله يوم القيامة، فيسأل الإنسان عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وماذا عمل فيما علم. يعلم الله ذلك ويحاسب ويجازي العباد عليه، وإليه ترجع جميع أمور خلقه.

стр. 350

تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم) قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمُ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج:٧٧]، أمر الله سبحانه عباده بالركوع وبالسجود، وهذه سجدة يسجد عند قراءتها، لكن عند الإمام مالك وعند الإمام أبي حنيفة أنها ليست من عزائم السجود، وعند الشافعي وأحمد أنها من سجدات القرآن. فالذين قالوا: ليست من عزائم السجود كـ مالك وأبي حنيفة قالوا: هذه الآية أمرت بالركوع والسجود وكأنها أمرت بالصلاة، فعبرت عنها بالركوع والسجود. لكن غيرهم قال: الأمر هنا بالركوع وبالسجود، فيسجد الإنسان لهذه السجدة، وذكروا حديثاً عن النبي ﷺ : (أن هذه السورة فضلت بسجدتين فمن لم يسجد فيهما فلا يقرأهما) وإسناده فيه ضعف. وفي هذه الآية عطف العبادة على الركوع والسجود وهما عبادة فكأنه خصص ثم عمم. إذاً: ذكر الركوع والسجود للمزية؛ ولأنهما علامة خضوع العبد لله سبحانه، ويظهر ذلك عندما يحني جبهته ويحني جسده لله تعالى، ويسجد على أشرف أعضائه، وهو وجهه فيجعله على الأرض مطيعاً لله رب العالمين. قال الله سبحانه: ﴿وَاعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [الحج:٧٧] أي: ذللوا أنفسكم لربكم وأطيعوه فيما أمر، وانتهوا عما نهى عنه، وافعلوا الخير بجميع وجوهه لعلكم تفلحون. قال تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج:٧٧] وقد علم الله أن المفلحين الذين يفعلون ذلك. و (لعل) من الله لا بد من تنفيذ ما ذكره سبحانه مرتبطاً بها، فهو أوجب على نفسه سبحانه أن يجعل دار الكرامة لمن أطاعه، ودار المهانة لمن عصاه، فقال هنا: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج:٧٧]. ولعل معناها الرجاء عندنا فنحن نعمل الخير رجاء رضا الله وجنته، لكن الله تعالى قد علم الطائعين فأعد لهم جنته، والعاصين فأعد لهم ناره.

стр. 351

تفسير قوله تعالى: (وجاهدوا في الله حق جهاده) قال تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج:٧٨]، أمر الله العباد أن يجاهدوا في الله حق الجهاد، وحق الجهاد أن يكون الجهاد كله لله ؛ وليس للنفس فيه حظ. فقد سأل رجل النبي ﷺ : (أرأيت أحدنا يقاتل حمية، ويقاتل شجاعة، أي ذلك في سبيل الله؟ قال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله). فالذي يجاهد ليعلي شرع الله سبحانه وليرفع كلمة الله هو الذي يجاهد في سبيل الله سبحانه. ومن أعظم الجهاد أن يجاهد الإنسان نفسه في الله، وأن يجاهد أعداء دينه من الكفار ومن المنافقين. وكذلك أن يجاهد في الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ولذلك جاء في حديث فضالة بن عبيد ﵁ مرفوعاً: (ألا أخبركم بالمؤمن؟ من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم) وإن كان الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر والقدر خيره وشره، ولكن لا يتم الإيمان إلاَّ أن يعمل أعمالاً أخرى من أعظم هذه الأعمال: أن تكون أميناً مأموناً عند الناس في أموالهم وأنفسهم، فإذا كانوا معك فهم آمنون من شرك فلا تؤذيهم في أبدانهم ولا تخونهم ولا تخادعهم. فيعطيك المال وهو آمن أنك سترد إليه ذلك، وأنك لن تخونه ولن تخدعه ولن تضيع عليه ماله، وكذلك في النفوس. ومعلوم أن المسلم: من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وصام رمضان، وحج البيت إن استطاع إليه سبيلاً. وقد بين النبي ﷺ عملاً آخر من أعمال الإسلام التي يجب على المسلم فعلها فقال: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده). وعليه فالمسلم هو الذي حصل أركان الإسلام، وكان من صفاته: أن الناس يسلمون من لسانه ويده، فلا يقع فيهم بغيبة، ولا بنميمة، ولا يشهد عليهم زوراً، ولا يفعل بهم فجوراً وغير ذلك من آفات اللسان. ومن صفاته: أن يسلم الناس من يده فلا يؤذي بها أحداً إلا بحق الله ، فيغضب لله، وينتصر لله ، ليس المؤمن الذي يؤذي ويلعن أو يطعن في الناس. وقال في المجاهد: (من جاهد نفسه في طاعة الله) فقد يكون الإنسان يجاهد في سبيل الله في الظاهر، وفي الباطن أنه ما قاتل إلا لدنيا يصيبها، أو قاتل ليقال عنه: جريء وشجاع. ولذلك هنا ينبه النبي ﷺ أنك لكي تجاهد عدوك حق الجهاد لا بد أن تجاهد نفسك في البداية على طاعة الله سبحانه، وعلى القيام بأمره وعلى الإخلاص وعدم المعصية. ولا يتخيل أن إنساناً لا يجاهد نفسه سيجاهد أعداء الله سبحانه، بل ذلك دليل على أنه سيفر منهم. فإذا كان في نفسه لا يصبر على طاعة الله ولا يصلي ولا يصوم ولا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن منكر، ومن ثم يريد جهاد الكفار وهو لم يجاهد نفسه، فإن ذلك لمن العجب! قال: (والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب) فالمهاجر من هاجر من مكة إلى المدينة، أو المهاجر الإنسان الذي يهجر دار الكفر ودار المعاصي إلى دار الإيمان ودار الطاعات، ولكن مع هجر الخطايا والذنوب، فالإنسان المؤمن يبتعد عن الخطايا وعن الذنوب، ويكون هاجراً لها ومخاصماً لها وبينه وبينها حواجز عظيمة؛ لأنه يطيع الله سبحانه. قال: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج:٧٨]، فحق الجهاد أن تجاهد في سبيل الله سبحانه وتجاهد نفسك فتلزمها بالطاعة وتنهها عن المعصية، وتجاهد الناس في الله فتأمرهم بالمعروف، وتنهاهم عن المنكر، وتجاهد المنافقين وتجاهد الكفار كما أمر الله في كتابه، فمن فعل ذلك كان المجاهد حق الجهاد. نسأل الله أن يجعلنا من أهل هذه الدرجة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 352

تفسير سورة الحج [٧٦ - ٧٨] يأمر الله تعالى عباده المتصفين بالإيمان أن يركعوا ويسجدوا ويقيموا صلاتهم ويعبدوا ربهم؛ لأن ذلك هو الطريق الموصل إلى الفلاح، كما يأمرهم بالجهاد في الله حق جهاده باجتناب المعاصي وفعل الطاعات، ومقارعة المشركين الصادين عن الدين، والمولى جل في علاه حين يأمر بهذا لا يريد أن يدخل المكلفين في الحرج والمشقة، إنما هو ابتلاء بأمور يستطيعونها، ومن قام بذلك من هذه الأمة فهو المسلم المستحق أن يشهد على الأمم السابقة بتبليغ رسلهم إياهم الدين، فعليهم بالاعتصام بالله فهو نعم المولى ونعم النصير.

стр. 353

تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمُ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج:٧٧]. في قوله تعالى في آخر الآية السابقة: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجُعُ الأُمُورُ﴾ [الحج:٧٦]، قراءتان: قراءة ابن عامر، ويعقوب، وحمزة، والكسائي وخلف: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تَرْجِعُ الأُمُورُ﴾ [الحج:٧٦] بالمبنى للمعلوم، وقراءة غيرهم: ((تُرجَع)) بالمبني للمجهول، والمعنى: أن الأمور مرجعها إلى الله ، فكل أمر يفعله الإنسان مرجع ذلك إلى الله ، يجازي العبد على خيره بالخير والإحسان، وعلى شره بالعقوبة في النار أو يعفو عمن يشاء. ثم أمر عباده بالركوع والسجود قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمُ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج:٧٧]. (اركعوا واسجدوا)، إشارة إلى الصلاة، إذ إن ذلك من أفعالها، وأيضاً هذه آية من آيات السجدة في كتاب الله العزيز. وهنا خصص الله وعمم، خصص الصلاة وهي من أهم العبادات، فبها تتعبد لربك سبحانه، وتصلح ما بينك وبينه، وتدعوه كل يوم، ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦]، سبع عشرة مرة في صلاة الفريضة وغير ما تدعوه في صلاة النافلة في قراءتك لفاتحة الكتاب. وقد قسم الله الصلاة بينه وبين عبده فقال الله في الحديث القدسي: (إذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، قال الله سبحانه: حمدني عبدي. وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣]، قال: أثنى علي عبدي. وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤]، قال: مجدني عبدي. وإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل). قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [الحج:٧٧] أي: بكافة أنواع العبادة، ثم قال: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج:٧٧] أي: لتتقربوا به إلى الله سواءً كان الخير فرائض أو نوافل.

стр. 354

تفسير قوله تعالى: (وجاهدوا في الله حق جهاده) قال الله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج:٧٨]، تجاهد نفسك في الله بأن تطيعه في كل ما أمرك به، وتنتهي عما نهاك الله عنه. وتجاهد أعداء دين الله سبحانه: من الكفار، والمنافقين. فالجهاد أنواع: جهاد الكلمة، وجهاد القلب، وجهاد السيف والإيمان. فتجاهد نفسك، وتجاهد غيرك، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ما استطعت إلى ذلك سبيلاً. وتجاهد بالدفاع عن دين الله، وإظهار حجته على خلقه. قال: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ [الحج:٧٨]، فمثلما أن الله يختار من خلقه ما يشاء، ويجعل من الملائكة رسلاً ومن الناس، فقد اختار هذه الأمة. قال سبحانه: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ [الحج:٧٨] أي: اصطفاكم واختاركم، وفضل هذه الأمة على غيرها من الأمم.

стр. 355

معنى قوله تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) ثم قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، فالله رءوف رحيم، ما جعل علينا في الدين من حرج. والحرج: الضيق، ويأتي من المكان الذي لا يجد الإنسان لنفسه مخرجاً، ولذلك جاء عن ابن عباس ﵁ في هذه الآية أنه سأله عبيد بن عمير وجاء في ناس من قومه وقالوا: ما الحرج؟ فقال ابن عباس: أو لستم العرب؟ فسألوه ثلاث مرات وفي كل ذلك يقول: أو لستم العرب؟ ثم قال: ادعوا لي رجلاً من هذيل فقال: ما الحرج فيكم؟ فقال: الحرج من الشجر ما ليس له مخرج، يعني: الشجر الملتف إذا دخلت فيه لم تستطع الخروج منه. ومعنى الحرج هنا: أي لم يجعل الضيق في الدين. فلرأفة الله بالمؤمنين ورحمته جعل لهم في هذا الدين اليسر العظيم، وجعل لهم من قواعده أن الأمر إذا ضاق اتسع، فإذا وجدت الشدة رخص الله لعباده. وجاء عن النبي ﷺ قوله: (بعثت بالحنيفية السمحة)، والحنيفية ملة إبراهيم، ودين الإسلام الدين الحنيف، والمسلم حنيف مائل عن الأديان الباطلة إلى الصراط المستقيم، إلى الدين الحق الذي فيه السماحة وفيه اليسر. فالله كان يشدد على الأمم السابقة بعتوهم وطغيانهم، ومعصيتهم له، وبعدهم عن طاعة رسل الله عليهم الصلاة والسلام. ولكن هذه الأمة جعل فيها الحنيفية السمحة، فأعطاها من المسامحة، وأعطاها من اللين ما لم يعط أمة قبلها، فرفع عنها المؤاخذة فيما تبدي في أنفسها أو تخفيه، قال تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٤]، فضاق ذلك على المؤمنين جداً أن يحاسبوا على ما في أنفسهم وإن أخفوه! فقال الله سبحانه: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦]. فدعا المؤمنون ربهم بذلك، فقال: (قد فعلت) أي: لا أؤاخذكم إذا نسيتم، أو أخطأتم إلى آخر الآية. كذلك من فضله على هذه الأمة أنهم يتوبون وتوبتهم تجب ما قبلها، أما الأمم السابقة فقد شدد عليهم، فبنو إسرائيل لما عبدوا العجل من دون الله أمرهم نبيهم موسى ﵊ لكي يتوبوا إلى الله وتقبل توبتهم أن يقتلوا أنفسهم، فقام بعضهم إلى بعض بالسيوف فقتل بعضهم بعضاً حتى قتل منهم في وقت واحد سبعون ألفاً! ثم تقبل منهم، ولم يجعل توبتهم باللسان. ومن ذلك أيضاً: ما جاء عن النبي ﷺ في حجة الوداع (لما سأله رجل: إني حلقت قبل أن أنحر، قال: افعل ولا حرج)، وقال آخر: رميت قبل أن فعل كذا، افعل ولا حرج. فما سؤل يومئذ عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: افعل ولا حرج. وكان من فضل الله سبحانه أن أنعم على هذه الأمة برفع الحرج، قال لنا: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، فدين الإسلام أن تستسلم لرب العالمين، وتسلم نفسك إليه لتنتفع بذلك، أما الله فلا تنفعه عبادتك، ولكن خلقك إظهاراً لقوته وقدرته سبحانه؛ وليظهر أسماءه الحسنى وصفاته العلى بخلق مخلوقاته فيرحمهم ويتوب عليهم إذا تابوا، فقصد نفعهم تفضلاً منه . ومن رأفته بخلقه وفضله أن قدر العباد على ما كلفهم، ولم يكلفهم بما لا يقدرون عليه، فمثلاً أمر العباد بخمس صلوات في اليوم والليلة، والعبد يقدر أن يصلي أكثر من الصلوات الخمس، ولكن الله جعلها خمس صلوات فقط في الفريضة، وما شئت من نوافل. وفي الصيام أمرك بصوم رمضان وأنت تقدر أن تصوم رمضان وزيادة، ولكن لم يزد على ذلك إلا أن يكون كفارة أو نذر من العبد. فالله لو شاء لجعل السنة كلها صيام، ولجعل الفطر منها أياماً معدودة، ولكن من فضله ومن كرمه لم يكلف العباد إلا ما يطيقونه بل أقل مما يطيقون. وقد جعل ما كلفهم به أقساماً ثلاثة: قسم يتعلق بالعقائد، وثانٍ يتعلق بالأفعال، وثالث يتعلق بالمنهيات. ففي العقائد كلفوا أن يؤمنوا بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقضاء والقدر، وينبني على هذا الإيمان أن يعمل رجاء جنة الله ، وخوفاً من ناره. وجعل ما يفعله العباد أقساماً: قسم يتعلق بأبدانهم: كالصلاة والصوم. وقسم يتعلق بأموالهم: كالزكاة. وآخر يتعلق بالأموال والأبدان، مثل: الحج. وجعل التكاليف سهلة ميسرة على العباد، وجعل في هذه الأقسام رخصاً للعباد، فإذا سافر العبد جاز له الفطر وقصر الصلاة وجمع الصلاتين في وقت إحداهما. وجعل ما نهاهم عنه رحمة بهم، فلا ينهانا إلا عن الشيء الخبيث المؤذي الذي يضر الإنسان في حياته وبعد وفاته، ومن ذلك في الكف: قسم جعله الله سبحانه إحياءً لنفوس العباد، وإصلاحاً لأبدانهم: كنهيه عن القتل، وعن أكل الخبائث والسموم. وجعل قسماً آخر من المنهيات لئلا تؤذي غيرك بأن تتلف عليهم أموالهم، أو تتلف عليهم أعضاءهم، وجعل في ذلك العقوبة حتى يحيا الناس من غير أن يؤذي بعضهم بعضاً. وقسم لحفظ نسب الناس، ونسلهم وتعظيم المحارم: كالنهي عن الزنا وغير ذلك. فالمتأمل في الشريعة يجدها كلها رحمة في الأمر والنهي وليس فيها من حرج. كذلك لم يكلف الصغير قبل البلوغ وإن كان يعقل، ومن رحمته في ذلك أن يكتب له الحسنات ولا يكتب عليه الأوزار، فلا يبلغ إلا وله رصيد من الحسنات. ومن رحمة الله بعباده أن خفف عليهم، ونهى عن التشديد في الدين، وهذا الصحابي عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ لما أحب أن يصوم الدهر كله، ويقوم الليل كله نهاه النبي صلوات الله وسلامه عليه وقال: (إن لزوجك عليك حقاً، ولزورك عليك حقاً، ولجسدك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه). والله رفع عنا الحرج في الخطأ وفي النسيان، وما استكرهنا عليه. فعلى المسلم أن ينظر في نصوص الشريعة ليعلم ما جاء فيها من ترخيص فيأخذ به، ولا يعمل بالتشهي والهوى.
следующие страницы →